Monthly Archives: November 2011

الكنيسة بين الانحطاط والنهضة


الكنيسة بين الانحطاط والنهضة

الأرشمندريت توما بيطار

من نقاط على الحروف، العدد التاسع والعشرون– الأحد 27 تشرين الثاني 2005

ثمّة أوقات، في تاريخ الكنيسة، ينحطّ فيها حال المؤمنين، في هذا المكان أو ذاك. أحياناً سراج الكنيسة عرضة لأن ينطفئ! بلى، ثمّة مواطن كانت الكنيسة فيها عامرة بالبركات السمائيّة، في الماضي، ثمّ… خبت. لا ضمانة في أن تستمرّ الأرثوذكسيّة هنا أو هناك. الأمر رهن لا بنعمة الله وحدها بل باقتبال المؤمنين وتعاونهم معها أيضاً. أحياناً تنحطّ كنيسة ما حتى لا يبقى مما عمر فيها، يوماً، سوى الأوابد. وأحياناً أخرى تعود الكنيسة عينها لتنهض من سباتها إلى قيامة تتفجَّر ماء حيّاً من جديد.

أنطاكية ليست شواذاً. هنا، أيضاً، الأرثوذكسيّة معرّضة للأفول! استمرارها، عندنا، إلى اليوم، ليس ضمانة لاستمرارها في المستقبل. والأرثوذكسيّة تأفل، هنا، إذا ما تعاطاها المؤمنون، أو المسمَّون على الإيمان، بخفّة. فلأن الأرثوذكسيّة هي عطيّة الله بامتياز، وهي ولا أثمن، فقد كانت، في كل زمن، مستهدَفَة ومهدَّدَة. من هنا أنّه دائماً ما كان لثباتها، في الماضي، ثمن باهظ: جمّ من دم الشهداء وآلام المعترفين يحكي ويمدّ فداء المخلِّص. وثمن ثبات الأرثوذكسيّة باق هو إيّاه إلى قيام الساعة!

الكنيسة بين النهضة والانحطاط لها سماتها وبها تُعرَف حالُها. وثمّة ما بإمكاننا أن نستطلعه في الصفحات الداكنة أو المشرِقَة لتاريخ الكنيسة والمدوّنات التراثية. دونك بعض تيّارات المياه الجوفيّة الوجدانية في الكنيسة:

*  كنيسة النهضة هي كنيسة أخيرية (eschatological) الطابع. كل تفصيل فيها أخيري المنحى، العين الداخلية للمؤمنين فيها إلى هناك وكذا كل اهتمامهم وسعيهم. هذا فيما كنيسة الانحطاط، في عمقها، كنيسة دهرية، العين الداخلية للناس فيها على ما هو ههنا، وكذا جلّ اهتمامهم وسعيهم. من هنا أنّ الروحيات فيها هي، في الحقيقة، نفسانيات. بلى، تتكلّم كنيسة الانحطاط على الدهر الآتي لكن هاجسها ليس فيه بل في الدهر الحاضر، والإلهيات تتعاطاها، بخاصة، كشعارات، فيما همّها هو تحقيق مرام ومكاسب، باسم الله، من هذا الدهر: طائفة، مؤسّسات، غنى، قوّة، تنظيم، خدمات… كنيسة الانحطاط لا تختلف، في توجّهاتها الدينيّة العميقة، عن معظم الديانات الأخرى أو المؤسّسات الاجتماعية في هذا الدهر. مؤشّر النهضة، في أزمنة الشدّة، كان، أبداً، الشهداء والمعترفين، وفي أزمنة اليُسر النسّاك والرهابين. أمّا علامة الانحطاط فكانت، في كل حال، طغيان الاهتمامات الطقوسية والسياسية… والكلامية!

*  كنيسة النهضة كنيسةٌ الهمُّ فيها أن يلد الكبارُ الصغارَ في المسيح وأن يخدم فيها الأوّلون مَن هم أقل خبرة منهم للخلاص. فيها يسوق الشيوخُ أنفسَهم قدوة تمثّلاً لسيرة مَن قال: “تعلّموا مّني فإنّي وديع ومتواضع القلب”. لأنّهم سلكوا في الفقر الطوعي يُقامون مدبّرين لكنيسة المسيح. لأنّهم تمرّسوا في جهاد العفّة، يُقامون معلّمين. لأنّهم غسلوا أقدام الزناة والعشّارين والتهبوا لخلاص العباد يُقامون رعاة. لأنّهم بكوا خطاياهم وذاب لحمانهم نسكاً وسهراً وصارت ركبهم كركب الجمال قسوة من الصلاة والسجود يُقامون مقدِّسين لشعب الله. أمّا كنيسة الانحطاط فكنيسةٌ صغارها مستعبَدون لكبارها ويحتقر رؤساؤها مرؤوسيهم. يحبّون أن يناديهم الناس “سيّدي، سيّدي”، لذلك يربّونهم، من حيث يدرون ولا يدرون، على الممالقة والمداهنة. لأنّهم درسوا أعمال القدّيسين وبات بإمكانهم الكلام عليها واستنباط الأفكار يُقامون معلِّمين. لأنّهم نالوا الشهادات في علوم النفس والإدارة والاجتماع يُقامون رعاة. لأنّهم يتقنون أداء الطقوس وأصواتهم رنّانة يُقامون مقدِّسين لشعب الله. في كنيسة النهضة يحاذر الناس الأسقفيّة لأنّهم عارفون، في أعماقهم، أنّهم أوهى من أن يسوسوا شعب الله ويخافون دينونة العليّ. وفي كنيسة الانحطاط يستميتون ليصيروا رؤساء الشعب التماساً للرفعة والسيادة بين الناس باسم الله.

*  كنيسة النهضة كنيسةٌ العقيدةُ فيها روح وحياة. لأنّ المؤمنين يحيَون في الروح والحق يعرفون عقيدة الكنيسة أنّها الحقّ وأنّها من روح الله في كلام الناس. لذلك يبذلون أنفسهم ولا يفرّطون بها. عندهم أنّها إيقونة تدبير الله الخلاصي لهم ورسمٌ لوجدانهم في المسيح. معيار النهضة خضوع المؤمنين، الكبار كالصغار، سواء بسواء، للشرع الكنسي. كائناً مَن كان المخالِف يُلاحَق. ولا تستكين الكنيسة حتى يُوضَع حدّ للتجاوز لئلا تستحيل المخالفة قاعدة وتُمسي الموبقات ميسّرة ويتعرّض الضعفاء للتجربة ونفوسٌ كثيرةٌ للهلاك. هكذا تَحفظ الكنيسة وحدتها في الحقّ. أمّا كنيسة الانحطاط فكنيسةٌ العقيدةُ فيها صيغة كلامية من استنساب الناس. لذلك يتعاطونها كفكر. يؤوّلونها ويفسّرونها وفق ما توحي لهم به آراؤهم وقناعاتهم الخاصة. أمّا الشرع الكنسي، في كنيسة الانحطاط، فأداة بين أيدي الرؤساء، يحرّكونها ساعة يشاؤون ويغضّون عنها الطرف ساعة لا توافق مراميهم. الشرع الكنسي، في كنيسة الانحطاط، قضيب لتأديب الضعفاء والصغار فيما يقيم الأقوياء والكبار والمحظيّون فوق القوانين يخالفونها ولا مَن يطالبهم. وإن طولبوا استخفّوا وهدّدوا ولا يسمعون لأنّهم في موقع المتجاوز والحاكم المتسلّط معاً. والنتيجة تكون أنّه من سهولة مطالعة المخالفة يُصاب الشعب باللاحسّ ويسقط في اللامبالاة. إذ ذاك تموت فيه العقيدة روحاً وحياة وتمسي جملة شعارات صمّاء!

الكثير من معالم الانحطاط غلاّب، اليوم، في أنطاكية. الخشية الخشية أن يكون أعظم الإحساس بالحقّ بيننا قد تخدّر، وتوزّع الأكثرون فِرقاً ينهش بعضها بعضاً، كلٌّ لغرض في نفسه، وأمست الوحدة صوناً لتوازنٍ ما بين المتناهشين واللامبالين حفظاً للشكل. الخشية الخشية أن تكون تيّارات مياهنا الجوفية قد أضحت متباينة فلم يعد لنا وجدان واحد هو وجدان الكنيسة التراثية. هذا إن فقدناه خرجنا من شركة البيعة. لذلك لا حفظ لوحدة الكنيسة بيننا ولا شركة لنا فيها إلاّ بالسلوك في حقّ الإنجيل والشهادة للحقّ. وهذا اليوم لا يتسنّى إلاّ بالشهداء والمعترفين! ألا زال هناك، بعد، مجانين يسلكون في أخيرية الكنيسة ويقمعون أنفسهم وأجسادهم من أجل الله ويصونون الإيمان القويم ويوقّرون الشرع الكنسي، إذاً لكان لأنطاكية نصيب اليوم في القيامة! هؤلاء، اليوم، مطالَبون لا فقط باجتناب الاشتراك في أعمال الظلمة بل بالتوبيخ عليها أيضاً! هؤلاء، اليوم، هم المؤتمَنون على وحدة الكنيسة، في الحقّ، حتى لا يموت الحقّ بيننا وحتى يُطلَّ، على أنطاكية، فجر النهضة… من جديد!

السنة الثامنة – العدد الثالث

السنة الثامنة – العدد الثالث – كانون الأول 2011


مختارات آبائية

شرح دستور الإيمان – 1

القديس نكتاريوس اسقف المدن الخمس

 

حياة روحية

لا تؤجّل

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

 

 

عظة

بعد الميلاد

الأرشمندريت توما بيطار

 

لاهوت

مركز العلمانيين في الكنيسة

الأب جورج دراغاس

 

لاهوت

سر الثالوث الأقدس بحسب إعلان العهد الجديد – 1

الأب جورج عطية

 


ليتورجيا

تفسير الصلوات العمومية حسب ترتيب الكنيسة الأرثوذكسية – 1

 

 

رعائيات

نظام المسيح الحقّ

ماريا قبارة

 

تربية مسيحية

مصاصو الدماء

الأب أنطوان ملكي

 

أبطال روحيون

القديس غورازد بافليك

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

 

<p dir=”rtl”> </p>

<table style=”width: 669px; height: 1572px;” border=”0″ align=”right”>

<tbody>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td>

<p dir=”rtl”><span style=”color: red; font-size: small;”><strong><span style=”color: #000000;”>السنة الثامنة – العدد الأول – تشرين الأول 2011</span></strong></span></p>

</td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;” dir=”rtl”><span style=”color: #ff0000;”><span style=”font-size: large;”><strong><span style=”color: #ff0000;”><a href=”index.php?option=com_content&amp;view=article&amp;id=59:2011-11-01-21-26-25&amp;catid=54:moukhtarat-aba2iya&amp;Itemid=56″>الأخلاق المسيحية – الموعظة على الجبلم</a></span></strong></span></span></p>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;” dir=”rtl”><span style=”font-size: medium;”><strong><span style=”color: #000000;”>القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس</span></strong></span></p>

</td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td>

<p style=”text-align: right;” dir=”rtl”><strong><span style=”font-size: medium;”><span style=”color: #ff0000;”><span style=”font-size: large;”><span style=”color: #ff0000;”><a href=”index.php?option=com_content&amp;view=article&amp;id=52:2011-10-25-20-50-46&amp;catid=34:abtal-rou7iyoun&amp;Itemid=56″>الأمّ رافاييلا</a></span></span></span></span></strong></p>

<p style=”text-align: right;” dir=”rtl”><span style=”color: #0000ff;”><strong><span style=”font-size: medium;”><span style=”color: #000000;”>شهادة معاصرة عن الحياة المسيحيّة الرهبانيّة من قلب أميركا الشماليّة<br /></span></span></strong></span></p>

<p style=”text-align: right;” dir=”rtl”><strong><span style=”color: #000000;”>إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة</span></strong></p>

</td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;” dir=”rtl”><span style=”color: #ff0000;”><span style=”font-size: large;”><strong><span style=”color: #ff0000;”><a href=”index.php?option=com_content&amp;view=article&amp;id=56:2011-10-27-21-37-02&amp;catid=38:3izat&amp;Itemid=56″>حتى نبقى على الإيمان القويم</a></span></strong></span></span></p>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;” dir=”rtl”><span style=”font-size: medium;”><strong><span style=”color: #000000;”>الأرشمندريت توما بيطار</span></strong></span></p>

</td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;”><span style=”font-size: large;”><span style=”color: #ff0000;”><strong><a href=”index.php?option=com_content&amp;view=article&amp;id=55:2011-10-27-21-32-00&amp;catid=36:7ayat-rou7iya&amp;Itemid=56″>الأبوة الروحية</a></strong><strong> </strong></span></span></p>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;”><span style=”color: #0000ff;”><span style=”font-size: medium;”><strong><span style=”color: #000000;”>عن موقع مطرانية بصرى حوران وجبل العرب</span></strong></span></span></p>

</td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;”><span style=”font-size: large;”><strong><a href=”index.php?option=com_content&amp;view=article&amp;id=53:vassularyden&amp;catid=40:maskouniyat&amp;Itemid=56″>النبية الكاذبة فاسولا رايدن</a></strong></span></p>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;”><span style=”font-size: medium;”><strong><span style=”color: #000000;”>ترجمة إدارة شبكة سيرافيم ساروفسكي</span></strong></span></p>

</td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;”><span style=”font-size: large;”><span style=”color: #ff0000;”><strong><a href=”index.php?option=com_content&amp;view=article&amp;id=54:2011-10-25-21-14-27&amp;catid=40:maskouniyat&amp;Itemid=56″>فاسولا رايدن: وجهة نظر أرثوذكسية</a></strong></span></span></p>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;”><span style=”font-size: medium;”><strong><span style=”color: #000000;”>الأب أنطوان ملكي</span></strong></span></p>

</td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;”><span style=”font-size: large;”><span style=”color: #ff0000;”><strong><a href=”index.php?option=com_content&amp;view=article&amp;id=62:2011-11-02-21-58-14&amp;catid=45:ri3a2iyat&amp;Itemid=56″>الطب النفسي الرعائي</a></strong></span></span></p>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;”><span style=”font-family: Tahoma,Arial,sans-serif; color: #ff0000; font-size: medium;”><strong><span style=”color: #000000;”>د. ديمتري أفديف</span></strong></span></p>

</td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td style=”direction: rtl;” dir=”rtl”>

<p style=”text-align: right;” dir=”rtl”><span style=”font-size: medium;”><span style=”font-size: large;”><a href=”index.php?option=com_content&amp;view=article&amp;id=66:2011-11-03-20-40-54&amp;catid=35:tarikh”>ملاتيوس باكورة عربية</a></span></span></p>

<p style=”text-align: right;”><span style=”font-size: large;”><span style=”font-family: tahoma, arial, helvetica, sans-serif;”>سامر عوض</span></span></p>

</td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td>

<p style=”text-align: right;” dir=”rtl”><span style=”font-size: large;”><span style=”color: #ff0000;”><strong><a href=”index.php?option=com_content&amp;view=article&amp;id=60:2011-11-02-10-49-41&amp;catid=48:atfalouna&amp;Itemid=56″>البحث عن الولد الصالح</a></strong></span></span></p>

<p style=”text-align: right;” dir=”rtl”><strong><span style=”color: #000000;”><span style=”font-size: medium;”>إعداد الخورية سميرة عوض ملكي</span></span></strong></p>

</td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

</tbody>

</table>

السنة الثامنة – العدد الثاني








السنة الثامنة – العدد الثاني – تشرين الثاني 2011





مختارات آبائية

شرح الصلاة الربّية
القديس نكتاريوس اسقف المدن الخمس





لاهوت

الحيوانات في الفكر المسيحي
إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة





عظة

الكنيسة بين الانحطاط والنهضة

الأرشمندريت توما بيطار





لاهوت

موقع الكهنة في الكنيسة

الأب جورج دراغاس





دراسات كتابية

هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ

الأب أنطوان ملكي





لاهوت

سر الثالوث الأقدس

الأب جورج عطية





خبرات

المجد لله لا لنا

ماريَّــــا قبارة، ومارييل تونجال





رعائيات

انتهاء العالم

الخورية سميرة عوض ملكي



















<p dir=”rtl”> </p>

<table style=”width: 669px; height: 1572px;” border=”0″ align=”right”>

<tbody>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td>

<p dir=”rtl”><span style=”color: red; font-size: small;”><strong><span style=”color: #000000;”>السنة الثامنة – العدد الأول – تشرين الأول 2011</span></strong></span></p>

