مقابلة مع الأب غبريال (بونج)

مقابلة مع الأب غبريال (بونج)

قسطنطين ماستان من مجلّة الأرثوذكسية اليوم


نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

الأب المتوحّد غبريال (بونج) هو لاهوتي معروف جداً ونادراً ما يعطي مقابلات. يعيش ناسكاً في منسك صغير فلي سويسرا، لا يستعمل الإنترنت أبداً فيما الوسيلة الوحيدة المتاحة هي الهاتف الذي يستعمله كآلة مجيبة في غرفة منعزلة. على مَن يريد أن يتحدّث إليه أن يترك رسالة مع الوقت الذي يرغب فيه بإعادة الاتصال، وإذا كان الأب غبريال مستعداً للتحدّث يكون قرب الهاتف عند الوقت المحدد. لقد كنّا محظوظين بعدم إتمامنا هذه العملية المعقّدة لأننا التقينا الأب غبريال في موسكو في السابع والعشرين من آب 2010، يوم دخوله الأرثوذكسية من الكثلكة. خلال حديثنا أخبرنا الأب غبريال عن دوافع قراره وعن الفروقات الأساسية بين فالام وسويسرا، وأمور عديدة أخرى.

ماستان: أن يأتي مسيحي من تقليد إلى آخر، هذا يعني أنّه يفتقد شيئاً حيوياً في حياته الروحية…

الأب: نعم! وإذا كان هذا الشخص في السبعين من عمره، مثلي أنا، لا يمكن اعتبار هذه الخطوة طيشاً، أليس كذلك؟

ماستان: لا يمكن. ولكن ما الذي كان ينقصك، كونك راهباً ذا خبرة عظيمة؟

الأب: عليّ ألاّ أتحدّث عن قرار واحد، بل عن رحلة حياة كاملة بكل منطقها الداخلي: عند نقطة ما، جرى حدث قد تمّت التهيّئة له في حياة كاملة. كمثل كل الشباب، كنتُ أبحث عمّا نسمّيه “طريقي في الحياة”. دخلت جامعة بون وبدأت بدراسة الفلسفة واللاهوت المقارَن. ليس قبل ذلك بكثير زرت اليونان وقضيت شهرين على جزيرة لسفوس. هناك رأيت شيخاً أرثوذكسياً راهباً لأوّل مرّة. في حينه، كنتُ أميل داخلياً إلى الرهينة وقد قرأت بعض الأدب الأرثوذكسي ومن بينه من بعض المصادر الروسية. لقد أدهشني الشيخ وصار بالنسبة لي تجسيد الراهب الذي التقيته سابقاً في الكتب فقط. فجأة، أمامي، رأيت حياة رهبانية وقد بَدَت من النظرة الأولى، أصيلة وصحيحة والأقرب إلى الممارسة الرهبانية الأولى. من ثمّ صرت على تواصل مع هذا الشيخ طوال حياتي، وبهذا اكتسبت مثالاً للحياة الرهبانية.

عندما عدت إلى ألمانيا، انضممت إلى أخوية القديس بندكت، التي بَدَت لي الأقرب إلى ما أطمح إليه. بنية الأخوية تشبه بنية الكنيسة في القرون الأولى. في الأخوية، لا يوجد أي نظام عامودي للتبعية، بل كلّ جماعة موجودة بذاتها. ما يكفل وحدة هذه الجماعات هو التقليد وتيبيكون (قانون) الكنيسة، أي ليس الترتيب القانوني بل المثال الروحي. على فكرة، بهذا المعنى أظنّ أنّ البندكتيين هم، من بين كلّ الغربيين، الأكثر استعداداً لفهم الإيمان الأرثوذكسي بشكل عارم. ولكن أبي الروحي وأنا رأينا باكراً أنّ مكاني ليس في هذه الأخوية بسبب رغبتي بالرهبنة الأرثوذكسية ومحبتي للمسيحية الشرقية. لذا، الرئيس الذي كان شيخاً ورجلاً مختبراً أكنّ له الكثير من الاحترام، قرّر آسفاً نقلي إلى دير أصغر في بلجيكا. قضيت ثماني عشرة سنة هناك واكتسبت خبرة عظيمة، ومن هناك انتقلت بإذنٍ إلى الإسقيط في سويسرا. كلّ هذه التنقلات كانت لسبب واحد: محاولة التقدّم نحو الحياة الرهبانية الأصيلة، كما كانت عند مسيحيي القرون الأولى، ومثل التي رأيتها عند المسيحيين الشرقيين. آخر هذه التنقلات على هذا الطريق كان التحوّل إلى الأرثوذكسية.

ماستان: لماذا قررت أن تتبنى الأرثوذكسية؟ قد يحبّها المرء بكل قلبه ويبقى ضمن الكثلكة التقليدية. هناك أمثلة كثيرة في الغرب.

الأب: نعم، كثيرون ممن يميلون إلى الأرثوذكسية يبقون في الكثلكة، وهذا طبيعي. في أغلب الكاتدرائيات الغربية يوجد أيقونات أرثوذكسية. في إيطاليا، هناك مدارس احترافية لرسم الأيقونات، معلموها اختصاصيون روس وغيرهم. اليوم يتزايد اهتمام المؤمنين في أوروبا بالترانيم البيزنطية. حتى تقليديو الكثلكة يكتشفون الترنيم البيزنطي. بالطبع هم لا يستعملونه في الخدم الإلهية في الكنيسة بل خارجها، كمثل الحفلات الموسيقية. يُتَرجَم الأدب الأرثوذكسي إلى كلّ اللغات الأوروبية، وينشر الكتب المتَرجَمة أكبر دور النشر الكاثوليكية. باختصار، لم يفقدوا في الغرب حسّ تذوّق كل ما هو أصيل ومسيحي مما حفظه التقليد الشرقي. ولكن للأسف، هذا لا يغيّر شيئاً في حياة الشعب والمجتمع ككلّ. الاهتمام بالأرثوذكسية هو ثقافي بالإجمال. أمّا البؤساء أمثالي ممن اهتمامهم بالأرثوذكسية روحي يبقون أقليّة. نحن غريبون ونادراً ما نُفهَم.

ماستان: كلاهوتي، أنتَ حكيت غالباً عن مشكلة اتّصال الشرق والغرب. فهل تحوّلك إلى الأرثوذكسية هو نتيجة تأمّلك في هذا الموضوع؟

الأب: عندما كنتُ في اليونان وبدأت التحوّل نحو المسيحية الشرقية، بدأت أستوعب الانقسام بين الشرق والغرب بشكل مؤلم. لم يعد نظرية مجرّدة ولا حبكة في كتاب تاريخ كنسي، بل صار بالأحرى شيئاً يؤثّر مباشرة على حياتي الروحية. لهذا بدأتْ عملية التحوّل إلى الأرثوذكسية تبدو خطوة منطقية جداً. في شبابي، كنتُ آمَل بكل أخلاص أن وحدة المسيحية الشرقية والغربية ممكنة. من كل قلبي كنتُ أنتظر حدوثها، وقد كان لديّ بعض الأسباب لهذا الاعتقاد. في الفاتيكان الثاني، كان هناك مراقبون من الكنيسة الروسية ومن بينهم ميتروبوليت سان بطرسبرغ ولادوغا فلاديمير (كوتلياروف). في ذلك الحين، كان الميتروبوليت نيقوديم (روتوف) ناشطاً جداً في الشؤون العالمية. وقد اعتقد الكثيرون أن الكنيستين تتحركان كلّ نحو الأخرى وسوف تلتقيان حتماً عند نقطة ما. لقد كان حلمي يتحقق شيئاً فشيئاً. لكن مع التقدّم بالعمر وتعلّم بعض الأمور بشكل أكثر عمقاً، توقّفت عن الإيمان بإمكانية مصالحة الكنيستين في الخدم الكنسية والوحدة المؤسساتية. ما الذي كان ينبغي أن أعمل؟ الأمر الوحيد الذي كان بمستطاعي هو البحث عن هذه الوحدة بشكل شخصي واسترجاعها في نفس مستقلة، أي نفسي. لم أستطع عمل أكثر من هذا. لقد تبعت ضميري وحَسْب، وأتيت إلى الأرثوذكسية.

ماستان: أليس هذا الرأي متطرفاً؟

الأب: عندما كنت في اليونان، ككاثوليكي، أدركتُ أنّ الغرب هو مَن انفصل عن الشرق وليس العكس. في تلك اللحظة، لم يكن الأمر وارداً عندي. لقد احتجت للوقت لفهمه وقبوله. بالطبع لا أستطيع أن ألوم أحداً. نحن نتكلّم عن عملية تاريخية كبيرة بأكملها، ولا نستطيع أن نقول أن هذا أو ذاك هو المَلوم. لكن الوقائع تبقى هي الوقائع: ما نسمّيه المسيحية الغربية اليوم وُلِد كسلسلة من التمزّقات عن الشرق. هذه التمزّقات كانت الإصلاح الغريغوري متبوعاً بانفصال الكنائس في القرن الحادي عشر، من ثمّ الإصلاح في القرن الخامس عشر، وختاماً مجمع الفاتيكان الثاني في القرن العشرين. هذا بالتأكيد رسم بياني خشن، لكنّي أظن أنّه صحيح بالكامل.

ماستان: مع هذا، هناك رأي بأنّ سلسلة هذه التمزّقات هي عملية تاريخية طبيعية لأنّ كلّ ظاهرة (والكنيسة المسيحية لا تشذّ عن الأمر) تمرّ في مراحل من التطوّر. فما هي المأساة في ذلك؟

الأب: المأساة هي في الناس. في حالة من الأحداث الراديكالية الثورية، يظهر دائماً أناس يقسّمون الحياة إلى “ما قبل” و”ما بعد”. فهم يريدون أن يبدؤوا العدّ فقط من تلك النقطة الجديدة وكأنّ كلّ ما جرى قبلها كان بلا معنى. عندما أعلن البروتستانت إصلاحهم، لا أظنهم عرفوا بأنّ ذلك سوف يقود إلى انقسام الغرب إلى معسكرين كبيرين. لم يدركوا ذلك، بل تصرّفوا وحَسْب. وراحوا يقسّمون مَن هم حولَهم إلى أصحاء (أي الذين قبلوا الإصلاح) والمعتلّين المرضى أي أتباع البابا. إلى هذا، التاريخ يكرّر نفسه: الأمر نفسه اليوم يجري حول الفاتيكان الثاني ضمن الكثلكة. هناك أشخاص لم يقبلوا قراراته وآخرون قبلوها كنقطة بداية. والجميع يتفكّر على أساس هذه الخطوط. مثل بسيط: إذا أشار أحدٌ ما، خلال أيّ محادثة، إلى “المجمع” من دون إضافة أي تفاصيل، الكلّ يفكرون تلقائياً بأنّه يتحدّث عن الفاتيكان الثاني.

ماستان: ما رأيك “بالموضة” الحديثة الليبرالية بين الكاثوليك؟

الأب: أنا سعيد بالتوجّه إلى القراء الروس لأقول لهم بأنّه لا ينبغي اختزال كلّ الكاثوليك إلى مستوى واحد. هناك بينهم مَن يرغب بأن يكون أكثر دهرية وأكثر تحرراً. هذا لا يعني أنّهم مجرمون، إنّها وجهة نظرهم بالحياة وحَسْب. هناك مَن هم مكرّسون بالكليّة للتقليد. انا لا أسمّيهم تقليديين، لأنّ التقليد بحد ذاته ليس مهمّاً بالنسبة إليهم. هذا ليس فولكلوراً قديماً على المرء أن يغذّيه اصطناعياً ويعوّمه. لا! التقليد بالنسبة إليهم هو ما، في كل مرحلة، صان ويصون الاتّصال الحيّ الشخصي مع المسيح، الحياة اليومية بيدَي الله. كما قال يوحنا اللاهوتي: “الَّذي رأيناهُ وسمِعناهُ نُخبِرُكُمْ بهِ، لكَيْ يكونَ لكُم أيضًا شَرِكَةٌ معنا. وأمّا شَرِكَتُنا نَحنُ فهي مع الآبِ ومع ابنِهِ يَسوعَ المَسيحِ.” (1يوحنا 3:1). أنا متأكّد بأن مبدأ “يوجد الله وأنا” هو للهراطقة. عند المسيحيين، المبدأ هو “الله وأنا وكل الآخرين”. الأخرون هم المؤمنون، وأولئك الذين حفظوا الإيمان لنا في القرون الكثيرة. لو لم يسمع الناس للناس بإخلاص، لو لم يكتبوا هذه الأمور ويمرروها لمَن بعدهم، لما كان هناك عهد جديد. هذا يعني أنّه لما كان هناك شيء.

ماستان: في هذه الحالة، كيف ينبغي أن يكون موقفنا من أولئك غير المكرِسين للتقليد؟

الأب: لا ينبغي أن نضربهم على وجههم وبالطبع لا ينبغي أن نطردهم من الكنيسة. الكلّ يستحق الرحمة المسيحية. إذا أنا، كأرثوذكسي، رأيت كاثوليكياً في كنيسة أرثوذكسية، أوّد أن أقترب منه وأخبره بصراحة ورقّة وثقة: “اسمع أيها الأخ، قد تكون مهتمّا بمعرفة أنّ في البداية كنّا كلّنا نرسم إشارة الصليب بهذه الطريقة: من اليمين إلى اليسار. الآن كلّ شيء تغيّر. أنا لا أدعوك لأن تعيد النظر بكلّ حياتك وتركض إلى الكنيسة الأرثوذكسية، فقط أريدك أن تعلم من أين أتت الأشياء.

ماستان: ولماذا اخترتَ الكنيسة الأرثوذكسية الروسيّة؟

الأب: أعتقد بأن العامل الأساسي في هذا النوع من القرارات هو الناس المحيطين بك. عندما عرف أصحابي، وهم أساقفة روس من سانت بطرسبرغ، أنني أتبنّى الأرثوذكسية، قالوا: “نحن غير متفاجئين أبداً. لطالما كنتَ معنا. لكن الآن سوف يكون بيننا شركة أكثر قرباً، شركة مقدّسة، في كأس واحد”. لقد تعرّفت إلى الميتروبوليت هيلاريون، رئيس دائرة العلاقات الخارجية في بطريركية موسكو، منذ فترة طويلة. لقد التقينا أولاً في 1994 عندما كان أرشمندريتاً. أنا اعتبره صديقي الصالح وأعتزّ بصداقته. وهو، إذا شئت، من أكثر الناس الذين التقيتهم كفاءة ومعرفة. بالواقع، صار بالنسبة إليّ، الشخص الوحيد الذي استطعت أن أتوجّه إليه بطلبي، فهو يعرفني ويعرف معتقداتي ووضعي. وهو كان مستعداً للتجاوب، وقد كنتُ واثقاً من ذلك. وهذا ما جرى.

ماستان: كيف سوف يساعدك هذا في بلوغ مثالك في الحياة الروحية؟e

الأب: أنت تطلب منّي نبوءة ولكني لستُ نبياً. أنا لا أعرف ما الذي سوف يحدث تالياً بالتحديد. ينبغي بنا أن نحيا وحَسْب. حتَى الآن، لقد وجدت في روسيا أموراً كثيرة تغذّي رغبتي. مثلاً، لقد زرت بلعام. أنت تعرف، إذا كان أحد المؤمنين في الغرب ميّالاً إلى حياة عزلة رهبانية قصوى، لا يجد مكاناً يمضي إليه. الصوامع، كتلك التي روسيا، ليست متوفّرة في الغرب. هذا الشكل من الحياة يبدو عتيق الزيّ. كراهب أنا في حالة من البحث الدائم عن التوحّد الأقصى، حتّى العزلة. أحسست أنّ كل هذا متوفّر في بلعام.

ماستان: ألا يوجد ما يكفي من العزلة في إسقيطك في سويسرا؟ بلعام هو أيضاً مكان مكتظ، فالحجاج موجودون بشكل مستمر.

الأب: سويسرا بلد صغير ومزدحم بالسكان بشكل كثيف. الإسقيط مُحاط بغابة، ولكن على بعد 15 دقيقة من المسير يوجد قرية يعيش فيها ما يقارب المئة إنسان. بلعام أكثر هدوءاً. نعم بالطبع، هناك الكثير من الناس هناك، لكن المكان بحد ذاته، كما أحسست، معزول عن باقي العالم. قد يكون ذلك لأنّه على جزيرة، أو قد يعود ذلك إلى أسباب أخرى غير جغرافية. يبدو لي أنّ كل هذا يمكن أن يؤدّي إلى حالة مرجوّة من العزلة في قلب كلّ من يأتي إلى هناك.

ماستان: هل الأمر أكثر صعوبة في أوروبا؟

الأب: الجواب القاسي هو أنّ هذا غير متوفر في كلّ الغرب. التقليد الرهباني الأصيل في الغرب ضُرِب خلال ثورة البورجوازية الفرنسية سنة 1789. أنا عندي اعتقاد ثابت بأن نتائج هذه الثورة بالنسبة إلى أوروبا لم تكن أقلّ ثقلاً من نتائج ثورة 1917 والسبعين سنة من السيطرة الآثمة على روسيا. في فرنسا، بعد هذه الأحداث الدموية كان ينبغي ترميم الرهبنة من العدم. هذا كان يقوم به كهنة عاديون وليس رهباناً. لم يكن هناك غيرهم. في روسيا، عاشت الرهبنة بالرغم من كل الصدمات والفظائع. نعم، لقد كان هذا على مستوى أشخاص محددين هم الشيوخ. لكنّهم تواجدوا. وقد حفظوا التقليد الروحي والحياة الرهبانية الأصيلة. يبدو لي أنّ في كلّ ما يختصّ بالحياة الرهبانية، لم تكن روسيا بحاجة لتبدأ من الصفر. لهذا أنا آسف لسماع الروس يقولون أحياناً: “لقد كان كلّ شيء خرباً. الكنيسة كانت معطّلة”. أرغب دائماً بأن أجيب “برأيي، كل شيء لديكم، شهداء ومعترفون جدد، شيوخ رهبان”، وكلّهم قريبون، فقط مدّوا ذراعيكم. كلّ ما تحتاجون إليه هو أن تبسطوا أذرعتكم وتأخذوا هذه الثروة وتمارسوها تطبيقياً، أي في حياتكم. الانطباع الغالب عندي هو أنّ أغلبية الشعب الروسي لا يعرف قيمة ما لديهم أو أنّهم لا يفقهون أن ما لديهم ذو قيمة كبيرة.

ماستان: لماذا برأيك يجري الأمر على هذا المنوال؟

الأب: في الكلام عن المشاكل، يركّز الناس على المادة، وأحياناً على المصاعب الخارجية التي تواجه الأديار في هذه الأيام. نعم، هناك الكثير مما ينبغي إعادة بنائه. لكن هذا هو الجزء التقني وحسب، أي فقط الجدران والسقف. غني عن الذكر، أن الناس يتأففون: الأسقف والجدران تكلّف مالاً، وأين يجد المرء المال… ولكن إذا ارتفعنا فكرياً فوق السقف، سوف نرى أنّ الجدران ليست الأمر الأساسي. ما هو أكثر أهمية هو: بأيّ نوع من القلب يدخل الإنسان إلى داخل الجدران. هنا يرد القول الروسي: “ليست الكنيسة في الأوراق بل في العروق”. وهذا هو الأمر الأكثر أهمية، هذا التقليد الروحي، الذي ما زال محفوظاً لنا في شيوخ الرهبنة الروس والشهداء الجدد. ويجادل البعض: “هناك القليل من الشيوخ الآن، أغلبهم رقدوا، وما من واحد يعلّمنا”. أنا أجيب دائماً: “إن لم يكن لديكم أب روحي حيّ يعلّمكم، توجّهوا نحو الراقد. فلديكم سيرته وكتاباته وتعاليمه. اقرؤوها واربطوها بحياتكم”. أنا لا أقصد أن أقول بأني لم ألتقِ في روسيا أناساً يعرفون ويقدّرون ويعتزّون بهذه المعرفة. هناك الكثير الكثير من الناس الذين يعرفون، وزيارتي إلى بلعام أثبتت ذلك.

ماستان: ما الذي ينبغي أن يتغيّر في حياتك اليومية بعد هذا التحوّل؟

الأب: بالطبع هناك أمور لا يمكن إلا أن تتغيّر. كوني أصبحت عضواً في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية فيما أعيش في سويسرا، فأنا أخضع لرئيس أساقفة كورسون أينوكنديوس. بشكل طبيعي، لا يمكن لعلاقاتي مع الكثلكة أن تبقى كما كانت.

ماستان: ما هي ردة الفعل التي تتوقعها من أبنائك الروحيين؟ هم بالأغلب كاثوليكيون…

الأب: أولاً، والحمد لله أنا أتعامل مع أناس متفهّمين. وأنا أكيد أنّهم يحترمون قراري. وثانياً، لم تكن آرائي ومعتقداتي سرية. كلّ أبنائي الروحيين يعرفون أنّ مثالي المسيحي في الشرق. لا أظن أنّهم سوف يتفاجئون. أنا لم أقل لهم شيئاً مسبقاً تلافياً للمناقشات غير الضرورية. لكني لا أظن أن أيّ أمر غير اعتيادي سوف يحدث. أؤمن بأنّ تقليد الأحاديث الروحية الذي اعتاد أبنائي أن يأتوا إليه سوف يستمر. ليس لدي أي سبب لإيقافه. أخيراً، الأشخاص الذين أتواصل معهم بشكل منتظم يشاركونني المثال الروحي بنسبة أقل أو أكثر، وإلا فلن يأتوا.

ماستان: ماذا عن الخدم الإلهية؟

الأب: بالطبع، من الآن وصاعداً لن أناول كاثوليكيين. وأصلاً أنا نادراً ما كنت أفعل ذلك: الإسقيط بعيد عن العالم الكبير، والأرض التابعة له هي غالباً مقفلة، والخدم خصوصية لأن الكنيسة صغيرة، بالكاد تتسع لعشرة أشخاص. فقط في الميلاد والفصح نفتح الأبواب لكلّ مَن يريد أن ينضمّ إلينا.

ماستان: إذا رغبت واستطعت أن تعطي المعاصرين نصيحة قصيرة حول تنظيم حياتهم الصلاتية، فماذا تقول؟

الأب: إذا أردتم أن تتعلّموا السباحة اقفزوا في الماء. فقط بتلك الطريقة تتعلّمون. وحده مَن يصلّي يحسّ بمعنى الصلاة وطعمها وفرحها. لا يمكنكم أن تتعلّموا الصلاة فيما تجلسون في كنبة كبيرة ودافئة. إذا كنتم على استعداد للسجود والتوبة بصدق ورفع أعينكم ويديكم إلى السماوات، فالكثير من الأمور سوف تُكشَف لكم. بالطبع، بإمكانكم أن تقرؤوا الكثير من الكتب وتستمعوا إلى الكثير من المحاضرات وتتحدثوا إلى الناس، هذه كلّها مهمة وتساعد على مزيد من الفهم. ولكن ما هي قيمة كلّ هذه الأمور إن لم تقوموا بأي خطوة حقيقية من بعدها؟ إن لم تبدؤوا بالصلاة؟ أظن أنّ عليكم أن تفهموا هذا أيضاً. بالطبع أنتم تسألون هذا السؤال من وجهة نظر الذين لا يؤمنون.

ماستان: بالضبط. مجلتنا هي للمشكّكين.

الأب: ما من خطأ في الشكوك، حتّى أنّها قد تكون نافعة، لكن على المرء أن لا يسعى إليها. وإذا ظهرت، على المرء أن يتذكّر ببساطة أن لدينا كلّنا فرصة الاستماع “هاتِ إصبِعَكَ إلى هنا وأبصِرْ يَدَيَّ، وهاتِ يَدَكَ وضَعها في جَنبي، ولا تكُنْ غَيرَ مؤمِنٍ بل مؤمِنًا” (يوحنا 27:20).

الإيمان والعلم في المعرفة والمنهجية الأرثوذكسية

الإيمان والعلم في المعرفة والمنهجية الأرثوذكسية

الأب د. جورج ميتيلينوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

أ.          مشكلة حقيقية أو زائفة؟

استناداً إلى المعطيات التاريخية، يشكّل التناقض بين الإيمان والعلم والصدام الناتج عنه مشكلة حقيقية عند الفكر الغربي فيما هو مشكلة زائفة في التقليد الأرثوذكسي الآبائي.

ظهر المأزق في فرَضية “الإيمان ضد العلم” في أوروبا الغربية في القرن السابع عشر مع تطور العلوم الوضعية ومتزامناً مع ظهور مواقف أرثوذكسية من هذا الأمر. مهم أن يُلاحظ أن حصول هذه التطورات في الغرب كان في غياب الأرثوذكسية، إذ إن في العصور الحديثة حصلت غربة روحية وتمايز بين الغرب (العقلاني) والشرق الأرثوذكسي. يُحدَّد هذا الواقع بنزع الأرثوذكسية (deorthodoxiation) ونزع الكنسية (de-ecclesiastication) عن أوروبا الغربية. وتحويل الإيمان فلسفة وقوننته وتكوينه بشكله النهائي ديناً. فبحسب الأب يوحنا رومانيدس، الدين هو رفض الأرثوذكسية ومرض في القلب. إذاً، تاريخياً، الأرثوذكسية لم تشترك في صنع الحضارة الأوروبية المعاصرة التي يختلف حجمها عن حجم حضارة الشرق الأرثوذكسي.

نقاط التحول المهمة في مسيرة تغيّر أوروبا الغربية هي: السكولاستيكية في القرن الثالث عشر، الإسمية (nominalism) في القرن الرابع عشر، الإنسانوية/النهضة في القرن الخامس عشر، الإصلاح في القرن السادس عشر والتنوير في القرن السابع عشر. إنها سلسلة من الثورات التي أحدثت صدعاً في بنية حضارة أوروبا الغربية المولودة في جدلية هذه الحركات.

تقوم السكولاستيكية على تبني الحقائق الأفلاطونية بحيث يُنظر إلى عالمنا كصورة عن الكون المتعالي. أداة المعرفة هي الفكر. والمعرفة، بما فيها معرفة الله، تتم من خلال تسلل المنطق في جوهر الكائنات. هذا هو أساس اللاهوت الماورائي، الذي يفترض علاقة الوحي الطبيعي (Analogia Entis) بين الله والعالم، والمقاربة بين المخلوق وغير المخلوق. السكولاستيكية هي صراع بين الفكرين الأفلاطوني والأرسطي في الفكر الأوروبي. على كل حال، تحولت الإسمية إلى أن تكون نوعاً من الحمض النووي بالنسبة للحضارة الأوروبية ذات العناصر الأساسية الثنائية فلسفياً والفردية اجتماعياً. بالاستناد إلى لاهوت القرون الوسطى السكولاستيكي، أصبحت الرفاهية مسعى الإنسان الغربي الأساسي. الإسمية (أو الثنائية) هي ركيزة التطور العلمي في العالم الغربي، أي تطور العلوم الإيجابية.

أما الشرق الأرثوذكسي فقد عرف تطوراً لاهوتياً مختلفاً، بإرشاد من زعمائه الروحيين، أي القديسين ومَن تبعهم من المؤمنين الحقيقيين الذين بقوا مخلصين للتقليد النبوي-الرسولي-الآبائي الذي يقف على الطرف النقيض للسكولاستيكية وكل تطوراتها في العالم الأوروبي. في الشرق، سيطرت الهدوئية أو الصلاة القلبية وهي العمود الفقري للتقليد الآبائي، ويعبّر عنها بالمشاركة النسكية التي تُختبر في الحقائق كشركة مع غير المخلوق. تاريخياً، الإيمان بإمكانية الانضمام إلى الله والعالم (المخلوق وغير المخلوق) محفوظ في الشرق الأرثوذكسي. وهذا طبعاً يعني رفض كل أشكال الثنائية. وقد كان تطور العلم في بيزنطية ضمن هذا الإطار.

ساهمت ثورة القرن السابع عشر العلمية في أوروبا الغربية في فصل حقلي الإيمان والمعرفة، وتسببت بالمبدأ الفلسفي الأكسيومي التالي: لا تقبل الفلسفة الجديدة (الإيجابية) سوى الحقائق التي يؤكدها الفكر العقلاني. هذه الفلسفة هي السلطة المطلقة في التفكير الغربي. حقائق هذه الفلسفة الجديدة هي وجود الله والنفس والبرارة والفضيلة والخلود والدينونة. بالطبع لا يتم قبولها إلا بتنوير إلهي، لهذا نجد الإلحاد أيضاً كعنصر في الفكر المعاصر. العقائد الكنسية المرفوضة بالمنطق هي: طبيعة الله الثالوثية، التجسد، التمجيد، الخلاص، وغيرها. من وجهة النظر الأرثوذكسية، لا يختلف هذا الدين الطبيعي والمنطقي عن الإلحاد، لا بل هو أسوا. فالإلحاد أقل خطراً من صورته المشوهة!

ب. العرفانية الأرثوذكسية

لقد قلنا أن التناقض بين الإيمان والعلم هو في الشرق مشكلة زائفة، لماذا؟ لأن العرفانية (gnosiology) في الشرق تُحدد بموضوع المعرفة المزدوجة: معرفة غير المخلوق ومعرفة المخلوق. وحده الثالوث القدوس غير مخلوق. الكون الذي يتحقق فيه وجودنا مخلوق. الإيمان هو معرفة غير المخلوق، والعلم هو معرفة المخلوق. إذاً هما نوعان مختلفان من المعرفة لكل منهما طريقته وسبل بحثه.

المؤمن، في حركته فوق أرض “الفائق الطبيعة”، أو معرفة غير المخلوق، ليس مدعواً إلى تعلم شيء ميتافيزيكياً أو لقبول شيء ما منطقياً، إنما إلى اختبار الله من خلال الشركة معه. هذا يتحقق بطريقة حياة أو أسلوب حياة يقود إلى المعرفة الإلهية.

لو ظهرت المسيحية لأول مرة في زمننا، لكانت أخذت شكل مؤسسة علاجية، مستشفى لاسترجاع واستعادة عمل الإنسان ككائن مؤلف من نفس وجسد. لهذا السبب يدعو القديس يوحنا الذهبي الفم الكنيسة مستشفى روحياً. تُفهَم المعرفة اللاهوتية الفائقة الطبيعة في الأرثوذكسية كخبرة حياة (pathos) وكمشاركة وشركة مع الحقيقة الشخصية المتعالية وغير المدرَكة لغير المخلوق. بالتأكيد هذه المعرفة ليست أبداً عملية تعلُّم. إذاً، الإيمان المسيحي ليس تبنياً تأملياً مجرداً لحقائق ماورائية، بالأحرى هو خبرة امتلاك beholding الكائن الحقيقي: خبرة الثالوث الفائق الجوهر.

إن هذا يعبّر بوضوح عن أن السلطة في الأرثوذكسية هي في الخبرة: خبرة المشاركة في غير المخلوق، معاينة غير المخلوق (كما يُعبر عنها بعبارة التمجيد أو theosis)، وهي لا تستند إلى نصوص ولا حتى إلى الكتاب المقدس. لا يُحفظ تقليد الكنيسة في النصوص بل في البشر. النصوص تساعد، لكنها ليست مَن يحمل التقليد المقدس. القديسون يحفَظون التقليد والكائنات البشرية هم حملة الإنجيل. وضع النصوص فوق الخبرة الفعلية لغير المخلوق هو دليل على تديين الإيمان، أي على جعله ديناً. هذا  التديين يحوِّل هذه النصوص إلى إيديولوجيات وبالواقع إلى تأليهها. هذا بدوره يقود إلى سلطة النصوص المطلَقة (fundamentalism) وكل ما هو معروف كنتيجة لها.

الافتراض المسبَق لوظيفة معرفة غير المخلوق، بالنسبة للأرثوذكسية، هو رفض كل تشابه سواء طبيعي أو فوق الطبيعي في هذه العلاقة بين غير المخلوق والمخلوق. يلخّص القديس يوحنا الدمشقي هذا التقليد الآبائي بالطريقة التالية: من المستحيل إيجاد، في الخليقة، إيقونة تظهر طريقة وجود الثالوث. لأنه كيف يستطيع المخلوق، المركب والمتغيّر والموصوف، الذي له شكل ويفنى، أن يُظهِر بوضوح الجوهر الإلهي الفائق الجوهر الخالي من كل هذه الصفات؟ (P.G. 94,821/21).

إذاً، يصبح الآن ظاهراً سبب عدم اشتراط التقليد الآبائي لوجود مدارس التربية والفلسفة، على وجه التحديد، كفرض مسبق لمعرفة الله theognosia. فنحن نوقّر القديس أنطونيوس (+350) الذي لم يكن حكيماً بحسب المعايير الدنيوية، إلى جانب الأكاديمي العظيم القديس باسيليوس الكبير (+379). كلاهما شهدا لمعرفة الله، القديس أنطونيوس كشخص غير متعلم والقديس باسيليوس كشخص أكثر علماً من أرسطو. يختلف القديس اوغسطينوس (+430)، ما يجده الغربيّون مؤلماً جداً عندما يعرفوه، عن التقليد الآبائي عند هذه النقطة عندما يهمِل المعرفة الكتابية والآبائية ويكون بالجوهر أفلاطونياً محدِثاً Neo-platonist. ***مع هذا ال axiom credo ut intelligam (أنا أؤمن كي أفهم) إنه يُدخِل مبدأ أن الإنسان يصل إلى إلى فهم منطقي للوحي من خلال الإيمان. هذا يعطي أفضلية للعقل (الفكر) يعتبرها هذا النوع من المعرفة أداة أو وسيلة لمعرفة الطبيعي والفائق الطبيعة. يُعتَبَر الله موضوعاً ممكن المعرفة وممكن استيعابه بالفكر البشري مثل أي  موضوع طبيعي آخر. بعد القديس أوغسطينوس، وبمساهمة سكولاستيكية توما الأكويني +1274، ديكارت بالخطوة التالية من خلال axiom cogito, ergo sum، أنا أفكر إذاً أنا موجود، قام بإعلان العقل أو الفكر الأساس الرئيسي للوجود.

ج) نوعا المعرفة

التقايد الأرثوذكسي هو مَن يضع نهاية لهذا التضارب النظري في حقل المعرفة، وهذا بالتمييز بين نوعي من المعرفة والحكمة.

1. الإلهية أو التي من فوق

2. الدنيوية (thyrathen) أو الدنيا.

المعرفة الأولى هي فائقة الطبيعة بينما الثانية طبيعية. هذا يتطابق مع التمييز الواضح بين غير المخلوق والمخلوق، بين الله والخليقة. هذان النوعان من المعرفة يتطلبان طريقتين للتعلّم. طريقة الحكمة-المعرفة الإلهية هي شركة الإنسان مع غير المخلوق من خلال القلب. إنها تتم من خلال وجود قوة الله غير المخلوقة في قلب الإنسان. طريقة الحكمة-المعرفة الدنيوية هي العلم وهي تتم بممارسة القدرة الفكرية-المنطقية عند الإنسان. الأرثوذكسية تضع تراتبية واضحة في هذين النوعين من المعرفة وطرقهما.

طريقة المعرفة الفائقة الطبيعة، في التقليد الأرثوذكسي، تُدعى الهدوئية وتتماهى مع اليقظة (nepsis) وتطهر  القلب (katharsis). الهدؤئية تتماهى مع الأرثوذكسية. الأرثوذكسية، آبائياً، لا يمكن استيعابها خارج الممارسة الهدوئية. الهدوئية في جوهرها هي الممارسة النسكية الشفائية بتطهير القلب من الأهواء لإعادة إنارة القدرة النوسية في القلب. يجب الإشارة عند هذه النقطة، إلى أن طريقة الهدوئية كممارسة شفائية هي أيضاً علمية وعملية. إذاً، اللاهوت تحت الشروط المناسبة ينتمي إلى العلوم التطبيقية. التصنيف الأكاديمي للاهوت بين العلوم النظرية أو الفنون بدأ في الغرب في القرن الثاني عشر بسبب تحول اللاهوت إلى الماورائيات metaphysics. وعليه، الشرقيون الذين يدينون لاهوتنا يثبتون غربنتهم Westernization، لأنهم بالواقع يدينون ويرفضون كاريكاتوراً مشوهاً لما يعتقدونه لاهوتاً. ولكن ما هي القدرة النوسية؟ في الكتاب المقدس، يوجد تمييزاً بين روح الإنسان (نوسه) وعقله (الوغوس أو الفكر). روح الإنسان عند الآباء تُدعى نوساً لتمييزها عن الروح القدس. الروح، النوس، هي عين النفس (أنظر متى 22:6).

