جامعة الظلام

جامعة الظلام

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

 

دعا إبليسُ رئيسَ جامعة الظلام وعمداءَ كلّيّات الجامعة إلى اجتماع مغلق وعاجل ليتدارس وإيّاهم أوضاع الجامعة ونشاط عمدائها وأساتذتها. كان إبليس يشتعل غضبًا وعيناه تقدحان نارًا، وهو ثائر على أعوانه الشياطين يقول لهم: “كلّكم متكاسلون، كلّكم خاملون. انظروا كيف خسرنا الكثير من ضحايانا من البشر. أين الآلهة الوثنيّة التي اخترعناها ونشرنا عبادتها على مدى أجيال وأجيال: إيزيس وجوبتير وفينوس و…؟ أين عبادة الفراعنة والملوك والأباطرة؟ أين الإلحاد الذي فقدناه؟ أين الشيوعيّة التي نشرناها والتي مُنينا بسقوطها فشلاً ذريعًا؟ أين… وأين…

ساد الصمت، برهة، احترامًا لحزن إبليس، ثمّ وقف عميد كلّيّة المجد الباطل، وقال: “نحن لا ننسى أتعابك وأعمالك، أيّها الرئيس، منذ غواية حوّاء إلى قتل هابيل إلى … إلى… لكنّنا نحن ناشطون وما زلنا نعمل وسوف نعمل حتّى نفني الإيمان كلّه عن وجه الأرض. فالإلحاد لا يزال موجودًا ولكن بأشكال حديثة، ولنا أتباع كثيرون. وانبرى شيطان الإلحاد يقول: “إنّني أبذل قصارى جهدي لإزالة الإيمان بواسطة تلميذي الشكّ، أو على الأقلّ زعزعة الإيمان بالله وبكتابه الذي يدعونه المقدّس”. فشجّع إبليس هذا الشيطان، ووعده إن استمرّ في نشاطه هذا أن يمنحه وسام الاستحقاق الإبليسي. وهنا وقف عميد كلّيّة الفساد، وقال متباهيًا: “اطمئنّ، أيّها الزعيم، فعلى الرغم من أنّنا خسرنا الكثير إلاّ أنّنا نعمل في ميادين متعدّدة، وكلّها مهمّة: في أفلام السينما، في أماكن الرقص واللهو، في الأنترنت، في بيوت الفسق… كما قدّمنا بدل الإلحاد عقائد جديدة كشهود يهوى والمرمون…، وهكذا جعلنا مؤمنين يحاربون مؤمنين.

ووقف عميد كلّيّة الخرافات وقال: “لا تنسَ، أيّها الزعيم، أنّ تلاميذي ينشطون كلّ النشاط في مجالات التنجيم وقراءة الكفّ والفنجان وضرب الرمل وما تقوله النجوم والأبراج”. فانبرى إبليس وقال: “ولكنّني أرى، رغم كلّ جهودكم، دور العبادة مزدحمة بالناس، حتّى إنّهم يعلّمون الأطفال الصلاة”. فانتصب عميد كلّيّة العبادة الشكليّة، وقال: “لقد تدخّلنا بسرعة لنبطل صلواتهم بواسطة التشتّت كتذكيرهم، أثناء الصلاة، بالأعمال الهامّة التي تركوها وراءهم، أو بالبورصة والمال. كما جعلنا من صلواتهم أن تكون لفظيّة، فقط، فأصبحت صلاة بلا روح وعادت غير مقبولة لدى إلههم”.

وهنا جاء دور عميد كلّيّة الغضب، فقال: “أنا، يا سيّدي، من أعظم أتباعك نشاطًا، ولي كثير من المساعدين: شيطان المشاجرة والخصام، شيطان الحروب، شيطان الفتن والدسائس، شيطان الكرامة الشخصيّة والحساسيّة الزائدة…”. ثمّ انبرى شيطان الزنا، وقال: “أمّا أنا، فلي نشاط ملحوظ، وأستطيع السيطرة على معظم أبناء البشر، وبخاصّة من كان منهم في عمر المراهقة. إنّي أوقع الغالبية من الناس في علاقات محرَّمة، وأزرع في أذهانهم بأنّها علاقات تفرضها طبيعتهم وغرائزهم وليست علاقات خاطئة، فيرتاحون ويمارسونها باقتناع. صحيح إنّ بعض الرهبان غلبوني كأنطونيوس وغيره، إلاّ أنّي لم أيأس، أنا أتعقّبهم حتّى أنتصر عليهم”. فهنّأ إبليسُ شيطانَ الزنا، وقرّر أن يمنحه وسام الأبالسة العظماء تقديرًا لجهوده الجبّارة.

ثمّ وقف عميد كلّيّة الذات، وقال: “يا زعيمي الجبّار، لماذا تغضب ظانًّا أنّ عبادة الأصنام قد زالت من العالم؟ كلا، يا سيّدي، أنا الصنم الجديد الذي يتعبّد له غالبيّة البشر اليوم، وعادوا لا يحتاجون معه إلى أصنام أخرى من الخارج، إنّما بإيحاءاتنا وأفكارنا جعلنا ذاتَ كلّ إنسان صنمَه. فكلّ جهاده صار محصورًا من أجل رفع كرامة الذات ومكانتها بين الناس، وحتّى خدمة الله أدخلنا فيها الذات، وكذلك الوعظ جعلناه قصد إبراز المعلومات. وأيضًا محبّة العالم والطمع والمتعة والسلطة والنفود والتعالي والكبرياء والقسوة…”. وهنا صفّق الحاضرون للذات تصفيقًا حادًّا، طالبين من إبليس مكافأة شيطان الذات التي أصبحت بامتياز الصنم الأوّل في هذا العصر.

حينئذ وقف إبليس ليختم الجلسة، ولكنّه سمع أصواتًا تحتجّ وسط جمهرة أساتذة جامعة الظلام، إذ وقف كلّ من شيطان التمرّد والعصيان والإغراء والخيانة وأخطاء اللسان والشائعات والتجديف واليأس والخوف والرشوة والإهمال والنسيان والفزع والخوف يطلبون أن يقدّموا هم أيضًا تقاريرهم وخبراتهم. غير أنّ إبليس وعدهم بذلك في جلسة أخرى. ثمّ قال بافتخار: “إنّي أهنّئكم جميعًا. بالحقيقة إنّكم تقومون بجهود جبّارة لإسقاط الإنسان، فهلمّوا بنا نتعاضد، أكثر فأكثر، لنلقي الناس في أحضاننا، وإلى اللقاء في اجتماع آخر”. علا التصفيق والهتافات بحياة إبليس والنجاح لجامعة الظلام.

اعمل الخير، وارمه في البحر

اعمل الخير،  وارمه في البحر

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسي المقطّع

 

نسمع هذا المثل الشعبيّ منذ أن كنّا صغارًا، وهو يعبّر عن خبرة وحكمة شعبنا البسيط. لا يمكن لأحد أن يدرك ما هي الأبعاد التي يمكن أن يأخذها هذا “الخير” مهما بدا بسيطًا، وكم من الأشخاص يمكن أن يساعد. تؤكّد القصّة التالية التي سنرويها حقيقة هذه الحكمة الشعبيّة:

كان في أحد الأيّام فلاّح فقير يعمل في حقله عندما تناهى إلى أسماعه صوت طفل يبكي ويصرخ طالبًا المساعدة. ترك أدواته وعمله على الفور وهرع بأقصى سرعة باتّجاه الصوت. فإذا به يرى طفلاً صغيرًا يرتجف من الخوف والرعب، غارقًا حتّى وسطه في حفرة عميقة موحلة، يتخبّط داخلها محاولاً الخروج منها دون جدوى.

لم يتردّد الفلاّح لحظة عن مساعدة الطفل، وبعد جهد كبير، تمكّن من إخراجه من الحفرة وإنقاذه من موت محتّم كان سيصيبه، على الأقل نتيجة ذعره الشديد.

وفي اليوم التالي، توقّفت عربة فخمة يقودها حصانان أمام حقل المزارع الفقير، وإذا برجل من طبقة النبلاء يقترب إليه مقدّمًا نفسه على أنّه والد الطفل الذي أنقذ الفلاّح حياته بالأمس.

– أريد أن أكافئك على عملك وإنقاذك لطفلي، فاطلب ما شئت من المال وسأقدّمه لك.

– لا أبدًا لن أقبل أيّ مال…

في تلك اللحظة بالذات خرج طفل صغير بثياب رثّة من الكوخ الفقير الذي كان في الحقل… كان ابن الفلاّح.

