حمل الله

حمل الله

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

تعريب الأب أنطوان ملكي

 

يوجد في رؤيا يوحنا عدد من الصور التي تشير إلى حقيقة الحَمَل اللاهوتية. أغلب هذه الصور يقدّم المسيح كحمل، وبالتحديد كحمل مذبوح. سوف ندرس بعض هذه الصور والمشاهد بما يساعدنا على رؤية عمل المسيح بشكل أكثر تحليلاً ووضوحاً.

أ) طبيعة الرؤيا

قبل المباشرة بتحليل الموضوع، أريد أن أشير قليلاً إلى طبيعة رؤيا يوحنا وغايتها، لأن الكثيرين يتحدّثون عنها اليوم مفسرين إياها بحسب حدسهم، ما يؤدي إلى إساءة تفسيرها في كثير من النقاط وخلطها بأحداث حالية، من دون نقل الحقيقة دائماً.

الرؤيا هو من أصعب أسفار الكتاب المقدس. لهذا لسبب، لا يوجد تفسيرات آبائية كثيرة، فالآباء لم ينشغلوا به كثيراً. بالواقع لدينا فقط تعليقان تفسيريان، الأول للقديس أندراوس رئيس أساقفة قيصرية كبادوكية والثاني لأريثا (الحارث) وهو أيضاً أسقف في المدينة نفسها. بحسب القديس أندراوس، الرؤيا هي بطرق كثيرة ظهور للأسرار المخبأة التي تلمع في الجزء الأساسي من نفس الإنسان، في نوسه الطاهر، من خلال الأحلام أو الصور الموقظة في فكر مستنير إلهياً. ما يَرِد في الرؤيا ظهر بالضبط “عظمة سر ألوهة المسيح”.

هذا أيضاً ما يسبب صعوبة  تفسير الأمور الواردة في رؤيا يوحنا على الكثيرين. تصبح هذه الأمور واضحة فقط يوم تَحَقُّقِها. يعترف القديس أندراوس في بداية تعليقاته التفسيرية بأنه بالرغم من تحمّسه مرات عديدة لتفسير الرؤيا، إلا أنّه كان دائماً يتراجع عن هذا العمل إذ كان يعرف وجوب أن يأتي هذا العمل من “فكر عظيم مستنير بروح الله، بعد أن يكون قد عاين سرياً تطوراً مستقبلياً”. كل الأمور الواردة في الرؤيا قد أُعطيت للقديس يوحنا الإنجيلي سرياً وهي تشير إلى المستقبل، وبالتالي يصعب تفسيرها من دون فكر مستنير. إن تفسير الرؤيا من دون الاستنارة بالروح القدس هو عمل طائش. ويكتب القديس أندراوس على نحو مميز: “كيف للمرء أن يجسر على معالجة نبوءة عن أشياء لم تحدث بعد، من دون توسّط الروح؟” وحدهم أصحاب الموهبة النبوية قادرون على تفسير ما كشف عنه الأنبياء.

ثم يقدّم القديس أندراوس ملاحظة مثيرة للاهتمام. الإنسان مركَّب من جسد ونفس وروح. بالطبع هذا ليس حول الثلاثة في واحد، لكن عندما نقول “روح” نعني نعمة الله. تماماً كما أن الجسد بدون النفس ميت، النفس من دون الروح القدس ميتة. النفس توجد بذاتها لكن من دون الروح القدس لا حياة لها. الروح القدس هو نفس النفس. هذا التقسيم الثلاثي صحيح بحسب الكتاب المقدس. “الحرف والتاريخ الحسي” هما الجسد. التعبير الرمزي هو في موضع النفس الذي يقود القارئ من المحسوس إلى العقلي. والروح “حُمِلت إلى النور بالإشارة إلى المستقبل والأمور الأسمى ورؤية الله”. تماماً كما أن للكتاب المقدس ثلاث طبقات، كذك الذين يقرؤون الكتاب القدس ينتمون كلٌ إلى أوضاع روحية مختلفة. أولاً، ينتمي إلى جسم الكتاب المقدس الذين تعلّموا من الناموس، وبالطبع هذا يشير إلى وضع روحي أكثر سمواً. إلى الفئة الثانية، أي النفس، ينتمي الذين تعلّموا بالنعمة، وهذا يشير إلى درجة روحية أسمى. وللثالثة، أي الروح، ينتمي الذين يحكمهم الروح “حيث تخضع له كل الأفكار والحركات الجسدية”. ما من أحد آخر يستطيع أن يرى روح الناموس ويفسّرها غير النبي، الذي قضى على كل الأفكار الشريرة وتحرّر من كل قوتها، وبلغ إلى النوس الطاهر مُتخلّصاً من كل الخيالات الدنيوية.

إن الكتب المعروفة بالتاريخية، أي روايات الأمور التي حدثت، تنتمي إلى جسم الكتاب المقدس. الكتب التي تضمّ التوجيهات بشكل أمثال والتعاليم العامة تنتمي إلى نَفْس الكتاب المقدس. أمّا كتاب رؤيا القديس يوحنا فينتمي بالدرجة الأولى للطبقة الثالثة، أي الروحية. هذا يحتوي المجازي والتاريخي، ولكن الأول أكثر من الأخير،  ولهذا “الذين هم أكثر كمالاً في معرفة الله مأمورون بالتعليم”.

إذاً رؤيا يوحنا هي كتاب رؤيوي يحكي عن الأمور الآتية، حيث أن بعضها سوف يتمّ في التاريخ البشري، والبعض الآخر في الأزمنة الأخيرة. وككتاب نبوي، وحدهم الأنبياء يمكنهم تفسيره وتحليله، أي فقط مَن لهم نوس المسيح وقد عاشوا الخبرة الرؤيوية. لهذا، سوف تُفَسَّر الأمور التالية على أساس التقليد الآبائي.

لفهم رؤيا القديس يوحنا، خاصةً الأمور التي سوف نشير إليها في ما يلي، أرى أن ما يذكره الأستاذ بانايوتيس براتسيوتيس حول هدف الكتاب وموضوعه الأساسي مهم. هدف الكتاب هو تهيئة المؤمنين للأحداث الآتية، خاصةً ما يتعلّق بالمجيء الثاني للمسيح والمِحَن التي سوف تسبقه. ما يرِد عنه هو لحضّ المؤمنين على التوبة والسهر، كما أنه لإراحتهم في التجارب التي سوف يلاقونها. الموضوع الأساسي للكتاب هو الصراع بين ملكوت الله والشر، وبالطبع انتصار المسيح النهائي على الشر. الفكرة المركزية في الكتاب هي المجيء الثاني للمسيح كقاضٍ وملك. المعنى الإجمالي للرؤيا بمجملها هي أن المسيح، الحمل المذبوح، بعد أن غلب الشر في ظهوره الأول، أي بتجسده، هو الآن يشارك والده في الحكم، وفي الوقت نفسه هو ربّ العالم وكل ما يجري. بالرغم من انتصار الشيطان المؤقّت، فالرب سوف يغلبه في النهاية أيضاً. مجيئه الثاني سوف يأتي، وعندما يدين الأحياء والأموات، بالطبع سوف يتمتّع الأبرار بملكوت السماوات.

هناك نظريتان حول الأحداث الموصوفة في الرؤيا. الأولى هي “نظرية التكرار والخلاصة، أي النظرية الملتفّة”، وبحسبها تُكرَّر الأحداث في دورات متوازية “في الصور السباعية للرؤى المتتالية”. النظرية الثانية هي “النظرية الكرونولوجية (المرتبة زمنياً)”، وبحسبها كلّ ما يرد سوف يتمّ بحسب “دورة تتقدم كرونولوجياً أو دورياً للأحداث المرموز إليها في الصور المنفصلة”. يقبل الأستاذ بانايوتيس براتسيوتيس مزيجاً من النظريتين، ما يعني أن الأحداث الواردة في الرؤيا تتكرر في دورات متوازية، لكنّ لها أيضاً تطور زمني. وكل هذه الأمور تظهر عظمة الاهتمام المطلوب لتفسير الرؤيا. لهذا علينا أن نلتزم بكل التفسيرات الآبائية التي لدينا، وما هو أكثر أهمية، هو ألاّ نتحزّر حول الصور الرؤيوية بل أن ننتظر حصيلتها.

سوف نعالج بانتباه عظيم صورة الحمل الذي يبدو وكأنّه مذبوح.

ب) الحمل في المجد “كأنّه مذبوح”

في الفصل الأول من الرؤيا تظهر بشكل مهيب صورة حمل الله جاساً على العرش متقبلاً العبادة والإكرام من الشيوخ الأربعة والعشرين والخلائق الحية الأربعة. “وَمِنَ الْعَرْشِ يَخْرُجُ بُرُوقٌ وَرُعُودٌ وَأَصْوَاتٌ”. بحسب القديس أندراوس، الجالس هو الآب: “عندما يظهر الآب كما هو هناك، فهذه ليست صورة جسد، كما في الرؤية السابقة للابن، بل هذا ينعكس في الحجارة الكريمة. الشيوخ الأربعة والعشرون، الذين هم الأنبياء والمقدَّسون، وبشكل أعمّ الكنيسة الغالبة في الملكوت، ينحنون أمام الجالس على العرش، ويقدّمون له المجد والشرف. لكن الحيوانات الأربعة أيضاً يرمزون إلى الملائكة التي تقدّم المجد والشرف والشكر «للحي إلى أبد الآبدين» (رؤيا 4:4-11)”.

