حوار بين أرثوذكسي وبين مفتّش صادق عن الإيمان الأرثوذكسي

حوار بين أرثوذكسي وبين مفتّش صادق عن الإيمان الأرثوذكسي

فلاديمير موسّ

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

المفتّش عن الحقيقة: ما هي الأرثوذكسية؟

الأرثوذكسي: تعني كلمةُ “الأرثوذكسية” التمجيدَ الحقّ (أو المستقيم)، أي تقديم التمجيد الحق لله. فهناك تمجيد خاطيء (أو باطل؟) لله، وهو تمجيدٌ لا يُسِرُّه. “وللشرير قال اللهُ: ما لكَ تُحَدِّثُ بفرائضي وتَحمِلُ عهديَ على فمك؟” (مزمور 49: 16). وهكذا، فالأرثوذكسيةَ هي التمجيدُ الحقُّ لله من خلال الإيمان الحق والعبادة الحقَّة. الأرثوذكسية، في الواقع، مُساويةٌ ﻠِ”الإيمان الحق” أو “الإيمان المستقيم”.

المفتّش عن الحقيقة: ما أهمية الإيمان المستقيم؟

الأرثوذكسي: لا نستطيع تمجيدَ ما لا نعرفُه، فالإيمان المستقيم هو المعرفة الحقيقية لله. من ليس لديهم الإيمانُ المستقيم لا يستطيعُون تمجيدَ الله حقاً. لهم يقولُ المؤمنون الحقيقيون، لا باستعلاء بل بصوت المتواضع الذي يعرف قيمة الكنز الذي وجده: “أنتم تسجدون لما لا تعلمون، أما نحن فنسجدُ لما نعلم” (يوحنا 4: 22).

المفتّش عن الحقيقة: ما هي الكنيسةُ الأرثوذكسية؟

الأرثوذكسي: إنها الكنيسة التي لديها الإيمان القويم – “الإيمان المُسَلَّم مرةً للقديسين” (يهوذا3)، “العبادة بالروح والحق” (يوحنا 4: 23) – هذا يعني عبادة (أو تمجيد) الله الآب بالابن، الذي هو الحق، في الروح القدس الذي هو روحُ الحق. إنها جسدُ المسيح ومسكن الروح القدس وفُلكُ الخلاص والكرمةُ الحقيقية. إنها، بتعريفٍ آخَر، الكنيسةُ الواحدةُ الجامعةُ المقدسةُ الرسولية، فهي واحدةٌ من خلال وحدتها في الإيمان والعبادة، ومُقدَّسةٌ من خلال الأسرارِ وجماهير الرجال والنساء القديسين الذين أنتَجَتْهم، وجامعةٌ من خلال كمالها (أو ملئها) بأعضائها الذين يؤلّفونها، وهي رسوليةٌ من خلال مَنشَأها وتسلسلها الرسولي وأمانتها لتعاليمهم. يُعَرِّفُ القديسُ جرمانوس القسطنطيني الكنيسةَ بأنها “بيت مقدَّس حيث يُحتفل فيه بالذبيحة السريّة الحيَّة… أما حجارتُه فهي العقائد المقدسة التي علَّمها السيّدُ لتلاميذه”.

المفتّش عن الحقيقة: يا لَلتعصُّب! وماذا عن الكنائس الأخرى – كالكاثوليكية والبروتستانتية؟

الأرثوذكسي: أنها أغصانٌ انفَصلَت عن الكرمةِ الحقيقية على مَرِّ العصور. كانت الكنيسةُ الغربيةُ أرثوذكسيةً في الألف الأولى للتاريخ المسيحي. لكن، في سنة 1054، وبعدَ انحرافٍ طال أَمَدُه، انفصلت كنيسةُ روما عن الشرق الأرثوذكسي وأدخلَتْ سلسلةً كاملةً من التعاليم الهرطوقية: عصمة البابا وسلطته المطلقة والشاملة؛ انبثاق الروح القدس من الآب والابن (الفيليوكفه)؛ صكوك الغفران؛ المَطهَر؛ النِّعمة المخلوقة، الخ… أما البروتستانت فقد انفصلوا عن روما في القرن السادس عشر، لكنهم لم يعودوا إلى الأرثوذكسية أي إلى الكنيسة الحقة. وبدلاً من ذلك، أَدخلوا هرطقاتٍ إضافيةً رافضين، بذلك، التسليمَ والأسرارَ والصلاة من أجل الأموات وإكرامَ القديسين ألخ…

المفتّش عن الحقيقة: ولكن، ألا يوجدُ أناسٌ صالحون في الكنائس الأخرى؟

الأرثوذكسي: “وإذا واحدٌ تقدَّم وقال له أيها المعلّم الصّالح أيَّ صلاح أعملُ لتكون لي الحياةُ الأبدية. فقال له لماذا تدعوني صالحاً، ليس أحدٌ صالحاً إلا واحدٌ وهو الله. ولكن إن أردتَ أن تدخلَ الحياة فاحفظ الوصايا” (متى19: 16- 17).

الإنسان، في وضعه الحالي الساقط، ليس صالحاً و لا يُمكنه أن يكون. “ليس أحدٌ يعملُ الصلاح، ليس ولا واحد” (مزمور13: 4). حتى التلاميذ، نَعَتَهُم الربُّ بالأشرار (لوقا11: 13). يستطيع الإنسانُ أن يكون صالحاً عَبْرَ اتِّحاده مع الصالح الوحيد أي الله. وهذه الوحدة ممكنةٌ، فقط، عن طريق حفْظِ الوصايا، أُولاها وصيةُ التوبة والمعمودية. ما لم يتُب الإنسانُ ويعتمدْ معمودية الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرَّسولية، وبالتالي يتلقّى صلاحَ الله في داخله، لا يُمكنُ القول بأنه صالح بالمعنى الحقيقي. ذلك أن صلاح الإنسان الساقط، الذي لم يحصلْ على نعمة المعمودية، غيرُ مقبول في عيني الله، بل صلاحُه هو “أسمالٌ بالية” (أو كخرقة الطامث)، بحسب ما جاء على لسان النبي اشعياء.

المفتّش عن الحقيقة: هذا يَعني بأن الأرثوذكسيين صالحون، أما الآخرون فأشرار؟ أستطيعُ القولَ بأنه دِينٌ فيه الكثيرُ من تبرير الذّات، تماماً مثلَ إيمان الفريسيين الذي أدانَه الرب.