– هل هذا هو ابنك؟

– نعم. أجاب الفلاّح بابتسامة فخورة.

– حسنًا إذًا، سنعقد اتّفاقيّة فيما بيننا. اسمح لي أن أساعد طفلك في تعليمه، كما ساعدت أنت طفلي. سأتكفّل بتعليمه وسأقدّم له المستوى التعليميّ نفسه الذي أقدّمه لولدي. وإذا كانت أخلاقة حميدة مثل أبيه، فمن المؤكّد أنّه عندما سيكبر سيحقّق شيئًا عظيمًا يجعلنا نحن الاثنين فخورين به.

وهذا ما حدث. تلقّى ابن المزارع دروسه في أحسن المدارس، حتّى تخرّج من كلّيّة الطب المشهورة في مشفى القدّيسة ماري في لندن. إنّه مَن أصبح في ما بعد معروفًا في العالم بأسره باسم ألكسندر فلمنج، أبو البنسلين.

بعد مضيّ العديد من السنوات، أصيب ابن الرجل الغنيّ بمرض شديد في الرئتين. فمن أنقذ حياته هذه المرّة أيضًا؟ إنّه البنسلين…     كان ذلك الرجل الغنيّ هو اللورد راندولف تشرشل، أمّا ابنه، فكان السير ونستون تشرشل رئيس وزراء انكلترا خلال الحرب العالميّة الثانية.

أحبّاءنا، لا يذهب شيء عند الله سدىً. اذكروا فلس الأرملة كم كان له قيمة كبيرة في عينيّ الله. كلمة “يا ربّ ارحم” التي نردّدها، أو شمعة صغيرة قد نشعلها لأجل شخص ما، أو دمعة نذرفها، كلّ منها له قيمته. لا شيء يضيع عند الله، بل يراه ويقدّره.

كلّ منّا مسؤول بشكلّ خاصّ عن كلّ ما يحدث في العالم، حتّى في التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو غير هامّة. نحن مسؤولون ليس، فقط، عن الشرّ الذي نصنعه، إنّما، أيضًا، عن الخير الذي لم نصنعه. فالخير الذي قد نفعله أو لا، له نتائج لا يمكن تخيّلها.

قـــــــوّة الله

قـــــــوّة الله

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

 

“اخرج من هنا أيّها السكّير المتسكّع المفلّس. لن تشرب من هذا المحلّ نقطة واحدة قبل أن تدفع ثمنها ـ أخرج وإلاّ استدعيت البوليس لطردك من هنا”. هكذا طُرِدَ توم كونور من إحدى الحانات، ولكنّه قبل أن يخرج التفت إلى الزبائن الآخرين، وقال لصاحب الحانة: “لقد وصلت هذه المدينة منذ ثلاثة أيّام، وكنت خلالها أتسكّع على أبواب المطاعم لأستجدي الناس لقمة خبز يابسة. ولكنّي لم أكن كذلك، فلقد كان في مقدوري أن أشتري عشرة أمثال هذا المحلّ. كنت رجل أعمال ناجحًا، وكانت لي عائلة سعيدة موفورة الهناء، ولكن المسكر والخمر سبّبا خرابي. وأنا، الآن، وحيد في هذا العالم لا أجد من يحبّني أو يعتني بي. صحيح أنّي لا أملك ثمن الكأس التي أطلبها، وصحيح لست إلاّ سكيرًا متسكّعًا، وسأخرج كما تريد، ولكن قبل أن أغادر هذا المكان أقول لكم أيّها الرفاق المحترمين : انظروا إليَّ وإلى هذه الثياب القذرة البالية، وخذوا لأنفسكم عبرة وموعظة. فلأجل خاطر السماء اتركوا هذا المكان اللعين، لأنّه سيوصلكم إلى نفس النهاية التي وصلت إليها أنا”.

خرج توم كونور هائمًا على وجهه يسعى في شوارع المدينة على غير هدى، فمرَّ في طريقه على إحدى الكنائس، ورأى الناس يدخلون إليها، فقال في نفسه: “إنّ أمثالي ليس لهم هنا مكان”. ولكنّ ترنيمة شجيّة شدّته، فوقف يسمع جموع المرنّمين ترنّم: “المسيح قام من بين الأموات…”. وقف كونور العجوز يستمع إلى هذه الترنيمة التي سمعها لآخر مرّة منذ وقت طويل جدًّا، وكأنّه لم يسمع قط نغمات شجيّة مثل هذه في كلّ حياته. ورغمًا عنه حملته أقدامه إلى الداخل، وجلس على كرسيّ قرب أحد العواميد، وأخذ ينصت لما يقوله الكاهن، وإذا به يسمعه يصلّي صلاة حارة من أجل الخطأة المساكين المشرّدين في مسالك الشرّ. تَفتَّح قلب كونور لهذه الصلاة، وهاجت ذكريات الماضي، وأخذ يبكي ويكفكف دموعه. لقد تذكّر بيته المريح اللطيف، وتذكر زوجته التي كانت ترنّم بصوتها الرخيم هذه الترنيمة نفسها، فبكى وبكى وعاش في ذكريات الماضي. لقد مرَّ بخاطره كيف ذهبت نضارة صحته، وعبث به شيطان الخمر فانتزع منه زوجته. وكيف غادره السلام، وكيف ضاع البيت الجميل، وبيعت مفروشاته الأنيقة لإشباع شهوة السكر. وكيف شحب وجه زوجته بسبب دأبها، يومًا بعد يوم، أمام طست الغسيل لتكسب أجرًا ضئيلاً لسدّ رمقها ورمق طفلها وزوجها السكّير. وأخيرًا مرَّ بخاطره منظرها وهي مسجّاة في كفنها البالي داخل صندوق بسيط من خشب الصنوبر، وكيف ذهب بابنها إلى ملجأ لليتامى. ثمّ استعرض صُوَر سكّير متشرّد بائس يهيم على وجهه عشرين سنة كاملة يستعطي درهمًا من هذا، ويستجدي لقمة من ذاك بلا احترام ولا كرامة. فقال متحسّرًا: “آه، يا ربّ، لِمَ لم أمتْ قبل أن تموت هي؟ ولماذا أعيش بعد؟”.

وكانت الخدمة قد انتهت، وأعلن الكاهن أنّ خدمة الغد تبدأ في الساعة السابعة والنصف. وهنا نهض الرجل العجوز، وتسلّل إلى الخارج قبل أن يراه الناس. ولم تكد الساعة تدق السابعة في مساء اليوم التالي حتّى كان توم كونور، مرّة أخرى، يجلس في الكنيسة. ولم تكن الخدمة قد بدأت بعد، فتقدّمت إليه فتاة رقيقة، وقالت له: “اسمح، يا مستر جونسون، بفتح درج المنضدة، لأنّي أريد كتابًا لوالدي قبل أن تبدأ الخدمة”. فنهض الرجل العجوز واقفًا، وخلع قبّعته القذرة، وقال لها: “عفوًا، يا آنسة، أنا لست مستر جونسون”. فقالت الفتاة: “إنّي أعتذر لقد ظننتك الطرّاش”. فهمّ كونور بالخروج، فقالت له الفتاة: “لماذا تخرج؟ تعال واقترب من الصفوف الأماميّة لتسمع جيّدًا، إنّ الخدمة ستبدأ سريعًا”. فرد بسرعة: “لا. لست أهلاً لأن أوجد في مكان نظيف مثل هذا، وقد لا يرغب الكثيرون في أن أجلس إلى جوارهم. فأجابت الصبيّة: “كلا، بل إنّهم يرحّبون بك. إنّ والدي هو الكاهن. وهو يحبّ أن يأتي إليه الشيوخ المتقدّمين في السنّ ليسمعوه”. ثمّ أمسكت بيده قائلة: إنّي أؤمن بأنّ الربّ يسوع يحبّك ويستطيع أن يجعلك رجلاً صالحًا إن كنت تدعه يفعل ذلك. أرجوك أن تأتي لتسمع هذه الترنيمات الجميلة، وأنا واثقة أنّك ستكون مسروراً”.