القدرة النوسية تدعى وظيفة النوس فس القلب وهي وظيفة القلب الروحية. الوظيفة الموازية لها هي القلب كعضو يضخ الدم في الأجساد. هذه القدرة النوسية هي جهاز mnemonic موجود مع خلايا العقل. هذه الإثنتان معروفتان وممكن للعلم البشري إيجادهما بينما لا يمكنه أن يستوعب النوس. عندما يبلغ الإنسان إلى الاستنارة بالروح القدس ويصبح هيكلاً لله، بتبدل حب الذات إلى حب غير مشروط ويصبح بالتالي ممكناً إقامة علاقات اجتماعية بشرية قائمة على مبادلة reciprocity غير مشروطة (إرادة بالتضحية من أجل أخينا الإنسان) أكثر منه مطالبة محبة للذات بحقوق شخصية بحسب روح المجتمع الأوروبي الغربي.

هكذا بعض النتائج المهمة تصبح واضحة. أولاً، أن المسيحية بأصالتها تتعالى على الدين ومفهوم الكنيسة كمجرد مؤسسة من القوانين والوظائف. بالإضافة، الأرثوذكسية لا يمكن أن تُفهَم كتبنٍ لبعض المبادئ أو الحقائق المفروضة علينا من فوق. هذه هي النسخة غير الأرثوذكسية عن العقائد (مبادئ مطلقة، حقائق مفروضة). في الأرثوذكسية، تُفحَص الأفكار والمعاني من خلال البرهان بالخبرة. نمط التفكير الجدلي-العقلي في اللاهوت، كما إصدار العقائد، غريبان عن التقليد الأرثوذكسي الأصيل.

في التقليد الأرثوذكسي، العالِم والأستاذ في معرفة غير المخلوق هو الشيخ (Geron/Starets/Elder/Spiritual Father)، إنه المرشِد أو “معلم الصحراء”. تسجيل نوعي المعرفة المذكورين يفترض معرفة الظاهرة اختبارياً.

الشيء نفسه صحيح في حقل العلم حيث يفهم الاختصاصي بحث غيره من علماء الحقل نفسه. تبني النتائج أو الاكتشافات في حقل علمي ما من قبَل غير المختصين (أي غير القادرين على فحص بحث الاختصاصيين اختبارياً)، مبني على الثقة بمصداقية الاختصاصي وإلا فلن يكون هناك تقدم علمي.

في علم الإيمان ينطبق الشيء نفسه. المعرفة الاختبارية عند القديسين، الأنبياء، الآباء والأمهات في كل العصور adopted  ومؤسسة على الحقيقة نفسها. التقليد الآبائي ومجامع الكنيسة يقومون على هذه الخبرة الثابتة. ليس هناك مجمع مسكوني بغياب الممجدين/المتقدسين (theoumenoi) الذين يعونون الإلهيات (هذه مشكلة المجامع اليوم!). العقيدة الأرثوذكسية تنتج عن هذه العلاقة.

إذاً، الإيمان الأرثوذكسي هو عقائدي على نفس القدر الذي هو علم. الذين يتحدثون عن زغل في حقل الإيمان، يجب ألا ينسوا كلمات مرقس بلوخ أن كل بحث علمي مزغول منذ البداية وإلا لم يكن أي بحث ممكناً. المثل صحيح في الإيمان. الأرثوذكسية تميّز بين نوعين من المعرفة والحكمة وطرقهما ووسائلهما وبالتالي تتلافى أي خلط أو تضارب بين الإثنين. يبقى الطريق مفتوحاً للخلط والتضارب فقط حيث تُفتَقَد شروط المسيحية وجوهرها. على أي حال، يوجد في المناخ الأرثوذكسي بعض التشابهات غير المنطقية، كإمكانية وجود شخص متفوق في العلم بينما في المعرفة الإلهية هو طفل روحياً، وعلى العكس ممكن وجود شخص ما عظيم في المعرفة الروحية وجاهل كلياً في الحكمة البشرية، كمثل القديس أنطونيوس الكبير المذكور سابقاً. مع هذا، ليس هناك ما يمنع إمكانية امتلاك نوعي المعرفة/الحكمة كما الحالة عند الآباء والأمهات الكبار في الكنيسة. هذا هو بالضبط ما تنشده الكنيسة للقديسة كاترينا التي كانت عالمة في الرياضيات في القرن الثالث، فهي الحكيمة التي اكتلكت نوعين من المعرفة. فالشهيدة التي اكتسبت حكمة الله منذ الطفولية، تعلمت الحكمة الدنيوية أيضاً…

د. جدلية الإله-الإنسان

إذاً، المؤمن الأرثوذكسي يختبر في العلاقة المعرفتين/الحكمتين جدلية إليهية بشرية. وكي نستعمل التعابير الخريستولوجية، كل معرفة يجب أن تنحصر وتتحرك ضمن حدودها. هكذا  يُعَبَّر عن مشكلة حدود كل معرفة: تخطي هذه الحدود يؤدي إلى خلط وظائفها وبالنهاية إلى تصادمها. بحسب ما سبق، دافع الآباء القديسون عن الاستعمال الصحيح للعلم والتربية. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي: “يجب ألا نقلل من قيمة التربية”. الأب نفسه في عظنه التعليمية الثانية يضع أيضاً حدود كل من الحكمتين. يقول القديس غرسغوريوس أن الحكيم القديم (أفلاطون) قال: “من الصعب معرفة الله ومن المستحيل التعبير عنه بالكلمات”. على أي حال، يوناني آخر ولكنه مسيحي، القديس غريغوريوس يفهم أنه من المستحيل التعبير عن الله، أي وصفه، بالكلمات، إلى هذا، من المستحيل جداً فهمه! هذا يعني أن أفلاطون أشار إلى حدود المنطق البشري ومن الضروري أن نضيف أنه لا يوجد أي rationalism في الفلسفة الإغريقية القديمة. يبرهن القديس غريغوريوس استحالة تخطي هذه الحدود واستيعاب غير المخلوق عن طريق معرفة المخلوق.

القديس باسيليوس الكبير أشار إلى التمييز والتراتبية الموازية لنوعي المعرفة في قوله أن الإيمان يجب أن يتقدم على الكلمات المتعلقة بالله والبراهين التي يصنعها العقل. الإيمان ينشأ من عمل وقوة الروح القدس. الإيمان عند القديس باسيليوس هو إنارة الروح القدس في القلب (P.G. 30,104B-105B). وهو يعطس أيضاً مثالاً كلاسيكياً حول استعمال الأرثوذكس للمعرفة العلمية في كتابه عن الخلق Hexameron (P.G. 29, 3-208). إنه repudiates نظريات الفلاسفة الكونية والوقائع العلمية ومن خلالها يتخطى العلم. إلى هذا، برفضه التعاليم المادية والهرطوقية يصل إلى التفسير اللاهوتي، وليس الماورائي، لطبيعة الخليقة. الرسالة المركزية في هذا العمل هي أن الدعم المنطقي للعقيدة مستحيل استناداً إلى العلم. الفعقيدة تنتمي إلى جو sphere آخر. إنها فوق المنطق والعلم ولكنها ضمن حدود معرفة أخرى. استعمال العقائد مع المعرفة الدنيوية يقود إلى تحويل العلم إلى الماورائيات. بينما استعمال العقل في مجال الإيمان يثبت ضعفه ونسبيته. إذاً ليس هناك قناعة لا يتم البحث عنها في المعرفة الأرثوذكسية، ولكن كل حقل يُبحَث فيه بمواصفاته الخاصة: العلم بافتراضاته والمعرفة الإلهية بافتراضاتها.

أتعس تعبير عن تغرُّب الجسم المسيحي هو المقاربة الكنسية لغاليلو في الغرب حيث تحطت الحالة حدود القوانين. ولكن الأمر هو أكثر جدية حيث أنه خلط حدود المعرفة وتضاربها. إن فقدان الحكمة التي من فوق في الغرب وطريقة تحقيق هذا أدّى إلى استعمال العقل كوسيلة ليس فقط للحكمة البشرية بل أيضاً للإلهية. استعمال العقل في حقل العلم يؤدي، بشكل لا يمكن تلافيه، إلى رفض ما فوق الطبيعة وفوق الفهم، واستعماله في حقل الإيمان يؤدي إلى رفض العلم حين يتضارب مع الإيمان. طريقة التفكير نفسها وانعدام الأسس أيضاً ظهرت في رفض نظام كوبرنيكوس في الشرق. العلم بدوره انتقم من إدانة الكنيسة الرومانية لغاليلو في شخص داروين مع نظريته في التطور.

ه. الزرع الاصطناعي للمسألة الغربية في الشرق الأرثوذكسي

يتألف التنوير الأوروبي من صراع بين الاختبارية الفيزيائية وماورائيات أرسطو. التنويريون هو فلاسفة وهم مفكرون أيضاً. التنويريون اليونان مع أدمانتيوس كورياس كمتقدم عليهم، كانوا ماورائيين في لاهوتهم وهم مَن نقل الصراع بين الاختباريين والمورائيين إلى اليونان. في أي حال، رهبان الجبل المقدس الأرثوذكسيون، الكوليفاد وغيرهم من الآباء الهدوئيين، بقوا اختباريين في طريقتهم اللاهوتية. إدخال الماورائيات في لاهوتنا الشعبي والأكاديمي سببه، بشكل رئيسي كورياس. ولهذا السبب أصبح مرجعية لدى لاهوتيينا الأكاديميين كما لدى الحركات الأخلاقية الشعبية. هذا يعني أن تطهير القلب لم يعد يُعتَبَر شرطاً مسبَقاً للاهوت وأخذت التربية السكولاستيكية موضعه. الشيء نفسه جرى في روسيا على أيام بطرس الأكبر (القرنان 17-18). إذاً الآباء اعتُبِروا فلاسفة (أفلاطونيون جدد بشكل رئيسي كأوغسطين مثلاً)، وناشطين اجتماعيين. هذا أصبح المثال الأول للتقويين في اليونان بالإضافة إلى هذا، رُفضَت الهدوئية على أنها ظلامية. أفكار كورياس التقدمية تنشأ من أنه كان داعماً للكالفينية وليس لاستعمال الرومان الكاثوليك للماورائيات، وأعماله اللاهوتية محملة بهذه التقوية (الأخلاقية) الكالفينية.

في أي حال، بالنسبة للآباء، الأرثوذكسية هي ضد الماورائيات كونها تبحث باستمرار عن الواقع الاختباري بالطريقة الهدوئية. لهذا السبب هدوئية الكوليفذ هي اختبارية وعلمية. النسبة بحسب القديس نيقوديموس الأرثوسي هي اختبارية. هذا يظهر في طريقة قبول هدوئيي القرن الثامن عشر للتقدم العلمي في الغرب فهم اعترفوا بالنظريات العلمية كما فعل، على سبيل المثال، القديس نيقوديموس في عمله Symbouletikon حيث يقبل بآخر نظريات زمانه حول عمل القلب. القديس أثناسيوس باريوس لا يحارب العلم نفسه بل استعماله من قِبَل التنويريين المتغربنين في الأمة اليونانية. فهم رأوا العلم كعمل الله وكتقدمة لتحسين الحياة. لكن لاهوتيي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر التقليديين قاوموا استعمال العلم في صراع ماورائي ضد الإيمان، كما كانت الممارسة في الغرب. تكمن الأخطاء من جانب التنويريين اليونان الذين ، بدون أي علاقة مع الآراء الآبائية حول المعرفة، مع أن بعضهم كان من الكهنة والرهبان، نقلوا الصراع الأوروبي بين الماورائيين والاختباريين إلى اليونان، متكلمين عن الدين غير العقلاني. في حبن أن آباء الأرثوذكسية في تمييزهم بين نوعي المعرفة يميزون في الوقت نفسه بين العقلي والفائق العقل.

مشكلة الصراع بين العلم والإيمان، بمعزل عن تضارب المعرفة، أدّى إلى تأليه نوعي المعرفة. وهكذا نشأ دفاع ضعيف ومَرَضي في المسيحية (مثلاً أحد أساتذة الدفاعيات كتب برهاناً حسابياً عن وجود الله!). في الأرثوذكسية في كل حال هذه الازدواجية ليس قائمة بذاتها. لا شيء يستثني تعايش الإيمان والعلم عندما لا يكون الإيمان ماورائيات خيالية ولا يشوه العلم وجهه الإيجابي  باستعمال الماورائيات. التفاهم المتبادل بين العلم والإيمان يتقوى باللغة العلمية المعاصرة.

مبدأ  اللاحتمية (انعدام السببية) هو نوع من apophatism في العلم. عليه، العودة إلى الآباء تساعد في تخطي الصراع. قبول محدودية نوعي المعرفة (غير المخلوقة والمخلوقة) واستعمال العضو المناسب أو الطريقة الملائمة لكل منهما، هو العنصر الأرثوذكسي والآبائي الذي يضع الحكمة الأرضية تحت المعرفة الإلهية.

على العكس، إن تضارب نوعي المعرفة في الفكر الغربي يعزز سوء التفسير المتبادل بينهما ويتابع ويقوي صراعهما. إن كنيسة متمسكة باللاهوت الماورائي سوف تبقى دائماً مضطرة لطلب السماح من غاليلو. كما أن علماً يهمل حدوده سوف يتقهقر إلى الماورائيات وسوف يعالج وجود الله، ما ليس من مسؤوليته، أو سوف ينكر الله كلياً.

حوار بين أرثوذكسي وبين مفتّش صادق عن الإيمان الأرثوذكسي

حوار بين أرثوذكسي وبين مفتّش صادق عن الإيمان الأرثوذكسي

فلاديمير موسّ

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

المفتّش عن الحقيقة: ما هي الأرثوذكسية؟

الأرثوذكسي: تعني كلمةُ “الأرثوذكسية” التمجيدَ الحقّ (أو المستقيم)، أي تقديم التمجيد الحق لله. فهناك تمجيد خاطيء (أو باطل؟) لله، وهو تمجيدٌ لا يُسِرُّه. “وللشرير قال اللهُ: ما لكَ تُحَدِّثُ بفرائضي وتَحمِلُ عهديَ على فمك؟” (مزمور 49: 16). وهكذا، فالأرثوذكسيةَ هي التمجيدُ الحقُّ لله من خلال الإيمان الحق والعبادة الحقَّة. الأرثوذكسية، في الواقع، مُساويةٌ ﻠِ”الإيمان الحق” أو “الإيمان المستقيم”.

المفتّش عن الحقيقة: ما أهمية الإيمان المستقيم؟

الأرثوذكسي: لا نستطيع تمجيدَ ما لا نعرفُه، فالإيمان المستقيم هو المعرفة الحقيقية لله. من ليس لديهم الإيمانُ المستقيم لا يستطيعُون تمجيدَ الله حقاً. لهم يقولُ المؤمنون الحقيقيون، لا باستعلاء بل بصوت المتواضع الذي يعرف قيمة الكنز الذي وجده: “أنتم تسجدون لما لا تعلمون، أما نحن فنسجدُ لما نعلم” (يوحنا 4: 22).

المفتّش عن الحقيقة: ما هي الكنيسةُ الأرثوذكسية؟

الأرثوذكسي: إنها الكنيسة التي لديها الإيمان القويم – “الإيمان المُسَلَّم مرةً للقديسين” (يهوذا3)، “العبادة بالروح والحق” (يوحنا 4: 23) – هذا يعني عبادة (أو تمجيد) الله الآب بالابن، الذي هو الحق، في الروح القدس الذي هو روحُ الحق. إنها جسدُ المسيح ومسكن الروح القدس وفُلكُ الخلاص والكرمةُ الحقيقية. إنها، بتعريفٍ آخَر، الكنيسةُ الواحدةُ الجامعةُ المقدسةُ الرسولية، فهي واحدةٌ من خلال وحدتها في الإيمان والعبادة، ومُقدَّسةٌ من خلال الأسرارِ وجماهير الرجال والنساء القديسين الذين أنتَجَتْهم، وجامعةٌ من خلال كمالها (أو ملئها) بأعضائها الذين يؤلّفونها، وهي رسوليةٌ من خلال مَنشَأها وتسلسلها الرسولي وأمانتها لتعاليمهم. يُعَرِّفُ القديسُ جرمانوس القسطنطيني الكنيسةَ بأنها “بيت مقدَّس حيث يُحتفل فيه بالذبيحة السريّة الحيَّة… أما حجارتُه فهي العقائد المقدسة التي علَّمها السيّدُ لتلاميذه”.

المفتّش عن الحقيقة: يا لَلتعصُّب! وماذا عن الكنائس الأخرى – كالكاثوليكية والبروتستانتية؟

الأرثوذكسي: أنها أغصانٌ انفَصلَت عن الكرمةِ الحقيقية على مَرِّ العصور. كانت الكنيسةُ الغربيةُ أرثوذكسيةً في الألف الأولى للتاريخ المسيحي. لكن، في سنة 1054، وبعدَ انحرافٍ طال أَمَدُه، انفصلت كنيسةُ روما عن الشرق الأرثوذكسي وأدخلَتْ سلسلةً كاملةً من التعاليم الهرطوقية: عصمة البابا وسلطته المطلقة والشاملة؛ انبثاق الروح القدس من الآب والابن (الفيليوكفه)؛ صكوك الغفران؛ المَطهَر؛ النِّعمة المخلوقة، الخ… أما البروتستانت فقد انفصلوا عن روما في القرن السادس عشر، لكنهم لم يعودوا إلى الأرثوذكسية أي إلى الكنيسة الحقة. وبدلاً من ذلك، أَدخلوا هرطقاتٍ إضافيةً رافضين، بذلك، التسليمَ والأسرارَ والصلاة من أجل الأموات وإكرامَ القديسين ألخ…

المفتّش عن الحقيقة: ولكن، ألا يوجدُ أناسٌ صالحون في الكنائس الأخرى؟

الأرثوذكسي: “وإذا واحدٌ تقدَّم وقال له أيها المعلّم الصّالح أيَّ صلاح أعملُ لتكون لي الحياةُ الأبدية. فقال له لماذا تدعوني صالحاً، ليس أحدٌ صالحاً إلا واحدٌ وهو الله. ولكن إن أردتَ أن تدخلَ الحياة فاحفظ الوصايا” (متى19: 16- 17).

الإنسان، في وضعه الحالي الساقط، ليس صالحاً و لا يُمكنه أن يكون. “ليس أحدٌ يعملُ الصلاح، ليس ولا واحد” (مزمور13: 4). حتى التلاميذ، نَعَتَهُم الربُّ بالأشرار (لوقا11: 13). يستطيع الإنسانُ أن يكون صالحاً عَبْرَ اتِّحاده مع الصالح الوحيد أي الله. وهذه الوحدة ممكنةٌ، فقط، عن طريق حفْظِ الوصايا، أُولاها وصيةُ التوبة والمعمودية. ما لم يتُب الإنسانُ ويعتمدْ معمودية الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرَّسولية، وبالتالي يتلقّى صلاحَ الله في داخله، لا يُمكنُ القول بأنه صالح بالمعنى الحقيقي. ذلك أن صلاح الإنسان الساقط، الذي لم يحصلْ على نعمة المعمودية، غيرُ مقبول في عيني الله، بل صلاحُه هو “أسمالٌ بالية” (أو كخرقة الطامث)، بحسب ما جاء على لسان النبي اشعياء.

المفتّش عن الحقيقة: هذا يَعني بأن الأرثوذكسيين صالحون، أما الآخرون فأشرار؟ أستطيعُ القولَ بأنه دِينٌ فيه الكثيرُ من تبرير الذّات، تماماً مثلَ إيمان الفريسيين الذي أدانَه الرب.

الأرثوذكسي: لسنا نقول بأن كلَّ الأرثوذكسيين صالحون، لأن هناك حقيقةً مُرَّة أن الكثيرين جدّاً منهم لا يستفيدون من الصلاح، أي النعمة الممنوحةِ لهم بالمعمودية المقدَّسة، للقيام بأعمال صالحة بالفعل. لذا، فدينونتُهم ستكونُ أعظمَ من دينونة مَن لم يتلقَّوا المعمودية. “فقد كان خيراً ألا يعرفوا طريقَ البِرِّ من أن يعرفوه ثم يُعرِضوا عن الوصيَّةِ المقدَّسة التي سُلِّمَت إليهم” (2بطرس2: 21). “فإنه إذا خطِئنا عَمْداً، بعدما حصلْنا على معرفة الحق، فلا تبقى هناك ذبيحةٌ كَفّارةٌ للخطايا، بل انتظارٌ رهيبٌ للدينونة ونارٌ مستعرةٌ تلتهِمُ العُصاة. مَن خالف شريعةَ موسى قُتِلَ من غير رحمةٍ بناءً على قول شاهِدين أو ثلاثة. فأيَّ عقابٍ أشدَّ من ذلك العقابِ يستحقُّ، كما ترَون، مَن داسَ ابنَ الله وعَدَّ دمَ العهدِ الذي قُدِّسَ به نَجِساً واستهانَ بروح النِّعمة؟ فنحن نعرفُ ذاك الذي قالَ: لي الانتقامُ وأنا الذي يُجازي. وقال أيضاً: إن الربَّ سيَدينُ شعبَه. ما أرهبَ الوقوعَ في يدِ الله الحي!” (عبرانيين10: 26- 31).

المفتّش عن الحقيقة: يا لَلصورة القاتمة التي رسمتَها! غير المعمَّدين لا يستطيعون فعل الصلاح، والذين يُخطِئون بعد المعمودية يكون مصيرُهم دينونةً أعظم!

الأرثوذكسي: ليس الأمر كما وصفتَه. فرغم أنه لا يمكننا أن نتعمّد ثانيةً لمغفرة الخطايا، إلا أننا نستطيع الحصول على هذا الغفران بطرق أخرى كالصلوات والدموع والصوم والصَّدَقات، وفوق كلِّ شيء عن طريق سِرَّيّ الاعتراف والمناولة المقدسة. لا يزدري الله من يتوبون من كل قلبهم. يقول النبي داود: “القلبُ المتخشّعُ والمتواضعُ لا يَرذلُه الله” (مزمور50: 17).

المفتّش عن الحقيقة: ولكن، أليست التوبةُ مُتاحةً لكل الناس؟ ألم يتُبْ داود في المزمور التي اقتَبَسْتَه فنال الغفران من الله؟

الأرثوذكسي: هذا صحيح، لكن الخلاص لا يعني، فقط، غفران الخطايا، بل أيضاً السعيَ نحو القداسة، تلك القداسة التي “بغيرها لا يرى الرَّبَّ أحدٌ” (عبرانيين 12: 14)، هذه القداسةُ تُمنَحُ، فقط، في أسرار الكنيسة، ولكنها قابلةٌ لأن نفقدها ما لم نسلكْ في جهاد نُسكي ضدَّ الخطيئة. إضافةً إلى ذلك، فإن الخطيئةَ الأصلية (أو الجدية نسبةً إلى الجدَّين آدم وحواء) تُمحى، فقط، في جرن المعمودية.

المفتّش عن الحقيقة: إذاً، حتى داود لم ينل الخلاص؟

الأرثوذكسي: أجل، حتى داود لم ينل الخلاص قبل مجيء المسيح. وحتى البطريرك (أو أبونا) يعقوب توقّعَ ذهابَه إلى الجحيم، بعد موته، بصحبة ابنِه البار يوسف: “إني أنزل إلى ابني إلى الهاوية” (تكوين37: 35). “فهؤلاء كلُّهم [أي أبرار العهد القديم] مشهوداً لهم بالإيمان لم ينالوا الموعد، إذ سبقَ اللهُ فنظر لنا [أي مسيحيو العهد الجديد] شيئاً أفضلَ لكي لا يُكمَلوا بدوننا [أي بدون كنيسة العهد الجديد]” (عبرانيين11: 39- 40).

المفتّش عن الحقيقة: ما هي الخطيئةُ الأصلية (أو الجَدّيّة)؟

الأرثوذكسي: إنها عَدوى انتقلت بالوراثة من آدم الذي اقترف الخطيئة الأصلية (أو الجدّية)، ثم عَبْرَ والدَينا إلينا.

المفتّش عن الحقيقة: وكيف يمكن أن نكونَ نحن مسئولين عن خطيئةِ آدم؟

الأرثوذكسي: لسنا مسئولين عنها، لكننا تلوَّثْنا بها.

المفتّش عن الحقيقة: وحتى الأولاد؟

الأرثوذكسي: أجل، حتى الأولاد. “زاغَ الأشرارُ منَ الرَّحِم. ضَلّوا من البطن، متكلّمين كذبا” (مزور57: 3). أما أيوبُ فيقول: “مَن يُخرِجُ الطّاهرَ منَ النَّجس؟ لا أحد. حتى ولو كانت أيامُه يوماً واحداً على الأرض” (أيوب14: 4) [يقول النّصُّ الماسوريتي: “مَن بإمكانه أن يُخرِجَ شيئاً طاهراً من شيءٍ نجس؟ لا أحد”]. أيضاً، يقولُ القديسُ غريغوريوسُ النّيصصي: “اختلطَ الشَّرُّ بطبيعتِنا منذ البداية… من خلال أولئك الذين أَدخَلوا المرضَ عبر عصيانِهم. بالضبط، كما أنه، في التكاثرِ الطبيعي للأنواع، كلُّ حيوان يُوَلّدُ شبيهَه، فكذلك يولدُ الإنسانُ من الإنسان، كائنٌ قابلٌ للأهواء من كائنٍ قابلٍ للأهواء، خاطيءٌ من خاطيء. هكذا تَنشاُ الخطيئةُ فينا عند ولادتِنا؛ إنها تنمو معنا وترافقنا حتى نهاية حياتنا” . لهذا السَّبب تقيمُ الكنيسةُ، منذ البداية، معموديةَ الأطفال “من أجل إبطال الخطايا”.

المفتّش عن الحقيقة: لا يزالُ الأمرُ يبدو لي غيرَ عادلٍ، بصرف النظر عن الأطفال الصغار، أن يُعانيَ شخصٌ بسبب خطايا آخَر.

الأرثوذكسي: ليست عدالةُ الله كعدالتِنا. وتَذكَّرْ أنه، إذا لم يكن من العدل أن نعانيَ من خطيئةِ آدم، فكذلك الأمر أن يكون لنا الفداء بسبب فضيلة المسيح. هاتان “اللاعدالتان” متقابلتان، فالواحدة تُلغي الأخرى: “فكما أنه بمعصيةِ إنسانٍ واحد جُعِلَت جماعةُ الناسِ خاطئةً، فكذلك بطاعةِ واحدٍ تُجعَلُ جماعةُ الناس بارّة” (رومية5: 19).

المفتّش عن الحقيقة: إذاً، من المستحيل أن يكون الإنسانُ صالحاً خارجَ الكنيسة، لأن الخطيئةَ وجذورَها ممكنٌ استِئصالُها، فقط، في الكنيسة.

الأرثوذكسي: أكثر من ذلك، لا يتمُّ تمييز الخطيئة إلا في الكنيسة. فالكنيسةُ، وحدَها، لديها المعرفةُ التّامّةُ بمشيئةِ الله. فإذا لم نعرفْ ما هي مشيئةُ الله، لا نستطيعُ أن نتوب، كما ينبغي، عندما ننتهكُ مشيئتَه. الكنيسةُ هي المستشفى الوحيدُ الذي فيه نتلقَّى التّشخيصَ المناسبَ للمرضِ والشفاءَ منه.

المفتّش عن الحقيقة: حسناً. ولكن، ما تفسير وجود العجائبُ خارجَ الكنيسة، وحتى في الأديان غير المسيحية؟

الأرثوذكسي: إذا كانت العجائبُ، حقاً، من الله لا من الشيطان، فهي برهانٌ على رحمة الله، وليس بالضرورة على صلاح الشخص الصَّانعِ العجائب.

المفتّش عن الحقيقة: إذاً، لو صنعَ كاثوليكيٌ أو أنغليكاني أو هندوسيٌ عجيبةً، فهذا أمرٌ لا أهميّةَ له، بينما إذا صنعها أرثوذكسيٌ فالأمر في غايةِ الأهمّيّة!

الأرثوذكسي: لم أقل ذلك. ما قلتُه هو أنَّ صُنعَ العجيبة، إذا كان من الله، فهو يعني، قبل كل شيء، بأن اللهَ رحيم. أما إذا كانت العجيبةُ تُثبِتُ صلاحَ صانع العجيبة (أو مَن حدثت العجيبةُ معه) فهو أمر آخَرُ بالكلّيّة يقتضي البحثَ والتَّمحيص.

أنا لا أُنكِرُ إمكانيةَ حدوث العجائب الحقيقية خارجَ الكنيسة. في النهاية، فإن اللهَ “يُطلعُ شمسَه على الأشرارِ والأخيار، ويُنزلُ المطرَ على الأبرار والفُجَّار” (متى5: 45). فعندما منع القديسُ يوحنا رجلاً يُخرِجُ الشياطين باسم يسوع “لأنه لا يَتبعُنا”، لم يوافقه يسوعُ على ذلك. قال له “لا تمنعوه، فما مِن أحدٍ يُجري مُعجزةً باسمي يستطيعُ بعدها أن يُسيءَ القولَ فيَّ. ومَن لم يكن علينا كان معَنا” (مرقص9: 39- 40).

في المقابل، قال السيد: “فسوف يقولُ لي كثيرٌ منَ الناس في ذلك اليوم: يا رب، يا رب، أَمَا باسمكَ تَنَبَّأنا؟ وباسمكَ طردْنا الشياطين؟ وباسمك أتينا بالمُعجزات الكثيرة؟ فأقولُ لهم علانيةً: ما عرفتُكم قَطّ. إليكم عنّي أيها الأثَمة” (متى7: 22- 23). لذا، من الممكن أن نقوم بمعجزة باسم المسيح، وفي الوقت نفسه نكونُ أشرارًا. والله يُمكنُه أن يُجريَ العجيبةَ عن طريق إنسان شرير، وذلك ليس من أجل إثبات صلاح الإنسان – الذي لا وجودَ له أصلاً – ولكن، إلى حد بعيد، بسبب تحنُّنِه على الذي من أجله حدثت العجيبةُ. رغم من أن يهوذا صنع عجائبَ، إلا أنَّ يوحنا المعمدان، أعظمَ المولودين من النساء، لم يصنع عجائب…

لا يجبُ أنْ ننسَى أنَّ العجائب والنّبوءات، التي تبدو مسيحية، من الممكن أن تَتمَّ بواسطة أناس أشرار. هكذا، فقد نطقت فتاةٌ بالصدق عن الرسول بولس، مُحَرِّضةً الناس لاتِّباعه – إلا أنها تكلمت من خلال روح الحيّة مما حدا ببولس إلى طرده منها (أعمال 16: 16- 18). أني أؤمنُ بان السَّوادَ الأعظمَ من العجائب التي جرت في الأديان الوثنية، كالهندوسية، كان الشيطانُ مَصدرها؛ “لأن جميعَ آلهةِ الأمم شياطينٌ” (مزمور95: 5).

المفتّش عن الحقيقة: إذا كان حتى صانعي العجائب من أتباع الشيطان، فمَن يَخلُصُ، إذاً؟

الأرثوذكسي: يجب التمييز، دائماً، بين امتلاك المواهب الروحية والخلاص. قال السّيِّد: “لا تفرحوا بأنَّ الأرواحَ تخضعُ لكم، بل افرحوا بأنَّ أسماءَكم مكتوبةٌ في السموات” (لوقا10: 20). “لو كانت لي موهبة النّبوءة وكنتُ عالماً بجميع الأسرارِ وبالمعرفةِ كلِّها، ولو كان لي الإيمانُ الكاملُ فأنقل الجبالَ، ولم تكن لي المحبّةُ، فما أنا بشيء” (1كورنثوس13: 2).

المفتّش عن الحقيقة: هذا ما أوافقك عليه! المحبةُ هي سِمةُ المسيحيّةِ الأساسية. وعليَّ القولُ بأن ما وجدتُه مفقوداً، بشكلٍ واضحٍ، في عرضكَ هو المحبة. مِنَ الاستعلاءِ pride (أو كبرياء) التفكيرُ بأنكم أنتم الأرثوذكس، وحدكم، تنتمون إلى الكنيسة الحقيقية! ومِن غيرِ المحبّةِ التّفكيرُ بأن الجميعَ، ما عداكم، سوف يلاقي الدينونة!

الأرثوذكسي: لكنني لم أقل ذلك.

المفتّش عن الحقيقة: بلى، قُلْتَه!

الأرثوذكسي: لقد قلتُ بأن كنيسةَ المسيح، وأعني بها، حصريّاً، الكنيسةَ الأرثوذكسية، هي فُلْكُ الخلاص الوحيد. لكنني لم أَقُلْ بأن كل مَن هم على مَتْنِ هذا الفُلْك سينالون الخلاص، إذ ربّما سيَطرحون أنفسَهم خارجَهُ بسبب أعمالِهم الشّريرة. وكذلك لم أقُلْ بأن السّابحين نحو الفُلْك، لكنهم مُنِعوا من الدخول قبل موتهم، لن يَخلُصوا. من يَعلمُ ما إذا كان اللهُ الكلّيُّ القدرة، الذي يَعلَمُ بواطنَ القلوب، سيَمُدُّ يدَه لأولئك الذين، بسبب الجهل أو الظروف السيّئة، لم يكونوا قادرين على دخول الفُلْك قبلَ أن يَنقَضَّ عليهم الموتُ، إلا أنهم كانوا يناضلون من كل قلبهم وذهنهم للوصول إلى الحقيقة؟ “المحبةُ تَرجو كلَّ شيء” (1كورنثوس13: 7).

المفتّش عن الحقيقة: [بسخرية] يا لَمحبَّتِكَ! ما هذا، بالنسبة لك، سوى رجاءٍ تُقَويّ أكثر من كونه مادة للإيمان، أليس كذلك؟

الأرثوذكسي: بالطبع. من وجهةِ النظر العقائدية، علينا أن نُشَدّد على ذلك، كما يقول القديس كبريانوس القرطاجي: “ليس مِن خلاص خارجَ الكنيسة”. فالربُّ نفسُه يُشَدّدُ كثيراً على ذلك بقوله: “الحقَّ الحقَّ أقولُ لك ما مِن أحدٍ يُمكنه أن يدخل ملكوتَ الله إلا إذا وُلِدَ من الماء والروح” (يوحنا3: 5). وأيضاً يقول: “الحقَّ الحقَّ أقول لكم إن كنتم لا تأكلون جسدَ ابنِ الإنسان ولا تشربون دمَه، فلن تكونَ فيكم الحياة” (يوحنا6:53). ويقول الرسولُ بطرس: “إذا كان الأبرارُ يَخلُصون بعدَ جَهدٍ، فما هو مصيرُ الكافرِ الخاطيء؟” (1بطرس4: 18).

أكثر من ذلك، إذا ما جعلَنا، بوقاحةٍ، اعتدادُنا بنفسنا أن نكون أكثرَ “رحمةً” من الله الرحيم نفسِه، وذلك بأن نأخذَ على عاتقِنا مهمّة تبرير الذين هم من أديان زائفة (أو ضالّة) أو هرطقات، فنحن لا نُخطيء، فقط، تجاه العقيدة بل، أيضاً، تجاه المحبة. إذ إننا، حينها، نجعلُ مِن أنفسَنا مُذنبين بسبب تضليلنا إياهم وتوجيههم، أكثر، نحو الإثم، وذلك عندما نقدم لهم أملاً زائفاً أن بإمكانهم الاستمرار في ضلالهم دون خطر على أرواحهم غير المائتة. إننا ننتزعُ منهم خوفَ الله والحافزَ للتفتيش عن الحقيقة التي، وحدها، قادرةٌ على منحهم الخلاص.

