مشاركة كنيسة اليونان في الحوار بين الكنيسة الأرثوذكسية والبابوية


الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية وقدّم لها الأب أنطوان ملكي

مقدّمة

هذا النص مأخوذ مما نُشِر في جريدة ” ORTHODOX PRESS” في 27-11-2009، الصادرة في أثينا، وهو مداخلة الميتروبوليت في مجمع كنيسة اليونان كما تمّ تسجيلها في المَحاضر.

اجتمعت لجنة الحوار الأرثوذكسي الكاثوليكي في قبرص في بداية تشرين الثاني الماضي حول موضوع “أوليّة البابا في الألفية الأولى”. هذا الاجتماع أثار جدلاً في عدد من الدول الأرثوذكسية سببه بعض التسريبات بأن في هذا الاجتماع سوف يتمّ توقيع وثيقة تعطي البابوية حقوقًا ما، بحجة أن هذه الحقوق كانت موجودة في الألف الأول فيما لا يرى كثيرون من الأرثوذكس أنّها وجِدت فعلاً، وفي حين أن البابوبة لم تقدّم شيئاً للأرثوذكس، فلا هي تراجعت عن الاقتناص ولا حلّت مشكلة الاتّحاديّة إلى غيرها من الأمور التي طالما طالب بها الأرثوذكس من دون نتيجة.

بعد هذه التسريبات قام عدد من كهنة اليونان بإطلاق عريضة إلكترونية عنوانها “إعلان إيمان” من تسعة بنود شدّدت على أن البابوية مشكلة في المسيحية خاصة بأطماعها المستمرّة. وقد وقّعها 9 من أعضاء المجمع اليوناني إضافة إلى عشرات من رؤساء الكهنة في اليونان وقبرص ورؤساء الأديار وكل رؤساء أديار الجبل المقدّس أثوس وما يزيد عن المائة والخمسين كاهناً من اليونان وقبرص وصربيا وبلغاريا ورومانيا وروسيا ولبنان وعدد كبير من اللاهوتيين العلمانيين. ردّة فعل القسطنطينية كانت أن أرسل ميتروبوليت برغامون يوحنا زيزيولاس، الذي يرأس الوفد الأرثوذكسي في الحوار الأرثوذكسي-الكاثوليكي، رسالةً إلى رؤساء الكهنة اليونان والقبارصة مدافعًا عن الحوار وداعيًا إلى معاقبة الموقّعين على العريضة. تبعت هذه الرسالة رسالة أخرى من البطريرك المسكوني نفسه، ما أثار حفيظة عدد من رؤساء الكهنة اليونان واستدعى انعقاد جلسة طارئة للمجمع كانت هذه المداخلة فيها.

في هذه الجلسة الطارئة قبل انعقاد هذا الحوار، غيّر مجمع الكنيسة اليونانية تركيبة الوفد اليوناني. رافق هذه الفترة كتابات كثيرة من رؤساء كهنة وكهنة ولاهوتيين. أوّل مَن كتب معترضًا هو الميتروبوليت أندراوس أسقف كونيتسا، اليونان، في 25 من أيلول الفائت 2009، إذ وجّه رسالة إلى ييرونيموس رئيس أساقفة اليونان أشار فيها إلى الإشاعات التي تقول بأنّ الأرثوذكس سوف يعلنون في قبرص قبولهم الاعتراف بأوليّة الشرف للبابا كالتي كانت له قبل انفصال الكاثوليك عن الكنيسة، فيما البابا سوف لن يرى فيها إلا أوليّة سلطة. وأعلن أندراوس رفضه لأي شيء من هذا القبيل. وتطرّق إلى السؤال عن العصمة. وختم طالباً إعلام الأساقفة بأسماء الذين سوف يمثّلون الكنيسة في اللجنة، منعاً لتكرار التعرّض للإذلال مرة أخرى “على غرار ما جرى في البلمند قبل عدة سنوات”. كما شدد على ضرورة التزام الوفد بما يقرره المجمع. بعد اندراوس، كتب سارافيم ميتروبوليت بيريا إلى رئيس الأساقفة في الموضوع نفسه في الأول من تشرين الأول 2009، وذكّر بأنّه من الحقائق التاريخية التي لا تقبل الجدل أنّ أوليّة السلطة في الكنيسة في الألف الأول كانت للمجامع المسكونية ولم تكن أبداً في يد البابا. وعليه ترفض الكنيسة الأرثوذكسية أوليّة البابا بالشكل الذي يعبّر عنه الفاتيكان الأول حيث يذكر أن البابا هو المعبِّر المعصوم عن ضمير الكنيسة. من بعدهما كرّت السُبحة حيث أن بعض ما كُتِب لم يكن إلا تكرارًا لأفكار سبق وتكررت في الألف سنة الماضية، فيما غيرها أورد فهمًا أكثر عمقًا ومعرفة بالأمور.

