Monthly Archives: March 2012

السنة الثامنة – العدد السادس – آذار 2012

السنة الثامنة – العدد السادس

آذار 2012

 

مختارات آبائية

شرح دستور الإيمان – 3

القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس

 

حياة روحية

البذار الذي وقع على الطريق

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي، دده – الكورة

 

عظة

سبت لعازر

الأرشمندريت توما بيطار

 

لاهوت

كيف رد الآباء على الهراطقة

الأب يوحنا رومانيدس

 

الموقف الأرثوذكسي من قضية انبثاق الروح القدس

الأب جورج عطية

 

حياة روحية

الاعتراف والكفارات في الكنيسة الأرثوذكسية

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس


يسوع الثائر والمحرر

ماريا قبارة

 

دراسات كتابية

الاسم الإلهي في الكتاب المقدس

الخورية سميرة عوض ملكي

 

أبطال روحيون

أليبيا المباركة المتبالهة من أجل المسيح

السنة الثامنة – العدد الخامس – شباط 2012

السنة الثامنة – العدد الخامس

شباط 2012

 

مختارات آبائية

حول إنجيل المخلّع

القديس غريغوريوس بالاماس

 

دراسات آبائية

القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم والرهبنة

الأب باسيليوس الأثوسي

 

عظة

طعامنا الحقّ في الصّوم

الأرشمندريت توما بيطار

 

لاهوت

التقليد الأرثوذكسي

الأب يوحنا رومانيدس

 

القوانين الكنسية كدواء

الخورية سميرة عوض ملكي

 

ملخّص تعليم الكنيسة عن سر الثالوث

الأب جورج عطية

 

حياة روحية

الأرثوذكسية والعلاج الإدراكي

الأب أنطوان ملكي

 

قصة

أيٌّ منهما هو التقليد؟

من الأدب الروسي

 

رجل وأربع زوجات

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي، دده – الكورة

طعامنا الحقّ في الصّوم

طعامنا الحقّ في الصّوم

الأرشمندريت توما بيطار

باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين.

يسوع كان يعلّم. التّعليم، بالنّسبة إلى يسوع، هو إطعام الغذاء الإلهيّ للّذين يريدون أن يسمعوا. الكلام الإلهيّ لا يُسمَع بالأذن الخارجيّة وحسب؛ ولا يُسمَع بالعقل وحسب؛ وليس المطلوب، فقط، أن يفهم الإنسان ما يعلّمه يسوع. تعليم يسوع موجَّه، أوّلاً وقبل كلّ شيء، إلى القلب. وهو موجَّه إلى القلب، لأنّه حياة، لأنّه روح؛ وهو سبق أن قال، في أكثر من مناسبة: “الكلام الّذي أكلّمكم به هو روح وحياة”. الرّبّ يسوع، الإله المتجسِّد، يشاء أن يعطينا، لا تعليمًا جديدًا؛ ولا نظريّة جديدة؛ إنّما يشاء، بتعليمه، أن يعطينا حياة جديدة. هذا هو الفرق الأساسيّ بين المسيحيّة وديانات الأرض.

لهذا السّبب، المسيحيّة ليست ديانة. المسيحيّة لا تحدّث عن الله وحسب؛ ولا تعطي وصايا وحسب؛ ولا يتكلّم الله من خلالها لكي يخضع النّاسُ له. الرّبّ يسوع يعطينا ما لا يمكن أحدًا أن يعطينا إيّاه. الرّبّ يسوع المسيح شاء أن يعطينا حياة جديدة، حياة أبديّة؛ شاء أن يعطينا روحه. يسوع هو الكلمة؛ فإذا تكلّم، فإنّه، في الحقيقة، يعطي نفسه. كلّ كلمةٍ من كلمات الرّبّ يسوع تتضمّن حضوره بالذّات. لهذا السّبب، نحن، حين نقرأ في الكتاب المقدّس؛ فلا يجوز لنا، ولا يليق بنا أن نقرأ في الكتاب وكأنّنا نقرأ كلمات تحمل معاني. حين نقرأ الكتاب المقدّس، نحن ندخل في وصال مع الرّبّ يسوع! نحن نقف في حضرة الرّبّ يسوع! نحن نأكل، بمعنًى من المعاني، الخبز الحيّ الّذي هو الرّبّ يسوع، والّذي يعطينا إيّاه تحت علامة الكلمة. لهذا السّبب قيل: “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلّ كملة تخرج من فم الله”. الكلمة هي الخبز الحقيقيّ. لذلك، نحن نقف بإزاء الكتاب المقدّس، قبل أن نباشر بقراءته، وِقفة صلاة؛ لأنّنا نكون واقفين في حضرة الله. نعمة الله في الكتاب المقدّس. نحن نقبّل الكتاب المقدّس، لأنّنا نقبّل يسوع. القبلة، دائمًا، هي أداة وصال. نحن نصلّي، قبل أن نقرأ؛ لأنّنا لا نستطيع أن نفهم بعقولنا، مهما حاولنا. نحن نفهم الكتاب المقدّس بالرّوح الّذي تكلّم به الرّبّ يسوع المسيح. هذا كلام ينضح بروح الله، ولا يمكن أن يُستوعَب إلاّ بروح الله. إذًا، نصلّي قبل أن نقرأ الكتاب المقدّس؛ لأنّنا نريد أن ندخل في عشرة الله. نطلب أن ندخل في وصال مع الله، في محبّة الله. إذا كان هذا هو فهمنا للكتاب المقدّس، فإنّنا، إذ ذاك، نكون قد بدأنا نسلك باستقامة من جهة ما لله؛ وإلاّ فإنّنا نبقى خارجًا.

