المسيح في العهد القديم والمجامع المسكونية

المسيح في العهد القديم والمجامع المسكونية

الأب يوحنا رومانيدس

لقد فقد أو رفض أتباع أوغسطين الوجه الأساسي للإفتراضات الضمنية اللاهوتية المختصة بشخص المسيح في كل المجامع المسكونية.وهذا ما يطرح التساؤل حول ما إذا كان هؤلاء يقبلون هذه المجامع فعلاً.

كل الآباء، باستثناء وحيد هو أوغسطين، يشددون على أن يسوع المسيح قبل ميلاده من العذراء والدة الإله، في شخصه الممجد غير المخلوق، رب الصباؤوت، أظهر الله في شخصه لبطاركة وأنبياء العهد القديم. يوافق الأريوسيون والأفنوميون على أن من فعل هذا هو المسيح بشخصه او بأقنومه الذي تواجد قبل خلق الأجيال، ولكنهم يصرّون على أنه خُلق من عدم وبالتالي هو ليس من نفس طبيعة الله الذي هو وحده الله بالطبيعة.

ولكي يبرهن الأريوسيون والأفنوميون رأيهم ناقشوا، كما فعل اليهودي تريفو مع يوستينوس الشهيد، بأن من قال في العليقة المحترقة :أهيه الذي أهيه” (خروج 14:3) (انا هو الذي هو) لم يكن ملاك الرب بل الله نفسه من خلال الكلمة الملاك المخلوق. بالمقابل يشدد الآباء على ان الملاك الكلمة أعلن هذا عن نفسه وليس فقط عن الله، فملاك الرب تكلم بحكم حقه عندما قال لموسى “أنا إله أبيك ابراهيم وإله اسحق وإله يعقوب”(خروج 6:3).

يناقش القديس أثناسيوس في مواجهة الأريوسيين ان اسم “ملاك” ينطبق أحياناً على الكلمة غير المخلوق وأحياناً على ملاك مخلوق. ويركز على أنه ليس هناك أي إمكانية للخلط بين أن يرى الإنسان ملاكاً مخلوقاً أو ان يرى ابن الله غير المخلوق الذي يُدعى أحياناً “ملاك” في العهد القديم. وأيضاً يركز على أن “عندما يُرى الابن يُرى الآب، لأن الابن هو شعاع الآب. وعليه فالآب والابن واحد… واضح جداً أن الله يتكلم من خلال الكلمة وليس من خلال أي أحد آخر… ومن رأى الابن يعرف أنه لم يرَ ملاكاً ولا رأى أعظم من الملائكة وحسب وباختصار لم يرَ خليقة بل رأى الآب نفسه. ومن يسمع الكلمة يعرف أنه يسمع الآب؛ لأن من يغمره الشعاع، يعرف انه مستنير بالشمس” (ضد الأريوسيين،III، 12-14). ويقول القديس أثناسيوس، أن مفتاح العهد القديم هو معرفة أن “الآب لا يعمل شيئاً إلا بواسطة الابن” (المرجع نفسه 12).

هذا يعني ان المسيح هو المركز في العهد القديم لأنه الملاك الما قبل المتجسد، ملاك الرب وملاك المجلس الأعلى، رب المجد ورب الصباؤوت الذي به رأى الأنبياء وسمعوا الله وبواسطته حصلوا على النعمة والمعونة والغفران.

اتفق الأرثوذكس مع الأريوسيين على أن الملاك الكلمة الذي ظهر وأظهر الله للأنبياء هو نفسه الذي أصبح إنساناً ومسيحاً. يجب أن يؤخذ هذا الاتفاق بجدية كاملة على أنه مفتاح لفهم قرارات المجمع الأول والمجامع المسكونية اللاحقة. ومن الضروري إدراك ان الجدل بين الأرثوذكسيين والأريوسيين لم يكن تأملاً بشخص ثانٍ نظري في الثالوث الأقدس يستطيع البعض الإدعاء باستنباط شخصيته من التمعن في المقاطع الإنجيلية بمساعدة الفلسفة اليونانية والروح القدس. لقد كانوا يناقشون خبرة الأنبياء والرسل الروحية، خاصةً موضوع ما إذا كان الشخص الذي ظهر في مجد وأعلن نفسه كصورة لله وأعلن الآب كنموذج أصلي، هو كلمة مخلوق أم لا.