المفتّش عن الحقيقة: كونَكَ ذكرْتَ، سابقاً، “الجهل والظروف غير اللائمة”، فمن الأكيد أن اللهَ يأخذ هذه الأمورَ بعين الاعتبار.

الأرثوذكسي: طبعاً، إنه يأخذها بعين الاعتبار. لكن ذلك لا يعني “الحلَّ من جميع الخطايا”. تذكَّر مَثَلَ الوكيل المتهاون: “فذاك الخادمُ الذي عَلِمَ مشيئةَ سيِّده وما أعدَّ شيئاً، ولا عمِلَ بمشيئةِ سيّده، يُضرَبُ ضرباً كثيراً. وأما الذي لم يعمَلْها، وعَمِلَ بما يستوجبُ به الضَّرْب، فيُضرَبُ ضَرباً قليلاً” (لوقا12: 47- 48). بكلمات أخرى، الجهلُ بمشيئةِ الله وحقّه ربّما يخفِّفُ من حُكمِه، لكنه لا يُلغيه بشكل نهائي.

المفتش عن الحقيقة: لماذا؟ أليس الإله نفسُه مَن قال: “لو كنتم عمياناً لما كانت لكم خطيئة” (يوحنا9: 41).

الأرثوذكسي: بما أننا لسنا عمياناً بالكلّيّة، فنحن الخرافُ العقليّة المخلوقة على صورة الله الراعي، لدينا، دائماً، بعضُ الإمكانيةُ للوصول إلى “النور الذي ينيرُ كلَّ إنسانٍ آتٍ إلى العالم” (يوحنا1: 9). لذا، يقول القديس بولس بوضوح بأنه “لا عُذرَ” للوثنيين الذين لا يؤمنون بخالق واحد للكون؛ :”إذ معرفةُ الله ظاهرةٌ فيهم، لأن اللهَ أظهرها لهم، لأن أمورَه غيرَ المنظورةِ تُرى منذ خَلْقِ العالم مدرَكةً بالمصنوعات، قدرتَه السرمدية ولاهوته، حتى أنهم بلا عُذرٍ” (رومية1: 19-20). فالله “لم يتركْ نفسَه بلا شاهد” حتى بين الوثنيين، “وهو يفعلُ خيراً: يُعطينا من السماء أمطاراً وأزمنةً مثمرة، ويملأُ قلوبَنا طعماً وسروراً” (أعمال14: 17).

يقول الآباءُ القديسون بأن كل إنسانٍ لديه الخليقةُ حوله والضّميرُ داخلَه لكي يقودَه بعيداً عن الخطأ ويوجّهَه نحو الكنيسة التي هي الشاهد الثالثُ العظيم، “عامود الحق وقاعدتُه” كما يقول عنه القديسُ بولس في (1تيموثاوس3: 15). لا تستطيعُ الخليقةُ ولا الضميرُ، وحدهما، أن يَكشفا كاملَ الحقيقة له؛ إلا أنه، إذا ما اتَّبعَ هذا الكشفَ الجزئي الذي يوفِّره له كلا الخليقة والضمير، فإن اللهَ سيساعده على اكتشافِ ملءِ الحقيقةِ في الكنيسة. ليس هناك مِن موقف في الحياة، مَهما كان بعيداً عن الكنيسة أو مُعارِضاً لها، لا يستطيعُ فيه اللهُ، الذي يشاءُ الكلَّ أن يَخلصوا وإلى معرفة الحق يُقبِلوا، أن يُنقذَ المفتّشَ (أو الباحثَ) الأصيل.

المفتش عن الحقيقة: ولكن، ماذا لو لم يَلْقَ الوثنيُّ أو الهرطوقيُّ الحقيقةَ في الكنيسة، أو أنه تعرَّفَ إلى خطأة كبار أو جهّال وهم يمثّلون الكنيسةَ؟ ألا يُقال عنه، حينها، بأنه أعمى وجاهل، وبالتّالي غير مذنبٍ؟

الأرثوذكسي: الأمرُ برُمَّته يتعلَّقُ بطبيعة الجهلِ ودرجتِه. هناك جَهلٌ طوعي وجَهل غيرُ طوعي. لو لم يكن هناك ما يُسمى بالجهل غير الطوعي، لما قال الربُّ على الصَّليب : “أغفرْ لهم يا أبتاه، لأنهم لا يَدرون ماذا يفعلون” (لوقا23: 43). وقد استُجيبَت صلاتُه، إذ في يوم العنصرة، دعا بطرسُ اليهودَ للتوبة قائلاً: “أنا أَعلَمُ أنكم بجهالةٍ عمِلْتُم” (أعمال3: 17)، فتبعَ ذلك توبةُ الآلاف واعتمادُهم. أيضاً، القديسُ بولس يقول: “ولكنني رُحِمْتُ، لأنني فعلْتُ بجهلٍ في عدم الإيمان” (1تيموثاوس1: 13). لكن، لاحِظْ بأنّ كلَّ هؤلاء قد استجابوا للحقيقة عندما قُدِّمَتْ لهم. هذا يُظهِرُ بأن جَهلَهم كان لا إرادياً، وبالتالي، فهم معذورون. في المقابل، هناك قساوةُ القلب التي ترفض الاستجابةَ للإشارات الإلهية: إنه الجهلُ الإرادي. إن الأشخاص الذين تحجَّروا بهذا الشَّكل لا يعرفون الحق لأنهم لا يريدون معرفتَه. هذا التَّشبَّث برفض الحقيقة يدعوه السيد :”التجديف على الروح القدس” (متى12: 32)، وهو لا يُغتَفَرُ، لا في هذا الدَّهرِ ولا في الدَّهر الآتي.

المفتش عن الحقيقة: لماذا لا يُغتَفَر؟

الأرثوذكسي: ذلك أن الغفرانَ يُمنَحُ للتائب، والتَّوبةُ هي أدراكُ الإنسانِ حقيقةَ ذاتِه. أما إذا رفض الإنسانُ مواجهةَ الحقيقةِ، وقاومها فعلاً في نفسه، فمن المَحال أن يتوب، وبالتالي، لا يمكنُ أن يُغفَرَ له. في مقاومتِه للحقيقة، هو يقاومُ روحَ الحق أي الروحَ القدس الذي يقود إلى ملءِ الحق (يوحنا16: 13). من الممكن أن يكونَ الإنسانُ مخطئاً، بصدق، برفضه المسيح لمدّةٍ من الزمن، وهذا أمرٌ يسامَح عليه كما حصل مع بولس الرسول. أما إذا كان هذا الجهل مختلطاً برفض للبحث عن الحقيقة، هذا البحث الذي وضعه روحُ الحق في قرارة نفس الإنسان، فليس هناك أملٌ يُرتجى. لذا، فالوثنيَّ الذي تحجّرَ في وثنيَّتِه رغم شواهد الخليقةِ والضمير، والهرطوقي الذي تحجَّرَ في هرطقتِه رغم تعاليم الكنيسةِ الجامعة المقدَّسَة الرسولية، فكلاهما يُجَدّفان على الروح القدس- روح الحق، وبالتالي لا يَخْلُصان.

المفتش عن الحقيقة: إذاً، أما مِن خلاصٍ، حقّاً، للهراطقة؟

الأرثوذكسي: حيث الحياة هناك رجاء. وهناك عدّةُ أمثلةٍ عن أشخاصٍ استمرّوا في هرطقتِهم طوال حياتِهم، لكنهم اهتدَوا إلى الحقيقةِ قبل قليل من موتهم. الرجاء مفقود، فقط، لمَن لا يُحبّون الحقيقة. فاللهُ لا يقود مِثلَ هؤلاء إلى حقّه، كونهم لا يستحقّونه. في الواقع، سوف يَتركهم مخدوعين من المسيح الدَّجّال “لأنهم لم يتقبّلوا حبَّ الحقّ فينالوا الخلاص. لذلك يرسلُ اللهُ إليهم ما يَعمَلُ على ضلالهم فيَحمِلُهم على تصديق الكذب، ليُدانَ جميعُ الذين لم يؤمنوا بالحق، بل ارتضَوا بالباطل” (2كورنثوس 2: 10- 12).

المفتش عن الحقيقة: حسناً. لكنني لا زلتُ غيرَ مقتنعٍ بأن الكنيسةَ الحقيقيةَ هي كنيستُك. في الحقيقة، لستُ مسروراً بمفهوم “الكنيسة الواحدة الحقّة” بشكل عام. هذا، بالنسبة لي، سِمَةُ التعصَّبٌ الأعمى وعدم تَقَبُّل الآخَر.

الأرثوذكسي: في الحقيقة، ليس عدمُ تَقَبُّلِ الآخَر فضيلةً مسيحية، بل هو الحب.

المفتش عن الحقيقة: إنكَ تُدهشُني! أليس قبولُ الآخَر هو نوع من المحبة؟ أليست الضَّغينةُ محظورةً على المسيحي؟

الأرثوذكسي: كلا. الربُّ إلهُنا إلهٌ غيور، وهو يتوقَّعُ منا الغَيرةَ من أجل الأمور الصّالحة، وبُغض الأمور الشريرة. “يا مَن يحبون الربَّ أبغضوا الشَّر” (مزمور96: 10). ما يُبغِضُه الله هو الفتور: “إني عليمٌ بأعمالِكَ، فلستَ بارداً ولا حارّاً. وليتَكَ باردٌ أو حارٌّ! أما وأنتَ فاتر، لا حارٌّ ولا بارد، فسأتقيَّأُكَ من فمي… فكُن حَميَّاً (أو غيوراً) وتُبْ” (رؤيا3: 15- 16 و19). كتب القديس غريغوريوس النّيصصي: “إن مُعطيَ شريعة (أو قانون) حياتِنا قد فرض علينا نوعاً واحداً من الكره، أعني به كره الشيطان. فليس هناك هدف آخر من أجلِه أمرَنا باستعمال مَلَكَة الكره، إلا لتكون وسيلة ضد الشَّر (القديس غريغوريوس النيصصي، الرسالة 17 إلى أوستاثيا وأمبروسيا وفاسيليسّا.)”.

المفتش عن الحقيقة: لكن هذا لا يزال يعني أنه يُمنَعُ علينا كره الإنسان. أليس من المفترض بنا أن نَكره الخطيئةَ ونُحبَّ الخاطيء؟ ما تقوله هو نوعُ من التَّعليم الذي يؤدي إلى إعدام الهرطوقي حرقاً!

الأرثوذكسي: كلا. فلا القديس غريغوريوس أو أي قديس آخَر أعرفُه، في الكنيسة الأرثوذكسيةِ، قد دافَعَ عن اضطهاد الناس بسبب معتقداتهم الدينية. المحبةُ المسيحيةُ تشمئزُّ من استعمال العنف كوسيلةٍ لإقناع الناس. لكن هذه المحبة لا تتطرَّف، في المقابل، وتتخلّى عن محاولةِ إقناعهم. ولا هي تتراجع، إذا ما استمرَّ هؤلاء في تعاليمهم الضَّالّة، عن حمايةِ الآخَرين من تأثيرهم! إذا ما كنّا نحبُّ الخاطيءَ ونكره خطيئتَه، فعلينا أن نبذلَ أقصى جهدِنا لنجعلَه يتخلّى عن تلك الخطيئة ونحميَ الآخَرين من أن يتلوَّثوا بها.

المفتش عن الحقيقة: أظنُّ أن هذا نوعٌ من التَّعصُّب الأعمى مصدرُه الاعتقادُ بأنك تنتمي إلى “الكنيسة الواحدة الحقّة”. إنه سببُ الاضطهاد الديني، ومَحاكم التَّفتيش …ألخ.

الأرثوذكسي: ليس سببُ الاضطهادِ الدّيني الادّعاء بامتلاك الحقيقة، وهو ما يدَّعيه كلُّ العقلانيين، بل السّبب هو الأهواء البشرية.

المفتش عن الحقيقة: ماذا عن إيفان الرَّهيب؟ وماذا عن أغلبيّة الأباطرة الأرثوذكسيين؟ ألم يكونوا عُنصُريين تجاه الهراطقة؟

الأرثوذكسي: لقد حُرِمَ إيفان من قِبَل الكنيسة، وكان مُضطهِداً للأرثوذكسية أكثرَ مِن كونه أداةً بيدها لاضطهاد الآخَرين. أما بالنسبة لعُنصُريّة الأباطرة تجاه الهراطقة، فإنّني أوافقك على ذلك. من غير المنطقي وَضْعُ الحق والباطل في المنزلة نفسِها. قال القديس ثيودوسيوس الذي من مغاور كييف، وهو من أعظم القديسين، بأننا عندما نكرّم إيمان الآخرين فإننا بذلك نكون قد أَهَنّا إيمانَنا. هل تُعطي مدارسُنا نظريات بطليموس ونيوتن القيمةَ نفسَها؟ طبعاً لا!

المفتّش عن الحقيقة: لكنَّ الأمرَ يختلفُ! فنحن نتكلم هناك عن حقائقَ علميّة!

الأرثوذكسي: لا أجدُ أيَّ فرق من حيث المبدأ. فقاعدتُنا هي: أُنطُق بالحق دائماً، واطرح الباطلَ دائماً. إذا ما فعل العلماءُ ذلك في مجالهم، حيث لا يقينَ وحيث “الحقائقُ” تُدحَضُ، باستمرار، من قِبَل باحثين لاحقين، فلماذا لا نفعلُ ذلك في مجال الإيمان الذي هو أهم وأسمى بما لا يُقاس، والذي سُلِّمَت إلينا حقائقُه،التي لا جدالَ فيها، منَ الحقِّ (أي المسيح) نفسِه؟ إذ يقول القديسُ بولسُ عن البشارة: “لأني ما تلَقَّيتُها ولا أخذتُها عن إنسان، بل بِوَحيٍ من يسوعَ المسيحِ نفسِه” (غلاطية1: 12).

المفتش عن الحقيقة: وماذا لو أن كلَّ واحد ادَّعى أنه تسلّمَ الوَحيَ من الله؟

الأرثوذكسي: حينها، علينا، بكل صبر، التحقُّقُ في من يقولُ الحقيقةَ ومَن قد خُدِعَ من قِبل “أبو الكذب”. فكما أن العلماء لديهم طُرقُهم لمقارنةِ مختلَفِ النظريات وتحديد أيّ منها الصَّحيحة، فكذلك لدينا نحن الأرثوذكسيين طُرُقٌ لتحديد ما هو حقٌّ وما هو باطل في مجال الدين. وبالضبط، كما أن العلماء لن يَقبَلوا مطلَقاً بإمكانية وجود أكثرَ من تفسيرٍ واحدٍ لإحدى الظواهر التجريبية، كذلك نحن لا نَقبَلُ بوجود أكثر من حقيقةٍ دينية واحدة.

المفتّش عن الحقيقة: ألا يُمكِنُ، في حال وجود طُرُقِ إيمان متعدِّدَة، أن تَكشفَ كلٌّ منها قسماً من الحقيقة؟

الأرثوذكسي: كلا. فالحقيقةُ واحدة، وقد كُشِفَت لنا عن طريق الحق (أي يسوع) نفسِه: “هناك ربٌّ واحدٌ وإيمانٌ واحدٌ ومعموديّةٌ واحدة” (أفسس4: 5).

المفتّش عن الحقيقة: إذاً، لا وجود للحقيقة مطلقاً لدى أيٍّ من الأديان غير المسيحية؟

الأرثوذكسي: لم أقل ذلك. يميلُ الشيطانُ للظّهور كملاك نور (2كورنثوس11: 14)؛ وهو يَمزُجُ “الحقَّ بالباطل” (رومية1: 18). لذا، في فَخِّ من المُثُلِ ﻜَ”المحبة” و”السلام” والحريّة” التي تبدو حسنةً في ظاهرها، والتي، إذا ما تُرجِمتْ بطريقة صحيحة، فهي من الله بكل تأكيد، يشوِّهُ الشيطانُ كلَّ ذلك ملقياً أصحابَه في جهنّم الباطل. هناك دينٌ واحدٌ فيه “الحق، كلُّ الحق و لا شيء سوى الحق”. كلُّ ما عدا ذلك متطفِّلٌ على الحق الواحد، وهو يحوي حقائقَ مُجتزَأةً، حتى أنه يجعلُ هذه الحقائقَ المجتزَأة باطلةً وذلك عَبْرَ جعلِها ذاتَ صلةٍ بالباطل، بالضّبط كما أن قليلاً من السّمّ في الطعام يجعلُه كلَّه سامّاً.

المفتّش عن الحقيقة: إذاً، هناك حقائقُ مجتزأة في الأديان الأخرى، لكن، ليس هناك مِن خلاص؟

الأرثوذكسي: هذا صحيح. لأن القديسَ بطرسَ قال عن المسيح: “لا خلاصَ بأحد غيره، لأنه ما مِن اسمٍ آخر تحت السَّماء أُطلِقَ على أحد الناسِ ننالُ به الخلاص” (أعمال4: 12).

المفتّش عن الحقيقة: ماذا عن المسلمين واليهود؟ ألا يؤمنون بنفس الإله الذي نؤمن نحن به- إله إبراهيم جدّهم (أو سَلَفهم)المشترَك؟

الأرثوذكسي: قال الربُّ لليهود: “لو كنتم أبناءَ إبراهيم لعملتم أعمالَ إبراهيم” (يوحنا8: 39). أما القديس بولس فقال: “فاعلموا إذاً أن أبناءَ إبراهيمَ إنما هم أهلُ الإيمان”(غلاطية3: 7) وهو يقصدُ الإيمان بالمسيح. فإلهُ إبراهيم هو إله ربِّنا يسوع المسيح؛ إبراهيمُ نفسُه سبق فرأى تجسُّدَ المسيح “ابتهج أبوكم إبراهيم راجياً أن يرى يومي ورآه ففرح” (يوحنا8: 56).

المفتّش عن الحقيقة: حسناً. ولكن، ألا يؤمنُ، أيضاً، اليهودُ والمسلمونَ بإله العهدِ القديم، يهوه، الذي هو إله ربِّنا يسوع المسيح؟

الأرثوذكسي: إننا نؤمنُ بأن غالبيَّةَ التّجلِّيات في العهد القديم كانت، في الحقيقةِ، للّه الابن، وليس للّه الآب. وعلى عكس ما يؤمنُ به شهودُ يهوه، فإن يهوه العهدِ القديم هو المسيحُ نفسُه؛ موسى وإيليا ظهرا مع المسيح في حادثةِ التَّجلّي ليَدُلا على أنه هو إلهُ الشريعةِ والأنبياء.

على أي حال، بما أن اللهَ ثالوث فمِنَ المَحال الإيمان، على نحوٍ صحيح، بأحد الأقانيم دون الأقنومين الآخَرَين. لأنّ “كلَّ مَن أنكرَ الابنَ لم يكن الآبُ معه” (1يوحنا2: 23).

المفتّش عن الحقيقة: ولكن، ألا يؤمنُ المسلمون بالمسيح بحسَبِ طريقتهم؟

الأرثوذكسي: إنهم يؤمنون بأنه نبيٌّ سيأتي أيضاً ليَدِينَ العالم. إلا أنهم لا يؤمنون بألوهيّته ولا بصلبه ولا بقيامته، وكلُّها ركائز أساسية لإيمانِنا…

المفتّش عن الحقيقة: ولكنَّ اليهودَ هم الشّعبُ المختار، أليس كذلك؟

الأرثوذكسي: لقد كانوا، فيما مضى، الشعبَ المختار، لكن اللهَ رذلَهم لعدم إيمانهم، وشتَّتَهم في كلِّ الأرض، واختارَ مكانهم الأممَ التي آمنت

المفتّش عن الحقيقة: لكن، أليس دينُ العهد القديم هو الدّين الحقيقي؟ وكونهم، حتى الآن، لا يزالون يمارسونه، فهم مؤمنون حقيقيون. أليس كذلك؟

الأرثوذكسي: كان دينُ العهد القديم ديناً حقيقياً ظلّيّاً وتحضيراً لتجلّي ملء الحقيقة في المسيح يسوع. ولكن، عندما ظهرَ ملءُ الحقّ لم يعد من التُّقى المكوث مع الظّلّ؛ طبعاً، الخطأ في المزج بين ظلِّ الحقيقة والحقيقة يكون ضلالاً خطيراً. على أي حال لا يمارسُ اليهودُ ديانة العهد القديم.

المفتّش عن الحقيقة: ما هذا الذي تتكلّمُ عنه؟ بالطبع إنهم يمارسونه!

الأرثوذكسي: منذ دمار الهيكل سنة 70 قبل الميلاد، كان من المستحيل على اليهود تطبيق الوصايا الأساسيّة لديانتهم، وهي عبادة الله عبر تقديم الذبائح في الهيكل ثلاث مرّات في السّنة- في الفصح والعنصرة وعيد المظالّ. لذا، فقد تحقَّقَت نبوءةُ النبي هوشع: “لأن بَني إسرائيلَ سيقعدون أياماً كثيرةً بلا ملك وبلا رئيس وبلا ذبيحة وبلا أفود وترافيم” (هوشع3: 4).

المفتّش عن الحقيقة: وما هي، إذاً، ديانتُهم الحاليّة؟

الأرثوذكسي: ليست ديانة العهد القديم، بل ديانة الفريسيين التي نبذها المسيحُ كونَها، فقط، “تقاليد بشرية”. علاقتُها مع العهد القديم غيرُ واضحة المعالم. أما رؤيتُها الدينية الحقيقة فهي لا تتشكَّلُ من النصوص المقدسة للعهد القديم، بل من التّلمود الذي هو مجموعةُ تعاليم فرّيسية.

المفتّش عن الحقيقة: وما هي تعاليم الفريسيين؟

الأرثوذكسي: هي كُرهٌ بالغٌ للمسيح والمسيحية. لا يُنكرُ التّلمودُ، فقط، الثالوثَ وقيامةَ المسيح، بل هو يشتمه باعتباره مشعوذاً وابنَ زنى، أي ابن جندي روماني اسمُه بانثيرا Panthera جاء نتيجةَ علاقته بامرأة نجسة. إضافة إلى ذلك، فالتلمود يعلّمُ بمقياسَين أخلاقيَّين: الأول هو لأَتباعِه اليهود، أما الثاني فمختلف عنه تماماً وهو للغوييم، أي الأمم غير اليهود، الذين ينزع عنهم أي اعتبار بأنهم كائنات بشريّة.

المفتّش عن الحقيقة: ولكن، أليست هذه مُعاداةً للساميّة anti-semitism؟

الأرثوذكسي: معاداة الساميّة (أو اللاسامية) باعتبارها موقفاً عُنصُريّاً يَحمِل الضغينةَ لكل اليهود هو موقفٌ لا يتّفقُ مع الإنجيل. لا يوافقُ المسيحيون على كل ذلك العنف الذي ارتُكب بحق اليهود (لا أقصدُ، هنا، التمييز ضد تعاليمهم، بل العنف الجسدي الذي مورِسَ عليهم كأشخاص) عَبْرَ العصور. لكن هذا لا يعني، بأي شكل من الأشكال، بأنه على المسيحيين المشاركةُ في تبييض صفحة اليهود، وهو أمرٌ لا يزال يحصلُ، منذ قرن من الزمان، في الأوساط الدينية وغير الدينية. فالإنجيل يُشيرُ بوضوح إلى أن اليهود قَتَلوا المسيحَ وجلبوا دمَه عليهم وعلى أولادهم. كراهيتُهم للمسيح والمسيحيين لم تتناقص عبر العصور: معاداةُ الساميَّة هي، إلى حدٍّ كبير، ردَّةُ فعلٍ المسيحيين والأمم (غير اليهود) على “معاداة غير اليهود” (أو معاداة الأمم) التي مَصدرُها التلمودُ الذي يُبَرِّرُ، بِشَتَّى الطُّرُق، الجرائمَ المرتكَبة بحقِّ غير اليهود، وهذا يتضمَّنُ القتلَ واغتصاب الحقوق. أما في أيامنا فقد شهدَ وينستون تشيرشل وكثيرون غيرُه بأن اليهود هم المحرّكُ الرئيسي لكل الحركات الثوريّة التي ضد المسيحية وضد المَلَكيّة؛ فهُمْ الذين حبكوا المؤامرات من أجل قيام الثورة الروسية ودفعوها نحو عنفها الأقصى. 95% من القادة البولشفيّين كانوا من اليهود. (البولشفيون كانوا، طبعاً، مُلحدين أكثر من كونهم يهوداً تلموديين. ومع ذلك، فلا أحد يستطيعُ إنكار دور التلمود والرّبانيين في كُره البولشفيين للحضارة المسيحية). الوَعدُ بوطن قوميّ لليهود في فلسطين (وعد بلفور)، في الأسبوع نفسِه من تشرين الأول سنة 1917، لا يُمكنُ لأي مسيحي فَطِن تَجاهُل هذا “التّطابُق”، وأهميتَه وتأثيره على عصرنا. فالتقليدُ الثابتُ للكنيسة كان، ولا يزال، يقول بأن ضد المسيحَ سيكون يهودياً يمارسُ حُكمَه من أورشليم في دولة إسرائيل المستَعادة…

المفتّش عن الحقيقة: ولكن، هل علينا أن نحبَّ اليهود، حتى ولو كانوا أعداءنا؟

الأرثوذكسي: علينا، بدون شك، أن نحبَّ أعداءَنا ونصلّيَ من أجلهم، كما أوصانا المسيح. علينا، بالتّحديد، أن نصلّيَ لكي يتحوَّلوا عن دينهم ويهتدوا إلى المسيح، بحسب ما تنبَّأ القديس بولس عن حصول ذلك في الأزمنة الأخيرة. “فإذا آلَ إبعادُهم إلى مصالحةِ العالم، فما يكون قبولُهم إلا حياةً تنبعثُ من الأموات” (رومية11: 15).

المفتّش عن الحقيقة: ما تقوله صحيح. لكن، لدي هدفٌ أساسيٌّ وراء كلِّ ما قلتَه.

الأرثوذكسي: وما هو؟

المفتّش عن الحقيقة: أنت تدَّعي بأن تلك هي الأرثوذكسية، لكنني على يقين من أنها ليست كذلك.

الأرثوذكسي: ماذا تعني؟

المفتّش عن الحقيقة: رؤساؤك يشاركون في الحركة المسكونية، وهي حركة قائمةٌ على مبادئ تتناقضُ كلّيّاً مع الأرثوذكسية التي تبشّرُ بها.

الأرثوذكسي: في الواقع، لا يشاركُ زعمائي الدينيون في الحركة المسكونية. على أي حال، إني أتفهَّمُ سوء فهمِكَ لأن تلك المنظَّمات الكبيرة والبطريركيات التي تتعاون علانية بالأرثوذكسية، كالبطريركية المسكونية وبطريركية موسكو والبطريركية الصّربية وغيرها…، تشاركُ في الحركة المسكونية. لكننا لا نتشارك معهم في الكأس الواحدة لأنهم خرجوا عن الأرثوذكسية.

المفتّش عن الحقيقة: كيف يُقالُ عن القادة الأرثوذكسيين بأنهم خرجوا عن الأرثوذكسية؟ هذا يشبهُ القول بأن البابا قد خان الكاثوليكية!

الأرثوذكسي: لكنه خانَها! البابا هو الذي خان جامعيَّةَ الأرثوذكسية   والكنيسةَ الأرثوذكسية الجامعة، وذلك في النّصف الثاني من القرن الحادي عشر، وقد حوَّلها – أو بالأحرى جعل قسماً منها وهو الذي أخضعَه لهم – إلى شيء مختلفٍ بالكلّيّة وهو: الكنيسة الكاثوليكية الزّائفة. وبالطريقةِ نفسِها، قام قادةُ الكنائس الأرثوذكسية الرسميون، في القرن العشرين، بخيانة الأرثوذكسية فجعلوها شيئاً مختلفاً بالكلّية: “الأرثوذكسية العالمية” أو “الأرثوذكسية المسكونية”.

عليكَ أن تتذكر: كما أنه “ليس اليهودي بما يبدو في الظّاهر” (رومية2: 28)، بل هو مَن ينتمي إلى “إسرائيلَ الله” (غلاطية6: 16)، كذلك الأمرُ مع كنيسةِ المسيح، فليس الأرثوذكسيُّ في الظّاهر، بل هو فقط مَن يعترفُ بأرثوذكسيتِه بالقول والفعل. لحسن الحظ، لا يزالُ هناكَ أرثوذكسيون قائمون في الحقّ وليس في الظّاهر فقط، وقد فَصَلوا أنفسَهم عن تلك الرَّدّة السائدة. وهؤلاء، مهما قَلَّ أو سيقلُّ عددُهم، سيظلّون هُم الكنيسةَ التي أبوابُ الجحيم لن تقوى عليها (متى16: 18)، وهُم مَن عَناهم ربُّ الكنيسةِ بقوله: “لا تخفْ أيها القطيعُ الصَّغير، فقد حَسُنَ لدى أبيكم أن يُنعِمَ عليكم بالملكوت” (لوقا12: 32).

المفتّش عن الحقيقة: إنني مسرور لما سمعتُه. فقد اقتنعتُ من كلامك، لكنني بدأتُ أُفكّرُ بأنه لا أحد قد مارَسَ هذه الحقيقة التي أتَيتُ لكي أؤمنَ بها.

الأرثوذكسي: أهلاً بكَ، يا أخي، في عالم الإيمان الحقيقي بالمسيح! لا تَخَفْ، فمهما كانت كنيسةُ المسيح صغيرةً على الأرض، إلا أن الكنيسةَ في السماء تنمو باستمرار حتى نهاية العالم. “أما أنتم فقد اقتربتم من جبلِ صهيون، ومدينةِ الله الحي، أورشليمَ السّماويّة، ومِن رِبوات الملائكة في حفلةِ عيد، مِن جماعةِ الأبكارِ المكتوبةِ أسماؤهم في السَّموات، من إلهٍ دَيّانٍ للخَلْقِ أجمعين، مِن أرواحِ الأبرارِ الذين بلغوا الكمال، مِن يسوعَ وسيطِ عهدٍ جديد، مِن دَمٍ يُرَشُّ، كلامُه أبلغُ من كلامِ دمِ هابيل…” (عبرانيين12: 22- 24).

المسكونية: الأصول – التوقعات – خيبة الأمل

أعمال المؤتمر اللاهوتي الأرثوذكسي

“المسكونية: الأصول – التوقعات – خيبة الأمل”

 

الأب بيتر هيرز

انعقد المؤتمر اللاهوتي الأرثوذكسي “المسكونية: الأصول – التوقعات – خيبة الأمل” في العشرين من أيلول 2004، في تسالونيكي – اليونان، واستمرت أعماله إلى الرابع والعشرين من أيلول بنجاح كبير. المؤتمر من تنظيم كلية اللاهوت الرعائي في جامعة أرسطو – تسالونيكي، بالتعاون مع جمعية الدراسات الأرثوذكسية. انعقدت جلسات المؤتمر في قاعة مؤتمرات الجامعة.

افتُتِح الاجتماع بكلمة لسيادة الميتروبوليت أنثيموس، مطران تسالونيكي. ضمّ الحضور ميتروبوليتية وأساقفة، محافظ تسالونيكي، أعضاء من البرلمان اليوناني، وأساتذة جامعات. وقد استُقبل المشاركون بالترحيب.

خلال أيام المؤتمر الخمسة، قدّم ستون متحدّثاً محتَرَماً، بينهم رؤساء من عدد من الكنائس الأرثوذكسية، تحاليلاً لمختلف أوجه المسكونية أمام حضور كثيف من رؤساء الأديار، الإكليروس، الرهبان، والعلمانيين، وقد كان بينهم لاهوتيون كثر وأساتذة وطلاب كليات لاهوت .

وقد توصّل المجتمعون إلى النتائج التالية، استناداً إلى المحاضرات والمناقشات التي صاحبتها:

أ. نتائج البحث

1. المسكونية: نتاج البابوية والبروتستانتية، وهي تمويه للتغرّب عن الكنيسة الحقيقية

بدأت المسكونية في حضن البروتستانتية في بداية القرن العشرين كمجهود لاسترجاع وحدة العالم البروتستانتي المتشتت في مجموعات وتفرّعات لا تُحصى. ليس للمسكونية علاقة بكونيّة (ecumenicity) الكنيسة وجامعيتها، المحفوظتان بشكل كامل، جغرافياً وكنسياً، في الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية، أي الكنيسة الأرثوذكسية، المستمرة على الإيمان الذي كان دائماً وفي كل مكان وللجميع. إن وجود هرطقات لا يبطل وحدة الكنيسة ولا كونيّتها أو جامعيتها. تستمر الكنيسة في كونها واحدة وكونية. الهرطقات والانشقاقات، مثل “كنائس” الكثلكة والبروتستانتية في الغرب و”كنائس” غير الخلقيدونيين في الشرق، ليست الكنائس المحلية الشرعية أو الأصيلة في هذه الديار. تستعيد هذه الكنائس الوحدة والجامعية وتكوّن كنائس حقيقية، عندما تعاود الاتّحاد في إيمان الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة وحياتها. فالكنيسة الأرثوذكسية الجامعة ليست الكنيسة الحقيقية فحسب، بل هي الكنيسة الوحيدة. وعليه، فإن مجلس الكنائس العالمي، منذ بداياته إلى اليوم، هو مركَبَة المسكونية البروتستانتية، وهو بالمعنى الكنسي الصحيح “مجلس هرطقات وانشقاقات عالمي”.

لقد حادت البابوية عن وحدة الكنيسة وجامعيتها منذ بداية الألفية الثانية مع انشقاق 1054 وتبنيها هرطقتي “انبثاق الروح القدس” و”أولية البابا”. إن كنيسة روما الأرثوذكسية سابقاً، التي أفرزت قديسين كثيرين وشهداء ومعترفين، قد أُغرِقَت في الهرطقة والضلال. وبقطعها عن الكنيسة الواحدة الحقيقية، وكأسيرة للسكولاستيكية ومطامح البابوات الدنيوية، لم تفشل كنيسة روما المحلية في الحفاظ على المسيحية الغربية موحّدة وحسب، بل أصبحت مصدراً للكثير من الهرطقات الجديدة والانشقاقات، كمثل الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر بأشكاله المختلفة، الأنكليكانية والكثلكة القديمة. لقد حرّفَت الميزة الإلهية-البشرية للكنيسة، واستبدلتها بمؤسسة بشرية ذات سيطرة كاملة على المؤمنين، وقادت إلى إبطال مسيحية (de-Christianization) أوروبا وكنسيتها. لقد وافق المتحدثون والحضور على التحديد الأكثر ملاءمة للمسكونية الذي تركه لنا القديس يوستينوس بوبوفيتش: “المسكونية هي الإسم الشائع للمسيحيات الزائفة ولكل الكنائس الزائفة في أوروبا الغربية. فيها يوجد قلب كل الإنسانويات الأوروبية، مع البابوية رأساً لها. وكل هذه الإنسانويات الزائفة، كل هذه الكنائس المغشوشة ليست سوى هرطقة تلو الأخرى. اسمها المشتَرَك، بحسب الإنجيل، هو الهرطقة الشاملة”. (1)

إن محاولات الوحدة بين روما والقسطنطينية على مدى خمسة قرون، منذ الانشقاق إلى سقوط القسطنطينية عام 1453 بيد الأتراك، إضافةً إلى الحوارات اللاهوتية المرافقة، فشلت جميعاً لأنّها لم تكن مقرونة بتوبة حقيقية واستعداد لإنكار الضلال والعودة إلى الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية. إن التدابير والتسويات في شؤون الإيمان من أجل تحقيق الوحدة كانت تُرفَض دوماً من ضمير الشعب المؤمن اليقِظ الدائم الانتباه. بالرغم من جداول البرامج الدنيوية الواضحة والتلاعب السياسي، فإن هذه المحاولات لم تنتهي أبداً بالقبول بالحد الأدنى العقائدي، ولا بالتسوية التوفيقية والكلام الدنيوي عن المحبة، كما انتهت حوارات القرن العشرين المسكونية. لقد ساد المبدأ الرسولي والآبائي بأنّ “ليس من مكان للمساومة في أمور الإيمان”.

