دستور الإيمان

القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

1. ما هو دستور الإيمان؟

دستور الإيمان هو اعتراف بإيمان الكنيسة الجامعة الرسولية وتعبير عقائدي عن هذا الإيمان، وهو يتضمّن الحقائق التي تلقّتها الكنيسة من الرسل القديسين، تلاميذ المسيح المخلّص.

هذه الحقائق، لكونها عقائد الكنيسة، حُفِظَت نقيّة، بلا دنس ولا عيب، كما كانت في فلك مقدّس، في حضن الكنيسة الواحدة الجامعة المقدّسة الرسولية.

صاغَت الكنائس المحلية الحقائق الإلهية التي مُرِّرَت إليها في دساتير إيمان، واستعملتها كشعارات للاعتراف بالإيمان الأرثوذكسي، تميّز المؤمنين الأرثوذكسين. في الحديث عن هذه القوانين، أشار أوريجانس إلى هذا الدستور كما يلي: “هذا القانون هو التعليم المشتَرَك بين كل الكنائس، المسلَّم من الرسل القديسين والمحفوظ في التسلسل ابتداءً منهم إلى هذا اليوم”.

الدستور المقدّس الشائع استعماله في الكنيسة اليوم هو الذي صيغ في المجمعين المسكونيين الأول والثاني، على أنه الاعتراف المشترَك للمسيحيين الذين يحفظون الإيمان الأرثوذكسي بحسب الاعترافات القديمة. انعقد المجمع المسكوني الأول في نيقية وصاغ التعبير العقائدي عن الإيمان الحقيقي والأرثوذكسي، المسمّى أيضاً قانون الإيمان أو دستور الكنيسة. هذا التعبير العقائدي صيغ بشكله الحالي في المجمع الثاني الذي انعقد في القسطنطينية (بحسب القديس غريغوريوس النيصّي، العظات التعليمية، الفصل الثالث).

2. ماذا يقول دستور الإيمان الجامع

البند 1. أومن بإله واحد، آب ضابط الكل خالق السماء والأرض وكل ما يرى وما لا يرى

البند 2. وبرب واحدٍ يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر الذي به كان كل شيء

البند 3. الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء وتأنس

البند 4. وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطي وتألم وقبر

البند 5. وقام في اليوم الثالث على ما في الكتب

البند 6. وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب

البند 7. وأيضاً يأتي بمجد ليدين الأحياء والأموات الذي لا فناء لملكه

البند 8. وبالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجد، الناطق بالأنبياء

البند 9. وبكنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية

البند 10. وأعترف بمعموديةٍ واحدةٍ لمغفرة الخطايا

البند 11. وأترجى قيامة الموتى

البند 12. والحياة في الدهر الآتي.  آمين

3. بمَ نعترف من خلال البند الأول من دستور الإيمان؟

من خلال هذا البند، نعترف بأننا نؤمن بإله واحد، آب كليّ القدرة، خالق لكلّ الأشياء، منظور وغير منظور في آنٍ معاً.

4. بمَ نعترف في كلَ كلمة؟

في كلّ كلمة نعترف بحقيقة من حقائق إيماننا المقدّس، ضرورية للاعتراف بهذا الإيمان الأرثوذكسي.

5. بمَ نعترف في العبارة الأولى من الدستور “أؤمن”؟

نعترف بالفعل “أؤمن” بأنّ حقائق الدين المُعلَن للمسيح المخلّص تتخطّى كلّ فهم، كحقائق تتجاوز كلّ تصوّر ولا يمكن مقاربتها بالعقل بل بالإيمان.

6. لمَ يبدا دستور الإيمان بالإيمان؟

أ) لأن الإيمان هو الوحيد الذي يقود إلى الله

ب) لأن الإيمان هو الوحيد الذي يصالح الكائن البشري مع الله

ج) لأنّ بالإيمان فقط يُسَرّ الله بالبشر، كما يؤكّد الرسول بقوله: ” وَلكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاء اللهِ” (عبرانيين 6:11)

د) لأنّ الإيمان هو عين كل ضمير ينير ويبثّ الحكمة، كما يقول إشعياء: “إن لم تؤمنوا فلن تفهموا” (9:7).

7. بمَ نعترف بقولنا “بإله واحد”؟

بعبارة “بإله واحد”، نعترف بوحدة الإله المثلّث الأقانيم. نعترف بأنّ الآب والابن والروح القدس هو إله واحد، أزلي معاً، لا بداءة له معاً، ممتنع عن الإدراك والتغيّر وملك لكلّ كمال [كما تفكّر بالله، عليك أن تفكّر بالآب، حتّى يكون التمجيد المقدّم إلى الآب والابن والروح القدس معاً غير مقسّم (كيرللس الأورشليمي، التعليم 6)].

