اللاهوت التعميدي[*]

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

لقد كان في الماضي، ولم يزل في أيامنا هذه، مناقشات كثيرة حول معمودية غير الأرثوذكس، أي ما إذا كان ينبغي تعميد الذين انحرفوا عن الإيمان الأرثوذكسي ويطلبون العودة إليه أم يُكتفى بمسحهم بالميرون المقدس بعد أن يعلنوا اعتراف الإيمان. وقد صدرت قرارات بهذا الشأن عن مجامع محلية ومسكونية.

في ما يلي سوف أناقش على سبيل المثال، الاتفاق الذي تمّ بين مجلس المطارنة الأرثوذكس القانونيين  في أميركا (SCOBA) والمجلس الوطني للأساقفة الكاثوليك في أميركا في الثالث من حزيران 1999.

أساس هذه الوثيقة هو اتفاق البلمند في 1993 “الإتحادية، طريقة اتحاد من الماضي، والبحث الحالي عن الشركة الكاملة”. عنوان النص الذي يتناوله هذا التعليق هو “المعمودية والتدبير الأسراري” وهو اتفاق وقّعه الأرثوذكس والكاثوليك في أميركا. بحسب ملاحظتي، يستند هذا النص إلى عدد من النقاط النموذجية للحركة المسكونية المعاصرة، وهي ذات دلالة بالنسبة لجوهرها الحقيقي[†].

النقطة الأولى هي أن “المعمودية تستند إلى الإيمان بالمسيح نفسه وتستمد حقيقتها من هذا الإيمان الذي هو إيمان الكنيسة وإيمان المؤمنين”. عند النظرة الأولى، يُصدَم المرء لغياب أي إشارة إلى الإله الثالوثي، وقد يكون هذا لتبرير هذا التفسير المرِن للمعمودية كي يصبح الإيمان علامة المعمودية الرئيسية وعنصرها الأساسي.

النقطة الثانية هي أن المعمودية ليست ممارسة تفرضها الكنيسة بل هي “بالأحرى أساس الكنيسة. إنها تؤسس الكنيسة”. هنا،  مفهوم المعمودية ليس السر “الأوّلي” الذي به ندخل الكنيسة، بل أساس الكنيسة والذي يقَدَم على أنه الحقيقة.

النقطة الثالثة هي أن المعمودية “لم تُفهَم يوماً على أنها احتفال خاص، بل بالأحرى كحدث مشترك”. هذا يعني أن معمودية الموعوظين كانت “فرصة لتوبة كل الجماعة وتجدّدها”. فالمعتمد ملزَم بأن “يؤمن بإيمان الجماعة المشترك بشخص المخلّص ومواعيده”.

النقطة الرابعة هي تكملة لسابقاتها. بما أن المعمودية تستند إلى الإيمان بالمسيح، وبما أنها أساس الكنيسة، وبما أنها فوق كل هذا عمل الجماعة، هذا يعني أن الاعتراف بالمعمودية يستلزم الاعتراف بالكنيسة التي تمت فيها المعمودية. فيرد في البيان المشترك “إن أعضاء مؤتمرنا، الأرثوذكس والكاثوليك، يعترفون بأن في تقليدينا تعليم مشترك وإيمان مشترك بمعمودية واحدة، بالرغم من التنوّعات بالممارسة التي نؤمن بأنّها لا تؤثّر على جوهر السر”.

بحسب هذا النص، هناك تعليم مشترك وإيمان مشترك مختص بالمعمودية في “كنيستين” والاختلافات الموجودة لا تؤثّر على جوهر السر. يعترف الطرفان بحقيقة كنسية “في الآخرين، مهما كانت نظرتهم إلى طريقة عيشهم لحقيقة الكنيسة كمتصدعة وغير كاملة”. الأساس اليقيني للاستعمال الحديث لعبارة “الكنائس الشقيقة” موجود في هذه النقطة[‡]. فالكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة اللاتينية هما “الكنيستان الشقيقتان” لأن لهما التقليد نفسه، الإيمان نفسه، والمعمودية نفسها، مع أن هناك بعض الفروقات فيما بينهما. ومن ثم يؤكَد الرأي التالي عدة مرات في النص: “نحن نرى أن هذا الاعتراف المتبادَل لحقيقة المعمودية الكنسية، بالرغم من انقساماتنا، متناغم كلياً مع التعليم الخالد للكنيستين”. يؤكد موقّعو الوثيقة، مسيئين تفسير القديس باسيليوس الكبير، على أن الكنيستين، بالرغم من الشوائب الموجودة، تشكّلان الحقيقة الكنسيّة نفسها “بعطية الله، نحن، كلٌّ منا، من الكنيسة بحسب كلمات القديس باسيليوس”.