في هذه الذوكصولوجية السماوية رأى يوحنا الإنجيلي درجاً مختوماً بسبعة أختام في يمين الجالس على العرش. ثم رأى ملاكاً عظيماً هاتفاً “مَن هو المستحق لأن يفك الأختام ويفتح الدرج؟” هذا الدرج، بحسب القديس أندراوس، هو كل حكمة الله “التي فيها، بحسب داود الإلهي، مكتوب كل شيء حتّى لجّة أحكام الله”. بكل تأكيد، لا يستطيع أحد أن يفتح الدرج المختوم. ومن ثم يقول يوحنا الإنجيلي: “فَصِرْتُ أَنَا أَبْكِي كَثِيرًا، لأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مُسْتَحِقًّا أَنْ يَفْتَحَ السِّفْرَ وَيَقْرَأَهُ وَلاَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ ومن بعدها قال له أحد الشيوخ بألا ينوح لأن “هُوَذَا قَدْ غَلَبَ الأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا، أَصْلُ دَاوُدَ، لِيَفْتَحَ السِّفْرَ وَيَفُكَّ خُتُومَهُ السَّبْعَةَ” (رؤيا 1:5-5). بعد هذا، رأى الإنجيلي بوضوح في وسط العرش، محاطاً بالحيوانات الأربعة والشيوخ “خَرُوفٌ قَائِمٌ كَأَنَّهُ مَذْبُوحٌ”. لكني أرى وجوب إيراد النص بحسب رؤيا يوحنا قبل أن نتابع لتحليل الصورة والأمور المتعلّقة بها: “وَرَأَيْتُ فَإِذَا فِي وَسَطِ الْعَرْشِ وَالْحَيَوَانَاتِ الأَرْبَعَةِ وَفِي وَسَطِ الشُّيُوخِ خَرُوفٌ قَائِمٌ كَأَنَّهُ مَذْبُوحٌ، لَهُ سَبْعَةُ قُرُونٍ وَسَبْعُ أَعْيُنٍ، هِيَ سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ الْمُرْسَلَةُ إِلَى كُلِّ الأَرْضِ. فَأَتَى وَأَخَذَ السِّفْرَ مِنْ يَمِينِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ. وَلَمَّا أَخَذَ السِّفْرَ خَرَّتِ الأَرْبَعَةُ الْحَيَوَانَاتُ وَالأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا أَمَامَ الْخَروفِ، وَلَهُمْ كُلِّ وَاحِدٍ قِيثَارَاتٌ وَجَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ. وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ:«مُسْتَحِقٌ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً، فَسَنَمْلِكُ عَلَى الأَرْضِ». وَنَظَرْتُ وَسَمِعْتُ صَوْتَ مَلاَئِكَةٍ كَثِيرِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالشُّيُوخِ، وَكَانَ عَدَدُهُمْ رَبَوَاتِ رَبَوَاتٍ وَأُلُوفَ أُلُوفٍ، قَائِلِينَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ:«مُسْتَحِقٌ هُوَ الْخَروُفُ الْمَذْبُوحُ أَنْ يَأْخُذَ الْقُدْرَةَ وَالْغِنَى وَالْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ وَالْكَرَامَةَ وَالْمَجْدَ وَالْبَرَكَةَ!». وَكُلُّ خَلِيقَةٍ مِمَّا فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ وَتَحْتَ الأَرْضِ، وَمَا عَلَى الْبَحْرِ، كُلُّ مَا فِيهَا، سَمِعْتُهَا قَائِلَةً:«لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْخَرُوفِ الْبَرَكَةُ وَالْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ». وَكَانَتِ الْحَيَوَانَاتُ الأَرْبَعَةُ تَقُولُ:«آمِينَ». وَالشُّيُوخُ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ خَرُّوا وَسَجَدُوا لِلْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ.” (رؤيا 6:5-14).

في درسنا لهذا النص، علينا التوقف عند ثلاث نقاط أساسية. الأولى، تقديم المسيح كحمل مذبوح، لكنه ذو مجد عظيم، والكنيسة الغالبة ترنّم له بكاملها في الملكوت. تأتي صورة الحمل من كلا العهدين القديم والجديد. فقد سبق للسابق الشريف أن قال عند رؤيته المسيح آتياً نحوه “هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!” (يوحنا 29:1). الحمل والشاة مرتبطان. تذكّر صورة الحمل بنبوءة أشعياء: “كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ.” (أشعياء 7:53). بالطبع، صورة الحمل تذكّرنا بتضحية المسيح على الصليب، تضحيته من أجل الجنس البشري، كما تذكّرنا بالحمل الإفخارستي الذي يٌقدَّم من أجل حياة العالم.

لا تظهِر صورة الحمل تضحية المسيح وحدها، بل أيضاً قيامته من الموت. هذا هو معنى عبارة “الحمل وكأنه مذبوح”. إنه ليس مذبوحاً، لكنه كمثل مذبوح جالس على العرش. إذاً هذه الجملة تشير إلى صليب المسيح وقيامته، أو بالأحرى إلى المسيح القائم، الذي في جسده علامات التضحية على الصليب. يشدد القديس أندراوس على هذه الحقيقة في كتابته: “«كمثل مذبوح» تشير إلى حياته بعد أن ذُبِح حيث تظهر رموز آلامه، كمذبوح حقيقةً بعد قيامته من الموت”.

بحسب القديس كيرللس الإسكندري، دعوة السابق الشريف للمسيح بالحمل هي تذكُّرٌ لحمل اليهود الفصحي الذي اشترعه ناموس موسى. حمل موسى الذي يذبحه اليهود في فصحهم كان مثالاً وإيذاناً بالحمل الحقيقي الذي هو المسيح. يقول القديس كيرللس بشكل مميز: “إن الحمل الحقيقي الموصوف منذ القدم بألغاز، الضحية التقريبية غير المدنسة يُقدَّم للذبح عن الجميع، لكي يبيد خطيئة العالم، يهزم المخرّب، يبعد الموت عن المائتين، ويرفع اللعنة عنّا”.

القضية هنا ليست الحمل المذبوح، بل المسيح في المجد، الرب القائم، رب المجد. إذا انتبهنا جيداً، سوف نكتشف أن مجد هذا الحمل عظيم.

في المقام الأول ذُكِر أنّ لهذا الحمل سبع عيون وسبع قرون هي “سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ الْمُرْسَلَةُ إِلَى كُلِّ الأَرْضِ”. بحسب أريثا، القرون تعني القوة والمجد، والأرواح السبعة تعني قوى الروح (القدس) التي تعمل في كل القديسين الذين على الأرض: أرواح الحكمة، التعقّل، المعرفة، الإرادة، القوة، الصلاح، وخوف الله. وهكذا، يملك هذا الحمل قوة هائلة ويراقب كل شيء بعينيه.

من ثم يظهر المسيح كحمل مذبوح، ولكن في الوقت نفسه هذا الحمل المذبوح هو أسد. كلمات أحد الشيوخ ليوحنا مميزة: “هُوَذَا قَدْ غَلَبَ الأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا، أَصْلُ دَاوُدَ، لِيَفْتَحَ السِّفْرَ وَيَفُكَّ خُتُومَهُ السَّبْعَةَ” (رؤيا 5:5). ومباشرة بعد هذه الكلمات رأى يوحنا الإنجيلي الحمل مذبوحاً. يظهر بوضوح أن الحمل هو في آن واحد مذبوح وأسد. والمسيح يُدعى أسداً لأنه بألوهته غلب الشرير والموت. هذا التعبير “أسد” يوحي إلينا بالنبوءة المعطاة إلى يهوذا بيعقوب: “يَهُوذَا جَرْوُ أَسَدٍ، مِنْ فَرِيسَةٍ صَعِدْتَ يَا ابْنِي، جَثَا وَرَبَضَ كَأَسَدٍ وَكَلَبْوَةٍ. مَنْ يُنْهِضُهُ؟” (تكوين 9:49). الصورة معروفة جداً عنه جاثماً وهي مصورة في الهياكل البيزنطية وفي بروتاتون الجبل المقدّس، وهي عمل شهير لبنسيلينوس، حيث تُصوّر قوة المسيح من خلال الصليب والقيامة.

لكن صورته كحمل مذبوح تكتمل بالصورة المهيبة لله جالساً على العرش، كما رآها الإنجيلي يوحنا ووصفها. قبل أن رأى الحمل وكأنّه مذبوح، والذي هو في الوقت نفسه أسد، قد رأى على العرش جالساً “فِي الْمَنْظَرِ شِبْهَ حَجَرِ الْيَشْبِ وَالْعَقِيقِ، وَقَوْسُ قُزَحَ حَوْلَ الْعَرْشِ فِي الْمَنْظَرِ شِبْهُ الزُّمُرُّدِ.” (رؤيا 2:4-3). إن المجد المهيب للجالس على العرش، سجود الشيوخ والأرواح وتمجيدهم له، وأيضاً المجد المنبثق من العرش تظهر أن الأمر لا يتعلّق بإنسان عادي، بل بالله. بالواقع “َمِنَ الْعَرْشِ يَخْرُجُ بُرُوقٌ وَرُعُودٌ وَأَصْوَاتٌ. وَأَمَامَ الْعَرْشِ سَبْعَةُ مَصَابِيحِ نَارٍ مُتَّقِدَةٌ، هِيَ سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ.” (رؤيا 5:4). بحسب تسبيح الأرواح الملائكية، هذا كان “قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي كَانَ وَالْكَائِنُ وَالَّذِي يَأْتِي” (رؤيا 8:4).

إذاً، الحمل الذي كأنّه مذبوح، ذو القرون والعيون والمرتبط بالجالس على عرش المجد، هو إشارة إلى الاشتراك في نفس الجوهر مع الآب، والأسد، بالإضافة إلى أن الحمل لم يكن ممدداً مع كونه مذبوحاً، كلّ هذه تقدّم المسيح القائم. بصليبه وآلامه قُدِّم المسيح كحمل لا عيب فيه من أجل خطايا الجنس البشري، وبقيامته غلب قوة الموت والشيطان والخطيئة. إنه قوي وقدير، إله حقيقي من الإله الحقيقي. تظهر مشاركته للآب في الجوهر من كونه جالساً على العرش والممالك، ومن أن الكنيسة الغالبة تقدّم له الشرف والتمجيد.

النقطة الثانية التي ينبغي التشديد عليها هي أن الكنيسة المنتصرة في الملكوت تمجّد الحمل. وكما يقدّمها الإنجيلي يوحنا، عندما ظهر الحمل كأنه مذبوح، رب المجد، غالب الموت والشيطان والخطيئة، حاملاً في يده درجاً، عندها “خَرَّتِ الأَرْبَعَةُ الْحَيَوَانَاتُ وَالأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا أَمَامَ الْخَروفِ، وَلَهُمْ كُلِّ وَاحِدٍ قِيثَارَاتٌ وَجَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ. وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ:«مُسْتَحِقٌ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ..”

هنا عندنا الترنيمة الجديدة المقدَّمة إلى الحمل. ليست ترنيمة من الناموس القديم ولا من الزمن القديم حيث كان اللسان والعقل يحتلان الجزء الأكبر، إنها ترنيمة جديدة مقدَّمة من قلب الإنسان النقي. بحسب القديس أندراوس القيصري، القيثارات “تعلن المجدلة (الذكصولوجيا) الإلهية المتناغمة ذات الصوت الرقيق”. البخور يشير إلى “التقدمة ذات الرائحة العطرة التي يقدمها المؤمنون من خلال الحياة النقية”، الجامات “تعني العقول، التي منها ينبع شذا الأعمال الحسنة والصلاة النقية”. إذاً المسالة هي مسألة صلاة تقدّم بقلب نقي وفكر نقي وحياة طاهرة. هذه الترنيمة الجديدة للحمل المذبوح يقدمها الناس الذين تخلّصوا من الأهواء، لأن “كل المستنيرين من كل جنس ولغة قد تعلّموا من الروح”. هذا يعني أنّها قضية صلاة نقية، أي ما يُعرَف بالصلاة النوسية في القلب، التي تتميز كترنيمة جديدة لأنها تأتي من الناس الجُدُد.