8. ماذا نعني بعبارة “آب”؟

نفهم بعبارة “آب” أن الإله الواحد الممجَّد في الثالوث هو إله مثلّث الأقانيم، وأنّ في الإله المثلّث الأقانيم نميّز صفات شخصية: آب وابن وروح قدس، وأنّ الآب هو أصل الابن والروح القدس، وبالتالي، نحن نعبّر من خلال عبارة “آب” عن ما يلي: أ) عن الميّزة الشخصية لله الآب كأوّل شخص في الثالوث القدّوس، ب) قرابتنا وعلاقتنا بأبينا السماوي على أساس التبنّي الذي نلناه بمخلّصنا يسوع المسيح، لأنّ “كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ” (يوحنا 14:1)، “إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي” (رومية 15:8). يقول كيرللس الأورشليمي: “علينا أن نؤمن ليس بالله وحسب، بل أيضاً بأنّه آب الابن المولود الوحيد ربّنا يسوع المسيح” (التعليم 7).

9. ما هي آيات الكتاب المقدّس التي تحكي عن الإله الثالوثي؟

لدينا في الكتاب المقدّس كلمات المسيح المخلّص، إذ أرسل تلاميذه القديسين ليعلّموا، أمرهم بما يلي: “إذهبوا وتلمذوا كلّ الأمم معمّدين إياهم باسم الآب والابن والروح القدس” (متى 19:28). أيضاً يقول الإنجيلي يوحنا: “فَإِنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي السَّمَاءِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: الآبُ، وَالْكَلِمَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ. وَهؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ هُمْ وَاحِدٌ” (1يوحنا 7:5). وفي رسالته إلى أهل رومية يقول الرسول بولس: “لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ” (رومية 36:11)، وبهذا يعلن الله المثلّث الأقانيم. وفي الرسالة الثانية إلى الكورنثيين، يقول أيضاً: “نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ اللهِ، وَشَرِكَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ مَعَ جَمِيعِكُمْ” (2كورنثوس 14:13).

10. بمَ نعترف في قولنا “ضابط الكلّ”؟

نعترف بسيادة الله المطلقة وسلطانه على كل المخلوقات العقلية والحسيّة.

11. بمَ نعترف في قولنا “خالق السماء والأرض، كلّ ما يُرى وما لا يُرى”؟

نعترف بأنّ الله هو الخالق الوحيد للعالم المنظور المُدرَك الذي أوجده من العدم بإرادته الذاتية وصلاحه.

12. بمَ نعترف في البند الثاني من دستور الإيمان؟

في البند الثاني، نعترف بأننا نؤمن بإله واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كلّ الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، واحد مع الآب في الكيان، من خلاله كُوِّنَت كلّ الأشياء (يوحنا 1:1، 15:3، 62:6، 28:8، 5:17 و2كورنثوس 7).

13. ما الاعتراف الذي تحمله عبارة “وبربّ واحد يسوع المسيح”؟

بعبارة “الرب يسوع”، نؤمن ونعترف أ) ألوهة يسوع لأنّه يوجد إله واحد، ب) خلاص البشرية الذي تمّ به، لأنّ اسم “يسوع” يعبّر عن العمل لخلاص البشرية. إذاً، بهذه العبارة نعترف بأننا نؤمن بالإله الإنسان الذي هو مخلّص العالم.

14. بمَ نعترف بقولنا “يسوع المسيح”؟

نعترف من خلال هذا التعبير بأننا نؤمن بالمسيّا الذي أتى وسوف يأتي مجدداً، الذي توقّعه إسرائيل والأمم، الذي لكونه ممسوحاً (مسيحاً) لله سوف يخلّص البشرية من تسلّط الشيطان، وهذا المسيّا المنتَظَر هو يسوع المسيح.

15. ما معنى كلمة “مسيح”؟

كلمة “مسيح” تعني الممسوح، أي الممسوح بالزيت، إذ بحسب الناموس القديم، كان الكهنة والملوك والأنبياء يُمسَحون بزيت غالي الثمن ويُدعَون مسحاء او ممسوحين.

16. لماذا دُعي مخلّصنا “المسيح”؟

دُعي مخلّصُنا “المسيح” (مع أل التعريف) لأنّه كان ممسوحاً بشكل استثنائي وبامتياز فوق كل الباقين، إذ قد ولِد كاهناً وملكاً ونبياً. فهذا كان حاله بالواقع لأنّه ظهر الكاهن بامتياز والملك العظيم والنبي الفائق، لكونه مُسِح منذ تكوّنه في رحم مريم الكلية البتولية، ولأنّه كان المسيّا المنتَظَر.