ما عجزت البابوية عن إنجازه في قرون، قد تمّت محاولته، منذ بداية القرن العشرين بالمسكونية البروتستانتية. وبدورها دعمت المسكونية البابوية هذه الجهود منذ المجمع الفاتيكاني الثاني (1963-65). كلا البابوية والبروتستانتية يخسران بشكل مستمر لسلطتهما واعتبارهما في أميركا وأوروبا ومختلف أنحاء العالم. وتحاولان، من خلال العمل المسكوني، حماية نفسيهما، حجب انعزالهما وبعدهما عن كنيسة المسيح الواحدة الحقيقية، وتقوية أعظم الهرطقات الكنسية، أي القائلة بأنّ الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية غير موجودة، وبأنّها توقفت عن الوجود، وبأن كل الطوائف المسيحية تحمل بعض أوجه الكنيسة، بشكل لا يستدعي من مؤمنيها أن يقلقوا ولا أن يهتموا بالبحث عن الكنيسة الحقيقية ولا عن خلاصهم.

2. لا تتوافق الحجج المُقَدَّمَة لدعم مشاركة الأرثوذكس مع حقيقة الأمور، لا بل ثَبُت أنّها خاطئة

ما يدعو للأسف، هو أن الكنيسة الأرثوذكسية، تِبعاً للمبادرات الطائشة من البطريركية المسكونية، قد تورّطت منذ بداية هرطقة المسكونية الشاملة، بما لها من نتائج خطيرة تتعلّق بالخلاص. فمع المنشورات المعروفة في 1902، 1920و1950، دخلت البطريركية المسكونية في الحالة السائدة وبالواقع اتّخذت فيها دوراً أمامياً. لقد تغّير موقفها الموقَّر الرسولي الآبائي من الهرطقات والإنشقاقات بشكل جوهري منذ 1902 تحت ضغط الأحداث السياسية العالمية. بالواقع، منذ زمن البطريرك أثيناغوراس إلى اليوم صار موقف كنيسة القسطنطينية الرسمي، الذي انشدّت إليه باقي الكنائس المستقلّة الواحدة تلو الأخرى، مع أن أغلبها بالأصل واجه تلك المبادرات بتردد وتحفّظ حتى منتصف القرن العشرين. في المؤتمر، صار واضحاً من مختلف المساهمات والمناقشات أن ما حثّ الكنائس المستقلّة على المشاركة في الحركة المسكونية لم يكن اهتمامات روحية بل سياسية واجتماعية وقومية. بمشاركتها، سعت كلٌّ من الكنائس بمفردها إلى ضمان الحماية والدعم من الغرب المسيحي، أو لتلافي غضبه، تماماً كما كان يجري عند مجامع الوحدة في زمان الحملات الصليبية وقبل سقوط القسطنطينية بقليل.

بسبب غياب المحرّك الروحي واللاهوتي، لم تصل الكلمة الإنجيلية الأصيلة والحقيقة الخلاصية إلى غير الأرثوذكس، وبالطبع لن يعترف بهذا داعمو الحركة المسكونية، بالرغم من أن بينهم، على نحو لا يمكن إنكاره، شخصيات لاهوتية بارزة ذات اهتمامات كريمة وشهادة أرثوذكسية، خاصةً في مراحل من العمل المسكوني الأولى. لتبرير مشاركة الأرثوذكس في الحوارات اللاهوتية الثنائية أو الجماعية في ما يُعرَف بمجلس الكنائس العالمي، تمّ اللجوء، حاضراً وفي الماضي، إلى حجتين أساسيتين، لاهوتية وروحية: إظهار المحبة لغير الأرثوذكس والشهادة للإيمان الأرثوذكسي. المحبة، في كل الأحوال، لا يمكن فصلها عن الحق. في حال لم يتواجد حوار المحبة مع حوار الحق ولم يؤدِّ إلى لقاء معه وقبول بالحقيقة الخلاصية التي هي المسيح وكنيسته، يصبح حوار المحبة شركاً خطراً يقود إلى لامبالاة (indifference) توفيقية وانفصالية عن وحدة الإيمان وشركة الروح القدس، أي أنّه يفصل الإنسان عن الخلاص. لا يوجد ما هو أسوأ من الحرمان من الخلاص، وعمل المحبة هو الأمر الوحيد الذي لا يمكن اعتباره حرماناً للخلاص. أيمكن للمحبة أن تكون ضد الحق؟ الهرطقة هي غياب الحقيقة، الخديعة، تسلّط الشيطان، الحقد، محبة البهتان وتمزيق حقيقة الكنيسة. في الحوارات المسكونية، تُستَعمَل كلمة محبة بغزارة فيما الحقيقة مفقودة، لقد اعتُبرَت الحقيقة كموضوع للبحث، غير موجود في أي من الكنائس. الكنيسة المسيحية الجامعة ليست في حالة بحث عن الحقيقة بل هي تمتلكها. وينبغي عليها إعطاؤها بمحبة إلى غير الأرثوذكس المحرومين منها أو الذين شوهوها. الحق أرفع من المحبّة، كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “إذا رأيتم التقوى تتألّم في مكان ما، لا تقدّموا الاتفقاق (homonoian) على الحق، بل التزموا بشجاعة حتى إلى الموت… ولا تخونوا الحق في أي مناسبة” (2). إلى هذا، هو ينصح مشدداً: “لا تقبلوا أي عقيدة منحولة تحت ستار المحبة” (3). العمل المسكوني هو في خانة الخطيئة البغيضة، فهو في آن واحد ينكر الحق، الذي كافح كثيرون من غير الأرثوذكس لإيجاده، كما يسعى إلى إغلاق الباب أمام كل الساعين إلى الحقيقة. في الواقع، تنطبق كلمات المسيح إلى الفريسيين على المسكونيين أيضاً: “«لكِنْ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ، فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ” (4).

لكن “شهادة الإيمان” المنشودة، حتى ولو شكّلت أملاً وتوقعاً جيدين، إلا إنّه بالحقيقة قد ثبت زيفها. في كل الأحوال، لا يمكن للإنسان أن يفترض أنّه سوف يشهد للإيمان الأرثوذكسي ويبشّر به، إذا كانت البداية خيانة الإيمان. إن مجرد المشاركة بمجلس الكنائس العالمي والحوارات اللاهوتية مع الهراطقة من بابويين وبروتستانت وأتباع المشيئة الواحدة، يشكّل إنكاراً لفرادة الكنيسة، ومساواة تضع الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية في الخانة نفسها مع الهرطقات والانشقاقات. وكما ذُكِر، إنّها الهرطقة الإكليسيولوجية الكبرى في تاريخ الكنيسة. لقد سأل الطيب الذكر إيريناوس ميتروبوليت ساموس، تعبيراً عن موقفه وموقف الكثيرين من الرؤساء: “كيف يمكن لرؤساء الكهنة الأرثوذكس أن يشاركوا في منظمة إكليسيولوجية يُنبَذ فيها الثالوث القدوس، يؤمن المشاركون بأنّ كنيسة المسيح مبعثرة إلى أجزاء، أنّ كلّ هرطقة هي جزء من الكلّ، وبأنّ الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية هي مثل غيرها أحد الأجزاء لا غير؟” (5) بالحقيقة، لا يوجد أي واحد من الرسل القديسين ولا آباء الكنيسة، يمكن استعمال تعليمه وحياته وأعماله كمثال لتبرير عضويتنا وما هو أبعد من ذلك، بقاءنا في مجمع غير شرعي من الهراطقة، كمثل “مجلس الكنائس العالمي”، وما يماثله من المجالس والتجمّعات.

إن ثمار العمل المسكوني هي الشر، كما كان جذوره وما زالت: “فالشجرة تُعرَف من ثمارها” (6). لقد تواجد العمل المسكوني منذ حوالي القرن، وقد كشف بوضوح عن هويته، وبإمكاننا بكل ثقة أن نحكم عليه. بالواقع، حتى أبطاله الأرثوذكسيون ذوو الضمير الحي قلقون حيال مجرى الأمور والطريق المسدود الذي بلغه؛ إنهم يحاولون إيجاد شتّى الطرق لمنع انسحاب الكنائس الأرثوذكسية (هذا الخروج قد بدأ وهو ماضٍ ليقوى وينتشر). في المؤتمر، تحدّث عدد غير قليل من المحاضرين عن الثمرة المدمّرة للحوارات اللاهوتية والاشتراك في مجلس الكنائس العالمي.

قبل أن نعرض باختصار نتائج الحوارات اللاهوتية، من المهم أن نشير إلى الرأي الذي عبّر عنه المحاضرون والمشاركون وهو أنّه منذ ولادة الحركة المسكونية وانتشارها مع حضور الأرثوذكس في “مجلس الكنائس العالمي” لحوالي الستين سنة، لم ينجح المسكونيون بضمّ ولا شخص واحد إلى الإيمان الأرثوذكسية. في المقابل، حصلت انضمامات بالرغم من الاتجاه السائد بين المسكونيين بأنّه ينبغي أن يبقى الكلّ في طوائفهم، بانتظار الوحدة المتوقّعة بين “الكنائس”. لقد رفض بعض أساقفة الشتات استقبال غير الأرثوذكس الراغبين بالانضمام إلى الكنيسة الأرثوذكسية. إذاً ما هو أساس هذه الدعاية للشهادة للإيمان الأرثوذكسي؟ على العكس، بدل الشهادة للحق، نحن نشارك في الشهادة للهرطقات والضلال. لقد نتج عن هذا التصادق الطويل الأمد مع الهراطقة، الفريد في تاريخنا الكنسي، تغرّب عن الفكر الأرثوذكسي وتعتيم له، حتى أنّ إكليريكيين ولاهوتيين يوقّعون براحة بال على النصوص التي تنتج الحوارات التي فيها تُداس وتُنتَهَك العقائد الرسولية والآبائية، وحيث تُقَدَّم الهرطقة على أنّها الحقيقة، وحيث يبدو الهراطقة مستقيمي الرأي، ويُعتَرَف بأصالة معموديتهم وغيرها من الأسرار. وهكذا، خطوة خطوة نتقدّم من الصلوات المشترك إلى الشركة في الأسرار.

3. الحوار مع الكاثوليك غير مؤاتٍ للأرثوذكس وضار بهم

لنبدأ مع البابوية، لقد لوحظ أنّ الحوار اللاهوتي ذي العشرين عاماً قد بدأ باستعمال منهجية غير مسبوقة مفاده الابتداء بالأمور التي توحّد وليس من الأمور التي تقسّم. لقد نتج عن هذا إراحة بال الصادقين في روما حتى لا يعودوا يسعون إلى الحق في مكان آخر. فبما أنّه لا يوجَد فروقات والجميع ينتمون إلى الكنيسة، صار كهنة البابوية قادرين على تبرير الاجتماعات والصلوات المشتركة مع الأرثوذكس في وسائل الإعلام، وبذلك يعززون النمط الاتحادي، المخزي والقاصر، بين الجماهير الأرثوذكسية مستفيدين من كون هذه الجماهير مسلوبين ومثقَلين بالأحداث السياسية والاجتماعية التعيسة. الاتحادية، على الرغم من كونها مسؤولة عن انهيار الحوار اللاهوتي، ما زالت تتمتّع بدعم الفاتيكان بطرق متنوّعة. لقد ركّز عدد مهم من الأوراق في هذا المؤتمر على تطورات الاتحادية التاريخية ونشاطاتها الحديثة، مع الاستنتاج بأن روما لم تتخلَّ عن طموحاتها الاقتناصية والتوسعية ما يؤذي الكنيسة الأرثوذكسية التي تسمّيها وتقبلها رياءً ككنيسة “شقيقة”. في الوقت الذي تناقش فيه روما وتحاور، تمدّ يدها طمعاً إلى الرعايا الأرثوذكس وتؤسس أسقفيات وسلطات بهدف الاقتناص داخل الأراضي الأرثوذكسية ولا تخفي رغبتها في اكتساب مزيد من الحقوق على أماكن الحج في الأراضي المقدسة. إلى هذا، روما لا تقبل أبداً إدانة الاتحادية التي تمّ التوقيع عليها بالإجماع في اجتماع مشترك للاهوتيين الأرثوذكس والبابويين، أعضاء “اللجنة العالمية للحوار اللاهوتي بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية” خلال الاجتماع السادس للجنة التحضيرية في فريزنغ، موناكو (6-15 حزيران 1990). هذا دليل واضح على درجة احترام روما واهتمامها بنتائج أي حوار يخالف طوحاتها. ولإسقاط هذه الإدانة كلياً، أدخلت روما الأرثوذكسيين في مناقشات جديدة لهذا الموضوع في البلمند، لبنان (17-24 حزيران 1993)، وفيه بُرِئَت الاتحادية وشُرِّعَت بتواقيع ممثلي تسعة من الكنائس المستقلّة (القسطنطينية، الاسكندرية، انطاكية، روسيا، رومانيا، قبرص، بولندا، البانيا، وفنلندا). فيما رفضت ست كنائس منهجية هذه المقاربة ولم تشارك (أورشليم، صربيا، بلغاريا، جورجيا، اليونان وتشيكوسلوفاكيا).

مع ذلك، فالأهم في اتفاقية البلمند ليس في تبرير الاتحادية وتشريعها، بل في التسويات الخطيرة التي قدّمها ممثلو الكنائس في شؤون الإيمان. لأوّل مرة، وانتهاكاً ليس فقط للتقليد الآبائي المقدّس والثابت منذ قرون، بل أيضاً للبيانات والتصريحات المعاصرة، أنكر اللاهوتيون الأرثوذكس أن الكنيسة الأرثوذكسية هي الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة والرسولية، واعترفوا بأنّها مع الكنيسة الكاثوليكية تشكّل الكنيسة الواحدة، ومعها هي مسؤولة عن حفظ الكنيسة بإخلاص للتدبير الإلهي. وعليه على الرعاة الأرثوذكس والكاثوليك أن يتبادلوا الاعتراف ببعضهم البعض كرعاة حقيقيين لقطيع المسيح. إلى هذا، يحوي النص اعترافاً متبادلاً بالأسرار والتسلسل الرسولي والاعتراف بالإيمان الرسولي. بعد اتفاقية البلمند، حيث بالمبدأ تمّ التوقيع على نوع جديد من الاتحادية، صارت زيارات البابا مبررة إلى الكنائس الشقيقة في رومانيا، بلغاريا، جورجيا واليونان. كما أنه صار مبرراً، على المنوال نفسه، أن يقبل اللاهوتيون الأرثوذكس ما يُعرَف بـ “اللاهوت التعميدي” العائد لمجمع الفاتيكان الثاني. بحسب هذه النظرية، تصبح المعمودية التي يقوم بها الهراطقة خارج الكنيسة شرعية. فوق هذا، المعمودية هي ما يحدد حدود الكنيسة وليست الكنيسة مَن يجعل المعمودية شرعية. بالمعمودية، كل المسيحيين، إلى أي كنيسة انتموا، يصبحون أعضاء في كنيسة المسيح. لهذا السبب، مُنِعَت، في نص البلمند، إعادة تعميد الهراطقة التي كان الأرثوذكسيون يمارسونها. في أي حال، من الأوراق التي قُدِّمَت في المؤتمر والمناقشات التي رافقتها، اُقيم الدليل على أنّه خارج الكنيسة لا تكون نعمة الروح القدس الخلاصية فعّالة، وبالتالي أسرار غير الأرثوذكس ليست شرعية ولا موجودة. بحسب الحكم بالدقة، يجب تعميد غير الأرثوذكس الآتين إلى الكنيسة الأرثوذكسية.

إلى هذا، لقد تمّ توضيح أنّ “الحركة الليتورجية”، التي يتمّ تعهدها لسنوات في حضن البابوية والتي تبنّاها مجمع الفاتيكان الثاني (1963-65)، قد أثّرت بطريقة مماثلة على الإكليروس واللاهوتيين الأرثوذكس. فتحْتَ غطاء “الإصلاح الليتورجي” يهدف الفاتيكان إلى ضمّ الأرثوذكس تحت البابا بحسب النموذج الاتحادي. بعد تهيئة الطريق نفسياً لقبوله، حاول هذا التيار تدريجياً أن يفرض عبادة “حيادية” عقائدياً، أي بدون أي إشارة إلى العقائد أو الهرطقات أو القديسين المعترفين، حتى تكون الوحدة الجديدة مقبولة من الجميع. يمكن فهم مخطط تنقية النصوص الليتورجية المُقتَرَح في هذا الضوء.

4. المشاركة في “مجلس الكنائس العالمي” والحوارات مع البروتستانت

بالإشارة إلى “مجلس الكنائس العالمي” والحوارات اللاهوتية مع الطوائف البروتستانتية، اللوثرية، الأنكليكانية والمصلحين، وغيرهم، لقد لوحظ أن الوضع مغمّ بالمقدار نفسه، لا بل وأكثر. لقد أُخزيَت الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية وتُفِّهَت بمشاركتها في “مجلس الكنائس العالمي” وأنزِلت مرتبتها إلى جعلها قسماً وجزءً من تجمّع متعدد الأعضاء من الهرطقات والانشقاقات. عملياً، لقد جعلها هذا “الاختزال الحسابي” غير موجودة في التصويت وبالتالي استبعد كل إمكانية لديها لامتلاك صوت حاسم في مختلف الاجتماعات. وأكثر من ذلك، لقد شجّع الليبراليين البروتستانت إلى ولوج ومناقشة أمور تنكر إنجيل الكنيسة وتقليدها، وحتى المسيحية نفسها. من بين هذه الأمور: سيامة النساء، زواج المثليين والمشاركة في التعبيرات المختلفة عن الإيمان والعبادة الوثنيين.

إن هذا الارتداد البروتستانتي عن الإيمان والحياة المسيحيين يثبت بشكل لا يقبل الجدل بأنّ الشهادة المفتَرَضة للإٌيمان الأرثوذكسي من خلال مشاركتنا في الحوارات اللاهوتية هي خرافة ووهم. إن ردّة الفعل على هذا الارتداد البروتستانتي كانت في أنّ عدداً من الكنائس الأرثوذكسية اتّخذت قراراً نهائياً ولا عودة عنه بالانسحاب من “مجلس الكنائس العالمي” ومن الحوارات اللاهوتية. أوّل الكنائس التي قامت بهذه الخطوة كانت أمّ الكنائس، بطريركية أورشليم القديمة الموقّرة، وتبعتها كلّ من كنيستي جورجيا وبلغاريا فيما ترددت الكنائس الأخرى في الانسحاب. اتّخذ المجمع المقدّس لكنيسة صربيا في عام 1997 قراراً بالانسحاب من “مجلس الكنائس العالمي”، وللأسف لم يُنَفَّذ هذا القرار. أيضاً، كنيسة قبرص انقسم مجمعها المقدس في إحدى جلساته، حول الانسحاب من “مجلس الكنائس العالمي” أو عدمه، ووحده صوت رئيس الأساقفة ختم القرار بالبقاء في هذا المجلس تفادياً للنتائج السياسية السلبية على دولة الجزيرة. كما أنّ كنيسة اليونان، في ظل الرئاسة الكنسية السابقة، قد عاشت قلقاً عميقاً واضطراباً بسبب الاستمرار في هذه المشاركة، والأمر نفسه في الكنيسة الروسية حيث بلغ الاهتمام إلى المؤمنين أنفسهم.

إن هذه التطورات بين الأرثوذكسيين، التي تُظهِر، ولكانت ظهرت بوضوح أكبر لو وصلت إلى تمامها، بأنّ الكنيسة الواحدة المقدّسة الجامعة الرسولية تستمرّ كشاهد مخلِص وحامٍ للإيمان والحياة الأرثوذكسيين، قد عطّلتها الفكرة التي أوحى بها عدو الخلاص الغاش القديم (الشيطان)، بأنّ الوحدة الأرثوذكسية (حول هذا الأمر) يجب ألاّ تُنتَقَص، وبأنّه ينبغي اتّخاذ القرار بشكل مشترك، بين كل الكنائس، بغض النظر عن الحقيقة المعروفة بأن قرار المشاركة لم يكن يوماً بالانسجام، فكل كنيسة اتّخذت قرارها. إن الرب يحرّم استغلال الآباء القديسين والمجامع الأرثوذكسية لاتخاذ القرارات مع الهراطقة وأصدقاء الهراطقة أو أصحاب الفكر الهرطوقي.

وهكذا، بناء لطلب كنائس صربيا وروسيا، انعقد اللقاء الأرثوذكسي في تسالونيكي بمبادرة من البطريركية المسكونية (29 نيسان- أيار 1998)، حيث جمّدت كل التطورات المتعلّقة بهذا الموضوع. بالتأكيد، نتج عن اللقاء اعتراف بحقّ الكنائس بالمعارضة واتّخاذ القرارات لكن مع البقاء في مجلس الكنائس العالمي على أمل أن تتحسّن الأمور. اعترف إعلان اللقاء بأنّ “بعد قرن كامل من الانخراط الأرثوذكسي في الحركة المسكونية، ونصف قرن من العضوية في مجلس الكنائس العالمي، لا يمكن الادّعاء بوجود تقدّم مرضٍ في الحوارات المتعددة الجوانب بين اللاهوتيين المسيحيين. على العكس، اتسعَت الهوة بين الأرثوذكس والبروتستانت بسبب تكاثر بعض النزعات في حضن بعض الطوائف البروتستانتية (اللغة الشمولية، سيامة النساء، حقوق “الأقليات الجنسية”، التوفيقية الدينية)”.

لكي يُعطى هذا القرار الخاطئ تبريراً لاهوتياً ولتقديم الحجج للمسكونيين ودعاة المسكونية، كما لتهدئة ارتباك الكنائس الأرثوذكسية، دُعي إلى عقد “ندوة علمية عالمية” في تسالونيكي في حزيران 2003، بحضور غبطة رئيس أساقفة أثينا وكل اليونان خريستوذولوس. ومع أن الندوة كانت رسمياً تحت مظلّة كلية اللاهوت، إلا أن رعاتها الحقيقيين كانوا بعض الأساتذة المسكونيين في تلك المدرسة و”مجلس الكنائس العالمي” الذي أرسل ممثليه. في نتائج هذه الندوة المسكونية، طُعن اللاهوت الأرثوذكسي وديس موقفه من سيامة النساء، فيما أُسقِط تقليد الكنيسة الليتورجي المتعلّق بالصلاة المشتركة. تتحدث نتائج المؤتمر عن “ضعف الحجج اللاهوتية الأرثوذكسية ضد سيامة النساء”. أمّا في موضوع الصلاة المشتركة فيرِد “هناك صلاة مشتركة ممنوعة واحدة فقط هي الصلاة الإفخارستية”. بالواقع، إن الخلاصة التي يُتوَصَّل إليها من هذه المواقف هي، بما أننا محرومون من الحجج في موضوع سيامة النساء وبما أن الصلاة المشتركة مسموحة، مع الشواذ المذكور، إن انسحاب بعض الكنائس الأرثوذكسية من مجلس الكنائس العالمي كانت شيئاً خاطئاً ويتعذّر الدفاع عنه لاهوتياً. على هذا الأساس، وجّه المجتمعون نداءً إلى كنيسة جورجيا وبلغاريا للعودة “إلى العائلة المسكونية العالمية الكبيرة”. يبدو أنّ رئيس أساقفة أثينا وكل اليونان قد قبل هذه الخلاصة اللاهوتية السطحية التي لا أساس لها من الصحة، وقد أعلن، من دون العودة إلى المجمع بأنّه يرى “احتمالات انسحاب كنيسة اليونان من مجلس الكنائس العالمي تتضاءل”.

في ما يتعلّق بهذين الموضوعين البالغَي الأهمية، سيامة النساء والصلاة مع غير الأرثوذكسيين، فقد ورد في “المؤتمر اللاهوتي الأرثوذكسي” الحالي، على عكس ما سبق، أفكاراً عميقة في عدد من الأوراق والمناقشات ترسّخ وتدعم استحالة سيامة النساء في الكنيسة الأرثوذكسية وتحريم القوانين المقدسة لكل أنواع الصلوات المشتركة، وليس فقط الإفخارستية. نحن نصلّي من أجل غير الأرثوذكس لكي يرجعوا إلى الكنيسة، ولكننا لا نصلّي معهم، مهما يكن.

5. الحوار مع أتباع الطبيعة الواحدة

يقدّم الحوار اللاهوتي مع أتباع الطبيعة الواحدة صورة مماثلة من كلا العقم الكامل والتنازلات الخطيرة في شؤون الإيمان، مع أنّه مؤخَّراً اعتُبِر أتباع المشيئة الواحدة، بدافع من “المحبة”، “غير خلقيدونيين”، ” كنائس ما قبل خلقيدونية”، “كنائس شرقية قديمة”، وأخيراً “أرثوذكسية” تماماً. لقد بُرهِن في هذا المؤتمر أنّ الحوار لم يوصِل إلى أي نتائج إيجابية. لقد كان هناك ثلاث بيانات مشتركة بين الأرثوذكس وغير الخلقيدونيين، لكنّها غير مقبولة من وجهة النظر الأرثوذكسية. من بين الأخطاء الأكثر إيلاماً هي المناولة المشتركة مع أتباع الطبيعة الواحدة في سوريا والتي قبلتها بطريركية أنطاكيا (1991)، اعتراف البطريركية الاسكندرية الجزئي بأسرار أتباع الطبيعة الواحدة، والاقتراحات لمراجعة النصوص الليتورجية وتحديد تيبيكون للاحتفالات المشتركة بين الأرثوذكس وأتباع الطبيعة الواحدة. على مستوى البحث اللاهوتي، لقد غرق البعض إلى درجة أن كلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي وافقت على أطروحتي دكتوراه تثبتان أنّ ديوسقوروس وسرفيوس من أتباع الطبيعة الواحدة لم يكونا هرطوقيين أبداً، بل قد أُدينا على الأغلب لأسباب غير لاهوتية. إن هذا الأمر خارج التَصوّر لا بل هو تدنيس للمجامع المقدّسة والآباء القديسين.

6. الحوار مع الكاثوليك القدامى

الحوار اللاهوتي الوحيد الذي أدّى إلى التوقيع على المواقف الأرثوذكسية من قِبَل غير الأرثوذكسيين هو الحوار مع الكاثوليك القدامى. إن الوثائق التي تمّ التوقيع عليها تدين كلّ الأضاليل الأساسية في البابوية، التي انسحب منها الكاثوليك القدامى بعد مجمع الفاتيكان في 1870 احتجاجاً على إعلان عقيدة عصمة البابا. بالتأكيد لم تستطع روما أن تحتمل هذا التطور والذي كان بالنسبة لها سلبياً، فقامت بكل ما هو ممكن لكي ترى أن هذا الحوار الذي انتهى بنجاح لن يتقدّم إلى اتّحاد الكاثوليك القدامى بالكنيسة الأرثوذكسية. هذا كان ممكناً أن يكون المرة الأولى التي يعود جزء من المسيحية الغربية إلى جسد الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية. لقد كان بإمكان الكاثوليك القدامى أن يقدّموا بهذا مثالاً يشير إلى طريق العودة لكل الغرب، البابوي والبروتستانتي. لكن من ناحية ثانية أخطأ الكاثوليك القدامى أيضاً في حوارهم مع الأنكليكان واتخذوا موقفاً لصالح سيامة النساء وبالتالي أنكروا كل ما كانوا قد قبلوه مع الأرثوذكس. وقد وضعوا بهذا عوائق جدية في طريق أي تقدم إيجابي.

7. الحوار الحقيقي وافتراضاته المسبقة

ختاماً، في ما يتعلّق بالحوارات اللاهوتية، لقد تمّ التأكيد على أنّ الكنيسة لا تتجنّب الحوار، فهي منفتحة على الجميع وهي تدعوهم للمجيء إليها ليخلُصوا. إنّ الموقف المسبّق الضروري والشرط الذي لا تُنتَهَك حرمته لكل حوار هو: لا تعتمد حقيقة الكنيسة الخلاصيّة على المناقشة أو المناظرة.

في حالة عجز غير الأرثوذكسيين عن فهم هذا الإطار الخلاصي، أو إنكارهم له، فينبغي عدم إطالة مدّة الحوار بل بالمقابل ينبغي ضبطها في ما هو ضروري، وكما فعل الآباء القديسون في المجامع ينبغي قطع الحوار. بهذا يُتَّبَع مثال الرب نفسه مع الذين لم يريدوا أن يفهموا تعليمه وكانوا سريعي الامتعاض: “فَقَالَ يَسُوعُ لِلاثْنَيْ عَشَرَ:«أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟» فَأَجَابَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ:«يَارَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ” (8) إنّ في هذا الأمل الوحيد لأن يعي غير الأرثوذكس ضلالهم ويتحوّلوا اليوم إلى الكنيسة التي هي المسيح ممتداً عبر الأجيال في موقف مماثل للآية “وَنَحْنُ قَدْ آمَنَّا وَعَرَفْنَا أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ»” (9). إنّ هذا الموقف النموذجي البارز حفظه البطريرك إرمياء الثاني في رده الثالث (1581) من الحوار مع لاهوتيي توبنجن البروتستانت. فهو ما أن أدرك أنّهم مصرون على انخداعهم ويرفضون قبول تعليم الآباء القديسين، “أنوار الكنيسة ولاهوتييها”، حتى قطع المراسلات معهم وتركهم يمضون في طريقهم: “إذاً، من جهتكم، أرجو أ، تعفونا من هذه الاهتمامات. وعليه، امضوا في سبلكم؛ لا تكتبوا لنا مجدداً عن العقائد، وإذا كتبتم ففقط من باب الصداقة” (10).

في هذا المؤتمر، تمّ التشديد على أن المنهجية المتّبَعة في إدارة الحوارات المرتكزة على “ما يجمع” أي على أوجه التشابه وليس على “ما يفرّق” أي على الفروقات، هي منهجية غير ثابتة وغير مبررة وفريدة في تاريخ الكنيسة. ما قيمة مناقشة ما نقبل وما نتّفق عليه؟ في هذا نحن نقنّع الفروقات لا غير، ونخدم مصالح أخرى، نحن نخفي الهوة ونريح أصحاب النيات الحسنة من غير الأرثوذكس، كما نسهّل الاقتناص، لما فيه الأذى للأرثوذكس. على المنوال نفسه، ضروري أن تُتّخذ كل القرارات المرتبطة بالعلاقات مع غير الأرثوذكس بقوانين مجمعية، وأن يُحاط علماً بها كل جسم الكنيسة، إذ يوجد اليوم نقص خطير في المجمعية.

في الختام أطرى المجتمعون وأثنوا على فكر الكنائس التي انسحبت أو تنوي الانسحاب من “مجلس الكنائس العالمي”، كما من الحوارات اللاهوتية. هذا ما عبّرت عنه الرسالة التاريخية والأكثر أرثوذكسية التي بعثت بها كنيسة أورشليم في 22 حزيران 1992، إلى بقية الكنائس المستقلّة، وفيها أعلنت أنّها توقف الحوار اللاهوتي “مع غير الأرثوذكس بشكل عام، قناعةً بأنّ الحوار ليس فقط بلا نفع، بل بالحقيقة، مضرّ بالكنيسة الأرثوذكسية ككلّ، وبكنيسة أورشليم بوجه خاص”.

8. من التوفيقية بين المسيحيين إلى التوفيقية بين الأديان

إلى هذا، ظهر أنّ العمل المسكوني، بعد النجاح الذي حققه في الحوار بين المسيحيين وما نتج عنه من أفكار مثل “نظرية الأغصان”، “الكنائس الشقيقة” و”اللاهوت التعميدي”، تحرّك نحو الهدف التالي من “العصر الجديد” (New Age): وحدة الأديان. هنا يجد المرء الترويج للفكرة الشيطانية بأنّ المسيح ليس الطريق الوحيد للخلاص والحياة والنور والحق، بل الأديان الأخرى هي أيضاً طرق للخلاص، لكيما يُفرَض في نهاية المطاف الدين الموحّد، دين ضد المسيح، في إطار العولمة والنظام العالمي الجديد. اللقاءات المتعددة الأديان والحوارات، والتي يدعمها الرؤساء المسيحيون كثيراً وعلى نحو عريض، بمَن فيهم بعض الأرثوذكس، أدّت إلى توفيقية لا تُحتَمَل، وهي تشكّل نقضاً للإنجيل وإهانة للشهداء القديسين ولمعترفي الإيمان، الذين تُسلَب شهادتهم واعترافهم، بالحق الواحد الوحيد، من كلّ معنى فيما يُحوّل الشهداء أنفسهم إلى مجرّد “متعصبين” حمقى.

ب. الاقتراحات

بعد هذه الاستنتاجات والتقييمات، قدّم “المؤتمر اللاهوتي الأرثوذكسي” الاقتراحات التالية:

1. بعد ما يزيد عن قرن من اشتراك الكنيسة في “مجلس الكنائس العالمي” والحوارات المسيحية-المسيحية والحوارات مع الأديان الأخرى على أسس تسطّح الفروقات بين الطوائف وتساوي بين الأديان، وبعد أن صار معتَرَفاً عالمياً بأنّ هذه المشاركة غير نافعة ومضرّة، يُقتَرَح أن تنسحب الكنائس التي لم تنسحب بعد من “مجلس الكنائس العالمي” وتضع حدّاً لهذا النوع من الحوارات. لتحقيق هذه الغاية، ليس ضرورياً اتّخاذ هذا القرار بشكل جماعي إذ بالأصل، قرار المشاركة اتُّخِذ بشكل منفصل. الحوار الوحيد القابل للتبرير على أساس الإنجيل والتقليد الآبائي هو الإجابة على سؤالي: “يَا سَيِّدَيَّ، مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟” (11) أو “ماذا أفعل لأرث الحياة الأبدية؟” (12) حين يطرحهما أشخاص غير أرثوذكسيين أو غير مسيحيين يقاربوننا طوعياً بهدف إيجاد الخلاص.

2. يُطلَب من كل الكنائس الأرثوذكسية، وقبل الكلّ كنيسة القسطنطينية الأولى بالشرف وبالمبادرة، إعادة النظر وتعديل العلاقات مع البابوية التي اعتبر كل الآباء القديسين أنها هرطوقية وليست “كنيسة شقيقة”، بدءً بالقديس فوتيوس الكبير، مروراً بالقديسين غريغوريوس بالاماس، مرقس الأفسسي، الآباء المتوحّدون نيقوديموس الأثوسي، أثناسيوس الباروسي، مكاريوس الكورنثوسي، وصولاً إلى القديسين نكتاريوس أسقف المدن الخمس ويوستينوس بوبوفيتش.

3. تُحتَرَم القوانين الكنسية المقدسة التي تحرّم الصلاة المشتركة مع غير الأرثوذكس بشكل عام، في مختلف الحالات، وليس فقط في الإفخارستيا، كما يُقتَرَح مؤخَّراً.

4. تُناشَد الكنائس الأرثوذكسية التي إلى الآن لم تسمح للبابا بزيارة أراضيها، لأن تبقى صارمة في هذا القرار. أيستطيع أحد أن يتصوّر أيّاً من الآباء يقيم الولائم لتكريم ومعانقة أريوس أو نسطوريوس أو افتيخيوس أو غيرهم؟ على المنوال نفسه، فليُمحَ من تقويم كنيسة اليونان المادة التي تسجّل زيارة البابا كحدث تاريخي، ولتُمنَع كل محاولات تكرار هذه الزيارة أو مبادلتها.

5. التحقيق بموضوع المناولة المشتركة بين بطريركية أنطاكية وأتباع الطبيعة الواحدة (اليعاقبة السوريين)، كما التحقيق في اعتراف بطريركية الاسكندرية ببعض أسرار الهراطقة (الأقباط). فليُطبَّق في هذه الحالة المبدأ القانوني: “مَن يتناول مع المقطوع فليكن مقطوعاً”.