وسار توم كونور معها إلى الصفوف الأماميّة يتعثّر خجلاً، ولكن سرعان ما ملكت النغمات والترنيمات على مشاعره، وكانت الصلوات التي أعقبتها حارّة وعميقة ملؤها المحبّة، حتّى خيّل إليه أن كلّ الصلوات التي قُدِّمت في ذلك اليوم كانت لأجله. ثمّ قام الكاهن وتلا الفصل الخاصّ بالابن الضالّ، وتكلّم الكاهن عن محبّة الله للخطأة الهالكين، وعن رحمته العجيبة بكلمات لم يسمعها كونور العجوز من قبل. ثمّ ختم كلمته بهذه العبارة : “إنّ أبانا السماويّ المُحبّ فاتح ذراعيه ليرحّب بكلّ ضالّ شريد، ويقبّله بقبلة الغفران، ويلبسه حلَّة البِرّ الأولى إن كان يريد أن يقبل إليه”. ثمّ ما لبث أن انصرف الحاضرون، وبقي ذلك الرجل العجوز منكّس الرأس يشهق بالبكاء كطفل صغير، ولكنّه شعر بيد رقيقة توضع على كتفه، فرفع بصره ووجد الفتاة اللطيفة أمامه وهي تقول: “إنّ الربّ قادر أن يُخلِّصك. تعال إليه وثق به، وهو سيساعدك، فهو لا يردّ تائبًا نادمًا”. وقادته الشابّة إلى حيث كان أبوها، فمد الكاهن يده إلى الرجل مباركًا، فقال كونور: “يا سيّدي، إنّني إنسان بائس، وكنت أظنّ أن لا رجاء لأمثالي، ولكنّك قلت في هذه الليلة إنّ الله يرغب في خلاص الجميع”. ثمّ أخذ توم يسرد تاريخ حياته، فلمّا وصل إلى ختام القصّة احمرّت وجنتا الكاهن، وانهمرت دموعه، وقال للرجل باضطراب: “ما اسمك؟”، فقال: “توم كونور، وقد اشتهرت باسم العجوز السكّير”. فصاح الكاهن قائلاً: “أبي… أبي!!”، وضمّ الرجل إلى صدره، وقبّله وهو يقول: “أبي أنا ابنك الذي تركته طفلاً في ملجأ اليتامى. لقد بحثت عنك طويلاً، وأخيرًا ظننت أنّك متّ”. ثمّ عرف الأبُ قصّةَ ابنه، وكيف خرج من الملجأ، وعاش وسط عائلة مسيحيّة تبنّته وأحسنت تربيته، وصار خادمًا للربّ.

معجزة القدّيس نيقولاوس

معجزة  القدّيس نيقولاوس

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

مساء ليلة رأس السنة من العام 1956 دعت زويي سبعةً من أصدقائها لتناول العشاء في منزلها ليقضوا أوقاتهم في الغناء والرقص. راح المدعوّون يتوافدون الواحد بعد الآخر إلاّ نيقولاوس خطيب زويي.

بدأ الرفاق بالرقص والغناء، وفي لحظة من اللحظات وجدت زويي نفسها وحيدة من دون خطيبها، فاعتراها حزن شديد وغضب جنونيّ، إذ كانت تحبّ أن يكون خطيبها إلى جانبها في هذه الليلة لا سيّما وإنّه لم يعلمها عن سبب تأخيره المفاجئ. ومن دون أن تفكّر أخذت أيقونة القدّيس نيقولاوس العجائبيّ من على الجدار وهي تقول: “سآخذ هذا النيقولاوس لأرقص معه”. ذُعر رفاقها لهذا القول، وبدأوا يحذّرونها على عملها هذا قائلين لها بأنّه نوع من التجديف، ولكنّ زويي لم تلتفت إلى أقوالهم، بل راحت تستهزأ بإيمانهم “الحيّ” بالقدّيس قائلة: “إن كان القدّيس عجائبيًّا، كما يدّعون، وإن كان، فعلاً، موجودًا، فليعاقبني”. وبدأتْ بالرقص مع الأيقونة، وما إن قامت بدورتين حتّى حصل ضجيج مفاجئ في الغرفة، وزوبعة هوجاء أطاحت بالستائر، وضوء باهر يعمي أضاء كالبرق.

تحوّل الفرح إلى خوف، وهرب الجميع من الغرفة مذعورين، فقط زويي وقفت من دون حراك متسمّرة في مكانها وجامدة كالرخام مع أيقونة القدّيس نيقولاوس الملتصقة بصدرها.

وصل الأطبّاء بسرعة، ولكنّهم رغم محاولاتهم لم يستطيعوا إعادتها إلى رشدها. كلّ الحقن التي حاولوا حقنها بها تكسّرت عندما لمست جسدها الرخاميّ. أرادوا نقلها إلى المستشفى، لكنّهم عجزوا عن زحزتها من مكانها كما لو كانت قدماها مسمّرتين في الأرض. ولكن رغم كلّ هذا كان قلبها ينبض. بقيت زويي على قيد الحياة غير أنّها عادت غير قادرة على تناول الطعام أو الشراب.

صُعقت الأمّ عندما رأت ما حدث لابنتها، هرعت إلى الكنيسة تمرّغ أرضها بدموعها وهي تطلب من الله أن يغفر لابنتها إثمها، وأن يعيد إليها حيويّتها، ثمّ لجأت إلى أيقونة القدّيس نيقولاوس تطلب منه التدخّل لخلاص ابنتها من هذه الحالة الغريبة التي جرت لها. وبفعل صلاة الأمّ وتضرّعها الحارّ استعادت زويي وعيها، وأخذت تطلب هي الأخرى المغفرة من الله وقدّيسه بدموع غزيرة. لم تُشفَ زويي تمامًا، إذ كانت كلّ ليلة تملأ الدنيا صراخًا وعويلاً يجعلان الناس يتجمّعون حول منزلها وهم يتساءلون عن سبب هذا الصراخ المخيف.

كانت أمّها تركع إلى جانبها وهي تصلّي وتصلّي طالبة شفاعة القدّيس نيقولاوس، ولمّا أبلغوا كاهن الرعيّة بالحدث، قال: “صلّوا إلى الذي عاقبها، فهو الذي سيرحمها أيضًا”.

ومنذ ذلك الحين بدأ الأطبّاء يتناوبون على زيارتها للتأكّد من نبض قلبها الذي كان ينبض بشكل اعتيادي ومنتظم، كما زارها الكهنة محاولين نزع الأيقونة من يديّ زويي، ولكنّهم أخفقوا في محاولاتهم رغم الابتهالات الحارّة التي كانوا يرفعونها إلى الله وإلى القدّيس نيقولاوس.

بقيت زويي على هذه الحالة ثلاثة أشهر حتّى كان عيد البشارة حين دخل الغرفةَ شيخٌ ودود بلحية بيضاء كالثلج وهو يقول لزويي بابتسامة عذبة: “هل تعبت من الوقوف يا ابنتي؟ أتريدين، أيضًا، أن ترقصي معي وأنا شيخ جليل؟ لا تخافي”، ثمّ اختفى. وفي الليلة عينها صرخت زويي بصوت عال: “صلّوا صلّوا. لقد أتى وحلّني من وثاقي. نعم، لقد أتى”. ولمّا سألوها من تقصد، قال: “إنّه الشيخ الوقور، القدّيس نيقولاوس ذو اللحية البيضاء”.

وهكذا بدأت أعضاء زويي تلين، وتمكّن ذووها من نقلها إلى فراشها. ولمّا استفسروا منها كيف استطاعت أن تبقى من دون طعام 128 يومًا، قالت: “كان الشيخ يأتيني بالطعام، ويزوّدني بالقوة”.

ذهبت زويي يوم الفصح المجيد إلى الكنيسة حيث اعترف بخطاياها وتناولت القرابين المقدّسة، وفي اليوم الثالث من الفصح انتقلت إلى الربّ لتعيش الحياة الأبديّة رفقة القدّيسين في السماء.

يا قدّيس الله نيقولاوس تشفّع بنا

قصتان حول النزاع والمصالحة

قصتان حول النزاع والمصالحة

دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

 

 

النزاع والمصالحة

كان كاهن القرية في شجار دائم مع قارئ الكنيسة الذي كان يحلم بأن يصير شمّاسًا، فكاهنًا. ولكي ينال هاتين المرتبتين الساميتين كان بحاجة إلى شهادة كاهن القرية وأهلها عن حسن سلوكه، ولكنّه، وبما أنّه دائم المشاجرة مع الكاهن، فقد تريّث الأسقف كثيرًا بشأن رسامته.

وذات مرّة تشاجر الكاهن والقارئ حول الخدمة في الكنيسة، فرفع الكاهن صوته ما جعل القارئ أن يردّ بكلمات مهينة قاسية. ازداد غضب الكاهن جدًّا، وحاول أن يضرب القارئ بالمبخرة. فألقى هذا الأخير العديد من الكتب الثقيلة على الكاهن ممّا أثار استياء الناس الحاضرين.