</td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;” dir=”rtl”><span style=”color: #ff0000;”><span style=”font-size: large;”><strong><span style=”color: #ff0000;”><a href=”index.php?option=com_content&amp;view=article&amp;id=59:2011-11-01-21-26-25&amp;catid=54:moukhtarat-aba2iya&amp;Itemid=56″>الأخلاق المسيحية – الموعظة على الجبلم</a></span></strong></span></span></p>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;” dir=”rtl”><span style=”font-size: medium;”><strong><span style=”color: #000000;”>القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس</span></strong></span></p>

</td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td>

<p style=”text-align: right;” dir=”rtl”><strong><span style=”font-size: medium;”><span style=”color: #ff0000;”><span style=”font-size: large;”><span style=”color: #ff0000;”><a href=”index.php?option=com_content&amp;view=article&amp;id=52:2011-10-25-20-50-46&amp;catid=34:abtal-rou7iyoun&amp;Itemid=56″>الأمّ رافاييلا</a></span></span></span></span></strong></p>

<p style=”text-align: right;” dir=”rtl”><span style=”color: #0000ff;”><strong><span style=”font-size: medium;”><span style=”color: #000000;”>شهادة معاصرة عن الحياة المسيحيّة الرهبانيّة من قلب أميركا الشماليّة<br /></span></span></strong></span></p>

<p style=”text-align: right;” dir=”rtl”><strong><span style=”color: #000000;”>إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة</span></strong></p>

</td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;” dir=”rtl”><span style=”color: #ff0000;”><span style=”font-size: large;”><strong><span style=”color: #ff0000;”><a href=”index.php?option=com_content&amp;view=article&amp;id=56:2011-10-27-21-37-02&amp;catid=38:3izat&amp;Itemid=56″>حتى نبقى على الإيمان القويم</a></span></strong></span></span></p>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;” dir=”rtl”><span style=”font-size: medium;”><strong><span style=”color: #000000;”>الأرشمندريت توما بيطار</span></strong></span></p>

</td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;”><span style=”font-size: large;”><span style=”color: #ff0000;”><strong><a href=”index.php?option=com_content&amp;view=article&amp;id=55:2011-10-27-21-32-00&amp;catid=36:7ayat-rou7iya&amp;Itemid=56″>الأبوة الروحية</a></strong><strong> </strong></span></span></p>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;”><span style=”color: #0000ff;”><span style=”font-size: medium;”><strong><span style=”color: #000000;”>عن موقع مطرانية بصرى حوران وجبل العرب</span></strong></span></span></p>

</td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;”><span style=”font-size: large;”><strong><a href=”index.php?option=com_content&amp;view=article&amp;id=53:vassularyden&amp;catid=40:maskouniyat&amp;Itemid=56″>النبية الكاذبة فاسولا رايدن</a></strong></span></p>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;”><span style=”font-size: medium;”><strong><span style=”color: #000000;”>ترجمة إدارة شبكة سيرافيم ساروفسكي</span></strong></span></p>

</td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;”><span style=”font-size: large;”><span style=”color: #ff0000;”><strong><a href=”index.php?option=com_content&amp;view=article&amp;id=54:2011-10-25-21-14-27&amp;catid=40:maskouniyat&amp;Itemid=56″>فاسولا رايدن: وجهة نظر أرثوذكسية</a></strong></span></span></p>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;”><span style=”font-size: medium;”><strong><span style=”color: #000000;”>الأب أنطوان ملكي</span></strong></span></p>

</td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;”><span style=”font-size: large;”><span style=”color: #ff0000;”><strong><a href=”index.php?option=com_content&amp;view=article&amp;id=62:2011-11-02-21-58-14&amp;catid=45:ri3a2iyat&amp;Itemid=56″>الطب النفسي الرعائي</a></strong></span></span></p>

<p style=”direction: rtl; text-align: right;”><span style=”font-family: Tahoma,Arial,sans-serif; color: #ff0000; font-size: medium;”><strong><span style=”color: #000000;”>د. ديمتري أفديف</span></strong></span></p>

</td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td style=”direction: rtl;” dir=”rtl”>

<p style=”text-align: right;” dir=”rtl”><span style=”font-size: medium;”><span style=”font-size: large;”><a href=”index.php?option=com_content&amp;view=article&amp;id=66:2011-11-03-20-40-54&amp;catid=35:tarikh”>ملاتيوس باكورة عربية</a></span></span></p>

<p style=”text-align: right;”><span style=”font-size: large;”><span style=”font-family: tahoma, arial, helvetica, sans-serif;”>سامر عوض</span></span></p>

</td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td>

<p style=”text-align: right;” dir=”rtl”><span style=”font-size: large;”><span style=”color: #ff0000;”><strong><a href=”index.php?option=com_content&amp;view=article&amp;id=60:2011-11-02-10-49-41&amp;catid=48:atfalouna&amp;Itemid=56″>البحث عن الولد الصالح</a></strong></span></span></p>

<p style=”text-align: right;” dir=”rtl”><strong><span style=”color: #000000;”><span style=”font-size: medium;”>إعداد الخورية سميرة عوض ملكي</span></span></strong></p>

</td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

<tr>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

<td></td>

</tr>

</tbody>

</table>

موقع الكهنة في الكنيسة

موقع الكهنة في الكنيسة

الأب جورج  دراغاس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

لا يحمل فكر الكنيسة أيّ تمييز أو تضاد بين الكهنة والعلمانيين. فكلاهما ضروري لأنهم أعضاء في الكنيسة التي هي الجسد الواحد، جسد المسيح، ذات الرأس الوحيد الذي هو المسيح نفسه. كلا الكهنة والعلمانيون هم أعضاء في الكنيسة لأنّهم اندمجوا بها بنعمة الله. الكنيسة لم يؤسسها لا الكهنة ولا العلمانيون بل المسيح نفسه. الكنيسة له، وله أيضاً كل الكهنة والعلمانيون، وبالتالي كل معارضة فيما بينهم هي معارضة للمسيح. التمييز بين الإكليروس والعلمانيين هو تمييز ليتورجي للخدمات ضمن جسد الكنيسة الواحد الذي أقامه السيد نفسه. للأسف، تنشأ في الكثير من الأحيان التعارضات بين بعض أعضاء الكنيسة (الكهنة والعلمانيين) الذين لا يحترمون مؤسس الكنيسة ومؤسساتها المقدّسة ويعرّضون موقعهم فيها للخطر وموقع الكثيرين غيرهم، ربّما عن جهل أو بعض سوء الفهم لطبيعة الكنيسة، أو لبعض التفاهة. فهم ينسون أنّ الكنيسة، بسبب أن المسيح هو إله-إنسان، هي أيضاً جسم إلهي-بشري، وهذا الأمر مرتبط بسرّ الأرثوذكسية العظيم، أي تجسّد الإله الذي تمّ بميلاد المسيح وعمل خلاص البشرية والكون بأكمله. إنهم ينسون أنّ الكنيسة هي فُلك خلاصنا، عامود الحق وأساسه الذي لا تقوى عليه أبواب الجحيم. إنّهم ينسون أنّ الكنيسة تختلف عن كلّ أنواع المؤسسات البشرية التي أوجدها البشر. ليست الكنيسة تجارة ولا جمعية ولا نادياً خاصّاً. إنّها كنيسة المسيح التي نقبلها ونحترمها ونؤمن بها كما نؤمن بالإله الواحد في ثالوث وبابن الله الوحيد الذي صار إنساناً لخلاصنا. نحن نؤمن بالكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية كما يشير إليها دستور الإيمان المسكوني التي ضمنها يتمّ خلاصنا وخلاص العالم (إذ كما يعبّر القديس كبريانوس ” Extra Ecclesiam nulla salus خارج الكنيسة لا خلاص”). لذا، لتلافي كلّ سوء فهم أو معارضة هدّامة للذات، رأينا أنّ من الضروري أن نكتب حول المواضيع المرتبطة بالإكليسيولوجيا (علم الكنيسة) الأرثوذكسية. هذا المقال يشير إلى موقع الكهنة ضمن جسد المسيح، أي يشير إلى الكهنوت الخاص الذي يتميّز عن كهنوت العلمانيين العام الذي سوف يُعالَج في العدد المقبل. إنّه مأخوذ من كتاب “زاد الأرثوذكسية” المشهود له للأب أنطونيوس إليفيزوبولوس الذي نشرته دار الخدمة الرسولية لكنيسة اليونان.

نعمة الكهنوت الخاصة[1]

أ – الكهنوت الخاص في العهد القديم

إختار الله إسرائيل وميّزه عن سائر الأمم ليكون كهنوتاً ملوكياً وشعباً مقدساً (خر19: 5 – 6، تث14: 2، 26: 19). ثم أقام في وسط شعبه مصفّاً كهنوتياً محدّداً وأسند إليه خدمة خاصة. وكان هذا الكهنوت وقفاً على هارون وأبنائه، الذين عيّنهم موسى، لمّا صبّ على رأسهم من دهن المسحة، بعد أن غسلهم بالماء وألبسهم الحلل الكهنوتية (خر28: 1، 28: 37 – 39، 29: 9، 30: 30، 40: 11 – 13، لاو8: 1 – 13).

ونرى في العهد القديم تكريس اللاويين لهذه الخدمة الخاصة، وعدم السماح لأحد بأن يعارض الرتبة التي أوكلها االه نفسه إليهم. وأوضح دليل على ذلك هو الحادثة التي عوقب فيها قورح. فإنه مع انتمائه الى سبط اللاويين وإقامته الخدمات المقدسة في خباء الرب، ثار في وجه موسى وهارون قائلاً: “كفى! إن الجماعة كلهم مقدّسون والربّ فيما بينهم، فما بالكما تترفعان على جماعة “الربّ” (عدد 16: 3). وحاول موسى عبثاً إقناعه أن الرب نفسه يختار الكهنة (عد16: 5 – 11، أنظر لاو8: 1 الخ…) وأن مؤامرته ليست ضد البشر بل ضد الله نفسه، “أمّا هارون فما هو حتى تتذمروا عليه؟” (عد16: 11)، أليس هو الذي اختاره الله؟

وكان عقاب هؤلاء العصاة قاسياً: “فعند فراغه من هذا الكلام انشقت الأرض التي تحتهم. وفتحت الأرض فاها فابتلعتهم هم وبيوتهم وكل إنسان لقورح وجميع المال. فهبطوا هم وجميع ما لهم أحياء الى الجحيم وأطبقت الأرض عليهم وبادوا من بين الجماعة” (عدد16: 31 – 33، أنظر عدد17: 16 – 28، سيراخ 45: 6 – 22).

وحاول الملك عزيا فيما بعد أن يستغل السلطة الكهنوبية، فكان عقابه قاسياً أيضاً، فقد ظهر البرص في جبهته وبقي أبرص الى يوم وفاته (أخبار الأيام الثاني 26: 16 – 21، أنظر 1أخ 13: 9 – 10).

ب – “أنت كاهن الى الأبد على رتبة ملكيصادق”

يشير بولس الرسول الى آية: “أقسم الربّ ولن يندم، إنك كاهن على رتبة ملكيصادق (مز109: 4) وأوضح أن ملكيصادق كان ملكاً على شاليم وكاهناً لله العلي (تك14: 18)، وأن اسمه يعني ملك العدل والسلام “وليس له أب ولا أم ولا نسب، وليس لأيامه بداءة ولا لحياته نهاية، وهو على مثال ابن الله… ويبقى كاهناً الى الأبد” (عب7: 3).

ويؤكد الرسول أيضاً أن ابراهيم، بالرغم من كونه رجل مواعد الله، لم يبارك مليكصادق، بل تبارك منه (تك14: 19) وقدّم له العشر من الغنائم التي استولى عليها (تك14: 20). وهذا يعني أن ابراهيم، وهو رئيس لنسل كهنوتي على رتبة هارون، يعترف بكهنوت ملكيصادق الفريد (تث14: 22 – 23). ويذكر الرسول: “ومما لا خلاف فيه أن الأصغر يتلقى البركة من الأكبر” (عب7: 7).

والمسيح، مثل ملكيصادق، لم يكن على رتبة هارون، ولم يتحدّر من سبط اللاويين بل “ينتمي الى سبط آخر لم يقم أحد منه بخدمة المذبح. فمن المعروف أن ربنا خرج من يهوذا، من سبط لم يذكره موسى في كلامه على الكهنة” (عب7: 13 – 14). فلا يمكن أن يُدرج إذن بين كهنة العهد القديم، لأنه كاهن “لعهد أفضل” (عب7: 22). “أولئك الكهنة كان يقام منهم عدد كثير لأن الموت يحول دون بقائهم، وأما هذا الذي يبقى الى الأبد فله كهنوت لا يزول. وهو قادر على أن يخلّص الذين يتقربون به الى الله خلاصاً تاماً لأنه حيّ باق ليشفع لهم. أجل، هذا هو الحبر الذي يلائمنا، قدّوس بريء لا عيب فيه ولا صلة له بالخاطئين، جُعل أعلى من السموات، لا حاجة به الى أن يُقرّب كالأحبار كل يوم ذبائح كفّارة لخطاياه أولاً ثم لخطايا الشعب، لأنه فعل ذلك مرّة واحدة، حين قرّب نفسه. إن الشريعة تقيم أناساً ضعفاء أحباراً، أمّا كلام القسَم الآتي بعد الشريعة فيقيم الإبن وقد جُعل كاملاً الى الأبد” (عب7: 23 – 28). “ودخل قدس الأقداس مرّة واحدة…بدم نفسه، فكسب لنا فداء أبدياً” (عب9: 12).

ويتعمق الرسول أكثر في نصوص العهد القديم فيشير الى الآية التالية: “ذبيحة وتقدمة لم تشأ، لكنّك هيأت لي جسداً. ولم تطلب المحرقات ولا ذبائح الخطيئة. حينئذ قلت ها أنذا آت. فقد كُتب عني في درج الكتاب، لأعمل يا إلهي بمشيئتك” (مز39: 7 – 9). ثم يذكر أن صاحب المزامير يشير الى “تقدمة جسد الرب يسوع المسيح التي قدّسنا بها مرة واحدة والى الأبد” (عب10: 5 – 14). “ولما كنّا واثقين، أيها الإخوة، بأن لنا سبيلاً الى القدس بدم يسوع، سبيلاً حيّة فتحها لنا في الحجاب وهي جسده، وأن لنا كاهناً عظيماً على بيت الله، فَلْنَدْنُ بقلب صادق وإيمان كامل، وقلوبنا مطهّرة من سوء النية وأجسادنا مغسولة بماء طاهر، ولنتمسك بما نشهد له الرجاء ولا نحد عنه، لأن الذي وعد به صادق، ولينتبه بعضنا الى بعض للحث على المحبة والأعمال الصالحة. ولا تنقطعوا عن الإجتماع كما اعتاد بعضكم أن يفعل، بل حثّوا بعضكم بعضاً وبالغوا في ذلك على قدر ما ترون أن اليوم يقترب” (عب10: 19 – 25).

وهكذا يظهر أن ثمة رئيس كهنة وحيد في العهد الجديد، إنه المسيح الحاضر دائماً في كل إجتماع مسيحي (متى28: 20) ولو اقتصر على شخصين أو ثلاثة (متى18: 20). وهو راعي الرعية الواحدة (يو10: 16)، راعي نفوسنا وحافظها (1بط2: 25)، راعي الخراف العظيم (عب13: 20)، “رئيس الرعاة” (1بط5: 4)، و “رئيس الكهنة العظيم” (عب4: 14) الذي “دخل قدس الأقداس مرّة واحدة… فكسب لنا فداء أبدياً… وقرّب نفسه الى الله بروح أزلي قرباناً لا عيب فيه، حتى يطهّر ضمائرنا من الأعمال الميتة لنعبد الله الحيّ” (عب9: 12 – 14، أنظر خر34: 15 – 24، 37: 24).

لا توجد ثغرات إذن في تاريخ الكنيسة، فحيث يجتمع “إثنان أو ثلاثة” باسم المسيح (متى18: 20)، في إجتماع شُكري عبادي، فإن رئيس الكهنة العظيم والوحيد يكون بينهم. والأمر نفسه يحصل عندما يُكرز بالإنجيل أو يجتمع المؤمنون للقيام بأعمال المحبة وإحياء الرابطة الأخوية، لأن “المقرَّب والمقرِّب” يجعل “الكل في الكل” (كول3: 11، 2كو13: 3).

ج – الخبز الحي المنحدر من السماء

قال الرب لموسى: “ها أنا ممطر لكم خبزاً من السماء فليخرج القوم ليلتقطوه، طعام كل يوم في يومه” (خر16: 4). “اضرب الصخرة، فإنه يخرج منها ماء فيشرب الشعب” (خر17: 6، عد20: 7 – 11).