6. تقوية وتشجيع الحوار بين الأرثوذكسيين بروح المجمعية، ولا يكون يقتصراً فقط على الأساقفة. من الجدير بالرثاء متابعة الحوار مع مختلف الهراطقة فيما تُهمَل الاختلافات في الرأي مع الإخوة، ويُقذَفون بالتعصّب.

7. توقيف وعدم تشجيع التجديدات والتغييرات الليتورجية التي تشكّل تطبيقاً لمبادئ المسكونية الساعية إلى خلق عبادة غير عقائدية، تسهيلاً لقبول الهرطقة. إلى هذا، إن الثروة الليتورجية في الكنيسة الأرثوذكسية لا تخصّ أياً من الكنائس المحلية وحدها. إنّها تعبّر عن حياة الكنيسة عبر الأجيال، ويجب الحفاظ عليها كنور العين.

8. الإعلان إلى رؤساء الكنائس في كل مكان أنّه في حال استمرّوا في المشاركة ودعم هرطقة المسكونية، ما بين المسيحيين أو مع الأديان الأخرى، فإن سلوك المؤمنين، إكليريكيين وعلمانيين، المُلزِم والخلاصي، القانوني والآبائي، هو القطع. بكلام آخر، الامتناع عن ذكر الأساقفة المشاركين في المسؤولية عن الهرطقة والضلال والمشتركين بها. هذا ليس دعوة إلى الانشقاق بل بالأحرى هو اعتراف مرضٍ لله، تماماً كما فعل الآباء القديسون، ومعهم أساقفة ومعترفون في أيامنا هذه.

9. يُعلَن بصوت البوق أن المسكونية والحوار غير المشروط مع غير الأرثوذكس وغير المسيحيين ليس نافعاً، بل هو مضر، وبالتالي ليس عمل محبة وليس سوى طريقة تفكير دنيوية. إنّ هذه العلاقات اصطلاحية وأهدافها ليست روحية بل مصالح ذاتية. إنّها تمزّق وتلطّخ الفكر الأرثوذكسي بالخلط والإرباك، ما ينتج عنه الأذى للمؤمنين، إذ بدون نقاء العقيدة، حتى في الأمور الصغيرة، لا يخلص احد. إنّ هذه الحوارات تغلِق باب الخلاص على غير الأرثوذكس وغير المسيحيين، وتحجب النظر عن رؤية المسيح كطريق وحيد للخلاص، وتعيق رؤية الكنيسة الأرثوذكسية كسفينة للنجاة، كونها الكنيسة الوحيدة. الله، في محبته غير المتناهية للبشر والعالم، يرغب في خلاص كل البشر. على العكس، الشيطان عدو الخلاص يشنّ حرباً على الإنسان بطرق متنوّعة من الحسد والحقد.

وعليه، بمحبة نحن نرفض الحوار المسكوني لأن ما نرغب في أن نقدّمه لغير الأرثوذكس وغير المسيحيين هو بالضبط ما وَهَبنا إياه الله في كنيسته الأرثوذكسية المقدّسة: الفرصة لأن نكون أعضاء جسده.

حواشي

1]Archimandrite Justin Popovich, The Orthodox Church and Ecumenism, Thessaloniki, 1974, pg. 224.

[2]Saint John Chrysostom, On the Epistle of St. Paul to the Romans, Homily 22, verse 18, PG 60, 611.

[3]Saint John Chrysostom, On the Epistle of St. Paul to the Philippians, Homily 2, verse 10, PG 62, 191.

[4]Mathew 23:13.

[5]See P. Bratsiotos, Irenaios of Samos and the World Council of Churches, “Ekklesia” 40 (1963) 477.

[6]Mathew 12:33.

[7]See: http://sor.cua.edu/Ecumenism/19911112SOCRumOrthStmt.html for the full text in English.

[8]Jn. 6:67.

[9]Jn. 6:69.

[10]I. Karmiri, The Dogmatic and Symbolic Monuments of the Orthodox Catholic Church [in Greek], Graz, 1968, vol. 2, pg. 489.

[11]Acts 16:30.

[12]Luke 10:25 and 18:18.


ملحق: المشاركون في المؤتمر

المطارنة: ايروثيوس نافباكتوس وتوابعها (اليونان)، أمفيلوخي الجبل الأسود وتوابعها (صربيا)، نثنائيل نفروكوب (بلغاريا)، يوحنا فالاسون وباراداريو (مقدونيا).

الأساقفة: بندلايمون غانا (الإسكندرية)، أرتاميوس راسكاس وبريزن (صربيا)

الأرشمندريتية: يوسف رئيس دير كسيروبوتامو (أثوس)، ديمتريوس فاسيلياذيس أمين سر المجمع (أورشليم)، مكسيموس رئيس دير ديونيسيو (أثوس)، خريستوفوروس تسياكاس رئيس اللجنة المجمعية للهرطقات (قبرص)، نيقوديموس باروسيس رئيس دير والدة الإله خريسوبوداريتسا (يانينا، اليونان)، سارانتيس سارانتوس أستاذ في معهد ريزاريو (أثينا، اليونان)، يوانيكيس كوتسونيس (اليونان)، ألكسيوس كاراكلينوس (أثوس)، نيلس من دير فاتوباذي (أثوس) أستاذ في جامعة اليونان الكبرى – كالابريا (اليونان)، بيساريون رئيس دير رؤساء الملائكة (نيامتس، رومانيا).

المتقدمون في الكهنة: جورج ميتالينوس عميد كلية اللاهوت في جامعة أثينا (اليونان)، ثيوذوروس زيسيس عميد كلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي (اليونان)، جورج دراغاس أستاذ في كلية الصليب للاهوت في بوسطن (القسطنطينية)، قسطنطين كومان أستاذ قي كلية اللاهوت في جامعة بوخارست (رومانيا)، فلانتين أزموس من كلية اللاهوت في موسكو (روسيا)، زوراب أنتادزي (جورجيا)، قسطنطين ستراتيغوبولوس (اليونان)، لامبروس فوتوبولوس (اليونان).

الكهنة: باراسكافاس أغاثونوس (اليونان)، جون ريفز (الكنيسة الأرثوذكسية في أميركاOCA)، خريستوس فيليوتيس (اليونان)، بيتر هيرز (اليونان)

الشماس ليونديوس من دير رؤساء الملائكة (نيامتس، رومانيا).

الرهبان الشيخ موسى الأثوسي، أرسانيوس فليانغوفتيس (أثوس)، لوقا رئيس دير فيلوثايو (أثوس)، نيقوديموس بلاليس (أثوس).

أساتذة جامعيون: داسبو لياليو رئيسة قسم اللاهوت الرعائي في جامعة تسالونيكي (اليونان)، ديمتريوس تسالانغيديس – كلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي (اليونان)، أنطوني بابدوبولوس – كلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي (اليونان)، جون كورناراكيس أستاذ فخري – – كلية اللاهوت في جامعة أثينا (اليونان)، جان كلود لارشيه أستاذ فلسفة في السوربون، فرنسا (القسطنطينية)، ثيودور يانغو أستاذ مشارك – كلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي (اليونان)، نيقولا فاسيلياذيس (اليونان)، قسطنطين كافارنوس، قسطنطين كوتسيوبولوس مدرّس – كلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي (اليونان)، أنطوني ميرونوفيتش أستاذ في قسم اللاهوت الأرثوذكسي في جامعة بياليستوك (روسيا)، بانايوتيس سوتيرخوس صحفي (اليونان)، إيفان دياتساكنو أستاذ جامعي (روسيا)، خريستوس ليفانوس رئيس أخوية القديس أثناسيوس، تورونتو، كنذا (القسطنطينية)، رادو بريدا أستاذ في كلية اللاهوت في كلوز-نابوكا، رومانيا (رومانيا).

شخصية الأرثوذكسية

شخصية الأرثوذكسية

جورج مانتزاريذيس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

“كما رأى الأنبياء، وعلّم الرسل، وتسلّمَت الكنيسة، وثبَّت المعلّمون في العقائد، وفهم العالم… هكذا نحن نؤمن وهكذا نتكلّم وهكذا نعلّم. هذا هو إيمان الرسل، وهذا هو إيمان الآباء، هذا هو إيمان الأرثوذكسيين. هذا الإيمان أسّس العالم.”

ليست الأرثوذكسية مجرّد طائفة مسيحية، بل إن لها شخصية شاملة تتخطّى الزمن. لم تُخلَق الأرثوذكسية من أفكار مجرّدة ولا من انشقاقات، بل هي الحقيقة الوحيدة الموحَّدة. إنّها حقيقة الكنيسة، حقيقة جسد المسيح، الذي يُشتَرَك فيه ولا يُقَسَّم، يُوَزَّع ويوحِّد. إن حقيقة الأرثوذكسية هي واقع محبة الله للجنس البشري، عطية التدبير الإلهي التي تخلق في المؤمنين التزاماً متطابقاً ومسؤولية متماثلة: الالتزام بالسلام والوحدة فيما بينهم والمسؤولية عنهما.

في سنة 842 بعد زوبعة الحرب على الأيقونات التي أعادت الهرطقات الخريستولوجية بشكل جديد، عاد السلام والوحدة إلى الكنيسة في حياة أعضائها. وهكذا، ظهرت نعمة الله مجدداً في حياة المؤمنين. حقيقة الإيمان ظهرت مرة أخرى كعلامة للحياة اليومية. بالطبع، حتى في أكثر أزمنة تاريخ الكنيسة لمعاناً، لم يتوقف ضعف الشعب المنتمي إليها والذي غالباً ما اقتيد إلى الهرطقات والانشقاقات. إن انتصار الكنيسة النهائي وظهور وحدتها السرمدية سوف يتحقق في الزمن الأخير (eschaton)، حيث الكنيسة المبعثرة في العالم سوف تتجمّع في ملكوت الله.

لكن هذا لا يعني أبداً التبرير لعدم عيشنا هذه الوحدة منذ الآن. تميّز الوحدة طبيعة الكنيسة. عندما لا نحيا الوحدة يعني أننا لا نعيش كأعضاء للكنيسة. فالكنيسة ليست مؤسسة بشرية يُعتَقَد فيها أن الوحدة نافعة، لكنها غير ضرورية تماماً. الكنيسة هي جسد المسيح الذي لا يُفهَم من دون وحدة. المسيح واحد: كنيسته واحدة. في دستور الإيمان، نحن نعترف بإيماننا بكنيسة واحدة مقدّسة جامعة رسولية. إن تعدّد الكنائس، أو بالأحرى تعدد الطوائف المسيحية، هو تركيبات بشرية وليس من الله.

ومع هذا، فمنذ بعض الوقت، لم يعد العالم المسيحي يشكّل جماعة واحدة من الشعب المؤمن، أي كنيسة واحدة. لم يحفظ الإيمان، الذي سلّمه الرسل وآباء الكنيسة غير المنقسمة ومعلموها، بدون تغيير في كل مكان. لقد هُشِّمَت العبادة، غُرِّب الخُلُق، قُضي على التآلف، وأُهتِك التقليد. وهكذا، ابتُدعَت فضيحة في العالم، فضيحة لا يستطيع أي مسيحي ألاّ يبالي لها.

ليست الكنيسة الأرثوذكسية واحدة من بين الكنائس الكثيرة. إنّها كنيسة المسيح غير المنقسمة. وهي ليست غير منقسمة لأنّ الأرثوذكسيين يريدون ذلك بل لأنّها انبثقت على هذا الوجه من التقليد المسيحي.

الأرثوذكسية ثبّتت العالم لأنّها كانت دائماً مسكونية. لكنّها لا تستطيع أن تثبت كأرثوذكسية إذا لم تصمد كمسكونية. الأرثوذكسية ليست التعصّب ولا هي المحافَظة. الأرثوذكسية ليست الجمود ولا هي العِرقية. التعصب يستغلّ الأرثوذكسية ويحوّلها إلى أداة للحزبية. التعصب يدحض الأرثوذكسية فتختفي روحها التي هي روح المحبة والمصالحة. وعليه، المتعصبون لا يستطيعون أن يكونوا أرثوذكسيين، بغض النظر عن العبارات الأرثوذكسية التي يستعملونها. والمحافَظة أيضاً يمكن أن تقتل تقليد الأرثوذكسية وتحوّله إلى إيديولوجيا تخدم عادةً أهدافاً غريبة. لا يمكننا أن ننسب أيّ نظام إلى الأرثوذكسية، فالأرثوذكسية هي التقليد الحي للحق والحياة. ليست الأرثوذكسية جامدة ولا مقاومة للتغيير، إنّها مليئة بالقوة والنشاط وتقليدية في الوقت نفسه. فالتقليدية ليست المحافَظة بل الإبداع، ليست حالة بل حياة. بالنهاية، ليست الأرثوذكسية إحدى الإيديولوجيات.

بالطبع، حاول البعض استعمال الأرثوذكسية كإيديولوجيا (أي كمجموعة نظامية من المفاهيم في موضوع الثقافة البشرية). هذا لم يقم به فقط القادة السياسيون لتحقيق أهدافهم الخاصة، بل أيضاً إكليريكيون وعلمانيون. الحق، والحرية التي يعطيها الحق (أنظر يوحنا 32:8)، هما أمران عظيما الأهمية. البعض يتخلّون عنهما بسهولة أو يستبدلونهما بأوثانهم المزيفة. من السهل على البعض أن يتاجر بالأرثوذكسية إذ من الصعب عيشها. من السهل أن نتبجّح بكوننا أرثوذكسيين، خاصة عندما تكون الأرثوذكسية موضة، وبأن ندين الآخرين كخونة وهراطقة، لكن من الصعب أن نحيا حقيقة الأرثوذكسية. وهكذا، غالباً ما ننسى هذه الحقيقة ونُسقِط رغباتنا الشخصية أو الجماعية واهتماماتنا الذاتية باسم الأرثوذكسية. بهذا نحن نزيّف الأرثوذكسية أكثر من الذين نصفهم بأنهم أعداؤها. عندما يقوم مَن نعتبرهم أعداءَ الأرثوذكسية بإدانة أرثوذكسيتنا المحرّفة أو بالحكم عليها، فبدل من أن نستدير نحو أنفسنا لنرى حالتنا ونهتم بها ونصلحها، نحن نرميهم بالسهام ظانين أننا نقوم بواجبنا نحو الأرثوذكسية أو حتى أننا نكون بهذا معترفين.

ليست الأرثوذكسية إيديولوجيا بل هي الحق والحياة. إنها تحترم خصوصية الناس ولغتهم وتقاليدهم وعاداتهم. كما أن المسيح بتجسده اتّخذ طبيعة البشرية كاملة، كذلك الكنيسة الأرثوذكسية تتّخذ كل ما هو بشري في التاريخ. ولكن أيضاً، كما أن المسيح لن يتّخذ الخطيئة لأنها حالة مخالفة لطبيعة الإنسان، كذلك الكنيسة، أو بالأحرى الأشخاص الراغبين في أن ينتموا فعلياً للكنيسة جسد المسيح الأبدي غير المنقسم، لا يسمحون لحالات الخطيئة بأن تسيطر على حياتهم وعلى علاقاتهم. الحرية التي يمنحها المسيح لا يمكن استعمالها وكأنها “فُرْصَةً لِلْجَسَدِ”، بل ينبغي أن تظهر بروح من المحبة والخدمة المتبادلة (غلاطية 13:5). هذه الحرية ليست في أن نكون غير مسؤولين، بل هي دعوة لتحرير ذواتنا كلياً من مصدر الخطيئة والانقسام، الذي هو أنانيتنا، ولاكتشاف جامعة طبيعتنا في المسيح.

بالواقع، يتلاشى الكثير من الحواجز التي نلتقيها يومياً إذا كان عندنا هذا الموقف. كم من التناقضات تُوضع جانباً، إذا لم تسّد الأنانية الفردية أو الجماعية في العلاقات؟ “إِذَا صَارَ الْمِلْحُ بِلاَ مُلُوحَةٍ، فَبِمَاذَا تُصْلِحُونَهُ؟” (مرقس 50:9). إذا كنا نحن الأرثوذكسيين، الذين نتباهى بأننا نحفظ حقيقة المسيح بدون تغيير، لا نهتمّ بالعمل في هذا الاتجاه، فمَن ننتظر؟ إن الكنيسة توجّهنا دوماً نحو محاربة الأنانية بمختلف أشكالها. التوبة، عمل العمر عند المسيحي، تهدف إلى هذا.

ليست الأرثوذكسية بعض القيم الموضوعية، يمكن لهذا أو ذاك أن يستعملها بحسب أذواقه ورغباته. ليست الأرثوذكسية مُلكاً لمَن يظن أنّه يمتلكها. لا يمكن لأحد أن يمتلك الأرثوذكسية. فقط يمكنه أن يكون متمَلَّكاً منها. لا يمكن لأحد أن يدرِج الأرثوذكسية بين خططه ليدين الآخرين أو يقاتلهم، أو ليتعصّب أو يجعل الآخرين يتعصّبون. الأرثوذكسية الحقيقية، ولا نتحدّث عن الانحرافات عنها، لا يمكن إدراجها في أي شيء، بل هي تدعو الجميع إلى اندراج كونيّ فيها. في غير ذلك، تكون المعمودية كافية للانتماء إليها. لكنّ تقدم المؤمنين في الكنيسة الأرثوذكسية يتحقق عندما يصبح انتماؤهم إليها فعّالاً، أي في المدى الذي لا يتركون فيه الأنانية ونتائجها تسيطر على حياتهم وتفرغ إيمانهم ومحبتهم تاركةً المظاهر منها فقط.

عندما نجعل أنفسنا أعضاء في الكنيسة الأرثوذكسية، أي أعضاء في جسد المسيح، لا يمكن أن نكون لا مبالين بما يحدث في العالم المسيحي. الألم الذي تسببه لنا الانقسامات هو ألمنا. يجب أن يكون الاهتمام بإزالة هذه الانقسامات اهتماماً مشتركاً. لكن لا ينبغي أن نقبل بتسويات على حساب إيماننا لكي نساعد المسيحيين غير الأرثوذكسيين. إننا بهذه المساومات نخون أنفسنا ونخون المسيحيين الآخرين، لأنّهم يحتاجون للحقيقة المسيحية غير ملوثة. لكي نساعد المسيحيين غير الأرثوذكسيين، خاصةً عندما تقرّبنا الظروف من بعضنا البعض، علينا أن نعود إلى جذورنا، علينا أن نعرف أرثوذكسيتنا بشكل أفضل وأن نجدّ في طلب حقيقتها الكونية والمسكونية.

From the book, Orthodox Spiritual Life, Holy Cross Orthodox Press 1994, pp. 1-5.

خلاص غير الأرثوذكس

خلاص غير الأرثوذكس

الأب يوحنّا كوستوف

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

هناك أناس يتساءلون: “حسناً، نحن المسيحيون لدينا إيماننا، الإيمان الحقيقي، ولدينا كنيستنا، وإعلاننا الإلهي، ونحن نسير في الطريق التي تؤدّي إلى الخلاص، وإلى ملكوت السماوات، طبعاً إذا كنّا يقظين في حياتنا كما ينبغي. لكن ماذا عن الناس الآخرين من الأديان الأخرى؟ ماذا ينتظر البوذيين والمسلمين؟ أو حتى غير الأرثوذكس من المسيحيين؟ لكن لنتطرّق الآن إلى موضوع الأديان الأخرى: ألا يذهب معتنقوها إلى السماء، أي حكم يخبّئ الله لهم؟ هل نحن الوحيدون الذين سوف يُحاكَمون وعليه إمّا “نُرفَع” أو “نُرمى”؟ ماذا ينتظر الآخرين؟ أليس عندهم خلاص؟ الجواب هو: بالتأكيد خلاصهم ممكن. إن الوضع هو كالتالي: مَن تعرَّف إلى المسيحية واعتمد سوف يُحاكَم بحسب ناموس الإنجيل، ناموس النعمة. لكن مَن عاش حيث لم يُبَشَّر بالإنجيل، كمدغشقر وسومطرة وبروناي، والقطب الجنوبي، فبحسب ما أعلن الرسول بولس في رسالته إلى أهل روما، سوف يُدان على أساس ناموس ضميره: “لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ، الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً” (روما 14:2-15).

لقد وضع الله في داخل كل إنسان، من دون استثناء، وحيثما وُجد على الأرض، تلك المحكمة العادلة، أي قانون الأخلاق الداخلي، الذي على أساسه يُحاكَم الناس. إذا عاشوا مخلصين لتلك القواعد الأخلاقية الفطرية، سوف يدخلون الملكوت وإلا فلن يستحقوا ذلك. بالتأكيد، بحسب ما يرد في الرسالة الأولى إلى الكورنثيين (41:15) بأنّ ” نَجْماً يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي الْمَجْدِ”، سوف يكون هناك تدرّج في الملكوت، كما سوف يكون في الجحيم. شعوب المعتقدات الأخرى، بسبب أعمالهم الحسنة في حياتهم، يدخلون الملكوت لكنّهم لا يتمتّعون بما يتمتّع به القديسون، كمثل الرسول بولس أو القديس مكاريوس.

قد يفتكر البعض: “أليس هذا مجحفاً بحق هؤلاء الشعوب؟” لا ليس مجحفاً، لأنّ مُحاكمتهم سوف تكون بتساهل أكبر. المسيحية صارمة جداً بما فيها من القوانين. يمكن هنا أن نستطرد فنورِد كثرة المسيحيين كدليل على حقيقة المسيحية. عندما يسعى المرء إلى اجتذاب الأتباع، لا يظهِر الأوجه السلبية بل على عكس ذلك، يُبَشَّر الأتباع المحتَمَلين بكل أنواع المكاسب ووسائل الراحة، يُتَملَّقون ويُدَلّلون. في المسيحية، شدّد المسيح لتلاميذه على أنّ “فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ” (يوحنا 33:16)، و”إِنْ كَانُوا قَدِ اضْطَهَدُونِي فَسَيَضْطَهِدُونَكُمْ” (يوحنا 20:15)، وغيرها الكثير من هذه الوعود التي هي بالكلية معيقة لاجتذاب الأتباع. بينما، عندما تعِد المسيحية بهذه الظروف الصعبة فيما هي تجتذب الناس، فهذا يعني أنّها تظهِر الحقيقة. في العودة إلى موضوعنا، ليس المسيحي “محظوظاً”، إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ المسيح يطلب الكثير من المسيحيين. فهم سوف يذهبون إلى مكان أدنى من حيث يذهب غيرهم، إذا لم يلتزموا بما يطلبه المسيح منهم. لن يُحاكّم غير المسيحيين بحسب الإنجيل بطريقة أكثر ليناً.

لاحظوا الفرق هنا: الإنسان الذي سوف يُحاسَب بحسب قانون الأخلاق الداخلي، سوف يكون مسئولاً أمام الله، على سبيل المثال، عن أعمال الزنا التي ارتكبها فعلياً. أمّا المسيحي فسوف يُحاسَب بشكل أكثر صرامة: حتّى على نظرة شهوانية واحدة. سوف يُحاكَم في “أقواله، وأعماله وأفكاره”. مكاسب المسيحي أكثر، لكن المعايير أكثر قساوة وطريقه أكثر صعوبة. كل شيء بعدل لأن الله عادل بشكل لا يُقارَن. كما قال الأب باييسيوس الأثوسي: “لا يوجد عند الله قياسان متشابهان. فهو يزين كل إنسان بميزان مختلف”. هذا يتوقّف على مكان ولادة الإنسان والجو الذي تربّى فيه ونوعية أهله ومدرسته وبلده ودينه وخصوصيات كل واحد على حدة. الله لا يرتكب الأخطاء.

يقول أستاذ العقائد الراحل خريستوس أندروتسوس أنّ الأرثوذكسية هي الطريق الوحيد إلى الخلاص. ليست الأرثوذكسية الطريق إلى الخلاص، بل الطريق الوحيد الأكيد الآمِن. يشرح الأب يوئيل ياناكوبولوس هذا الكلام بتقديم مثال مفعم بالحيوية: الأرثوذكسية هي الطريق التي استعملتها القافلة المدرّعة. بالطبع هناك طرق أخرى للانتقال بين مدينتين لكن ليست كلّها طرقاً آمنة. هكذا بالضبط هي المسألة بين الكنيسة الأرثوذكسية وغير الأرثوذكسيين أو غير المسيحيين. مع هذا، ينبغي التشديد على أنّه حتى ولو اعتمد الإنسان في الكنيسة الأرثوذكسية ومن ثمّ صار هرطوقياً، أو حتى ما هو أسوأ أي كافراً أو ملحداً، فهو لا يخلُص مهما عمل من الأعمال الصالحة. هناك فرق واضح المعالِم بين أن لا يعرف الإنسان المسيح، لكونه بوذياً أو مسلماً أو غيره، وبين أن ينكر المسيح ليعترف بغيره.

هذا هو موضوع خلاص غير الأرثوذكسيين. الأمر الأهمّ هو خلاصنا. في يوحنا 21:21، عندما رأى بطرس يوحنا الإنجيلي وراء المسيح سأل “ماذا عنه؟” أي بكلام آخر “ماذا ينتظره”. هذا سؤال يظهر حنو بطرس، إنه إظهار لاهتمامه بيوحنا. نحن، في مطلق الأحوال، نأخذ هذه الجملة ونستعملها بشكل معرفي ليس إلاّ، أي نتساءل “ماذا ينتظر غير الأرثوذكسيين وغير المسيحيين؟” من دون أن نهتمّ بخلاصنا. لهذا، الأمر الأساسي الواجب هو الاهتمام بخلاص نفوسنا، وفي الوقت عينه الاهتمام بخلاص الآخرين الذين انضمّوا إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وليس الاكتفاء بالتساؤل في عقلنا عمّا ينتظرهم.

اتحاد الأديان

اتحاد الأديان

الأب أنطوان ملكي

قمة الألفية

نظمت منظمة الأمم المتحدة قمة الألفية من أجل السلام في مركزها في نيويورك ما بين الثامن والعشرين والحادي والثلاثين من آب 2000. والقمة هذه بالأصل هي للزعماء السياسيين ولكن فيما بعد تم تنظيم لقاء قمة موازٍ حضره المئات من رؤساء الأديان والمجموعات الدينية أو ممثلين عنهم من مختلف مناطق العالم. كان بين الحضور ممثلون لمختلف الطوائف المسيحية، لمختلف شيع الإسلام، اليهودية، السيخ، البوذية، البهائية، الكونفوشيوسية، الزرادشتية، الطاوية، مجموعات السحرة، عبدة الأشجار، عبدة الكواكب، أصحاب الديانات القديمة وغيرهم. هدف اللقاء كان تسليط الضوء على دور الزعماء الدينين والروحيين في تجنب الصراعات ومعالجتها من أجل تحسين وتقوية دور الأمم المتحدة. وكما عبر عن هذا الأمر باوا جاين، أحد الأمناء العامين المساعدين، “نأمل بأن نستطيع إنزال (parachuting) الزعماء الروحيين في الأوقات الحرجة حيث الحاجة تكون إلى حل لاعنفي للخلافات”[1]. أما كوفي أنان الأمين العام للأمم المتحدة فقد ركّز في كلمته على ضرورة إعادة الدين إلى دوره الأصيل الحقيقي “كصانع للسلام ومهدئ… يوجد قاسم أساسي بين تعاليم الأديان والقيم الواردة في ميثاق الأمم المتحدة…”. في نهاية القمة وقّع الحاضرون على وثيقة تحمل الدعوة إلى إحلال السلام بين الشعوب. هذه الوثيقة كانت قد أعدّتها لجنة عالمية أجرت لقاءات مع علماء وزعماء من مختلف المناطق. أغلب أعضاء هذه اللجنة ينتمون إلى مبادرة الأديان المتحدة (United Religions Initiative – URI). قبل الكلام عن هذه المبادرة ونشأتها من الضروري الإشارة إلى أن دعوة الأمم المتحدة إلى هذا اللقاء لم تكن الأولى من نوعها في التاريخ. فالواقع أن الأمم المتحدة هي واحدة من مجموعات عديدة لا ترى في تعدد الأديان إلا عنصراً للاختلاف والتفرقة  العرقية أو الإثنية، وسبباً للحروب، كما لا ترى في التعاليم الدينية إلا وسائل لتثبيت هذه التفرقة وإقامة مؤسسات تخدم مصالح كل فئة. وقد قامت عدة دعوات في التاريخ الحديث إلى توحيد الأديان، القديمة منها والحديثة كما يسميها دعاة هذه الحركات. سوف يعرض هذا المقال للتاريخ الحديث لبعض هذه المبادرات والدعوات التي ساهمت في التحضير لخلق جو تختلط فيه الألوان الدينية فينتج عنه موجة من التوفيقية (Syncretism) التي تتسع رقعتها في العالم الحديث.

لمحة تاريخية عن مبادرات توحيد الأديان[2]

بدءً من العام 1893 ظهرت عدة لقاءات تدعو إلى ديانة موحدة وأهمها برلمان الأديان العالمي. المنظمون العاملون لهذا اللقاء كانوا ثلاثة: إثنان من المشيخيين والأخير من الموحدين (uniterian). مع أن عدداً من الكاثوليك واليهود الأميركيين ساهموا في التحضير لهذا البرلمان إلا أن أحداً منهم لم يشارك فيه بل اقتصرت المشاركة على البروتستانت وإثني عشر بوذي أتوا من سري لانكا واليابان، إضافةً إلى بعض الهندوس من البراهمو سمج والراماكريشنا، ومسلم واحد، وبعض البهائيين. ألقيت محاضرات من المشاركين للتعريف بأديانهم حيث رأى بعضهم حتمية أن يصبح دينه دين العالم كله، كما هو، أو بإحداث بعض التغييرات المتأثرة بالأديان الأخرى. بينما رأى آخرون ضرورة قيام دين جديد عالمي من خلال هذا التلاقي بين الأديان المختلفة. هذا الإختلاف في الرؤية كان أصلاً موجوداً لدى المنظمين الثلاثة إذ أن كلاً منهم كانت له أهدافه الخاصة من اللقاء. الأول أراد أن يوحد التديّن ضد عدمه، الثاني آمن أن المسيحية هي الوحيدة التي تستطيع أن تتطور لتكون الدين العالمي، والأخير رغب ببناء محفل لدين عالمي مخصص للروح الباحثة عن التطور وخدمة المحبة.

عام 1900 تأسس الإتحاد العالمي للحرية الدينية (International Association for Religious Freedom – IARF) من قِبل بعض الذين شاركوا في البرلمان العالمي إضافةً إلى أعضاء جدد بلغ عددهم السبعين من 25 دولة. ما زال هذا الإتحاد قائماً حتى اليوم ومهمته دعم الحرية الدينية عن طريق توجيه رسائل إلى الدول التي تقمع هذه الحرية. للاتحاد ممثلان لدى الأمم المتحدة، في نيويورك وجنيف. تُعقد اجتماعاته كل 3 سنوات حيث تُقام صلوات بكل التقاليد وتُنظم برامج حول مواضيع دينية وأخلاقية وسياسية. يدعم هذا الاتحاد مشاريع خدمات في أوروبا الشرقية، بنغلادش، الهند، الفيليبين وأفريقيا.

أوائل العام 1920 ظهر اقتراح لإقامة حلف ديني موازٍ لعصبة الأمم. وفي العام نفسه دعا المؤتمر العالمي لليبراليين الدينيين (International Congress of Religious Liberals) إلى تحالف أديان (League of Religions) يكون النظير والحليف لعصبة الأمم.

في الثلاثينات دعا نورمن بنويتش، في كتابه “الأساس الديني للدولية The Religious Foundation of Internationalism”، إلى حلف أديان وقال أن الفكرة لها تاريخ طويل مسمياً بين أنصارها ليبنتز وروسو. أيضاً في الثلاثينات أسس السير فرانسيس يونغهازبند برلمان المعتقدات العالمي (World Congress of Faiths – WCF) كاتباً أن الأساس الديني ضروري للنظام العالمي الجديد. لم ينشئ الـWCF جهازه الخاص بل اعتمد على اتصالاته بالتنظيمات المماثلة. مركز هذا التنظيم اليوم في بريطانيا وهو ينظم محاضرات ومؤتمرات تدعو الناس إلى التعلّم عن الديانات الأخرى وتبادل الخبرات.

في العام 1943 أسس جورج بل، أسقف شيشستر، لجنة لتأمين الارتباط بين السلطة العالمية وممثلي الأديان الحية. صدر عن هذه اللجنة بيان سمي بيان الأديان الثلاثة (Three Faith Declaration) اليهودية والكاثوليكية والبروتستانتية. قدّم هذا البيان إلى الأمم المتحدة ولكنه أُهمِل.

إبتداءً من الأربعينات قدمت الأمم المتحدة أكثر من اقتراح مماثل للأديان المتحدة، خاصةً بعد أن أصبح يوثانت[3] أميناً عاماً. في السبعينات والثمانينات شجعها روبرت مولر وهو مساعد سابق للأمين العام للأمم المتحدة ويُعتَبر من أهم روحانيي العصر الجديد (New Age) وكاتب لعدة كتب في هذا المجال. فهو يرى أن الحاجة هي إلى مكان يجتمع فيه ممثلو الأديان بشكل مستمر على مثال ما يجتمع ممثلو الدول في الأمم المتحدة. وفي كتاباته يحكي عن دور الروحانية (spirituality) في حل مشاكل العالم، مطالباً بإنشاء منظمة للأديان أو بأن تكون هناك لجنة في الأمم المتحدة تعنى بالأمر[4]. وهو بهذا يستند إلى رأي هارولد ستان، آخر الأحياء من الأميركيين الذين شاركوا في كتابة شرعة الأمم المتحدة، الذي لا يرى في عدم انضمام كل الأديان إلى هذه المؤسسة أي مشكلة إذ أنها لن تلبث ان تنضم بعد التأسيس على غرار ما جرى مع الدول التي لم تنضم إلى الأمم المتحدة عند تأسيسها. ويشدد مولر على أهمية العام 2000 في هذا العمل الوحدوي داعياً الناس إلى موقف نبوي يتلخص في إعلان وحدة بين الأديان تقوم على المبادئ المشتركة بينها مثل السلام، عمل الخير، الأمل، الإيمان، الحب، المسامحة، الخلق، الأبدية، الإيمان بالحياة وغيرها.

في الخمسينات أقام حلف الأديان العالمي (World Alliance of Religions) عدداً من المؤتمرات. كما أُسس البرلمان العالمي للأديان في نيويورك من أجل إيجاد مجموعة دائمة تعمل مع الأمم المتحدة لإيقاف الحروب وإزالة أسبابها ولنشر حياة أفضل بين شعوب الأرض كلها.

في الستينات ظهر محفل التفاهم (Temple of Understanding – ToU) الذي عقد، ما بين الستينات والتسعينات، عدداً من المؤتمرات الروحية موازية لمؤتمرات الزعماء السياسيين. مركز هذا المحفل هو نيويورك ومن أهم شخصياته توماس مارتن[5] الذي عمل في الستينات مع مجلس الكنائس العالمي وقد أثارت كتاباته التحفظ لدى عدد من الأرثوذكسيين الذين ردوا عليه خاصة في موضوع السلام.

أيضاً في 1961 قدّم رؤساء البوذية الوون الكوريين (Wonn Buddhism) فكرة اتحاد أديان يتولى حل مشاكل العالم الروحية.

في السبعينات عبّر شري ر.ر. ديووكر، أحد مؤسسي المؤتمر العالمي من أجل الأديان والسلام (World Congress of Religion and Peace – WCRP)، عن الحاجة إلى منظمة أديان متحدة في العالم كله. وفي الفترة نفسها أعرب سرفابالي راداكريشنن، رئيس الهند السابق وراعي الشرف لأول إجتماع للـWCRP، عن الرغبة بنشر السلام والوفاق بين البشر من خلال عدد من الوكالات العالمية ومن بينها الأمم المتحدة (UN)، الأونيسكو، منظمة العمل الدولية (ILO)، ومنظمة الصحة العالمية (WHO)، متساءلاً لماذا لا يكون هناك منظمة أديان متحدة ما دام هناك منظمة أمم متحدة. في العام 1994تم انتخاب Chiara Lubich رئيسة شرف لهذا التنظيم، وهي التي أسست الفوكولاري[6].