انتشر خبر شجار الكاهن والقارئ في جميع أنحاء القرية، وأبلغوا الأسقف عن الحالة التي وصلا إليها. وكان هذا الأسقف حكيمًا جدًّا. فاستدع إليه كلاًّ من الكاهن والقارئ ليعرف على من يقع اللوم. دعا الكاهن أوّلاً وسأله:

– قل لي كيف حدث كلّ ذلك. اعترف بصراحة وقل الحقيقة كلّها.

– بدأ الكاهن يبرّر نفسه قائلاً:  أنا، يا صاحب السيادة، كنت أخدم في الكنيسة، وقلت للقارئ أن يقرأ ببطء، لكنّه هاجمني بالشتائم، وبدأ برمي كتب الكنيسة عليّ، وحتّى ضربني بقبضته. أمسكت بالمبخرة حتّى أدافع عن نفسي، لكنّني لم أفعل أيّ شيء له.

– إذن، هو المسؤول.

– نعم، يا صاحب السيادة، هو المسؤول.

– إذن، هو الذي بدأ بالقتال.

– أجل، يا صاحب السيادة، هو الذي بدأ.

– إذن أنت شهيد. يا لك من رجل مسكين كم احتملت من هذا القارئ الحاقد، ولم أسمع منك يومًا شكوة عليه. ولهذا سوف أكافئك وأرفعك إلى رتبة إرشمندريت. أتسمع، يا بني، غدًا. استعدّ.

– تأثّر الكاهن جدًّا من هذه المكافأة غير المتوقّعة، وقال: ولكن، لست مستحقًّا، يا صاحب السيادة، أن أكون أرشمندريتًا. أنا مذنب أيضًا. أنا الذي بدأ بالمشاجرة. أنا مذنب أكثر من القارئ. نعم أنا مذنب.

– إذن، يوجد أيضًا فيك شيء من الضمير الحيّ. الشكر لله. ثمّ قال للكاهن بابتهاج: الآن أنت تستحقّ هذه الرتبة بجدارة.

– كلا. لا أستحقّ ثمّ أجهش ببكاء الندامة والتوبة.

أرسل الأسقف بعد ذلك يستدعي القارئ الذي لمّا رأى الكاهن يبكي بمرارة، وأنّ الأسقف متجهّم الوجه صارمًا رغم ابتسامته الأبويّة قلق، ولكنّ الأسقف بادره بالسؤال:

– ماذا تقول أنت؟ من بدأ بالمشاجرة؟

– ( وهو يرتجف) الكاهن.

– ولكنّ الكاهن قال الشيء نفسه بأنّه هو المسؤول، فهل هذا يعني أنّك أنت بريء؟ هل يعني هذا أنّك تحمّلت، كشهيد، شتائم الكاهن لمدّة طويلة؟ حسنًا. استعدّ، فغدًا سوف أرسمك شمّاسًا.

لقد توقّع القارئ العقاب، ولكن أن تُعرض عليه خدمة الشموسيّة فلم يكن يحلم بهذا. اضطرب، وشعر أنّه غير مستعدّ لهذه الخدمة بسبب خلافه مع الكاهن. وفجأة سقط عند قدميّ الأسقف وقال بدموع:

– يا صاحب السيادة، أنا لست مستحقًّا أن أكون شمّاسًا. أنا مسؤول أكثر من الكاهن.

– فاحتضنه الأسقف وقال له: بل أنت اليوم أكثر استحقاقًا، لأنّك اعترفت تائبًا كما فعل الكاهن. لذلك، وبكلّ تأكيد سأرفعه هو إلى رتبة الإرشمندريت وأنت إلى رتبة الشموسيّة. تصالحا أذن.

احتضن العدوّان السابقان بعضهما البعض والدموع تجري من مقلتيهما. وفي اليوم التالي برّ الأسقف بوعده فرفعهما إلى رتبتيهما اللتين وعدهما بهما، وأرسلاهما إلى القرية وهما في سلام وفرح.

فرح بهما أهل القرية، ومنذ ذلك اليوم لم يُسمع أنّهما اختلفا البتّة، بل حاول كلّ منهما أن يرضي الآخر ملبيًّا طلبه بكلّ محبّة وتواضع.

 

كيف يتقاتل الناس

لاحظ أحد الرهبان المستنيرين، ذات مرّة، كيف كانت الشياطين تلقي الناس في التجارب، هامسة في آذانهم شرورًا متنوّعة. ولكن، وبما أنّ الناس كانوا منهمكين مشتّتين بالأمور المعيشيّة، لم يدركوا ألاعيب الشيطان وفنونه، وتاليًا كانوا يقبلون أفكاره الشرّيرة، ويلهجون بها وكأنّها أفكارهم.

وهكذا كان البعض منهم يستسلم للغضب مدّعيًا بأنّ الحقّ معه، وأنّه هو المظلوم وليس الظالم. والبعض الآخر كان يسقط بسهولة في الافتراء على الآخرين أو في إدانتهم. وقسم ثالث يسقط في الخصومات والأحقاد والعداوات. وآخرون يقعون في التشهير بإخوتهم وفضح عيوبهم ونقائصهم…

ففيما كان هذا الراهب المستنير يسير، ذات صباح، متوجّهًا إلى الكنيسة القريبة من ديره، شاهد إنسانًا منهمكًا في عمله يريد أن ينجزه بأقصى سرعة ممكنة. وإذا برجل أسود الوجه جاحظ العينين يقترب منه بطريقة غير منظورة، ويهمس بأذنه بضع كلمات، ثمّ جلس في زاوية الشارع وهو يضحك باستهزاء منتظرًا ليرى نتيجة عمله. ظهرت بوادر الغضب الشديد، فجأة، على وجه العامل، وأخذ يلتفت حوله وكأنّه يستعدّ لهجوم عنيف.

وعلى مسافة قريبة من هذا العامل، كان هناك شخص آخر يعمل. وبغتة ترك العامل الأوّل عمله، وبدأ يركض وهو يلوّح بيديه مهدِّدًا متوعّدًا العامل الآخر، ثمّ بدأ يشتمه ويهاجمه. وعندها اقترب رجل أسود آخر من العامل الثاني، وأيضًا، بطريقة غير مرئيّة، همس في أذنه بضع كلمات أشعلت غضبه، ودفعته إلى لكم وركل العامل الأوّل، ثمّ ما لبث أن ابتعد عنه وهو يفرك بيديه ويقول بلهجة المنتصر الظافر: “لقد تغلّبت عليه، ولقّنته درسًا لا ينسى”. وهنا صافح كلّ من الرجلين ذوي البَشَرة السوداء مهنّئين بعضهما البعض لنجاح عملهما.

وهكذا قام الرجلان الأسودان، واللذان كان بالحقيقة شيطانين خبيثين، بزرع العداوة والخصومة بين العاملين، حتّى إنّهما بقيا مدّة طويلة حاقدين على بعضهما البعض دون أن يدركا فعل الشيطان فيهما، وكيف أنّهما وقعا في فخّه ومصيدته.

حزن الراهب جدًّا لما حصل، واستدعى العامل الثاني، وأخذ ينصحه ويشرح له خطورة تصرّفه سواء كان بالنسبة إلى رفيقه أو إلى نفسه، فقال له:

– لقد رأيتُ، يا ولدي، ما حدث، بل رأيت الشيطانين اللذين لم ترياهما أنتما، وكيف دبّرا لكما هذه المشاجرة. انتبه، يا ولدي، فالعنف دليل الضعف، فإذا لم يتسع قلب الإنسان بالحبّ، وإذا لم يتمكّن عقله من حلّ الأمور بحكمة وهدوء ورويّة، وإذا لم يقدر أن يضبط أعصابه باتّزان، حينئذ يلجأ إلى العنف، ويكون عنفه دليلاً على قلّة الحيلة والعجز عن التصرّف السليم. من يلجأ إلى العنف يدعو الشيطان إلى الاستقرار داخله بسهولة، بل ويرتاح داخله راحة تامّة، لهذا فالعنيف ابن للشيطان بامتياز.

لا تظنّ، يا ولدي، أنّ الضرب واللكم هما، فقط، من أساليب العنف، بل وتحطيم المعنويّات كالزجر الشديد والتوبيخ القاسي والتركيز باستمرار على الأخطاء وتحطيم الشخصيّة والتهكّم اللاّذع والازدراء والتشهير والتجاهل والمقاطعة والسبّ والعتاب العنيف والذي قد يكون لسبب تافه.