الكتاب المقدّس، في الحقيقة، نحن لا ندرسه، ولا ندرِّسه في معاهد اللاّهوت، أو في الجامعات. الكتاب المقدّس ندرسه وندرّسه في إطار الصّلاة والعبادة؛ في إطار السّعي الحثيث لتنقية القلب. طبعًا، في معاهد اللاّهوت، وفي الجامعات الّتي تدرّس الكتاب المقدّس، يتمّ الاهتمام بما هو بشريّ في الكتاب المقدّس، إذ فيه بعد بشريّ. هذا مؤكَّد. لكنّ الكتاب المقدّس كتاب إلهيّ وبشريّ، في وقت واحد. والأهمّ من ذلك هو أن نُعطى من فوق روح الفهم، حتّى يتحوّل كلام الله فينا إلى حياة جديدة؛ لأنّنا نتناول، بمعنى من المعاني، خبزًا سماويًّا! لا شكّ في أنّ الخوض في بعض الدّراسات عن الكتاب المقدّس قد يكون مفيدًا لنا. هذا يعين، لكنّه ليس بكافٍ. لا بدّ لنا من أن ندرس تاريخ الكتاب المقدّس؛ لا بدّ لنا من أن ندرس الكتاب المقدّس من زاوية فيلولوجيّة لغويّة؛ لا بدّ لنا من أن نخوض في ما له علاقة بالعادات والتّقاليد في الزّمن القديم؛ لا بدّ لنا من أن نخوض في هذا وأكثر. لكنّ هذا يكون نافعًا، فقط، إذا كنّا، من حيث المبدأ وفي المنطلق، نقف بإزاء الكتاب المقدّس وكأنّنا واقفون بإزاء الله. هذا هو الأساس. إذا كان هذا الأساس غير متوفّر، فإنّنا نبقى جَهَلَةً، مهما درسنا الكتاب المقدّس، ومهما محّصنا معانيه، ومهما تبادلنا ما قاله فلان وفلان بشأنه. الكتاب المقدّس يمرّ بالأذن، ويعبر بالعقل، لكي يستقرّ في القلب؛ لأنّه، في نهاية المطاف، يروم تغيير الإنسان في عمق القلب. الحياة الجديدة تُعطى لنا في القلب. والحياة الجديدة، الحياة الأبديّة هي، بالضّبط، أن تستقرّ محبّة الله في قلوبنا.

إذًا، كلّ محاولة لدهرنة الكتاب المقدّس، لجعل الكتاب المقدّس كتابًا كغيره من الكتب، هي محاولة شرّيرة؛ هي محاولة لا يمكن أن تكون من الله. نحن لو حاولنا أن نستعيد طريقة تعامل بعض القدّيسين مع الكتاب المقدّس، لأدركنا أنّهم كانوا يمسكون بالكتاب المقدّس كما يمسك الكاهن الصّينيّة والكأس في الذّبيحة المقدّسة. القدّيس سيرافيم ساروفسكي كان يأبى أن يقرأ الكتاب المقدّس وهو في وضع الجلوس، لأنّه كان ينظر إلى الكتاب المقدّس من حيث إنّه لا يُقرأ إلاّ صلاتيًّا. كان يقف وِقفة صلاة، ويمسك بالكتاب المقدّس كما كان سمعان الشّيخ يمسك بالرّبّ يسوع المسيح طفلاً، حين دخل به يوسف ومريم. وإذ كان القدّيس سيرافيم يقرأ في الكتاب المقدّس، كان يواجه الأيقونات؛ ويضيء الشّموع بإزائها؛ ويعي، في داخل نفسه، أنّه لا يقرأ وحسب، بل يسمع وهو يقرأ ما يقوله الرّبّ الإله له. القدّيس سيرافيم لم تكن عنده مسافة بين الله والإلهيّات؛ بين الرّبّ الإله وكلمة الله. كلمة الله، بالنّسبة إليه، مشبَعَة بالحضرة الإلهيّة، بالنّعمة الإلهيّة، بالرّوح الإلهيّ. لذلك، جعل لنفسه، في الموضِع الّذي نسك فيه، زوايا هنا وهناك وهنالك؛ فأسمى هذه الزّاوية “أورشليم”، وتلك الزّاوية “النّاصرة”، والزّاوية الثّالثة “بيت لحم”، وهكذا دواليك. وإذ كان يتّجه إلى زاوية من هذه الزّوايا، كان يرتحل بالذّهن إلى أورشليم، أو إلى النّاصرة، أو إلى بيت لحم، أو إلى أريحا… الشّيء نفسه كان يفعله في قراءته للكتاب المقدّس. كان يرتحل بالذّهن إلى تلك السّانحات الّتي تكلّم فيها الرّبّ يسوع. وطبعًا، هذا ليس مجرّد تخيّل. هذا خروج، بمعنى من المعاني، من حدود المكان والزّمان، لكي يجعل الإنسان نفسه بالرّوح، بالقلب، في حضرة الله. بالصّلاة، الإنسان يتخطّى، دائمًا، الأمكنة والأزمنة. الصّلاة هي النّعمة الكبرى الّتي منّ بها الرّبّ يسوع المسيح علينا. الصّلاة هي ما يتخطّى، عمليًّا، حدود الإنسان، حدود الخليقة. الصّلاة، في عمقها، فيها ما هو غير مخلوق، إذ كيف يمكن الإنسان أن يخاطب الإلهَ الخالقَ بما هو مخلوق؟! هذا مستحيل! لهذا السّبب، سأل تلاميذُ الرّبّ يسوع معلّمَهم: “علّمنا أن نصلّي”! الصّلاة الّتي نصلّيها، الصّلاة الّتي تنبثق من الصّلاة الرّبّيّة “أبانا الّذي في السّموات”، هذه الصّلاة تتخطّى حدود الزّمان والمكان، تتخطّى حدود البشرة؛ لتستقرّ، بروح الله، في قلب الله. هذا يتمّ، إذا التزم الإنسان الصّلاة بالرّوح والحقّ.

