الأب الشيخ جرفاسيوس براسكيفوبولوس من بترا

الأب الشيخ جرفاسيوس براسكيفوبولوس من بترا

نقلها إلى العربية بتصرف الأخ يوسف كبا

طفولته

نسبٌ فقير، ونفسٌ غنيّة
في أحد الأيّام من عام 1877 ولد جاورجيوس براسكيفوبولوس في قرية غرانيتسا (Granitsa) في غورتينيا (Gortynia). وكان لوالديه خرالمبولوس وفاسيليكي قطيع من الغنم. كان ابنهما يساعدهما بالإعتناء بها. إلاّ أنّه حُرم من أمه وهو في الرابعة من عمره، وقد عانى فيما بعد من قسوة زوجة أبيه وظلمها له. ومن غرائب ذلك انها كانت تشدّ رباطاً حول معدته لئلا يشتكي من الجوع. ومع هذا فإن جاورجيوس لم يكن يتشكّى من شئ. ولحالة الفقر التي كانت اسرته عليها، لم يتمكّن من الدراسة الإبتدائيّة إلاّ بصعوبات مالية كبيرة، وبمساعدة رفاقه.

بعد هذا ما لبث جاورجيوس أن انخرط في العمل الشاق لمساعدة أسرته. عمل أولاً في التجارة، ثم في الخياطة، وأخيراً لدى لحّام. في هذه الفترة كان يزعجه أمران: الأوّل، أنه كان يتعب من دون نتيجة ملموسة، والثاني توقه الحار الى التعلّم. لكن اللّه كان يهيّئه من خلال كل هذه الأتعاب لجعله عاملاً في كنيسته المقدسة. كان جاورجيوس يتوق لأن يتشبّه بالقديسين. وكثيراً ما كان يناجي والدته المتوفية، ويطلب مساعدتها لتمكينه من مغادرة الى الدير، لكي يكرّس نفسه للعذراء والدة الإله.

“الشوق الإلهي لأهل البراري لا يتوقف” (اللحن الأول الانديفونا الاولى2)
بقي جاورجيوس يُخفي شوقه الى التكريس إلى أن أباح به يوماً لأمه بالتبني التي عارضت في البداية ثم ما لبثت أن أعطته بركتها قبيل بدء صوم الميلاد.

وصل جاورجيوس إلى ديره الحبيب، دير كيرنيتسا (Kernitsa)، يوم عيد القديس متى الإنجيلي عام 1890، وكان حينها في الثالثة عشرة من عمره. وعندما دخل الكنيسة أحس وكأن ايقونات العذراء وسائر القديسين تبتسم له وترحّب به. من البداية اتخذ وعداً على نفسه، بأن يطيع إرشادات الشيوخ كأنّها من اللّه. كان واجبه أن يقرأ في الكنيسة، وأن يساعد في الفرن، ثم بتنظيف ساحات الدير وغسل الثياب… وكان يجاهد بتعب لإتمام واجباته على أكمل وجه. بالإضافة الى ذلك، كان يسير مدة ساعة على الاقدام للوصول الى المدرسة، حيث كان يتابع دراسته. إلاّ إن رئيس الدير، على ما يبدو، كان فظاً، فنصحه بالتوقف عن الدرس لئلا “يبذّر زيت المصابيح بلا فائدة”. وبالإضافة إلى إزعاجات وتأثيرات سلبيّة أخرى من إخوة الدير، اضطر جاورجيوس الى مغادرة الدير بعد سنتين من دخوله. فتوجّه الى دير الكهف الكبير.

في دير الكهف الكبير  (Great Cave – Μέγα Σπέλαιον)
كانت روح جاورجيوس تتوق دوماً الى المزيد من العلم والمحبة الإلهية. في طريقه الى دير الكهف الكبير، عانى كثيراً من التعب والجوع واعتلّت صحته. لحسن الحظ استطاع الوصول الى دير القديس اثناسيوس في فيليا ((Kleitoria Philia حيث اهتم به الأب بيصاريون بعد أن عانى الفتى جاورجيوس من حمى الشمس وتورّم القدمين خلال أسابيع من سيره على الأقدام. ثم لدى تحسُّن صحته، تابع سيره الى دير الكهف الكبير، وقد كان لأول مرة يشاهد جماعة رهبانية كبيرة كهذه. فدخل الكنيسة وكانت تُقام خدمة الغروب في الاسبوع العظيم المقدس. لكن مع الأسف، شاهده كل الرهبان ولم يعِره أحد منهم أي انتباه. فقال في نفسه: “لعلّي لن أستطيع ان أحقق آمالي في هذا الدير؟” فقط ايقونة والدة الإله أعطته بنظراتها شيئاً من الأمل. ثم أخذ يصليّ بدموع… فأتاه صوت يقول له :”اذهب الى دير رئيس الملائكة في إيجيليا ((Aigialeia وتابع دراستك في مدرستها العليا”. عندما خرج من الكنيسة، انتبه إليه أحد الرهبان واعطاه قطعة خبز ليأكل، ومكاناً ليرتاح فيه. وقد عرف، رغم انكسار قلبه والدموع التي في عينيه، أن العذراء، الأم الحنون، لا بد أن تسرع وتساعده.