حصل هذان الحدثان للشعب الإسرائيلي في العهد القديم، ولكن بولس الرسول أشار إليهما: “إن آباءنا كانوا كلهم تحت الغمام… وكلهم أكلوا طعاماً روحانياً واحداً، وكلهم شربوا شراباً روحانياً واحداً، فقد كانوا يشربون من صخرة روحانية ترافقهم، وهذه الصخرة هي المسيح” (1كو10: 1 – 5).

فالمسيح هو الي تبعه الشعب السائر نحو أرض الميعاد عبر البريّة. وهو الذي أعطى الشعب منّا ليشبع، وماء ليطفىء ظمأه. وأعلن الربّ نفسه، بعد تجسّده، أن هذه الأحداث التي حصلت ابّان العهد القديم كانت مثالاً وصورة لـ”خبز الحياة” أي للإفخارستيا الإلهية: فقال لهم يسوع: “الحق الحق أقول لكم إن موسى لم يعطكم خبز السماء، بل أبي يعطيكم خبز السماء الحق، لأن خبز الله هو الذي ينزل من السماء ويعطي العالم الحياة” فقالوا له “سيّدي، أعطنا من هذا الخبز دائماً وأبداً”. فأجابهم يسوع: “انا خبز الحياة. من يأتني فلن يجوع، ومن يؤمن بي فلن يعطش أبداً. على أني قلت لكم: تروني ولا تؤمنون. كل ما أعطانيه الآب يجيء إليّ، ومن جاء إليّ لا ألقيه في الخارج. فما نزلت من السماء لأتمّ مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني. ومشيئة الذي أرسلني ألاّ أهلك شيئاً ممّا أعطانيه، بل أقيمه في اليوم الأخير. أجل، مشيئة أبي هي أن من رأى الإبن وآمن به كانت له الحياة الأبدية، وأنا أقيمه في اليوم الأخير. أجل، مشيئة أبي هي أنّ من رأى الإبن وآمن به كانت له الحياة الأبدية، وأنا أقيمه في اليوم الأخير”. فتذمّر اليهود عليه لأنه قال: أنا الخبز الذي نزل من السماء، وقالوا: “أليس هذا يسوع ابن يوسف؟ ونحن نعرف أباه وأمه، فكيف يقول الآن: إني نزلت من السماء؟” فأجابهم يسوع: “لا تتذمروا فيما بينكم. ما من أحد يستطيع المجيء إليّ إلا إذا اجتذبه الآب الذي أرسلني. وأنا أقيمه في اليوم الأخير. كُتب في أسفار الأنبياء: كلهم سيكونون تلامذة للربّ. فمن سمع الآب وتعلم منه  جاء إليّ، لا لأن أحداً رأى الآب، بل من أتى من لدن الآب، هو الذي رأى الآب. الحق الحق أقول لكم: من آمن فله الحياة الأبدية. أنا خبز الحياة. آباؤكم أكلوا المنّ في البرية وماتوا. هوذا الخبز النازل من السماء ليأكل منه الإنسان فلا يموت. أنا الخبز الحيّ الذي نزل من السماء، من يأكل هذا الخبز يحيا الى الأبد. والخبز الذي أنا أعطيته هو جسدي الذي أبذله ليحيا العالم. فأخذ اليهود يجادل بعضهم بعضاً، وقالوا: “كيف يستطيع هذا أن يعطينا جسده لنأكله؟” فقال لهم يسوع: “الحق الحق أقول لكم: إذا تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فلن تكون فيكم الحياة. من أكل جسدي وشرب دمي فله الحياة الأبدية، وأنا أقيمه في اليوم الأخير. لأن جسدي طعاماً حقاً، ودمي شراب حقاً. من أكل جسدي وشرب دمي، أقام فيّ وأقمت فيه. وكما أنا أحيا بالآب الحي الذي أرسلني، فكذلك يحيا بي من يأكلني. هوذا الخبز الذي نزل من السماء، غير الذي أكله آباؤكم ثم ماتوا. من يأكل هذا الخبز يحي الى الأبد. قال هذا وهو يعلّم في مجمع كفرناحوم. فقال كثير من تلاميذه لمّا سمعوه: “هذا كلام عسير من يطيق سماعه؟” فعلم يسوع في نفسه أن تلاميذه يتذّمرون، فقال لهم: “أهذا يبعث الشك فيكم؟ فكيف لو رأيتم ابن الإنسان يصعد الى حيث كان قبلاً. إلاّ أن الروح هو الذي يحيي، وأما الجسد فلا يجدي نفعاً، والكلام الذي كلمتكم به روح وحياة، ولكن فيكم من لا يؤمنون” (يو6: 32 – 64).

يشهد هذا المقطع الإنجيلي أن المسيح، رئيس الكهنة الوحيد، قدّم وما يزال يقدّم الى المؤمنين خبز الحياة الحقيقي، أي جسده نفسه. وهو ليس جسداً مائتاً، نتناوله نحن بواسطة أجسادنا المائتة. فالحقيقة أنا التلاميذ لم يدركوا معنى أقوال الربّ، لذلك قال لهم إن الجسد المائت لا يفيد شيئاً، لكن الخبز الذي يقدّمه المسيح ممتلىء من الروح الذي يحييه ويجعله نبع الحياة الأبدية. فليس المقصود إذاً جسد الربّ في حالة مائتة، بل جسده الناهض المتأله. وهذا ما يصير إليه الخبز في سرّ الشكر الإلهي.

د – الكهنوت في الكنيسة

ورد في العهد الجديد أن وعد الله لإبراهيم: “لنسلك أُعطي هذه الأرض” (تك12: 7) يشير الى المسيح (غلا3: 16 – 17) وإلى “أبناء الله في الإيمان بيسوع المسيح” وفي المعمودية المقدّسة (غلا3: 26 – 27، أنظر3: 7 – 9). فهؤلاء هم أحفاد ابراهيم الحقيقيون (تك21: 12، رو9: 6 – 8). ولا يوجد أي إختلاف بينهم، فهم جميعاً متساوون في الكرامة، لأنهم “إنسان واحد في المسيح يسوع” (غلا3: 28، 1كو12: 13، كول3: 11). ما يختلف فيهم هو الخدمة التي يؤديها كل منهم في الجسد الواحد، أي تنوع المواهب التي منها تتشكل وحدة جسد الكنيسة الواحد.

وهذا ما يصفه بولس الرسول بقوله: “إن المواهب على أنواع وأمّا الروح فواحد، وإن الخدمات على أنواع وأما الرب فواحد، وإن الأعمال على أنواع وأما الله الذي يعمل كل شيء في جميع الناس فواحد. لكن كل واحد ويتلقى من تجليات الروح لأجل الخير العام” (1كو12: 4 – 7).

ذكرنا سابقاً أن المسيح هو “راعي الخراف” و “المعلّم” الوحيد. ولم يكن مسموحاً أن يدعى أحد “معلّماً” (متى 23: 8) أو “أباً” بالمعنى الذي نسمي به الله أبانا (متى23: 9). ولكن الله جعل خدمَتَيْ “الراعي” و “المعلّم” بين المواهب التي يوزعها بنفسه “ليجعل القديسين أهلاً للقيام بتلك الخدمة التي ترمي الى بناء جسد المسيح” (أف4: 11 – 12، 1كو12: 27 – 29).

وقد اعتُبر الرسل أنفسهم آباء روحيين لأولئك الذين جدّدتهم نعمة الله بواسطة بشارتهم (1كو4: 15، 2كو6: 13، 12: 14، غلا4: 19، فيلمون10، 3يو4، أنظر أيضاً الملوك الرابع 2: 12، 6: 21، 6: 13 – 14). وأوصوا بإكرام العمال الروحيين وطاعتهم (1كو16: 16، فيليبي 2: 29 – 30، 1تس5: 12 – 13، عب13: 17).

ونلاحظ في الذبيحة الفريدة التي قدّمها رئيس الكهنة الوحيد “مرة واحدة والى الأبد” (عب7: 27)، أن الرب يؤكد لتلاميذه أن الخبز والخمر، المباركين في العشاء السرّي، قد تحولا الى جسده ودمه نفسيهما (متى 26: 26 – 28، مر14: 12 – 24، لو22: 19 – 20)، وأنه جعل مساهمة الإنسان في الحياة الأبدية وقفاً على تناول جسده ودمه (يو6: 48 – 49). ولهذا السبب أوصى تلاميذه أن يقيموا هذا السرّ الخلاصي (لو22: 19، 1كو11: 24 – 25).

ولا شك في أن إقامة هذا السرّ تعني تذكاراً وإعلاناً لذبيحة الرب الوحيدة (لو22: 19، 1كو11: 26). ولكن أهميته لا تقتصر على التذكار، كما يدّعي الهراطقة، ففي هذا السرّ المقدّس يتم فعلاً تحوّل الخبز الى جسد الربّ، والخمر الى دمه. ولم يكن لدى الرسل والكنيسة الأولى أي شك في هذه المسألة: “أليست كأس البركة التي نباركها مشاركة في المسيح؟ أليس الخبز الذي نكسره مشاركة في جسد المسيح؟ فنحن جسد واحد لأنه ليس هناك إلا خبز واحد، ونحن على كثرتنا جسد واحد لأننا نشترك في هذا الخبز الواحد” (1كو10: 16 – 17). ولذا أوصى القديس بولس مسيحي مدينة كورنثوس أن يعتبروا الرسل “خدماً للمسيح ووكلاء أسرار الله” (1كو4: 1).

ولكن الربّ أعطى تلاميذه، إضافة الى سلطة إقامة سرّ الشكر الإلهي ، القدرة على حل خطايا البشر أو ربطها (متى 18: 18، يو20: 21 – 23). وفي عرف الكتبة أن الله وحده يملك هذا الحق. وبإمكاننا نحن أن نقبل عرفهم بسهولة، غير أن المسألة تكمن في عدم قبول الكتبة للاهوت المسيح. لذلك ادّعوا أنه قد جدّف لمّا نسب هذا الحق الى نفسه (متى9: 3، مر2: 7).

هذا لا يعني أن المسيح يتخلّى أو يتنازل لأحد عن كهنوته الفريد. فهو يبقى “كاهناً الى الأبد على رتبة ملكيصادق” (مز109، عب7: 21). لكن كل مسيحي يصير عضواً في جسد الرب الواحد الوحيد، بالمعمودية المقدّسة، ويشترك في قداسة المسيح فيتقدس شخصياً، بمساهمته في حياة الكنيسة، فيكون كهنوت البشر اشتراكاً في كهنوت المسيح. وعلى هذا المنوال يغدو الرسل وخلفاؤهم صوراً منظورة لحضور المسيح داخل الكنيسة، فيحققون وحدة جسده.

السلطة الرسولية ليست سلطة شخصية للبشر الذين دعاهم المسيح ليصيروا أدوات نعمته، بل سلطة خدمة ترتبط داخلياً بالكنيسة التي هي “ملء المسيح”. ونرى في الكتاب المقدس إشارة الى هذه السلطة المرتبطة بالمسيح والكنيسة كلها، فقد قال الربّ لتلاميذه: “كما أرسلني الآب أرسلكم” (يو20: 21). و “من قَبِلَكم وسمع كلامكم فقد قَبِلَني وسمع كلامي” (متى10: 40، أنظر لو10: 16، يو13: 20).

لم يشك الرسل مطلقاً في أن الرب هو “الذي يعمل كل شيء في جميع الناس” (1كو12: 6). ويقول الرسول يوحنا بوضوح: “إذا اعترفنا بخطايانا فإنه (المسيح) أمين عادل يغفر لنا الخطايا ويطهرنا من كل إثم” (1يو1: 9، أنظر أمثال28: 13). وإذن، لم يقولوا كلاما خاصاً بهم، بل كانوا يكرزون بكلام المسيح، و “بفمه” (أنظر متى10: 40، 28: 20)، ويتحدثون بما يليه عليهم الروح القدس (1كو2: 13، أع15: 28). ولم تكن سلطتهم ذاتية بل سلطة المسيح نفسه (1يو1: 9)، لذلك فإنهم فعلوا كل شيء باسم المسيح. أو كما قال بولس الرسول: “وأما نحن فلنا فكر المسيح” (1كو2: 16). فكهنوت الرسل كان اشتراكاً في كهنوت المسيح، ووجودهم ضماناً لحضور المسيح وفعالية الروح القدس داخل الكنيسة (1كو12: 3). وهذا هو سرّ حضور الكنيسة العظيم.

هـ – موقع الأساقفة في الكنيسة

في الفترة التي تلت العصر الرسولي انتقل موقع الرسل في الكنيسة، كما حدّده الكتاب المقدّس، الى الأساقفة. وقد ذكر إقليمس أسقف روما في أواخر القرن الأول أن الرسل بشّروا “بملكوت الله” وعمّدوا كل من آمن ببشارتهم، ونظموا الكنائسس فأقاموا  فيها “أساقفة وشمامسة”. وأضاف ” وهذا ليس بجديد. فمنذ سنوات عديدة كُتب في شأن الأساقفة والشمامسة: إنهم رتبوا أساقفتهم بالعدل وشمامستهم بالإيمان”.

الآية التي يستشهد بها أقليمس موجودة في سِفر أشعياء النبي الذي تحدّث عن مجد أورشليم الجديدة، أي الكنيسة التي ستغدو “فخر الدهور وسرور جيل فجيل” (أش60: 17)، لأن الله يقول “سأجعل وُلاتك سلاماً ومسخّريك عدلاً. فلا يسمع من بعد بالجور في أرضك، ولا بالدمار والحطم في تخومك، بل تدعين أسوارك خلاصاً وأبوابك تسبيحاً” (أش60: 17 – 18).

وشهادة أقليمس ليست الوحيدة في الكنيسة الأولى. فبعد سنوات قليلة يكتب القديس أغناطيوس أن الأساقفة يقومون “مقام الله” ويحاطون بالشيوخ (الكهنة) الذين يطلق عليهم اسم “مجمع الله” لأنهم “في مقام مجمع الرسل” : أيها الأساقفة اعتنوا بالكهنة والشمامسة… إقتدوا بيسوع المسيح مثلما اقتدى هو بأبيه”.

كانت سلطة الأسقف في الكنيسة الأولى سلطة المسيح والكنيسة ولم تكن سلطة شخصية. وكما أن الرسل كان لديهم “فكر المسيح” (1كو2: 16)، والقرارات التي كانوا يتّخذونها في المسائل الكنسية تتم بإرشاد الروح القدس (أع15: 28) وليس من لدنهم، فإن القديس إغناطيوس يعتبر أن الرسل كان لديهم “رأي يسوع المسيح”، أي أنهم لم يفرضوا وجهات نظرهم الذاتية بل أظهروا دائماً رأي المسيح يسوع: “أحرصوا إذاً على أن تثبتوا تعليم الرب والرسل، لكي يتوّج بالنجاح كل ما تصنعونه”.

إن الأسقف المُقام داخل جسد الكنيسة لا يعبّر عن رأي المسيح وحسب، بل يُظهر أيضاً الأسقف الوحيد غير المنظور، يسوع المسيح، ويكون ضمانة لهذا الظهور. فهو الذي يُظهر المسيح الربّ في أسرار الكنيسة، وفعالية نعمة الروح القدس داخل الكنيسة كلها. لذا يقول القديس أغناطيوس: “حيثما يظهر الأسقف فهناك يكون الشعب، وحيثما يكون المسيح فهناك تكون الكنيسة الجامعة”. ويضيف أن الشيء الوحيد الثابت والمضمون إنما هو “الإكليل الروحي”، أي سرّ الشكر الذي يقيمه الأسقف أو من يكلّفه بذلك من الكهنة.

لكن إمتيازات الأسقف لا ترفعه فوق الكنيسة، بل يبقى دائماً في داخل شعب الله الذي يشكل، مع المسيح، الكنيسة بأجمعها. ويذكر أحد اللاهوتيين الأرثوذكسيين المعاصرين أن حقيقة الأسقف هي حقيقة الكنيسة، وأن خدمته هي خدمة داخل الكنيسة. فالأسقف والمؤمنون يشكّلون وحدة عضوية لا يمكن أن تنفصم: “من دون الأسقف لا يوجد مؤمنون أرثوذكسيون، ومن دون المؤمنين الأرثوذكسيين لا يوجد أسقف. أما القديس كبريانوس فيقول: “إن الأسقف يكون في الكنيسة، والكنيسة تكون في الأسقف”، ويكتب الى كهنة كنيسته ذاكراً لهم أنه لا يصنع شيئاً من دون استثارتهم وبغير موافقة الشعب، فيذكّرنا بتلك العبارة الجميلة الواردة في أعمال الرسل: :كانت جماعة المؤمنين (في الكنيسة الأولى) قلباً واحداً ونفساً واحدة” (أع4: 32).