إذًا، الكتاب المقدّس كان القدّيس سيرافيم يقرأه صلاتيًّا. لذلك، كانت قراءته تبعث في نفسه الفرح الكبير! أحيانًا كثيرة، حين يكون للأمّ، مثلاً، ولد في الغربة، ويرسل إليها برسالة؛ فإنّها تأخذها بين يديها. قد تكون عارفةً بالقراءة، وقد لا تكون. لكنّها، إذ تأخذ هذه الرّسالة؛ فإنّها، عمليًّا، في قلبها، تتخطّى الخطوط، وتتخطّى الحروف، وتتخطّى المعاني إلى وضعﹴ فيه تماسّ مباشر مع الّذي كتب هذه الرّسالة، مع الّذي أرسل إليها هذه الرّسالة! كثيرًا ما أخبرتُ عن تلك المرأة الّتي لم تكن تعرف القراءة والكتابة، والّتي طلبت، مرّة، أن يُؤتى لها بكتاب الصّلوات؛ فجيء لها به؛ فأخذته بين يديها، وأخذت تتصفّح أوراقه، وتنظر فيه هنا وهناك بفرح كبير، لأنّ عينيها كانتا تنظران إلى ما يخصّ الله، إلى ما له علاقة بالله، وكانت قدّامها أيقونة للسّيّد؛ فنظرت فيها، وقالت للسّيّد: “يا سيّد، لم يعلّموني القراءة، ولا الكتابة. لكنّني أصلّي لك كلّ ما في هذا الكتاب”! الفهم أمر مهمّ، لا شكّ في ذلك، بشريًّا. لكن، علينا، دائمًا، أن نتخطّى ما هو من أفهام النّاس. والرّبّ الإله يعطينا فهمًا أعمق من كلّ الأرض، ومن كلّ الخليقة. اليهود كانوا يعيّرون يسوع: “كيف يعلّم هذا، وهو لا يعرف الكتب؟!”! ماذا كان جوابه في إحدى المناسبات؟! “كلامي ليس لي، بل للّذي أرسلني”! الفهم الأعمق من الفهم العقليّ هو أن يدرك القلب روح الله. بروح الله يستوعب المؤمن كلّ شيء.

إذًا، ما للبشرة، ما للّحم والدّم، ما للعقل نفيد منه، نقرأه؛ لأنّه أمر طبيعيّ جدًّا أن يخوض الإنسان في كلّ ما له علاقة بالله؛ ولكن، هذا يكون، أوّلاً وأخيرًا، بروح الرّبّ، بروح التّوبة، بروح الصّلاة، بروح الصّيام، بروح السّلوك في الفضيلة، بروح المحبّة الإلهيّة. بهذا، يقرأ المؤمن الكتاب المقدّس كالطّفل الجائع إلى صدر أمّه، والرّبّ الإله يعطيه خبزًا من لدنه، لكي يأكل ويشبع. كان يسوع يعلّم؛ إذًا، كان يسوع يعطي نفسه. وهذا ما فعله الرّبّ يسوع. حيثما كان يذهب، كان يعطي نفسه. لم يكن له مكان يسند إليه رأسه، لأنّه جاء لكي يكون هو المسند. كما استند يوحنّا الحبيب إلى صدر السّيّد، هكذا شرّع الرّبّ يسوع صدره للعالَمين، حتّى يستكينوا إليه، حتّى يرتاحوا إليه. المهمّ، في نهاية المطاف، أن تتحرّك أسماع النّاس، أسماعنا من الدّاخل؛ أن يسمع الإنسان بأذنيه الدّاخليَّتَين، بالرّوح والحق. ومن هناك، تستقيم المسيرة، ويدخل الإنسان إلى داخل الحجاب.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة في السّبت 8 تشرين الأوّل 2011 حول لوقا: لو5: 17- 26.

حول إنجيل المخلّع

حول إنجيل المخلّع*

القديس غريغوريوس بالاماس

إن الذي يستسلم للملذات هو مفلوج نفسياً قابع على سرير محبة اللذة، معتقد بأنه هكذا يكون في راحة جسدية. لكن عند اقتناعه بالنصائح الإنجيلية وعند اعترافه يظفر على خطاياه، وهكذا يداوي شلل النفس. عندها يُحمَل من قِبَل أربعة، على مثال المخلّع: دينونته الحاصة لنفسه، اعترافه بخطاياه السابقة، وعده بالابتعاد في المستقبل عن كل شر، وابتهاله إلى الله الرحيم. ولكن هذه الأربعة لا تستطيع ان تقرّبنا إلى الله إن لم ننبش السقف مزيلين القرميد والتراب والمواد الأخرى. السقف بالنسبة لنا هو القسم العاقل من النفس لأنّه أسمى ما يوجد فيها. هذا القسم فيه مواد كثيرة تغطّيه، وله صلةٌ وثيقة بالأرضيّات وبالأهواء المختلفة. عندما تنكشف هذه المواد وتزول عن طريق العناصر الأربعة المذكورة أعلاه، عندها نستطيع بالفعل أن نتوجّه إلى الربّ أي أن نتواضع في الحقيقة، أن نسجد ونقترب إلى الرب ونطلب منه الحصول على الشفاء.