في دير رؤساء الملائكة
يقول الانجيل” ملكوت السموات يُخطف اختطافاً…”(متى12:11(. الملكوت يأتي بغصب النفس. هذا لم يغِب عن تفكير جاورجيوس الفتى، بل كان له طريق حياة. هكذا سعى الى دير رؤساء الملائكة وعندما وصل تلقى استقبالاً كمضافة ابراهيم. وفي الحال وضع نفسه في حماية رؤساء الملائكة، وتقبّل بطاعة سلطة الأب جرمانوس الروحية عليه. وهكذا عاد ليتابع حياته النسكية والدروس اليومية. وفي الحال احتل المكانة الأولى في الصف. إلاّ إن هذا جلب عليه غيرة رفاقه وحسدهم. فقد تعرّض للافتراء المنظّم، إلاّ انه لم يفقد شجاعته متسلحاً بأسلحة الروح. ثم شعر يوماً بعد يوم أن اللّه يريده في مكان آخر، لا في دير رؤساء الملائكة.

دير آخر
سمع مرة أن دير الييروكوميو(بيت المُسنّين) ذو حالة روحية جيدة، وان مطران باترا كان رجلاً قديساً. وما لبثت السيدة العذراء في هذا الدير (الييروكوميتيسا Gerokomitissa) أن ألهمته بزيارة ذاك الدير، وقد زاره بالفعل، واحسّ أن اللّه يريده أن يمضي بقية حياته هنا. وهكذا ما لبث أن انضم جاورجيوس المبتدئ الى أخوية هذا الدير تحت اسم جرفاسيوس (Gervasios) ومن هناك أيضاً تابع دراسته المحبوبة في مدرسة باترا العالية، مطبّقاً ما كان يؤمن به من أن “على الثقافة أن تترافق مع الحياة في المسيح”. وهكذا كان يخدم الدير من كل قلبه، بدون تذمّر ويصلّي ويصوم ويدرس، بصلوات القديس اندراوس الرسول شفيع مدينة بترا.

في الهيكل المقدّس

سيامته شماساً
بعد أن عانت شجرة نفس جرفاسيوس من الرياح العاتية، ضربت جذوراً عميقة في الأرض وأينعت ثماراً طيبة، فكان شماساً في عام 1902. وقد كان يتابع دراسته إلى ذلك الحين وأصبح من مدرسة ريزاريوس Rizarios)) حيث كان مدير المدرسة حينها القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس. وأمّا الشماس فكان يحبّ القديس كثيراً، ويتشبّه به في فضيلته باستمرار. كان الشماس تلميذاً نموذجياً في مدرسة ريزاريوس الكهنوتية، مختاراً بإشعاعه الروحيّ، وطيبة نفسه، كنموذج صالح بين زملائه. كان القديس نكتاريوس يدرّسهم مادة الرعائيات. ويروي أحد زملاء جرفاسيوس عنه انه طلب يوماً ان يتكلّم في الصف، فبعد أن سمح له القديس قال الشماس جرفاسيوس: “الراعي الصالح هو الذي لا يكتفي بأداء واجباته روتينياً كوظيفة، بل يكرّس نفسه للكنيسة من كل قلبه ونيّته، ويجاهد من دون توقف ليجعل شعبه يختبر تعاليم الانجيل، بعمق، وصولاً إلى جوهر الأمور، من دون أن يتوقف عن محاربة الفريسيّة كما فعل السيّد في هيكل سليمان…محباً الأصدقاء والأعداء، باذلاً نفسه في سبيل إعادة الخروف الضال…” فناداه القديس نكتاريوس وقال دامع العينين “هذا هو النوع الذي نريده من الرعاة”، وأضاف متنبئاً: “إني أرى فيه (جرفاسيوس) قائداً مستقبلياً للكنيسة، وراعياً للمسيحية، فليباركه اللّه”.