وقد استمر النقاش نفسه الى المجمع المسكوني الثاني لأن الأفنوميين اتخذوا نفس مواقف الأريوسيين في ما يتعلق بظهورات الكلمة الملاك – الذي زعموا انه مخلوق – للأنبياء. بادر القديس باسيليوس الكبير افنوميوس بشيء من فقدان الصبر بالقول: “أيها الملحد، ألن تتوقف عن دعوته بغير الكائن وهو مَن بالحقيقة كائن ومصدر للحياة، وهو من يعطي الكائنات كيانها او عدمه؟ هو الذي استعمل، عندما كلّم عبده موسى، كنيته الخاصة والمناسبة لأبديته، مسمياً نفسه “الذي هو”. لأنه قال “أنا هو الذي هو”. وأحد لن ينكر هذه الأشياء التي قالها شخص الرب، أحد من الذين ليس “حين يقرأ موسى البرقع موضوع على قلبهم” (2 كور 3: 15). لأنه مكتوب، ان ملاك الرب ظهر لموسى في “لهيب نار من وسط عليقة” (خروج 3: 2). وفي حين ان الكتاب يقدّم ملاكاً في الرواية، يتبع صوت الرب: “ثم قال أنا اله أبيك أله ابراهيم” (خروج 3: 6). وبعد ذلك بقليل “أنا هو الذي هو”. إذاً من هو هذا الملاك والرب معاً؟ أليس إذاً هو الذي تعلمنا انه يدعى “رسول الرأي العظيم” (أشعيا 9: 6)”. يلخص القديس باسيليوس ملاحظات القديس أثناسيوس الكبير والآباء الأول حول اللقاء بين الملاك الكلمة ويعقوب، ويعطي صياغة للمبدأ التأويلي نفسه كما نرى لدى أسقف الإسكندرية. “انه واضح للجميع، انه حيثما يدعى الشخص نفسه ملاكاً والله معاً، فالمدعو هو الابن المولود الذي يظهر نفسه للبشر من جيل الى جيل ويعلن ارادة الآب لقديسيه. إذاً يجب أن لا نفتكر بأن الذي سمّى نفسه بإسم “الذي هو” لموسى، هو غير الله الكلمة الذي هو “في البدء مع الله” (يوحنا 1:1-2)”(دحض افنوميوس).

في جوابه على حجج القديس باسيليوس، إدّعى افنوميوس أن الابن هو ملاك “الذي هو”، ولكن ليس “الذي هو” نفسه. هذا الملاك يدعى إلهاً لإظهار تقدمه على كل ما خلقه هو، دون أن يعني هذا أنه هو “الذي هو”. إذاً افنوميوس يدعي أن المرسِل الى موسى كان “الذي هو” نفسه أما المرسَل وهو الذي تكلم كان ملاك “الذي هو” ورب غيره من المخلوقات”. (غريغوريوس النيصصي، ضد افنوميوس 11).

قد تبدو حدة الذهن السفسطية في هذه الحجة غريبة ولكنها مهمة للشهادة على حقيقة التطابق بين الملاك المدعو الله في العهد القديم والمسيح الابن الوحيد المولود من الله والخالق. وهذا التطابق كان راسخاً في التقليد بشكل لم يستطع الأفنوميون التفكير بالتخلي عنه كما أراد اوغسطين أن يفعل في افريقيا الشمالية بالرغم من أن معلمه (أمبروسيوس) وكل الآباء الغربيين وافقوا مع هذا التقليد.