لكن متى تحصل مثل أعمال التوبة هذه؟ عندما جاء يسوع إلى مدينته أي عندما أتى إلى العالم كإنسان. والعالم هذا هو خاصته لأنّه من إبداعه كما يقول الإنجيلي يوحنا: “إلى خاصته أتى وخاصته لم تقبله. وأمّا كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه” (يوحنا 11:1-12). هكذا عندما يسجد الذهن الذي عانى الشلل بإيمان يسمع للحال الربّ يدعوه “يا بنيّ”، ويتقبّل منه الغفران والشفاء ليس فقط هذا، بل أيضاً يحصل على القدرة التي تجعله ينهض ويحمل سريره عل  كتفه، السرير الذي كان مستلقياً عليه. أعني بالسرير الجسد المادي المرتبط به والذي به يتمّم الذهن الخاضع للشهوات الجسدية أعمال الخطيئة.

لكن بعد الشفاء يسود الذهن على الجسد ويرشده، فيصبح الجسد خاضعاً له. ويظهر الذهن عن طريق الجسد ثمار التوبة وأعماله حتى أن الشهود على كل ذلك يمجّدون الله عندما يرون اليوم إنجيلياً كان بالأمس عشاراً، رسولاً كان مضطهداً، لاهوتياً كان لصاً، ابن الآب السماوي مَن كان بالأمس يعيش ويتصرّف مع الخنازير. فتراه إن شئتَ يحقق مصاعد في قلبه ويرتقي من مجد إلى مجد، ويتقدّم كل يوم نحو الأفضل. لذلك قال الرب لتلاميذه: “فليضئ نوركم هكذا قدّام الناس لكي يروا أعمالكم الصالحة ويمجّدوا أباكم الذي في السماوات” (متى 16:5).

لا يقول الرب هذا لتلاميذه لكي يظهروا أنفسهم بل لكي يتصرّفوا بطريقة لائقة مرضية لله. كما أن النور بدون جهد يجذب أعين الناس كذلك السيرة الحسنة المرضية لله تجذب إليها العينين مع الذهن أيضاً. وكما أنه بالنسبة لنور الشمس لا نمتدح الهواء الذي يشترك في ضياء النور بل الشمس نفسها التي تعطي ضوءها (وإن كنّا نمتدح الهواء فكم بالأحرى يجب علينا أن نمتدح الشمس؟)، كذلك الشيء نفسه يحصل مع الذي، عن طريق أعمال الفضيلة، يُظهر لمعان شمس العدل. أي أنّ هذا الإنسان يرفع ذهن المشاهدين إلى مجد الآب السماوي، مجد شمس العدل، مجد المسيح.

عندما أكون معكم في الكنيسة أمام الله يجول نظري فأرى أولئك الذين بخشوع وتقوى يرسلون التسابيح والطلبات إلى الله، وأرى مَن يقف صامتاً مصغياً بإمعان إلى القداس الإلهي، فأمتلئ للحال حماسة وتمتلئ نفسي امتناناً وشكراً فأمجّد المسيح الذي بدونه لا يستطيع أحد أن يفعل شيئاً صالحاً وعن طريقه يفعل الناس كلّ شيء صالح.

لكن ماذا نقول عن أولئك الذين في الكنيسة لا يصمتون ولا يشتركون في التسابيح بل يتكلّمون فيما بينهم ويخلطون بين العبادة العقلية وأحاديثهم، فلا يسمعون الأقوال الشريفة الملهَمة من الله ويمنعون في الوقت نفسه أولئك الذين يريدون أن يسمعوها؟ يقول لهم إيليا النبي: “إلى متى أنتم تعرجون بين الجانبين؟” (3ملوك 21:18). تريدون في الوقت نفسه أن تتبعوا الصلاة وأن تتباحثوا في مواضيع باطلة دنيوية، فلا تنجزون أياً من الأمرين بل تهدمونهما كليهما وتصبحون عثرة للآخرين. ترى متى تتخلّون عن هذه الأقوال الباطلة التي بها تحوّلون بيت الصلاة إلى بيت تجارة تسود فيه شتّى الأهواء؟

فلنجعل مَن يرانا يمجّد الله عالِمين أنّ هذا البيت يحوي في داخله المسيح الذي يشفي النفسَ المخلَعة بالخطايا الكثيرة ويحثنا على أن نوجّه حواسنا الجسدية ومعقولنا نحوه، بذهن روحي محبّ لله دون أن تسيطر علينا شهواتنا الجسدية. هكذا نتوجّه إلى بيتنا الحقيقي، إلى وطننا السماوي حيث المسيح ميراثنا ونصيبنا الذي يليق به كل مجد وقوة وإكرام وسجود مع أبيه الذي لا بدء له وروحه الكلي قدسه الصالح  والصانع الحياة الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين، ىمين.

* من كتاب “أناجيل الآحاد. الصوم الكبير والقيامة”. دير مار ميخائيل. منشورات النور. 1995

رجل وأربع زوجات

رجل وأربع زوجات

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

كان هناك تاجر غنيٌّ له أربع زوجات، وكان يحبّ الزوجة الرابعة أكثر منهنّ جميعًا، فيلبسها أفخر الثياب، ويعاملها بمنتهى الرقّة، ويعتني بها عناية كبيرة، ويقدّم لها الأفضل في كلّ شيء.

وكان يحبّ كثيرًا الزوجة الثالثة أيضًا، كان فخورًا بها، ويتباهى بها أمام أصدقائه، ولكنَّه كان، دائمًا، يخشى أن تتركه وتذهب مع رجل آخر.

وأحبَّ الزوجة الثانية أيضًا، فقد كانت شخصيّة محترمة، صبورة، وفي الواقع كانت موضع ثقة التاجر، فعندما كان يواجه المشاكل كان يلجأ لها دائمًا، وكانت هي تساعده في تجاوز المشاكل والأوقات العصيبة.