وقد تمكّن الشماس جرفاسيوس من متابعة دراسته اللاهوتية في جامعة أثينا، بدعم من محسنة تُدعى كاترينا ماتزونيس (Matzounis) تكفّلت بمصاريفه.

سيامته الكهنوتية
منذ أن كان شماساً كانت ترنيمته المحببة “لقد فرحت نفسي وابتهج قلبي، عندما قالوا لي: إلى بيت الرب نحن ذاهبون” (أنافثمي اللحن الأول، الأنديفونا 3:1). هكذا إلى أن ضمّه الربُ إلى خدّام هيكل العلي.

بين العامين 1912-1913 خدم الكاهن جرفاسيوس في الجيش أثناء حرب البلقان. في عام 1917 أُوقف أمام محكمة عُرفية، وكما يشهد بنايتوس تريمبيلاس (Trembelas)، أنه خرج بريئاً مما اتُهم به لشجاعته وهدوئه واستقامته. بين العامين 1918-1919، درّس في مدرسة سيروس العليا Syros))، ثم عاد إلى ديره (الييروكيميو) مجاهداً في إحيائه. يقول أحد تلاميذه، بيروسيوس مطران هيدرا: “كان الأب جرفاسيوس متحمّساً في عمله، لقد أنكر كل شئ لنفسه، من أجل غايته المقدسة. حاول إصلاح الحياة الليتورجية في الدير لجعله كأديرة الشركة الأخرى… إلاّ إن الرهبان القدماء في الديرعارضوه بعناد، وما لبث أن أدرك انه لن يستطيع الإستمرار. فأخذ إذناً من المطران بمغادرة الدير وأقام في مكان قريب من المدينة، متذكراً دائماً واجباته الرهبانية العزيزة على قلبه”.

نشاط الأب جرفاسيوس

كاهن الرعية الغيور
عَيَّن مطران بترا، أنطونيوس، الأب جرفاسيوس كاهناً على كنيسة القديسة براسكيفي ثم كنيسة القديس ديميتريوس. وكان الأب كمنارة تنيرالجميع. كان يعرف كل أبناء رعيته شخصياً، بخاصة الشباب منهم، مواظباً على الخدمة والتعليم، متذكراً قول سفر الرؤيا “إنك لست بارداً ولا حاراً… فأنا مزمع أن أتقيّأك” (رؤ3:15-16). في الصيف كانت العادة ان يرتاح الكاهن لفترة من كثافة عمله البشاري، إلاّ أن الاب جرفاسيوس كان يرفض ذلك قائلاً: “إن الشيطان لا يتوقف عن العمل (الرديء) فلماذا أتوقّف أنا؟ ثم إنه في الصيف يعمل الشيطان أكثر، ولاشيء يقيّده”. هكذا كانت غيرته كبيرة للربّ، رغم معارضة البعض له، واعتباره إيّاه مبتدعاً. لقد ألغى تمرير الصينية. ونقل طاولة بيع الشمع الى الرواق الخارجي للكنيسة (Narthex) ليوقف أصوات تبديل الاموال وسط القداس الإلهي. وفَتَح الابواب الجانبية للكنيسة ليدخل كل من يريد من الفقراء دون إحراج أو خجل من ثيابهم أو من عدم استطاعتهم دفع المال. ورغم تشكّي عمدة الكنيسة عليه الى المطران كان جوابه “إن بيت ابي بيت صلاة يُدعى” (مت13:21). وكان يمنع الزواج عندما تكون القربى من الدرجة الاولى أو الثانية أو الثالثة.

الى ذلك، كان يحب الخدم الكنسية والصلوات كثيراً. يردّد كلمات الصلاة بحيوية وانفعال لا يُعبَّر عنه، بحيث أن الذي يسمع قراءته لصلاة الساعات أو الغروب أو غيرها لا يستطيع أن يبقى على الأََََرض. لكن نشاط الأب جرفاسيوس الرعائي هذا لم يكن أبداً على حساب نسكه (Askesis) الشخصي. فقد كان يُمضي معظم لياليه مصلياً، خاصة في كتاب المزامير، أمام القنديل المشتعل بالإضافة الى كتابته المواعظ ومقالات أخرى حتى الصباح. ومن عاداته أنه لم يكن يستلقي الليلة السابقة لاحتفاله بالذيبحة الإلهية، بل كان يمضي كل الليل واقفاً أو جالساً في كرسيّه. إن خدمته للقداس الإلهي وموعظته النارية فيه كانت تحمّس المؤمنين كثيراً على حضور الصلاة في كنيسته.