الأرثوذكسي: لسنا نقول بأن كلَّ الأرثوذكسيين صالحون، لأن هناك حقيقةً مُرَّة أن الكثيرين جدّاً منهم لا يستفيدون من الصلاح، أي النعمة الممنوحةِ لهم بالمعمودية المقدَّسة، للقيام بأعمال صالحة بالفعل. لذا، فدينونتُهم ستكونُ أعظمَ من دينونة مَن لم يتلقَّوا المعمودية. “فقد كان خيراً ألا يعرفوا طريقَ البِرِّ من أن يعرفوه ثم يُعرِضوا عن الوصيَّةِ المقدَّسة التي سُلِّمَت إليهم” (2بطرس2: 21). “فإنه إذا خطِئنا عَمْداً، بعدما حصلْنا على معرفة الحق، فلا تبقى هناك ذبيحةٌ كَفّارةٌ للخطايا، بل انتظارٌ رهيبٌ للدينونة ونارٌ مستعرةٌ تلتهِمُ العُصاة. مَن خالف شريعةَ موسى قُتِلَ من غير رحمةٍ بناءً على قول شاهِدين أو ثلاثة. فأيَّ عقابٍ أشدَّ من ذلك العقابِ يستحقُّ، كما ترَون، مَن داسَ ابنَ الله وعَدَّ دمَ العهدِ الذي قُدِّسَ به نَجِساً واستهانَ بروح النِّعمة؟ فنحن نعرفُ ذاك الذي قالَ: لي الانتقامُ وأنا الذي يُجازي. وقال أيضاً: إن الربَّ سيَدينُ شعبَه. ما أرهبَ الوقوعَ في يدِ الله الحي!” (عبرانيين10: 26- 31).

المفتّش عن الحقيقة: يا لَلصورة القاتمة التي رسمتَها! غير المعمَّدين لا يستطيعون فعل الصلاح، والذين يُخطِئون بعد المعمودية يكون مصيرُهم دينونةً أعظم!

الأرثوذكسي: ليس الأمر كما وصفتَه. فرغم أنه لا يمكننا أن نتعمّد ثانيةً لمغفرة الخطايا، إلا أننا نستطيع الحصول على هذا الغفران بطرق أخرى كالصلوات والدموع والصوم والصَّدَقات، وفوق كلِّ شيء عن طريق سِرَّيّ الاعتراف والمناولة المقدسة. لا يزدري الله من يتوبون من كل قلبهم. يقول النبي داود: “القلبُ المتخشّعُ والمتواضعُ لا يَرذلُه الله” (مزمور50: 17).

المفتّش عن الحقيقة: ولكن، أليست التوبةُ مُتاحةً لكل الناس؟ ألم يتُبْ داود في المزمور التي اقتَبَسْتَه فنال الغفران من الله؟

الأرثوذكسي: هذا صحيح، لكن الخلاص لا يعني، فقط، غفران الخطايا، بل أيضاً السعيَ نحو القداسة، تلك القداسة التي “بغيرها لا يرى الرَّبَّ أحدٌ” (عبرانيين 12: 14)، هذه القداسةُ تُمنَحُ، فقط، في أسرار الكنيسة، ولكنها قابلةٌ لأن نفقدها ما لم نسلكْ في جهاد نُسكي ضدَّ الخطيئة. إضافةً إلى ذلك، فإن الخطيئةَ الأصلية (أو الجدية نسبةً إلى الجدَّين آدم وحواء) تُمحى، فقط، في جرن المعمودية.

المفتّش عن الحقيقة: إذاً، حتى داود لم ينل الخلاص؟

الأرثوذكسي: أجل، حتى داود لم ينل الخلاص قبل مجيء المسيح. وحتى البطريرك (أو أبونا) يعقوب توقّعَ ذهابَه إلى الجحيم، بعد موته، بصحبة ابنِه البار يوسف: “إني أنزل إلى ابني إلى الهاوية” (تكوين37: 35). “فهؤلاء كلُّهم [أي أبرار العهد القديم] مشهوداً لهم بالإيمان لم ينالوا الموعد، إذ سبقَ اللهُ فنظر لنا [أي مسيحيو العهد الجديد] شيئاً أفضلَ لكي لا يُكمَلوا بدوننا [أي بدون كنيسة العهد الجديد]” (عبرانيين11: 39- 40).

المفتّش عن الحقيقة: ما هي الخطيئةُ الأصلية (أو الجَدّيّة)؟

الأرثوذكسي: إنها عَدوى انتقلت بالوراثة من آدم الذي اقترف الخطيئة الأصلية (أو الجدّية)، ثم عَبْرَ والدَينا إلينا.

المفتّش عن الحقيقة: وكيف يمكن أن نكونَ نحن مسئولين عن خطيئةِ آدم؟

الأرثوذكسي: لسنا مسئولين عنها، لكننا تلوَّثْنا بها.

المفتّش عن الحقيقة: وحتى الأولاد؟

الأرثوذكسي: أجل، حتى الأولاد. “زاغَ الأشرارُ منَ الرَّحِم. ضَلّوا من البطن، متكلّمين كذبا” (مزور57: 3). أما أيوبُ فيقول: “مَن يُخرِجُ الطّاهرَ منَ النَّجس؟ لا أحد. حتى ولو كانت أيامُه يوماً واحداً على الأرض” (أيوب14: 4) [يقول النّصُّ الماسوريتي: “مَن بإمكانه أن يُخرِجَ شيئاً طاهراً من شيءٍ نجس؟ لا أحد”]. أيضاً، يقولُ القديسُ غريغوريوسُ النّيصصي: “اختلطَ الشَّرُّ بطبيعتِنا منذ البداية… من خلال أولئك الذين أَدخَلوا المرضَ عبر عصيانِهم. بالضبط، كما أنه، في التكاثرِ الطبيعي للأنواع، كلُّ حيوان يُوَلّدُ شبيهَه، فكذلك يولدُ الإنسانُ من الإنسان، كائنٌ قابلٌ للأهواء من كائنٍ قابلٍ للأهواء، خاطيءٌ من خاطيء. هكذا تَنشاُ الخطيئةُ فينا عند ولادتِنا؛ إنها تنمو معنا وترافقنا حتى نهاية حياتنا” . لهذا السَّبب تقيمُ الكنيسةُ، منذ البداية، معموديةَ الأطفال “من أجل إبطال الخطايا”.

المفتّش عن الحقيقة: لا يزالُ الأمرُ يبدو لي غيرَ عادلٍ، بصرف النظر عن الأطفال الصغار، أن يُعانيَ شخصٌ بسبب خطايا آخَر.

الأرثوذكسي: ليست عدالةُ الله كعدالتِنا. وتَذكَّرْ أنه، إذا لم يكن من العدل أن نعانيَ من خطيئةِ آدم، فكذلك الأمر أن يكون لنا الفداء بسبب فضيلة المسيح. هاتان “اللاعدالتان” متقابلتان، فالواحدة تُلغي الأخرى: “فكما أنه بمعصيةِ إنسانٍ واحد جُعِلَت جماعةُ الناسِ خاطئةً، فكذلك بطاعةِ واحدٍ تُجعَلُ جماعةُ الناس بارّة” (رومية5: 19).