هذه الترنيمة الجديدة هي ترنيمة تمجيد. كل المحيطين بعرش الحمل، كثرة الملائكة، الحيوانات الحية والشيوخ، وهو ألوف ألوف، وربوات ربوات، كانوا يرددون بصوت مدوٍ: “مُسْتَحِقٌ هُوَ الْخَروُفُ الْمَذْبُوحُ أَنْ يَأْخُذَ الْقُدْرَةَ وَالْغِنَى وَالْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ وَالْكَرَامَةَ وَالْمَجْدَ وَالْبَرَكَةَ!”. وكل المخلوقات في السماء وعلى الأرض وتحتها وفي البحار وعليها وكل ما فيها كانوا يقولون “لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْخَرُوفِ الْبَرَكَةُ وَالْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ».”  إن عبادة الجالس على العرش والحمل تظهر أيضاً مساواة الابن للآب في الجوهر.

بقدر ما يزداد الإنسان طهارة، تتحوّل صلاته إلى مزيد من التمجيد. كثيرون منا تتملكهم الأهواء ويحسّون بالحاجة للطلب من الله بأن يشفينا برحمته. هكذا، تكون صلاة القديسين جديدة نابعة من قلب نقي وممجِّدة.

النقطة الثالثة هي أن لهذه الترنيمة الجديدة سبب. هي تبدأ من تقدمة الحمل بوصفه مذبوحاً، وهو المشير إلى المسيح المصلوب والقائم. إنهم يقولون: “مُسْتَحِقٌ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً، فَسَنَمْلِكُ عَلَى الأَرْضِ”. يبدو واضحاً أن هذه الترنيمة ترنَّم للمسيح لأنه كان مذبوحاً، وقد افتدانا من لعنة الناموس بدمه الغالي. الفدية لا تعني أنّه أعطى دمه الكريم لكي يحررنا من الشيطان، بل أنّه بدمه العزيز طهّر خطيئة الجنس البشري وجعل اختبار الخلاص ممكناً لدينا. القديس غريغوريوس اللاهوتي، مشيراً إلى مسألة لمَن قدّم المسيح دمه، يقول أنّه من المهين لنا أن نقول أن الشيطان تسلّم دم المسيح لكي يحررنا، كما أن الآب ليس بحاجة لأن يأخذ دم ابنه الوحيد المولود منه لكي يرضى. إن المسيح هو مَن أعطى دمه الكريم لكي يشفينا ويقدسنا.

بتقدمة الحمل المذبوح على الصليب وقيامته، جعلنا ملوكاً وكهنة. “ملوك”، بحسب أريثا القيصري، تشير إلى التاج الملوكي الذي في الانتصار على الأهواء، و”كهنة” تشير إلى أننا نقدم ذواتنا كضحية حية إلى الله. إذاً، المؤمنون المسيحيون الذين تغلبوا على أهوائهم، أي عبروا بمرحلة التطهر، عندما يقدمون أنفسهم لله، يشاركون في صف المسيح الملوكي الكهنوتي، ويقدمون الترنيمة الجديدة التي هي ترنيمة تمجيد لمحبة الله ورحمته. وبالطبع، هؤلاء هم قديسو الكنيسة المستحقون أن يقفوا حول عرش الحمل بوصفه مذبوحاً، وأن يكون لهم ليس فقط رؤية الحمل بل المشاركة في مجده الذي هو ملكوت السماوات والفردوس.

إن الصورة المهيبة الجليلة للحمل بوصفه مذبوحاً وممجَداً من الكنيسة المنتصرة في السماوات، تظهِر مجد المسيح الإله-الإنسان وآلامه، كما تظهر مشاركة الذين يرنمون المدائح لحمل الرؤيا بوصفه مذبوحاً في هذا المجد.

ج) تمجيد الحمل

من ثمّ بدأ الحمل، كونه الوحيد القادر على القيام بهذا العمل، بفتح الأختام واحداً واحداً. يصف القديس يوحنا الإنجيلي الأحداث التي جرَت مع فتح هذه الأختام. هنا أتوقف عند تمجيد كل الذين في السماوات للحمل، وهذا قد تمّ بين فتح الختمين السادس والسابع.

عند فتح الختم السادس جرت أحداث مذهلة. لقد كان هناك زلزال عظيم، اسودّت الشمس، صار القمر مثل الدم، وسقطت نجوم السماء على الأرض. كما تسقط حبة التين من التينة عندما تهزها ريح عاتية، كذلك السماء انفلقت كدرج ملفوف، وتزحزحت كل الجبال والجزر من موضعها. من ثمّ كل الملوك والأمراء والعظماء والأغنياء والأقوياء والعبيد والأحرار اختبؤوا في كهوف الجبال وصخورها، وقالوا للجبال والصخور:”«اسْقُطِي عَلَيْنَا وَأَخْفِينَا عَنْ وَجْهِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَعَنْ غَضَبِ الْخَرُوفِ، لأَنَّهُ قَدْ جَاءَ يَوْمُ غَضَبِهِ الْعَظِيمُ. وَمَنْ يَسْتَطِيعُ الْوُقُوفَ؟».” (رؤيا 12:6-17).

لقد كُتبَت تفسيرات كثيرة حول فك الختم السادس. بحسب أريثا القيصري، يشير فك الختم السادس إلى صليب المسيح وقيامته “اللذين تبعتهما القيامة التي يرجوها كل المؤمنون والمدركون”. الزلزال الكبير يشير إلى الزلزلة العظيمة التي حدثت عند تضحية المسيح على الصليب. “الرؤيا تعيد رسم العلامات والمشاهد التي جرت على الصليب بوضوح: الصليب، الزلزلة واهتزاز الأرض، اسوداد الشمس وتحول القمر إلى دم”. بحسب التفسير الثاني للقديس أندراوس، تُعزى هذه الأحداث إلى الزمن الذي يأتي بين توقف الاضطهادات ووصول ضد المسيح، وخاصة العقوبات التي يديرها ضد المسيح كما لم يُعرَف من قبل. وبحسب تفسير آخر، الأمور المذكورة سابقاً، تشير إلى “العقوبات المفروضة في النهاية”.

هذه التفاسير ليست مختلفة بل هي واحدة. فبصليب المسيح وقيامته غُلبَ الشيطان والموت والخطيئة، وبدأت القيامة الأولى. يتضمّن الزمن الذي بعد الصليب والقيامة الوقت الذي كان فيه الشيطان مقيداً لآلاف السنين. لكن على الأكيد، فكّ الختم السادس يشير أيضاً إلى الزمن الذي قبل المجيء الثاني للمسيح الممتد إلى النصر النهائي وغلبة المسيح على ضده، والانتصار النهائي لتلاميذ الحمل. إنه لحقيقة، بحسب التقليد الآبائي، أن ملكوت المسيح أتى على الأرض من خلال رؤيا مجد الله في الجسد المتألّه للأقنوم الثاني في الثالوث الأقدس. بهذا التفسير لهذا المقطع الرؤيوي نرى نظرية التكرار والاستخلاص، أو نظرية دورية الأحداث التي أشرنا إليها في البداية.

بعد فكّ الختم السادس وقبل فكّ السابع، كان هناك سَكينة عظيمة في السماوات. من ثمّ رأى الإنجيلي يوحنا ملاكاً آتياً من مشرق الشمس “معه ختم الله الحيّ”، لكي يختم خدّام الله “على جباههم”. إن عدد المختومين كان “مِئَةً وَأَرْبَعَةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا، مَخْتُومِينَ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ” (رؤيا 4:7). عندها رأى الإنجيلي يوحنا منظراً مروعاً.

“بَعْدَ هذَا نَظَرْتُ وَإِذَا جَمْعٌ كَثِيرٌ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَعُدَّهُ، مِنْ كُلِّ الأُمَمِ وَالْقَبَائِلِ وَالشُّعُوبِ وَالأَلْسِنَةِ، وَاقِفُونَ أَمَامَ الْعَرْشِ وَأَمَامَ الْخَرُوفِ، مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ وَفِي أَيْدِيهِمْ سَعَفُ النَّخْلِ، وَهُمْ يَصْرُخُونَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلِينَ:«الْخَلاَصُ لإِلهِنَا الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْخَرُوفِ». وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ كَانُوا وَاقِفِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ، وَالشُّيُوخِ وَالْحَيَوَانَاتِ الأَرْبَعَةِ، وَخَرُّوا أَمَامَ الْعَرْشِ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَسَجَدُوا ِللهِ قَائِلِينَ:«آمِينَ! الْبَرَكَةُ وَالْمَجْدُ وَالْحِكْمَةُ وَالشُّكْرُ وَالْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ وَالْقُوَّةُ لإِلهِنَا إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ!» وَأجَابَ وَاحِدٌ مِنَ الشُّيُوخِ قَائِلاً لِي:«هؤُلاَءِ الْمُتَسَرْبِلُونَ بِالثِّيَابِ الْبِيضِ، مَنْ هُمْ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَتَوْا؟» فَقُلْتُ لَهُ:«يَا سَيِّدُ، أَنْتَ تَعْلَمُ». فَقَالَ لِي:«هؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ أَتَوْا مِنَ الضِّيقَةِ الْعَظِيمَةِ، وَقَدْ غَسَّلُوا ثِيَابَهُمْ وَبَيَّضُوا ثِيَابَهُمْ فِي دَمِ الْخَرُوفِ مِنْ أَجْلِ ذلِكَ هُمْ أَمَامَ عَرْشِ اللهِ، وَيَخْدِمُونَهُ نَهَارًا وَلَيْلاً فِي هَيْكَلِهِ، وَالْجَالِسُ عَلَى الْعَرْشِ يَحِلُّ فَوْقَهُمْ. لَنْ يَجُوعُوا بَعْدُ، وَلَنْ يَعْطَشُوا بَعْدُ، وَلاَ تَقَعُ عَلَيْهِمِ الشَّمْسُ وَلاَ شَيْءٌ مِنَ الْحَرِّ، لأَنَّ الْخَرُوفَ الَّذِي فِي وَسَطِ الْعَرْشِ يَرْعَاهُمْ، وَيَقْتَادُهُمْ إِلَى يَنَابِيعِ مَاءٍ حَيَّةٍ، وَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ».” (رؤيا 9:7-17).

في تفسير هذا المقطع المذهل الذي يظهر مجد حمل الرؤيا وأيضاً مجد الذين صاروا بيضاً بدم الحمل، علينا أن نتوقف عند ثلاث تعليقات مرتبطة بالحمل الممجد الذي هو المسيح القائم. التعليق الأول هو أن الإنجيلي يوحنا رأى أمام العرش والحمل “المُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ وَفِي أَيْدِيهِمْ سَعَفُ النَّخْلِ”. هؤلاء هم الشهداء القديسون الذين أهرقوا دمهم من أجل المسيح. بحسب القديس أندراوس، هؤلاء هم “الشهداء الأُوَل الذين من كل قبيلة ولسان جاهدوا من أجل المسيح وناضلوا ببسالة إلى النهاية”. لقد أجاب أحد الشيوخ على سؤال حول مَن هم أولئك المتسربلون بالبياض: “إنهم الناجون من المحنة الكبرى، لقدد غسلوا ثيابهم وبيضوها بدم الحمل”. غسل الثياب بدم الحمل يعني أنهم تشاركوا بنفس المحبة المضحية. هناك علاقة قوية بين الحمل المذبوح والقديسين، طريقة حياة مشتركة. كما أن المسيح ضحّى بنفسه من أجل الجنس البشري، قدّم المتقدّسون أنفسهم لمجد الله. من ناحية ثانية، التضحية على الصليب جرت بقوة الحمل المذبوح وقدرته. لم يقدّم الشهداء القديسون أنفسهم من أجل إيديولوجيا أو إرادة ما، بل لأنهم كانوا يعيشون محبة المسيح المضحية.