أمّا الزوجة الأولى، فمع أنَّها كانت شديدة الإخلاص له، وكان لها دورٌ كبير في المحافظة على ثروته وعلى أعماله، علاوةً على اهتمامها بالشؤون المنزلية، إلاَّ أنَّ التاجر لم يكن يحبّها كثيرًا، ومع أنَّها كانت تحبّه بعمق إلاَّ أنَّه لم يكن يلاحظها أو يهتمّ بها.

في أحد الأيّام مرض الزوج، ولم يمضِ وقت طويل حتّى أدرك أنَّه سيموت سريعًا. فأخذ يفكّر بحياته المترفة وقال لنفسه: “الآن لي أربع زوجات، ولكن عند موتي سأكون وحيدًا، وكم ستكون وحدتي شديدة”. وهكذا سأل زوجته الرابعة وقال لها: “لقد أحببتك أكثر منهنّ جميعًا، ووهبتك أجمل الثياب، وغمرتك بعنايةٍ فائقة، والآن أنا سأموت، فهل تتبعيني وتنقذيني من الوحدة؟”. فأجابته: “كيف أفعل ذلك؟ هذا مستحيل، غير ممكن ولا فائدة من المحاولة”. ثمّ مشت بعيدًا عنه دون أن تضيف أيّة كلمة أخرى. عصرت إجابتُها قلبَ التاجر المسكين بالألم كما بسكين حادّة، ولكنّه صمت ولم يردّ بشيء. فسأل التاجر الحزين زوجته الثالثة وقال لها:” أنا أحببتك كثيرًا جدًّا طوال حياتي، والآن أنا في طريقي إلى الموت، فهل تتبعيني وتحافظي على الشركة معي؟”. فردّت بسرعة: “لا. الحياة هنا جميلة، وسأتزوج واحدًا بدلاً منك”، غاص قلب التاجر في الحزن عند سماعه الإجابة وكاد يجمد من البرودة التي سرت في أوصاله. ثمّ سأل التاجر زوجته الثانية وقال لها: “لقد كنت، دائمًا، ألجأ إليك طالبًا المعونة، وكنت باستمرار تعينني وتساعديني، والآن ها أنا أحتاج معونتك مرّة أخرى، فهل تتبعيني عندما أموت، وتحافظين على الشركة معي؟”. فأجابته قائلة:” أنا آسفة. هذه المرّة لن أقدر على مساعدتك. إنَّ أقصى ما أستطيع أن أقدِّمه لك، هو أن أشيعك حتّى القبر”. إنقضَّت عليه إجابتها كالصاعقة، فعصفت بمشاعره تمامًا.

عندئذٍ جاءه صوت يقول له: “أنا سأتبعك، وسأغادر الأرض معك بغضّ النظر إلى أين ستذهب، سأكون معك إلى الأبد”. نظر الزوج حوله يبحث عن مصدر الصوت، وإذا بها زوجته الأولى، التي كانت قد نحلت تمامًا كما لو كانت تعاني من المجاعة وسوء التغذية. قال التاجر وهو ممتلئ من الحزن واللوعة: “كان ينبغي أن أعتني بك أفضل ممّا فعلت حينما كنت أستطيع”.

في الحقيقة كلّنا لنا أربع زوجات…

الزوجة الرابعة هي أجسادنا، التي مهما أسرفنا في الوقت والجهد والمال للاهتمام بها، لتبدو جميلة المنظر حسناء ، فإنَّنا لابدّ من تركها عند موتنا.

الزوجة الثالثة هي ممتلكاتنا وأموالنا ومنزلنا، التي نتركها عند موتنا، فتذهب لآخرين.

الزوجة الثانية هي عائلاتنا وأصدقاؤنا، فمهما كانوا قريبين جدًّا منَّا ونحن أحياء، فإنَّ أقصى ما يستطيعونه هو أن يرافقونا حتّى القبر.

أمّا الزوجة الرابعة، فهي في الحقيقة حياتنا الروحيّة وعلاقتنا مع الله، التي غالبًا ما نهملها، مهتمّين وساعين وراء المادّيّات من ثروة وجاه وأمور أخرى. ولكنّ الحقيقة التي لا بدّ أن نقف أمامها بصدق هي أنّ حياتنا الروحيّة هي الصديقة الوحيدة التي تتبعنا حيثما ذهبنا. إذًا، من الجيّد أن نزرعها في قلوبنا وحياتنا اليوميّة، ونقوتها بالأفعال التقويّة من مطالعة وصلاة وصوم… بدلاً من أن ننتظر حتّى نصبح في فراش الموت حيث لا نستطيع سوى أن نرثيها ونبكي عليها.

الحياة شمعة

سرعان مـا تنطفـــئ

فلنعمل، إذًا، قبل فوات الأوان

التقليد الأرثوذكسي

التقليد الأرثوذكسي

الأب يوحنا رومانيدس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

الموضوع الحالي هو ما هو جوهر التقليد الأرثوذكسي. يمنحنا التقليد الأرثوذكسي طريقة لشفاء النوس والنفس البشريين. لهذا الشفاء، كما سبق ذكره، مرحلتان: الاستنارة والتألّه. التألّه هو حالة تأهّل الإنسان لرؤية الله، وهو ضمانتنا بإمكانية الشفاء. هذه الطريقة العلاجية، هذه المسار العلاجي، اللذين يقدمهما التقليد الأرثوذكسي، تسلمهما جيل من جيل من الناس الذين، ببلوغهم حالة الاستناة أو التألّه، صاروا معالجين لغيرهم. نحن لا نتحدّث هنا عن مجرد معرفة تمّ تمريرها بالكتب، بل عن تجربة، تجربة الاستنارة وتجربة التألّه، انتقلت بالتسليم تسلسلياً، من شخص إلى آخر.