المفتّش عن الحقيقة: إذاً، من المستحيل أن يكون الإنسانُ صالحاً خارجَ الكنيسة، لأن الخطيئةَ وجذورَها ممكنٌ استِئصالُها، فقط، في الكنيسة.

الأرثوذكسي: أكثر من ذلك، لا يتمُّ تمييز الخطيئة إلا في الكنيسة. فالكنيسةُ، وحدَها، لديها المعرفةُ التّامّةُ بمشيئةِ الله. فإذا لم نعرفْ ما هي مشيئةُ الله، لا نستطيعُ أن نتوب، كما ينبغي، عندما ننتهكُ مشيئتَه. الكنيسةُ هي المستشفى الوحيدُ الذي فيه نتلقَّى التّشخيصَ المناسبَ للمرضِ والشفاءَ منه.

المفتّش عن الحقيقة: حسناً. ولكن، ما تفسير وجود العجائبُ خارجَ الكنيسة، وحتى في الأديان غير المسيحية؟

الأرثوذكسي: إذا كانت العجائبُ، حقاً، من الله لا من الشيطان، فهي برهانٌ على رحمة الله، وليس بالضرورة على صلاح الشخص الصَّانعِ العجائب.

المفتّش عن الحقيقة: إذاً، لو صنعَ كاثوليكيٌ أو أنغليكاني أو هندوسيٌ عجيبةً، فهذا أمرٌ لا أهميّةَ له، بينما إذا صنعها أرثوذكسيٌ فالأمر في غايةِ الأهمّيّة!

الأرثوذكسي: لم أقل ذلك. ما قلتُه هو أنَّ صُنعَ العجيبة، إذا كان من الله، فهو يعني، قبل كل شيء، بأن اللهَ رحيم. أما إذا كانت العجيبةُ تُثبِتُ صلاحَ صانع العجيبة (أو مَن حدثت العجيبةُ معه) فهو أمر آخَرُ بالكلّيّة يقتضي البحثَ والتَّمحيص.

أنا لا أُنكِرُ إمكانيةَ حدوث العجائب الحقيقية خارجَ الكنيسة. في النهاية، فإن اللهَ “يُطلعُ شمسَه على الأشرارِ والأخيار، ويُنزلُ المطرَ على الأبرار والفُجَّار” (متى5: 45). فعندما منع القديسُ يوحنا رجلاً يُخرِجُ الشياطين باسم يسوع “لأنه لا يَتبعُنا”، لم يوافقه يسوعُ على ذلك. قال له “لا تمنعوه، فما مِن أحدٍ يُجري مُعجزةً باسمي يستطيعُ بعدها أن يُسيءَ القولَ فيَّ. ومَن لم يكن علينا كان معَنا” (مرقص9: 39- 40).

في المقابل، قال السيد: “فسوف يقولُ لي كثيرٌ منَ الناس في ذلك اليوم: يا رب، يا رب، أَمَا باسمكَ تَنَبَّأنا؟ وباسمكَ طردْنا الشياطين؟ وباسمك أتينا بالمُعجزات الكثيرة؟ فأقولُ لهم علانيةً: ما عرفتُكم قَطّ. إليكم عنّي أيها الأثَمة” (متى7: 22- 23). لذا، من الممكن أن نقوم بمعجزة باسم المسيح، وفي الوقت نفسه نكونُ أشرارًا. والله يُمكنُه أن يُجريَ العجيبةَ عن طريق إنسان شرير، وذلك ليس من أجل إثبات صلاح الإنسان – الذي لا وجودَ له أصلاً – ولكن، إلى حد بعيد، بسبب تحنُّنِه على الذي من أجله حدثت العجيبةُ. رغم من أن يهوذا صنع عجائبَ، إلا أنَّ يوحنا المعمدان، أعظمَ المولودين من النساء، لم يصنع عجائب…

لا يجبُ أنْ ننسَى أنَّ العجائب والنّبوءات، التي تبدو مسيحية، من الممكن أن تَتمَّ بواسطة أناس أشرار. هكذا، فقد نطقت فتاةٌ بالصدق عن الرسول بولس، مُحَرِّضةً الناس لاتِّباعه – إلا أنها تكلمت من خلال روح الحيّة مما حدا ببولس إلى طرده منها (أعمال 16: 16- 18). أني أؤمنُ بان السَّوادَ الأعظمَ من العجائب التي جرت في الأديان الوثنية، كالهندوسية، كان الشيطانُ مَصدرها؛ “لأن جميعَ آلهةِ الأمم شياطينٌ” (مزمور95: 5).

المفتّش عن الحقيقة: إذا كان حتى صانعي العجائب من أتباع الشيطان، فمَن يَخلُصُ، إذاً؟

الأرثوذكسي: يجب التمييز، دائماً، بين امتلاك المواهب الروحية والخلاص. قال السّيِّد: “لا تفرحوا بأنَّ الأرواحَ تخضعُ لكم، بل افرحوا بأنَّ أسماءَكم مكتوبةٌ في السموات” (لوقا10: 20). “لو كانت لي موهبة النّبوءة وكنتُ عالماً بجميع الأسرارِ وبالمعرفةِ كلِّها، ولو كان لي الإيمانُ الكاملُ فأنقل الجبالَ، ولم تكن لي المحبّةُ، فما أنا بشيء” (1كورنثوس13: 2).

المفتّش عن الحقيقة: هذا ما أوافقك عليه! المحبةُ هي سِمةُ المسيحيّةِ الأساسية. وعليَّ القولُ بأن ما وجدتُه مفقوداً، بشكلٍ واضحٍ، في عرضكَ هو المحبة. مِنَ الاستعلاءِ pride (أو كبرياء) التفكيرُ بأنكم أنتم الأرثوذكس، وحدكم، تنتمون إلى الكنيسة الحقيقية! ومِن غيرِ المحبّةِ التّفكيرُ بأن الجميعَ، ما عداكم، سوف يلاقي الدينونة!

الأرثوذكسي: لكنني لم أقل ذلك.

المفتّش عن الحقيقة: بلى، قُلْتَه!