من هذه الأقوال كلها نخلص الى أن الأسقف مدعو دائماً الى إدراك علاقته بجسد الكنيسة، ولا سيّما بالمسيح الذي هو رأسها، حتى يكون دائماً “في رأي يسوع المسيح” (إغناطيوس الإنطاكي، أنظر1كو2: 16، أع15: 28)، أي رجل محبة وخادماً للجميع على مثال المسيح (متى20: 26 – 28، 23: 11، مر9: 35، 10: 43 – 44، لو22: 2). لأنه “إذا كنت أنا الربّ والمعلّم قد غسلتُ أقدامكم، فيجب عليكم أنتم أيضاً أن يغسل بعضكم أقدام بعض. فقد جعلت لكم من نفسي قدوة لتصنعوا ما صنعت إليكم” (يو13: 14 – 15).

الأسقف مدعو إذاً الى أن يكون، في عمله الأسقفي، خادماً للجميع، فيأخذ بيد الإنسان الضعيف الذي يعاني ويصير أباً له. فأسلحته وقواه ليست على غرار مثيلاتها عند سلاطين هذا العالم. لأنه مدع الى أن يسيطر بالمحبة والإقناع والشهادة. “أرعوا قطيع الله الذي وُكل إليكم واحرسوه طوعاً لا كرأهاً، كما يريد الله، لا رغبة في مكسب خسيس بل لما فيكم من حميّة. ولا تتسلّطوا على الذين هم في رعيتكم، بل كونوا قدوة للقطيع. ومتى ظهر راعي الرعاة تنالون إكليلاً من المجد لا يذوي” (1بط5: 2 – 4، أنظر حز34: 1 – 31).

أثناء رسامة الأسقف يبتهل مترئس الخدمة: “…أنت، أيها المسيح، إجعل هذا أيضاً مدبّراً لنعمتك الكهنوتية. إجعله مقتدياً بك أنت الراعي الحقيقي، واضعاً نفسه من أجل خرافه. ليكون قائداً للعميان ونوراً للذين في الظلمة ومربّياً للأيتام ومعلّماً للأطفال وكوكباً في العالم…. لأن لك أن ترحمنا وتخلصنا يا الله…”.

و – التسلسل الرسولي

إذا كان الأسقف ضمانة لحضور المسيح داخل الكنيسة، فهذا يعني نظاماً دائماً وليس حضوراً آنياً وحسب، لأن المسيح يبقى معنا “الى إنقضاء الدهر” (متى 28: 20). ولكن، ما هو المقياس الذي يؤمّن استمرار الرتبة الأسقفية ويمنع كل زيف في هذا المجال؟ إنه التسلسل الرسولي، أي كون الرسامة الأسقفية حاصلة دائماً على أساس الرسل. وهذا ما يمكن تسميته هيكل الكنيسة التي يبقى المسيح باستمرار رأساً لها.

التسلسل الرسولي هو الوسيلة التي تحافظ، عبر الدهور، على هوية جسد الكنيسة وعلى وحدته. وهذا التسلسل ليس ابتداعاً متأخر، بل يمثّل إرادة المسيح والرسل، كما يظهر في كتاب العهد الجديد، حيث نرى الرسل يبشّرون في مناطق مختلفة ويعمّدون كل من يؤمن ببشارتهم، وينظّمون حياة الكنائس التي يؤسسون، فينتخبون من بين المؤمنين شخصاً قادراً ومؤهلاً، ويجعلونه على رأس الكنيسة المحلية. ثم يوصونه أن يختار بدوره عدداً آخرا من المؤمنين المؤهلين، فيقيمهم “كهنة وشمامسة”. وهكذا اختار بولس الرسول تيطس وأقامه على كنيسة كريت، ثم كتب إليه: “تركتك في كريت لتتم فيها تنظيم الأمور وتقيم كهنة في كل بلدة كما أوصيتك” (تيطس1: 5). ثم يعدّد له الشروط التي ينبغي أن تتوفر في كل أسقف (تيطس1: 6…). أما تيموثاوس فتركه الرسول في أفسس، ثم نبهه الى أن “يحيي الهبة التي جعلها الله له بوضع اليد (يد بولس)” (2تيم1: 6، أنظر1تيم4: 14).

إذن، فقد أقام الرسل في الكنائس المحليّة أشخاصاً مسؤولين، وأوكلوا إليهم العناية بالمؤمنين ورعايتهم. وقد أقاموهم بالرسامة التي تمنح “نعمة الله”، وتفرض على المرسوم أن ينقلها بدوره الى الآخرين بالطريقة التي تعلّمها من الرسل: “كما أوصيتك” (تيطس1: 5). وهذه الرسامة لم تكن احتفالاً بسيطاً، بل كانت لها صفة النعمة الأسرارية، لذلك يطلب بولس الرسول من تيموثاوس: “لا تعجّل في وضع يدك على أحد” (ت1تيم5: 22، أنظرأع14: 23، 20: 28).

التسلسل الرسولي هو نقل “نعمة الله” من الرسل الى رؤساء الكنائس، ومنهم الى الآخرين، على أساس سلسلة متواصلة لم تنقطع حتى اليوم. وهكذا فإن كهنوت أساقفة كنيستنا الأرثوذكسية الحاليين وسائر الإكليركيين يعود الى الرسل، ومنهم الى المسيح نفسه. فوحدة الكنيسة قائمة على سمات وعلامات منظورة، مما يؤكد استمراريتها وعدم وقوعها في خطر الضلال عند ظهور البدع والهرطقات.

الأسقف شخص محدّد حقيقي يمكن لكل إنسان أن يتأكد من اتحاده بالكنيسة عبر القرون والأجيال، لأنه يشهد على ظهور المسيح المتواصل وعلى وحدة الكنيسة الدائمة. فإذا علمنا من هو الأسقف نستطيع أن نعرف أين هي أسرار الكنيسة المقدّسة، وأين هي الكنيسة الحقيقية.

وكما أن المسيح قد وضع الرسل الى جانبه، فإن الأسقف، الذي هو صورة المسيح المنظورة، يكون محاطاً بالكهنة والشمامسة. وبهم يتحد شعب الله كله في وحدة لا تنفصم، فتتألف الكنيسة منهم جميعاً، ويكون المسيح على رأسها.



[1]– راجع أيضاً: “الأسقف في الكنيسة”، سلسلة “تعرّف الى الكنيسة” رقم 16 منشورات النور، 1984 و”الكنيسة الأرثوذكسية، إيمان وعقيدة” لتموثي وير – السلسلة نفسها رقم 12 منشورات النور (الناشر).

انتهاء العالم

انتهاء العالم

الخورية سميرة عوض ملكي

(عن نشرة الكرمة)

اليوم، يجد الانسان نفسه أمام إنجازات علميّة مدهشة. ومعروف جداً، أنّ كنيستنا الأرثوذكسية تُظهِر احتراماً واسعاً وعميقاً لأي إنجاز علمي مثمر. لكنّها، في الوقت عينه، ضد الإعلانات العلميّة وغير العلميّة، التي قد تحرم الإنسان من أصالته وقدسيّته وتزعزع إيمانه. هنا، نحدّد بعض الإعلانات التي تثير قلق بعض الناس هنا وهناك، وحتّى المؤمنين منهم. فمثلاً، يصف أصحاب الاختصاص في الأمور البيئية مستقبلَ كوكبِنا بألوان داكنة جداً، ويتحدّثون عن دمار شامل قد يؤدي إلى نهاية العالم. ومثله تلك الإعلانات المتكررة التي تربط هذه النهاية بتواريخ وحسابات وتخمينات لا تصحّ ولا تتحقق، يطلقها أشخاص ينتحلون صفة العلم.

فكيف نميّز التعليم الكاذب من التعليم الصحيح؟ الواقع أنّ الإنجيلي متّى عبّر على لسان التلاميذ، في سؤالهم السيّد المسيح عن مجيئه الثاني، عمّا يدور في أذهان البشرية في كل العصور، وهو الرغبة في معرفة المستقبل وتحديد الأزمنة: “وَفِيمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ، تَقَدَّمَ إِلَيْهِ التَّلاَمِيذُ عَلَى انْفِرَادٍ قَائِلِينَ:«قُلْ لَنَا مَتَى يَكُونُ هذَا؟ وَمَا هِيَ عَلاَمَةُ مَجِيئِكَ وَانْقِضَاءِ الدَّهْرِ؟ فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ:«انْظُرُوا! لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ.  فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: أَنَا هُوَ الْمَسِيحُ! وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ».” (متى 3:24-5).

يؤكّد الكتاب المقدّس بعهديه، القديم والجديد، أنّ زمن مجيء الرب لن يعرفه أحد (دا 8:12-9، متى 36:24، مر 32:16، 2بطر 10:3). لهذا، لم يحدد السيد المسيح مواعيد بل اكتفى بتقديم العلامات لتلاميذه، لا ليعرفوا الأزمنة بل لكي لا يخدعهم المضللون، ويخدعونا نحن أيضاً ومَن يأتي بعدنا.

أمّا ثمر هؤلاء الأنبياء الكذبة فيظهر في أيامنا جلياً، إذ يتجاسر بعض المضلّين فيحددون زمناً معيّناً لمجيء الرب أو لنهاية العالم. مما لا شكّ فيه أنّ العلامات التي تحدّث عنها السيّد المسيح ستتحقق حرفياً قبل مجيئه الأخير. هذا ليس بالأمر العجيب، فإننا نعلم اليوم عن تساقط بعض النجوم وعن حدوث بعض الانفجارات الشمسية، وعن قيام حروب وحدوث كوارث طبيعية، وما إلى هناك من كوارث عامة.

حقّاً إنّه لا بدّ، لكي يأتي ملكوت المسيح الأبدي في كمال مجده، من أن تزول هيئة هذا العالم الحاضر ليتبعه عالم جديد، وعوض الكواكب المنظورة يضيء المسيح نفسه لكونه شمس الخليقة الجديدة وملكها. إلا أنّنا نؤمن أنّ الزمن يكتسب بعداً جديداً بمجيء المسيح. فالمؤمنون، في فجر الكنيسة، قد لبسوا نور الفصح والعنصرة، ولهذا اعتقدوا أن المسيح سيأتي مباشرة. فالرسول بولس كان يداعبه الأمل بأن يكون حياً يرزَق أثناء المجيء (اتسا 17:4). والرسول بطرس يذكر أيضاً في رسالته الأولى بأنّ نهاية كلّ شيء قد اقتربَت (1بط 7:4). لكنّ الرب لا يقيس الأزمنة كما يقيسها البشر: “إنّ يوماً واحداً عند الرب كألف سنة وألف سنة كيوم واحد” (2بط 8:3). فهذا الإيمان والانتظار كان مصدر فرح ورجاء لهم، لم يثنِهم عن البشارة ولم يلقِ بهم في الخوف أو يزرع فيهم الرعب، كما يحدث في هذه الأيام.

إنّ ما ينطبق على الطبيعة والعالم المادي يمكن تطبيقه على كلّ عضو مؤمن في الكنيسة. كلّ النهايات يحددها الله وحده ولا أحد يعرفها غيره. لذا إذا مال المؤمن إلى أفكار ضد المسيح أو فقد إيمانه، فإن شمسه الداخلية تظلم وقمره لا يعطي ضوءه، لأن قلبه يفقد النور ويتحوّل إلى مملكة الظلمة، وتهوي كل مواهبه كالكواكب متساقطة من الحياة السماوية المقدّسة إلى هاوية الفساد، لأنّ الشمس السماوية تظلم أو تشرق ببهاءٍ بحسب الإيمان.

سر الثالوث الأقدس

القسم الثاني

 

سر الثالوث الأقدس

 

الأب جورج عطية

(من أمالي مادة العقائد)

مقدمة

ما يميّز الكنيسة الأرثوذكسية أو المسيحية بصورة رئيسية عن سائر الديانات هو اعتقادها بسر الثالوث الغريب (صلب الإيمان) كما يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي والذي عليه ترتكز بقية عقائدها. لا بل أن اللاهوت ذاته بحسب الآباء هو سر الثالوث. وحتى الإعلان الإلهي ما هو إلاّ إعلان بصورة خاصة لسر الثالوث ولهذا فسر الثالوث ليس فقط الأساس بل هو الهدف الأسمى للاهوت. لأنه بحسب تعبير القديس مكسيموس المعترف “أن نعرف كلياً سر الثالوث معناه أن نصير في وحدة كلية مع الله، أي أن نصل إلى تأله الكائن البشري، إلى الحياة الإلهية التي هي بحد ذاتها حياة الثالوث الأقدس، عندئذ فقط نصبح بحسب ما عبر عنه القديس بطرس “شركاء الطبيعة الإلهية”. في دراستنا لهذا السر سوف نتبع ما أعلن عنه بالتدريج في الكتاب المقدس ومن ثم نقدم ملخصاً عما علمته الكنيسة في هذا الصدد.

سر الثالوث المقدس بحسب إعلان العهد القديم

“وظهر له الرب عند بلوطات ممرا وهو جالس في باب الخيمة وقت حر النهار فرفع عينيه ونظر وإذا ثلاثة رجال واقفون لديه. فلما نظر ركض لإستقبالهم من باب الخيمة وسجد إلى الأرض. وقال يا سيد إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك” (تكوين 18: 1 – 3).

وظهر ملاك الرب بلهيب نار من وسط عليقة. فنظر وإذا العليقة تتوقد بالنار والعليقة لم تكن تحترق. فقال موسى لأميلن الآن لأنظر هذا المنظر العظيم لماذا لا تحترق العليقة، فلما رأى الرب أنه مال لينظر ناداه الله من وسط العليقة وقال موسى موسى فقال ها أنذا (خروج 3: 2 – 4).

“في سنة وفاة عزيا الملك رأيت السيد جالساً على كرسي عال ومرتفع وأذياله تملأ الهيكل والسيرافيم واقفون فوقه لكل واحد ستة أجنحة بإثنين يغطي رجليه وبإثنين يغطي وجهه وبإثنين يطير… وهذا نادى ذاك وقال قدوس قدوس قدوس مجده ملء كل الأرض… ثم سمعت صوت قائلاً من أرسل ومن يذهب من أجلنا” (أشعياء6: 1 – 10).

“كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحاب السماء مثل إبن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة سلطانه سلطان أبدي لن يزول وملكوته لا ينقرض” (دانيال 7: 13 – 14).

جوهرياً ليس من فرق بين تعليم العهد القديم وتعليم العهد الجديد عن سر الثالوث الأقدس. لأن الله الثلاثي الأقانيم الواحد في الجوهر وغير المنقسم، والذي أعلن عن ذاته في العهد الجديد هو ذاته الله الثلاثي الأقانيم الواحد في الجوهر وغير المنقسم والذي أعلن عن ذاته في العهد القديم، صحيح أن العهد القديم يشدّد بالأكثرية على وحدانية الله، ولا يتكلم بوضوح كاف عن سر الثالوث ولعل السبب، كما يرى بعض الآباء، أن العبرانيين كانوا محاطين بشعوب وثنية وقد يسقطون نتيجة لذلك في شرك تعدد الآلهة. إلا أن هذا لا يعني أن البطاركة وأنبياء العهد القديم لم يعرفوا سر الثالوث الأقدس. وبالطبع فهذه المعرفة كمعرفة رسل وقديسين العهد الجديد لهذا السر ليست عقلانية حسية، بل تفوق العقل والحس، إذ نمت عبر سر التأله، أي سر ظهور مجد الثالوث الإلهي أمام من أهلوا لذلك بواسطة النعمة الإلهية.

وفي الواقع فالعهد القديم يحفل بإشارات متعددة إلى الثالوث الأقدس، والتي كان دورها التهيئة لقبول هذا السر عند مجيء الإعلان الكامل بيسوع المسيح، إلا أنها على ضوء تفسير العهد الجديد والآباء تتجلى كدلائل واضحة عن سر الثالوث.