نلاحظ في العهد القديم أن أحداً غير أنبياء الإسرائيليين وبطاركتهم لم يبلغ إلى حالتي الاستنارة والتألّه. هذه ظاهرة تاريخية. قبل الأنبياء، كان البطاركة. قبل موسى، كان إبراهيم. نجد في العهد القديم أن وعي حالات الاستنارة والتألّه كان موجودا حتّى قبل إبراهيم الذي عاين الله، ما يعني أنّه بلغ التألّه. هذا واضح تماماً. لدينا أيضاً إثبات من التقليد اليهودي بأن الاستنارة والتألّه وُجدا في الفترة قبل إبراهيم بين آبائه، كنوح مثلاً. بالنهاية، تقليد الاستنارة والتألّه هذا هو شيء تمّ تسليمه من جيل إلى جيل لاحق. لم ينشأ من لا شيء. لم يظهر فجأة في القرن الحادي عشر أو الثاني عشر قبل المسيح.

كما عندنا العهد القديم عندنا العهد الجديد حيث رؤية هذه الأمور أسهل، إذ إنّ الفترة التي يغطيها محدودة، بينما العهد القديم يغطي 1500 سنة من التاريخ. الآن يوجد تقليد مركزي موحِّد تدور حوله هذه الفترة الممتدة 1500 سنة. وهذا التقليد هو تقليد الاستنارة والتألّه الذي سُلِّم من نبي إلى نبي هو جوهر التقليد الأرثوذكسي. بتعبير آخر، جوهر التقليد الأرثوذكسي هو تسليم تجربة الاستنارة والتألّه من جيل إلى الجيل الذي يتلوه. إنّه يمتدّ زمنياً من إبراهيم في العهد القديم إلى يوحنا السابق. إنّه التقليد النبوي، تقليد البطاركة والأنبياء.

لكن حتّى قبل الفترة التي نتحدّث عنها، هناك فترة أولى، تمتّد من آدم إلى نوح إلى إبراهيم. اليوم، أكّد علم الآثار صحة الأحداث التاريخية المذكورة في العهد القديم أقلّه إلى زمن موسى. واليوم، ليس ما من أحد يشكك بالقيمة التاريخية لنص العهد القديم. ولكن حتّى قبل موسى، حتّى من زمن إبراهيم، تمّ اكتشاف آثار تؤكّد ما ورد في العهد القديم حول شخص إبراهيم.

إذاً، يمكن أن نرى أنّ جوهر التقليد الأرثوذكسي ليس في الكتاب المقدّس، بل في تمرير تجربة اللاستنارة والتألّه التي سُلِّمَت من آدم إلى زماننا.

يرى البعض اليوم أن ما يُسمّى اللاهوت التنزيهي هو فلسفة متأثّرة بالأفلاطونيين الجدد[1]. ما من شك بأنّ تعابير الأفلاطونيين الجدد مشابهة لتعابير ىباء الكنيسة. كما أنّ للأفلاطونيين الجدد لاهوتهم التنزيهي، ولكن مع فرق أساسي: تتميّز الأفلاطونية الجديدة بالوجد (ecstasy) الذي هو خبرة شيطانية برأي آباء الكنيسة. خلال تجربة الوجد، يترك العقل البشري حدود الزمان والمكان، يفقد كل تسلسل فكري ويتّحد بما هّو من المفتَرَض أنّه حقيقة ثابتة. بتعبير أخر، يدّعي الأفلاطونيون الجدد أنّهم يتخطّون الزمن والعالم المتغيّر. في هذه العملية، يرون أن الجسد سيء أو سلبي. لا يشترك الجسد في تجربة الأفلاطونيين الجدد ولا بأي شكل. بالنسبة لهم، اللاهوت التنزيهي بكامله هو ببساطة تطهير الفكر البشري من خلال اقتلاع كل العيوب المتأصّل في طبيعته المحدودة.

هذا التحرر من عيوب الفكر البشري هو مصدر اللاهوت التنزيهي النيوأفلاطوني. مع هذا، إنّ÷م لا يقومون بأي جهد ليتحرروا من الكون المخلوق، بل من العالم المتبدّل، لأن فلسفة الأفلاطونية الجديدة والمورائيات لا تتضمن مبادئ أو مفاهيم مثل الخلق من العدم أو الوجود غير المخلوق. إنّهم لا يميّزون بين المخلوق وغير المخلوق. على العكس، الفئة الأساسية في الفكر المسيحي هي التمييز الواضح بين المخلوق وغير اتلمخلوق إلى جانب التعليم باستحالة وجود أي شبه بينهما. هذه العقيدة ليست الأساسية في التقليد الآبائي وحسب، بل وأيضاً في التقليد اليهودي إلى اليوم.

إذاً، نحن مؤتَمَنون على كنز هو لاهوت التقليد الأرثوذكسي. اللاهوت الأرثوذكسي هو ذروة ونتاج عصور من التجارب التي كررها وجددها وسجّلها أولئك الذين اختبروا التألّه في مختلف الأزمنة. عندنا تجربة البطاركة والأنبياء كما خبرة الرسل اللاحقة. نحن ندعو كلّ هذه الخبرات “تمجيدأ” (glorification). أن نقول بأن النبي مُجِّد يعني أنّ النبي رأى مجد الله. القول بأن الرسول مُجِّد يعني بأنّ الرسول رأى مجد المسيح. برؤية مجد المسيح، تأكد الرسول بأنّ مجد المسيح في العهد الجديد هو مجد الله في العهد القديم. وعليه، المسيح هو يهوه وآلوهيم العهد القديم.