التعليق الثاني هو أن المتسربلين بالبياض يقدمون المجد والعبادة للحمل، لأنهم يعترفون ويعلنون أن نصرهم هو بالحقيقة نصر المسيح، لأنهم يدينون بكل شيء له. إنهم يعلنون بصوت عالٍ: «الْخَلاَصُ لإِلهِنَا الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْخَرُوفِ». هذا الخلاص مرتبط بخروجهم من الضيقة العظيمة وتبييض ثيابهم. لهذا هم يشتركون أيضاً في مجد الحمل. وهكذا هم أمام عرش الله يخدمونه نهاراً وليلاً في هيكله “وَالْجَالِسُ عَلَى الْعَرْشِ يَحِلُّ فَوْقَهُمْ”. بالأساس إنها مسألة مشاركة بالحياة، تبادل بين الحمل والمتسربلين بالبياض. هؤلاء القديسون لا يقفون أمام عرشه منشدين المدائح وحسب، بل يشاركون بمجده أيضاً، لأنّه هو الجالس على العرش يعسكر في قلوبهم. القديس أندراوس معبّر جداً. إنهم يحملون بأيديهم الأغصان التي تختصّ بالنصر “من الملائمة والحسنة الترتيب من أغصان القلوب”. في الوقت نفسه، هم يرقصون “حول عرش الراحة الإلهية. وكعبيد شاكرين ينسبون ويعزون انتصارهم على الشياطين إلى مانح النصر. هذا يظهر الوحدة والشركة بين الحمل والقديسين”.

التعليق الثالث مرتبط بالسابق، وهو أن الحمل يهتمّ بهؤلاء القديسين. “الحمل في وسط العرش يرعاهم ويقودهم إلى ينابيع الماء الحي، ويمسح كل دمعة من عيونهم”. هنا أيضاً يظهر مجد كل الذين يتبعون الحمل.

تفسير القديس أندراوس مميز. تظهِر عبارة “يرعاهم” أن الذين برعاية المسيح لا يخشون أن تهاجمهم الذئاب، لأنّها أودِعَت النار التي لا تُطفأ. يظهر من رعاية الحمل لهم أن “الحمل يهتم بهم بطريقة غير مادية عند الينابيع النقية العظيمة للإدراكات الإلهية”، لأن المياه هي الجريان الغزير للروح القدس. يصف الفعل “يرعاهم” الاستنارة الإلهية والصعود إلى المعاينة الأرفع بما يظهر هدف الرعاية. من ثم يكتسب القديسون المعرفة الكاملة. أن لا يجوعوا ويعطشوا يظهر أن عندهم “خبز السماء وماء الحياة”. عبارة أن الشمس لن تسقط عليهم ولا الحرارة المحرقة تظهِر أنّه لن يكون هناك تجارب، عندما يتمتعون بالمجد الأبدي. وأنهم يعبدون ليلاً ونهاراً يظهر عدم الانقطاع. إلى هذا لن يكون هناك ظلام بل نهار فقط من شمس البِرّ غير العقلية. عبادتهم في الهيكل تظهِر أن المعبد هو “كل الخليقة متجددة بالروح”، وهم مَن يحفظ عربون الروح سالماً وبلا ضرر.

هذه الرؤية بمجملها تظهِر مجد الحمل، ولكن مجد الذين يتبعونه أيضاً، شهداء الدم أو الاختيار. وهكذا، في تفسير الرؤية الوصفية والرؤيوية، يكتب القديس أندراوس: “طوبى للذين يحملون ثمار الراحة الأبدية من خلال الآلام الوقتية، ومن خلال الألم مع المسيح، يملكون معه ويمجدونه إلى الأبد”. الحمل وكأنه مذبوح عنده حملانه المذبوحين الذين يقدمون أنفسهم  ضحايا يومياً ليعملوا مشيئته ويعبّروا عن محبتهم له. الحمل الذبيح الممجَد هو راعٍ يقود قطيعه في مراعي الحياة الأبدية. إنها لَصورة مهيبة: المسيح هو في آنٍ واحد حمل وراعٍ. كحمل مختوم يصير راعياً، وكراعٍ عملي يرعى قطيعه مقدماً نفسه كحمل. هذا، إلى جانب إشارات أخرى، يظهر نوعية الرعيان الحقيقيين وكيفية رعايتهم العملية لقطعانهم.

د) الوحش والحمل

بالإشارة إلى حمل الرؤيا علينا ألا ننسى أن الرؤيا تصف أيضاً حضور الوحش الذي يشبه الحمل لكنه ليس الحمل الحقيقي، المسيح الإله-الإنسان. أرى أنه ينبغي بنا النظر إلى وجود الوحش إذ يساعدنا في المقارنة لنرى مجد الحمل بشكل أفضل. في البداية علينا أن نصوغ بعض الأمور حول وحش الرؤيا.

لقد رأى يوحنا الإنجيلي وحشين، الأول آتٍ “من البحر” والثاني “طالعاً من الأرض” (رؤيا 1:13 و11). ما يهمنا هنا بشكل أساسي هو الوحش الثاني، الذي هو بشكل جلي ضد المسيح. يكتب الإنجيلي: “ثم رَأَيْتُ وَحْشًا آخَرَ طَالِعًا مِنَ الأَرْضِ، وَكَانَ لَهُ قَرْنَانِ شِبْهُ خَرُوفٍ، وَكَانَ يَتَكَلَّمُ كَتِنِّينٍ”. أنجز هذا الوحش معجزات كثيرة وضلل القاطنين على الأرض وحاول أن يضع سمةً على يدهم اليمنى وجباههم (رؤيا 11:13-18).

تفسير القديسين أندراوس وأريثا لمعنى هذا المقطع وخاصة لظهور الوحش الثاني مهم. بحسب القديس أندراوس، طلع الوحش من الأرض، “أي من طريقة العيش الترابية الفاسدة”. لهذا الوحش قرنان مثل الحمل يظهران “ضد المسيح والنبي الزائف”. هذان القرنان، اللذان هما قوة ضد المسيح، هما مثل قرني الحمل “مغلّفان بالقتل”. هذا يعني أنه الذئب في ثياب الحملان لكي يخدع البشر ويميتهم. القرنان يشبهان أيضاً قرني الحمل “لكي يعطيانه مظهراً تقياً”. لكن التشابه خارجي فقط، إذ إن الفرق كبير بين الوحش والمسيح الحمل.

بحسب أريثا، ليس قرنا الوحش قرني الحمل، بل ما يشبه الحمل، لأن الوحش يخلق وهماً بأنه محبّ مثل المسيح لكي  يخدع البشر. يحاول ضد المسيح أن يظهر نفسه رفيقاً، مثل المسيح، لكي يخدع البشر. هذا هو هدف التشابه بين القرون، أي المجد. ومع هذا، يوجد فرق واضح بين الوحش والحمل، بمعزل عن التشابه الخارجي. يقول الإنجيلي يوحنا أن الفرق هو في لهجتهما، فالوحش “يتكلّم كالتنين”. يشير أريثا إلى أن هذا الوحش ليس التنين بل هو يتكلّم مثله، لأنه ليس الشيطان نفسه بل “أحد خلفاء سلطة الشرير”. بناءً على ذلك، فيما يبدو أنّ هناك تشابهاً، الفرق هائل. يُشار إلى الفرق في اللهجة، ما قد يعني أنّه يظهر في التعليم وطريقة التعليم.

بعد رؤية الوحش، رأى الإنجيلي يوحنا الحمل مجدداً واقفاً على جبل صهيون، ومعه مئة وأربعة وأربعون ألف ممن حملوا اسمه واسم أبيه محفوراً على جباههم. “ثُمَّ نَظَرْتُ وَإِذَا خَرُوفٌ وَاقِفٌ عَلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ، وَمَعَهُ مِئَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا، لَهُمُ اسْمُ أَبِيهِ مَكْتُوبًا عَلَى جِبَاهِهِمْ. وَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ كَصَوْتِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ وَكَصَوْتِ رَعْدٍ عَظِيمٍ. وَسَمِعْتُ صَوْتًا كَصَوْتِ ضَارِبِينَ بِالْقِيثَارَةِ يَضْرِبُونَ بِقِيثَارَاتِهِمْ، وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ كَتَرْنِيمَةٍ جَدِيدَةٍ أَمَامَ الْعَرْشِ وَأَمَامَ الأَرْبَعَةِ الْحَيَوَانَاتِ وَالشُّيُوخِ. وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَتَعَلَّمَ التَّرْنِيمَةَ إِّلاَّ الْمِئَةُ وَالأَرْبَعَةُ وَالأَرْبَعُونَ أَلْفًا الَّذِينَ اشْتُرُوا مِنَ الأَرْضِ. هؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَتَنَجَّسُوا مَعَ النِّسَاءِ لأَنَّهُمْ أَطْهَارٌ. هؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ يَتْبَعُونَ الْخَرُوفَ حَيْثُمَا ذَهَبَ. هؤُلاَءِ اشْتُرُوا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ بَاكُورَةً ِللهِ وَلِلْخَرُوفِ. وَفِي أَفْوَاهِهِمْ لَمْ يُوجَدْ غِشٌّ، لأَنَّهُمْ بِلاَ عَيْبٍ قُدَّامَ عَرْشِ اللهِ.” رؤيا 1:14-5).

وهنا الحمل هو المسيح الجالس على جبل صهيون، ليس القديم بل على الأكيد “مدينة الإله الحي الجديدة”. بحسب القديس أندراوس، يظهر المئة والأربعة والأربعون “تنوع النسل الرسولي… أو عذارى العهد الجديد، بحسب الإنسان الخارجي والداخلي”. هذا يعني أنّ هؤلاء هم القديسون الذين عاشوا في بتولية النفس أو الجسد.