– ولكن، يا أبي، هل كلّ عنف مرذول وسيّئ؟!

– طبعًا لا. لا نستطيع أن نسمّي كلّ عنف خطيئة، فهناك مواقف توجب العنف كمعاقبة الخطأة أو اللصوص الذين يهدّدون المجتمع بجرائم تحطّمه. وهناك خطايا يستهتر بها مرتكبوها ويكرّرونها ويكونون قدوة سيّئة لغيرهم، لذا وجب معالجتها بحزم وحسم وسرعة. وهنا طبعًا يكون العنف فضيلة لا رذيلة.

والآن، وبعد أن تكلّمنا بما فيه الكفاية عن العنف، هلمّ بنا نذهب إلى رفيقك لنتصالح معه، فمن صفات الإنسان المسيحيّ الوداعة والصفح. ولا تسمح مرّة أخرى للشيطان أن يلعب بك، بل في كلّ مرّة تحسّ بوشوشته ارسم على نفسك إشارة الصليب، فيختفي للحال مع وشوشاته.

قام هذا العامل المجاهد، وذهب مع الراهب إلى منزل رفيقه الذي كان يعاني من آلام كبيرة نتيجة للضرب واللكم اللذين نالاه، وركع عند سريره يطلب منه المغفرة. ثمّ عاد مع الراهب إلى بيته وهو يحسّ بسلام داخليّ كبير.

لم ينسَ الراهب أن يعظ العامل الثاني بكلام مماثل، مبيّنًا له قيمة التروّي وعدم الانجراف وراء انفعالاتنا.

الشفـاء بـواسطـة المناولة المقدّسة

الشفـاء بـواسطـة المناولة المقدّسة

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

اعتاد القدّيس يوحنّا كرونشتادت أن يشفي الكثيرين بواسطة نعمة المناولة الإلهية:


فلقد تعرّض أحد معارف الأستاذ الجامعيّ المعروف سيمانوفسكي لداء السلّ الذي أثّر تأثيراً قويّاً على بلعومه إذ كانت الجراح تغطّي البلعوم كلّه ممّا أدّى إلى اختفاء الصوت كلّيّاً، وجعل الجميع يعتقدون بأنّ العليل سوف لا يحيا أكثر من عشرة أيّام. فما كان من الأهل إلاّ أن أبرقوا إلى الأب يوحنّا يلتمسون قدومه إليهم بأقصى سرعة إن أمكن، فوصل إليهم بعد خمسة أيّام. وما إن رأى حالة المريض حتّى بادرهم بسؤاله: “لماذا لم تعلموني بأنّ حالته خطيرة، لكنت أحضرت معي بعضاً من المناولة المقدّسة. ولمّا كان المريض في حالة النزع الأخير راح ينظر بتوسّل إلى الأب الذي استدار نحوه وقال: “أتؤمن أنّي أستطيع أن أساعدك بقوّة الله؟ فأبدى المريض الموافقة بحركة من رأسه. عندها نفخ الأب في فم المريض بشكل صليب ثلاث دفعات، ثمّ تطلّع إلى الطاولة الصغيرة قرب سرير المريض حيث كانت قد تكدّست أدوية مختلفة، وضربها بقوّة فوقعت بعض الزجاجات أرضاً وتكسّرت. ثم قال: “ارمِ هذه الزجاجات كلذها. إنّها لا تفيدك شيئاً. تعال إلى كرونستادت لأناولك القدسات الإلهيّة. إنّي أنتظرك”.

وعند المساء حضر الأستاذ سيمانوفسكي لعيادة المريض، ولمّا أُخبر بأنذه في  صباح اليوم التالي سوف يقصدون كرونشتادت قال بأنذ المريض سوف يموت في الطريق. ولكن المريض كان يثق جدّاً بالقدّيس يوحنّا، فأصرّ على الذهاب إليه.

بقي هناك يومين حيث ناوله القدّيس الأسرار الإلهيّة. وعند عودته إلى البيت، ذُهل الأستاذ لأنّ الجراح كانت قد التأمت كلّها غير أنّ الصوت بقي ضعيفاً. فاعترف عندئذ سيمانفسكي أمام الجميع قائلاً: “إنّها ظاهرة غريبة. حقّاً إنذها معجزة”. وهكذا عاش المريض المحتضر بعدها خمساً وعشرين سنة أخرى.

 

 

 

 

 

عرفناه عند كسر الخبز

عرفناه عند كسر الخبز

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

ذهب خادم تقيّ إلى الكنيسة لحضور قداس العيد. وعند دخوله الكنيسة وجد إنساناً فقيراً متواضع الحال بسيط المظهر، يحاول الخدّام منعه من الجلوس في المتكآت الأولى لأنّها مخصّصة لكبار رجالات الدولة وكبار الزوّار الذين يرتادون الكنيسة في الأعياد.

ولمّا فشلوا في إقناعه، تدخّل هذا الخادم التقيّ، ونجح في إقناعه، واصطحبه إلى آخر المتكآت وجلسا سويّاً وصلّيا. ثمّ فور انتهاء القدّاس، استأذن هذا الإنسان الفقير من الخادم التقيّ وهمّ بالانصراف.

ولكنّ الخادم أشفق عليه، وفكّر في الحصول على بركة بسببه. فعرض عليه بإلحاح أن يتناولا طعام العيد سويّاً. وقال في داخله: “ما الفائدة في أن أتناول وجبة العيد بمفردي أو مع الأهل والأصدقاء؟ البركة والسعادة والشبع الحقيقيّ في أن أُشبع الجوعان حسب قول السيّد له المجد: “جعت فأطعمتموني” (متى 35:25).

واصطحب الخادم هذا الإنسان الفقير في فرح وسعادة إلى منزله. ولكن سرعان ما وجدت هذه السعادة الروحيّة ما يحاول إطفاءها، إذ اعترض أهل هذا الخادم على تصرّفه بشدّة، واتذهموه بعدم الحكمة إذ كان يكفي أن يعطيه صدقة ويتركه يمضي في سبيله. وليس من الضروريّ دخول إنسان لا يعرفونه إلى منزلهم.

وبعد إصرار ومباحثات، نجح الخادم في أن يستضيف ضيفه الفقير في قبو المنزل. وكون هذا الخادم غير متزوّج، فقد فضّل ألاّ يترك ضيفه الفقير يأكل بمفرده، فقام بإعداد مائدة صغيرة لتناول وجبة العيد.

ويقول هذا الخادم معلِّقاً على ما حدث على المائدة: كنت متوقّعاً من هذا الإنسان الفقير البسيط أحد تصرّفين: إمّا أن يخجل وينتظر من يقدّم له الطعام، أو أن ينقضّ على المائدة أمام إغراء المأكولات وأمام جوعه وحرمانه. ولكنّ الذي حدث عكس هذا وذاك، فإذ بهذا الإنسان الفقير لمّا اتّكأ أخذ خبزاً وبارك وكسر وناول، والدهشة الكبرى كانت أنّه بعد كسر الخبز اختفى للتوّ. (لو 35:24)

إنّه المسيح الذي يريد أن يتّكئ على موائدنا، ونحن نرفض في قسوة وغباوة وعجرفة. اقبلوه بهيئته البسيطة ومنظره المتواضع.

إن كنتم تريدون أن يكسر المسيح لكم الخبز، فلا تمدّوا أيديكم إلى موائدكم، ولا يهنأ لكم بال إلاذ بعد أن يكسر الفقير أوّلاً الخبز على موائدكم، وتذكّروا قول الربّ له المجد: “الحقّ أقول لكم ما فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي قد فعلتموه” (متى 40:25).

قصص قصيرة

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

 

 

رسالة إلى قاتل ابنه

 

حبيبي،

ربّما تتعجّب عندما ترى أنّ هذه الرسالة هي منّي، ولكنّي أطلب منك أن تقرأها بتمهّل، لأنّ عندي أخبارًا مهمّة أقولها لك:

أوّلاً، أنا سامحتك، من كلّ قلبي.

صحيح أنّك اشتركت في مؤامرة قتل ابني الحبيب، ولكنّي سامحتك.

أثناء محاكمتك، عندما اعترفت بدورك ومشاركتك في الجريمة وطلبت الصفح، وقتئذ سامحتك من كلّ قلبي.

آمل أن تثق في ذلك وتصدّقه، وتتقبّل غفراني وصفحي.