أ – الظهورات الإلهية:

نعطي كمثال عنها ظهور الله لإبراهيم عند بلوطات ممرا (تك18). إبراهيم يرى ويستقبل ثلاثة رجال، ولكنه يسجد لهم ويخاطبهم كما لو كانوا فرداً واحداً. “يا سيد إن كنت قد وجدت نعمة  في عينك فلا تتجاوز عبدك” (تك18: 3). من هنا فالأيقونة الأرثوذكسية التي تعبّر عن سر الثالوث هي أيقونة للملائكة الثلاثة الذين استقبلهم ابراهيم. في رأي المغبوط أوغسطين أن ابراهيم لما رأى الثلاثة فهم سر الثالوث. ولما سجد لواحد فقط أقرّ بالإله الواحد المثلث الأقانيم. أما الآباء عامة فيرون أن الملائكة الثلاثة كانوا ظهوراً رؤيوياً للأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، والذي عرفه ابراهيم فسجد له كإله، وحاوره بعد إنصراف الملاكين (تك18: 22، 19: 1). وأن هذا الأقنوم الثاني أي الإبن هو صاحب كل الظهورات الإلهية في العهد القديم لأنه هو الكلمة والمخبر عن الآب الذي لم يره أحد قط (يو1: 1 – 18). مهما يكن من أمر تبقى صيغة الظهور الثلاثي لإبراهيم إشارة واضحة إلى ثلاثية الأقانيم ووحدة جوهرهم، ومصادقة الآب والروح على ظهور وعمل الإبن. وفي الواقع فإن العهد القديم حافل بظهورات لملاك خاص متميز عن الملائكة العاديين المخلوقين لأنه تكلم ليس كمجرد ناقل لكلام الله. بل بصفته الله نفسه ولأنه كان هناك دائماً خوف وشعور عند من ظهر لهم بأنهم قد رأوا الله نفسه “أنا إله أبيك ‘له ابراهيم. إله اسحق وإله يعقوب. فغطى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر الى الله” (خر3: 1 – 15).

أ نظر تك16: 7 – 14، 21: 17 – 19، 22: 11 – 18، 48: 15 – 16. قض 6: 11 – 25 الخ. وهنا لا يجب أن يغيب عن البال أن كلمة ملاك في اللغتين العبرانية واليونانية تعني رسول أو مرسل  “فأي رسول أفضل من كلمة الله” (يو1: 1) “وبهاء رسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته” (عبرانيين 1: 3) ومن غيره يستطيع أن يصنع مشيئة الله ويعلنها بسلطان إلهي وأن يظهر بهيئات متنوعة تتناسب مع ظروف الرؤى المختلفة؟

هذا الملاك المرسل الإلهي غير المخلوق هو الذي قال عنه الله نفسه “ان اسمه فيه” “ها أنا مرسل ملاكاً أمام وجهك ليحفظك في الطريق، وليجيء بك إلى المكان الذي أعددته إحترز منه واسمع لصوته ولا تتمرد عليه، لأنه لا يصفح عن ذنوبكم لأن اسمي فيه” (خروج 23: 20 – 23) وعدد 20: 16.

فصرخنا إلى الرب فسمع صوتنا وأرسل ملاكاً وأخرجنا من مصر……….. خر3: 2و 14: 19 و 23: 20 و 33: 2. وسماه في مكان آخر “وجهه” وقال موسى للرب…. أنظر أن هذه الأمة شعبك، فقال وجهي يسير فأريحك. فقال له إن لم يسر وجهك فلا تصعدنا من ههنا” (خروج 33: 12 – 17). وهو من عرّف نفسه ليشوع بصفته رئيس جند الرب، وقال له كما قال لموسى قبله: “إخلع نعلك من رجلك لأن المكان الذي انت واقف عليه هو مقدّس” (يش5: 15، خر3: 5). وهو نفسه قال لنوح “لماذا تسأل عن اسمي وهو عجيب” (قض13: 16 – 22). أي الصفة ذاتها التي وصف فيها النبي أشعياء الإبن المتجسد. “لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرئاسة على كتفه ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً…..” (1ش9: 6).

ملاك العهد القديم، اذن أي المرسل الذي عرف بأنه الرب والله ويهوه، وقاد الشعب في البرية، وأرض الميعاد والسبي وهو نفسه الذي وصفه ملاخي بـ”ملاك العهد” الذي يرسل لينقي شعبه (ملا3: 1 – 6)، أي نفسه هو عمانوئيل (الله معنا) في العهدين القديم والجديد، والذي كانت ظهوراته قبل التجسّد مقدّمات وتهيئات لتجسده وخلاصه (1كو10: 1 – 4).

ولا يخفى بأن مفهوم الآباء للظهورات الإلهية ليس كمفهوم الاريوسيين الذين يدّعون بأن الإبن هو مرسل من الآب كإله من درجة ثانية، بل الآباء يشددون بأن كل ظهور إلهي هو ظهور غير منفصل للأقانيم الثلاثة معاً عبر مجدها الواحد. أي أن كل ظهور للإبن هو أيضاً ظهور للآب فيه بالروح القدس، لأن الإبن هو صورة الآب (يو14: 6)، ولأن الروح اشترك ويشترك في كل عمل إلهي إن كان في العهد القديم (حج2: 5) أو في العهد الجديد (1كو10: 4 – 6).

هذا الرأي يثبته بصورة خاصة في العهد القديم تجلّي الله بمجده لأشعياء النبي في الهيكل. والسيرافيم واقفون حول عرشه وصارخون فيما بينهم قدوس، قدوس، قدوس رب الجنود مجده ملء الأرض (1اش6: 3). لأن بتثليث السيرافيم للتقديس إشارة إلى أقانيم الثالوث، وبقولهم رب الجنود تأكيد لوحدة جوهره. الرسولان يوحنا الإنجيلي وبولس يستشهدان بهذه الرؤيا، الأول ليظهر أن أشعياء قد رأى مجد المسيح أي الإبن (يو12: 14). أما الثاني فليبيّن أن من كلّم أشعياء النبي كان الروح القدس (1ع28: 25 – 26). فإذا أخذنا بيعين الإعتبار ما قاله السيّد في الرؤيا ذاتها أمام أشعياء مستعملاً صيغة المفرد والجمع معاً: “من أرسل من يذهب من أجلنا” (اش6: 8) ألا يصبح كل هذا دليلاً أكيداً على وحدة السيد المثلث الأقانيم؟

ب – نبؤات تشير إلى ألوهية الإبن المتجسد

  1. “ها إن العذراء تحبل وتلد إبناً وتدعو اسمه عمانوئيل أي الله معنا” (اش7: 14، أنظر متى1: 23).
  2. “ها أيام تأتي يقول الرب وأقيم لداود غصن بر فيملك ملك وينجح ويجرى حقاً وعدلاً في الأرض. في أيامه يخلص يهوذا ويسكن إسرائيل آمناً وهذا هو اسمه الذي يدعونه به الرب برنا” (ار23: 5 – 26 أنظر اكو1: 30).
  3. ٍ”أما انت يا بيت لحم افراثة، وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا فمنك يخرج الذي يكون متسلطاً على اسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل” (ميخا5: 2، أنظر متى2: 5 – 6).
  4. “هلموا نرجع إلى الرب….. لأنه افترس فيشفينا، ضرب فيجبرنا، يحيينا بعد يومين، وفي اليوم الثالث يقيمنا فنحيا” (هو6: 1 – 2).
  5. “ارفعن رؤوسكن أيتها الأبواب وارتفعن أيتها المداخل الأبدية فيدخل ملك المجد. من هذا ملك المجد؟ رب الجنود هو ملك المجد” (مز23 أو 24: 7 – 10، أنظر مر16: 19، 1كو2: 8).
  6. “كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحاب السماء مثل إبن انسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدّامه. فأعطى سلطاناً ومجداً وملكوته لتتعبّد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض” (دانيال7: 13).

هذه الآيات الست، والتي هي نموذج عن نبؤات العهد القديم الماسيانية تشدّد من خلال إشارتها إلى تجسّد المخلص وميلاده وقيامته وصعوده وانتشار سلطانه ومجده، على ربوبيته فتسميه “الله معنا” و “الرب برنا” والأزلي والرب وملك المجد الذي هو رب الجنود (يهوه) وصاحب سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته لا ينقرض.

ج – آيات تشير إلى أكثر من أقنوم واحد معاً.

آيات تشير الى الآب والإبن

  1. “من صعد الى السموات ونزل؟ من جمع الريح في حفنتيه؟ من صرّ المياه من ثوب؟ من ثبّت جميع أطراف الأرض؟ ما اسمه وما اسم ابنه ان عرفت؟” (ام30: 4 أنظر يو3: 13).
  2. “من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك” (مز109: 3) سبعينية يقابلها “من رحم الفجر لك طل حداثك” (مز110: 3) عبرية.
  3. “قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معاً على الرب وعلى مسيحه…… أما أنا فقد مسحت ملكي على صهيون جبل قدسي (مز2: 2).
  4. “لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرئاسة على كتفه ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام” (اش9: 6).
  5. “كرسيك يا الله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك أحببت البر وأبغضت الإثم، من أجل ذلك مسحك الله إلهك بزيت الإبتهاج أكثر من رفقائك” (مز45: 6) أنظر (عبر1: 8 – 14).
  6. “قال الرب لربي إجلس عن يميني حتى أضع أعداءك مواطئاً لقدميك” (مز110: 1).

في الآيتين الأولى والثانية يشير العهد القديم بالنبوءة إلى الآب والإبن المولود من قبل كل الدهور.

ففي الأولى يسأل عن إسميهما، ولكن يعطينا علامات لا تخطىء عنهما. كالصعود الى السموات والنزول، والخلق. وكما نعلم من العهد الجديد لم يصعد أحد الى السماء إلاّ الذي نزل من السماء إبن الإنسان الذي هو في السماء (يو3: 13) أي الإبن الذي تمجّد بالجسد بصعوده إلى السموات، واشترك مع الآب والروح في الخلق (يو1: 1 – 2، 2كولو1: 16 – 17).

  • أما  في الآية الثانية فيشدد على أزلية ولادة الإبن من الآب مستعملاً عبارتي “من البطن” و “قبل كوكب الصبح” في الترجمة السبعينية “من رحم الفجر” بحسب النسخة العبرية.
  • الآيتان الثالثة والرابعة تتحدثان عن ولادة الإبن الثانية في الزمن بالجسد ومسحته وملكوته. لكنهما لا تهملان الإشارة الى ولادته الأولى من الآب والتي تفوق الزمن. لأن الآب لا يكتفي بأن يقول في الآية الرابعة للإبن المتجسد “انت ابني” مشيراً إلى ولادته له قبل كل زمان بل يشدد على حقيقة ولادته الفعلية الدائمة له، وفي الزمان “أنا ولدتك” هذه الحقيقة تؤكدها الآية الرابعة إذ تسمى المولود إلهاً قديراً أباً أبدياً ولا يمكن لمن هو إله قدير وأبدي إلا أن تكون ولادته أزلية وأبدية.
  • الآيتان الخامسة والسادسة تطلقان كلمتي الله والرب على الآب والإبن مظهرتين بجلاء لا لبس فيه ألوهية وربوبية الإثنين معاً. فالخامسة تطلق كلمة الله نفسها على الإبن وعلى الآب مشيرة إلى الملك الدهري للإبن ومسح الله الآب له بسبب قداسته واستقامته (أعمال10: 38). وبالطبع فهذا المسح حصل أثناء تجسده، ولهذا فهو المسيح والله الآب هو إلهه، لأنه اتخذ، كطبيعة ثانية له، جسداً مخلوقاً.

آيات تشير الى الآب والروح القدس

  1. “وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه” (تكوين1: 2).
  2. “روح الرب تكلّم بي وكلمته على لساني” (1صمو10: 6).
  3. “لا تطرحني من أمام وجهك وروحك القدوس لا تنزعه مني” (مز51: 11 عبرى50: 11 سبعينية).
  4. “فنزل الرب في سحابة وتكلم معه وأخذ من الروح الذي عليه وجعل على السبعين رجلا الشيوخ” (عدد11: 25).
  5. “جعلوا قلوبهم ماساً لئلا يسمعوا الشريعة والكلام الذي أرسله رب الجنود بروحه عن يد الأنبياء” (زكريا7: 12).
  6. “روحك الصالح يهديني في أرض مستقيمة” (مز143: 10).
  7. “فيحل عليك روح الرب فتتنبأ معهم وتتحول إلى رجل آخر” (1صمو10: 6).
  8. “يا ليت كل شعب الرب كان أنبياء. إذا جعل الرب روحه عليهم” (عدد11: 29).
  9. “ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب” (اش11: 2).
  10. “أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب. إن صعدت إلى السموات فأنت هناك….” (مز139: 7 – 8).
  11. “حسب الكلام الذي عاهدتكم به عند خروجكم من مصر وروحي قائم في وسطكم” (حج2: 5).
  12. “ويكون بعد ذلك أني أسكب روحي على كل بشر، فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويحلم شيوخكم أحلاماً ويرى شبابكم رؤىً (يوئيل2: 28 – 29).
  13. “وأجعل روحي في داخلكم وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها… وتكونون لي شعباً وأنا أكون لكم إلهاً” (خر36: 27).
  14. “روح الله صنعني ونسمة القدير أحيتني” (أيوب33: 4).
  15. “ترسل روحك فيخلقون وتجدّد وجه الأرض” (مز104: 30).

من بين آيات كثيرة، قدمنا هذه كنماذج عن إيمان أنبياء العهد القديم بمن سمّوه روح الله أو روح الرب أو روحه القدوس. (آيات1، 2، 3) هذه التسميات بالذات تظهر الإتحاد الكياني بين الله وروحه لأن الروح كما يقول القديس بولس الرسول “يفحص كل شيء حتى أعماق الله لأن مَنْ مِنَ الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه هكذا أيضاً أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله” (1كو2: 9 – 11). لكن بالرغم من هذا الإتحاد الصميمي فالله متميّز عن روحه كما تظهرها هذه التسميات ذاتها. وهذا الروح المتميز عن الله والمتحّد به في آن هو شخص قائم بحد ذاته في الله وليس مجرد قوة إلهية كما يدعى البعض لأن الشخص العاقل والواعي وحده، وليس القوة، يستطيع أن يهدي البشر “آية6”. وأن يجعلهم يتكلّمون، “آية2” ويتنبأون ويتحولون إلى رجال آخرين “آية 7و8” وأن يتصفوا بالحكمة والفهم والمشورة والقوة والمعرفة ومخافة الرب “آية9”.

واضح كذلك أن هذا الروح هو شخص إلهي وليس شخصاً مخلوقاً. لأنه روح الله غير المخلوق الحاضر في كل مكان وزمان “آيتين 10 و 11” والخالق “آيتين 14 و 15) والمسؤول عن إعطاء كنيسة الله كل المواهب الإلهية التي سوف تتمتع بها وخصوصاً في قرنها الأول “آيتين 12 و 13″، وهنا لا بد أن نميّز الروح كشخص أو أقنوم وبين المواهب أو القوى الإلهية غير المخلوقة التي تصدر عن الروح ولا تنفصل عنه والتي يمكن أن تعطى وتوزع وأن تسمّى في كثير من الأحيان بالروح (آيات 3، 4، 7، 8، 12، 13) وهو ما يحتاج إلى توضيح أكثر من خلال معطيات العهد الجديد.

آيات تشير إلى الآب والإبن والروح معاً:

  1. “روح السيد الرب عليّ، لأن الرب مسحني لأبشر المساكين أرسلني لأعصب منكسري القلوب…” (اش 61: 1).
  2. “كرسيك يا الله الى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك. أحببت البر وأغضبت الإثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بزيت الإبتهاج أكثر من رفقائك” (مز45: 6 وعبر 1: 8).
  3. “بكلمة الرب صنعت السموات وبروح فمه كل جنودها” (مز 33: 6).
  4. “أين أذهب من روحك، ومن وجهك أين أختبىء…” (مز 139: 7 – 8).

في الآية الأولى هناك ذكر للروح القدس الذي هو روح السيد الرب. وبالطبع فالسيد الرب هو الآب الذي مسح الإبن المتجسد وأرسله بالروح القدس الذي استقر عليه بحسب طبيعته البشرية. الإبن المتجسد بيسوع يوضح بحسب رواية البشير لوقا (لو 4: 18) أنه هو بالذات المعني بكلمة عليّ والذي تمت فيه هذه الكلمات.

في الآية الثانية هناك إعلان جلي عن الإبن وعن الآب، كما شرحنا سابقاً، وإعلان ضمني عن الروح القدس. لأن الله الآب قد مسح الله الإبن عند تجسده بالروح القدس (أنظر اع 10: 38)، كما رأينا في الآية الأولى، وبالتالي فكلمة زيت الإبتهاج تعني ضمناً الروح القدس، لأن المسح لم يتم بزيت مادي بل بالروح القدس منذ لحظة تجسده (لو 1: 35، يو 3: 34) أكثر بما لا يقاس من جميع رفقائه في الطبيعة البشرية التي قَبِل أن يتخذ. ولهذا السبب فهو المسيح أي ممسوح الروح القدس بالمعنى المطلق للكلمة.

الآية الثالثة تذكر الأقانيم الثلاثة معاً من خلال اشتراكهم في الخلق. لأن الرب أي الآب قد خلق السموات وكل جنودها بواسطة كلمته أي الإبن (أنظر ام 30: 4، يو 1: 2، كولو 1: 16 – 17) وبمشاركة روح فمه أي الروح القدس (أنظر أيوب 33: 4، مز 104: 30).