تظهر في هذا النص أمور كثيرة. سوف أشير إلى البعض منها التي تتعلّق بموضوعنا. الأول هو أن هنا يظهر مجد الحمل الجالس على صهيون الجديدة، أي الكنيسة الأرثوذكسية، محاطاً بكثرة من القديسين، الذين قدّسهم بدمه. الثاني هو أن القديسين المحيطين بالحمل ينتمون إلى الله والحمل، يحملون اسم الحمل واسم أبيه على جباههم. هذا إشارة إلى المعرفة والبنوّة. إنهم لا ينتمون إلى أنفسهم بل فقط لله. العلامة المميزة الثالثة لهؤلاء القديسين المحيطين بالحمل هي، من جهة، البتولية، خاصة بتولية النفس الداخلية، ومن جهة أخرى، الحكمة البشرية لأنهم يتبعون المسيح إلى الأبد نحو التضحية. هذا يعني أن ليس عندهم رغبة خاصة، بل قد استغنوا عنها من أجل المسيح، من أجل الحمل، وصارت كل حياتهم للمسيح. بعضهم يتمجّد لطهارته وبساطته، البعض الآخر جاهد ضد الأهواء، وآخرون لأنهم تبعوا الحمل إلى الشهادة بإيمان رجولي راسخ. كل الرسل، الشهداء، النساك هم من هذه الفئة، لكن أيضاً كل القديسين الذين تقووا بمجد الحمل المصلوب والقائم قد ساروا إلى الشهادة والمجد.

نرى من خلال كل هذه الأمور أن “الحمل وكأنه مذبوح” في الرؤيا هو المسيح المصلوب والقائم، صاحب المجد العظيم والشرف. كل الخليقة وكل المخلَّصين ينشدون له. لا يمكن مقارنة قوة الحمل الممجَّد بأي مجد أو قوة أرضيين مخلوقين. كل التاريخ البشري، بمعزل عن اللمعان الخارجي، وبمعزل عن التقييمات المتمحورة حول الإنسان والإنسانوية، يتحرّك حول المحور الذي يشكّل السؤال: “الحمل أو الوحش؟” بالحقيقة، كل التاريخ البشري ومعه أيضاً نتاجه مواجَهٌ بهذه المعضلة. رجال الحمل يكونون من جهة فيما من الجهة الأخرى رجال وحش الرؤيا.

إن الأحداث المعاصرة تطرح السؤال. في أي فئة وعلى أي سطح نحن؟ بين رجال الإله الإنسان أو الوحدش الإنسان؟ إن صليب المسيح وقيامته تظهران هذه الرحلة الحاسمة القيامية. نحن نعيش قيامة المسيح بقدر ما نعيش الصليب في حياتنا الشخصية، الذي هو موت الأهواء، المحبة المضحية والعيش الاستشهادي بكل نتائجه. المجد، وبخاصة المجد الأبدي، ليس مستقلاً عن الخلق الرجولي والحرب الوجودية. هذه الحرب هي الأكثر رعباً لكنها أيضاً حرب مجيدة تخلق نظاماً أبدياً للأمور.

التلمذة والكهنوت في إنجيل مرقس

“تعالَ اتبعني”: التلمذة والكهنوت في إنجيل مرقس
ديمتريوس رئيس أساقفة أبرشية أميركا لكنيسة القسطنطينية
نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

فكرة التلمذة هي أحد أكثر مساهمات العهد الجديد أهمية لفهم ملائم لطبيعة ووظيفة الكهنوت. فالتلمذة، كمفهوم أساسي يتكرّر دائماً في الأناجيل، وهي تنطبق على أي مجهود لتقديم وصف كامل ودقيق لمعنى أن يكون الإنسان مسيحياً حقيقياً ورسولاً حقيقياً. الكاهن، الكاهن الأصيل، يلخّص صفات المسيحي الفعلي، وفي الوقت نفسه يشكّل بطريقة خاصّة رسولاً. قد تشكّل دراسة فكرة التلمذة في العهد الجديد مسعى مثمراً يقدّم معلومات مهمة لإعادة تقييم الجودة الكهنوتية واعتبار. تهدف هذه الدراسة إلى هذا النوع من الدراسة. تجد المناقشة الواقعية للتلمذة عدداً من مصادرها في العهد الجديد ويشكّل إنجيل مرقس، الذي سوف نركّز عليه، أحد أغنى هذه المصادر وأكثرها عمقاً.

التلمذة كدعوة
تبدأ التلمذة بدعوة من يسوع. إنها حدث، منزِلة، حالة، يستهلّها المسيح بذاته. تظهر التلمذة باكراً جداً في إنجيل مرقس، فنجد المثال الرئيسي الأول في الإصحاح الافتتاحي: “َفِيمَا هُوَ (يسوع) يَمْشِي عِنْدَ بَحْرِ الْجَلِيلِ أَبْصَرَ سِمْعَانَ وَأَنْدَرَاوُسَ أَخَاهُ يُلْقِيَانِ شَبَكَةً فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّهُمَا كَانَا صَيَّادَيْنِ. فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ:«هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا تَصِيرَانِ صَيَّادَيِ النَّاسِ». فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا شِبَاكَهُمَا وَتَبِعَاهُ.” (مرقس 16:1-18). وتقترن هذه الدعوة الأولى، بدون أي فصل، في الرواية المرقسية بدعوة ثانية: “ثُمَّ اجْتَازَ مِنْ هُنَاكَ قَلِيلاً فَرَأَى يَعْقُوبَ بْنَ زَبْدِي وَيُوحَنَّا أَخَاهُ، وَهُمَا فِي السَّفِينَةِ يُصْلِحَانِ الشِّبَاكَ. فَدَعَاهُمَا لِلْوَقْتِ. فَتَرَكَا أَبَاهُمَا زَبْدِي فِي السَّفِينَةِ مَعَ الأَجْرَى وَذَهَبَا وَرَاءَهُ.” (مرقس 19:1-20).
في الإصحاح الثاني من إنجيله، يقدّم مرقس حالة مميزة: “ثُمَّ خَرَجَ أَيْضًا إِلَى الْبَحْرِ. وَأَتَى إِلَيْهِ كُلُّ الْجَمْعِ فَعَلَّمَهُمْ. وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى لاَوِيَ بْنَ حَلْفَى جَالِسًا عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ، فَقَالَ لَهُ: «اتْبَعْنِي». فَقَامَ وَتَبِعَهُ.” (مرقس 13:2-14). في كل هذه الشواهد، الرواية مكثفة جداً ومختزلة إلى الحد الأدنى. إنها تحفظ فقط ما هو أساسي. يُقَدَّم مشهد الدعوة بسرعة وبترابط نحوي شديد البساطة من دون إشارات متوقعة من أي نوع. كنتيجة، تبزغ التلمذة كحالة محصور خَلقُها بيسوع دون سواه وتبدأ بدعوة منه. ما يؤكّد بشدةٍ هذه الدعوة هو غياب كل أشكال الحوار وهيمنة صيغة الأمر في أسلوب التعبير عن الدعوة. بالواقع، الدعوات في كل من مرقس 16:1-20 و14:2 تبدو مثل أوامر أكثر منها دعوات، لكن الإطار يشير إلى أنه مجرّد طريقة للصياغة تهدف إلى التشديد على مبادرة يسوع.
في الوقت نفسه، يصف مرقس، باختصار وبعبارات مصقولة، تجاوب التلاميذ مع الدعوة: “فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا شِبَاكَهُمَا وَتَبِعَاهُ.” (مرقس 18:1)، “فَتَرَكَا أَبَاهُمَا زَبْدِي فِي السَّفِينَةِ مَعَ الأَجْرَى وَذَهَبَا وَرَاءَهُ.” (مرقس: 20:1)، “فَقَامَ (لاوي) وَتَبِعَهُ.” (مرقس: 14:2). في كل الحالات، الجواب للدعوة فوري وجذري ويتضمّن قراراً من حجم غير اعتيادي والتزاماً شخصياً من أعلى الدرجات. تقوم الدعوة إلى التلمذة على يسوع بشكل مطلق وتصدر عنه، لكنها بدورها تقتضي بالضرورة قرارات من جهة المزمِع أن يكون تلميذاً. ومع ذلك، الموضوع المهيمن جوهرياً هو الدعوة، والصوت المهيمن هو صوت يسوع داعياً الناس إلى مرتبة التلمذة. يقدم مرقس هذا الوجه مجدداً في حادثة الشاب الغني (17:10-22).
هنا تظهر البراعة في وصف دور يسوع على أنّه مَن يوجّه الدعوة إلى التلمذة بمقابل خلفية البحث عن الحياة الأبدية. انقلاب الأحداث غير المتوقّع عند نهاية الحادثة يعيد التشديد على أهمية الاستجابة البشرية للدعوة. قرار الغني بعدم اتّباع يسوع يصير مذكّراً بأنّ دعوة يسوع إلى التلمذة، مهما قويت، لا تحذف الحرية والمسؤولية البشريتين في الجواب عليها.

التلمذة كرسالة
الرسالة هي أحد المكوّنات التي من صلب التلمذة في إنجيل مرقس. فدعوة يسوع إلى التلمذة هي تعيين في مركز، مهمّة، رسالة. النص الذي يصف تحديد رسالة الإثني عشر (13:3-19) هو أحد الدلائل. يبدأ النص بمدخل قصير ومهيب يقدّم سلطة يسوع المطلَقة في دعوة البشر إلى التلمذة: “ثُمَّ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ وَدَعَا الَّذِينَ أَرَادَهُمْ فَذَهَبُوا إِلَيْهِ.” من ثمّ يأتي التعيين أو تحديد الرسالة: “وَأَقَامَ اثْنَيْ عَشَرَ لِيَكُونُوا مَعَهُ، وَلِيُرْسِلَهُمْ لِيَكْرِزُوا، وَيَكُونَ لَهُمْ سُلْطَانٌ عَلَى شِفَاءِ الأَمْرَاضِ وَإِخْرَاجِ الشَّيَاطِينِ.” (مرقس 14:3-15).
للرسالة المذكورة سابقاً ثلاث عناصر. العنصر الأول هو أن أوّل واجبات المدعوين الذين صاروا تلاميذ أن يكونوا مع يسوع حيثما يذهب أو يمكث. البقاء مع يسوع هو جزء جوهري من حقيقة الرسالة التي يصفها مرقس. العنصر الثاني الذي يُكشَف في 14:3-15 هو أنّ الكرازة جزء لا غنى عنه من مهمة الرسالة. تُفهَم التلمذة هنا على أنها تكليف بالكرازة. الفعل نفسه يتكرر في أهم المقاطع التصويرية في مرقس 14:1-15: “جَاءَ يَسُوعُ إِلَى الْجَلِيلِ يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ اللهِ وَيَقُولُ:«قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ».” يخدم فحوى عبارة “يكرز” في هذا الاستشهاد ومعناها كدليل تفسيري لفهم العبارة نفسها في 14:3. العنصر الأساسي الثالث في هذا المقطع هو أنّ الكرازة هي سلطان “عَلَى إِخْرَاجِ الشَّيَاطِينِ.” (15:3). ملء التلمذة يتضمّن التكليف المحدد بالغرق في سلسلة من المهمات التي فيها تُخرَج الشياطين وتُطرَد وتُقهَر. تبدو هذه المهمة للوهلة الأولى وكأنّها تتعلّق بالناس الممسوسين. ومع ذلك، فالمهمة أكثر شمولاً وعمقاً. وهكذا، “إخراج الشياطين” يصير نوعاً من الشفرة أو البيان المختَصَر الذي يدلّ ضمناً على عدد كبير من المهمات المتنوّعة. القاسم المشترك بين كل هذه المهمات هو تحرير الوجود البشري من كل قوة شيطانية شريرة معذِّبة.
إلى هذا، يقدّم مرقس في 7:6-13 الرسالة كشيء فوري، أي كعمل تلقائي يعتمد كلياً على ما يمنحه الله من حماية وتدبير في شؤون المأكل والملبَس وسبل العيش بشكل عام. يترافق التكليف بالرسالة مع إخبار مرقس أن الإثني عشر بدؤوا، بدون تعويق، مهمتهم الكرازية طاردين الشياطين وشافين المرضى. بالجوهر، تبدو رسالة التلاميذ في 13:3-18 و7:6-13 وكأنها استمرار مباشر لرسالة يسوع.