ولكن، ليس هذا كلّ ما لديّ… فأنا أريد أن أتبّناك… أن تكون ابنًا لي تعيش معي، وتتمتّع بكلّ ما لديّ من خيرات وترث مملكتي.

لقد رتّبتُ الأمور حسنًا، فإذا قبلتَ أبوّتي تسقط عنك كلّ التهم وعقوبة الإعدام، وتُطلَق حرًّا لتصير ابنًا لي.

ويجب عليك أن تعرف أنّك ملتزم بكلّ واجبات البنوّة من طاعة لأوامري ووصاياي. ربّما ترفض، إذ تعتقد أنّي سأطلب منك ما هو فوق طاقتك، أو إنّي سأقيّد حرّيّتك، ولكن إن أحببتني من كلّ قلبك، فستعرف أنّ كلّ ما أطلبه منك هو في النهاية لخيرك وصالحك.

وإن ظننتَ أنّي سأعاقبك عند مخالفتك لكلامي، فلا تقلق. لقد سامحتك عند موت ابني، وسوف أسامحك، دومًا، عندما تطلب منّي ذلك من كلّ قلبك.

إن قبلت عرضي هذا، فأتمنّى أن تناديني من الآن فصاعدًا “يا أبانا”.

أحبّاءنا، هذه الرسالة موجَّهة لنا جميعًا، فهل نردّ جوابًا بالقبول؟!!

 

 

 

صليب وقيامة

جلس الشابّ الروسيّ مع أحد المبشّرين بالمسيح يستمع بإصغاء شديد إلى قصّة سقوط البشريّة وحتميّة التجسّد الإلهي… وأخذ المبشّر يروي له عن المسيح الذي نزل إلى أرضنا، وأخذ يجول ويصنع خيرًا ويشفي كلّ مرض في الشعب، ثمّ بدأ يروي له عن تعاليم المسيح ووصاياه، ثمّ عن حقد رؤساء اليهود وكراهيّتهم.

وكان الشابّ الروسيّ مشدودًا بأقوال المبشّر، وبدأ يشعر بالحبّ والجاذبيّة تجاه هذا الإله المحبّ العجيب.

استمرّ المبشّر في الشرح حتّى وصل إلى أحداث الصليب، ثمّ موت المسيح. وهنا صرخ الشابّ: “لماذا؟ لماذا مات؟ لقد بدأت أحبّه… كنت أظنّه أنّه لن يخذلني”. وجلس الشابّ على الأرض حزينًا، ظانًّا أنّ حياة المسيح انتهت إلى هنا. فأقامه المبشّر مطمئنًا إيّاه أنّ المسيح بعد ما مات ودُفن غلب الموت وقام من الأموات. فقفز الشابّ طربًا، وأخذ يصيح مع المبشّر: “المسيح قام… المسيح قام”.

أحبّاءنا، هل تعتقدون أنّه من الممكن أن يموت المسيح على الصليب وتنتهي الأحداث من دون قيامة؟! بالتأكيد لا. لأنّه لولا القيامة لبقي التلاميذ خائفين في علّيّتهم، وظلّت مريم المجدليّة باكية عند القبر، ولم تبشّر الجميع بالخلاص. ثمّ إنّ الموت لا يقدر أن يُمسك المسيحَ، بل إنّ المسيح بالصليب والقيامة أبطل الموت وسحقه.

إذًا، لا يوجد صليب من دون قيامة، فإنْ كان المسيح أوصانا بأن نحمل صليبنا ونمشي وراءه، فهو بذلك يريد أن يدخلنا إلى القيامة. فنحن لن نتمتّع بفرح القيامة وانتصارها ومجدها إلاّ بالدخول، أوّلاً، في مدرسة الألم والباب الضيّق وحمل الصليب.

أحبّاءنا، في كلّ مرّة تستيقظون باكرًا للصلاة وحضور القدّاس الإلهيّ، أو تسهرون قليلاً في الصلاة، أو تتعبون قليلاً محبّة بالمسيح بتأديتكم خدمة ما، فأنتم تدخلون مدرسة الألم. في كلّ مرّة تغصبون أنفسكم لعمل صالح كالصوم أو الصدقة أو التسامح، فأنتم تدخلون من الباب الضيّق المؤدّي إلى القيامة. وثقوا أنّه لا يوجد صليب بلا قيامة، وإنّ الباب الضيّق يؤدّي إلى الحياة، إذ إنّه بعد كلّ صليب قيامة.


حادثتا احتضار

دُعي الكاهن الأب ثاوذورس لمناولة القربان المقدّس لشخصين كانا على وشك الانتقال إلى ربّهما. الواحد منهما كان رجلاً غنيًّا عنيدًا وبخيلاً، والآخر كانت أرملة فاضلة أنشأت ثمانية أولاد على الصدق ورجاحة العقل في ظروف من الفقر المدقع والعمل الشاقّ.

رافق الأبُ ثاوذورسُ الشمّاسَ لفرنديوس وهو يحمل بيديه القربان المقدّس. زارا، أوّل الأمر، الرجل الغنيّ، الذي ما إن علم بحضور الكاهن حتّى رفض مقابلته، وأخذ يصرخ بقوّة: “لا أريد أن أتناول، فأنا لا أحتضر، لماذا جئت إليّ؟ اغرب عن وجهي. احمل ما معك واذهب”. حاول الكاهن، بشتّى الوسائل، تهدئته، ولكنّه أصرّ على الرفض، ولم يقبل ببقاء الكاهن إلى جانبه ولو لوقت قصير.

وهنا سأل الشمّاس الكاهن: “هل يمكننا، يا أبتِ، أن نذهب إلى السيّدة ماريّا ريثما يهدأ هذا الرجل؟”. قبل الكاهن عرض الشمّاس، وذهبا إلى السيّدة ماريا. وعندما دخلوا بيتها المتواضع الفقير، شاهدوا أولادها وأحفادها، وكثير من الأقارب حول فراش المحتضرة، والكلّ يبكي عليها وينتحب لفقدها، إذ كانت لهم المثال الطيّب الحنون الوديع.

ما إن دخل الكاهن إلى الغرفة يرافقه الشمّاس، حتّى سمح لهما الله أن يريا نورًا بهيًّا يحيط بالسيّدة، وملائكة الله حول الفراش، يحاول كلّ منهم أن يمسح العرق المتصبّب على جبين هذه المرأة المباركة، عرق التعب والجهد الذي بذلته في خدمة أسرتها. وليس هذا فقط، بل رأيا والدة الإله وهي تحمل منديلاً تمسح به العرق عن جبينها، وكانت السيّدة ماريّا تهمس بابتسامة مشرقة: “افرحي يا عروسًا لا عروس لها، افرحي يا نقيّة، يا ملكة الكلّ وسيّدة البشر والملائكة”.

وعندما أزمع الكاهن أن يناول السيّدة حنى الملائكة وجوههم وسجدوا للكأس المقدّسة التي كانت تحوي دم الربّ وجسده الأقدسين، ثمّ أقبلت والدة الإله مع الملائكة، وقبّلوا الكأس المقدّسة بكلّ وقار وتقوى، وأومأت والدة الإله إلى الكاهن ليدنو من ماريّا ويناولها القدسات الشريفة.

وبعد أن تناولت، أخذ الملائكة روح هذه المرأة التقيّة، وسلّموها إلى يديّ والدة الإله، فصعدت بها تحتف بها الملائكة إلى السماء. أشرقت الغرفة برائحة العطر الجميلة، في حين كان الأب مع الشمّاس مشمولين بالانذهال والخشوع معًا، فأخذا يباركان الله ويمجّدانه، إذ أهّلهما لرؤية هذا الحدث العجيب.

وقبل أن يغادر الكاهن المنزل، سأل أحد أقارب المنتقلة عن سيرتها، فأجاب بأنّها كانت مثالاً في الخدمة والمحبّة، ليس فقط لأسرتها وأقاربها، بل، أيضًا، لكلّ من يسأل خدمة أو حاجة. لم تعرف التذمّر بعد فقد زوجها، بل قامت بكلّ وداعة وإيمان ثابت بالربّ بتربية أبنائها على محبّة الله والكنيسة، حتّى إنّها شجّعت إحدى بناتها لكي تتكرّس للربّ في أحد الأديار، وكانت هي فخورة بذلك لا تنفكّ طالبة صلوات ابنتها لكي يمنّ الربّ عليها بآخرة صالحة. غادر الكاهن والشمّاس البيت وهما متهلّلان لما سمعا وشاهدا، عائدين إلى الرجل البخيل.