كان الأب جرفاسيوس مشتعلاً بالحب الإلهي، مرتعداً من خطاياه ومن الخدمة الرعائية السماوية التي يؤديها. وقد اعتاد أن يصف الاطفال بملائكة السماء. ويحب كثيراً صوت ترتيلهم، كأن المسيح يتكلم من خلالهم. كما أنه لم يتوقف عن الإحسان، نهاراً وليلاً. وكثيراً ما شوهد ليلاً يتفّقد بيوت الفقراء، محسناً إليهم روحياً ومادياً. وقد تَجدَّدت فيه بالفعل روح القديسين، يوحنا الذهبي الفم وباسيليوس الكبير ويوحنا الرحوم.

الكارز بالنعمة
التعليم الإلهي والوعظ هما روح كل خدمة مقدّسة في الكنيسة، وخاصة خدمة القداس الإلهي، ومن دونها تؤول العبادة الإلهية إلى طقوس جافة. لأن كثيرين من المؤمنين ليسوا معتادين على الرمزية (Symbolism)، فمن الضروري إيضاح معاني المفردات والعبارات في صلواتنا. ولكي ندرك اهتمام الاب جرفاسيوس بخدمة الكلمة الإلهيّة يمكن لنا أن نلقي نظرة على برنامجه العادي ليوم الأحد: دائماً كان يعظ في الليتورجيا الإلهية الليلية في كنيسة القديس ديميتريوس. ثم كان لديه حديث تعليمي للذكور والإناث، ثم أيضاً حديث آخر في كنيسة القديس ديميتريوس بعد الظهر، وفي المساء كان يعظ في الكنيسة الكتدرائية ((Evangelistria. وفوق هذا، فهو لم يتوقف عن الوعظ يومياً لكي ينقذ ما أمكنه من الخراف من فم الوحش العقلي (الشيطان).

حتى في سنيه الأخيرة، عندما لم يعد باستطاعته النهوض، كان يعظ بواسطة الميكروفون الموصل إلى غرفة مجاورة يحتشد فيها المؤمنون لسماع مواعظه. هكذا بقي على اتصال مع شعبه حتى أيامه الأخيره. حماسه هذا في الوعظ أثار حسد الكثيرين، أما لسان حاله فكان “الويل لي إن لم أبشر” (كو9 :16). يقول إيروثيوس مطران هيدرا (Hydra) عن وعظه: “إنه كان كتابياً”. فقد كان الأب جرفاسيوس يتمتع بمعرفة عميقة للكتاب المقدس، وبخاصة العهد القديم، والآبائيات. مما حمل تعزية وتنبيهاً وتحذيراً للمؤمنين ودافعاً للتوبة. كان معلماً شارحاً للكلمة الإلهية، لا مجرّد واعظ من الباب الملوكي. كان واعياً أيضاً لكون التعليم والوعظ لا يكتملان إلاّ بسرّ الشكر الإلهي (أع 24:2). هكذا، هذه معاً، تؤمّن لنا عملاً روحياً متكاملاً، هكذا يتحقق التجسُّد الإلهي لمخلصنا يسوع المسيح، بتمامه. لقد كان من الصعب الفصل بين الواعظ والمحتفل بالأسرار في شخص الأب جرفاسيوس اثناء الليتورجية الإلهية. مما يفسّر نبوياً عبارة بولس الرسول “حتى أكون خادماً ليسوع المسيح لأجل الأمم في الخدمة الكهنوتية التي لإنجيل اللّه، ليكون قربان الأمم مقبولاً مقدّساً بالروح القدس (رو16:15)”. ويتابع المطران إيروثيوس قائلاً: “أذكر أن قلبي كان يزداد خفقاناً عندما كنت أسمع مواعظ الأب جرفاسيوس، كنت متأكداً دوماً أني سأعود بشيء جديد سيغيّر عالمي الداخلي. وهذا كان حال الكثيرين، ليس أنا فقط. لقد كان تأثيره كبيراً في مثاله الشخصي، وحياته المقدسة من جهة، ومحتوى مواعظه السامي من جهة أخرى. كل من يسمع وعظه كان يدخل في جو التراث الآبائي المقدس”.