لم يستطع القديس باسيليوس الرد على أفنوميوس لأنه توفي ولكن أخاه غريغوريوس كتب إثني عشر كتاباً ضد أفنوميوس وناقشها مع القديس جيروم خلال المجمع المسكوني الثاني عام 381. ويعالج القديس غريغوريوس من بين جملة أمور أن “إذا كان موسى صلى أن لا يقود الشعب ملاك إنما السيد (خروج 15:33، 9:34) [(هوذا ملاكي يسير أمامك (خروج 34:32) وأنا أرسل أمامك ملاكاً (خروج 2:33)] وإن كان الرب هو مَن يناقش موسى ليكون مرافقاً له وقائداً للجيش (خروج 33: 2و17) فيظهر جلياً أن الذي عرّف عن نفسه بصفة “الذي هو” هو الله المولود الوحيد. وإذا أنكر أحد ما هذا فهو يظهر نفسه مؤيداً للمذهب اليهودي في عدم الربط بين الإبن وتحرر الشعب. لأنه إن لم يكن الملاك هو الذي تقدم الشعب وإن لم يكن الإبن هو الذي أظهر نفسه بإسم “الذي هو”، كما يقول أفنوميوس، فنبلغ الى نقل عقائد المجمع (synagogue) الى كنيسة الله. وعليه فيجب تبني أحد الإحتمالين، إما أن الابن لم يظهر لموسى أبداً، أو ان الابن هو نفسه “الذي هو” ومنه أتت الكلمة لعبده. ولكن أفنوميوس يخالف ماسبق قوله متذرعاً بالكتاب نفسه (خروج 2:3) حيث يقرأ أن صوت ملاك تدخّل وبهذا بدأت محادثة “الذي هو”. وهذا في كل الأحوال ليس معارضة بل تأكيداً لنظرتنا. وأيضاً قال ان النبي، لكي يظهر للناس سر المسيح، سمّاه “الذي هو” و”الملاك”،ولا يمكن أن تعني هذه الكلمات الآب كما لو انه لم يستعمل إلا “الذي هو” في المناقشة” (ضد افنوميوس، XI، 3).

يجب أن تكون المقاطع المأخوذة من الآباء، أعمدة المجمعين المسكونيين الأول والثاني، دلالات كافية على أن آباء المجمع كانوا يرون تشابهاً بين عقيدة الثالوث القدوس وظهورات المسيح الكلمة LOGOS بدون جسد للأنبياء وبطبيعته البشرية للرسل. ما من أحد في التقليد، باستثناء اوغسطين، أنكر تماثل الكلمة، في شخصه المجرد الذي أظهر اله العهد القديم غير المنظور للأنبياء، والذي أصبح انساناً واستمر في إظهار مجد الله في ومن خلال طبيعته البشرية التي أخذها من العذراء.

لم يختلف الأرثوذكسيون مع الأريوسيين والأفنوميين على من هو الكلمة في العهدين القديم والجديد بل على ما هو الكلمة وما هي علاقته بالله الآب. لقد اعتبر الأرثوذكسيون دائماً ان الكلمة ليس مخلوقاً ولا متغيراً وموجوداً دائماً من جوهر (325) و أقنوم (381) الآب الذي بطبيعته هو مبدأ وجود الإبن منذ الأزل قبل الأجيال. الأريوسيون والأفنوميون أصروا على أن هذا الملاك-الكلمة (ملاك وكلمة في آنٍ) هو مخلوق متغير يستمد وحوده الأزلي من العدم وليس مخلوقاً من طبيعة الله بل من إرادته.

إذاً السؤال الأساسي كان: هل ما رآه الأنبياء والرسل في مجد الله غير المخلوق (الأرثوذكس والأريوسيون) او القوى المخلوقة (الأفنوميون) هو كلمة مخلوق أم غير مخلوق؟ هذا الكلمة هو الله بالطبيعة وبالتالي لديه كل قوى الله بالطبيعة؟ أم هم رأوا الهاً بالنعمة لديه بعض وليس كل قوى الآب وبالتالي هو يملكها بالنعمة فقط وليس بالطبيعة؟ لقد توافق الأرثوذكس مع الأريوسيين والأفنوميين على أنه إن كان الكلمة يملك كل قوى الآب بالطبيعة إذاً هو غير مخلوق وإلا فهو مخلوق.

فالسؤال المطروح كان خبرات الإعلان او التمجيد او التأله التي أعطاها الله بروحه بواسطة كلمته الملاك المسيح للأنبياء والرسل والقديسين. هذه الخبرات في حياة القديسين مسجلة أولاً في الكتاب المقدس وأيضاً في دستور العنصرة ما بعد الإنجيل وفي جسد المسيح: الكنيسة. إذاً يعود الطرفان الى آباء كل الأجيال بسيرهم المسجلة ابتداءً بالتكوين وصولاً الى أيامهم. لم يستطيعوا التوافق على مصداقية authority شهادات زمانهم العهد القديم والعهد الجديد شكلا أرضية مشتركة للمناقشة إضافة الى التقليد الآبائي الأول.