النقطة الخامسة هي أن موقّعي الوثيقة يجدون عيباً عند القديس نيقوديموس الأثوسي الذي، في تفسيره لآراء القديسين كبريانوس القرطاجي وباسيليوس الكبير ولقرارات المجمع المسكوني الثاني، يتكلّم كغيره من هدوئيي القرن الثامن عشر عن الدقّة (akribia) والتدبير (oikonomia) في ما يتعلّق بطريقة تقبّل الهراطقة في الكنيسة الأرثوذكسية. هذا يعني أن الآباء تقبّلوا الهراطقة أحياناً بالدقة، أي بالمعمودية، وأحياناً بالتدبير، أي بالمسح بالميرون. في أيّ حال، حتى عندما تتقبّل الكنيسة أحداً ما بالتدبير، هذا يعني أنها تنجز سر الخلاص في ذلك الوقت بالتحديد، وذلك بالضبط لأنّها فوق القوانين وليس العكس، ولأنّها، أي الكنيسة، هي مصدر الأسرار، وبالتالي مصدر المعمودية، وليست المعمودية أساس الكنيسة. يمكن للكنيسة أن تستقبل هذا الهرطوقي أو ذاك على أساس التدبير، بدون أن يتضمّن هذا اعتراقاً بأن الجماعة التي سبق لها تعميده هي كنيسة. هذا هو الإطار الذي فسّر ضمنه القديس نيقوديموس قرارات المجمع المسكوني الثاني المتعلّقة بهذا الموضوع.

إحدى توصيات البيان المشترك تورِد أنّ على الكنيستين أن تعلنا بوضوح بأن “الاعتراف المتبادل بالمعمودية لا يبدد القضايا التي تقسمهما، ولا تعيد تأسيس شركة كنسية كاملة بين الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية، لكنها ترفع حاجزاً رئيسياً على طريق التقدم نحو الشركة الكاملة”. طبعاً يتضاعف التشويش لأن هذه التوصية قابلة لعدد من التفسيرات المختلفة.

يتّضح من هذا التحليل المقتَضَب مدى سيطرة الارتباك على الدوائر المسكونية في ما يتعلّق بهذه الأمور. كما يتّضح أن دعاة المسكونية الأرثوذكس يفهمون أن معمودية غير الأرثوذكس (كاثوليك أو بروتستانت أو غيرهم ممّن غيّروا عقيدة الثالوث وغيرها) تعني قبول الوضع الشرعي للكتل غير الأرثوذكسية، وما هو أسوأ، أن “الكنيستين” الأرثوذكسية واللاتينية، متّحدتان بالرغم من الفروقات “الصغيرة”، وبأننا نشتّق من الكنيسة نفسها وعلينا أن نسعى للعودة إليها، وبذلك نكوّن الكنيسة الوحيدة الواحدة. إن هذا الكلام هو تعبير صارخ عن نظرية الفروع (branch theory)[§].

عندما يوجد هذا القدر من التشوش، من الضروري اعتماد موقف الصرامة الذي يحفظ الحقيقة: أنّ كل الذين سقطوا في الهرطقة هم خارج الكنيسة وأنّ الروح القدس لا يعمل على تأليههم.