الأرثوذكسي: لقد قلتُ بأن كنيسةَ المسيح، وأعني بها، حصريّاً، الكنيسةَ الأرثوذكسية، هي فُلْكُ الخلاص الوحيد. لكنني لم أَقُلْ بأن كل مَن هم على مَتْنِ هذا الفُلْك سينالون الخلاص، إذ ربّما سيَطرحون أنفسَهم خارجَهُ بسبب أعمالِهم الشّريرة. وكذلك لم أقُلْ بأن السّابحين نحو الفُلْك، لكنهم مُنِعوا من الدخول قبل موتهم، لن يَخلُصوا. من يَعلمُ ما إذا كان اللهُ الكلّيُّ القدرة، الذي يَعلَمُ بواطنَ القلوب، سيَمُدُّ يدَه لأولئك الذين، بسبب الجهل أو الظروف السيّئة، لم يكونوا قادرين على دخول الفُلْك قبلَ أن يَنقَضَّ عليهم الموتُ، إلا أنهم كانوا يناضلون من كل قلبهم وذهنهم للوصول إلى الحقيقة؟ “المحبةُ تَرجو كلَّ شيء” (1كورنثوس13: 7).

المفتّش عن الحقيقة: [بسخرية] يا لَمحبَّتِكَ! ما هذا، بالنسبة لك، سوى رجاءٍ تُقَويّ أكثر من كونه مادة للإيمان، أليس كذلك؟

الأرثوذكسي: بالطبع. من وجهةِ النظر العقائدية، علينا أن نُشَدّد على ذلك، كما يقول القديس كبريانوس القرطاجي: “ليس مِن خلاص خارجَ الكنيسة”. فالربُّ نفسُه يُشَدّدُ كثيراً على ذلك بقوله: “الحقَّ الحقَّ أقولُ لك ما مِن أحدٍ يُمكنه أن يدخل ملكوتَ الله إلا إذا وُلِدَ من الماء والروح” (يوحنا3: 5). وأيضاً يقول: “الحقَّ الحقَّ أقول لكم إن كنتم لا تأكلون جسدَ ابنِ الإنسان ولا تشربون دمَه، فلن تكونَ فيكم الحياة” (يوحنا6:53). ويقول الرسولُ بطرس: “إذا كان الأبرارُ يَخلُصون بعدَ جَهدٍ، فما هو مصيرُ الكافرِ الخاطيء؟” (1بطرس4: 18).

أكثر من ذلك، إذا ما جعلَنا، بوقاحةٍ، اعتدادُنا بنفسنا أن نكون أكثرَ “رحمةً” من الله الرحيم نفسِه، وذلك بأن نأخذَ على عاتقِنا مهمّة تبرير الذين هم من أديان زائفة (أو ضالّة) أو هرطقات، فنحن لا نُخطيء، فقط، تجاه العقيدة بل، أيضاً، تجاه المحبة. إذ إننا، حينها، نجعلُ مِن أنفسَنا مُذنبين بسبب تضليلنا إياهم وتوجيههم، أكثر، نحو الإثم، وذلك عندما نقدم لهم أملاً زائفاً أن بإمكانهم الاستمرار في ضلالهم دون خطر على أرواحهم غير المائتة. إننا ننتزعُ منهم خوفَ الله والحافزَ للتفتيش عن الحقيقة التي، وحدها، قادرةٌ على منحهم الخلاص.

المفتّش عن الحقيقة: كونَكَ ذكرْتَ، سابقاً، “الجهل والظروف غير اللائمة”، فمن الأكيد أن اللهَ يأخذ هذه الأمورَ بعين الاعتبار.

الأرثوذكسي: طبعاً، إنه يأخذها بعين الاعتبار. لكن ذلك لا يعني “الحلَّ من جميع الخطايا”. تذكَّر مَثَلَ الوكيل المتهاون: “فذاك الخادمُ الذي عَلِمَ مشيئةَ سيِّده وما أعدَّ شيئاً، ولا عمِلَ بمشيئةِ سيّده، يُضرَبُ ضرباً كثيراً. وأما الذي لم يعمَلْها، وعَمِلَ بما يستوجبُ به الضَّرْب، فيُضرَبُ ضَرباً قليلاً” (لوقا12: 47- 48). بكلمات أخرى، الجهلُ بمشيئةِ الله وحقّه ربّما يخفِّفُ من حُكمِه، لكنه لا يُلغيه بشكل نهائي.

المفتش عن الحقيقة: لماذا؟ أليس الإله نفسُه مَن قال: “لو كنتم عمياناً لما كانت لكم خطيئة” (يوحنا9: 41).

الأرثوذكسي: بما أننا لسنا عمياناً بالكلّيّة، فنحن الخرافُ العقليّة المخلوقة على صورة الله الراعي، لدينا، دائماً، بعضُ الإمكانيةُ للوصول إلى “النور الذي ينيرُ كلَّ إنسانٍ آتٍ إلى العالم” (يوحنا1: 9). لذا، يقول القديس بولس بوضوح بأنه “لا عُذرَ” للوثنيين الذين لا يؤمنون بخالق واحد للكون؛ :”إذ معرفةُ الله ظاهرةٌ فيهم، لأن اللهَ أظهرها لهم، لأن أمورَه غيرَ المنظورةِ تُرى منذ خَلْقِ العالم مدرَكةً بالمصنوعات، قدرتَه السرمدية ولاهوته، حتى أنهم بلا عُذرٍ” (رومية1: 19-20). فالله “لم يتركْ نفسَه بلا شاهد” حتى بين الوثنيين، “وهو يفعلُ خيراً: يُعطينا من السماء أمطاراً وأزمنةً مثمرة، ويملأُ قلوبَنا طعماً وسروراً” (أعمال14: 17).

يقول الآباءُ القديسون بأن كل إنسانٍ لديه الخليقةُ حوله والضّميرُ داخلَه لكي يقودَه بعيداً عن الخطأ ويوجّهَه نحو الكنيسة التي هي الشاهد الثالثُ العظيم، “عامود الحق وقاعدتُه” كما يقول عنه القديسُ بولس في (1تيموثاوس3: 15). لا تستطيعُ الخليقةُ ولا الضميرُ، وحدهما، أن يَكشفا كاملَ الحقيقة له؛ إلا أنه، إذا ما اتَّبعَ هذا الكشفَ الجزئي الذي يوفِّره له كلا الخليقة والضمير، فإن اللهَ سيساعده على اكتشافِ ملءِ الحقيقةِ في الكنيسة. ليس هناك مِن موقف في الحياة، مَهما كان بعيداً عن الكنيسة أو مُعارِضاً لها، لا يستطيعُ فيه اللهُ، الذي يشاءُ الكلَّ أن يَخلصوا وإلى معرفة الحق يُقبِلوا، أن يُنقذَ المفتّشَ (أو الباحثَ) الأصيل.