التلمذة كخدمة
منذ زمن طويل، أدركت الدراسات حول مرقس المكانة الفريدة التي تحتلها الوحدة الطويلة 27:8-52:10 في هذا الإنجيل. تأتي التعابير الخريستولوجية ذات الأهمية الكبيرة ضمن هذه الوحدة ذات البنية الثلاثية التي يسهل استبيانها. السمة المميزة لهذه البنية هي تعليم يسوع الواضح المتّقَن حول التلمذة، المرتبط بكل من التنبوءات الرئيسية الثلاثة عن الآلام. موضوع الكلام المهيمن في هذا التعليم هو فكرة التلمذة كخدمة.
بحسب الرواية المبنية ببراعة في مرقس 9، يسوع – بعد الإعلان عن آلامه وموته الوشيكين – انتبه بألم إلى أنّ التلاميذ لا يفهمون ما يقول. والأسوأ أنّه فيما هو يكشف عن موته الذي يدنو بقوة، هم يناقشون أموراً تكشف رغباتهم الذاتية وتوقهم إلى أعلى رتبة ممكنة (“تَحَاجُّوا فِي الطَّرِيقِ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ فِي مَنْ هُوَ أَعْظَمُ.” مرقس 34:9). عند هذه النقطة بالتحديد كشف يسوع الحقيقة الجذرية المدهشة المتعلّقة بالتلمذة باسمه، وهي حقيقة سوف تبقى مبدأ أساسياً وحيوياً ضمن الجماعة المسيحية: “فَجَلَسَ وَنَادَى الاثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ:«إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ أَوَّلاً فَيَكُونُ آخِرَ الْكُلِّ وَخَادِمًا لِلْكُلِّ»” (مرقس 35:9).
هنا تُكشَف طبيعة التلمذة من خلال تغيير عنيف في الرؤية. الاهتمام بامتلاك المكان الأول، الشغف بالمواقع العليا، يتحوّل إلى قرار طوعي بالتحوّل إلى الأخير، وكنتيجة طبيعية ضرورية بشكل مطلَق، قرار بالتحوّل إلى خدمة البشر الآخرين. التلمذة في جماعة المسيح تعني رغبة آكلة بالخدمة، أي الخدمة المجاهدة التي لا تفتر. الرؤية التي يقدمها يسوع ليست موقفاً بل وظيفة. الدعوة إلى التلمذة ليست دعوة إلى مكانة من الشرف والقوة والمجد، بل إلى عمل فعّال من الخدمة والاهتمام بالآخرين. هذه الرسالة التي من الرب والتي تتعلّق بالتلمذة هي رسالة مطلقة جداً، حتى أنّ المصطلحات المُستَعمَلَة في صياغتها لا تترك أي مكان للتوقعات والأعذار أو التحفظات.
يطلب المسيح ويوصي بأن يكون تلميذه “خادماً للكل”. هذه العبارة مذهلة في مقتضاها الجذري المطلق والمتطرّف، وهذا ما يظهِر أهميتها السامية. يعود يسوع إلى الموضوع نفسه بعد النبوءة الثالثة عن آلامه وموته (مرقس 33:10-34). السيناريو مشابه لذاك في الإصحاح 9. يسمع التلاميذ النبوءة المحزنة عن الاعتقال الوشيك لمعلمهم وقتله في أورشليم. مع هذا، هم لا يفهمون يسوع. بالمقابل، هم يخفون أفكارهم ورغباتهم بالمناصب والسلطة والمجد. المسيح يدعوهم ويشرح لهم، كما في مرقس 35:9، أن التلمذة هي خدمة وليست منصباً سلطوياً. هذه المرة، تأتي تعابير السيّد أكثر إحكاماً وجلاءً: “«أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يُحْسَبُونَ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَأَنَّ عُظَمَاءَهُمْ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ عَظِيمًا، يَكُونُ لَكُمْ خَادِمًا، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ أَوَّلاً، يَكُونُ لِلْجَمِيعِ عَبْدًا.” (مرقس 42:10-44). ما تظهره المقارنة برؤساء الأمم، أي القوى السياسية، بشكل محدد، هو أنّ الخدمة هي من طبيعة التلمذة.
التعليم عن التلمذة كخدمة في مرقس 35:9 و42:10-44 يشدد على الخدمة كاهتمام بالآخرين، كمحبة، وكإحساس بحاجات الجماعة. تؤكّد أولوية الخدمة حقيقة أن التلمذة ليست فرصة للكمال الأخلاقي الشخصي بل بالأحرى هي توجّه جديد في الحياة حيث الآخرون، أي الجماعة، يصيرون مركز الاهتمام والمحبة. هنا يُفتَرَض مسبقاً وجود ذهنية جديدة. هنا تُدخَل طريقة عيش مختلفة وهي تعارض الطريقة السائدة في المجتمع بشكل كليّ. ما نواجهه في مرقس 35:9 و42:10-44 هو رؤية متحوّلة للوجود البشري كخدمة.
إن التلمذة كخدمة تشكّل أسمى حالات الوجود البشري، الحالة التي فيها تندمج الأنثروبولوجيا والخريستولوجيا في وحدة لا انفصال فيها.

التلمذة كمعرفة للمسيح
التلمذة في إنجيل مرقس مرتبطة بشكل مباشر بالمعرفة، معرفة الحق التي يكشفها المسيح بذاته والتي تشكّل علامة أساسية للتلمذة الحقيقية الكاملة. في الواقع، يظهر من قراءة إنجيل مرقس، حتى القراءة المستعجلة منها، أنّ هذا الموضوع مؤلم لمرقس. فالإثنا عشر يظهرون في إنجيله كأشخاص يعانون من صعوبة مزمنة في فهم ما يقول يسوع. إنهم بطيئون بشكل مفرِط في تقديم الحقيقة التي يخفيها المسيح بشكل مستمر. لهذا السبب هو يوبّخهم في عدة أماكن إمّا لعدم فهمهم تعليمه وشخصه أو لإساءة فهمهم. أمر واحد أكيد: من خلال حافز عدم فهم تلاميذه أو عماهم الروحي، تُقَدَّم، بشكل مقنع، ضرورة المعرفة والإدراك الحسي لشخص المسيح ولإعلانه. ومرة أخرى يقدّم مرقس يسوعَ وكأنّه يقارب الموضوع بلغة أقرب إلى القسوة، وهذا دليل قوي على أهمية الموضوع.
ينبغي إيراد بعض المقاطع من إنجيل مرقس عند هذه النقطة. مرقس 45:6-52 هو رواية سير يسوع على البحر. عند نهاية هذا الحدث كان التلاميذ مندهشين. ما كان ينبغي لهذا أن يتمّ. كان التلاميذ غير واعين للأمور التي أظهَرَت حديثاً سلطان يسوع الإلهي. تشدد عبارة مرقس على هذا الاستنتاج: “فَبُهِتُوا وَتَعَجَّبُوا فِي أَنْفُسِهِمْ جِدًّا إِلَى الْغَايَةِ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا بِالأَرْغِفَةِ إِذْ كَانَتْ قُلُوبُهُمْ غَلِيظَةً.” (مرقس 51:6-52). في هذه الحادثة، يدخِل تعليق الإنجيلي فكرة مهمة: معرفة المسيح هي مسألة قلبية. إدراك حقيقة المسيح وقفٌ على وضعية كامل الوجود الإنساني وليس قدرةً عقلية وحسب.
المثال الأكثر أهمية من جهة صرامة اللغة موجود في مرقس 17:8-21. هنا يتوجّه يسوع إلى التلاميذ بتأنيب شديد لافتقارهم لفهم تعليمه: “أَلاَ تَشْعُرُونَ بَعْدُ وَلاَ تَفْهَمُونَ؟ أَحَتَّى الآنَ قُلُوبُكُمْ غَلِيظَةٌ؟ أَلَكُمْ أَعْيُنٌ وَلاَ تُبْصِرُونَ، وَلَكُمْ آذَانٌ وَلاَ تَسْمَعُونَ، وَلاَ تَذْكُرُونَ؟ حِينَ كَسَّرْتُ الأَرْغِفَةَ الْخَمْسَةَ لِلْخَمْسَةِ الآلاَفِ، كَمْ قُفَّةً مَمْلُوَّةً كِسَرًا رَفَعْتُمْ؟» قَالُوا لَهُ:«اثْنَتَيْ عَشْرَةَ». «وَحِينَ السَّبْعَةِ لِلأَرْبَعَةِ الآلاَفِ، كَمْ سَلَّ كِسَرٍ مَمْلُوًّا رَفَعْتُمْ؟» قَالُوا:«سَبْعَةً». فَقَالَ لَهُمْ:«كَيْفَ لاَ تَفْهَمُونَ؟»” (مرقس 17:8-21).
تتالي الأسئلة غامر والرسالة التي تحملها هذه الأسئلة واضحة: التلمذة من دون فهم ما هو المسيح وما هو عمله وقوله، غير واردة. يرِد في مرقس 27:8-30 الحادثة الشهيرة في قيصرية فيليبس. هناك سأل المسيح تلاميذه: ” مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟”. بعد أن أجابوا مقدمين آراء مختلفة سأل يسوع مجدداً: “«وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟» فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ:«أَنْتَ الْمَسِيحُ!»”. يتوقّع يسوع من تلاميذه أن يعرفوا هويته بشكل صحيح مناسب وملائم. التلمذة تعني معرفة المسيح، وامتلاك فهم لشخصه بما يتخطى الآراء والإشاعات والأفكار المبهَمة. هذه المعرفة العميقة للمسيح ليست تراكماً جامداً من المعلومات ذات الصلة بالموضوع. التلمذة كفهم عميق للمسيح هي حالة ديناميكية من التواجد في تقدّم مستمر ويقظة وانتباه. لا ينفصل هذا النوع من المعرفة عن تحديد التلمذة الحقيقية للمسيح.