جدير بالذكر أنّ أثناء انعقاد الحوار في قبرص، قام رهبان دير ستافروفونو ومعهم كهنة وعلمانيون بمظاهرة احتجاجًا وطَلَبًا لإيقاف هذه الجلسات، ما استَدعى تدخّل رئيس أساقفة قبرص والشرطة القبرصية.

وقد اخترنا ترجمة هذه المداخلة لكون ميتروبوليت نافباكتوس من المعروفين بعمق آرائه اللاهوتية واعتداله وعدم تطرفه. والأهم أن في هذه المداخلة من الصراحة ما ينطبق في كل مجامع الكنائس الأرثوذكسية المحليّة، إن لجهة سريّة الحوار وعدم إشراك الشعب والإكليروس فيه إعلاميًا، أو لجهة حصر اختيار المندوبين ببعض المراجع.

نص المداخلة

إنّ مسألة مشاركة كنيستنا في الحوار بين الكنيسة الأرثوذكسية والكثلكة موضوع ضخم، وبالأغلب نمط مشاركة الكثلكة، لذا سوف أحدّ مساهمتي فقط بعَرض بعض الأفكار المتعلّقة:

1. ضروري أن يجري الحوار، لكن ينبغي أن يستوفي الشروط المسبَقة الضرورية اللاهوتية والإكليسيولوجية والقانونية. بتعبير آخر، لا ينبغي بالكنيسة، بحجّة الحوار، أن تنكر لاهوتها أو إكليسيوليجيتها أو حقّها الكنسي.

2. بالرغم من أن هناك أموراً ما تزال عالقة (كمسألة الإتّحادية)، كما غيرها من الأمور اللاهوتية الأساسية (مثلاً التعليم حول ” actus purus التطوّر في البر” الذي يؤثّر في مجمل اللاهوت والإكليسيولوجيا البابويين، كانبثاق الروح القدس)، إلا إنه ممكن مناقشة ربط الأوليّة بالمجمعيّة، على أساس أن هذا كان أمراً أساسيًا شغل الألفيّة الأولى.

أرى أن الابتعاد التدريجي لبطريركيات الشرق عن روما القديمة بدأ مع قضية أوليّة البابا في الكنيسة، وفي مرحلة لاحقة مع فرض الإفرنج لعقيدة انبثاق الروح القدس في لاهوت روما القديمة. بتعبير آخر، لم يستطع البابا أبداً أن يقبل في نفسه بامتياز المساواة بالشرف الذي منحه المجمع المسكوني الرابع لأسقف روما الجديدة.

3. بالرغم من أن الحوار حول ترافق المجمعية والأوّليّة مهمّ مع التطلّع إلى الانتقال إلى أمور أخرى من المنظار عينه، إلا أن هناك مسائل أخرى تنبغي الإشارة إليها:

أولاً: إن طريقة مشاركة كنيستنا في الحوار غير ملائمة. إنّها تتمّ بسريّة قصوى. النصوص التي تمّ إقرارها في الاجتماعات التي جَرَت حتى الآن (ميونيخ، باري، بالامون الجديدة، رافينا) بمصادقة ممثلي كنيستنا هي نصوص فيها نظر. لم يُناقِش الأساقفة أبداً الموقف الذي ينبغي بممثلينا اتّخاذه في هذه الاجتماعات، وفوق هذا، لم تناقش الأساقفة هذه النصوص أبداً، حتّى بعد أن تمّت المصادقة عليها. لهذا، الترتيب المجمعي غير محتَرَم في هذه الحالة. لقد تمّ تهميشنا نحن الأساقفة المعبِّرين عن الإيمان وحرّاسه، وقد رُمينا في العتمة.

ثانيًا: تصاريح الممثلين الأرثوذكس والكاثوليك هي إثبات على هذه الحالة التي تحتمل الجدل، لأنّها، ببساطة، تثبِت وجود مسعى للوصول إلى “وحدة الكنائس” بطريقة غير واضحة جدًا. هذه التصاريح موجودة، ويمكن الاقتباس منها عند الضرورة.