المفتش عن الحقيقة: ولكن، ماذا لو لم يَلْقَ الوثنيُّ أو الهرطوقيُّ الحقيقةَ في الكنيسة، أو أنه تعرَّفَ إلى خطأة كبار أو جهّال وهم يمثّلون الكنيسةَ؟ ألا يُقال عنه، حينها، بأنه أعمى وجاهل، وبالتّالي غير مذنبٍ؟

الأرثوذكسي: الأمرُ برُمَّته يتعلَّقُ بطبيعة الجهلِ ودرجتِه. هناك جَهلٌ طوعي وجَهل غيرُ طوعي. لو لم يكن هناك ما يُسمى بالجهل غير الطوعي، لما قال الربُّ على الصَّليب : “أغفرْ لهم يا أبتاه، لأنهم لا يَدرون ماذا يفعلون” (لوقا23: 43). وقد استُجيبَت صلاتُه، إذ في يوم العنصرة، دعا بطرسُ اليهودَ للتوبة قائلاً: “أنا أَعلَمُ أنكم بجهالةٍ عمِلْتُم” (أعمال3: 17)، فتبعَ ذلك توبةُ الآلاف واعتمادُهم. أيضاً، القديسُ بولس يقول: “ولكنني رُحِمْتُ، لأنني فعلْتُ بجهلٍ في عدم الإيمان” (1تيموثاوس1: 13). لكن، لاحِظْ بأنّ كلَّ هؤلاء قد استجابوا للحقيقة عندما قُدِّمَتْ لهم. هذا يُظهِرُ بأن جَهلَهم كان لا إرادياً، وبالتالي، فهم معذورون. في المقابل، هناك قساوةُ القلب التي ترفض الاستجابةَ للإشارات الإلهية: إنه الجهلُ الإرادي. إن الأشخاص الذين تحجَّروا بهذا الشَّكل لا يعرفون الحق لأنهم لا يريدون معرفتَه. هذا التَّشبَّث برفض الحقيقة يدعوه السيد :”التجديف على الروح القدس” (متى12: 32)، وهو لا يُغتَفَرُ، لا في هذا الدَّهرِ ولا في الدَّهر الآتي.

المفتش عن الحقيقة: لماذا لا يُغتَفَر؟

الأرثوذكسي: ذلك أن الغفرانَ يُمنَحُ للتائب، والتَّوبةُ هي أدراكُ الإنسانِ حقيقةَ ذاتِه. أما إذا رفض الإنسانُ مواجهةَ الحقيقةِ، وقاومها فعلاً في نفسه، فمن المَحال أن يتوب، وبالتالي، لا يمكنُ أن يُغفَرَ له. في مقاومتِه للحقيقة، هو يقاومُ روحَ الحق أي الروحَ القدس الذي يقود إلى ملءِ الحق (يوحنا16: 13). من الممكن أن يكونَ الإنسانُ مخطئاً، بصدق، برفضه المسيح لمدّةٍ من الزمن، وهذا أمرٌ يسامَح عليه كما حصل مع بولس الرسول. أما إذا كان هذا الجهل مختلطاً برفض للبحث عن الحقيقة، هذا البحث الذي وضعه روحُ الحق في قرارة نفس الإنسان، فليس هناك أملٌ يُرتجى. لذا، فالوثنيَّ الذي تحجّرَ في وثنيَّتِه رغم شواهد الخليقةِ والضمير، والهرطوقي الذي تحجَّرَ في هرطقتِه رغم تعاليم الكنيسةِ الجامعة المقدَّسَة الرسولية، فكلاهما يُجَدّفان على الروح القدس- روح الحق، وبالتالي لا يَخْلُصان.

المفتش عن الحقيقة: إذاً، أما مِن خلاصٍ، حقّاً، للهراطقة؟

الأرثوذكسي: حيث الحياة هناك رجاء. وهناك عدّةُ أمثلةٍ عن أشخاصٍ استمرّوا في هرطقتِهم طوال حياتِهم، لكنهم اهتدَوا إلى الحقيقةِ قبل قليل من موتهم. الرجاء مفقود، فقط، لمَن لا يُحبّون الحقيقة. فاللهُ لا يقود مِثلَ هؤلاء إلى حقّه، كونهم لا يستحقّونه. في الواقع، سوف يَتركهم مخدوعين من المسيح الدَّجّال “لأنهم لم يتقبّلوا حبَّ الحقّ فينالوا الخلاص. لذلك يرسلُ اللهُ إليهم ما يَعمَلُ على ضلالهم فيَحمِلُهم على تصديق الكذب، ليُدانَ جميعُ الذين لم يؤمنوا بالحق، بل ارتضَوا بالباطل” (2كورنثوس 2: 10- 12).

المفتش عن الحقيقة: حسناً. لكنني لا زلتُ غيرَ مقتنعٍ بأن الكنيسةَ الحقيقيةَ هي كنيستُك. في الحقيقة، لستُ مسروراً بمفهوم “الكنيسة الواحدة الحقّة” بشكل عام. هذا، بالنسبة لي، سِمَةُ التعصَّبٌ الأعمى وعدم تَقَبُّل الآخَر.

الأرثوذكسي: في الحقيقة، ليس عدمُ تَقَبُّلِ الآخَر فضيلةً مسيحية، بل هو الحب.

المفتش عن الحقيقة: إنكَ تُدهشُني! أليس قبولُ الآخَر هو نوع من المحبة؟ أليست الضَّغينةُ محظورةً على المسيحي؟

الأرثوذكسي: كلا. الربُّ إلهُنا إلهٌ غيور، وهو يتوقَّعُ منا الغَيرةَ من أجل الأمور الصّالحة، وبُغض الأمور الشريرة. “يا مَن يحبون الربَّ أبغضوا الشَّر” (مزمور96: 10). ما يُبغِضُه الله هو الفتور: “إني عليمٌ بأعمالِكَ، فلستَ بارداً ولا حارّاً. وليتَكَ باردٌ أو حارٌّ! أما وأنتَ فاتر، لا حارٌّ ولا بارد، فسأتقيَّأُكَ من فمي… فكُن حَميَّاً (أو غيوراً) وتُبْ” (رؤيا3: 15- 16 و19). كتب القديس غريغوريوس النّيصصي: “إن مُعطيَ شريعة (أو قانون) حياتِنا قد فرض علينا نوعاً واحداً من الكره، أعني به كره الشيطان. فليس هناك هدف آخر من أجلِه أمرَنا باستعمال مَلَكَة الكره، إلا لتكون وسيلة ضد الشَّر (القديس غريغوريوس النيصصي، الرسالة 17 إلى أوستاثيا وأمبروسيا وفاسيليسّا.)”.

المفتش عن الحقيقة: لكن هذا لا يزال يعني أنه يُمنَعُ علينا كره الإنسان. أليس من المفترض بنا أن نَكره الخطيئةَ ونُحبَّ الخاطيء؟ ما تقوله هو نوعُ من التَّعليم الذي يؤدي إلى إعدام الهرطوقي حرقاً!