مع أنّه ليس واضحاً مَن هو الروح القدس، اكتشف الرسل ذلك بالتجربة. إن خبرتهم هي تكرار لتجربة الأنبياء مع فارق أن الرسل مُجّدوا بعد التجسّد: صار ليهوه العهد القديم طبيعة المسيح البشرية. ومع أنّ ثلاثة من الرسل مُجِّدوا جزئياً عند تجلي الرب عبى جبل ثابور، إلا إنّ الرسل جميعاً مُجِّدوا في العنصرة، حين بلغوا أرفع درجات التمجيد التي يمكن أن يبلغها إنسان.

بعد خبرات الرسل تأتي خبرات الذين مُجِّدوا ومنهم آباء الكنيسة والقديسون الذين بلغوا التألّه. وهكذا استمرّت خبرة التألّه بالظهور في كل الأجيال إلى اليوم. خبرة التألّه هذه هي جوهر التقليد الأرثوذكسي وقاعدة المجامع المسكونية والمحلية وأساس الشرع الكنسي والحياة الليتورجية اليوم.

إذا ابتغى اللاهوتي الأرثوذكسي اكتساب الموضوعية، عليه أن يتّكل على خبرة التألّه. بتعبير آخر، يمكننا إيجابياً أن نعلن أن تلميذ التقليد الآبائي اكتسب الموضوعية في نهجه اللاهوتي فقط عندما يجتاز شخصياً التطّهر ولاستنارة ويبلغ التألّه. بهذا السبيل لا يفهم الباحثُ التقليدَ الآبائي وحسب بل يتحقق بنفسه من حقيقة هذا التقليد بالروح القدس.

1-   الأفلاطونيون الجدد هو فلاسفة انتموا إلى آخر المدارس الفلسفية الإغريقية التي اتّخذت شكلها النهائي في روما في القرن الثالث بقيادة بلوتينوس (205-270م) كاتب الآنيادا.

ملخّص تعليم الكنيسة عن سر الثالوث

ملخّص تعليم الكنيسة عن سر الثالوث

الأب جورج عطية

من أمالي مادة العقائد

إننا نؤمن بحسب تعبير الدمشقي “بجوهر واحد وبألوهة واحدة في ثلاثة أقانيم متحدين بدون تشوش، ومتميّزين بدون انقطاع”.

وفي الحقيقة فالأقانيم الثلاثة المتساوون في اللاهوت والأزلية والمجد، ذوو الجوهر الواحد وغير المنقسمين، ليسوا بحسب تعليم الكتاب والآباء كما يمكن أن نتصوّر أجزاء للألوهة أو نوعيات مختلفة فيها أو مظاهر أو أوجه لها، بل أن كل منهم قائم في حد ذاته، فلا يحيا أو يعمل الواحد منهم بصورة خاصة أو منفردة بل اتحاد كلّي مع الآخرين. لهذا فهم ليسوا ثلاثة آلهى، إنما إله واحد.

من هنا قول القديس غريغوريوس اللاهوتي: “اننا نسجد لوحدانية في ثالوث وثالوث في وحدانية تجمع بغرابة بين الوحدة والتمايز.

فالوحدة تعني وحدة الطبيعة وتماثل الصفات والأفعال والإرادة، لأن الأقانيم الثلاثة الجوهر الإلهي الواحد من حهة، ولأن هناك تعايش بالتبادل والتداخل من جهة أخرى، إذ أن كل واحد منهم هو في الآخر بدون تشوّش أو اختلاط كما يعبّر السيد نفسه في انجيل يوحنا “أنا في الآب والآب فيّ” (يوحنا14: 11).

أما التمايز فلأن أقنوم كل منهم يتميز عن الآخر. فالآب هو غير الإبن وغير الروح القدس بالرغم من أن عند كل واحد منهم الألوهة بملئها. اله ورب هو الآب واله ورب هو الإبن واله ورب هو الروح القدس ولكنهم ليسوا ثلاثة آلهة أو أرباب، إنّما اله واحد إذ أن لهم كما قلنا الجوهر الإلهي والفريد بدون انقسام أو تجزؤ. لكن التمايز ليس بحسب الجوهر أو الطبيعة بل بحسب الأقنومية، لأن كل واحد من الأقانيم الثلاثة عنده الجوهر ذاته وإنما بطريقة تختلف عن الآخر. فالأقنوم الأول عنده الطبيعة الإلهية في ذاته أزلياً وبدون أن يقتبلها من أحد، الأقنوم الثاني يقتبل الوجود الإلهي أزلياً من الأقنوم الأول بالولادة، بينما الأقنوم الثالث بالإنبثاق. لهذا السبب يسمى الأقنوم الأول الآب، والأقنوم الثاني الإبن والأقنوم الثالث الروح القدس. ومميزات الأقانيم الثلاثة هي التالية:

  • الآب: هو غير مسبب وغير مبتدىء ولذلك يسميه الآباء () وهو بالطبيعة يلد الإبن ويفيض (يبثق) الروح القدس بدون هيولية أو هوى أو زمن.
  • الإبن: يولد أزلياً من الآب بدون انقطاع وهو يقتبل لا قسماً من جوهر الآب كما يحصل في حال الولادة البشرية، بل كامل الجوهر أو الطبيعة الإلهية، لأن الآب يعطي كامل وجوده للإبن بدون أن يفقد شيئاً من وجوده هو. وهذا العطاء يتم منذ الأزل. فيولد الإبن من الآب بدون أن يفترق عنه البتة (مثال النار والنور، حيث يولد النور من النار بدون أن يفترق عنها وبدون أن تكون النار قبل النور).
  • الروح القدس: ينبثق أزلياً من الآب وبدون انقطاع، أمّا ماهية الفرق بين الولادة والإنبثاق، فلم نعطَ نحن البشر أن نعرفها.