ثالثًا: واجهت الكنيسة الأرثوذكسية في الألف الأول مسألة الاعتراف بأوّلية الشرف لبابا روما. هذا جرى في المجمع أيام فوتيوس الكبير (879-880 م.)، وهو ما يراه أغلب الأرثوذكس على أنّه المجمع المسكوني الثامن. هذان النوعان من الإكليسيولوجيا، أي البابوية والأرثوذكسية، تمّت مناقشتهما. البطريرك فوتيوس اعترف بأوّليّة الشرف للبابا لكن فقط في إطار الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية: أي أن للبابا أوّليّة الشرف ضمن الكنيسة، وليس فوق الكنيسة. وعليه، في مناقشة أوّليّة البابا، يجب أخذ قرار هذا المجمع بعين الاعتبار بشكل جدّي.

في هذا المجمع نوقِشَت مسألة انبثاق الروح القدس إلى جانب الأوّليّة، لذلك، عند مناقشتنا اليوم للأوّليّة، علينا أن ننظر إليها من منظور أوّليّة الشرف، كما في حالة انبثاق الروح القدس.

رابعًا: حيث أنّ نظام إدارة الكنيسة الأرثوذكسية مجمعي، في الكثلكة البابا مركز النظام الإداري. هذا واضح بجلاء في قرارات الفاتيكان الثاني وغيره من النصوص المجمعية، التي تؤكّد أن البابا هو “رئيس مجمع الأساقفة”، و”صخرة الكنيسة”، و”المبدأ المنظور والأبدي وأساس الوحدة، الذي يوحّد الأساقفة فيما بينهم، ومعهم جمهرة المؤمنين”، “ممثّل المسيح وراعي كل الكنيسة، الذي بيده السلطة الكاملة السامية والكونية في الكنيسة، وهو حرّ دائمًا في ممارستها”. ينبغي الإشارة إلى ادّعاء آخر في إكليسيولوجيا البابوية مفاده “أنه لا يمكن أن يوجد مجمع مسكوني لا يصادِق عليه أو أقلّه يقبله خليفة بطرس”.

لهذا، هذا المفهوم المتمحور حول البابا وهذه الهيمنة البابوية، حتّى فوق المجامع المسكونية نفسها، تلغي المجمعية، وهكذا تشكّل إكليسيولوجيا مختلفة كليًّا. من هنا أن ادّعاء البابويين بأن الكنائس (أي الأرثوذكسية) التي لا تعترف بالبابا كرأس لها هي “ناقصة” هو ادّعاء مرفوض.

خامسًا: بالرغم من النقاط المهمة حول كيفية عمل أوليّة البابا في الألفية الأولى، إلا أنّ في مسودّة النص الذي سوف تتمّ مناقشته في قبرص في تشرين الأول، لا يوجد أي إشارة إلى الربط بين أوليّة البابا والمجامع المسكونية. إن نصاً ليس فيه وضوح فكر لا يمكن أن يسود ولا أن يساعد الذين انفصلوا وأُدمِجوا في الكنيسة الكاثوليكية.

سادسًا: حقيقة ثابتة هي أن مشكلة البابا الرئيسية هي أنّه لم يقبل جوهرياً القانون الثامن والعشرين من المجمع المسكوني الرابع الذي ساواه بالكرامة مع كنيسة روما الجديدة وأعطاها الحق بسيامة أساقفة في الأراضي البربرية. هذا الازدراء يثبته غياب البابا شخصيًا عن كل المجامع المسكونية، وحضوره بممثلين.

سابعًا: عندما يدرس المرء وثائق رؤساء الكنائس الأرثوذكسية، سوف يلاحظ أنّهم قد يوافقون على استمرار الحوار، ولكن من ناحية ثانية يضعون مستلزمات واضحة جداً كمثل الإدانة الصريحة لموضوع الاتّحادية (Unia) ومن خلال موضوع الأوّليّة يتابعون الحوار حول أمور لاهوتية أساسية أخرى.

ثامنًا: انسحبت بطريركة موسكو من اجتماع رافينا، بسبب وجود رئيس أساقفة آستونيا، وبالتالي لم تصادق على وثيقة الاجتماع، تمامًا كما أن بطريركية جورجيا لم تصادق عليه. من الضروري السعي للحصول على قرارات الكنائس الأرثوذكسية الأخرى حول هذه الوثيقة.

وعليه استنادًا إلى ما سبق، اقترح أن تُعطى التوجيهات إلى ممثلينا، طبقًا للمناقشة والقرار الذي يتّخذه الرؤساء، لتحديد ما يؤيدون في الحوار، ولمناقشة الموضوع مع المجمع بعد الموافقة على الوثائق. في الوقت نفسه، يجب أن يُعلَن بصراحة أنّه إذا وافق ممثلونا على نصّ خارج التوجيهات التي سوف تُعطى لهم من الكنيسة، لن يكون النص ملزمًا لكنيستنا.

Leave a Reply