في الـ1986 اقترح جون تايلر، في أحد الإجتماعات التي ضمت عدداً كبيراً من منظمات الحوار الديني في أمرداون – بريطانيا، إقامة مجلس أديان عالمي.

في 1993 اقترح رئيس المجلس العالمي المسيحي اليهودي، سيغموند شترنبرغ، إقامة برلمان شيكاغو لأديان العالم. وفي 1995 التقت مجموعة من الشخصيات المعروفة عالمياً حول ما أسموه منظمة السلام بهدف مساندة بعضهم البعض في أعمالهم من أجل السلام، خاصةً الديني.

مبادرة الديانات المتحدة (United Religions Initiative – URI)[7]

هي أهم هذه المؤسسات اليوم. هذا التنظيم أنشأه في العام 1993 الأسقف وليم سوينغ William Swing من الكنيسة الأسقفية في كاليفورنيا إثر تلقيه طلب من منظمة الأمم المتحدة لترؤس خدمة مشتركة في كاتدرائية النعمة في سان فرانسيسكو، بمناسبة العيد الخمسين لتأسيسها. لكن الحلم الذي راوده، مثل سابقيه، هو: إن كان رؤساء الأمم يجتمعون يومياً في الأمم المتحدة لمعالجة شؤون الدول، لمَ لا يجتمع رؤساء الأديان في العالم؟ لماذا لا يكون هناك “منظمة الأديان المتحدة” ما دامت هناك “منظمة الأمم المتحدة”؟ وفي حزيران 1995، تمكن من جمع مئتي شخص من أربعين إنتماء ديني مختلف. من المشاركين في هذا اللقاء حاملا جائزة نوبل للسلام الأسقف ديسموند توتو Desmond Tutu وبيتي ويليامز. وفي شباط 1996 بدأ رحلة لثلاثة أشهر التقى خلالها عدداً من الزعماء والشخصيات الدينيين مستطلعاً رأيهم، منهم: الدالاي لاما، السنكراشايا، مفتي القاهرة، الأم تريزا، رئيس أساقفة كانتربري، إضافةً إلى عدد كبير من رؤساء الطوائف المحلية في الصين واليابان وكوريا. كما أنه زار باكستان، إسرائيل، الأردن، تركيا، بريطانيا، سويسرا والفاتيكان. أيضاً في جولته قابل عدداً من الفلاسفة والعلماء من أهمهم اللاهوتي السويسري هانس كينغ. في حزيران 1996 عُقد أول لقاء حيث خطب الأسقف سوينغ معتبراً إنشاء منظمة الأديان المتحدة ضرورة لقيام النظام العالمي الجديد. خلال هذا اللقاء أُعلن عن مؤتمر عالمي يُعقد برعاية الزعيم السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشيف صاحب الـGorbachev Foundation التي، كما تعرّف عن نفسها، تعمل نحو حضارة جديدة وتدعو إلى منظمة للأديان الموحدة على مثال الأمم المتحدة. من أهم الشخصيات في هذا اللقاء جادسون غاري وهو إنجيلي ناشط يعمل من خلال عدة مؤسسات إنجيلية ومعمدانية شبابية من أهمها الحملة الجامعية من أجل المسيح (Campus Crusade for Christ)[8]، المسيرة من أجل المسيح (March for Jesus)، شباب بمهمة (Youth with a Mission). كتب غاري كتاباً أسماه “نجمة العام 2000 (Star of 2000)”[9] يدعو من خلاله المسيحيين جميعاً للمشاركة بمختلف أشكال احتفالات العام 2000 كبداية لعصر جديد (New Age) وحضارة جديدة[10].

تبع هذا اللقاء آخر ما بين 23 و27 حزيران 1997 حيث تألفت لجان بحث في كل مناطق العالم هدفها العمل على وضع مسودة لشِرعة الأديان المتحدة. التقت هذه اللجان في حزيران 1998 لتقميش النتائج والبدء بكتابة هذه الشرعة على أن يتم توقيعها في حزيران 2000. نشرت مجلة أصوات النور[11] تقريراً حول هذا الاجتماع الذي انعقد في ستانفورد[12]، رأى فيه الكاتب أن مبادرة الأديان المتحدة مرتبطة بشكل عضوي بجماعات الروح لأن الأهداف متشابهة. فالأفرقاء يبحثون عن أرضية مشتركة بين أديان العالم الصغير إلى درجة يصبح معها ضرورياً جداً وجود الدين الحقيقي. يستشهد الكاتب بتوماس مارتن ويدعو إلى التوفيق بين المعتقدات (syncreticism)، كما يصف بعض الأشخاص الذين تأثر بهم من المشاركين في هذا اللقاء. من هؤلاء عميد إحدى كليات الدراسات الدينية يسمي نفسه “بوذي أسقفي” (buddhist episcopal)، إضافة إلى كاهن كاثوليكي من رومانيا وشخصيات تمثل جمعيات مثل برلمان الأرواح (Parliament of Souls)، إتحاد الجماعة الروحية (Allience for Spiritual Community)، مجتمع الصلاة لسلام العالم (World Peace Prayer Society)، وشبكة المعتقدات في أميركا الشمالية (North American Interfaith Network)[13]. من النقاط التي يشير اليها التقرير موقف المساندة غير المتزعزع الذي اتخذه المجتمعون نحو الجماعات المضطهَدة التي تشكلّها الأقليات الجنسية في العالم، خاصة اللواطيين والسحاقيات الذين يدعو إلى إكرامهم رداً لاعتبارهم وتعويضاً عن الغبن التاريخي الذي لحق بهم. في ختام التقرير يرى كاتبه أن هذه المجموعة تشكل قوة لا تقاوم عليها الاستفادة من شبكات الاتصال الحديثة وتسخيرها لتحقيق هذه الرغبة الإلهية المتجهة إلى تغيير شكل الروحانية في العالم.

صدر عن هذا اللقاء بيان موقع من سوينغ ومولر وجودي هولستر مؤسسة محفل التفاهم، يوجه نداء إلى كل المهتمين بالأزمات العالمية والذين يرون أن هناك شيئاً يجب أن يتغير. فالدعوة هي إلى البحث عن النقاط المشتركة وتلافي الشؤون اللاهوتية والصلوات لأنها تفرّق. يشدد البيان على دور الشباب ويؤكد ضرورة التركيز على الشعب أكثر من رؤوس الأهرام في الديانات ويضع برنامجاً للإتصال بالناس من خلال الإنترنت أو الأقمار الإصطناعية1.

من أهم المجموعات التي تتعاطف أو تدعم هذه المبادرة الكويكر، البهائيين[14]، البراهمو سمج، الكنيسة الموحدة(Uniterian)[15]، والكنيسة الخلاصية (Universalist)[16].

شرعة الأديان المتحدة[17]

وضعت مبادرة الأديان المتحدة مسودة للشرعة التي أُعلنت رسمياً في حزيران 1999. وهذه المسودة كانت نتيجة لقاءات إقليمية تمت في أوكسفورد، بيونس أيرس، نيويورك، جوهانسبرغ، كاراكاس ونيروبي، إضافة إلى ثلاثة لقاءات عامة في سان فرنسيسكو. أهم ما جاء في هذه الشرعة هو استنادها إلى أمر مشترك هو الإيمان بإله واحد متعالٍ أو بصلاح أساسي وبقدسية الحياة. تضع الشرعة الحرية الدينية بين أوائل اهتماماتها وتدعو إلى خلق بنية تنظيمية تساهم في إيصال الصوت المعنوي لمجموعة الأديان. كما أن الشرعة تضع بين مهماتها ضرورة الاهتمام بالاقتصاد العالمي ومشاكل البيئة مركزة على أن أساس هذه المشاكل روحي. ولرفع مستوى الثقافة البيئية والاهتمام بها، تدعو الشرعة إلى إيجاد أعياد واحتفالات لانقلاب الشمس والاعتدالين الربيعي والخريفي إضافةً إلى أعياد الأرض الطبيعية[18]. أيضاً في السياق نفسه تدعو الشرعة إلى تهيئة برامج لرجال الدين في فلسفة علم التبيؤ الروحي (Spiritual Ecology). في ختام الشرعة تشديد على ضرورة وجود نشاطات مشتركة روحية وثقافية للشباب توضح لهم أن الدين هو اهتمام بالعلاقة بين الإنسان ومصدره الروحي (Spiritual Origin)، وبأن كل الأديان تشترك فيما بينها بنفس الحكمة ذات المصدر الواحد بالرغم من التعتيم الذي تسببه الفروقات في الممارسة. وتختم بالدعوة إلى قيام لاهوت قبولي (Theology of acceptance) يساعد على اكتشاف الأرضية المشتركة، وإلى إيجاد برامج دراسات عليا ودكتوراه مما يفتح الباب للدراسة الجدية التي تغني السلام والعدالة! حضرت هذه المجموعة لنشاطات عديدة في العام 2000 منها قمة الألفية وقد اتسعت جداً وانضم إليها مجموعات عديدة من عبدة الكواكب والأشجار وغيرها من الديانات الوثنية.

تفاعل المسيحيين مع مشاريع الأديان المتحدة

لم تتلقَ مبادرة الأديان المتحدة أي دعم من الكنائس الأرثوذكسية كما لم يسجل أي حضور أرثوذكسي في أي من اللقاءات التي نظمتها. رؤساء الأقليات الشرقية لا يدعمون المبادرة ككل إنما دعموا بعض مشاريعها، منهم بابا الأقباط شنودة الثالث وبطريرك الأرمن في اسطنبول ميسروب الثاني وبعض الأساقفة السريان. موقف رؤساء الأنكليكان داعم ولا يُسجل أي اعتراض علني. أما البروتستانت فأغلبهم داعمون في وقت يتحفظ الإنجيليون.

يبقى أن الثنائية في المواقف هي الظاهرة في الكنيسة الكاثوليكية. فالموقف الرسمي معارض في حين أن دعم الأفراد قوي. سوينغ قد زار الفاتيكان في 1996 وقابل الكاردينال أرينـز وكان جواب الفاتيكان واضحاً في رفض هذه المبادرات التي لا ترى فها الكنيسة الكاثوليكية إلا محاولات توفيقية تضع الأديان السماوية على نفس مرتبة الأديان الطبيعية. جدير بالذكر هنا أن الكنيسة الكاثوليكية كانت قد سبقت هذه المبادرة في تنظيم لقاءات تجمع رؤساء وممثلي الديانات السماوية والطبيعية منذ العام 1986، بدءً بلقاء أسيزي[19] الذي تكرر في أكثر من مكان في أوروبا بتنظيم وحضور من البابا يوحنا بولس الثاني. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن البابا الحالي هو أكثر الزعماء الدينيين في العالم تجولاً واشتراكاً بلقاءات متعددة الأديان[20]. أيضاً يُذكر هنا الحرية التي يعطيها الفاتيكان لعدد كبير من الجمعيات العاملة تحت جناحه في التعاطي، نظرياً وعملياً، مع شؤون الحوار الديني، كمثل الرهبنات التقليدية كالفرنسيسكان واليسوعيين أو غيرها من الجمعيات العلمانية كالفوكولاري. قد تكون هذه الثنائية طغت كاثوليكياً في المرحلة الماضية فالكنيسة الكاثوليكية لم تدخل في مجلس الكنائس العالمي ولكنها نظمت حوارات مع كل المسيحيين وتعاونت مع هذا المجلس. ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الانفتاح غير المضبوط هو المحرك الرئيسي لرسالتي الكاردينال راتزينغر الأخيرتين في العام الفائت (الكنائس الشقيقة والرب يسوع Dominus Iesus).

يبقى أخيراً الإشارة إلى موقف مجلس الكنائس العالمي من هذه المبادرات. إن من بين الملاحظات التي يضعها الأرثوذكس على مجلس الكنائس العالمي هو بنيته التنظيمية حيث يُدار كمؤسسة وبالتالي يخضع قانونياً للأغلبية العددية. وهذا الوضع جعل ويجعل تأثير الليبراليين البروتستانت الداعمين لمبادرات توحيد الأديان على هذا المجلس أكثر قوة. فالمجلس أخذ منذ أوائل السبعينات يدعو إلى إعادة النظر بالعلاقات مع الأديان غير المسيحية. وقد شارك في الجلسات العامة لدورته الخامسة في نيروبي في تشرين الأول 1975 ممثلون لأديان غير المسيحية وسُمح لهم بقراءة أوراق على المجتمعين. تكرر الشيء نفسه في فانكوفر في العام 1984 حيث عقدت الدورة السادسة وشارك ممثلو الأديان الأخرى بشكل كامل وليس كمجرد مراقبين. في هذه الدورة بدأ الكلام عن المسكونية على أنها تستند إلى الأصل اليوناني للكلمة والذي يعني كل المسكونة، وبهذا يتغير معنى الحوار المسكوني ليضم كل البشر عوضاً عن المسيحيين فقط[21]. وفي العام 1991 في الدورة السابعة لمجلس الكنائس التي عُقدت في كانبيرا شارك عدد من ممثلي أديان أدغال أفريقيا وأوستراليا وقدموا رقصات دينية بالاشتراك مع مجموعات بوذية كورية. وخلال إحدى جلسات المجلس دعت اللاهوتية الكورية شانغ إلى استبدال الروح “الخصوصي” بروح عالمي[22]. وخلال مشاركتها في إحدى الرقصات التي ضمت مجموعات مختلفة، تكلمت عن الأخ يسوع (brother Jesus)[23]. وقد استدعى هذا الأمر ممثلي الكنائس الأرثوذكسية والشرقية المشاركة في مجلس الكنائس العالمي إلى عقد لقاء في مركز كنيسة القسطنطينية في شامبزي – سويسرا بين الثاني عشر والسادس عشر من ايلول 1991 وأصدروا مذكرة تناولت أسس مشاركة كنائسهم في هذا المجلس وأهدافها ورؤيتهم للأمور على ضوء خبرتهم في كانبيرا. وهذه الخبرة كانت من الأسباب المباشرة التي أدت إلى تغير موقف عدد من الكنائس الأرثوذكسية من هذا المجلس وإعادة نظر البعض منها بعضويتها فيه، وهو أمر ما زال في البحث حتى اليوم.

ملاحظات

في اجتماعات الجمعيات التي تروّج لوحدة الأديان، تقام صلوات مشتركة بأحد شكلين: إما أن يصلي أحد المشتركين بحسب دينه وطقسه في وقت يتأمل الباقون في هذه الصلاة، أو أن يصلي الجميع صلاة واحدة. من الأمثلة على هذه الصلوات الموحدة “الصلاة العالمية من أجل السلام”[24]:

“قدني من الموت إلى الحياة، من الخطأ إلى الصواب. قدني من اليأس إلى الأمل، من الخوف إلى الثقة. قدني من الكراهية إلى المحبة، من الحرب إلى السلام. فليملأ السلام قلبنا، وعالمنا وكوننا”.

لا بد من التساؤل إلى مَن تتوجه هذه الصلوات؟ بحسب العاملين في التسويق للأديان المتحدة، الأمر متروك لكل من المشتركين أن يرى إلهه، وهذا يتناقض مع الإيمان المسيحي وإن اتفق مع ديانات الشرق ومع مبادئ بعض الجمعيات القديمة أو الحديثة المنتشرة في العالم.

اللافت مع كل المؤسسات التي تتعاطى الدعوة إلى الوحدة أنها تضع الاختلافات اللاهوتية جانباً بينما الحوار الصحيح في العادة يقوم على تدارس ومناقشة نقاط الخلاف قبل غيرها. إن هذه المؤسسات تضع الحوار نفسه على درجة من الأهمية أعلى من الحقيقة أحياناً. فالكلام على وجوب تلافي اللاهوت والصلوات، في وقت يتم استبدالها بصلوات بديلة هو أمر مريب. خطورة هذه الدعوات أنها تستهوي الشباب خاصةً أنها موجهة إليهم قبل غيرهم وهذا ما يظهر واضحاً على صفحات الإنترنت التابعة للمنظمات الداعمة. إن ارتباط هذه الدعوات بفلسفة العصر الجديد (New Age) واضح وأحياناً لا يحتاج إلى برهان إذ أن دعاتها يعلنون هذا.  إن فكرة الأديان المتحدة تفتقد إلى الواقعية رغم ما تتمتع به من دعم سياسي. ومع أنه صعب على مروّجيها احتواء لجان الحوار القائمة اليوم بين الديانات كافة، او الحلول مكانها، فإن بقعة هذه المبادرة آخذة بالاتساع. المميّز في مبادرة الأديان المتحدة أنها تتمتع بدعم الأمم المتحدة وإعلانها الصريح أن الأديان هي عنصر تفرقة.

ليست الدعوة إلى منظمة الأديان المتحدة الأولى من نوعها. ففي التاريخ عدة محاولات قام بها حكام لدمج أكثر من ديانة بين رعاياهم من أجل تثبيت حكمهم، أو حتى لدمج الدين بالدولة للهدف نفسه. من هنا أن هذه الدعوة قد تحمل دعوة أخرى مستترة أو غير مباشرة إلى دين جديد يقوم على تهميش الأديان التقليدية أو تفريغها. وعليه فالخطر الأكبر يكمن في الدعوات التي لا تسمي الأشياء بأسمائها، والتي قد تؤدي في وقت ما إلى ابتلاع كل الحوارات القائمة من حوار مسيحي-مسيحي أو مسيحي-إسلامي.

[1]        The millenium World Peace Summit of Religious and Spiritual Leaders. http://www.milleniumpeacesummit.com/about.htm.

[2]        Alabama Discernment Ministries. United Religions (UR) Modeled After the U.N.. http://www.idcom.com/sogardy/

[3] U Thant سياسي بورمي، ثالث أمين عام للأمم المتحدة ما بين 1961 و1971.

[4]        Muller, Dr. Robert. Religion UNITED. The Promise of a Permanent United Religions Organization. http://www.silcom.com/~origin/sbcr/sbcr241

[5]        توماس مارتن هو راهب كاثوليكي من الـTrappistes وقد تجوّل في العالم داعياً إلى الاختلاط بين التقاليد الدينية المختلفة التي تغني بعضها البعض. مارتن هو أيضاً شاعر وهناك الكثير من الكتابات والدراسات التي تتناول فكره. منها ما يركز على شعره ومنها ما يقارنه بالمتصوفين المسلمين أو الهندوس.

[6] الفوكولاري منظمة تعرّف عن نفسها على أنها كاثوليكية وأهم مشاريعها متعددة الأديان والطوائف. كما يظهر من صفحة الإنترنت الرسمية لهذه الجمعية (www.focolare.org) أنها تصنف العلاقات مع الطوائف المسيحية غير الكاثوليكية في نفس خانة العلاقة مع اليهود. كما أنه ينبثق عن هذه  المنظمة عدة منظمات للعائلات أو الشباب من أهمها “شباب لعالم موحد (Youth for a United World)” وهي ناشطة في لبنان وتعرّف عن نفسها بأنها “شباب من كل المعتقدات: مسيحيون، مسلمون، يهود، بوذيون… وشبان من دون أي انتماء ديني”.

[7]        United Religions Initiative. http://www.united-religions.org

[8] هذه المجموعة ناشطة  في لبنان وتعمل من خلال كنيسة الله ومجموعات المتجددين وتركز عملها في الأوساط الجامعية.

[9]        Jay, Gray. The Star of 2000, Our Journey toward Hope. Colorado Spring: Bimillenial Press. 1994.

[10]       United Religions Initiative 2000. Foundation Magazine. May-June 1997. http://www.tcsn.net/fbchurch/fbcunite.htm

[11]       مجلة أصوات النور (Voices of the Light) متحدثة بإسم الجماعات المتحدة للروح (The United Communities of Spirit) وهي جماعات منها أقلية بروتستانتية من الكاريزماتيك والأغلبية الباقية من ديانات الشرق الأقصى والـScientology.

[12]       “The United Religion Conference at Stanford”. Voices of the Light. No. 15, July 1, 1997. URL:http://origin.org/ucs/text/vol015.htm.

[13]       لكل هذه الجماعات صفحات ومواقع على الإنترنت لم نوردها يكفي الوصول إلى إحداها وهي تقود إلى الباقيات.

[14] مجموعة من أصل بابي. والبابية هي أيضاً مجموعة من أصل شيعي إيراني تؤمن بوحدة البشر الروحية. علاقة البهائية بالصهيونية واضحة ومؤسسها مدفون في جبل الكرمل حيث يعتبر أتباعه المدفن مكان حج.

[15] مجموعة مشتقة من البروتستانتية ترفض عقيدة الثالوث.

[16] مجموعة بروتستانتية تقول بأن كل الناس سوف ينعمون آخر الأمر بالخلاص.

[17]       http://www.united-religions.org/chart.htm

[18]       معروف في تاريخ الكنيسة سعيها إلى استبدال هذه الأعياد بأعياد كنسية لارتباط هذه الأعياد بالعبادة الوثنية.

[19]  دعت الكنيسة الكاثوليكية إلى هذا الاجتماع وشارك فيه 150 ممثلاً لإثتني عشر ديانة هي المسيحية، الإسلام، اليهودية، البوذية، الهندوسية، الشنتوية، السيخ، وديانات المواطنين الأصليين في أفريقيا وأميركا. من المسيحيين كان هناك الأرثوذكس، اللاتين، الأرمن، الروم الكاثوليك، الكاثوليك القدامى، الأنكليكان، النساطرة، الأقباط واللوثريون. الكنائس الأرثوذكسية التي شاركت هي القسطنطينية، أنطاكية،  رومانيا، جورجيا، موسكو، اليونان، فنلندا، تشيكوسلوفاكيا وبلغاريا. لم يتحدث أحد إلا البابا وقد تطرق في كلمته إلى موضوع الصلاة وساوى بين صلوات جميع المشاركين ورأى أنها توصل إلى الآب المشترك. من المميز في هذا اللقاء أن كل مجموعة، بما فيها غير المسيحيين، أُعطيت كنيسة لتقيم فيها الصلاة. فالبوذيون مثلاً أُعطوا كنيسة على اسم الرسول بطرس وقد وضعوا تمثالاً لبوذا على المذبح. وقد تكررت هذه الاجتماعات في روما (1987 و1988)، وارسو (1989)، باري (1990)، مالطا (1991)، بروكسل (1992). أما في 1993 فقد جرى الاجتماع في ميلانو وكان المتحدث الوحيد ميخائيل غورباتشوف، ثم في أسيزي (1994).

[20] زار البابا الحالي في العام 1984 معبداً بوذياً في تايلاند، وفي العام 1985 اعتذر من المسلمين عن إساءات تاريخية خلال زيارته للمغرب، وفي العام نفسه زار الغابة المقدسة بالقرب من لوهوماي في توغو (أفريقيا) برفقة اسانو (Asenu) أو الكاهن الأعظم للغابة المقدسة، وخلال زيارته لتوغو اجتمع بعبدة الأفاعي الذين شاركوا في لقاء أسيزي 1986، وفي العام 1986 زار الهيكل اليهودي في روما. وفي العام نفسه سمح لكاهنة هندوسية بلصق التيلاك (لصقة من الصندل) على جبينه، وشارك في عدد من الطقوس الهندوسية خلال زيارته للهند، وقد زار قبر غاندي مادحاً إياه لأنه قال “أنا مسيحي وهندوسي ومسلم ويهودي”. وفي تشرين الأول 1986 زار فيجي وشرب الكافا (Kava) وهي شراب سبق للكنيسة الكاثوليكية أن أدانته على أنه إحدى وسائل عبادة الشيطان[20]. وزيارته في العام الفائت لدير الكنيسة كاترينا ومروره بالقدس وتوقفه في المسجد الأقصى وحائط المبكى تصب كلها في هذا الإطار من التوفيقية (Syncretism) المبطنة.

راجع (Cotter, John. Assisi Assessed. Saint Benedict Center. URL:http://www.catholicism.org/PAGES/Assisi.htm)

[21] Cotter, John. Assisi Assessed. Saint Benedict Center. URL:http://www.catholicism.org/PAGES/Assisi.htm

[22]       Tsetsis, Fr. Georges. The Orthodox in the Ecumenical Movement: A short history.  In Communion Magazine (online version). March 31, 1997. http://www.incommunion.org

[23]       Video

[24]       Braybrooke, Rev. Marcus. A Study Guide for Interreligious Cooperation and understanding. http://www.silcom.com/~origin/sbcr/sbcr261.

همّ الوحدة وتوحيد تاريخ الفصح

همّ الوحدة وتوحيد تاريخ الفصح

الأب أنطوان ملكي

بدأت المناقشات بشأن تحديد تاريخ الفصح باكراً جداً في الكنيسة المسيحية ومرد ذلك إلى العلاقة التي كانت قائمة مع اليهود وكان لها تأثير على حياة الكنيسة الليتورجية ودام تأثيرهاحتى المجمع المسكوني الأول في القرن الرابع. فقد كانت أغلب الأعياد محددة بحسب التقويم اليهودي القمري يبينما كان تقويم الدولة الرومانية، التي كان مسيحيو القرن الرابع يعيشون تحت ظلها، شمسياً وكانت السنة تبدأ في أول أيلول. السنة الليتورجية كانت تبدأ في عيد الفصح. هكذا عرفت الكنيسة وجود تقويمين في ذلك الحين: مدني وكنسي. وقد أدى ذلك في نهاية القرن الثالث إلى أن يكون هناك أكثر من تاريخ لتعييد الفصح وهذا ما استدعى البت بأمره في المجمع النيقاوي الأول عام 325. والداعي هو ضرورة أن يعيّد الجميع في نفس التاريخ[1].

فالواقع قبل المجمع النيقاوي هو أن روما كانت تحسب تاريخ وقوع العيد بطريقة مختلفة عن الاسكندرية. وقد حدد هذا المجمع طريقة تحديد وقوع هذا العيد في الأحد الأول بعد أول اكتمال للقمر بعد الاعتدال الربيعي المحدد في الحادي والعشرين من آذار ومنفصلاً عن الفصح اليهودي. عاد الاختلاف بين الاسكندرية وروما بعد مجمع نيقيا لعدد من الأسباب منها أن الكنائس في الشرق اعتمدت دورة فصحية طولها 19 سنة بينما اعتمد الغرب دورة فصحية طولها 84 سنة. وقد كان الاسكندريون يتراجعون عن موقفهم في أغلب الأوقات حفظاً لوحدة الكنيسة[2].

واليوم يؤدي هذا الفرق في طول الدورة الفصحية إلى زيادة الإختلاف في تعييد الفصح، خاصةً أن الشرق يعتمد التقويم اليولياني بينما يعتمد الغرب التقويم الغريغوري وهذا ما يخلق فارق الأيام الثلاثة عشر في تعييد الأعياد الثابتة.

تكاثرت الأصوات الداعية إلى توحيد تاريخ التعييد للفصح بين الشرق والغرب، وتعددت المبادرات من أكثر من طرف. من هنا ضرورة عرض هذا الموضوع بشكل علمي يظهر تطوره التاريخي ويسعى إلى إخراجه من إطار الدعايات والإعلام واضعاً الأمور في نصابها. فموضوع تاريخ تعييد الفصح، بالنسبة إلى الأرثوذكس، هو جزء من قضية أكبر هي قضية التقويم التي تعاني منها الكنيسة الأرثوذكسية ما لا تعانيه كنائس الغرب.

ينقسم العالم الأرثوذكسي اليوم إلى مجموعتين في ما يتعلق بتواريخ تعييد الأعياد الثابتة السيدية (كميلاد السيد، ختانه، ظهوره، دخوله الهيكل، بشارة والدة الإله، التجلي، رفع الصليب) وغير السيدية، بالإضافة إلى مواعيد أصوام الميلاد والرسل والسيدة. أما فيما يتعلق بالأعياد المتحركة أي التي تتبع الفصح، فالعالم الأرثوذكسي يعيّد كله في نفس التاريخ في كل عام، ما عدا كنيسة فنلندا حيث لا يشكل الأرثوذكس أكثر من 3 بالمائة من السكان بمقابل الباقي اللوثري، ويعيّدون في نفس التاريخ الذي يعيّد فيه الغرب.

والوضع اليوم هو كالتالي: كنائس انطاكية، القسطنطينية، الاسكندرية، اليونان، قبرص، رومانيا، بولندا، وبلغاريا تتبع التقويم الغريغوري في تحديد الأعياد الثابتة. أما كنائس روسيا، اورشليم، صربيا، وأديار الجبل المقدس أثوس ودير القديسة كاترينا في سيناء فتعتمد التقويم اليولياني في تحديد هذه الأعياد. ويعيّد كل العالم الأرثوذكسي الفصح والأعياد المتحركة التي تتبعه بحسب التقويم اليولياني. من الناحية العددية، أغلب الأرثوذكس هم أتباع التقويم اليولياني، أي حوالي السبعين بالمائة.

التقويم اليولياني

يعود هذا التقويم إلى العام 44 قبل الميلاد، وضعه الأمبراطور يوليانوس. بحسب هذا التقويم، يبلغ طول السنة الشمسية 365 يوم و6 ساعات، وهو الوقت الذي تستغرقه الأرض لتدور دورة كاملة حول الشمس. ولما كانت السنة تُعتبر 365 يوماً، يتم جمع الست ساعات كل أربع سنوات لتشكل يوماً إضافياً وهو ما نعرفه بالسنة الكبيسة. من الناحية التقنية، هذه السنة هي أطول من السنة الشمسية الطبيعية بـ11 دقيقة و14 ثانية وهذا الفرق يؤدي إلى تراجع في تاريخ وقوع الأحداث الطبيعية مثل الاعتدال الربيعي أو الخريفي أو غيره. فالاعتدال الربيعي، عند وضع التقويم اليولياني،كان في الخامس والعشرين من آذار. أما في السنة 325، سنة انعقاد المجمع النيقاوي الأول،كان تاريخ هذا الاعتدال قد انتقل إلى الحادي والعشرين من آذار، ولهذا فقد حدد المجمع أن يتم التعييد للفصح بعد الحادي والعشرين من آذار. لم يهتم المجمع للخطأ التقني في التقويم ولهذا لم يتطرق لموضوع الأعياد الثابتة. الواقع أن المهمة التي كانت أمام آباء هذا المجمع لم تكن سهلة أبداً إذ كان عليهم التوفيق ببين التقويم اليولياني الشمسي الذي يبلغ طول سنته 365 يوم والتقويم اليهودي القمري الذي يبلغ طول سنته 356 يوم. من هنا أن الحل الذي توصلوا إليه هو على مستوى مقبول من الدقة العلمية وهذا ما أثبته عالم الرياضيات الألماني الشهير (Carl Gauss) الذي عمل في النصف الأول من القرن التاسع عشر. فآباء المجمع لم تكن الدقة العلمية خارج اهتماماتهم ولكنها لم تكن الهم الأول. فقد اعتمدوا، أخذاً عن ميتون الأثيناوي الذي عمل في النصف الأول للقرن الأول قبل المسيح، دورة فصحية طولها 19 سنة أي أن المراحل القمرية تتكرر نفسها كل 19 سنة شمسية مع فرق ثابت هو 116 من اليوم. مثلاً إذا وقع أول آذار شمسي مع أول نيسان قمري في يوم واحد، فهذا يتكرر كل 19 سنة مع فرق ساعة و28 دقيقة وبعض الثواني. من هنا أن الاعتدال الربيعي يتأخر يوم كامل كل 304 سنوات (16×19).  من هنا أن ضم الدورة القمرية ذات الـ19 سنة إلى الدورة  الشمسية ذات الـ28 سنة يعطي 19×28 أي 532 سنة وهو ما سمّاه البيزنطيون “الإنديكتي الكبير” أي أن تاريخ العيد يتكرر كل 532 سنة ففي العام 2000 تم التعييد في 30 نيسان وهذا يتطابق مع تاريخ التعييد في 1468 و936 و404 وما سوف يتطابق مع تاريخ التعييد في 2532. هذا التطابق المدهش أثبته عالم الرياضيات الألماني غاوس ثم كرره عالم الفلك الأميركي سيمون نيوكومب (Simon Newcomb 1835-1909)[3].

التقويم الغريغوري

في القرن السادس عشر وتحديداً في العام 1582 كان التراجع في وقوع الاعتدال الربيعي قد بلغ 10 أيام أي أصبح الاعتدال في الحادي عشر من آذار بدلاً من الحادي والعشرين منه. استعان بابا روما غريغوريوس بفلكيي تلك الفترة في الغرب واستعمل معلومات جديدة وغيّر التقويم محوّلاً الفرق بين طول السنة الطبيعية والسنة الشمسية إلى 26 ثانية بدلاً من 11 دقيقة و14 ثانية. وعليه أنقص من التقويم المعمول به 10 أيام حتى يعود الاعتدال الربيعي إلى الحادي والعشرين من آذار، وهكذا نشأ التقويم الغريغوري الذي تستعمله الكنيسة الغربية في تحديد الأعياد الثابتة والمتحركة. بعد هذا اعتمدت أوروبا هذا التقويم.

ماذا بعد 1583 في العالم الأرثوذكسي؟

أرسل البابا غريغوريوس رسائل إلى بطاركة العالم الأرثوذكسي داعياً إياهم إلى اتباع روما وتصحيح التقويم. عقد اجتماع في القسطنطينية في العام 1583، حضره بطاركة القسطنطينية والاسكندرية وأورشليم، وكان رد بالرفض إذ وجد البطاركة أن تغيير التقويم المطلوب ليس إلا بدعة مستحدثة من بدع الغرب[4]. هذا بالإضافة إلى أن الكنائس الأرثوذكسية المذكورة والكنائس الشرقية الأخرى كانت تحت الحكم العثماني الذي يتبع التقويم الهجري وبالتالي ليس لديها مشكلة مع الاختلاف بين التقويم الكنسي والتقويم المدني، شمسياً كان أو قمرياً.

عقد أيضاً اجتماعان في القسطنطينية في العامين 1587 و1593 حضر الأول منهما بطاركة القسطنطينية والاسكندرية واورشليم أما بطريرك انطاكية فقد كان في زيارة لروسيا وقد انضم إليهم في الاجتماع الثاني. أعاد البطاركة التأكيد في الاجتماعين على عدم اعتماد التقويم الغريغوري إضافة إلى رفض القول بأن بابا روما هو رأس الكنيسة واستعمال الخبز الفطير والتعليم عن المطهر[5].

في العام 1903 أرسل بطريرك القسطنطينية رسالة إلى رؤساء الكنائس الأرثوذكسية يسألهم رأيهم في عدد من الأمور: الوسائل الضرورية لتوثيق وحدة الكنائس الأرثوذكسية المستقلة،

في العام 1923 عقد اجتماع في القسطنطينية بدعوة من بطريركها آنذاك ملاتيوس الرابع (ميتاكساكيس)[6] وكان على برنامج عمله اقتراحات تغيير التقويم إضافة إلى تغيير طريقة الصوم وتقصير الصلوات والسماح بزواج الإكليروس بعد ترملهم وأمور أخرى مثل السماح للكهنة بلبس السترة وحلق اللحى. حضرت هذا الاجتماع كل من كنائس صربيا ورومانيا واليونان وتغيبت عنه الاسكندرية واورشليم وانطاكية، أما بلغاريا فلم تكن قد وجهت إليها الدعوة. وعند انتهاء الاجتماع أعلنت مصادر بطريرك القسطنطينية اتفاق الوفود على مجمل هذه الأمور على أ، يعود كل وفد إلى كنيسته. لم تلتزم الكنائس الأرثوذكسية التي شاركت بأي من هذه الأمور ما عدا تغيير التقويم.