التلمذة كتقديم كامل للنفس كذبيحة
أسمى نقطة في التلمذة بحسب إنجيل مرقس هي تقديم النفس ذبيحة كاملة مع كل ما يترتّب على هذا التقديم. قبل الآن، في بداية إنجيله، أدخل مرقس تصويرياً مفهوم التلمذة الذي يتطلّب قرارات وجودية جذرية. في مشهد دعوة التلاميذ الأربعة الأوّل، يلاحظ بشكل بليغ أن سمعان وأندراوس “لِلْوَقْتِ تَرَكَا شِبَاكَهُمَا وَتَبِعَاهُ” (مرقس 18:1)، وأنّ يعقوب ويوحنّا “تَرَكَا أَبَاهُمَا زَبْدِي فِي السَّفِينَةِ مَعَ الأَجْرَى وَذَهَبَا وَرَاءَهُ” (مرقس 20:1). هؤلاء الأشخاص الأربعة، الذين دعاهم يسوع لأن يكونوا تلاميذه، تخلّوا عن مهنتهم وعن وسيلة عيشهم وعن ذويهم. الأمر نفسه ينطبق على دعوة لاوي (مرقس 14:2). القرارات الجوهرية والأعمال الموصوفة في مرقس 18:1-20 و14:2 هي تعابير فعّالة عن معنى كون التلمذة تقدمة. المهنة والأقرباء هم عادةً جزء وقطعة من نفس الإنسان، وتركهم هو تخلٍ عن أكثر الأشخاص والأشياء معزّة وأساسية في الحياة.
في مشهد سعي الشاب الغني إلى الحياة الأبدية (مرقس 17:10-22)، عندما أصرّ الشاب على معرفة الطريقة الأفضل والأكثر ضمانة “ليرث الحياة الأبدية”، قال له يسوع: “يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ: اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي” (مرقس 21:10). انتهى جواب يسوع على طلب الشاب بدعوته إلى أن يكون تلميذه. ترتكز هذه الدعوة على الافتراض المسبَق بأنّ عليه أولاً أن يوزّع كلّ ما يملك على الفقراء ومن ثمّ يصير تلميذ يسوع. هذا طلب عسير يتضمّن، كما يتّضح، ليس فقط ممتلكاته بل هو نفسه. يخبرنا مرقس بحزن أن الشاب الغني “اغْتَمَّ عَلَى الْقَوْلِ وَمَضَى حَزِينًا، لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَال كَثِيرَةٍ” (مرقس 22:10). لا يوجد تلمذة حقيقية في المسيح من دون اتّخاذ قرار بالتخلّي القاسي عن الأشياء والأشخاص الأعزاء جداً.
تقديم النفس كذبيحة كاملة ليسوع قد يعني ترك كل شيء، الاستعداد للتخلّي إلى أبعد حد عن الممتلكات العزيزة والعلاقات من مختلف الأنواع، وقد يعني تقديم الحياة. على تلميذ المسيح المخلِص له، إذا أراد أن يكون صادقاً، أن يكون مستعداً لأي تضحية بالذات من أجل المسيح، حتى التضحية بالنفس. هنا نقابل التلمذة في أنقى أشكالها.
توجد الإشارة التي تثبّت هذا الموقف المتطرّف في يسوع نفسه. بحسب إنجيل مرقس، يسوع هو النموذج الأول للذبيحة الكاملة من أجل خلاص البشر. العبارة المفتاح هي في مرقس 45:10: ” لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ”. تقديم المسيح لحياته هو موضوع خريستولوجي مُهَيمِن في إنجيل مرقس لوصف أحد أوجه التلمذة المركزية. في الوقت عينه، مفهوم الخدمة مرتبط مباشرة بتقديم المرء لحياته. الخدمة وتقديم الذبيحة الكاملة لا ينفصلان وَصِفتان لا غنى عنهما في التلمذة.

التلمذة والكهنوت
بين أوجه التلمذة الخمسة في إنجيل مرقس والكهنوت علاقة منطقية مباشرة.
أولاً، التلمذة هي دعوة من يسوع وكذلك هو الكهنوت. فالكهنوت، إلى جانب الخاصيات الأخرى، هو شكل أصيل من أشكال التلمذة في المسيح. لقد دعا السيدُ الكاهنَ بشكل شخصي لأن يكون تلميذه ورسوله (مرقس 16:1-20، 13:2-14). هذا التبصّر الإنجيلي أساسي بالنظر إلى النزعات الحديثة نحو التشديد على المكوّنات الإدارية أو البعد المهني للكهنوت. حيثما وحينما يُنسى أو يحيَّد مفهوم العهد الجديد الأساسي للدعوة الإلهية إلى التلمذة – الكهنوت، تتدهور نوعية الوعي الكهنوتي بشكل يثير الذعر.
ثانياً، التلمذة هي رسالة وكذلك هو الكهنوت. إن الكهنوت رسالة مزدوجة المهمة: الكرازة بإنجيل ملكوت الله وتحرير الوجود البشري من كل سلطان شيطاني وشرير يعذّبه (مرقس 13:3-19). ينبغي التشديد على كلا الوجهين لهذه الرسالة المحددة من الله إذ في بعض الأحيان هناك كهنوت “من دون هدف”، أو كهنوت تائه في حركة مربِكة متعددة الأوجه.
ثالثاً، طبيعة التلمذة كخدمة تؤدي إلى نظرة سامية أخرى إلى الكهنوت. الكهنوت هو خدمة داخل الكنيسة وخارجها. الكاهن، كتلميذ وتابع للسيّد، يتطلّع أولاً وقبل كل شيء إلى خدمة الناس (مرقس 35:9، 42:10-44). ليست الخدمة مجرّد واحدة من الفضائل البشرية المتعددة، بل هي طريقة حياة كاملة. يصير معنى هذه الفكرة واضحاً عندما يأخذ الإنسان بعين الاعتبار الميولَ القوية نحو طريقة الحياة الفردية والأهداف المهنية الأنانية التي تهيمن على المجتمع المعاصر.
رابعاً، التلمذة وبالتالي الكهنوت، هو عملية من النمو المستمر في معرفة المسيح وملء الحق الذي يكشفه. معرفة المسيح هي عالَم واسع مفتوح، واكتشافه ينبغي أن يكون تحدياً يومياً وبهجة للكاهن. في مثل زمننا، زمن تأليه المعرفة وهيمنة التشوّش الإيديولوجي، معرفة المسيح بشكل حقيقي وجوهري هي حاجة ملحّة لكل كاهن أمين.
أخيراً، الكهنوت كتلمذة يعني تقدمة كاملة للذات إلى السيد المسيح. بهذا المعنى، ليس الكاهن كغيره من الحرفيين. الكهنوت هو التزام كامل قد يستدعي حتى تقديم الحياة. الكهنوت كتلمذة يعني تهيئاً للتضحية، استعداداً لاتخاذ قرارات خطيرة ومؤلمة من أجل المسيح وإنجيله وكنيسته (مرقس 18:1-20، 14:2، 29:10). في النهاية، المسيح هو السيد وهو الأولوية المطلقة عند أي كاهن أصيل راغب في أن يكون تلميذاً حقيقياً؛ أولوية على الممتلكات والعلاقات وحتى على الحياة (مرقس 34:8-38).
لقد شدد القديس الشهيد والأسقف الجليل إغناطيوس الإنطاكي على هذه النقطة الأخيرة بطريقة بليغة. في كتابته إلى الأفسسيين والرومانيين وهو في طريقه إلى الشهادة عند بداية القرن الثاني للميلاد، يقول أنّه فقط عندما يموت للمسيح يكون تلميذاً حقيقياً. عند اقترابه من الشهادة اعترف: “الآن بدأت أكون تلميذاً” (الرسالة إلى الأفسسيين 2:1، الرسالة إلى الرومانيين 2:4؛ 3:5).

Source: Greek Orthodox Theological Review 30:3 (1985) pp. 271-285.

كرامة الإنسان المعاصر

كرامة الإنسان المعاصر

الأب أنطوان ملكي

فَإِنِّي أَرَى أَنَّ اللهَ أَبْرَزَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ آخِرِينَ، كَأَنَّنَا مَحْكُومٌ عَلَيْنَا بِالْمَوْتِ. لأَنَّنَا صِرْنَا مَنْظَرًا لِلْعَالَمِ، لِلْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ. نَحْنُ جُهَّالٌ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحُكَمَاءُ فِي الْمَسِيحِ! نَحْنُ ضُعَفَاءُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَأَقْوِيَاءُ! أَنْتُمْ مُكَرَّمُونَ، وَأَمَّا نَحْنُ فَبِلاَ كَرَامَةٍ! إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ نَجُوعُ وَنَعْطَشُ وَنَعْرَى وَنُلْكَمُ وَلَيْسَ لَنَا إِقَامَةٌ، وَنَتْعَبُ عَامِلِينَ بِأَيْدِينَا. نُشْتَمُ فَنُبَارِكُ. نُضْطَهَدُ فَنَحْتَمِلُ. يُفْتَرَى عَلَيْنَا فَنَعِظُ. صِرْنَا كَأَقْذَارِ الْعَالَمِ وَوَسَخِ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى الآنَ. لَيْسَ لِكَيْ أُخَجِّلَكُمْ أَكْتُبُ بِهذَا، بَلْ كَأَوْلاَدِي الأَحِبَّاءِ أُنْذِرُكُمْ. لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَكُمْ رَبَوَاتٌ مِنَ الْمُرْشِدِينَ فِي الْمَسِيحِ، لكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ. لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ. فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي.” (كورنثوس الأولى 9:4-16)