الأرثوذكسي: كلا. فلا القديس غريغوريوس أو أي قديس آخَر أعرفُه، في الكنيسة الأرثوذكسيةِ، قد دافَعَ عن اضطهاد الناس بسبب معتقداتهم الدينية. المحبةُ المسيحيةُ تشمئزُّ من استعمال العنف كوسيلةٍ لإقناع الناس. لكن هذه المحبة لا تتطرَّف، في المقابل، وتتخلّى عن محاولةِ إقناعهم. ولا هي تتراجع، إذا ما استمرَّ هؤلاء في تعاليمهم الضَّالّة، عن حمايةِ الآخَرين من تأثيرهم! إذا ما كنّا نحبُّ الخاطيءَ ونكره خطيئتَه، فعلينا أن نبذلَ أقصى جهدِنا لنجعلَه يتخلّى عن تلك الخطيئة ونحميَ الآخَرين من أن يتلوَّثوا بها.

المفتش عن الحقيقة: أظنُّ أن هذا نوعٌ من التَّعصُّب الأعمى مصدرُه الاعتقادُ بأنك تنتمي إلى “الكنيسة الواحدة الحقّة”. إنه سببُ الاضطهاد الديني، ومَحاكم التَّفتيش …ألخ.

الأرثوذكسي: ليس سببُ الاضطهادِ الدّيني الادّعاء بامتلاك الحقيقة، وهو ما يدَّعيه كلُّ العقلانيين، بل السّبب هو الأهواء البشرية.

المفتش عن الحقيقة: ماذا عن إيفان الرَّهيب؟ وماذا عن أغلبيّة الأباطرة الأرثوذكسيين؟ ألم يكونوا عُنصُريين تجاه الهراطقة؟

الأرثوذكسي: لقد حُرِمَ إيفان من قِبَل الكنيسة، وكان مُضطهِداً للأرثوذكسية أكثرَ مِن كونه أداةً بيدها لاضطهاد الآخَرين. أما بالنسبة لعُنصُريّة الأباطرة تجاه الهراطقة، فإنّني أوافقك على ذلك. من غير المنطقي وَضْعُ الحق والباطل في المنزلة نفسِها. قال القديس ثيودوسيوس الذي من مغاور كييف، وهو من أعظم القديسين، بأننا عندما نكرّم إيمان الآخرين فإننا بذلك نكون قد أَهَنّا إيمانَنا. هل تُعطي مدارسُنا نظريات بطليموس ونيوتن القيمةَ نفسَها؟ طبعاً لا!

المفتّش عن الحقيقة: لكنَّ الأمرَ يختلفُ! فنحن نتكلم هناك عن حقائقَ علميّة!

الأرثوذكسي: لا أجدُ أيَّ فرق من حيث المبدأ. فقاعدتُنا هي: أُنطُق بالحق دائماً، واطرح الباطلَ دائماً. إذا ما فعل العلماءُ ذلك في مجالهم، حيث لا يقينَ وحيث “الحقائقُ” تُدحَضُ، باستمرار، من قِبَل باحثين لاحقين، فلماذا لا نفعلُ ذلك في مجال الإيمان الذي هو أهم وأسمى بما لا يُقاس، والذي سُلِّمَت إلينا حقائقُه،التي لا جدالَ فيها، منَ الحقِّ (أي المسيح) نفسِه؟ إذ يقول القديسُ بولسُ عن البشارة: “لأني ما تلَقَّيتُها ولا أخذتُها عن إنسان، بل بِوَحيٍ من يسوعَ المسيحِ نفسِه” (غلاطية1: 12).

المفتش عن الحقيقة: وماذا لو أن كلَّ واحد ادَّعى أنه تسلّمَ الوَحيَ من الله؟

الأرثوذكسي: حينها، علينا، بكل صبر، التحقُّقُ في من يقولُ الحقيقةَ ومَن قد خُدِعَ من قِبل “أبو الكذب”. فكما أن العلماء لديهم طُرقُهم لمقارنةِ مختلَفِ النظريات وتحديد أيّ منها الصَّحيحة، فكذلك لدينا نحن الأرثوذكسيين طُرُقٌ لتحديد ما هو حقٌّ وما هو باطل في مجال الدين. وبالضبط، كما أن العلماء لن يَقبَلوا مطلَقاً بإمكانية وجود أكثرَ من تفسيرٍ واحدٍ لإحدى الظواهر التجريبية، كذلك نحن لا نَقبَلُ بوجود أكثر من حقيقةٍ دينية واحدة.

المفتّش عن الحقيقة: ألا يُمكِنُ، في حال وجود طُرُقِ إيمان متعدِّدَة، أن تَكشفَ كلٌّ منها قسماً من الحقيقة؟

الأرثوذكسي: كلا. فالحقيقةُ واحدة، وقد كُشِفَت لنا عن طريق الحق (أي يسوع) نفسِه: “هناك ربٌّ واحدٌ وإيمانٌ واحدٌ ومعموديّةٌ واحدة” (أفسس4: 5).

المفتّش عن الحقيقة: إذاً، لا وجود للحقيقة مطلقاً لدى أيٍّ من الأديان غير المسيحية؟

الأرثوذكسي: لم أقل ذلك. يميلُ الشيطانُ للظّهور كملاك نور (2كورنثوس11: 14)؛ وهو يَمزُجُ “الحقَّ بالباطل” (رومية1: 18). لذا، في فَخِّ من المُثُلِ ﻜَ”المحبة” و”السلام” والحريّة” التي تبدو حسنةً في ظاهرها، والتي، إذا ما تُرجِمتْ بطريقة صحيحة، فهي من الله بكل تأكيد، يشوِّهُ الشيطانُ كلَّ ذلك ملقياً أصحابَه في جهنّم الباطل. هناك دينٌ واحدٌ فيه “الحق، كلُّ الحق و لا شيء سوى الحق”. كلُّ ما عدا ذلك متطفِّلٌ على الحق الواحد، وهو يحوي حقائقَ مُجتزَأةً، حتى أنه يجعلُ هذه الحقائقَ المجتزَأة باطلةً وذلك عَبْرَ جعلِها ذاتَ صلةٍ بالباطل، بالضّبط كما أن قليلاً من السّمّ في الطعام يجعلُه كلَّه سامّاً.

المفتّش عن الحقيقة: إذاً، هناك حقائقُ مجتزأة في الأديان الأخرى، لكن، ليس هناك مِن خلاص؟

الأرثوذكسي: هذا صحيح. لأن القديسَ بطرسَ قال عن المسيح: “لا خلاصَ بأحد غيره، لأنه ما مِن اسمٍ آخر تحت السَّماء أُطلِقَ على أحد الناسِ ننالُ به الخلاص” (أعمال4: 12).