في أي حال، يخلق اللاهوت التعميدي مشاكل هائلة للأرثوذكس. من وجهة النظر الكنائسانية، النصّ المتداوَل مثقَل بالأخطاء. التعليم الأرثوذكسي الآبائي حول هذا الموضوع هو أن الكنيسة هي جسد المسيح الإلهي البشري، الذي فيه تُحفَظ الحقيقة الملهَمة، أي الإيمان الأرثوذكسي، ويتم سرّ التأله عبر أسرار الكنيسة (المعمودية، الميرون، والأفخارستيا الإلهية). الشرط المسبق الأساسي لهذا هو أننا نشارك في قوّة الله المطهِّرة والمنيرة والمؤلِّهة. المعمودية هي السر المدخل إلى الكنيسة. لا تستند الكنيسة إلى سر المعمودية بل بالأحرى، معمودية الماء بالتزامن مع معمودية الروح، تعمل في الكنيسة وتجعل المعتمد عضواً في جسد المسيح. لا يوجد أسرار خارج الكنيسة، أي خارج جسد المسيح الحيّ، كما أنه لا يوجد حواس خارج الجسم البشري.

في الختام، أرغب في ذكر استنتاج الأب جورج دراغاس الذي ترجم الوثيقة من الإنكليزية إلى اليونانية:

لن تكسب هذه التوصيات موافقة كل الأرثوذكس وبالتالي هذه التوصيات هي بطبيعتها الخاصّة مسبّبة للشقاق[**]. السبب الرئيسي الذي دفعني إلى هذه الخلاصة السلبيّة هو أنّ هذا التحقيق حول اللاهوت الأسراري خالٍ من أيّ أساس كنائساني وبأنه يفسّر من جهة واحدة، أو بالأحرى يسيء تفسير، حقائق الممارسة الأسرارية الأرثوذكسية وخاصةً ما يتعلّق بغير الأرثوذكس في حقبات مختلفة من تاريخ الكنيسة. إنّ هذه التوصيات والاستنتاجات، وبالحقيقة، كل البيان المشترك هي خلاصة نزوع الغرب إلى الشكّ. إن قبول اللاهوتيين الأرثوذكس لها يشير إلى خيانة متعمّدة للأفكار الأرثوذكسية واتفاقيّة استسلام  للمسكونية الغربية وهو ما ينبغي رفضه.

[*]    Baptismal Theology وهي نظرية تقوم على أن المعمودية مشتركة بين المسيحيين. ولهذه النظرية دعاتها بين الأرثوذكس ومن أهمهم يوحنا زيزيولاس. (المترجم)

[†]  في ما يلي ترِد الاقتباسات من نص الاتفاقية بين مزدوجين.

[‡] يجدر هنا أن نذكر أن هذا الاتفاق تمّ التوصّل إليه بعد رسالة الكاردينال راتزينغر التي يرفض فيها اعتبار الكنائس غير الكاثوليكية كنائس شقيقة بل يشدد على أن الكثلكة هي الكنيسة الأم. الواقع أن دارس هذه الأمور يرى وجود فوضى تربك محاور الكثلكة إذ يجد تشدداً على مستوى فيما يلاقي الانفتاح (؟) على مستوى آخر. (المترجم)

[§]  Branch Theory أو نظرية الفروع أنكليكانية المنشأ ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر ومفادها أن كل “الكنائس” المسيحية هي فروع لكنيسة المسيح وتكمّل بعضها البعض. في البداية رفض الكاثوليك هذه النظرية بينما تبنّاها مجلس الكنائس العالمي. الظاهر اليوم أنّها صارت مقبولة عند أغلب المسيحيين بتأثير الحركة المسكونية وتهافت المجموعات المسيحية على التوافق الذي لا يحمل دوماً محتوى لاهوتياً (المترجم).

[**]  الشقاق ممكن حيث يكون هناك اهتمام. لكن البرودة تحكم الواقع الأرثوذكسي. فعلى سبيل المثال، لم يرد أي رد فعل رسمي من أي مجمع، رفضاً أو تأييداً، على الوثيقة التي تعالجها هذه الورقة، ما لا يعكس بالضرورة قبولاً بقدر ما يعكس قلة اهتمام (المترجم)

Leave a Reply