لا تختلف الآية الرابعة كثيراً عن الآية الثالثة، لأن كلمة روحك تشير الى روح الآب أي الى الروح القدس. أما “وجهك” فقد وجدنا سابقاً أنها تشير بشكل خاص الى الملاك غير المخلوق الذي كان يظهر في العهد القديم والذي هو الكلمة أو الإبن (أنظر خر 23: 20 – 23و 33: 12 – 17).

د – تكلم الله بصيغة الجمع:

  1. “وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا” (تك 1: 26).
  2. “وقال الرب الإله هوذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر” (تك 3: 22).
  3. “وقال الرب هلمّ ننزل ونبلبل هناك لسانهم…” (تك 11: 6 – 7).
  4. “ثم سمعت صوت السيد قائلاً من أرسل ومن يذهب من أجلنا” (اش 6: 8).

في هذه الآيات الأربع ظاهرة غريبة إذ يقدّم الرب الإله متحدثاً بصيغة المفرد “وقال الله” ومع ذلك يستعمل في حديثه صيغة الجمع.

أوريجنس يرى كما اليهود بأن الله يتكلم هنا مع الملائكة لكن هذا الرأي لا يثبت أمام النقد الصحيح. لأن الملائكة لا يمكن أن يوضعوا في مستوى واحد مع الله، فمثلاً في الآية الأولى يصبح الملائكة شركاء لله ليس فقط في الصورة والشبه بل وفي المشيئة والخلق، وهذا ما يجعلهم متمتعين بالصفات الإلهية وبالتالي بالجوهر الإلهي ذاته مما يتناقض جذرياً مع الإعلان الإلهي (أنظر عبر 1: 5 – 14).

كذلك لا تثبت الفكرة القائلة بأن الله يتكلم في هذه الآيات بصيغة جمع التعظيم، لأن هذه الصيغة، بشهادة الكتب العهد القديم، لم تكن معروفة عند الأقدمين. فلا الله استعملها عند مخاطبته للبشر (أنظر مثلا تك15: 1 – 18، خر3: 4 – 21، دا2: 5 – 9) والحقيقة أننا إذا تمعنا في هذه الآيات الأربع نجد أن القاسم المشترك بينهما هو مشورة بين عدة أشخاص (أقانيم)، قبل الإقدام على عمل ما. وهؤلاء الأشخاص قائمون في الله ذاته. لأن أفعال الله توضع في صيغة المفرد ليس فقط قبل المباشرة بالعمل بل وأثناءه وبعده (أنظر تك1: 27 – 31، 3: 23، 11: 8 – 9) مما يدل على وحدة جوهر الله رغم تعدد أقانيمه وبالطبع فهذا التفسير المسيحي يعوزه البرهان الأكيد، إذا أخذت هذه الآيات الأربعة لوحدها. لكننا إذا نظرنا إليها على ضوء ما تقدّم من آيات وشروحات فسنجد أنها تتناغم وتتآزر جميعاً ضمن مفهوم ثالوثي واضح. مكونة أشعة نور السحر الذي يسبق إنبلاج ضياء شمس الثالوث المقدّس في العهد الجديد.

هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ

هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ

الأب أنطوان ملكي

فَقَالَ لَهُ اللهُ: يَاغَبِيُّ! هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَهذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟ هذا السؤال كان وما زال يقلق الكثيرين من الأغنياء. حتّى سليمان الحكيم، الذي كان فائق الغنى والحكمة في أنٍ معاً، شغلَه هذا السؤال وعبّر عنه بقوله: “الْكُلُّ يُنْسَى… كَرِهْتُ الْحَيَاةَ، لأَنَّهُ رَدِيءٌ عِنْدِي، الْعَمَلُ الَّذِي عُمِلَ تَحْتَ الشَّمْسِ، لأَنَّ الْكُلَّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ. فَكَرِهْتُ كُلَّ تَعَبِي الَّذِي تَعِبْتُ فِيهِ تَحْتَ الشَّمْسِ حَيْثُ أَتْرُكُهُ لِلإِنْسَانِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدِي” (جامعة 16:2-18). هذا القول للنبي الحكيم معناه ما نعبّر عنه بالعامية بقولنا أنّ الانسان لا يأخذ شيئاً معه. في المثل الذي ضربه السيد، كل اهتمام الغني كان منصبّاً على الرفاه الدنيوي العابر، فيما أفكاره وروحه بعيدة عن الله وعن السعي إلى القيم الروحية الثابتة. من الأمور التي تظهر ذلك إرجاعه كلّ شيء إلى ذاته، ناسياً أو جاهلاً أنّ كلّ ما نملك هو من الله وله، وهو مُعطى لنا نحن العابرين للاستعمال الوقتي. “للرب الأرض وكلّ ما فيها” يقول المزمور.

في تسليم قلبه للثروات الأرضية، يصير الإنسان عبداً لها. لهذا، تطهير القلب يعني تنقية العالم الداخلي من كلّ تعلّق بالأرضيات الزائلة، ويجب أن يكون غاية دائمة لكلّ مسيحي. في تعليقه على هذا المثل، يقول الأسقف ثيوفان الحبيس: “بما أن الثروة من الله، قدّمْها إلى الله عندما تصل إليك، فتحوّلها إذذاك إلى ثروة مقدّسة. تقاسم كلّ ما يفيض عنك مع المحتاجين: فهذا يكون مساوياً لإرجاع لله ما أعطاه. إنّ مَن يعطي الفقير يعطي الله”. كلّ كلمة من هذا المثل تشير إلينا. إن هذه الكلمات ضرورية بشكل خاص لإنسان اليوم، لأنّ كل البشر في هذا العصر يميلون إلى التصرف بطريقة مماثلة للغني. فناس اليوم مستعدّون دائماً إلى هدم الأهراء القائمة ليبنوا أخرى جديدة. أوضح مثال على هذا الكلام هو الأزمة المالية العالمية التي تعود أسبابها، كما يشير الكثير من العلماء، إلى أسباب أخلاقية، حيث أن الأفراد لم يعودوا يكتفون بما يجنون يومياً بل هم يريدون المزيد ليصرفوا المزيد، ما أن يصل إلى يدهم شيء ما حتى يسكروا بتملّكه متناسين أنه من الله. هذا الموقف ليس للذين يريدون أن يكونوا مع الله ولا للمجاهدين لكي يجنوا ثمار الروح. إنّ في هذا المثل الكثير لنتعلّمه عن معنى حياتنا وعن كيف نوجهها ونستعملها لتبلغ إلى قيمتها الفعلية التي تشكّل الغنى الحقيقي، ألا وهي أن نكون متّحدين بالله، من خلال تحسسنا لمعاناة المتألّمين وجوع الفقراء وعَوَز المحتاجين، وسعينا إلى رفع معاناتهم بإشراكهم معنا في ما أوكله الله إلينا.

المجد لله لا لنا

المجد لله لا لنا


ماريَّــــا قبارة، ومارييل تونجال

بهجة خلاصي أن أرى كاهناً لا ينهزم تحت الضغوط. فاليوم، الحاجة أن تكون الجماعة المسيحيّة، أبرشية كانت، رعيةً أو فرقة، ورشةَ عملٍ تهيئ فيها الشباب للارتقاء إلى الحياة، لا كما تبدو تافهة وسطحية، تعاني من مرض القرار المتفرد والمزاجية.

اليوم هل من منبر للقلم؟! هل ما زالت الكتابة مطلوبة؟!. يساورني شك في نفع الأسطر والصفحات أمام ما يظهر من واقع ومواقف جارية تعكس عري المسيح على الصليب من جراء المقامرة البشرية على طاولة الإحتضار الإلهي.

لقد صمتَ المسيح أمام غياب القانونيّة في محكمة قيافا، وأمام صِغر النفس الذي أبداه الحاكم بيلاطس حين تنصَّل من عار الظلم بغسل يديه بالماء. من يومها والحوار أزمة في الكنيسة يحتاج الخروج منها وحلّها إلى مجامع؛ أيّ إلى حوار!.

فما بالنا اليوم – رغم أنّ مناخ العصر لا يغيب عنه ريح الطاعة والإذعان- نتراجع حتى عن العهد العثماني حين كان يقود الكنيسة فريق مؤلف من الإكليركي والعلماني متمثلاً بالمجالس المليّة والرعوية. فالآن نرتع في مناخ إرشادي فاسد تعصف فيه روح التسّلط في ظلمةٍ عن الوجه، نسير كمرشدين في طريق تقود إلى الأنا لا إلى (الهو) الله. وبالتالي تتفكك خلايا الجسد الواحد لتذوق الموت في وهن القداسة. لن يفلت أمر من ربقة القبر. لا خلاص إذا لم نُصغِ بخوفٍ في عيون خَفِرَة ترقبُ فجراً يُعلن مجد الله. وفي هذا فقط تكمن فلسفة الحوار وفي المسيح صبوتها.

ليكون الآخر موجوداً يجب أن أنقص أنا، أن أرتضي اختلافه، أن أحترم منهجيته، أن أظهر حريتي بمصداقيتي مع نفسي ومعه. لا أحد وصي على الله، لا أنا ولا غيري. نحن أوصياء على بعضنا من قبل الله بالمحبة والحقّ، نمارس تلك الوصاية بالقبول الكياني للآخر نظهر مجد الله، وحضوره في كنيسته.

الضلال، كلّ الضلال في أن نؤمن بذواتنا أننّا المعلمون والقائدون في ذهولنا عن ترابيتنا، في جلال تعليمنا وسِقم عملنا، في تضمير الإصغاء وتعطيل الآذان، في رفع سوط الغيرة الإلهية وضرب الصورة التي هي أخي في قمعه، في إسكاته، في إعلان الأحكام ضدّ صوته ورأيه.

الحقيقة في الكنيسة هي المسيح، والطريق إليها هو المسيح المصلوب. معيارها موت الأنا وإخلاء المشيئة لا الكثرة العددية بل قداسة السيرة بحسب التعليم الموضوع أمامنا. والطاعة في الكنيسة منبرها تناغم الحريّات، أمّا الانقسام والانفصال هو مشورة الشرير وقد يقودنا إليها شهوة التسّلط وغياب الاعتبار.

إذاً الأزمة في الكنيسة الارثوذكسية واقع لا يلغيه سياسة النعامة التي تدفن رأسها في رمال تاريخ مجيد هاربة من مذبحة الشهادة. الصمت عن الإثم يقتل الإله.

فبأمر وسلطة المحبة تكلموا يا إخوتي على رجاء قيامة الكلمة فينا، تحرروا حتى تستطيع أرجلكم أن تسابق في طريق الحقّ الذي هو خلاصنا، حتى نسمع ترنيمة السّماء تعلن مجد الله وسلام العالم ومسّرة الناس، لأنّ الإله أخذَ جسداً (الذي هو نحن) وحلَّ بيننا.

الحيوانات في الفكر المسيحيّ

الحيوانات في الفكر المسيحيّ

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

لا يحتاج المرء إلى أن يكون شديد الملاحظة ليفهم أنّ قضيّة الإنسان المعاصر قد أصبحت قضيّة البيئة، التي تحيط به، بما فيها من أشجار وبحيرات وحيوانات مهدَّدة بالانقراض…

وقد دُوِّنت آلاف من المجلّدات التي تتناول مشاكل البيئة، بيد أنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة تتفوّق على غيرها، إذ عندها الكثير الكثير لتقوله في هذا المضمار: فصلواتها الليتورجية التي تشمل الكون برمّته، وموسيقاها الفردوسيّة، وتقديسها للمادّة في الكنيسة، والنسك، وحياة القدّيسين في الغابات برفقة الحيوانات المتوحّشة، وشفاعة والدة الإله التي لا تكلّ (كلّ الخليقة تفرح بك)، والعبادة الخاصّة بالروح القدس الذي يهبّ حيث يشاء، والذي يذكّرنا بالهواء والريح، كلّ هذا وغيره يجعل التقليد الأرثوذكسيّ جذّابًا لكلّ من يهتمّون بمصير الأرض وسكّانها. من هنا كانت هذه المحاولة المتواضعة المعنونة: الحيوانات في الفكر المسيحيّ.

يقول علماء اليوم وفلاسفته بأنّ الإنسان يولد عاجزاً. فهو بحاجة إلى سنتين أو ثلاث ليستطيع الوقوف على قدميه. وحتّى الإنسان الناضج، نفسه، يبقى ضعيفًا بحاجة دوماً إلى مساعدة الآخر له. وهذا ما أعطى (A.Gehlen) مثلاً حجّةً ليقول بأنّ الإنسان من الناحية البيولوجيّة البحتة هو “كائن قاصر”.

لقد نظر القدّيس غريغوريوس النيصصيّ إلى الأمر بالطريقة عينها، إذ يؤكّد في كتابه خلق الإنسان بأنّ الانسان هو مركز العالم وسيّده. وأنّ الله لم يخلق الإنسان إلاّ بعد أن أبدع عالمنا الجميل جدًّا، وذلك لأنّ الشمس، والهواء، والنجوم وُجدت لتكون في خدمة الإنسان. خلق الله كلّ عناصر الكون بكلمة فقط، أمّا بالنسبة للإنسان، فقد تعب في خلقه، إذ هيّأ، أوّلاً، مادّة ليجبله منها، ثمّ أعطاه شكلاً وهدفًا لوجوده، وما قامته المنتصبة إلاّ أعظم شاهد على كرامته الملكيّة. ولكن، ورغم هذه العظمة، فقد خُلق الإنسان أعزلاً من دون دفاع، وهذا النقطة هي الأهمّ. فلو كان يستطيع الجري السريع كالحصان، أو لو كانت له مخالب النمر، أو منقار النسر… لما كان بحاجة إلى شيء أو إلى أحد. لكنّه، وبسبب حالته الراهنة أي بسبب عجزه، فهو يحتاج إلى مساعدة الآخرين له بما فيهم الحيوانات. لذا، أعطاه الله إيّاها لتعينه وليؤلِّف وإيّاها عالمًا صغيرًا واحدًا متكاملاً. الإنسان هو مركز العالم وملكه، بيد أنّ قيمة ملوكيّته هذه تكمن في عدم كمالِه عينِه. وهذا يعني أنّ عليه بالتواضع والخضوع لله خالقه.

وما ينطبق على الحيوانات ينطبق أيضاً على التقنية العلميّة ، لأنّ توق الإنسان الدائم نحو الكمال هو الذي قاده ليؤسّس حضارة تعتمد على التقنيّة. وما التكنولوجيا إلاّ محاولة منه للتغلّب على الفراغ والزمن وحتّى على الموت. عالم التكنولوجيا هو عالم جامد وميت. فالآلات المتحجّرة الجامدة التي لا تتغيّر، والمبادئ الثلاث: العقلانيّة والعَمَلانيّة والتجريديّة، والتي هي ناموس هذا المرض المدعو تقنيّة، كلّها لا جمال فيها، ولا ما يسحر الألباب. فالتقنيّة هي عالمُ ما تحت الشريعة، ولا صلة لها بالنعمة البتّة. الله هو محبّة، لذلك فإيماننا به وحمايته لنا هما من الأشياء الملموسة والفعّالة والتي لا تُضاهى. أمّا التكنولوجيا، فهي أدوات تخدم البشر، وتريحهم جسديًّا، ولكنّها بعيدة كلَّ البعد عن المشاعر الإنسانيّة كالمحبّة والرحمة وغيرها من فضائل الروح، وغالبًا ما تولّد الخوف والقلق.

أمام أنواع الكوارث المتعدّدة التي تتعرّض لها الإنسانيّة بعامّة في عصرنا الحاضر، يتحدّث الفلاسفة، اليوم، وأيضًا علماء الإجتماع والبيئة، عن ضرورة اتّخاذ موقف جديد تجاه هذه التقنيّة الواسعة الهدّامة، حتّى إنّ أشخاصاً بعيدين عن الكنيسة، ينادون بضرورة العودة إلى التوبة، إلى الخروج من هذا التقدّم الخالي من الروح إلى النسك والعبادة. لذلك بات من الضروري بمكان، في أيّامنا هذه، استعادة فكر الآباء القدّيسين بما يختصّ بالرأفة الكونيّة التي يشعر بها القدّيسون حيال الخليقة بأسرها[1].

إذا كان الإنسان يُعتبر ملك الخليقة، وجب عليه، إذًا، أن يتعامل معها بطريقة ملوكيّة بحسب المثال الذي أظهره لنا ملك الملوك المسيح نفسه، فلا يدمِّرُ ولا يفني بل يخدم ويجمِّل.