المفتّش عن الحقيقة: ماذا عن المسلمين واليهود؟ ألا يؤمنون بنفس الإله الذي نؤمن نحن به- إله إبراهيم جدّهم (أو سَلَفهم)المشترَك؟

الأرثوذكسي: قال الربُّ لليهود: “لو كنتم أبناءَ إبراهيم لعملتم أعمالَ إبراهيم” (يوحنا8: 39). أما القديس بولس فقال: “فاعلموا إذاً أن أبناءَ إبراهيمَ إنما هم أهلُ الإيمان”(غلاطية3: 7) وهو يقصدُ الإيمان بالمسيح. فإلهُ إبراهيم هو إله ربِّنا يسوع المسيح؛ إبراهيمُ نفسُه سبق فرأى تجسُّدَ المسيح “ابتهج أبوكم إبراهيم راجياً أن يرى يومي ورآه ففرح” (يوحنا8: 56).

المفتّش عن الحقيقة: حسناً. ولكن، ألا يؤمنُ، أيضاً، اليهودُ والمسلمونَ بإله العهدِ القديم، يهوه، الذي هو إله ربِّنا يسوع المسيح؟

الأرثوذكسي: إننا نؤمنُ بأن غالبيَّةَ التّجلِّيات في العهد القديم كانت، في الحقيقةِ، للّه الابن، وليس للّه الآب. وعلى عكس ما يؤمنُ به شهودُ يهوه، فإن يهوه العهدِ القديم هو المسيحُ نفسُه؛ موسى وإيليا ظهرا مع المسيح في حادثةِ التَّجلّي ليَدُلا على أنه هو إلهُ الشريعةِ والأنبياء.

على أي حال، بما أن اللهَ ثالوث فمِنَ المَحال الإيمان، على نحوٍ صحيح، بأحد الأقانيم دون الأقنومين الآخَرَين. لأنّ “كلَّ مَن أنكرَ الابنَ لم يكن الآبُ معه” (1يوحنا2: 23).

المفتّش عن الحقيقة: ولكن، ألا يؤمنُ المسلمون بالمسيح بحسَبِ طريقتهم؟

الأرثوذكسي: إنهم يؤمنون بأنه نبيٌّ سيأتي أيضاً ليَدِينَ العالم. إلا أنهم لا يؤمنون بألوهيّته ولا بصلبه ولا بقيامته، وكلُّها ركائز أساسية لإيمانِنا…

المفتّش عن الحقيقة: ولكنَّ اليهودَ هم الشّعبُ المختار، أليس كذلك؟

الأرثوذكسي: لقد كانوا، فيما مضى، الشعبَ المختار، لكن اللهَ رذلَهم لعدم إيمانهم، وشتَّتَهم في كلِّ الأرض، واختارَ مكانهم الأممَ التي آمنت

المفتّش عن الحقيقة: لكن، أليس دينُ العهد القديم هو الدّين الحقيقي؟ وكونهم، حتى الآن، لا يزالون يمارسونه، فهم مؤمنون حقيقيون. أليس كذلك؟

الأرثوذكسي: كان دينُ العهد القديم ديناً حقيقياً ظلّيّاً وتحضيراً لتجلّي ملء الحقيقة في المسيح يسوع. ولكن، عندما ظهرَ ملءُ الحقّ لم يعد من التُّقى المكوث مع الظّلّ؛ طبعاً، الخطأ في المزج بين ظلِّ الحقيقة والحقيقة يكون ضلالاً خطيراً. على أي حال لا يمارسُ اليهودُ ديانة العهد القديم.

المفتّش عن الحقيقة: ما هذا الذي تتكلّمُ عنه؟ بالطبع إنهم يمارسونه!

الأرثوذكسي: منذ دمار الهيكل سنة 70 قبل الميلاد، كان من المستحيل على اليهود تطبيق الوصايا الأساسيّة لديانتهم، وهي عبادة الله عبر تقديم الذبائح في الهيكل ثلاث مرّات في السّنة- في الفصح والعنصرة وعيد المظالّ. لذا، فقد تحقَّقَت نبوءةُ النبي هوشع: “لأن بَني إسرائيلَ سيقعدون أياماً كثيرةً بلا ملك وبلا رئيس وبلا ذبيحة وبلا أفود وترافيم” (هوشع3: 4).

المفتّش عن الحقيقة: وما هي، إذاً، ديانتُهم الحاليّة؟

الأرثوذكسي: ليست ديانة العهد القديم، بل ديانة الفريسيين التي نبذها المسيحُ كونَها، فقط، “تقاليد بشرية”. علاقتُها مع العهد القديم غيرُ واضحة المعالم. أما رؤيتُها الدينية الحقيقة فهي لا تتشكَّلُ من النصوص المقدسة للعهد القديم، بل من التّلمود الذي هو مجموعةُ تعاليم فرّيسية.

المفتّش عن الحقيقة: وما هي تعاليم الفريسيين؟

الأرثوذكسي: هي كُرهٌ بالغٌ للمسيح والمسيحية. لا يُنكرُ التّلمودُ، فقط، الثالوثَ وقيامةَ المسيح، بل هو يشتمه باعتباره مشعوذاً وابنَ زنى، أي ابن جندي روماني اسمُه بانثيرا Panthera جاء نتيجةَ علاقته بامرأة نجسة. إضافة إلى ذلك، فالتلمود يعلّمُ بمقياسَين أخلاقيَّين: الأول هو لأَتباعِه اليهود، أما الثاني فمختلف عنه تماماً وهو للغوييم، أي الأمم غير اليهود، الذين ينزع عنهم أي اعتبار بأنهم كائنات بشريّة.