إذاً الأرثوذكس والهراطقة استعملوا الكتاب المقدس لبرهان ما إذا كان الأنبياء والرسل شاهدوا إلهاً مخلوقاً أم غير مخلوق، او شخص المسيح قبل وبعد تجسده. المناقشة بسيطة إذ كان كل من الطرفين يحضّر لائحة بكل قوى الله المسجلة في الكتاب، والشيء نفسه بالنسبة للملاك الكلمة الابن الوحيد المولود. والمطلوب كان أن تتطابق هذه اللوائح وليس فقط أن تتشابه لأنها إذا تطابقت يكون غير مخلوق إما إذا تشابهت فقط فهو مخلوق. والعملية نفسها طبّقت على الروح القدس.

توافق الفريقان الأرثوذكسي والأريوسي كلياً مع التقليد الموروث من العهد القديم والمشهود له من الرسل والقديسين الذين أظهر الله لهم مجده في ابنه المتجسد. هذا التقليد يقول بأن المخلوقات لا تستطيع أن تعرف جوهر الله غير المخلوق وليس هناك أي تشابه بين غير المخلوق والمخلوق من العدم ex nihilo. إذاَ لكي يبرهن الأريوسيون أن الكلمة مخلوق، اعتبروا انه لا يعرف لا جوهر الآب ولا حتى جوهره هو، وبالتالي هو لا يشبه الله في شيء.الأرثوذكسيون اعتبروا ان الكلمة يعرف جوهر الآب وهو مشابه له في كل شيء، ويملك بالطبيعة كل ما هو في طبيعة الآب ما عدا الأبوة أي أن يكون مبدأ وجود الابن والروح القدس.

ألأرثوذكسيون والأريوسيون كانوا متفقين على ان ما هو الله بنفسه بالطبيعة يختلف عن ما هو او ما يفعل بالمشيئة، ولكنهم اختلفوا بحدة في تطبيق هذا التمييز بين الجوهر الإلهي والإرادة او القوى. وعليه فقد اعتبر الأرثوذكسيون ان الله يسبب وجود الكلمة بالطبيعة ويسبب وجود المخلوقات بالمشيئة، بينما اعتبر الأريوسيون ان الكلمة وكل المخلوقات معه هم نتاج المشيئة الإلهية.

مقابل كل هذه الأسئلة، قال الأفنوميون بإن جوهر الله هو نفسه قوى الله غير المخلوقة، وإن الكلمة هو نتاج قوة الله المخلوقة وإن الروح القدس هو نتاج قوة الكلمة المخلوقة وإن كل ذبيحة[1] species هي نتاج إحدى القوى المخلوقة في الروح القدس. وبحسب أفنوميوس، لو لم تكن كل ذبيحة تملك قواها الشخصية من الروح القدس لكان هناك ذبيحة واحدة مخلوقة وليس أكثر. هنا أفنوميوس يسخر، على طريقته الخاصة، من شهادة الكتاب والآباء حول التمجيد حيث يتشارك كل مخلوق ويشترك كل قديس مع الكلمة الحاضر للجميع من خلال إكثار مجده غير المخلوق المتوفر بالكلية -وليس جزئياً- لكل شخص، فهذا المجد هو لكل شخص وبه كما علّم المسيح (يوحنا 14 :2-23) وأختُبر في العنصرة (أعمال 2 :3-4) والذي يحمل في الكلمة الآب والروح القدس معاً. هذا يعني أنه ليس في الله أية عوالم وأنه لا يغذي بخبز القربان وخمره فقط بل بكل أجزاء الوجود وأشكاله المتعددة. وعليه لا يضّحي المسيح بأي شخص من أجل منفعة مشتركة ولكن في الوقت نفسه، المنفعة المشتركة هي خير لكل شخص بمفرده. وهكذا تكون عودة المسيح الى تلاميذه بروح المجد في العنصرة نتيجة لسر صعود المسيح بمجده الشخصي، وهو الآن موجود بالكلية لجميع وفي جميع الذين هم في حالات الإستنارة والتمجيد (theosis). لهذا السبب، كل من يتناول من جسد ودم المسيح في الإفخارستيا، لا يحصل على جزء من المسيح وحسب بل على كامل طبيعته البشرية التي لا تزال تجدد نفسها، منذ العنصرة، في كل عضو من جسده (الكنيسة) بشكل غير قابل للإنقسام.إذاً بالمشاركة في خبز الإفخارستيا الواحد وبالكأس الواحدة، يحصل كل عضو على المسيح بكامله وليس على جزء فقط، ويصير ما هو أصلاً، هيكلاً او مسكناً للآب والروح القدس بواسطة الابن المتجسد، بالمشاركة مع الأعضاء الآخرين في جسد المسيح.