علاقة الإنسان بالحيوان

بعد سقوط الإنسان من الفردوس، أضحت الحيوانات متوحّشة عنيفة, تتألّم وتعاني بصمت، ومن دون ذنب، متخطّية الإنسان في ألمها وموتها.

جرَّب الشيطان السيّد المسيح في البريّة، وكان يسوع يعيش برفقة الحيوانات المتوحّشة وكانت الملائكة تخدمه: “وكان مع الوحوش وكانت الملائكة تخدمه” (مر 13:1).

في حضارة هذا العصر، التي اختفى فيها كلّ ما هو أصيل، والتي تعتمد على الآلة، أصبحت الحيوانات، التي لم تفقد أصالتها، بالنسبة للإنسان كومضة من أنوار الفردوس، وتذكُّرٍ لماضٍ بعيد، وكأنَّه تذكّر للطفولة وللعائلة وللمنزل الأبويّ .

يقول لنا القدّيس مكاريوس الكبير: “لقد أشفق الخالق على آدم عندما سقط وطُرد من فردوس النعيم، ومات عن الحياة مع الله، فالملائكة وكلّ القوّات السماويّة، والأرض وكلّ الكائنات المخلوقة ندبت موته وسقوطه. لقد رأت تلك المخلوقات سيّدهم وقد أمسى الآن في حالة العبوديّة، وأدركته قوّات الظلمة الرديئة المتمرّدة”.

وعبّر القدّيس سمعان اللاّهوتيّ الجديد عمَّا أصاب الخليقة بعد سقوط الإنسان وخسارته للفردوس بقوله:” عندما رأت كلّ المخلوقات آدم مطروداً من الفردوس، تمرّدت على  من اقترف الخطيئة: فالشمس أبت إنارته، والقمر والنجوم رفضوا أن يشرقوا نورهم عليه، والينابيع رفضت إعطاءه المياه، والأنهار توقّفت عن إكمال جريها، والهواء حجز نسيمه ومنع آدم عن التنفّس بسبب المعصية”.

عندما نظرت حيوانات البريَّة آدم مُعرَّى من مجده الأوّل، احتقرته، وللحال تأهّبت للإنقضاض عليه. حتّى الأرض لم تعُدْ تُطق حمله أو احتضانه. إلاَّ أنَّ الله، لكثرة رحمته، أمر المخلوقات بأنّ تظلّ خاضعة للإنسان، منتظرة توبته ورجوعه إلى رتبته الملوكيّة الأولى، لكي يعود كائنًا روحيًّا غير زائل. وهذه الصيرورة لا تحصل من أجل ذاته فقط، إنَّما بتحوّله هذا يغيِّر ويحوِّل، معه، الكون كلَّه. الخليقة بأسرها تعاني من سقوط آدم وتنتظر تأليهه. في أيّامنا الحاضرة، حيث تكاثرت الخطيئة واستفحلت، ما زلنا نجد أشخاصًا يُجسِّدون حالة التجلّي هذه. إنَّهم القدّيسون مثال آدم الجديد.

القدّيسون والحيوانات

من المعروف جدًّا بأنَّ للحيوانات دالّة وإلفة مع القدّيسين، فهي تقترب منهم “لأنَّهم يشتمّون فيهم رائحة الفردوس الزكيّة” بحسب تعبير القدّيس إسحق السريانيّ. فالدببة، مثلاً، كانت تزور القدّيس سيرافيم ساروفسكي، وكذلك القدّيس سيرجيوس رادونيج، إذ كان دبّ يتردّد عليه مدّة سنة كاملة، وكان القدّيس يكتسر وإيّاه كسرات الخبز. وعندما لا يتبقّى لديه إلاَّ كسرة واحدة، فكان يعطيها للدُبّ ويظلُّ هو بلا طعام، “لأنّ الحيوان المفترس، حسب قوله، لا يعقل ولا يفهم ضرورة الصبر والاعتدال”.

ويقال عن القدّيس جراسيموس الذي من آلاسكا بأنّه كانت تعيش بالقرب من منسكه القاقوم، وهي حيوانات صغيرة تتميّز بالخوف والضعف، إذ تهرب من كلّ إنسان تصادفه، لكنَّها كانت تجري نحو المغبوط جراسيموس وتأكل من يده. وكانت، هي بدورها، تنظر إلى القدّيس كيف كان يُطعم الدببة. نجد أخبارًا كثيرةً من هذا النوع في حياة القدّيسين الذين كانت تأتيهم الأسود لتخدمهم كالقديس بولس الثيبي والقدّيسة مريم المصريّة التي حفر أسد قبرها. والأيّلة التي كانت تنقذهم من خطر الجوع، فترضعهم وتغذّيهم من لبنها. والغراب يجلب لهم الخبز كإيليّا النبيّ والقدّيسين بولس الثيبي وأنطونيوس الكبير. يعود الإنسان إلى حالته الفردوسيّة عندما يجتهد في إصلاح ذاته وتنقيتها وإرجاعها إلى حالتها الملوكيّة التي كانت عليها قبل السقوط، وهكذا يلبس الحُلَّة الأولى، ويصبح كاهنًا على كلّ الخلائق.

الحيوانات لا تنوح وتتألّم، فقط، مع الإنسان إنّما هي متعطّشة أيضًا لله، ولما نسمّيه نحن حالة التبنّي والفداء (كما في رو 20:8-22): “وأرى أنّ آلامنا في هذه الدنيا لا توازي المجد الذي سيظهر فينا، فالخليقة تنتظر بفارغ الصبر ظهور أبناء الله. وما كان خضوعها للباطل بإرادتها، بل بإرادة الذي أخضعها، ومع ذلك بقي لها الرجاء أنّها هي ذاتها ستتحرّر من عبوديّة الفساد، لتشارك أبناء الله في حرّيتهم ومجدهم. فنحن نعلم أنّ الخليقة كلّها تئنّ حتّى اليوم من مثل أوجاع الولادة، وما هي وحدها، بل نحن الذين لنا باكورة الروح نئنّ في أعماق نفوسنا منتظرين من الله التبنّي وافتداء أجسادنا…”. هذه الحيوانات هي قادرة، أيضًا، من جرّاء تعاملها مع القدّيسين والشهداء أن تدخل في الفُلك الجديد أيّ في الكنيسة. وقد نجسر على القول بأنّها تتألّه (تتقدّس) هي بدورها، أيضًا، بفعل تقديس وتأليه الطبيعة بأسرها. وهناك رواية ظريفة في حياة القدّيسين، وهي أنّه في أيّام اضطهاد المسيحيّين في القرون الأولى، كانت الأسود والنمور ترفض أن تهاجم أو تتعدّى على الشهداء، فكانت هذه الوحوش الضارية تُقتل كالإنسان، وتُطرح خارج أسوار روما. ويا للعجب! فلقد كان المسيحيّون يجدون، ليس أجساد القدّيسين، فقط، غير مصابة بأذى وسليمة، إنّما أجسام الحيوانات، أيضًا، ما تزال على حالها بعد عدّة سنوات من مقتلها، وكأنّها ما عادت تنتمي إلى هذا العالم.

تاتيانا غورتشفا –عن مجلة contact.

الحيوانات في الفكر الأرثوذكسي

–       2 –

مكانة الحيوانات في حياة النسك والروحانيّة الأرثوذكسيّة.

يمتنع الرهبان الأرثوذكس، وبشدّة، عن كلَّ غذاء يحوي لحومًا. كذلك يُدعى كلّ مؤمن أن يماثلهم في كلّ أربعاء وجمعة من كلّ أسبوع، وفي فترات معيّنة من السنة إستعدادًا للأعياد الكبرى، وبخاصّة في الصوم الأربعينيّ المقدّس،  حسبما يأمر مجمع الرسل المنعقد في القرن الأوّل “بالإمتناع عن الدم والمخنوق…” (أعمال 15/29).

ففي روسيا، مثلاً، لا يقتلون الحمام واليمام، ولا يستهلكونه في غذائهم، لأنَّه يرمز إلى الروح القدس. كما إنّهم لا يصطادون الأرانب، حتّى البريّة منها، لأنَّ آثار بصماتها على الثلج لها شكل صليب. لقد شرح اللاّهوتيّ فلادمير سولوفييف معنى الصوم الجسديّ في الحياة الروحيّة، فقال: “إنَّه الامتناع عن الدَّم، وبالتحديد عن لحوم الحيوانات ذات الدم الحارّ. أمّا دور الإنسان بالنسبة للخليقة، فهو في إحيائها وليس في قتلها. إنّ هدف الصوم، وما يميّزه عن الأمور الأخرى هو إعادة إصلاح النظام في علاقتنا مع الطبيعة”. يتلاءم الصوم، في النسك المسيحيّ الشرقيّ، مع التأمّل في الطبيعة، لأنّ معرفة الله ورؤية مجده يحتجبان في الكائنات والأشياء.

ولقد كتب القدّيس مكسيموس المعترف قائلاً: “عندما كوّن الله الطبيعة المنظورة لم يسمح لها بأن تتديّر (تتحرّك) بحسب الغريزة فقط، إنَّما وضع لكلّ نوعٍ من الكائنات روح حكمة ومبادئَ سلوكٍ أخلاقيٍّ، وهكذا أظهرت هذه الكائنات للإنسان شرائع وقيمًا وجد فيها مدرسةً طبيعيةً يتعلم منها ودربًا سهلاً  يقوده نحو الله”. ويفسّر لنا القدّيس إسحق السريانيّ ما المقصود بالقلب الرؤوف، فيقول: “هو قلب يشتعل محبّة بالخليقة كلّها، بالناس، بالطيور، بالحيوانات. يذرف الدمع عندما يفتكر بهم أو ينظرهم متألّمين. فيرى أصغر الآلام التي تلحق بالخليقة، وينفطر قلبه عليها، فيصلّي، مثلاً، من أجل الحيّات، وتقوى رأفته ليصير على صورة الله”. وهكذا، شيئًا فشيئًا، يستعيد حالة الأمان والثقة التي كانت لديه وهو في الفردوس، وتصبح العلاقة بين الإنسان الروحيّ والحيوانات مسالمة. ويضيف القدّيس إسحق السريانيّ في هذا الصدد: “ما إن ترى الحيوانات المفترسة الإنسان الروحيّ حتّى تهدأ همجيّتها ولا تعود ضارية، فتقترب منه، وتهزّ رأسها، وتلطع يديه وقدميه، لأنّها تشعر بالرائحة الزكيّة الصادرة منه كما كانت لدى آدم قبل سقوطه في الفردوس عندما ذهبت إليه خاضعة له، وأعطاها أسماءها. هذه الرائحة التي انتُزعت منّا، ويعيدها المسيح إلينا بالعطر الجديد الذي نحصل عليه بالمعموديّة وبمسحة الميرون المقدّس. ليس بعد الآن لرائحة الموت مكان، بل لعطر القيامة، ولا سبيل للخوف والشراسة، بل للمؤانسة والتآلف”.

كثيرة هي الروايات التي تتعلّق بعودة الإنسان إلى حالته الأولى، وتقرّبه من الحيونات وبخاصّة في سير آباء الصحراء. من الأمثال التي حدثت مؤخّرًا في منتصف القرن العشرين ما ورد عن ناسك كان يعيش في جزيرة باتموس في مغارة بالقرب من البحر، وكان يتعاطى مع الأفاعي طبقًا لقول إنجيل مرقص: “ويحملون الحيّات” (مر18:16). كان يضع في مغارته أكوابًا صغيرة مملوءة حليبًا، فكانت تأتي الأفاعي لتشرب منها. وفي إحدى الأيّام أتاه بعض أولاد القرية المجاورة، واكتشفوا الأفاعي، فاستعدّوا لقتلها رميًا بالحجارة، فبادرهم القدّيس بقوله لهم: “اتركوها فهي أيضًا من مخلوقات الله”.

ويطالعنا مثال آخر من حياة القدّيس سيرافيم ساروفسكي، إذ أتته مرّة راهبة لتراه في منسكه، ولمّا رأته جالسًا على جذع شجرة يطعم دبًّا، صرخت من خوفها، فأمر القدّيس الدبّ بالابتعاد قليلاً، فقالت له الراهبة: “إنّني أكاد أموت من الخوف”: فقال لها القدّيس: “كلا، يا أمّي، ليس هناك موت إنّما فرح”. ثمّ أجلسها إلى جانبه، ونادى الدبّ وأعطاها خبزًا لكي تطعمه هي بيدها. ولقد وصفت الراهبة وجه القدّيس بأنّه كان مشعًّا بالفرح وضّاء يلمع كالنور وكأنّه ملاك. ثمّ أضافت قائلة: “وعندما هدأتُ تمامًا ناولني الأب الكسرة الأخيرة، وطلب منّي إطعامه  بنفسي. فأجبته بأنّني خائفة، وسوف يبتلع يدي. فقال لي الأب: “لا يا أمّي، ثقي جيّدًا بأنّه لن يأكل يدك”. عندها أخذت الخبز وناولته للدبّ. وبفرح كبير أردت إعطاءه أيضًا، لأنّ الحيوان كان لطيفًا جدًّا معي. وعندما رآني الأب قد سكن روعي قال لي: “أرأيت، يا أمّي، كان الأسد خادمًا للقدّيس جيراسيمس، والآن، صارالدبّ صديقًا للحقير سيرافيم”. هذا ما اختبرته أنا الخاطئة بفضل صلوات الأب سيرافيم”.



[1] اعتاد القدّيس إسحق السوريّ بسبب الحبّ المتدفّق في قلبه أن يصلّي من أجل الخليقة بأسرها حتّى الشياطين. كذلك نقرأ عند القدّيس سلوان الآثوسيّ عن صلاته من أجل خلاص شعوب الأرض بأسرها بمعرفتهم الله بواسطة انسكاب الروح القدس. وأيضاً عن رأفته حتّى بأوراق الأشجار و الحشرات…. ( المعرّب)

الحيوانات في الفكر المسيحيّ

الحيوانات في الفكر المسيحيّ

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

لا يحتاج المرء إلى أن يكون شديد الملاحظة ليفهم أنّ قضيّة الإنسان المعاصر قد أصبحت قضيّة البيئة، التي تحيط به، بما فيها من أشجار وبحيرات وحيوانات مهدَّدة بالانقراض…

وقد دُوِّنت آلاف من المجلّدات التي تتناول مشاكل البيئة، بيد أنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة تتفوّق على غيرها، إذ عندها الكثير الكثير لتقوله في هذا المضمار: فصلواتها الليتورجية التي تشمل الكون برمّته، وموسيقاها الفردوسيّة، وتقديسها للمادّة في الكنيسة، والنسك، وحياة القدّيسين في الغابات برفقة الحيوانات المتوحّشة، وشفاعة والدة الإله التي لا تكلّ (كلّ الخليقة تفرح بك)، والعبادة الخاصّة بالروح القدس الذي يهبّ حيث يشاء، والذي يذكّرنا بالهواء والريح، كلّ هذا وغيره يجعل التقليد الأرثوذكسيّ جذّابًا لكلّ من يهتمّون بمصير الأرض وسكّانها. من هنا كانت هذه المحاولة المتواضعة المعنونة: الحيوانات في الفكر المسيحيّ.

يقول علماء اليوم وفلاسفته بأنّ الإنسان يولد عاجزاً. فهو بحاجة إلى سنتين أو ثلاث ليستطيع الوقوف على قدميه. وحتّى الإنسان الناضج، نفسه، يبقى ضعيفًا بحاجة دوماً إلى مساعدة الآخر له. وهذا ما أعطى (A.Gehlen) مثلاً حجّةً ليقول بأنّ الإنسان من الناحية البيولوجيّة البحتة هو “كائن قاصر”.

لقد نظر القدّيس غريغوريوس النيصصيّ إلى الأمر بالطريقة عينها، إذ يؤكّد في كتابه خلق الإنسان بأنّ الانسان هو مركز العالم وسيّده. وأنّ الله لم يخلق الإنسان إلاّ بعد أن أبدع عالمنا الجميل جدًّا، وذلك لأنّ الشمس، والهواء، والنجوم وُجدت لتكون في خدمة الإنسان. خلق الله كلّ عناصر الكون بكلمة فقط، أمّا بالنسبة للإنسان، فقد تعب في خلقه، إذ هيّأ، أوّلاً، مادّة ليجبله منها، ثمّ أعطاه شكلاً وهدفًا لوجوده، وما قامته المنتصبة إلاّ أعظم شاهد على كرامته الملكيّة. ولكن، ورغم هذه العظمة، فقد خُلق الإنسان أعزلاً من دون دفاع، وهذا النقطة هي الأهمّ. فلو كان يستطيع الجري السريع كالحصان، أو لو كانت له مخالب النمر، أو منقار النسر… لما كان بحاجة إلى شيء أو إلى أحد. لكنّه، وبسبب حالته الراهنة أي بسبب عجزه، فهو يحتاج إلى مساعدة الآخرين له بما فيهم الحيوانات. لذا، أعطاه الله إيّاها لتعينه وليؤلِّف وإيّاها عالمًا صغيرًا واحدًا متكاملاً. الإنسان هو مركز العالم وملكه، بيد أنّ قيمة ملوكيّته هذه تكمن في عدم كمالِه عينِه. وهذا يعني أنّ عليه بالتواضع والخضوع لله خالقه.