المفتّش عن الحقيقة: ولكن، أليست هذه مُعاداةً للساميّة anti-semitism؟

الأرثوذكسي: معاداة الساميّة (أو اللاسامية) باعتبارها موقفاً عُنصُريّاً يَحمِل الضغينةَ لكل اليهود هو موقفٌ لا يتّفقُ مع الإنجيل. لا يوافقُ المسيحيون على كل ذلك العنف الذي ارتُكب بحق اليهود (لا أقصدُ، هنا، التمييز ضد تعاليمهم، بل العنف الجسدي الذي مورِسَ عليهم كأشخاص) عَبْرَ العصور. لكن هذا لا يعني، بأي شكل من الأشكال، بأنه على المسيحيين المشاركةُ في تبييض صفحة اليهود، وهو أمرٌ لا يزال يحصلُ، منذ قرن من الزمان، في الأوساط الدينية وغير الدينية. فالإنجيل يُشيرُ بوضوح إلى أن اليهود قَتَلوا المسيحَ وجلبوا دمَه عليهم وعلى أولادهم. كراهيتُهم للمسيح والمسيحيين لم تتناقص عبر العصور: معاداةُ الساميَّة هي، إلى حدٍّ كبير، ردَّةُ فعلٍ المسيحيين والأمم (غير اليهود) على “معاداة غير اليهود” (أو معاداة الأمم) التي مَصدرُها التلمودُ الذي يُبَرِّرُ، بِشَتَّى الطُّرُق، الجرائمَ المرتكَبة بحقِّ غير اليهود، وهذا يتضمَّنُ القتلَ واغتصاب الحقوق. أما في أيامنا فقد شهدَ وينستون تشيرشل وكثيرون غيرُه بأن اليهود هم المحرّكُ الرئيسي لكل الحركات الثوريّة التي ضد المسيحية وضد المَلَكيّة؛ فهُمْ الذين حبكوا المؤامرات من أجل قيام الثورة الروسية ودفعوها نحو عنفها الأقصى. 95% من القادة البولشفيّين كانوا من اليهود. (البولشفيون كانوا، طبعاً، مُلحدين أكثر من كونهم يهوداً تلموديين. ومع ذلك، فلا أحد يستطيعُ إنكار دور التلمود والرّبانيين في كُره البولشفيين للحضارة المسيحية). الوَعدُ بوطن قوميّ لليهود في فلسطين (وعد بلفور)، في الأسبوع نفسِه من تشرين الأول سنة 1917، لا يُمكنُ لأي مسيحي فَطِن تَجاهُل هذا “التّطابُق”، وأهميتَه وتأثيره على عصرنا. فالتقليدُ الثابتُ للكنيسة كان، ولا يزال، يقول بأن ضد المسيحَ سيكون يهودياً يمارسُ حُكمَه من أورشليم في دولة إسرائيل المستَعادة…

المفتّش عن الحقيقة: ولكن، هل علينا أن نحبَّ اليهود، حتى ولو كانوا أعداءنا؟

الأرثوذكسي: علينا، بدون شك، أن نحبَّ أعداءَنا ونصلّيَ من أجلهم، كما أوصانا المسيح. علينا، بالتّحديد، أن نصلّيَ لكي يتحوَّلوا عن دينهم ويهتدوا إلى المسيح، بحسب ما تنبَّأ القديس بولس عن حصول ذلك في الأزمنة الأخيرة. “فإذا آلَ إبعادُهم إلى مصالحةِ العالم، فما يكون قبولُهم إلا حياةً تنبعثُ من الأموات” (رومية11: 15).

المفتّش عن الحقيقة: ما تقوله صحيح. لكن، لدي هدفٌ أساسيٌّ وراء كلِّ ما قلتَه.

الأرثوذكسي: وما هو؟

المفتّش عن الحقيقة: أنت تدَّعي بأن تلك هي الأرثوذكسية، لكنني على يقين من أنها ليست كذلك.

الأرثوذكسي: ماذا تعني؟

المفتّش عن الحقيقة: رؤساؤك يشاركون في الحركة المسكونية، وهي حركة قائمةٌ على مبادئ تتناقضُ كلّيّاً مع الأرثوذكسية التي تبشّرُ بها.

الأرثوذكسي: في الواقع، لا يشاركُ زعمائي الدينيون في الحركة المسكونية. على أي حال، إني أتفهَّمُ سوء فهمِكَ لأن تلك المنظَّمات الكبيرة والبطريركيات التي تتعاون علانية بالأرثوذكسية، كالبطريركية المسكونية وبطريركية موسكو والبطريركية الصّربية وغيرها…، تشاركُ في الحركة المسكونية. لكننا لا نتشارك معهم في الكأس الواحدة لأنهم خرجوا عن الأرثوذكسية.

المفتّش عن الحقيقة: كيف يُقالُ عن القادة الأرثوذكسيين بأنهم خرجوا عن الأرثوذكسية؟ هذا يشبهُ القول بأن البابا قد خان الكاثوليكية!

الأرثوذكسي: لكنه خانَها! البابا هو الذي خان جامعيَّةَ الأرثوذكسية   والكنيسةَ الأرثوذكسية الجامعة، وذلك في النّصف الثاني من القرن الحادي عشر، وقد حوَّلها – أو بالأحرى جعل قسماً منها وهو الذي أخضعَه لهم – إلى شيء مختلفٍ بالكلّيّة وهو: الكنيسة الكاثوليكية الزّائفة. وبالطريقةِ نفسِها، قام قادةُ الكنائس الأرثوذكسية الرسميون، في القرن العشرين، بخيانة الأرثوذكسية فجعلوها شيئاً مختلفاً بالكلّية: “الأرثوذكسية العالمية” أو “الأرثوذكسية المسكونية”.

عليكَ أن تتذكر: كما أنه “ليس اليهودي بما يبدو في الظّاهر” (رومية2: 28)، بل هو مَن ينتمي إلى “إسرائيلَ الله” (غلاطية6: 16)، كذلك الأمرُ مع كنيسةِ المسيح، فليس الأرثوذكسيُّ في الظّاهر، بل هو فقط مَن يعترفُ بأرثوذكسيتِه بالقول والفعل. لحسن الحظ، لا يزالُ هناكَ أرثوذكسيون قائمون في الحقّ وليس في الظّاهر فقط، وقد فَصَلوا أنفسَهم عن تلك الرَّدّة السائدة. وهؤلاء، مهما قَلَّ أو سيقلُّ عددُهم، سيظلّون هُم الكنيسةَ التي أبوابُ الجحيم لن تقوى عليها (متى16: 18)، وهُم مَن عَناهم ربُّ الكنيسةِ بقوله: “لا تخفْ أيها القطيعُ الصَّغير، فقد حَسُنَ لدى أبيكم أن يُنعِمَ عليكم بالملكوت” (لوقا12: 32).

المفتّش عن الحقيقة: إنني مسرور لما سمعتُه. فقد اقتنعتُ من كلامك، لكنني بدأتُ أُفكّرُ بأنه لا أحد قد مارَسَ هذه الحقيقة التي أتَيتُ لكي أؤمنَ بها.

الأرثوذكسي: أهلاً بكَ، يا أخي، في عالم الإيمان الحقيقي بالمسيح! لا تَخَفْ، فمهما كانت كنيسةُ المسيح صغيرةً على الأرض، إلا أن الكنيسةَ في السماء تنمو باستمرار حتى نهاية العالم. “أما أنتم فقد اقتربتم من جبلِ صهيون، ومدينةِ الله الحي، أورشليمَ السّماويّة، ومِن رِبوات الملائكة في حفلةِ عيد، مِن جماعةِ الأبكارِ المكتوبةِ أسماؤهم في السَّموات، من إلهٍ دَيّانٍ للخَلْقِ أجمعين، مِن أرواحِ الأبرارِ الذين بلغوا الكمال، مِن يسوعَ وسيطِ عهدٍ جديد، مِن دَمٍ يُرَشُّ، كلامُه أبلغُ من كلامِ دمِ هابيل…” (عبرانيين12: 22- 24).

Leave a Reply