مقاربة موضوع التقويم

موضوع التقويم هو بالأصل أمر ليتورجي إذ من خلاله تنتظم الدورة الليتورجية المتعلقة بالأعياد الثابتة. أما الدورة الفصحية فقد تبدو عملياً مستقلة عن التقويم الثابت لولا وقوع بعض الأعياد خلال فترة الصوم ولكن ما يظهر من الدراسات التاريخية هو أن العلاقة بين الدورتين كانت أكبر مما تظهره المعالجات الفلكية والرياضية. يقول الأب شميمن أن المساجلات التي تناولت تحديد تاريخ عيد الفصح في القرن الرابع تظهر أنه كان لهذا الموضوع أهمية كبرى في آسيا مردها أن هذا التاريخ كان مفتاح السنة الليتورجية التي كانت تبدأ به[7]. من هنا أن اختزال موضوع تاريخ تعييد الفصح بالاختلاف بين الشرق والغرب في تحديد هذا التاريخ هو اجتزاء للحقيقة والتاريخ والمنطق. لهذا ينبغي أن يُعالَج هذا الأمر ضمن إطاره الليتورجي أولاً حفاظاً على ما يسميه الأب شميمن “ليتورجية الزمن”[8] (Liturgy of time) التي تقدس بها الكنيسة الزمان وتتطلب لياقة وترتيباً وانتظاماً.

ماذا اليوم في العالم الأرثوذكسي؟

لقد نشأ عن الاعتماد الجزئي للتقويم الغريغوري عدد من المشكلات في العالم الأرثوذكسي:

1.   وجود مجموعتين أرثوذكسيتين تعيّد الأعياد الثابتة في تاريخين مختلفين. هذه المشكلة تبلغ ذروتها في اميركا وأوروبا الغربية حيث تتواجد في المدينة الواحدة كنيستان أرثوذكسيتان تتبع كل منهما أحد التقويمين. فقد تعيّد الأولى عيد الميلاد في الخامس والعشرين من كانون الأول بينما تعيّد الثانية العيد نفسه في السابع من كانون الثاني من السنة التالية. هذا الاختلاف يطرح تساؤلات حول فعلية الوحدة الكنسية ويؤثر سلباً على المؤمنين.

2.   ينتفي صوم الرسل في بعض السنوات لدى الكنائس التي  تعتمد التقويم الغريغوري إذ أنها تعيّد الفصح بحسب التقويم اليولياني بينما تعيّد عيد الرسولين بطرس وبولس بحسب التقويم الغريغوري، وهو ثابت في التاسع والعشرين من حزيران، أي قبل 13 يوم من حينه بحسب التقويم اليولياني. قد لا يأتي صوم الرسل في بعض السنوات، مثل العام 2002 مثلاً، التي يقع فيها الفصح بعد الثالث من أيار.

3.   ظهور مجموعات منشقة في كنائس اليونان ورومانيا وبلغاريا حيث انها لم تجد في الانتقال إلى التقويم اليولياني الجديد إلا وجهاً من أوجه التقارب غير المبرر مع الغرب والتنازل عن التقليد بدون سبب كافٍ. هذه المجموعات ناشطة اليوم ورعاياها في أميركا وأوروبا في تزايد عن طريق اجتذابها للكثير من المرتدين الكاثوليك والبروتستانت والأنكليكان. وما يجذبهم لدى هذه المجموعات هو تمسكها بالقوانين الكنسية بشكل يبلغ حد معاداة البابوية واعتبار الكنائس الأرثوذكسية المحاورة مخطئة ما لم يكن الهدف الوحيد للحوار هو رد الهراطقة والمنشقين إلى حضن الكنيسة الأرثوذكسية. في اليونان مثلاً أتباع هذه المجموعة يتزايدون بالرغم من محاولات القمع العديدة التي قامت بها الحكومة اليونانية في فترات مختلفة، فقد أنشأوا مجمعاً وأساقفتهم على اتصال مع بعضهم البعض في مختلف أنحاء العالم.

4.    على الصعيد المسكوني، يتفق الأرثوذكس الذين يستعملون التقويم الغريغوري في تحديد الأعياد الثابتة مع الغرب ويختلفون مع الكنائس الشرقية، بينما يحص العكس مع  الأرثوذكس الذين يعتمدون التقويم اليولياني.

بيان حلب

نظم مجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس الشرق الأوسط لقاء تشاور في حلب بين الخامس والعاشر من آذار 1997، شارك فيه ممثلون للمجموعة الأنكليكانية، كنيسة الأرمن الأرثوذكس، الكنائس الإنجيلية في الشرق الأوسط، التجمع العالمي اللوثري، تجمع اوترخت للكنائس الكاثوليكية القديمة، المجلس الحبري لتشجيع الوحدة المسيحية (كاثوليك)، سبتيو اليوم السابع، وكنائس القسطنطينية وموسكو وانطاكية الأرثوذكسية، إضافةً إلى مستشارين من الكنيسة الأرثوذكسية في أميركا والعنصرانيين في كندا. صدر بيان عن هذا اللقاء جاء فيه أن المجتمعين رأوا أن تعييد حدث الفصح الأساسي في تاريخين مختلفين يعطي شهادة مجزأة ويؤثر على مصداقية الكنائس وقدرتها على حمل البشارة إلى العالم خاصةً ان سبب الاختلاف ليس لاهوتياً إنما عائد إلى الاختلاف في تحديد الاعتدال الربيعي. فالشرق والغرب يستندان إلى نفس طريقة الحساب إي تلك التي حددها المجمع النيقاوي في 325م. اقترح اللقاء أن يتم بدءً بالعام 2001 احتساب تاريخ العيد على أسس فلكية حديثة بشكل تحفظ كل من الكنائس طريقتها ويُحترم القانون النيقاوي، وذلك استناداً إلى حساب للاعتدال الربيعي بحسب خط العرض الذي يمر في أورشليم.

يُتنظر أن تجيب الكنائس على هذا الاقتراح. حتى الآن لم يصدر أي بيان رسمي عن أي كنيسة أرثوذكسية. صدر بيان عن لجنة الحوار الأرثوذكسي-الكاثوليكي في أميركا يؤيد هذا الحل كما صدر بيان مماثل عن لجنة الحوار الأرثوذكسي-اللوثري في أميركا أيضاً.

ملاحظات

كما يتضح مما سبق، موضع التقويم بالنسبة للكنيسة الأرثوذكسية ليس مجرد طريقة حساب لعيد الفصح بل هو أعمق من هذا ولا يتبين عمقه وأهميته إلا المؤمن الممارس. تغيير التقويم بشكل شامل يستدعي توزيعاً ليتورجياً جديداً. وليس من الصحة بمكان أن يتغير التقويم قبل أن يتم هذا التوزيع.

هذا بالإضافة إلى أن حصر موضوع التقويم بتاريخ عيد الفصح هو اجتزاء للمشكلة واختزال للأكثرية العددية من الأرثوذكس وقبول بعضهم به إشارة إلى أنهم ينظرون إلى الوحدة مع الكاثوليك أكثر من اهتمامهم بالوحدة الداخلية في الكنيسة الأرثوذكسية نفسها. إن إيجاد صيغة لتعييد الفصح مع غير الأرثوذكس في وقت يوجد فئتان أرثوذكسيتان تعيد كل منهما الأعياد الثابتة بتواريخ مختلفة يعمّق الاختلاف بين الفئتين وقد يؤدي إلى ما هو أسوأ، وخبرة مجموعات التقويم القديم المذكورة سابقاً هي مثال على ما قد يحدث.

مع أن الفصح هو عيد الأعياد وموسم المواسم إنما ليس العيد الوحيد وبالتالي فالشهادة المجتزأة التي يحملها تعييده مرتين في السنة قد يحملها تعييد عيد الميلاد أو الظهور أو غيرهما من الأعياد. هذا بالإضافة إلى أن الاختلاف في تاريخ العيد هو صورة طبيعية للاختلاف القائم بين الشرق والغرب، ومن الدجل أن يُخفى هذا الاختلاف ويُصوّر للمؤمنين، في كل الكنائس، على أنه مجرد اختلاف في تحديد الاعتدال الربيعي. التعييد في يوم واحد يأتي نتيجة للوحدة وليس سبباً لها.

من هنا أن على الكنائس الأرثوذكسية أن تسعى إلى تثبيت الوحدة الداخلية قبل أن توافق على اقتراح بيان حلب أو ما يشابهه من الاقتراحات. المس بالتقويم سبق وسبب انشقاقات في الكنيسة الأرثوذكسية وقد يسبب، إن لم يكن في انطاكية ففي غيرها.

من جهة أخرى، يجب أن لا يخفى عن ذهن المحاور الأرثوذكسي أن توحيد تاريخ العيد هو قضية كبرى لدى الكثيرين من الكاثوليك حتى أن بعضهم ينسبونه إلى ظهورات مريمية (الصوفانية ومديغوريا). فعلى الكنائس الأرثوذكسية أن تعي أن توحيد تاريخ العيد قبل الوحدة الحقيقية يعطي الكاثوليك حق الاقتناص في وقت تم الاتفاق على عدم العودة إليه، ومن السذاجة الاقتناع بأنه انتهى. ما هو معروف أن الرعاية في أغلب الكنائس الأرثوذكسية واهنة، خاصةً في المناطق المختلطة. ففي ظل هذا الوضع الرعائي قد يسهل على الكثير من المؤمنين أن يصدقوا أن الوحدة تمت بمجرد أن توحيد التعييد تم. وقد يكون من المفيد أن نتوقف عند جواب كنيسة اورشليم للبطريرك القسطنطيني ملاتيوس الرابع بأنها لا ترى في تغيير التقويم إلا باباً سوف يُستغل للاقتناص، ولهذا هي لا توافق عليه.

خاتمة

هذا البحث هو محاولة لتسليط الأضواء على المشاكل المتعلقة بموضوع تحديد تاريخ عيد الفصح والناتجة عنه. إعلامياً، التركيز اليوم هو على الاختلاف بين الشرق والغرب بهدف تمييع الأمور وذر الرماد في عيون المؤمنين عن طريق اللعب على عواطفهم. إعلام اليوم لا يقدم إلا مسخ الوحدة محبوساً في قمقم التعييد في يوم واحد.

لماذا يهتم مجلس الكنائس العالمي في أن يعيّد الشرق والغرب معاً في الفصح ولا يهتم الأرثوذكس في أن تعيّد أنطاكية وموسكو، واورشليم والقسطنطينية، واليونان وصربيا عيد الميلاد معاً؟ لماذا يرى مجلس الكنائس العالمي أن الشهادة ناقصة في تعييد الفصح مرتين ولا يرى الأرثوذكس نقصاً في أن يصوم قسم منهم صوم الرسل ولا يصومه الباقون؟ لأن لون الوحدة الحقيقية لدى الأرثوذكس صار باهتاً ولأن العبادة فقدت أولويتها على الطقوس. إن كنيسة مضعضعة لا تشهد للمسيح ولا تكون عروساً له. فعن أي كنيسة وأي وحدة وأي شهادة نتحدث في الكلام عن توحيد تاريخ تعييد الفصح؟

[1] مجموعة الشرع الكنسي أو قوانين الكنيسة المسيحية الجامعة. جمع وترجمة وتنسيق الأرشمندريت حنانيا الياس كساب. منشورات النور. 1985. ص. 113-115.

[2] أنظر مقدمة برسيفال حول مجمع سرديقية. مجموعة الشرع الكنسي. ص. 647.

[3]        Cassian, Hiermonk. A scientific Examination of the Orthodox Church Calendar. CTOS. Etna, CA. 1998. Ch. 4. P. 42-50.

[4] كان بطريرك انطاكية في رحلة إلى روسيا ولهذا تغيّب عن الاجتماع لكنه عاد فثبت موافقته على رد بطاركة الشرق في الاجتماع الذي حضره في العام 1593. أنظر: سميرنوف، تاريخ الكنيسة المسيحية. تعريب المطران ألكسندرس جحا. مطرانية الروم الأرثوذكس بحمص. 1964. ص. 563. أنظر أيضاً: بابدوبولس، خريسوستمس. تاريخ كنيسة انطاكية.  تعريب الأسقف استفانس حداد. منشورات النور. 1984. ص. 741 و787.

[5]  Lebedeff, Fr. Alexander. The Traditional Calendar of The Orthodox Church. Orthodox Tradition. Vol. XIV. Nos. 2 & 3. pp. 81-85.

[6]        ينبغي التوقف عند هذا البطريرك كونه فريداً بين بطاركة القرن العشرين وغيرهم ممن سبقوا. أصله من جزيرة كريت، التحق بمعهد الصليب المقدس في القدس وتخرج ثم رسم شماساً في 1892. في 1908 طُرد من القدس مع إكليريكي آخر يدعى خريسوستوموس بتهمة النشاطات ضد القبر المقدس. خريسوستوموس أصبح لاحقاً رئيساً لأساقفة أثينا وملاتيوس أصبح متروبليتاً في 1910 وبدأ من بعدها مباشرة مفاوضات مع الكنيسة الأسقفية في نيويرك يهدف تعزيز العلاقات بين الكنيستين. رُشح للكرسي البطريركي في القسطنطينية عام 1912 ولكن المجمع اعتبر ترشيحه غير قانوني. أصبح رئيساً لأساقفة أثينا واليونان في 1918 بتدخل واضح من السياسيين والمحافل الماسونية. أُبعد عن مركزه بعد التغيرات الساياسية في 1920. خلال رئاسته لكنيسة اليونان زار لندن وناقش إمكانية الوحدة مع الأنكليكان وفي العام 1921 اشترك بالخدمة معهم في نيويورك. وفي العام نفسه شكل المجمع اليوناني لجنة أعدت تقريراً أدى إلى إدانة ملاتيوس ولكنه انتُخب وبشكل فجائي ومخالف للقوانين الكنسية بطريركاً للقسطنطينية بعد تدخل السياسيين وإبعاد عدد من الأساقفة. في عهده قبلت القسطنطيية القوانين الأنكليكانية وهاجم عدد كبير من المؤمنين والإكليروس دار البطريركية طالبين ملاتيوس الذي ابتعد ثم تنحى بحجة المرض سنة 1923. في العام 1926 انتُخب بطريركاً غير متوقَعاً للإسكندرية بتدخل مباشر من الدولة المصرية التي أجلت تثبيته لعام كامل. ومع هذا فعند شغور الكرسي الأورشليمي رشّح ملاتيوس نفسه لكن الموت أخذه قبل أن يحقق رغبته، في العام 1935.

[7] Schmemann, Alexander. Introduction To Liturgical Theology. Translated by Asheleigh E. Moorehouse. St. Vladimir Seminary Press. New York. 1996. p.  159-160.

[8] شميمن، المرجع نفسه. ص. 68.

من وحي أسبوع الصلاة من أجل الوحدة

من وحي أسبوع الصلاة من أجل الوحدة

الأب أنطوان ملكي

(عن نشرة الكرمة)


لقد عرف القرن المنصرم اهتماماً كبيراً بالعمل المسكوني شارك فيه الكثيرون من المخلِصين الذين يؤلمهم أن لا يكون كل الذين يعلنون المسيح إلهاً لهم مجتمعين في كنيسة واحدة. ومع هذا فقد كان هناك ذئاب بين الخراف يسعون إلى تسخير هذه الوحدة لمآرب عالمية بغض النظر عن إن كانت وحدة في المسيح أو بدونه. نسمع اليوم أصواتاً في الغرب تستعجل الوحدة لأن الألفية الثالثة حلّت. التواريخ والأزمنة لا تحدد مصير الحوار المسيحي. الانشقاق بحد ذاته كارثة ليس أكبر منها إلا وحدة من دون المسيح.

نعرف اليوم أصواتاً كثيرة في الغرب تدعو إلى تغيير مفهوم العمل المسكوني من عمل يسعى إلى الوحدة المسيحية إلى عمل هدفه وحدة الأديان جميعاً وهذا بالضبط ما يسمى دين العصر الجديد New Age. نحن لا بد محاورون لكل الخليقة ساعين إلى تبيان وجه ربنا في كل صنائع يديه، لكن الحوار شيء والوحدة شيء آخر.

تختلف المواقف اليوم في الكنيسة الأرثوذكسية من الحوار المسكوني وجهود الوحدة المسيحية. البعض ينفر من الميوعة والعاطفية في محاولات التقارب لأنها تؤدي إلى أخطاء في التعبير ويخشى أن تتطور فتصبح خطأ في الممارسة أو في العقيدة. البعض الآخر لا يرى في الحوار إلا الكلام الفارغ يتبادله المندوبون في مؤتمرات عقيمة. ويصل الأمر في البعض إلى إبسال محاولات الوحدة استناداً إلى بعض القوانين الكنسية.

أكبر خطأ يقع فيه المؤمن الأرثوذكسي هو أن يظن أن بإمكانه عدم الحوار. لكن مشاركته في الحوار، أياً كان شكله، لا تكون مبنية على أي حسابات غير السعي الحقيقي نحو وحدة حقيقية في المسيح. يُحكى عن حوار المحبة، لكن لا محبة بدون حق لأن المسيح هو المحبة والمسيح هو الحق. من هنا أهمية المشاركة الأرثوذكسية الواعية من أجل عدم استبدال الوحدة الحقيقية بصورة أو كاريكاتور لها. هناك مؤتمرات لا تنتج إلا صوراً في الجرائد، وهناك اجتماعات تُسمّى اجتماعات صلاة لا تنتج إلا دعايات تصوّر الوحدة بمظهر فارغ كاذب. الوحدة المسيحية لبها المسيح والوصول إليها صعب. أمام هذه الوحدة درب جلجلة طويل من الحوار اللاهوتي على المسيحيين أن يسلكوه حتى يصلوا إلى المصلوب.

ليس الحوار خياراً أمام الأرثوذكسي إنه واجب ناتج من دور الكنيسة في هذا العالم. ليست الكنيسة الأرثوذكسية طائفة، إنها عروس المسيح. إنها الكنيسة التي يعلن إيمانه بها كل يوم. من هنا أن محركه إلى الوحدة هو المحبة الحقيقية. خوف المسيحيين من العزلة ليس دافعاً إلى الوحدة. سواء كثر المسيحيون في بعض بقاع الأرض أو قلّوا، أو قل اندثروا، هذا لا يغيّر من بهاء العروس.

قلة من الأرثوذكسيين، أو قل من المسيحيين، تتعاطى بجدية مع أسبوع الصلاة من أجل وحدة الكنائس لأن الكل ينتظر الوحدة كقرار يُتخذ. هذا ليس تقليد كنيستنا. ميزان الحق في كنيستنا هو أعضاؤها مجتمعين: المجمع والكهنة والمؤمنين. وجدان الكنيسة ينطق في كل فرد منهم. من هنا أننا إن قررنا المشاركة في أسبوع الصلاة من أجل الوحدة فلنصلي. سواء شاركنا في صلوات مشتركة -وهذا أمر لا يستسيغه كثيرون- أو لم نشارك، المهم ان نصلي من أجل الوحدة الحقيقية وليس من أجل صورتها. وأن نصلي أيضاً من أجل القائمين في هذا الحوار وحامليه، حتى يتمسكوا بالرجاء ويكملوا في المحبة ويثبتوا في الإيمان الذي ثبت فيه الآباء؛ فلا ينطقوا إلا بما يمليه الروح عليهم، متعالين عن العواطف والانفعال، فلا يستعجلوا ما هو آتٍ ولا يؤجلوا ما هو ملح.


الظهورات المريمية

الظهورات المريمية

الأب أنطوان ملكي


لا يهدف هذا المقال إلى الانتقاص من إخلاص أي من المؤمنين الذين يحجون إلى الأماكن التي سوف يأتي ذكرها سواء لتثبيت إيمانهم أو لطلب الشفاعة في أمور حياتهم وصحتهم. فالخطأ الذي يتناوله المقال أمر لا ينشىء  إلا الألم في قلب الأرثوذكسية والمقصود في الكلام عن خديعة الشيطان ليس إساءة استعمال الكلمة أو القول بأن ما يجري هو حكماً شيطاني أو أن الحجاج هناك يعبدون الشيطان. على العكس، هؤلاء أشخاص يبحثون عن الله لكن سعيهم يستغله مَن أسلم نفسه للشيطان نفسه.

الموضوع كثير التشعب ومن هنا صعوبة معالجته. محرك هذا البحث هو عدد من المقالات التي تسوّق هذه الظهورات، وتقارير عن مؤمنين وكهنة أرثوذكسيين يزورون وينظمون رحلات إلى أمكنة هذه الظهورات. فالآلة الإعلامية المخصصة لدعم ونشر أخبار هذه الظهورات قوية. جدير بالذكر أن هذا البحث لا يهدف إلى تغطية شاملة للموضوع لكن ما يُرجى هو لفت نظر المؤمنين إلى أمور قد تكون يومية في حياتهم ولا يعيرونها انتباهاً.

في العام 1984 أعلن الكاردينال جوزيف راتزينغر، رئيس لجنة عقيدة الإيمان (Congregation for the Doctrine of the Faith) في الكنيسة الكاثوليكية: “إن أحد علامات الأزمنة هو أن الظهورات المريمية تتكاثر في كل العالم”. وقد استند في هذا الكلام على تكاثر عدد التقارير التي تصل إلى اللجنة المذكورة من مختلف أنحاء العالم. فقد تكاثر عدد هذه الظهورات بشكل جنوني خاصةً بعد 1960[1]، مع أن فحوى الرسائل المعطاة  هو تكرار للرسائل نفسها وتذكير بالعقائد المستحدثة في الفاتيكان مثل الحبل بلا دنس والعصمة البابوية، وتحضير لعقائد مريمية جديدة تتكاثر الدعوات إلى إعلانها كمثل اعتبارها أقنوماً رابعاً أو شريكة في الفداء.

كيف تقيّم الكنيسة الكاثوليكية هذه الظهورات؟[2]

إن أي تقرير حول أي ظهور أو أمر غير طبيعي يجب أن يحظى أولاً بمصادقة الأسقف المحلي الذي يبني قراره على تقييم تقدمه لجنة يعيّنها لتقوم بدراسة دقيقة لتتأكد أن الحدث لا يحمل شيئاً معاكساً للإيمان أو الأخلاق وبأنه موحى به أو فوق الطبيعي وبالتالي مستحق أن يجتذب إكرام المؤمنين. عمل اللجنة يقوم على أسس علمية مثل إخضاع مَن يتلقى الرؤيا لفحوص نفسية، وفي حال حدوث أي أمر في الطبيعة كظهور نجوم أو تحرك الشمس. تُخضع اللجنة كل هذه الأمور للبحث العلمي مرتكزة على علوم الفيزياء والفلك والرياضيات وغيرها.

بعد مصادقة الأسقف المحلي تأتي فترة من “التعبّد لتعميق إيمان المؤمنين”. فإذا انتشرت هذه العبادة يتم الانتقال إلى المرحلة التالية المتمثلة بالاعتراف البابوي. إذ يعلن البابا أنه مقتنع بالحدث وبمحتوى الظهورات، فتكون المرحلة الأخيرة أي وضع الخدمة الليتورجية وإضافة الحدث إلى التقويم الكنسي.

قد لا يعترض غير الكاثوليكي على محتوى الظهورات أحياناً، كالدعوة إلى الصلاة والتوبة والمصالحة، ولا على شكل الظهور، إنما الأكيد أن ما لا يروق له هو ما يجري بعد الحدث وكيفية تفسير الرسائل. في ما يلي عرض مقتضب لبعض الظهورات الحديثة (القرنين الأخيرين). فظهورات ما قبل 1842 لا تتعدى الدعوة إلى التوبة أو طلب بناء كنيسة وما شابه.

لاساليت La Salette- فرنسا[3]

كان الإكليروس في فرنسا ما بعد الثورة الفرنسية يتشكى من ابتعاد الناس عن الكنيسة وقلة احترامهم ليوم الأحد. وانتشرت بعض الرسائل التي قيل أنها نازلة من السماء تدعو الناس إلى التوبة تجنباً للعقاب السماوي. وقد كانت بعض هذه الرسائل تفعل فعلها بين الفلاحين. وفي لاساليت في العام 1842، رأى ولدان، مكسيمين (صبي 11 عام) وميلاني (فتاة 14 عام) لمعاناً من الضوء وظهرت منه فجأة سيدة متشحة بالبياض والذهب مع إكليل ورود على رأسها. وكانت محاطة بالضوء تبكي من أن الفلاحين لا يحترمون يوم الأحد ويكثرون من التجديف والقَسَم. وأضافت أن كوارث سوف تحدث إن لم يتغيّر الناس، كمثل تراجع المواسم وحصول المجاعة، فهي لم تعد قادرة على منع ابنها من تطبيق العقاب. وأعلن كاهن الرعية بعد اطلاعه على الأمر أن السيدة هي العذراء مريم ومن ثم وافق أسقف غرونوبل وابتدأ الحجاج يتوافدون إلى لاساليت. ميلاني أصبحت لاحقاً راهبة وبقيت تتلقى رؤى وإعلانات إلى آخر حياتها. ما بعد لاساليت توالت الظهورات بكثافة وفي مختلف أنحاء العالم.

لورد Lourdes[4]

في 1858أي بعد أربع سنوات من إعلان عقيدة الحبل بلا دنس رسمياً، في لورد على سفوح البيرينيه الفرنسي، رأت برناديت سوبيروس شيئاً أبيضاً بشكل فتاة جميلة تلبس فستاناً أبيضاً وبرقعاً أبيضاً مع وشاح أزرق ووردة صفراء على كل رِجل. ثم أفصحت برناديت أن ما رأت يشبه كثيراً بثيابها ووجهها العذراء مريم التي في الرعية، إنما التي في الرؤية حية ومحاطة بالنور. أما السيدة فقد كانت تحمل مسبحة وتكلمت باللهجة المحلية وبطريقة مهذبة جداً داعية الناس إلى التوبة. ثم أعطت برناديت ثلاثة أسرار ودعتها إلى الصلاة من أجل الخاطئين ووعدتها بأن تجعلها سعيدة في العالم الآخر وليس في هذا. كما طلبت منها حفر بئر هناك (هناك تقارير تشير إلى أن البئر كان معروفاً قبل هذا الحدث). في ظهور آخر أعلنت السيدة أنها الحبل بلا دنس مثبتة العقيدة المعلّنة حديثاً. وبعد سبعة أشهر ثبتت السلطات الكنسية في فرنسا خدمة عذراء لورد وابتدأ العمل على بناء كنيسة. برناديت أصبحت راهبة وأُعلنت قداستها في العام 1933. الجدير بالذكر أن ما جرى في لورد دفع التيار المريمي بقوة في القرن التاسع عشر وكثرت الحركات التي تدعو إلى الحج إلى ذلك المكان، إضافةً إلى الدور الذي لعبه في الإعلام عن عقيدة الحبل بلا دنس إذ أن الناس لم يتجاوبوا مع إعلانها إلا بعد سلسلة الظهورات التي جرت. من المثير للانتباه هو أن الأم فوزو، مربية برناديت، لم تكن مقتنعة بصحة الظهورات لأن برناديت كانت تركز على المسيح أكثر منها على العذراء، وهذا إن دلّ على شيء فعلى أن انتشار إكرام مريم أكثر من السيد في تلك الأنحاء[5].

فاتيما  Fatima – البرتغال[6]

أول ظهور كان في العام 1917 إذ رأى ثلاثة أولاد هم لوسيا (10 سنوات)، فرنشيسكو (9 سنوات) وجاسينتا (7 سنوات)، بريقاً كاللمع وظهرت بعده سيدة جميلة فوق شجرة قالت أنها أتت من السماء وطلبت من الأولاد أن يعودوا في اليوم الثالث عشر من كل شهر من الأشهر الستة القادمة حتى تخبرهم مَن هي وما تريد. وجواباً لأسئلة لوسيا أخبرتهم أنهم سوف يذهبون إلى السماء ولكن على فرنشيسكو أن يكرر مسابح كثيرة. كما أخبرتهم أن أحد أصدقائهم الصغار، وكان قد توفي قبل فترة، هو في السماء بينما صديق آخر في المطهر حيث سوف يبقى إلى انتهاء العالم. فرنشيسكو لم يرَ شيئاً في البداية ولم يسمع أي شيء أما جاسينتا فقد رأت وسمعت لكنها لم تتكلم. في ظهورات أخرى طلبت منهم أن يقولوا المسبحة ويصلوا خاصة للذين في نار الجحيم. كما تلقّت لوسيا “أسراراً” ورأت رؤية للجحيم. وعدت السيدة بأن تقوم بأعجوبة في تشرين الأول. تعرّض الأولاد للتحقيق من قبَل حاكم المنطقة الملحد دون أن يغيّر هذا شيئاً من أقوالهم، كما أن لوسيا ضربتها أمها التي اعتبرت أقوالها أكاذيب.

كان الثالث عشر من تشرين الأول يوماً ممطراً ومع هذا تجمع سبعون ألف شخص منتظرين الأعجوبة الموعودة. ظهرت السيدة وقالت أنها عذراء المسبحة وبأن الحرب سوف تنتهي في ذلك اليوم (لكنها انتهت بعد 13 شهر من تاريخه). ثم جرت الأعجوبة إذ أن المطر توقف وظهرت الشمس فصرخت لوسيا “انظروا إلى الشمس” التي رأت فيها سيدة الأحزان وسيدة الكرمل ويوسف الخطيب والسيد. نظر الجمع إلى الشمس ورأوها تتحرك وخافوا أنها نهاية العالم. لم يرَ كل الحضور ذلك مع أن غيرهم على بعد 10 كيلومترات من فاتيما رأوا، بينما رأى آخرون نجمة ليلية وغيرهم رأى مطراً من الأزهار.

مثل ميلاني وبرناديت فإن لوسيا أصبحت راهبة وظلت تتلقى رؤى وإعلانات. في العام 1925 ظهرت لها السيدة مع الطفل وقالت لها أن عبادة قلب يسوع يجب أن تنتشر. ثم في 1929 ظهرت أيضاً وقالت أن روسيا يجب أن تُكرس للقلب الطاهر. كتبت لوسيا في 1937 سرداً كاملاً للظهورات التي يبدو أنها توسعت وضمّت ظهوراً لملاك قبل ظهور السيدة. ففي 1915 ظهر كشخص ملفوف بملاءة، وفي 1916 كشاب في السادسة عشرة أكثر بياضاً من الثلج وعرّف عن نفسه بأنه ملاك السلام وطلب منهم الصلاة من أجل عديمي الإيمان مع ملامسة جباههم للأرض. لاحقاً في 1916 أخبرهم أنه ملاك البرتغال الحارس وأن عليهم أن يصلوا ويقدموا أضاحي من أجل كل شيء صنعوه لكي يأتي السلام، كما أعلمهم بأن قلبي يسوع ومريم يخططان لشيء لهم. أيضاً في 1916 ظهر بهيئة غمامة في شكل بشري وناولهم. كما كتبت لوسيا في 1941 و1942 وصفاً للرؤيا التي رأت فيها الجحيم في 13 تموز 1917. وقد وصفته بالنار الحمراء والشياطين السود وصرخات الألم واليأس وربطت ذلك بأن السيدة حذرت من إشارة عظيمة لليل يضيئه نور مجهول يرمز إلى عقاب إلهي لا سبيل إلى تلافيه إلا بتكريس روسيا لقلب مريم الطاهر. وهذا ما كرره البابا بيوس الثاني عشر في العام 1952 والبابا يوحنا بولس الثاني في العام 1981. وقد كان البابا يوحنا الثاني قد فتح مغلفاً فيه السر الثالث لفاتيما في العام 1960 لكنه لم يفصح عن محتواه.

مديغوريا Medugorje – يوغوسلافيا سابقاً[7]

بدأت الرؤى في حزيران 1981. الراءون كانوا أول الأمر أربع مراهقين بين الخامسة عشرة والسادسة عشرة من العمر، ثلاث فتيات وشاب واحد. في إحدى الأمسيات رأوا على إحدى التلال ضوءً وفي داخله امرأة تحمل طفلاً فهربوا عندما نادتهم. في اليوم التالي عادوا مع فتاة جديدة وصبي في العاشرة ورأى الجميع على الجانب الآخر من التل المرأة تلبس الشمس. وفي الليلة الثالثة عادوا مع جمع من 5000 شخص فظهرت السيدة بعد أن حدث لمعان ضوء ثلاث مرات. الأولاد الستة وحدهم رأوها. فقالت إحدى الفتيات وهي تقبض على جرة ماء مقدس في يدها “إن كنت الشيطان فاذهب بعيداً” فسمعت “أنا مريم العذراء. اهتدوا. تصالحوا. السلام. السلام. تصالحوا”. وتكررت الرؤى وصارت السيدة تزور المراهقين في منازلهم أحياناً وأعطت لهم أن يروا الملكوت والجحيم والمطهر. كما أعطتهم رسائل تدعو إلى السلام والاهتداء والصلاة وصوم الأربعاء والجمعة واحترام الأديان الأخرى. كما أخبرتهم أنها تعذبت من جراء خطيئة البشر وبأنها خاضت معركة عظيمة مع الشيطان من أجل النفوس وبأن في مديغوريا سوف تكون آخر ظهور للسيدة وكل الظهورات اللاحقة كاذبة. كما أعطتهم عشرة أسرار على غرار أسرار فاتيما الثلاثة يُعتَقَد أنها رؤيوية أخروية فيها تحذيرات من كوارث آتية.  رفض أسقف منطقة Mostar، الذي تقع مديغوريا في أبرشيته، هذه الظهورات، لكن كاهن الرعية الفرنسيسكاني بدعم من أسقف منطقة مجاورة Split دعم الظهورات بحماس. تعرض الكاهن للسجن على يد الحكم الشيوعي الحاكم في وقتها، وبعد خروجه من السجن وبسبب علاقته بالظهورات نُقل إلى رعية أخرى حيث تم عدد من الأشفية على يده، وقد توافد الناس إليه ليروا الشخص الذي يستمع لاعترافات الفتية الرائين. وقد ترافقت أعمال الشفاء مع وضع الأيدي والغيبوبة والبكاء، وهذه من علامات أعمال الكاريزماتيك من كاثوليك أو بروتستانت. وقد أحصي ما يفوق على عشرة ملايين زائر ما بين 1981 و1991 من مختلف أنحاء العالم. رُويت عشرات من القصص كرؤية المسيح في السماء أو السيدة مع مسبحة ذهبية وغيرها.

من المثير للانتباه أمر على علاقة بكاهن الرعية المذكور توميسلان فلازيتش الفرنسيسكاني وهو أنه كان في روما للمشاركة في مؤتمر حول التجديد المواهبي الكاثوليكي (Catholic Charismatic Renewal) فأخبر بعض الموجودين أنه بدأ ييأس من خدمته الرعائية وطلب أن يُصلّى على رأسه. فصلّى على رأسه عدد من الموجودين المعروفين بموهبتهم الشفائية (!) مثل كلير ماكينا والأب تارديف. وخلال الصلاة رأت ماكينا فلازيتش جالساً في كنيسته محاطاً بآلاف من البشر ويمر تحت كرسيه مجرى ماء ينبع من الهيكل. أما تارديف فقد سمع الكلمات التالية “لا تخف فإني مرسل أمي إليك”. وقد بدأت الظهورات بعد أسابيع من ذلك أي في حزيران 1981[8].

لم تنل هذه الظهورات موافقة الأسقف المحلي ولا موافقة الأسقف الذي حلّ مكانه ولا حتى موافقة مجلس أساقفة يوغوسلافيا لغاية اليوم. ومع هذا فتدفق الزوار من كل أنحاء العالم لم يتوقف حتى خلال حرب البوسنة. وفي 1997 كرر أسقف Mostar أن قرار مجلس الأساقفة ما زال نفسه إذ حتى اليوم لم يثبت أن ما يجري في مديغوريا فائق الطبيعة أو أن هناك إعلانات[9]. ومع هذا، فيوجد اليوم عشرات مما يُسمى مراكز مديغوريا (Medugorje Center)، ويُنظم عشرات الرحلات السنوية إلى المكان من كل القارات، حتى من بلادنا وعلى يد كهنة غير كاثوليك أحياناً(!).