وما ينطبق على الحيوانات ينطبق أيضاً على التقنية العلميّة ، لأنّ توق الإنسان الدائم نحو الكمال هو الذي قاده ليؤسّس حضارة تعتمد على التقنيّة. وما التكنولوجيا إلاّ محاولة منه للتغلّب على الفراغ والزمن وحتّى على الموت. عالم التكنولوجيا هو عالم جامد وميت. فالآلات المتحجّرة الجامدة التي لا تتغيّر، والمبادئ الثلاث: العقلانيّة والعَمَلانيّة والتجريديّة، والتي هي ناموس هذا المرض المدعو تقنيّة، كلّها لا جمال فيها، ولا ما يسحر الألباب. فالتقنيّة هي عالمُ ما تحت الشريعة، ولا صلة لها بالنعمة البتّة. الله هو محبّة، لذلك فإيماننا به وحمايته لنا هما من الأشياء الملموسة والفعّالة والتي لا تُضاهى. أمّا التكنولوجيا، فهي أدوات تخدم البشر، وتريحهم جسديًّا، ولكنّها بعيدة كلَّ البعد عن المشاعر الإنسانيّة كالمحبّة والرحمة وغيرها من فضائل الروح، وغالبًا ما تولّد الخوف والقلق.

أمام أنواع الكوارث المتعدّدة التي تتعرّض لها الإنسانيّة بعامّة في عصرنا الحاضر، يتحدّث الفلاسفة، اليوم، وأيضًا علماء الإجتماع والبيئة، عن ضرورة اتّخاذ موقف جديد تجاه هذه التقنيّة الواسعة الهدّامة، حتّى إنّ أشخاصاً بعيدين عن الكنيسة، ينادون بضرورة العودة إلى التوبة، إلى الخروج من هذا التقدّم الخالي من الروح إلى النسك والعبادة. لذلك بات من الضروري بمكان، في أيّامنا هذه، استعادة فكر الآباء القدّيسين بما يختصّ بالرأفة الكونيّة التي يشعر بها القدّيسون حيال الخليقة بأسرها[1].

إذا كان الإنسان يُعتبر ملك الخليقة، وجب عليه، إذًا، أن يتعامل معها بطريقة ملوكيّة بحسب المثال الذي أظهره لنا ملك الملوك المسيح نفسه، فلا يدمِّرُ ولا يفني بل يخدم ويجمِّل.

علاقة الإنسان بالحيوان

بعد سقوط الإنسان من الفردوس، أضحت الحيوانات متوحّشة عنيفة, تتألّم وتعاني بصمت، ومن دون ذنب، متخطّية الإنسان في ألمها وموتها.

جرَّب الشيطان السيّد المسيح في البريّة، وكان يسوع يعيش برفقة الحيوانات المتوحّشة وكانت الملائكة تخدمه: “وكان مع الوحوش وكانت الملائكة تخدمه” (مر 13:1).

في حضارة هذا العصر، التي اختفى فيها كلّ ما هو أصيل، والتي تعتمد على الآلة، أصبحت الحيوانات، التي لم تفقد أصالتها، بالنسبة للإنسان كومضة من أنوار الفردوس، وتذكُّرٍ لماضٍ بعيد، وكأنَّه تذكّر للطفولة وللعائلة وللمنزل الأبويّ .

يقول لنا القدّيس مكاريوس الكبير: “لقد أشفق الخالق على آدم عندما سقط وطُرد من فردوس النعيم، ومات عن الحياة مع الله، فالملائكة وكلّ القوّات السماويّة، والأرض وكلّ الكائنات المخلوقة ندبت موته وسقوطه. لقد رأت تلك المخلوقات سيّدهم وقد أمسى الآن في حالة العبوديّة، وأدركته قوّات الظلمة الرديئة المتمرّدة”.

وعبّر القدّيس سمعان اللاّهوتيّ الجديد عمَّا أصاب الخليقة بعد سقوط الإنسان وخسارته للفردوس بقوله:” عندما رأت كلّ المخلوقات آدم مطروداً من الفردوس، تمرّدت على  من اقترف الخطيئة: فالشمس أبت إنارته، والقمر والنجوم رفضوا أن يشرقوا نورهم عليه، والينابيع رفضت إعطاءه المياه، والأنهار توقّفت عن إكمال جريها، والهواء حجز نسيمه ومنع آدم عن التنفّس بسبب المعصية”.

عندما نظرت حيوانات البريَّة آدم مُعرَّى من مجده الأوّل، احتقرته، وللحال تأهّبت للإنقضاض عليه. حتّى الأرض لم تعُدْ تُطق حمله أو احتضانه. إلاَّ أنَّ الله، لكثرة رحمته، أمر المخلوقات بأنّ تظلّ خاضعة للإنسان، منتظرة توبته ورجوعه إلى رتبته الملوكيّة الأولى، لكي يعود كائنًا روحيًّا غير زائل. وهذه الصيرورة لا تحصل من أجل ذاته فقط، إنَّما بتحوّله هذا يغيِّر ويحوِّل، معه، الكون كلَّه. الخليقة بأسرها تعاني من سقوط آدم وتنتظر تأليهه. في أيّامنا الحاضرة، حيث تكاثرت الخطيئة واستفحلت، ما زلنا نجد أشخاصًا يُجسِّدون حالة التجلّي هذه. إنَّهم القدّيسون مثال آدم الجديد.

القدّيسون والحيوانات

من المعروف جدًّا بأنَّ للحيوانات دالّة وإلفة مع القدّيسين، فهي تقترب منهم “لأنَّهم يشتمّون فيهم رائحة الفردوس الزكيّة” بحسب تعبير القدّيس إسحق السريانيّ. فالدببة، مثلاً، كانت تزور القدّيس سيرافيم ساروفسكي، وكذلك القدّيس سيرجيوس رادونيج، إذ كان دبّ يتردّد عليه مدّة سنة كاملة، وكان القدّيس يكتسر وإيّاه كسرات الخبز. وعندما لا يتبقّى لديه إلاَّ كسرة واحدة، فكان يعطيها للدُبّ ويظلُّ هو بلا طعام، “لأنّ الحيوان المفترس، حسب قوله، لا يعقل ولا يفهم ضرورة الصبر والاعتدال”.

ويقال عن القدّيس جراسيموس الذي من آلاسكا بأنّه كانت تعيش بالقرب من منسكه القاقوم، وهي حيوانات صغيرة تتميّز بالخوف والضعف، إذ تهرب من كلّ إنسان تصادفه، لكنَّها كانت تجري نحو المغبوط جراسيموس وتأكل من يده. وكانت، هي بدورها، تنظر إلى القدّيس كيف كان يُطعم الدببة. نجد أخبارًا كثيرةً من هذا النوع في حياة القدّيسين الذين كانت تأتيهم الأسود لتخدمهم كالقديس بولس الثيبي والقدّيسة مريم المصريّة التي حفر أسد قبرها. والأيّلة التي كانت تنقذهم من خطر الجوع، فترضعهم وتغذّيهم من لبنها. والغراب يجلب لهم الخبز كإيليّا النبيّ والقدّيسين بولس الثيبي وأنطونيوس الكبير. يعود الإنسان إلى حالته الفردوسيّة عندما يجتهد في إصلاح ذاته وتنقيتها وإرجاعها إلى حالتها الملوكيّة التي كانت عليها قبل السقوط، وهكذا يلبس الحُلَّة الأولى، ويصبح كاهنًا على كلّ الخلائق.

الحيوانات لا تنوح وتتألّم، فقط، مع الإنسان إنّما هي متعطّشة أيضًا لله، ولما نسمّيه نحن حالة التبنّي والفداء (كما في رو 20:8-22): “وأرى أنّ آلامنا في هذه الدنيا لا توازي المجد الذي سيظهر فينا، فالخليقة تنتظر بفارغ الصبر ظهور أبناء الله. وما كان خضوعها للباطل بإرادتها، بل بإرادة الذي أخضعها، ومع ذلك بقي لها الرجاء أنّها هي ذاتها ستتحرّر من عبوديّة الفساد، لتشارك أبناء الله في حرّيتهم ومجدهم. فنحن نعلم أنّ الخليقة كلّها تئنّ حتّى اليوم من مثل أوجاع الولادة، وما هي وحدها، بل نحن الذين لنا باكورة الروح نئنّ في أعماق نفوسنا منتظرين من الله التبنّي وافتداء أجسادنا…”. هذه الحيوانات هي قادرة، أيضًا، من جرّاء تعاملها مع القدّيسين والشهداء أن تدخل في الفُلك الجديد أيّ في الكنيسة. وقد نجسر على القول بأنّها تتألّه (تتقدّس) هي بدورها، أيضًا، بفعل تقديس وتأليه الطبيعة بأسرها. وهناك رواية ظريفة في حياة القدّيسين، وهي أنّه في أيّام اضطهاد المسيحيّين في القرون الأولى، كانت الأسود والنمور ترفض أن تهاجم أو تتعدّى على الشهداء، فكانت هذه الوحوش الضارية تُقتل كالإنسان، وتُطرح خارج أسوار روما. ويا للعجب! فلقد كان المسيحيّون يجدون، ليس أجساد القدّيسين، فقط، غير مصابة بأذى وسليمة، إنّما أجسام الحيوانات، أيضًا، ما تزال على حالها بعد عدّة سنوات من مقتلها، وكأنّها ما عادت تنتمي إلى هذا العالم.

تاتيانا غورتشفا –عن مجلة contact.

الحيوانات في الفكر الأرثوذكسي

–       2 –

مكانة الحيوانات في حياة النسك والروحانيّة الأرثوذكسيّة.

يمتنع الرهبان الأرثوذكس، وبشدّة، عن كلَّ غذاء يحوي لحومًا. كذلك يُدعى كلّ مؤمن أن يماثلهم في كلّ أربعاء وجمعة من كلّ أسبوع، وفي فترات معيّنة من السنة إستعدادًا للأعياد الكبرى، وبخاصّة في الصوم الأربعينيّ المقدّس،  حسبما يأمر مجمع الرسل المنعقد في القرن الأوّل “بالإمتناع عن الدم والمخنوق…” (أعمال 15/29).

ففي روسيا، مثلاً، لا يقتلون الحمام واليمام، ولا يستهلكونه في غذائهم، لأنَّه يرمز إلى الروح القدس. كما إنّهم لا يصطادون الأرانب، حتّى البريّة منها، لأنَّ آثار بصماتها على الثلج لها شكل صليب. لقد شرح اللاّهوتيّ فلادمير سولوفييف معنى الصوم الجسديّ في الحياة الروحيّة، فقال: “إنَّه الامتناع عن الدَّم، وبالتحديد عن لحوم الحيوانات ذات الدم الحارّ. أمّا دور الإنسان بالنسبة للخليقة، فهو في إحيائها وليس في قتلها. إنّ هدف الصوم، وما يميّزه عن الأمور الأخرى هو إعادة إصلاح النظام في علاقتنا مع الطبيعة”. يتلاءم الصوم، في النسك المسيحيّ الشرقيّ، مع التأمّل في الطبيعة، لأنّ معرفة الله ورؤية مجده يحتجبان في الكائنات والأشياء.

ولقد كتب القدّيس مكسيموس المعترف قائلاً: “عندما كوّن الله الطبيعة المنظورة لم يسمح لها بأن تتديّر (تتحرّك) بحسب الغريزة فقط، إنَّما وضع لكلّ نوعٍ من الكائنات روح حكمة ومبادئَ سلوكٍ أخلاقيٍّ، وهكذا أظهرت هذه الكائنات للإنسان شرائع وقيمًا وجد فيها مدرسةً طبيعيةً يتعلم منها ودربًا سهلاً  يقوده نحو الله”. ويفسّر لنا القدّيس إسحق السريانيّ ما المقصود بالقلب الرؤوف، فيقول: “هو قلب يشتعل محبّة بالخليقة كلّها، بالناس، بالطيور، بالحيوانات. يذرف الدمع عندما يفتكر بهم أو ينظرهم متألّمين. فيرى أصغر الآلام التي تلحق بالخليقة، وينفطر قلبه عليها، فيصلّي، مثلاً، من أجل الحيّات، وتقوى رأفته ليصير على صورة الله”. وهكذا، شيئًا فشيئًا، يستعيد حالة الأمان والثقة التي كانت لديه وهو في الفردوس، وتصبح العلاقة بين الإنسان الروحيّ والحيوانات مسالمة. ويضيف القدّيس إسحق السريانيّ في هذا الصدد: “ما إن ترى الحيوانات المفترسة الإنسان الروحيّ حتّى تهدأ همجيّتها ولا تعود ضارية، فتقترب منه، وتهزّ رأسها، وتلطع يديه وقدميه، لأنّها تشعر بالرائحة الزكيّة الصادرة منه كما كانت لدى آدم قبل سقوطه في الفردوس عندما ذهبت إليه خاضعة له، وأعطاها أسماءها. هذه الرائحة التي انتُزعت منّا، ويعيدها المسيح إلينا بالعطر الجديد الذي نحصل عليه بالمعموديّة وبمسحة الميرون المقدّس. ليس بعد الآن لرائحة الموت مكان، بل لعطر القيامة، ولا سبيل للخوف والشراسة، بل للمؤانسة والتآلف”.

كثيرة هي الروايات التي تتعلّق بعودة الإنسان إلى حالته الأولى، وتقرّبه من الحيونات وبخاصّة في سير آباء الصحراء. من الأمثال التي حدثت مؤخّرًا في منتصف القرن العشرين ما ورد عن ناسك كان يعيش في جزيرة باتموس في مغارة بالقرب من البحر، وكان يتعاطى مع الأفاعي طبقًا لقول إنجيل مرقص: “ويحملون الحيّات” (مر18:16). كان يضع في مغارته أكوابًا صغيرة مملوءة حليبًا، فكانت تأتي الأفاعي لتشرب منها. وفي إحدى الأيّام أتاه بعض أولاد القرية المجاورة، واكتشفوا الأفاعي، فاستعدّوا لقتلها رميًا بالحجارة، فبادرهم القدّيس بقوله لهم: “اتركوها فهي أيضًا من مخلوقات الله”.

ويطالعنا مثال آخر من حياة القدّيس سيرافيم ساروفسكي، إذ أتته مرّة راهبة لتراه في منسكه، ولمّا رأته جالسًا على جذع شجرة يطعم دبًّا، صرخت من خوفها، فأمر القدّيس الدبّ بالابتعاد قليلاً، فقالت له الراهبة: “إنّني أكاد أموت من الخوف”: فقال لها القدّيس: “كلا، يا أمّي، ليس هناك موت إنّما فرح”. ثمّ أجلسها إلى جانبه، ونادى الدبّ وأعطاها خبزًا لكي تطعمه هي بيدها. ولقد وصفت الراهبة وجه القدّيس بأنّه كان مشعًّا بالفرح وضّاء يلمع كالنور وكأنّه ملاك. ثمّ أضافت قائلة: “وعندما هدأتُ تمامًا ناولني الأب الكسرة الأخيرة، وطلب منّي إطعامه  بنفسي. فأجبته بأنّني خائفة، وسوف يبتلع يدي. فقال لي الأب: “لا يا أمّي، ثقي جيّدًا بأنّه لن يأكل يدك”. عندها أخذت الخبز وناولته للدبّ. وبفرح كبير أردت إعطاءه أيضًا، لأنّ الحيوان كان لطيفًا جدًّا معي. وعندما رآني الأب قد سكن روعي قال لي: “أرأيت، يا أمّي، كان الأسد خادمًا للقدّيس جيراسيمس، والآن، صارالدبّ صديقًا للحقير سيرافيم”. هذا ما اختبرته أنا الخاطئة بفضل صلوات الأب سيرافيم”.



[1] اعتاد القدّيس إسحق السوريّ بسبب الحبّ المتدفّق في قلبه أن يصلّي من أجل الخليقة بأسرها حتّى الشياطين. كذلك نقرأ عند القدّيس سلوان الآثوسيّ عن صلاته من أجل خلاص شعوب الأرض بأسرها بمعرفتهم الله بواسطة انسكاب الروح القدس. وأيضاً عن رأفته حتّى بأوراق الأشجار و الحشرات…. ( المعرّب)