 


[1] الترجمة الحرفية لكلمة species هي خبز القربان وخمره

القدّيسون الأنطاكيّون

القدّيسون الأنطاكيّون

* القداسة في الكنيسة الأرثوذكسية، هي الهاجس وهي المآل. إرادة الله قداستكم كما قيل. والقداسة هي الخلاص. ما معنى القداسة؟ مَن هو القدّيس؟ وما عن القدّيسين الأنطاكيّين؟ هذا ما نجد الجواب عليه في التالي:

* الله قدّوس. هو الآخر بالكلية الذي لا بلوغ إليه إلاّ به. والقداسة هي الإشتراك في حياة القدّوس بنعمة منه. قطعة الحديد متى أُلقيت في النار اشتركت فيما للنار. صارت والنار واحدة. استحالت ناريّة. ومع ذلك تبقى حديداً. بمثل ذلك، متى اشترك المؤمن بالربّ يسوع في حياة الإله القدّوس صار وإيّاه واحداً. تَنَيرَن. تألّه وصار قدّيساً.

كنيسة المسيح هي كنيسة قدّيسين. لا مكان فيها إلاّ للقدّيسين. ليس القدّيس مَن يصنع العجائب بالضرورة. ليست القداسة خوارق بل حياة جديدة. القدّيس خاطئ أيضاً، مثلي ومثلك. وجلّ جلال مَن لا يُخطئ. يُخطئ لأنه ضعيف، لأن فيه ثقلاً يدفعه إلى الخطيئة. لكنه إنسان يؤمن بالله ويطلب الله ويعرف الله. يخطئ مرغماً، والخطيئة هي عبادة الذات والتنكّر لله. يطلب الله لذلك يطيعه. يجاهد ضدّ الخطيئة حتى الدم. لذلك هو التائب إلى ربّه أبداً. كلّما أبعدَته الخطيئة عن ربّه عاد إليه بتوبة أحرّ. وبالعودة تُغفر له خطاياه، كما تُنقّي النار الذهب من الخَبَث. وهو باق على هذه الوتيرة إقبالاً وإدباراً إلى أن تتخلّله محبّة الله، حياة الله، نار الله، فيعتصم بالله ولا يعود يُخطئ إليه من بعد. إذ ذاك يتقدّس كلّه بنعمة الله. يصير قدّيساً.

على هذا كان طبيعياً أن تذخر الكنيسة الأرثوذكسية في أنطاكية بالقدّيسين. هؤلاء نعرف قلّة منهم. وكلّهم عند ربّه مستبان. أما الذين تداول التراث الكنسي أسماءهم، جيلاً بعد جيل، فإن هم سوى عيّنة لاحظها المؤمنون وأثّرت في وجدانهم فأبرزوها، فيما يُسمّى بـ “إعلان القداسة”، وضمّنوها سنتهم الكنسيّة وأعيادهم، واتّخذوها قدوة ومعيناً وشفيعاً.

وعلى امتداد التاريخ الكنسي في هذه الديار لم تخلُ بقعة ولا زمان من القداسة والقدّيسين. عندنا أنه حيثما نضب معين القداسة كفّت الكنيسة عن أن تكون.

منذ القرن المسيحي الأول وسيل القدّيسين لا يتوقّف. المسيحيّون دُعوا كذلك أولاً في أنطاكية. بعض مَن ورد ذكره في أسفار العهد الجديد كان أنطاكياً – بالمدى الجغرافي الذي عرفته أنطاكية عبر التاريخ – نظير بولس الرسول ولوقا الإنجيلي وحنانيا الدمشقي. الأرض المقدّسة، في كل حال، إلى القرن الخامس الميلادي، كانت امتداداً أنطاكياً. في القرن الثاني الميلادي أسماء بارزة كانت من هنا كأغناطيوس الأنطاكي المستشهد سنة 117م. هذا في الوطن. وفي المهجر أيضاً كانت للأنطاكيين، منذ وقت مبكّر، شهادتهم. أنيقيتوس الشهيد، أسقف رومية الحادي عشر المتوفّى سنة ~ 161 م، كان حمصياً. إيريناوس الليّوني في بلاد الغال (فرنسا) كان من هذه الديار. والأسماء تتتالى. بعضهم سطع نوره في أرجاء المسكونة كبابيلا مؤدّب الملوك وملاتيوس الأنطاكي ويوحنا الذهبي الفم وأفرام وإسحق السوريين ومارون الناسك القورشي وسمعان العمودي ومكسيموس الجولاني المعترف ويوحنا الدمشقي. كان منهم الرسول والنبي والمعترف والشهيد والمعادل الرسل والأسقف والناسك والطبيب والعادم الفضّة الصانع العجائب والمرنّم والمتباله والكاهن والشمّاس والعذراء والأرملة والولد والرضيع.