17. ماذا يقول الكتاب المقدّس عن المسيح؟

يقول كاتب المزامير: “أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ بِدُهْنِ الابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ. “(7:45). أمّا إشعياء فيقول: “رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ، لأُنَادِيَ بِسَنَةٍ مَقْبُولَةٍ لِلرَّبِّ” (1:61؛2، 7:42 ولوقا 18:4-20). في تطبيق قول إشعياء على نفسه، قال المسيح للذين في المجمع: “إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ” (لوقا 21:4). بهذه الكلمات، أعلن يسوع نفسه لليهود على أنه المسيا المنتَظَر أو مسيح الرب.

18. مَن هو أوّل مَن دعا يسوع “المسيح” في العهد الجديد؟

أندراوس هو أوّل مَن دعا يسوع “المسيح”، عندما أعلم أخاه بطرس أنّه وجده: “فَقَالَ لَهُ:«قَدْ وَجَدْنَا مَسِيَّا» الَّذِي تَفْسِيرُهُ:الْمَسِيحُ” (يوحنا 41:1)، من ثمّ، المرأة السامرية، التي تحدّثت إلى المخلّص وقالت له: “قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: «أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ مَسِيَّا، الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمَسِيحُ، يَأْتِي. فَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُخْبِرُنَا بِكُلِّ شَيْءٍ»” (يوحنا 21:4، 26). المجوس أيضاً سألوا: “«أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟»” (متى 4:2). بطرس دعا يسوع بالمسيح، أي المخلّص، عندما سأله السيد عمّن يكون: “«أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!»” (متى 16:16). يسوع نفسه سمّى نفسه المسيح: “حِينَئِذٍ أَوْصَى تَلاَمِيذَهُ أَنْ لاَ يَقُولُوا لأَحَدٍ إِنَّهُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ” (متى 20:16). يوحنا السابق سأل السيد عِبر تلاميذه: “«أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟»” (متى 2:11). ورئيس الكهنة استحلف يسوع باسم الإله الحي أن يقول لهم: “«أَسْتَحْلِفُكَ بِاللهِ الْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ؟»” (متى 63:26). وملاك الرب الذي أعلن ميلاد يسوع للرعاة سمّاه المسيح بقوله: “أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ” (لوقا 11:2).

19. إلامَ تشير كلّ هذه الآيات؟

هذه الآيات تشير إلى أنّ اليهود كانوا ينتظرون المسيا المسيح ويعتقدون أنّه ابن الله ومخلّص العالم.

20. هل يظهر اسم المسيا (أي المسيح) في العهد القديم؟

في العهد القديم، لا يظهر اسم المسيا إلا في المزمور الثاني وكأنه بالتفسير الاستنتاجي. إلا إن اسم المسيا يبدو على أنّه الاستدلال المنطقي لكل الأقوال النبوية في العهد القديم وحتى لكل تقليد اليهود المقدس الذي يبدأ مع البطريرك يعقوب (بحسب النص العِبري): “لاَ يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ”، أي أنّه المسيح الذي تنتظره الأمم (تكوين 9:49، 10).

21. كيف يُوصَف شخص المسيا الآتي؟

بدايةً، شخص المسيا ومجيئه موصوفان في العهد القديم بشكل باهت وخافت (مثلاً تكوين 3:12، 18:18، 16:22، 28:4، 10:29). لاحقاً، الخفوت والبهتان يبدآن بالتلاشي، إذ تبدأ الأمور بالاتّضاح، وشكل المخلّص يصير أكثر صفاءً (تثنية 15:18-18، مزمور 109:11، إشعياء 14:7، 6:50، 53، حزقيال 23:34-31، دانيال 21:9-27). من ثمّ، يتحدد زمان مجيئه تدريجياً (دانيال 24:9-27، حجاي 6:2-10، ملاخي 7). الشيء نفسه يحدث للمنزل والذرية التي منها سوف يُولَد (ملوك الثاني 16:2، إشعياء 1:11-3)، المكان (ميخا 5) وتفاصيل ميلاده (مزمور 10:101-11، إشعياء 1:11-3)، حياته (إشعياء 1:9-2، 19:26، 3:35-6، زخريا 9:9)، موته (مزمور 11:80-12، 10:40، 21:93، 22:48، زخريا 12:11-13، 10:12، إشعياء 7:53) وقيامته (مزمور 20:70، يهوشع 3:6، إشعياء 2، 60، وإرمياء 6:23، 31:30، ويهوشع 18:2ن يوئيل 28:2، عاموص 11:9، عوبديا 17، يونان 17:1، ناحوم 15:1، حبقوق 2:3، صفنيا 14:3، حجاي 8:2، زخريا 10:2، 8:14).

Leave a Reply