مؤسس مدرسة تعليم ديني
كان للشباب المكانة الأولى في قلب الأب جرفاسيوس. لذلك قام بحملة روحية لإنقاذهم من صحراء الجهل والإهمال. فقد أسّس في عام 1932 مدرسة تعليم مسيحي لا فقط في بترا بل في كل اليونان. وكان تلاميذه بالآلاف. ويشهد تلميذه الاستاذ بنايوتس تريمبيلاس كم كان صبوراً ومُحبّاً ومتفهّماً لتلاميذه. كان الأب جرفاسيوس قد قسّم التلاميذ الى مجموعات من خمسة الى عشرة طلاّب، وكان ينبّه الجميع على أنهم هم مستقبل الكنيسة، خاصة الفتيات،لأن مستقبل الوطن ككل يعتمد على قلب الأسرة، وهوالأم. وقد اعتاد أن يقول: “أعطني أمهات صالحات، ولا تخف من اي سوء يصيب المجتمع، مهما حل به من شرور. إن بقي رابط العائلة، الأم، سليماً، فأنا أضمن لكم حضارة حيّة مقدّسة…” لذلك كان يريد من النساء، وخاصةالفتيات، أن يكنّ محتشمات رزينات منتبهات في كلامهنّ وتصرفاتهن. لهذا كان يخصّص كل يوم إثنين، حديثاً لاهوتياً أو روحياً خاصاً بالنساء.

لم تتوقف نشاطات الاب جرفاسيوس عند هذا الحد. فقد أنشأ في أيام الصيف مخيمات للشباب بدءً من عام1946، ثم بنى أبنية ثابتة لهذه الغاية في منطقة سيخينا قرب باترا. هنا أيضا كان عيش الأسرار الكنسية محور النشاط الرعائي للأب جرفاسيوس. كنيسة القديسة براسكيفي كانت في وسط المخيمّ. كان مؤمنا أن هذا هو السبيل لتجديد الشباب روحياً. وعند اجتماع الراعي مع الشبيبة عند المساء في الكنيسة، كان يتم اعتراف جماعي عن شوؤن المخيم، كعائلة واحدة.

اهتمام الراعي بالسجناء
الى جانب مهمّاته الرعائية الكثيرة، لم يهمل أولئك الذين في السجون. فقد عمل في سبيل تحسين ظروف حياتهم اليومية، من أجل تقريبهم قدر المستطاع من الرّب الفادي، من خلال الأسرار الكنسية. لم يكن الأب جرفاسيوس يخشى من الأتعاب والتضحيات عندما كان يتبنى إلتزامَ عمل رعائي ما.

المرشد الروحي المستنير
نفوس مثقلة بالخطيئة كثيرة كانت تجد الراحة والسلام بالقرب من الأب جرفاسيوس. فقد كان يعيش الحياة المقدّسة بنفسه، ويوفي الحق كما يجب، وذلك لاستنارته بالروح القدس. كثيراً ما كان يستمر في تقبّل الاعترافات حتى منتصف الليل وحينها كان يبدأ الاستعداد لإقامة الليتورجيا الإلهية (القداس) كما هي عادته، لكي يتمكّن أبناؤه من حضور القداس قبل شروق الشمس، لكي يذهبوا من ثمَّ إلى أعمالهم في أوقاتها المحّددة.

كان لسرّ التوبة والاعتراف أهمية بالغة لدى الاب جرفاسيوس. فقد كان يقول: “سرّ التوبة والاعتراف هو بامتياز مفتاح ملكوت السموات”. وكان يوصي بأن يبدأ الفتيان بالاعتراف في حين السادسة من عمرهم. وذلك عملاً بقول الكتاب المقدس “جيّد للرجل ان يحمل النير منذ صباهُ” (مراثي 3:27). لم يكن الأب جرفاسيوس يرى في القصاصات والحروم الكنسية إجراءات عقابية، بل تعبيراً عن محبة الكنيسة للخاطئ. فهذه القصاصات مقترنة دائماً مع التعطّف والتسامح مع أولئك الراغبين في الخلاص ومعرفة الحق. كان الأب جرفاسيوس يتمتع بموهبة التمييز وكشف الأفكار المخبأة بالإضافة إلى تعزية وإرشاد وتشديد كل مَن يأتي إليه، بالإضافة لموهبةٍ لا نجدها في كل الآباء الروحيين، وهي موهبة تشخيص الحالة الروحية لكل مؤمن من خلال اعترافه، والإشارة بدقة الى ما هو مفيد له للخلاص ولتقدّمه الروحي. ثم إنه كان يتقبّل حتى عصيان توصياته من أبنائه الروحيين عندما كانوا يعودون تائبين، مهما كانت خطاياهم كبيرة. هذا شيء بسيط مما يمكن قوله عن اهتمام الأب جرفاسيوس برعاية خراف المسيح الناطقة، مما يعطي فقط اشارات إلى استنارته وقداسة حياته.