الكنيسة الكرجية، أي الجيورجية، تلمذها، في القرن السادس الميلادي، ثلاثة عشر راهباً سورياً. مشرِّع الكنيسة الأنكليكانية، القدّيس ثيودوروس كانتربري، في القرن السابع، كان من طرسوس الكيليكية. أوّل متروبوليت على كييف وسائر الروسية في القرن العاشر كان القدّيس ميخائيل السوري. أحد الذين أعادوا الحياة النسكية إلى إيطاليا في القرن السادس للميلاد كان إسحق السوري السبولاتي.

وسيل القدّيسين الأنطاكيين في زمن المسلمين لم يتوقّف البتّة. بات أغزر لأن أزمنة الضيق تجعل التوق إلى القداسة أحرّ. ثباتهم واستمرارهم كان هو البرهان. أما حفظ التواريخ والسجلات فأضحى صعباً، وأحياناً متعذّراً. مطالعة المخطوطات والوثائق القديمة المتبقّية تُبرز أسماء عدّة غابت عن التداول ردحاً من الزمان. من الأسماء المستعادة اليوم بطرس الحوراني المستشهد في زمن الأمويين (+715م)، والشهيد أنطونيوس القريشي والشهيد إيليا البعلبكي والبار تيموثاوس العمودي في زمن العبّاسيّين. في زمن الحمدانيين، في حلب، عندنا مثلاً البطريرك الشهيد خريستوفوروس الأنطاكي (+967م)، صديق سيف الدولة الحمداني. وفي زمن المماليك، هناك أمثال الشهيد رزق الله بن نبع الدمشقي الطرابلسي والشهيد يعقوب الحمصي. وفي زمن العثمانيّين كثرة قضت كالشهيد جرجس الأسود الدمشقي والشهيد داود الحلبي (+1660م). ثم آخر قدّيس جرى إعلان قداسته عندنا، منذ عهد قريب، كان القدّيس الشهيد يوسف الدمشقي الذي قضى في أحداث 1860م. وهناك عدد من الأبرار، في الوقت الحاضر، ينتظر إعلان قداسته متى استُكملت الإجراءات المجمعية اللازمة. مثل هؤلاء البطريرك غريغوريوس الرابع حدّاد والشهيدان نقولا وحبيب خشّه والشهيد جبرائيل نصير والشهيد في الكهنة سليمان الأنطاكي. هؤلاء وسواهم مجّدوا الله بين القرنين التاسع عشر والعشرين.

وكما تنتشر القداسة في زمن أنطاكية الكنيسة تنتشر في كل موضع فيها. مراجعة جداول القدّيسين تزوِّدنا بأسماء تنتمي إلى الكثير من المناطق التي نعرف. دونكم مثلاً بربارة البعلبكية ولاونديوس الطرابلسي وبمفيلوس البيروتي وأكّلينا الجبيلية ودوروثاوس الصوري وثلالاوس جبل لبنان الصانع العجائب (القرن 3) وزنوبيوس الصيداني. وما يقال عن المناطق اللبنانية يقال أيضاً عن المناطق الأخرى في سوريا وسائر أنطاكية.

زبدة القول إن رائحة القداسة عالقة في هذه الأرجاء، منذ البدء. في أوائل الستينات كان أحد القدّيسين الأحياء مسافراً بالطائرة فارتجّت نفسه فسأل: أين نحن؟ فأجابوه: “فوق سوريا ولبنان!” فقال: هذه الديار ملأى برفات القدّيسين!

الأرشمندريت توما (بيطار)

دير مار يوحنا – دوما

تشرين الأول 2003