وحالما دخلا اقشعر بدنهما، إذ رأيا مئات الشياطين حول سريره يلوّحون برماح رهيبة يخزون بها جسده في أماكن مختلفة: في الركبتين والقدمين واليدين والبطن والعينين… كانوا يخزون جميع أجزاء الجسد التي أخطأت بينما أخذ الرجل يصرخ متوجّعًا، فيما أُغمي على الشمّاس من الخوف والهلع.

حاول الكاهن، عبثًا، إقناع الرجل بأن يتناول الأسرار الطاهرة، ولكنّه أصرّ، أيضًا، على الرفض. وعندها غرز أحد الشياطين حربته في جوفه، فأسلم الروح من دون أن يعترف أو يتناول.

بكى الكاهن أسفًا على هذا الرجل، وعندما أراد الانصراف، استوقفه ابن الرجل قائلاً: “أرجوك، يا أبانا، أن تذكر أبي في صلواتك. فهو لم تكن حياته مرضيّة لله، إذ كثيرًا ما كانت المقاهي والسهر الليلي يخطفانه من عائلته، لا بل كان يدفعنا، نحن أبناءه لنحذو حذوه، مدّعيًا “أنّ العالم هيك”، بل كان يسخر منّا إن شاهدنا نصلّي أو نقرأ الكتاب المقدّس، وفي كثير من المرّات كان يمنعنا من الذهاب إلى الكنيسة. أمّا أمّي، فكانت نقيض أبي، تقيّة مؤمنة تحاول جاهدة لتطبيق الوصايا الإلهيّة، وتسهر على تربيتنا سهر من سيعطي حساب وكالته. لذلك، أعيد توسّلي، يا أبانا، أن تصلّي لأبي عسى الله يغفر له جهله وخطاياه”.

هزّ الكاهن رأسه وهو يقول: “من واجب الكاهن، يا بنيّ، أن يذكر العالم كلّه أحياء وأمواتًا، لأنّ الجميع أولاده، ولأنّه يبغي خلاص الجميع”. طأطأ الكاهن رأسه مشيرًا إلى الشمّاس أن يتبعه، ثمّ خرج وهو يهمس: حقًّا إن ما يزرعه الإنسان إيّــاه يحصــد.

 

صلاة خاطئة

أُصيب مرّة طفل وحيد لأرملة بمرض عضال حتّى شارف على الموت، ومن شدّة الحزن والألم واليأس حملته أمّه في ليلة مظلمة باردة، وأخذت تركض به في الشوارع متوسّلة بجنون إلى كلّ من تصادفه أن يصلّي لكي يُشفى وحيدها. وبينما هي تركض وقلبها يتمزّق ألمًا، إذا بها تصادف امرأة كانت خارجة لتوّها من نوبتها في بيت للخطيئة.

ركعت الأمّ الملتاعة أمامها، ووضعت طفلها، الذي كان يلتقط آخر أنفاسه، بين قدميها. كان الألم قد سلبها عقلها ورزانتها. أخذت تتوسّل إلى المرأة الخاطئة أن تفعل شيئًا، أن تصلّي معها لكي يتعافى وحيدها.

أمام هذا المشهد الرهيب وقفت المرأة الخاطئة مذهولة لا تعلم ماذا تفعل. فمن جهة كانت ترى الطفل يموت، وأمّه راكعة عند قدميها، وقد غرقت في بحر دموعها، ومن جهة أخرى أدركت أنّها إنسان غارق في الخطيئة، تعوزه الجرأة والشجاعة ليمثل أمام الله ويتضرّع لأجل هذا الطفل. لكنّ حالة تلك الأمّ كانت تذيب الحجارة، فما كان منها إلاّ أن سقطت هي الأخرى على الأرض، وأخذت تقول وهي تقرع صدرها والدموع الحارقة تحفر وجهها دون توقّف: “يا ربّ، لست مستحقّة أن أرفع نظري إلى السماء، ولا أن أتلفّظ باسمك القدّوس، لأنّ شفتيّ مدّنستان. لكن من أجل هذه المرأة والطفل أتوسّل إليك أن تفعل شيئًا…”.

ما كادت هذه المرأة تنهي تمتماتها، حتّى ظهر من السماء نور أضاء المكان، واستقرّ على هذه المرأة، المدعوّة خاطئة، وعلى الطفل.

أمّا الطفل، فاستعاد عافيته، وأمّا المرأة “الخاطئة”، فمن تلك اللحظة كانت قد وُلدت من جديد بعد أن اغتسلت بدموع توبتها.

 

صلاة ومحبّة

تروي إحدى السيّدات القصّة التالية التي حدثت معها: يعيش في منطقتنا كاهن بسيط جدًّا لكنّه معروف بقداسته وتقواه. عندما التقيت به لأوّل مرّة تعلّمت منه درسًا لا أنساه أبدًا.

اختلفتُ مرّة مع إحدى النساء في القرية القريبة منّي حيث أعيش. كانت مشاعر الكراهية تنمو داخلي تجاه تلك المرأة. فذهبت في أحد الأيّام لأشترك في القدّاس الإلهيّ في كنيسة ذلك الكاهن القدّيس. فجلست على المقعد، وبدأت أكتب أسماء الأشخاص الذين أودّ أن أذكرهم في الذبيحة الإلهيّة، وخطر ببالي قبل أن أقدّم الورقة، أن أكتب اسم هذه المرأة التي أشعر بالعداوة تجاهها، وهكذا فعلت.

عند انتهاء القدّاس الإلهيّ اقترب منّي الكاهن، وطلب منّي أن أنتظره ليقول لي شيئًا. انتظرته قليلاً، وعندما جاء قال لي: “يا ابنتي، يتوجّب علينا أن نكتب اسم من نعاديه أوّلاً، وبعدها نكتب باقي الأسماء. عندها، فقط، تنفتح أبواب السماوات، وتصل صلاتنا إلى الله مباشرة”. فتسمّرت في مكاني مذهولة من حكمة هذا الأب الكاهن وبصيرته التي وهبه إيّاها الله، لأنّي لم أخبره بقصّتي مع تلك المرأة، فكيف عرفها إذًا؟ وأنا لست وحدي الذي قدّم أوراقًا، فكيف عرف ورقتي إذًا؟ لا شكّ أنّ الله هو الذي ألهمه، وتكلّم فيه. فالمجد لله على الدوام.

أحبّاءنا، لا شكّ أنّ كلّ واحد منّا يتعرّض لصعوبات في حياته الاجتماعيّة وعلاقاته مع الآخرين. قد نشعر بفتور في محبّتنا أو عدم تقبّلنا للآخر، وربمّا نصل أحيانًا إلى حدّ نتعامل فيه مع الآخر على أنّه بغيض لنا، لا بل إنّه عدوّنا، وقد نقول: “لا أتمنّى أن اراه أبدًا”. لكنّ المسيح أوصانا أن نُحسن إلى من يسيء إلينا. إنّ الشرّ يقوَّم بالمحبّة، فقط، وعندما تتحوّل هذه المحبّة إلى صلاة حارّة عندها تصنع العجائب. يقول الأب باييسيوس: “إنّ الله يتأثّر عندما يرى محبّتنا، فيرسل نعمته بغزارة، وتنحلّ المشاكل التي كانت تبدو لنا مستحيلة الحلّ”.

أيقونة حارسة البوابة

أيقونة حارسة البوابة

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

 

        كانت أرملة غنيّة جدّاً لها ابن وحيد، وكان عندها أيقونة لوالدة الإله. واتّفق أنّ جنود الملك ثاوفيلس جاؤوا إلى مدينة هذه الأرملة بقصد التفتيش عن الأيقونات ونزعها من المنازل. فدخلوا منزل هذه الأرملة، ورأوا الأيقونة، وفرحوا فرحاً عظيماً، وقالوا للأرملة: إمّا أن تعطينا الأيقونة حسب أوامر الملك أو نذيقك مالا تتصوّرينه من العذابات. فطلبت الأرملة فرصة إلى الغد، فقبلوا بذلك. وبعد انصرافهم، دخلت هي وابنها إلى الغرفة حيث توجد الأيقونة، وركعا سويّة، وراحا يصلّيان بحرارة مدّة طويلة. ثمّ أخذت المرأة الأيقونة، وانطلقت مع ابنها إلى الشاطئ وهي تصلّي: يا سيّدة العالم إنّي أسألك أن تنجيني بقوّتك من غضب الجنود، وتسلّمي أيقونتك هذه من ضرر المياه. ومع قولها هذا رمت الأيقونة في البحر، ويا للعجب، فإنّ الأيقونة سارت في البحر منتصبةً لا مطروحة.