حث المؤمنين على المناولة المتواترة
كان يقول الأب جرفاسيوس عن أهمية القداس الإلهي (الليتورجيا الإلهية) ما يلي: “الليتورجيا التي نتممّها نحن الارثوذكس لها غاية أساسية هي تأليهنا، هذا يتم من خلال المشاركة بخوف اللّه وإيمان ومحبة في الأسرار الطاهرة، بعد ان يدعونا خادم الأسرار، كما من فوق، من السماء، أن نفعل. طبعاً إلاّ إذا كان لدينا أسباب موجبة تمنعنا من التقدّم”. هكذا كان حضور لقداس بالنسبة له ولأبناء رعيته يعني المشاركة في المناولة. وقد كان يتمّم القداس حوالي أربع مرات في الاسبوع. كان يركّز في تعليمه على الإصحاح السادس من انجيل يوحنا حيث يقول الربّ “الذي يأكل جسدي ويشرب دمي له حياة ابدية” (يو54:6)، مع تأكيده على حُسن الاستعداد للمناولة، بالاعتراف كلما دعت الضرورة، مع الصوم والصلاة. وقد جعلتْ المناولةُ المتواترة الأب جرفاسيوس وأبناء رعيّته جسداً وحداً مع المسيح، وإخوة فيما بينهم. لقد كانوا يشعرون بالترابط معاً، من خلال عيش أسرار الكنيسة. وبالرغم من أن اللّه “نور لا يُدنى منه” إلاّ أن المؤمنين الأطهار يستحقون ان تستحوذ عليهم النعمة الإلهية كالعليقة الملتهبة قديماً.

بطل راسخ في التسليم الشريف وقوانين الكنيسة

اليوم تحارَب الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية من عدة اطراف, من الداخل والخارج. هناك مَنْ يجاهر بموت التسليم الشريف وعقائد الكنيسة. لقد عاش الاب جرفاسيوس, ولم يعلّم فقط أرثوذكسياً, بل لم يحِدْ عن التسليم وقوانين الكنيسة المقدسة, ولم يغيّر أي شيء في ما أسَّسه الآباء على قاعدة الإنجيل وبالإلهام الإلهي. كان محارباً حاراً للهراطقة ومدافعاً عن الكنيسة من الذئاب الخاطفة التي في ثياب الحملان, كالاتحاديين (Uniates) وشهود يهوه والماسونيين… وقد حمّل الرسالة للكثيرين من أبنائه الروحيين. لم يكن يتردد في إعلانه صراحةً استهجانه لمقولة عصمة بابا رومية, وتحكّمه بالروحيات والقوانين الكنسية والعقائد. كان يقول “نحن بحاجة الى اهتمام كبير وحساسية, كما في أمور العقيدة والايمان, كذلك في أمور التسليم الشريف مما تتبنّاه الكنيسة. فآباء كثيرون قد حفظوا لنا وسلّمونا الأرثوذكسية الصافية, بجهاداتهم ونضالهم ومعاناتهم بطرق شتى… ولم يقبلوا, لا بالترغيب ولا بالترهيب, أن يخونوا الارثوذكسية…”. وفي قضية التقويم الكنسي كان يقول “لا يحق لأحد ان يغيّر شيئاً من الكنيسة, إلا من خلال مجمع عام, كالمجمع المسكوني مثلاً, لان الآباء حافظوا على ما ألهَمَهم به الروح القدس لقرون طويلة. والتراجع عن أمور صغيرة يقود الى أمور أكبر… فليحفظ الرب رعيته وينيرها”.

يعتقد البعض أن قوانين الكنيسة لا علاقة لها مباشرة بتعليم الرب يسوع, أو أنها صارت قديمة, هذا الفتور أو حتى هذه الوقاحة لدى البعض, كانت تُحزن الأب جرفاسيوس كثيراً.