هل الظهورات إلهية؟

ليست الإجابة على هذا السؤال بالأمر السهل حتى بالنسبة للذي لا يؤمن بالعقائد التي تبشر بها رسائل هذه الظهورات مثل الحبل بلا دنس وعبادة قلب يسوع أو قلب مريم. ويتساءل المرء عن كيف ينظر إلى هذه الظهورات في حين تحمل رسائلها أفكاراً غير صحيحة، وعن إمكانية كون هذه الظهورات من خديعة الشيطان في حال لم تكن عملاً إلهياً. في الكتاب المقدس وتعليم الآباء الكثير من التحذيرات من الوقوع في خديعة الكذاب وأبي الكذب الذي قد يأخذ أشكالاً نورانية أحياناً.

أبسط الشروط حتى تكون الظهورات إلهية هي أن تنسجم مع تقليد الكنيسة شكلاً ومحتوىً. أمام محتوى عدد كبير من الرسائل الواردة على لسان السيدة، فيجد المؤمن نفسه أمام استبدال للسيد المحب، الطويل الأناة الجزيل التحنن الذي يحب الصديقين ويرحم الخطأة بإله متعالٍ غضوب ميّال إلى الانتقام والعقاب. فالسيدة في لاساليت قالت أنها “لم تعد قادرة على رد يد ابنها الثقيلة”، وفي فاتيما “هو مغتاظ”، وفي سان دميانو (1961) “الآب الأزلي متعب، متعب جداً… وقد أطلق الشيطان الذي يعمل على التخريب”، وفي أوليفيتا سيترا – ايطاليا (1985) “أنا لم  أعد أقدر على رد ساعِد ابني العادل”، وغيرها من شبيهاتها في ظهورات أخرى. إن هذه العبارات تعكس تعاليم بعض القديسين واللاهوتيين اللاتين التي تقول بأن هناك مواجهة بين مملكة العدل التي للمسيح ومملكة الرحمة التي للعذراء. من هؤلاء ألفونس ليغاري الذي يقول بأن الخاطئ الذي يُغضب الله تأخذه مريم تحت حمايتها وترد عنه ذراع ابنها المنتقمة وتخلصه. أو جان جاك أوليه Olier الذي يقول بأن العذراء هي الملجأ الأكيد للخطأة والمجرحين من غضب وانتقام يسوع المسيح لأنها تعوق قدرته لمنع الشر الذي قد يعمله للمذنب.من المعلمين اللاتين أيضاً لوي-ماري غرينيو دو مونتيفور (1796) الذي يربط العذراء بالمجيء الثاني معتبراً أن الروح القدس سوف يُظهرها لكي يُعرَف المسيح وأنها سوف تلمع بالقدرة على أعداء الله لأن الشيطان يخشاها أكثر من الله نفسه. ولم يزل هذا التعليم قائماً في الكنيسة اللاتينية، فاليوم يرى بعض اللاهوتيين الكاثوليك المعاصرين، مثل المطران فولتون شين، أنه كما هيأت العذراء جسد المسيح للمجيء الأول فهي تهيء النفوس اليوم للمجيء الثاني. فلولاها لما كان له مجيء بالجسد في المجيء الأول ولن يكون له مجيء بالروح في المجيء الثاني إن لم تهيء له الطريق[10]. كما يرى بعض المجموعات الكاثوليكية، ومنهم البابا الحالي، أن دور العذراء الخلاصي لا ينحصر بالمسيحيين فقط بل يتخطاهم إلى كل البشر من مختلف الديانات. ويتخذ الأخيرون من الظهور في الزيتون في مصر مثالاً، حيث تجمّع أناس من كل الأديان ليروا الظهور. إن هذا التفكير منسجم جداً مع اعتقاد سائد في أوساط الكثلكة بعصر مريمي يسبق المجيء الثاني، علماً أن الحديث عن هذا العصر ليس موجوداً لا في الكتاب المقدس ولا لدى أي من الآباء. ويستند البعض في هذا على ما يرد في رؤيا يوحنا (). أيضاً يستندون إلى تكوين 15:3 “وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها. هو يسحق رأسك وأنتِ تسحقين عقبه”. فالآية واضحة في أن مَن يسحق الحية هو نسل المرأة أي الإنسان وتحديداً المسيح، ويضيف التفسير الكاثوليكي أن “مَن قال المشيح قال أمه. فالتفسير المريمي للترجمة اللاتينية (“هي تسحق”) أصبح تقليدياً في الكنيسة الكاثوليكية”[11]. من المثير للانتباه أن ما توصلنا إليه خلال بحثنا عن مرجع في موضوع العصر المريمي، هو أن نوستراداموس (Michel de Notre Dame) هو صاحب النظرية والمتنبئ بها[12].

إن التركيز على دور العذراء أدى إلى مناقشة اعتبارها شريكاً في الخلاص مساوياً للمسيح (Co-redemptrix) ومطالبة المريميين بإعلان هذا الأمر كعقيدة أو حتى إعلانها أقنوماً رابعاً. فالبابا بوحنا بولس الثاني يرى فيها نقطة التقاء الشرق والغرب، والكاردينال كيلر يرى أنها نقطة التقاء الاسلام والمسيحية[13]. ومن جهة أخرى فالكاثوليك المؤمنون بتنبؤات عذراء فاتيما يرون ضرورة إعلان هذه العقائد المريمية الجديدة من أجل تلافي الحرب العالمية الثالثة. فبحسب رسائل فاتيما، إن لم يتم تكريس روسيا لقلب مريم فسوف يقع عدد من الكوارث ومن بينها الحرب العالمية[14].

مريم والعصر الجديد (NEW AGE)

العصر الجديد تيار في الغرب يدعو، من بين ما يدعو، إلى عالم موحد بديانة جديدة واحدة. وهناك مَن يربط بين مريم التي يحكي عنها الكاثوليك اليوم وهذا التيار. من الأمثلة على هذا مقال ظهر في مجلة LIFE في كانون الأول 1996 تحت عنوان “سر مريم”[15]. تبدأ المقالة بمزيج من صور مريم من مختلف مناطق العالم، وباستشهاد مأخوذ من المؤرخة كارين أرمسترونغ، وهي راهبة كاثوليكية سابقاً، “يُعاد اختراع مريم باستمرار… في كل جيل، غيّر الناس تحديدهم لها بما يتطابق مع ظروفهم”. فمن بداية المقالة يوضح الكاتب أنه يريد أن يقول أن مريم ليست إلا نتاجاً لحضارة ما وعصر ما وأن لكل مجتمع أن يخلقها بحسب صورته. إن هذا الكلام الذي يرفضه الشرق يبدو مقبولاً في الغرب الذي لا يسمح لأي رأي بأن يدّعي الحقيقة المطلقة. فكل رأي صحيح ما دام مقتصراً على كونه رأياً. إن هذه الطريقة في التفكير من أهم ما يقف وراء تكاثر الكنائس البروتستانتية وتعدد المدارس والاتجاهات اللاهوتية في الكنيسة الكاثوليكية. فالغرب عرف في القرن الماضي حرية في التعاطي مع شخص المسيح، فخط عدد من الكتاب سِيراً له من عندهم، مثل رينان وشووتزر، وعند تسرب هذا التيار إلى الشرق كتب تولستوي وكازانتزاكيس ولكنهما أُدينا. هذه الكتابات ليست إلا تحوير لصورة المسيح واستبدالها بصور من نسج خيال المؤلفين وانحرافهم، وقد استُغلت لإيصال فكر يدعو إلى إله جديد. وقد استمر هذا التيار حتى عصرنا الحالي فرأى الليبراليون في المسيح رابي يهودي، والاشتراكيون صوروه على أنه ثائر (وقد أخذ عنهم هذا الفكر لاهوتيو التحرير الكاثوليك)، وكل هذا هيأ لباطنيي العصر الجديد بأن يروا في المسيح معلماً روحياً (Guru) تدرب في التيبت قبل انتقاله إلى فلسطين.

ويستند دعاة العصر الجديد إلى الدراسات المقارنة التي تركز على وجود بطل في كل الحضارات مات ثم قام أو كان طفلاً فنجا من الموت، كمثل تموز البابلي، ميثرا الفارسي،  اوزيريس المصري، أو بوذا الهندي، وبالتالي فيسوع اليهودي هو منهم. وهكذا يتم التسويق لفكرة وجود أكثر من مسيح وحرية كل من الناس في اختيار مسيحه، هذا بموازاة المناداة بمريم أخرى يتم اختراعها بالطرق نفسها. هذا وأن عبادة إله وأمه ليست جديدة في التاريخ. فتموز لدى السومريين كانت معه أمه سميراميس، وأوزيريس لدى المصريين رافقته أمه أيزيس. هذه الأمر يتكلم عنه دارسو العصر الجديد ليدعموا قولهم بأن تعدد المسحاء لا بد أن يرافقه تعدد للمريمات[16].

المقالة المذكورة هي مساهمة في هذا الخط. فإمكانية قبول كل أشكال مريم تؤدي إلى إمكانية قبول كل الطرق باعتبارها مؤدية إلى نفس المكان. تستعرض المقالة عدة مريمات: العجائبية، الوسيطة التي يرى أحد الكهنة أنها تُدخل الناس إلى الملكوت من الباب الخلفي، الحديثة التي ينادي بها الأنثويون Feminists، والأم. يرى الكاتب أن مريم الأم هي الشكل الأكثر قبولاً لدى غير الكاثوليك لأن الحاجة العاطفية لها لا تُقاوم، فبعض البروتستانت يفتقدونها والمسلمون يكرمونها. ردة الفعل البروتستانتية بدأت تتغير، أقله شعبياً، دون أن يعني ذلك قبولهم بالحبل بلا دنس او باعتبارها أقنوماً رابعاً.

المؤسف أن الكنيسة الكاثوليكية لم تفطن أو لم تعلق أهمية على موضوع تعدد المريمات مما أدى إلى ارتفاع أصوات من داخل الكثلكة وخارجها تتهم الباباوات باتباع سياسات تتماشى مع تيار العصر الجديد، عن طريق المبالغة بإكرام مريم واستعمالها لتثبيت البابوية. من جهة أخرى، قد نلحظ في التيار المريمي بقايا وآثار لعبادات قديمة سبقت المسيحية. فالغرب أصلاً لم يحاول محو العبادات القديمة حيث أدخل البشارة. البرابرة في أوروبا دخلوا المسيحية بعاداتهم وطبقاتهم وهذا كان من مسببات دخول العقائد الغربية التي أدت إلى الانشقاق. وحتى في العصور اللاحقة كان المبشرون الغربيون، من باب “تعميد العالم”، يبقون على معتقدات الشعوب المبَشَرة ويستعملون موازيات مسيحية لها بدلاً من محوها. في الشرق كان كل شيء يُستبدل حتى المعابد كانت تهدم ويُعاد بناؤها. من الأمثلة على التدبير الغربي تبشير هنود الكوغي في كولومبيا وهم كانوا يعبدون إلهة تُدعى نابوبي أو الأم القديمة. وكان لنابوبي ابن يُدعى سيجوكوكوي اختبأ في كهف حتى يُقال أنه مات فينجو من خطر ما. عندما وصلت الإرساليات الكاثوليكية جعل المبشرون من سيجوكوكوي المسيح ومن نابوبي العذراء مريم. وعلى هذا الأساس أصبح اسم المعبد الوثني الذي كان اسمه بيت نابوبي سابقاً، كانساماريا وهو تحوير لـ Casa Maria أي بيت مريم. في حالة هنود الكوغي، ليس فقط عبادة خاطئة لمريم إنما أيضاً تهميش للمسيح وجعله إلهاً من درجة ثانية. وهذا بالضبط ما يحدث اليوم[17].

يرى بعض الدارسين أن هذه العبادة الجديدة لمريم عودة لعبادات وثنية قديمة ورجعة إلى عبادة الإلهات التي كانت منتشرة في أوروبا بوجه خاص، بينما يرى آخرون في هذه الحماسة المريمية محاولة للتعويض عن الغبن اللاحق تاريخياً بالمرأة في الكنيسة الكاثوليكية والذي بلغ حد منع زواج الكهنة، أو استجابة للتيارات التي قامت في القرن الأخير للمطالبة بحقوق المرأة وكهنوت النساء. الجدير بالذكر أن كهنوت النساء أمر لم تعرفه إلا الديانات الوثنية.

ليس كل الكاثوليك في الخط نفسه في ما يتعلق بهذه الحماسة نحو مريم. فالكاردينال جون نيومن يقبل الحبل بلا دنس ولكنه لا يرى في كل هذه المبالغات إلا مثاراً للتجديف وخسراناً للنفوس. البابا يوحنا الثالث والعشرين حذر شعبه من أن العذراء لا تكون سعيدة عندما تُرفَع فوق ابنها. الكاتب الكاثوليكي روبرت بنسون (إنكليزي من القرن التاسع عشر)كتب بعد زيارته للورد بأن مريم ظهرت له في ضوء جديد وهو الآن بات يخشى أن يغضبها وليس فقط يكره ذلك، إذ أن الوقوع في يدها هو من الأمور المخيفة. الكاتب الفرنسي أميل زولا قال انه اختبر وتعرّف إلى دين جديد في لورد[18].

الظهورات والحوار المسكوني

يؤمن المريميون أن الظهورات تحمل رسالة مسكونية. في ظهور العذراء في الزيتون – مصر بقيت صامتة وهذا ما يفسرونه على أنه لفتة ودعوة إلى كل الحضور بغض النظر عن معتقداتهم للاتحاد بالله من خلال الصلاة. هذا الكلام يتفق مع رأي البابا الحالي الذي يرى أن إله كل الأديان هو واحد[19]. والواقع أن العذراء في مصر لو قالت أنها والدة الإله لرفضها المسلمون، ولو قالت أنها الحبل بلا دنس لرفضها الأقباط. من هنا أن هذا الصمت يطرح تساؤلات عديدة يستفيد منها المريميون الذين يركزون على أن مريم مذكورة في القرآن كعذراء مختارة. والسؤال الخطير الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا يغض المريميون النظر عن أن القرآن يرفض الصلب والقيامة ولا يرى في المسيح إلا أحد الأنبياء؟ يروي أحد المراسلين الأنكليكان أنه تعرّف خلال إحدى زياراته إلى الزيتون على جار للكنيسة مسلم كان يرمي الحجارة على زوارها فظهرت له مريم ليلاً وطلبت منه إيقاف هذا العمل ورسم الصليب على بيته. فاقتنع بصحة الرؤيا ورسم على بيته أربعين صليباً ولكنه بقي على إسلامه. ما هي إذن غاية الظهورات إن لم تكن قيادة الناس إلى المسيح؟

عذراء مدياغوريا قالت أنها أتت لتحوّل وتصالح. الكلام على المصالحة في كرواتيا الحالية (يوغوسلافيا سابقاً) كان ضرورياً. فهذه المنطقة شهدت ومازالت تشهد صراعات عرقية ودينية منذ منتصف القرن الماضي. مما قالته أيضاً هذه السيدة أن الأديان متشابهة بالمبدأ، وبهذا تلتقي مع الداعين إلى الوحدة القائمة على التوفيق (Syncretism) بغض النظر عن وجود الله كمحور لهذه الوحدة أم لا، وهو فكر بات غير مرفوض في الدوائر الفاتيكانية. أيضاً تقول هذه السيدة أن البابا أب لكل البشر وليس فقط للكاثوليك. البابا الحالي مقتنع بهذا الكلام حتى العظم ولهذا يقف وراء أغلب النشاطات التوفيقية بين الأديان، ولهذا هو الزعيم الروحي الأكثر تجولاً. فهو لديه مشاريع وخطوات تقارب مع كل الأديان من مسيحيين وغيرهم وهو ينظر إلى الألف الثالث كزمن جديد للإيمان ولهذا دعم مشروع البشارة 2000 (Evangelization 2000) الذي يصبو إلى تبشير العالم كله. كل هذه الحركات برأيه هي “إشارات تدل ليس فقط على اجتماع المسيحيين، بل تلاقي كل الأديان في هوية بشرية واحدة أمام الله”[20].

عذراء فاتيما طلبت روسيا وعلى هذا الأساس تأسست جمعيات صليبيو فاتيما (Fatima Crusadors) الذين بينهم أشخاص من كل البلدان والدرجات الكهنوتية والوظائف الدنيوية والذين يعتبرون الحرب على روسيا حرباً مقدسة يجب أن تنتهي بكثلكتها. دور دولة الفاتيكان معروف في الاعتداءات التي وُجهت إلى روسيا من قبل فاتيما. فالفاتيكان دعم الأتراك في حرب القرم، ودعم نابوليون في حربه عليها، إضافة إلى الأدوار التي لعبها من خلال دولتي هنغاريا وكرواتيا في البلقان. الفاتيكان احتفظ بعلاقات جيدة مع الحكم الشيوعي حتى كاد يفتتح معهداً لاهوتياً في روسيا في العام 1929. خلال هذه الفترة لم تُذكر روسيا في الرؤى، بينما عادت تذكر بتكريس روسيا بعد تدهور العلاقات.

دور الفاتيكان؟

كيف يُفسر انتشار صيت هذه الظهورات بهذه السرعة؟ كيف يُعلل أن رؤيا لفتاة تحوّل قرية مثل لورد إلى مركز ديني كبير وسياحي ضخم لا بل إلى ديزني لاند دينية؟ عدد السواح الذين يقصدون لورد أكثر من عدد زوار القدس. كيف يُفسر أن بعد ظهور أي رؤيا في مكان ما يأتي بعض الرهبان ويستلمون زمام الأمور بدل كاهن الرعية إن لم يكن منهم؟ هذا ما جرى في لورد وانتهى الأمر إلى الشكاوى والمحاكم. في مديغوريا لم تكن الأمور كذلك لأن كاهن الرعية كان من الرهبان أصلاً. كيف يُفسر أن تستمر الأمور على ازدياد بالرغم من رفض الأسقف المحلي وبدعم من بعض الرهبنات؟ الثابت أن للفاتيكان دور في كل هذا وهو من المستفيدين من هذه الظهورات خاصةً في التحكم بالوجه الحسي للأمور عن طريق أسرار يبوح بها أو يخفيها، ومن خلال جيش من الرهبان المنضوين في عدد من التنظيمات العريقة في الاقتناص والدبلوماسية.

مسألة قبول الظهورات

كما ذكرنا سابقاً فالكنيسة الكاثوليكية، في عملية التقييم، تتبع برنامجاً علمياً يعتمد على الرياضيات والفيزياء والطب النفسي. ومع أن الطب النفسي توصل إلى نتائج مهمة في شأن الرؤى والرؤاة قد تكشف أحياناً أوجهاً مخفية يستغلها الشيطان للخديعة، إلا أنه ليس مقياس صحة الرؤية. فكثافة الظهورات وكثرة الرسائل التي تحملها تجعل الأمر صعباً إضافة إلى الضغط الذي تشكله الحماسة الشعبية على أصحاب القرار. وفي بعض الحالات مثل مدياغوريا (التي تخطى عدد زوراها العشرة ملايين دون أن تنال موافقة الأسقف المحلي منذ 1981) تظهر كل عملية التقييم بلا قيمة، فالفرنسيسكان تكفلوا بجعل المكان مركزاً للحج بغض النظر عن موافقة الأسقف والبابا الذي لم تصل إليه بعد.

تذكر الموسوعة الكاثوليكية الجديدة أن رؤى القديسة دومينينك والقديس سمعان ستوك (Stock) في 1251 هي خرافات كما أنها تشير إلى أن الظهور في غوادالوبي – المكسيك في 1531 ليس بدون تساؤلات. كما تذكر المراجع الكاثوليكية أن هناك عدداً من الظهورات يكون بهدف المال أو لكسب الانتباه، والبعض قد يكون شيطانياً. تروي صفحة مخصصة على الانترنت لمتابعة أخبار الظهورات أن ماجدلين الصليب (Magdelaine of the Cross) كانت ترتفع عن الأرض عندما تصلي وتخبر المستقبل وتشفي المرضى، ولكنها اعترفت على فراش الموت أنها أسلمت نفسها للشيطان في فتوتها1. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا تسمح الكنيسة الكاثوليكية بأن يُغض النظر عن هذه الخبرة في بعض الحالات وتتذكرها في البعض الآخر؟

الكنيسة الكاثوليكية، في ارتكازها الأساسي على العلوم العالمية والمنطق، باتت تفتقد لبعض المفاهيم الآبائية وهذا ما يجعلها تقع في خطأ قبول هذه الأمور.  فالغرب بابتعاده اليوم عن فكر الآباء لم يعد لديه سوى فكرة بسيطة عن مفهوم أساسي هو الخديعة الروحية. هناك أمثلة كثيرة عن آباء ونساك وقعوا في خديعة الشيطان فاستضافوا الأبالسة بهيئة ملائكة وأحياناً المسيح نفسه وعاينوا رؤى وشاهدوا النور في قلاليهم وسمعوا الرب يكلمهم. القديس ذياذوخوس فوتيكي يحذر من خديعة الشيطان عندما يأتي بشكل نور. القديس أنستاسيوس السينائي يقول بأن ليس كل مَن يعمل آيات قديساً ويحكي أن أسقفاً هرطوقياً أقام ميتاً. القديس أنطونيوس الكبير حكى عن تظاهر الشياطين بسابق المعرفة لتضليل الناس، ومثله القديس يوحنا الدمشقي. كتاب بستان الرهبان يفرز باباً للكلام عن خديعة الشيطان من خلال الرؤى والتنبؤات. القديس يوحنا السلمي يحكي عن تمييز الأفكار والأهواء والفضائل. القديس سمعان اللاهوتي الجديد يحذر مما تزرعه الأرواح الشريرة في الجو. القديس مرقس الناسك يحذرنا حتى من استعمال الصور الفكرية في وقت الصلاة، ومثله القديس مكاريوس الكبير. كل الآباء يحكون عن الخديعة خاصةً للمتقدمين.

ما لا ينتبه له المتحمسون للظهورات المريمية هو إمكانية هذه الخديعة، وبهذا يتفقون مع الكاريزماتيك من مختلف انتماءاتهم. بعض القديسين الكاثوليك مثل يوحنا الصليب John of the Cross حذروا من أن كل الرؤى والنبؤات مهما كبرت لا تساوي عمل محبة صغير1. التمييز شرط أساسي للحكم في صحة الرؤيا والتعاطي مع الأمر في الكنيسة الكاثوليكية ليس على مستوى المسؤولية والأمثلة متعددة.لم تقبل السلطات الكنسية في فرنسا ظهورات لاساليت، كما أن السلطات الكنسية في اسبانيا لم تهتم للرؤى في غراباندال، ولا أسقف موستار في كرواتيا وافق على رؤى مديغوريا، ومع هذا أتى الحجاج دون أن يأخذوا بعين الاعتبار إمكانية كون مصدر الرؤى خديعة الشيطان. في سؤال لأحد الفرنسيسكان العاملين في مديغوريا عن مدى التأكد من أن المرأة التي ظهرت هي العذراء، أجاب متسائلاً مَن تراها تكون ما دامت أماً شابة مع طفل وعلى رأسها تاج4. فالرؤية قبلها الفرنسيسكان مع أن السيدة، في السابع من أيار 1985، أقامت إمرأة متوفاة هي والدة إيفانكا إحدى البنات الرائيات فقبّلت ابنتها ومضت. هل هناك ما يبرر عملية الإقامة هذه؟ أغلب الدارسين لا يرون في الأمر إلا تعاملاً مع الأموات وممارسة شيطانية.

لا بد من التوقف أيضاً عند أعمال الشفاء التي يدّعي البعض أنها تمت ويعتبرونها شهادة على صحة الظهورات. الحق أنه لا علاقة بين الأمرين. سيمون الساحر كان عنده قدرة شفائية. الطب الأسود في البرازيل لديه أيضاً نتائج كثيرة. بعثة لندن الأنكليكانية Anglican London Healiing Mission  تورد شهرياً قصص شفاء مذهلة، ومثلها مجموعات الكاريزماتيك العَنصريين أيضاً تدعي أعمال شفاء، ومثلهم عدد كبير من الروحانيين (Spiritists) والعلم المسيحي (Christian Science). الفرنسيسكان هم من داعمي التيار المواهبي (الكاريزماتيك) الكاثوليكي ومنه يأتي الأب تارديف وغيره من الشفائيين. جدير بالذكر أن هذا التيار ليس مقبولاً مئة بالمئة في الكنيسة الكاثوليكية مع أن البابا الحالي يشجعه.

الله يعمل بطرق مختلفة ولا أحد يضع حدوداً لرحمته. الكنيسة عرفت وما زالت تعرف عجائبيين وشافين. صلوات الكنيسة الأرثوذكسية ملأى بطلبات شفاء النفس والجسد، حتى المناولة المقدسة هي بهذا الهدف. صلوات الزيت المقدس تتكرر خلال السنة بالهدف نفسه إضافة إلى إمكانية إقامتها عند هذه الحاجة. يبقى أن طبيعة الشفاء ومصدره أهم من الشفاء نفسه. القديس يوحنا الذهبي الفم يؤكد أن الشفاء قد يتم أحياناً بسبب إيمان طالبه وبغض النظر عن المطلوب منه.

ماذا بعد؟

هناك تخمة من كل شيء: آلاف من الرؤى، مئات من المزارات، عشرات الآلاف من الرسائل، عشرات من الأسرار وتناقضات كثيرة. أتباع فاتيما يتباهون على أتباع لورد، وأتباع لورد يرون في مديغوريا تلفيقاً. السؤال المهم هو ما الضرورة لهذه الظهورات؟ طبعاً الله يعمل حيث يشاء وبالشكل الذي يشاء ويتحدث إلى العالم من خلال مَن يشاء. إن كان دور العذراء هو كل هذه الأمور التي يُحكى عنها في الظهورات فأي دور بقي للروح القدس؟ إهمال الروح القدس طبيعي في ظل هذه المعمعة المريمية.

الكتاب المقدس وخبرة الكنيسة المتراكمة على ألفي عام هما الحَكَم. ليس الشك في الخبرات إنما في مصدرها وفي هذا لا نشكك أحداً بل نكرر تعليم الآباء القائل بأن مصدر الرؤى قد يكون شيطانياً فإبليس دائم الاستعداد لاستغلال قدرات الانسان العقلية والنفسية لتضليله. هذا الصخب والزحام المرافق للظهورات ليس طبيعياً. جهوزية الإعلام لمرافقة أي رؤية ونشر أي رسالة ليست طبيعية. التناقضات كثيرة وهاك بعض الأمثلة. أسقف موستار قال في إحدى المرات أن هناك 30000 زائر في مديغوريا، أما أحد الفرنسيسكان فقال أن هناك مئتي ألف، فسأل الرؤاة السيدة فقالت أن هناك 110 آلاف. سيدة مديغوريا قالت في أول أسبوع لظهورها أنها سوف تظهر لثلاث مرات أخرى. ثم قالت أن لديها خمس أسرار ولاحقاً أصبحت عشرة. في 1991 أحصي 2500 ظهور أي بمعدل 250 سنوياً أي شبه يومية. أيضاً قالت سيدة مديغوريا أن مديغوريا آخر مكان لظهورها،، فماذا عن الظهور في 57 مكان غيرها في مختلف القارات[21] ومنها الصوفانية وأبو غسان في سوريا، وموريس بشوتي ورسل الإنجيل في لبنان؟

ماذا عن محتوى الرسائل؟ ضخ واضح لعقائد الفاتيكان. هناك دائماً المطهر، الحبل بلا دنس ودور البابا في خلاص الشعوب، قلب يسوع وقلب مريم. هناك دائماً دعوات إلى التوبة ولكنها مشروطة أو مربوطة بتهديد ما. دارسو الكتاب المقدس يتوقفون عند طريقة طرح العبارات مثل “أنا الحبل بلا دنس” فهي تشبه “أنا الطريق والحق والحياة”، “أنا القيامة”… المريميون المتحمسون يتوقعون أن يسمعوا “أنا وسيطة كل نعمة”، “أنا الشريكة في الفداء”. أن تقول السيدة أنها الحبل بلا دنس ليس فقط تثبيتاً للعقيدة بل أيضاً للسلطة التي أعلنتها أي للعصمة البابوية. وفي هذا السياق ترفض الكنيسة الكاثوليكية بعض الرؤى التي لا تأتي في هذا الخط. كاترينا سيينا[22]  ظهرت لها العذراء وأخبرتها أنها ليست الحبل بلا دنس. مؤرخو الغرب يقولون أن كاترينا كانت متأثرة بمعلميها الدومينيكان الذين كانوا يعارضون الحبل يلا دنس، وبالتالي أغلبهم يرفض هذه الرؤيا.

وفي الختام لا بد من ملاحظة التكرار الثقيل في الرسائل. مَن كلّم إيليا التسبيتي في النسمة لا يحتاج إلى تكرار أي كلام.

خاتمة

الكلام عن خطأ الظهورات فقط لا يكفي. لا بد من أن نتذكر دوماً تعليم كنيستنا عن والدة الإله. فبعكس ما يفكر بعض الباحثين بأن النسطورية هي التي فتحت أعين الكنيسة في الشرق على والدة الإله، إكرامها أتى من خبرة الكنيسة وخاصة الليتورجية. فموقع العذراء مريم في الكنيسة الأرثوذكسية هو أولاً في الليتورجيا. لم يستفض مؤرخو كنيستنا ولا لاهوتيوها في كتابة المصنفات عن والدة الإله بل كتب عنها مرنمو الكنيسة ومصلّوها وكاتبو مدائحها. والدة الإله اختارت حياة الصلاة. فهي وُلدت استجابةً لصلوات يواكيم وحنة ودخلت الهيكل طفلة وجاءها الملاك بالبشارة وهي تصلي، فكان لها ما شاءت في الكنيسة الأرثوذكسية التي اختارت لها الليتورجيا موقعاً. المقارنة بين الشرق والغرب في إكرامهما للعذراء مريم تظهر الفرق بينهما. فاللاهوت الأرثوذكسي ليس عقلياً ولا يسعى إلى تفسير شيء، كما أن الليتورجيا ليست تذكراً لأحداث سابقة إنما هي دخول في الحقيقة الأخروية لملكوت الله ومكان التقاء هذا العالم مع الملكوت. الغرب في لاهوته وجد مكاناً للعذراء فحدد لها امتيازات كانت الدافع إلى كتابة أبحاث طويلة وتأسيس تنظيمات وجمعيات عديدة. أما كنيستنا فقد وجدت سراً في التي هي أكرم من الشاروبيم وأرفع مجداً بغير قياس من السارافيم. واختبرت الكنيسة هذا السر في حياتها وعرفت أن البحث العقلاني عاجز عن أيجاد التعابير الملائمة لشرحه.

على مدار السنة الطقسية تعيّد كنيستنا لثماني أعياد لوالدة الإله. أعياد السيدة هي انعكاس لأعياد السيد. أما أعيادها غير الكتابية، مثل ميلادها ودخولها الهيكل، فهي ثمرة قراءة الكنيسة وفهمها للعهد القديم. أيقونة والدة الإله موجودة في كل الكنائس كما أن كل الصلوات تنتهي بقطعة للسيدة. لم يعرف آباؤنا كتابة الدراسات عن والدة الإله بل كتبوا لها المدائح والميامر: يوحنا الدمشقي، أندراوس الكريتي، كوزما المايومي، الذهبي الفم، رومانوس المنشد وغيرهم. الكنيسة توصلت إلى إعطاء والدة الإله هذه المكانة من خبرتها الليتورجية. فهي وجدت والدة الإله فردوساً ناطقاً تفرح بها كل البرايا. لم تجعل الكنيسة منها عبادة جديدة بل رأت فيها بعداً جديداً لعبادة السيد. وللتأكيد على هذا البعد الليتورجي، تشدد الكنيسة على إعطاء السيدة أسماء مرتبطة بالهيكل فهي الهيكل المتقدس، باب الرب غير المسلوك، المبخرة، قدس الأقداس، الشمعدان وغيرها.

من جهة أخرى، والدة الإله هي حواء الجديدة التي تشدد الكنيسة على أن ترى فيها خبرة العلاقة بين الله والخليقة كَسِرٍّ للمحبة. وهنا لا تقف والدة الإله كممثلة للنساء فقط بل لكل الخليقة أمام الخالق. في حين فشلت حواء الأولى في الحفاظ على النظام الطبيعي نرى والدة الإله صححت المسار من خلال اتضاعها وطاعتها واستعدادها للتضحية فاستحقت أن تكون أرحب من السماوات. لا تعرف كنيستنا العذراء إلا أماً. لهذا تصورها الأيقونات وابنها دائماً على ذراعيها وهي إما تنظر أو تشير إليه. فهي المصلية والشفيعة الحارة، المرضعة، المرشدة، أو الأم الواقفة تحت الصليب.

ختاماً لا بد من العودة إلى ظهوراتها. فظهور والدة الإله في كنيستنا هو دائماً كحضورها في قانا الجليل. ليست كثيرة الظهور، فرسالتها واضحة: كل ما يقوله لكم اصنعوه. لا نعرف في تراثنا الشرقي ظهورات لوالدة الإله كنبية أو معلمة إنما نعرفها المدافعة عن أسوار مدينتها، أو المرشدة (القديس أثناسيوس الآثوسي)، أو المعزية (القديس يوحنا الدمشقي). ما يحصل في الغرب من انتظار يومي لظهور جديد يحمل رسالة أو نبوءة جديدة غريب عن وجدان كنيستنا التي تحتمي في حضن الجندية المحامية مسلمة لها أمرها.

لأن الليتورجيا هي امتداد الحاضر إلى المستقبل تظهر والدة الإله في كنيستنا كإيقونة للكنيسة، وبما أنها بعد الولادة عذراء وبعد الموت حية لا يحق لنا إكرامها إلا كفجر لليوم السري، يوم القيامة. إن أي إكرام يخرج عن هذا السياق هو انتقاص من مجد العروس التي لا عروس لها.

 

[1] Messages from Heaven – the Apparitions. Introduction. 28/6/96. URL:http://members.aol.com/bjw1106/marian1.htm

[2] Are Apparitions Even Possible. 22/5/96. URL:http://members.aol.com/bjw1106/marian3.htm

[3] Apparitions of the Virgin Mary- Some Important Marian Apparitions. URL:http://members.aol.com/bjw1106/marian5.htm

[4] المرجع نفسه.

[5] Lambouras, Miriam. The Marian Apparitions: Divine Intervention or Delusion? Reprinted from The Shepherd, URL: www.orthdoxinfo.com/inquirers/marian_apparitions.htm.

[6] Apparitions of the Virgin Mary- Some Important Marian Apparitions. URL:http://members.aol.com/bjw1106/marian5.htm.

[7] المرجع نفسه.

[8] المرجع نفسه.

[9] Apparitions of the Blessed Virgin 1998 Developments. URL:http://members.aol.com/bjw1106/marian98.htm

[10] Lambouras.

[11] أنظر “الكتاب المقدس. العهد القديم”. دار المشرق. بيروت 1989. ص. 73. الحاشية رقم 3.

[12] Nostradamus Prophecies. Chapter IV. URL: http://web1.tusco.net/ourlady/chapter4.htm.

[13] Pope John Paul II. Love of Mary shared by East and West. Osservatore Romano No. 34 (1454). URL:http//www.al-bushra.org/bvm/marylv.htm.

[14] Fr. Nicholas Gruner. “I Give you Peace”. Fatima Network: Our Lady’s Library Online. Fatima Crusadors. URL: http://fatima.org/library/cr40pg2.html.

[15] “The Mystery of Mary”. Life Magazine. Dec. 1996. Issue no.

[16] Jackson, Peter. A New Mary For A New Age. Orthodox Life. No. 1. 1997. pp. 18-22.

[17] المرجع نفسه.

[18] Lambouras.

[19] Pope John Paul II. Love of Mary shared by East and West. Osservatore Romano No. 34 (1454). URL:http//www.al-bushra.org/bvm/marylv.htm.

[20] Lambouras.

[21] Catholic Apparitions Of Jesus And Mary. URL: http://web.frontier.net/Apparitions/

[22] قديسة لاتينية من القرن الرابع عشر (Catherine De Sienne)