        وبعد أن عادا إلى المنزل، قالت المرأة لابنها: يا ولدي، لا شكّ أنّ السيّدة العذراء سوف تحمينا من المضطهدين، ولكنّنا يجب أن نحترس منهم، لذلك أنصحك بالذهاب من هنا لئلا يصيبك مكروه. أمّا أنا، فإنّي مستعدّة أن أتحمّل كلّ العذابات وحتّى الموت من أجل والدة الإله. وهكذا ذهب الشابّ إلى الجبل المقدس آثوس في بلاد اليونان حيث يوجد الكثير الكثير من الأديرة والرهبان ودخل أحد الأديرة المدعو إيفيرون حيث صار راهباً.

        وذات يوم بينما كان الرهبان جالسين عند شاطئ البحر قرب الدير، وفيما هم يتحادثون ببعض الأمور الروحيّة، ظهر لهم بغتة عمود في البحر مثل لهيب النار يصل رأسه إلى السماء. فلمّا أبصروا ذلك اندهشوا وصرخوا يا ربّ ارحم. فتحمّس أحدهم ويدعى جبرائيل ونزل إلى الماء، ووجد أنّ العامود يظلّل أيقونة لوالدة الإله، فأخذها بفرح ومشى على الماء، وأتى بها إلى الدير. ولكن ما إن رأى الشابّ الأيقونة حتّى صرخ مندهشاً وقال: إنّها نفس الأيقونة التي رمتها أمّي في البحر، فسجد لها بإيمان، وقبّلها بشوق وهو يقول: افرحي يا عروساً لا عروس لها. وهكذا نجّت الأيقونة نفسها من ضرر المياه.   فوضعوها  فوق بوابة الدير ريثما يجهّزون لها مكاناً في الكنيسة. وفي اليوم التالي نقلوها إلى الكنيسة. لكنّهم رأوها في الصباح فوق البوابة مجدّداً. فنقلوها إلى الكنيسة ثانيةً. لكنّها عادت فانتقلت إلى السور فوق البوابة. وبعدما تكرّر الأمر مرّات عديدة، ظهرت والدة الإله لأحد الرهبان قائلة: لم آتِ إلى هنا لتحموني أنتم داخل الكنيسة إنّما أتيتُ لكي أحميكم أنا لذا فمكاني هو فوق البوابة. منذ ذلك الحين عُرفت الإيقونة بالسيدة حارسة البوابة وهي ما تزال حتّى اليوم في الدير تعمل معجزاتٍ كثيرة.

        لقد أردنا، يا أحبّاءنا، أن ننقل إليكم هذه الأعجوبة عن الأيقونة، لأنّ هذا الأحد الأول من الصوم يُدعى “أحد الأرثوذكسيّة”، وذلك لأنّه في مثل هذا اليوم أكّدت الملكة ثاوذورة أنّه علينا أن نكرّم الأيقونات بعد أن كان زوجها الأمبراطور ثاوفيلس قد منع إكرامها ونزعها من جميع الكنائس. وفي مثل هذا اليوم اجتمع الشعب في الكنيسة يوم الأحد، وصار زياح شاركت فيه الملكة ثاوذورة، وكان الشعب يحملون الأيقونات والصلبان والأنجيل المقدّس. لذلك نحن أيضاً في مثل هذا اليوم من كلّ عام نحمل أيضاً الأيقونات أثناء القدّاس الإلهي.

 يجب علينا أن نقدّم كلّ احترام وسجود لأيقونات السيّد المسيح ووالدة الإله والقدّيسين والملائكة، ونطلب شفاعتهم لنا. إنّنا بإكرامنا الأيقونة نكرّم صاحب الأيقونة المرسوم عليها، كما نكرّم صور والدينا وإخوتنا ونحترمها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نسجد ونقبّل باحترام أيقونة السيّدة وسائر القدّيسين

 

جئت إليك ثلاث مرّات

جئت إليك ثلاث مرّات

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع


كان الإسكافيّ القرويّ فيكتور يحبّ الله كثيراً، كريماً، أميناً عمله، يتّسم بالبشاشة في لقائه مع الناس. وكثيراً ما كان يصلّي إلى الربّ يسوع قائلاً: “يا يسوع الحبيب إلى قلبي جدّاً، كم أتمنّى لو أراك، وكم أودّ لو ألتقي بك”.

وفي إحدى الليالي رأى فيكتور يسوع في الحلم يَعِدُهُ بأنّه سيأتي إليه في اليوم التالي. قام من النوم فرحاً، وذهب إلى الغابة القريبة، وقطف بعض الأزهار الجميلة الملوّنة، وزيّن بها حجرته البسيطة التي كان يمارس فيها عمله، وفيها أيضاً ينام ويطبخ… وبدأ يصلّي فرحاً وهو يمارس عمله منتظراً مجيء المخلّص. وفجأة رأى شيخاً بدت عليه علامات التعب الشديد، وفي بشاشة أخذ يتحدّث معه، وبكلّ احترام سأله أن يستريح قليلاً عنده. فجلس الشيخ، وإذا بالإسكافيّ يتطلّع إلى حذائه، فيجده عتيقاً مهلهلاً مملوءاً ثقوباً، فأحضر إليه حذاء جديداً وقدّمه له هديّة. اعتذر الشيخ بأنّه لا يملك ثمن الحذاء، أمّا الإسكافيّ فقال له أن يصلّي من أجله وهذا يكفيه لكي يباركه الله.

وبعد أن فارق الشيخ الإسكافيّ، بقي فيكتور يترقّب مجيء الضيف الإلهيّ. وإذا بسيّدة عجوز تسير أمامه ببطء شديد تحت ثقل الحمل الذي على كتفيها، فطلب منها الإسكافي أن تستريح هي أيضاً قليلاً عنده، ثمّ أحضر لها بعضاً من الطعام الذي كان قد أعدّه لنفسه، فصارت تأكل فرحة إذ كانت جائعة وهي تشكره على محبّته وسخائه.

وعند الغروب لاحظ فيكتور صبيّاً صغيراً يبكي في الطريق، فترك ما كان في يده وذهب يسأله عن سبب بكائه، فقال له الصبيّ بأنّه ضلّ الطريق. وفي حنان كبير هدّأ نفس الصبيّ، وقال له إنّه يعرف والديه، وإنّه سيرافقه إلى بيته. وبالفعل ترك دكّانه، وانطلق مع الصبيّ، وكان يسرع في خطواته ذهاباً وإياباً خشية أن يأتي السيّد المسيح ولا يجده.

وإذ حلّ المساء أغلق فيكتور دكّانه وجلس يفكّر هل يأتي السيّد المسيح في المساء، وماذا سيفعل عندما يأتي، وبدأ يقول لنفسه: سوف أغسل يديه وقدميه اللتين ثقبتهما المسامير، وأجلس عند قدميه أستمع إلى صوته الحنون، وأقدّم له طعاماً من صنع يديّ”. مرّت الساعات ولم يظهر له السيّد المسيح، فبدأ فيكتور يعاتبه قائلاً: آه يا يسوع، ألم تعدني بأنّك سوف تأتي إليّ ليفرح قلبي بقدومك، فلماذا لم تأت؟ ثم ما لبث أن ذهب إلى النوم وهو حزين. وفي الليل ظهر له يسوع في الحلم قائلاً: لقد وفيت بوعدي لك يا فيكتور وأتيتك ثلاث مرّات: جئت إليك في شكل شيخ منهك القوى، وقدّمتَ لي حذاء جديداً بحبّ وبشاشة، ثم أتيتك بشكل سيّدة عجوز، وقدّمت لي طعاماً من صنع يديك، وأخيراً جئت إليك في شكل صبيّ تائه، وسرت معي إلى المنزل”.

استيقظ فيكتور فرحاً، وركع يشكر يسوع لأنّه التقى به من خلال المحتاجين والفقراء والتائهين والمتعَبين. ثمّ أسرع إلى الكتاب المقدّس وقرأ المقطع التالي: “تعالوا يا مبارَكي أبي رِثوا الملكوت المعدّ لكم منذ تأسيس العالم، لأنّي جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني، وكنت غريباً فآويتموني وعرياناً فكسوتموني، ومريضاً فزرتموني ومحبوساً فأتيتم إليّ” (متى 34:25-37)

ورسم  فيكتور نفسه بإشارة الصليب المقدّس وهو يقول لنفسه: ساعدني يا ربّ في هذا الصوم المبارك أن أقوم بما توصينا به.