اضطهاد الكارز الناريّ بالانجيل

الافتراء الاول
كما اضطُهِدَ المسيح, هكذا ينتظر المؤمن ان يُضطَهَد ايضاً (يو 20:15). وهذا ايضاً كان وضع الأب جرفاسيوس, الذي تعرّض لافتراءات واضطهادات عدة. لكنه كان واعياً أن كل ما يعمله كان لمجد الله.

كان الاتهام الأول أن إتمامه للقداس الالهي ليلاً كان يترافق مع العربدة. هذا ما وصل إلى المطران. إلا إن الشرطي الذي أتى فجأة إلى أحد القداديس الليلية, صُعِق من الخشوع والورع الإلهيين اللذين كانا سائدين أثناء الخدمة الإلهية, وقال في تقريره فيما بعد “لقد غادرتُ مسرعاً اذ شعرتُ أنني في السماء لا على الارض…”

الاتهام الباطل التالي الذي رتّبه الشيطان باذر الشرور, هو أن الأب جرفاسيوس كان يعامل الفتيات والصبيان بقساوة ورعونة ليجعلهم يرفضون الزواج وينضمون إلى الرهبنة. إلا إن كتابات الأب ومواعظه والوقائع, أثبَتَت زيف هذه الادعاءات.

ثم إن كثيرين ممن كانوا يتضايقون من نشاط الأب جرفاسيوس وتعليمه راحوا يشون به إلى مطران باترا طالبين منه أن يتدخَّل مباشرة ليحد من مواعظه ونشاطاته الروحية إلاَّ إن جواب الأب كان: “إن الله جدير بالطاعة أكثر من النَّاس, الويل لي إن لم أبشر… يمكن أن تعاقبني أو تحبسني… إلاَّ أنَّ كلمة الله لا تقيد” (2تيم 9:2). إلا أنه تحت ضغط بعض المنافقين والأثرياء وبعض البعيدين عن الكنيسة وحياتها الروحية وبعض الكهنة المتهاونين، قرّر المطران تغيير وقت المواعظ المسائية من السابعة الى الرابعة بعد الظهر, آملاَ في إلغائها في مرحلة قادمة. إلا إن الأب جرفاسيوس والشعب رفضا ذلك حيث أن هذا الوقت غير مناسب, وحدث أن بعض المؤمنين كانوا يفتحون الكنيسة المغلقة عنوة من أجل إتمام المواعظ في وقتها… وحصلت بلبلة كبيرة أتُهم فيها الأب جرفاسيوس بالتمرد والعصيان. وقد بلغت الأمور إلى المجمع المقدس الذي دعى الأب جرفاسيوس للإستجواب… إلا أن براءته ظهرت في النهاية، وهذا ما شهد به حتى الأعداء بعد رقاده. وكان للشعب المؤمن دور كبير في إثبات براءة الأب جرفاسيوس وقداسة سيرته.

بعد هذه الأحداث، وبعد إيقافه في إحدى الأديرة لفترة, عاد الأب جرفاسيوس الى نشاطه الروحي أكثر من السابق, حيث أصبح يعظ في الكنيسة الكاتدرائية في باترا.

الأب جرفاسيوس مستشار المجمع

طاعته لصوت الكنيسة

في عام 1939 اعتلى رئاسة أساقفة أثينا المطران خريسانثوس. رئيس الأساقفة هذا بعد مشاورات وتفكير، كما يذكر الأستاذ تريمبيلا الذي كان له دور في المسألة, إقتنع بتعيين الأب جرفاسيوس سكريتيراً أولاً له (chancellor). وبعد معارضة أولية وتهيُّب قبل الأب القديس, وخضع كإبن أمين للكنيسة المقدسة.

هكذا أقام الأب جرفاسيوس في دير بتراكي (Petraki) ولم يكن ليهدأ ليلاً نهاراً من النشاط بغيرة إيليا النبي عاملاً في مختلف المجالات الكنسية.

مساعيه في تنقية الكنيسة من الشوائب.

همه الأكبر كان: كيف يمكن تخليص الكنيسة من الذين دخلوها كذئاب لا تشفق على الرعية؟ لقد ساهم في إيقاف العديد من الأكليريكيين المنحرفين في البدع والماسونيَّة والعصرانية والتحررية (medernism) وتعب في سبيل إصلاحهم, بعد أن كانوا معتادين على البارات والمقاهي, وحلق الذقون وجمع الثروات والتسكع في شوارع أثينا والمدن الأخرى. وبخاصة المتبتلين منهم الذين كان يدعوهم للإلتزام بقوانين أديرتهم .