       هذه القراءة من عند الرسول بولس، هي حاجة لأن يسمعها كل مؤمني هذا العصر. فالناس، كانوا وما يزالون، يسعون وراء المواهب والمراكز والكراسي ليحصلوا على كرامات زمنية. إضافةً إلى أنّ التقدّم الذي حققته البشرية يجعل إنسان اليوم أكثر اتّكالاً على ذاته وعلى علومه وعلى معارفه وقدراته من اتّكاله على الله.
      يريد بولس الرسول أن يقول من خلال رسالته أنّ الكرامة الحقيقية هي في حمل الصليب مع المسيح. فهو يصف الرسلَ وهو منهم، بالجهّال فيما العلم والمعرفة همّ الناس الأول وهم مستعدّون للتضحية بكلّ شيء على طريق السعي إلى اكتسابهما وتكديسهما وحمل الألقاب التي تدل عليهما. هو يصف الرسلَ بأنّهم ضعفاء فيما الناس يتسابقون إلى اكتساب تحصيل ما يشعرهم بالقوة سواء عن طريق المراكز أو الوظائف أو الاصطفافات أو التزلّم. يصف الرسلَ بأنّهم بلا كرامة فيما إنسان اليوم يحسّ بالخيبة من دون المركز الأول والمقعد الأول. يقول أنّ الرسل يرضون بأن يُشتَموا ويُفتَرى عليهم فيما إنسان اليوم يرفض أن تُوجّه إليه أيّ كلمة، حتّى الملاحظة البنّاءة. يصف الرسل بأنّهم صاروا أقذار العالم فيما بعض الناس اليوم يخجلون بأن يُسَمّوا مسيحيين ويرفضون أن يناديهم أحد بعبيد الله.
      أهالي كورنثوس انتفخوا وظنّوا أنّ ما يتمتّعون به من وسائل الراحة والتقدّم، بالنسبة لذلك الزمان، يكفيهم ليقتنعوا بأنّهم يتقدّمون على الآخرين، ومن بينهم الرسل. أمّا الرسول فيقول لهم أنّ التقدّم والشبع الحقيقيين هما في احتمال الضيقات والاضطهادات، ولتواضعه وضع نفسه في المؤخرة كالمحكوم عليه بالموت. أهالي كورنثوس يبحثون عن الكرامة في العالم، وهو يطلب منهم أن يتشبهوا بالرسل الذين يبحثون عن الصليب الذي فيه كرامة لله. مشكلة أهل كورنثوس أنهم كانوا بلا آلام فانتفخوا، لأنّ مَن يحمل صليبه لا يصاب بالكبرياء. أوسمة الشرف الحقيقية التي يفتخر بها الرسول هي الجوع والعطش والعري واللطم وعدم الاستقرار وتحمّل السخرية والشتائم وعدم مقابلة الشر بالشر. وذروة الشرف عند الرسول هي في مباركة مَن يشتمه واحتمال الاضطهاد ومقابلة الكلام الرديء والافتراء بالكلام الطيب والإرشاد والوعظ.
      كتب الرسول هذا الكلام لا ليخجِل أهالي كورنثوس بل ليعظهم. هو لا يذكر آلامه ولا يقارن بينه وبين ما يتمتّعون به لكي يظهر مساوئهم بل لأنّه ولدهم بالمسيح. في نهاية القراءة، يورِد الرسول تمييزه بين المرشد والأب بشكل عظيم وواضح وينطبق في كلّ زمان. ففكرة المرشد أتَت من الحضارة اليونانية، على أنّه الذي يوكَل إليه بالطفل فيصحبه للمدرسة ويدرّبه على الأخلاق الحميدة. أمّا الأب فيختلف عن المرشد ويتقدّم عليه، لأنّ الأبوة والبنوّة الروحيتين، بحسب بولس الرسول، هما تماماً في المسيح وعلى مثال العلاقة معه، وتقومان على تمثّل الأبناء بالآباء. لذا نتعلّم في الكنيسة أنّ الأبوّة والبنوّة في المسيح تبدآن بالولادة في المعمودية وتستمران في الإيمان وتزهِران في الاعتراف. ولكي يجري هذا كلّه، لا بدّ من إطار هو جسد المسيح أي الكنيسة. لا أبوة خارج الكنيسة، ولا ثبات للأبناء إلاّ في المسيح وكنيسته. قد يكون هناك مرشدون، وربوات (أعداد كثيرة) منهم، ولكن دائماً هناك أب واحد ينبغي أن يلتصق المؤمن به.
      إن دعوة الرسول بولس لأهل كورنثوس لأن يكونوا متمثلين به، كما يتمثّل الابن بأبيه، ما تزال قائمة إلى كلّ المسيحيين في كل الأماكن والأوقات. إنّ المسيحية الحقيقية هي حياة “تعالَ وانظر” وقوامها قبول السلوك في كلّ ما سبق وصفه في هذه القراءة من الرسائل. إنسان اليوم متمسّك بما حققه من الرفاهية ووسائل الراحة فكيف له أن يقبل الجوع والعطش والعري والتشرّد؟ إنسان اليوم يهرب من الالتزام فكيف له أن يحتمل الاضطهاد؟ إنسان اليوم محور حياته الكلام والنقاشات والمقررات والأوراق لذا يصعب عليه التمثّل بالرسل والقديسين.

كرامة الإنسان المعاصر

كرامة الإنسان المعاصر

الأب أنطوان ملكي

فَإِنِّي أَرَى أَنَّ اللهَ أَبْرَزَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ آخِرِينَ، كَأَنَّنَا مَحْكُومٌ عَلَيْنَا بِالْمَوْتِ. لأَنَّنَا صِرْنَا مَنْظَرًا لِلْعَالَمِ، لِلْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ. نَحْنُ جُهَّالٌ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحُكَمَاءُ فِي الْمَسِيحِ! نَحْنُ ضُعَفَاءُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَأَقْوِيَاءُ! أَنْتُمْ مُكَرَّمُونَ، وَأَمَّا نَحْنُ فَبِلاَ كَرَامَةٍ! إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ نَجُوعُ وَنَعْطَشُ وَنَعْرَى وَنُلْكَمُ وَلَيْسَ لَنَا إِقَامَةٌ، وَنَتْعَبُ عَامِلِينَ بِأَيْدِينَا. نُشْتَمُ فَنُبَارِكُ. نُضْطَهَدُ فَنَحْتَمِلُ. يُفْتَرَى عَلَيْنَا فَنَعِظُ. صِرْنَا كَأَقْذَارِ الْعَالَمِ وَوَسَخِ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى الآنَ. لَيْسَ لِكَيْ أُخَجِّلَكُمْ أَكْتُبُ بِهذَا، بَلْ كَأَوْلاَدِي الأَحِبَّاءِ أُنْذِرُكُمْ. لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَكُمْ رَبَوَاتٌ مِنَ الْمُرْشِدِينَ فِي الْمَسِيحِ، لكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ. لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ. فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي.” (كورنثوس الأولى 9:4-16)

       هذه القراءة من عند الرسول بولس، هي حاجة لأن يسمعها كل مؤمني هذا العصر. فالناس، كانوا وما يزالون، يسعون وراء المواهب والمراكز والكراسي ليحصلوا على كرامات زمنية. إضافةً إلى أنّ التقدّم الذي حققته البشرية يجعل إنسان اليوم أكثر اتّكالاً على ذاته وعلى علومه وعلى معارفه وقدراته من اتّكاله على الله.
      يريد بولس الرسول أن يقول من خلال رسالته أنّ الكرامة الحقيقية هي في حمل الصليب مع المسيح. فهو يصف الرسلَ وهو منهم، بالجهّال فيما العلم والمعرفة همّ الناس الأول وهم مستعدّون للتضحية بكلّ شيء على طريق السعي إلى اكتسابهما وتكديسهما وحمل الألقاب التي تدل عليهما. هو يصف الرسلَ بأنّهم ضعفاء فيما الناس يتسابقون إلى اكتساب تحصيل ما يشعرهم بالقوة سواء عن طريق المراكز أو الوظائف أو الاصطفافات أو التزلّم. يصف الرسلَ بأنّهم بلا كرامة فيما إنسان اليوم يحسّ بالخيبة من دون المركز الأول والمقعد الأول. يقول أنّ الرسل يرضون بأن يُشتَموا ويُفتَرى عليهم فيما إنسان اليوم يرفض أن تُوجّه إليه أيّ كلمة، حتّى الملاحظة البنّاءة. يصف الرسل بأنّهم صاروا أقذار العالم فيما بعض الناس اليوم يخجلون بأن يُسَمّوا مسيحيين ويرفضون أن يناديهم أحد بعبيد الله.
      أهالي كورنثوس انتفخوا وظنّوا أنّ ما يتمتّعون به من وسائل الراحة والتقدّم، بالنسبة لذلك الزمان، يكفيهم ليقتنعوا بأنّهم يتقدّمون على الآخرين، ومن بينهم الرسل. أمّا الرسول فيقول لهم أنّ التقدّم والشبع الحقيقيين هما في احتمال الضيقات والاضطهادات، ولتواضعه وضع نفسه في المؤخرة كالمحكوم عليه بالموت. أهالي كورنثوس يبحثون عن الكرامة في العالم، وهو يطلب منهم أن يتشبهوا بالرسل الذين يبحثون عن الصليب الذي فيه كرامة لله. مشكلة أهل كورنثوس أنهم كانوا بلا آلام فانتفخوا، لأنّ مَن يحمل صليبه لا يصاب بالكبرياء. أوسمة الشرف الحقيقية التي يفتخر بها الرسول هي الجوع والعطش والعري واللطم وعدم الاستقرار وتحمّل السخرية والشتائم وعدم مقابلة الشر بالشر. وذروة الشرف عند الرسول هي في مباركة مَن يشتمه واحتمال الاضطهاد ومقابلة الكلام الرديء والافتراء بالكلام الطيب والإرشاد والوعظ.
      كتب الرسول هذا الكلام لا ليخجِل أهالي كورنثوس بل ليعظهم. هو لا يذكر آلامه ولا يقارن بينه وبين ما يتمتّعون به لكي يظهر مساوئهم بل لأنّه ولدهم بالمسيح. في نهاية القراءة، يورِد الرسول تمييزه بين المرشد والأب بشكل عظيم وواضح وينطبق في كلّ زمان. ففكرة المرشد أتَت من الحضارة اليونانية، على أنّه الذي يوكَل إليه بالطفل فيصحبه للمدرسة ويدرّبه على الأخلاق الحميدة. أمّا الأب فيختلف عن المرشد ويتقدّم عليه، لأنّ الأبوة والبنوّة الروحيتين، بحسب بولس الرسول، هما تماماً في المسيح وعلى مثال العلاقة معه، وتقومان على تمثّل الأبناء بالآباء. لذا نتعلّم في الكنيسة أنّ الأبوّة والبنوّة في المسيح تبدآن بالولادة في المعمودية وتستمران في الإيمان وتزهِران في الاعتراف. ولكي يجري هذا كلّه، لا بدّ من إطار هو جسد المسيح أي الكنيسة. لا أبوة خارج الكنيسة، ولا ثبات للأبناء إلاّ في المسيح وكنيسته. قد يكون هناك مرشدون، وربوات (أعداد كثيرة) منهم، ولكن دائماً هناك أب واحد ينبغي أن يلتصق المؤمن به.
      إن دعوة الرسول بولس لأهل كورنثوس لأن يكونوا متمثلين به، كما يتمثّل الابن بأبيه، ما تزال قائمة إلى كلّ المسيحيين في كل الأماكن والأوقات. إنّ المسيحية الحقيقية هي حياة “تعالَ وانظر” وقوامها قبول السلوك في كلّ ما سبق وصفه في هذه القراءة من الرسائل. إنسان اليوم متمسّك بما حققه من الرفاهية ووسائل الراحة فكيف له أن يقبل الجوع والعطش والعري والتشرّد؟ إنسان اليوم يهرب من الالتزام فكيف له أن يحتمل الاضطهاد؟ إنسان اليوم محور حياته الكلام والنقاشات والمقررات والأوراق لذا يصعب عليه التمثّل بالرسل والقديسين.