في عام 1941 إستراح الأب جرفاسيوس من مهامه الكبيرة وعاد الى رعيته المحبوبة في باترا. وحتى عندما انتخب رئيس أساقفة جديد طلب منه العودة الى أثينا كواعظ إلا أنه رفض. وقال لأحد أبنائه الروحيين في هذا الخصوص: “إنهم يريدونني أن أعود كواجهة يتخفون وراءها ويعيدون بناء كل الإنحرافات والشواذات التي هدمتها بيدي. إن فعلت هذا وعدت, فأنا متعد للشريعة (2غلا 18:2). ثم إنَّهم قد يضعون التاج الأسقفي على                 رأسي, ولكن هل هذا ما أريده؟ بالطبع لا, فأنا لي رسالة أخرى في مكان آخر. بالنسبة لي منبر الوعظ الذي أخدم الكنيسة من خلاله يكفيني”.

هكذا لم يكن الأب جرفاسيوس يطلب ما لنفسه مقابل أعماله وأتعابه في كرم الكنيسة. إقتداءً بالأباء القديسين، كان يتجنب كل مركز رئاسي في الكنيسة مؤثِرا أن يبقى راعياً بسيطاً لشعب الله.

“إنَّ الله عجيب في قديسيه الذين في أرضه”

موهبة التبصر

في الواقع كان الأب جرفاسيوس عائشاً ومتحركاً بالروح القدس. فبعد أن كرَّس ذاته وكل حياته لمن أحب منذ شبابه لم يبخل عليه الرب بالمواهب الإلهية ومنها موهبة النبؤة والتبصر في الأحداث. وقد قصَّ العديد من أبنائه الروحيين وقائع عن تنبوئه في شؤونهم وكيف تمَّت بالفعل كما سبق وقال لهم.

موهبة صنع العجائب

تلقّى خادم الرب المتواضع الذي لم يكن يسعى الى المناصب من الرب ما هو أثمن جزاء عن أتعابه. فإنه كان يصنع العجائب وهو لم يزل على قيد الحياة. وقد تمتع بقوة كبيرة على طرد الشياطين. كثيرون شهدوا بأنه كان يكفي للأب جرفاسيوس أن يرفع يديه للصلاة حتى يشفي شخصاً مريضاً.

“الصدِّيق يحيا الى الأبد”

رقاد الأب جرفاسيوس

في التاسع والعشرين من شهر حزيران 1964 شعر الأب جرفاسيوس بتلاشي قواه الجسدية. فإنه خلال سبعة وثمانين سنة من عمره “لم يعطي لعينيه نوما ولا لصدغيه راحة” (مز4:131). لقد اجتهد في سائر الشؤون الرعائية بروح طفولية بريئة. لكن منذ ذاك اليوم لم يستطع النهوض من سرير مرضه. إلاَّ أنَّ الرب لم يشأ أن يبقى خادمه طويلاً في سرير المرض فما عاناه خلال سني حياته من الأتعاب كان كافياً. في يوم عيد الرسل القدِّيسين (29 حزيران)، في ساعة الصباح الأولى، طلب أيقونة والدة الإله وأخذ يقبلها ويقول: “يا أمِّي الحنونة لا تهمليني”. بهذه الكلمات أسلم روحه بين يدي الله, ودخل الأبدية حيث سيستمر في الصلاة من أجل أبنائه وكنيسته. هكذا قرعت الأجراس الحزينة في كل باترا. الكل، إكليروساً وشعباً، بكوا وتألموا على فقدانه. تجمع الناس حول قلاَّيته لمرافقته الى كنيسة القديس ديميتريوس, حيث كان يمضي معظم أوقاته في الرعاية. الكل تدافعوا للمس رفاته للتبرك. الجميع شاركوا في دفنه, كانوا يدفنون أحد أقاربهم الشخصيين, في صمت وخشوع, رجالاً ونساءً, شيوخاً وشباباً وأطفالاً. سيل من الناس رافقه حتى مثواه الأخيرة. لقد غاب جسده في التراب لكنه كقدوة منيرة، وكغيور حار للرب, بقي حياً في نفوس الكثيرين. وقد تبعت رقاده علامات صامتة عدة, أظهرت تلقي الرب لروح الأب جرفاسيوس الطاهرة, وأكَّدت سكناه في أحضان إبراهيم أبي الأباء.

عن كتاب

Kostopoulos Cyril, Hierd.

Elder Gervasios of Patras

Orthodox Kypseli Publications

Thessaloniki, 1995

Leave a Reply