بناء على هذا، فالإختلاف والتمايز في الأقانيم الثلاثة ليس في طبيعتهم أو جوهرهم إنما في الصفات غير المشتركة بينهم والتي تحدد كما يقول الآباء الكبادوكيون طريقة ووجودهم وعلاقتهم بين بعضهم البعض وهي بالضبط ما يسمّى بالصفات الأقنومية والتي هي بالنسبة للآب عدم الصدور من أحد الأبوة والإبثاق، بالنسبة للإبن الولادة (؟) بالنسبة للروح القدس الإنبثاق. إذاً بمجرد أن نؤمن بالآب نؤمن معه في نفس الوقت بالإبن المولود وبالروح القدس المنبثق من الآب بدون بداية ولا زمن وبدون توقف وبطريقة غير قابلة للإدراك وبدون أن يوجد بينهم أول أو أخير.

أما بالنسبة للقوى أو الأعمال الإلهية التي تصدر طبيعياً عن الأقانيم الثلاثة فهي عامة للثلاثة كما الجوهر أيضاً. أي أن الله في أقانيمه الثلاثة يصدر عنه عمل واحد لا يتجزأ. ولكن كما أن كل أقنوم عنده الجوهر الإلهي ذاته بطريقة تختلف عن الأقنوم الآخر، هكذا كل أقنوم عنده القوة أو العمل عينهما إنما بطريقة تختلف. لأن الأقانيم الثلاثة في الحقيقة ليس لها سوى حركة واحدة للإرادة الإلهية التي تبتدىء في الآب  منتقلة للإبن ظاهرة في الروح القدس. فمثلاً كل الخليقة ليست سوى عمل واحد للأقانيم الثلاثة، وليس هناك أي عمل يمكن أن يكون خاصاً فقط لأقنوم منفرد. هذا ما يعلمنا إياه الآباء القديسون. فكما أنه لا توجد أية مسافة بين الجوهر الإلهي وبين العمل هكذا أيضاً لا توجد أية مسافة بين الأقنوم (الشخص) وبين العمل لأن كل الأقانيم اللإلهية حاضرة في كل مكان بجوهرها وعملها (قوتها). ولكننا نحن نختبر هذا الحضور بسبب عملها لا بحسب الجوهر(هذا ما يحدث أيضاً وحتى في علاقتنا مع الأشخاص البشريين الذين لا نستطيع معرفتهم إلا من خلال أعمالهم). لذلك بمجرد أن نميز بالروح عملاً الهياً فنحن نختبر فيه حضور الله بكل أقانيمه الإلهية، والنعمة التي تتحدر إلينا من فوق تسمّى (عطية) الروح القدس أو حتى أحياناً “الروح القدس” فقط لأن الروح القدس يختبر أولاً في هذه العطية.

تعليم الكنيسة الكاثوليكية الخاص عن الثالوث  الأقدس

  1. العهد القديم والظهورات الإلهية

الكنيسة الكاثوليكية ترفض أو على الأقل تخفف منحقيقة الظهورات الثالوثية في العهد القديم. ولا شك بأن أصول هذا الموقف ترجع الى آراء المغبوط أوغسطين والمدرسين (سكولاستيكيين) الذين كانوا يسلمون بأن ملاك يهوه في ظهورات الله في العهد القديم ما هو الا ملاك مخلوق استخدمه الكلمة الإلهي. بالرغم من إقرارهم أن الآباء رأوا فيه الكلمة الإلهي ذاته، استناداً، بصورة خاصة الى ما جاء (أشعيا 9: 6) “ملاك الرأي العظيم أو المشورة العظيمة”. الترجمة السبعينية (LXX) أو في النص العبراني “عجيباً مشيراً” قارن مع (قضاة 13: 18 – 22 وفي ملاخي 3: 1) “ملاك العهد”.

2 – صدور الروح القدس بطريقة الإنبثاق من الآب والإبن.

تتهم الكنيسة الغربية الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية بأنها تعلم منذ القرن التاسع أن الروح القدس ينبثق من الآب وحده. وقد التأم مجمع في القسطنطنية (879) برئاسة بطريركها فوتيوس ورفض كلمة “والإبن” المضافة الى قانون نيقية – القسطنطينية قد وردت لأول مرة في مجمع طليطلة (توليدو) الثالث (589).

وتدعم الكنيسة الكاثوليكية ايمانها بالفيليوكفي بالبراهين التالية:

أ – الروح القدس ليس فقط، حسب تعليم الكتاب المقدس، روح الآب (متى 10: 20) (يوحنا15: 26) (1كور2: 11) بل أيضاً روح الإبن (غلاطية4: 6) وروح المسيح (رو8: 1) وروح يسوع ) (اع16: 7) وروح يسووع المسيح فيليبي 1: 11).

ب – أرسل الروح القدس ليس فقط من قبل الآب بل أيضاً من قبل الإبن (يوحنا 15: 26) (يوحنا: 16: 7) (لوقا24: 49) (يوحنا20: 22) فالإرسال الى الخارج هو بنوع ما مواصلة الصدور الأزلي في الزمان. ومن هذا الإرسال نستطيع أن نستدل على الصدور الأزلي.

ج – الروح القدس يأخذ علمه من الإبن (يوحنا 16: 13 – 14) “يتكلّم بكل ما يسمع هو يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم”. ولا يمكن التكلم عن شخص الهي أنه تعلم وأخذ العلم إلا بمعنى أنه أخذ العلم الإلهي. وبالتالي الجوهر الإلهي وهما في الله واحد منذ الأزل، في شخص الهي آخر أشكره في جوهره.

ولما كان الروح القدس يأخذ علمه من الإبن وجب أن يصدر من الإبن كما أن الإبن يأخذ علمه من الآب (يوحنا 8: 26) ويصدر من الآب.

د – الروح القدس ينبثق من الآب والإبن كمن مبدأ أوحد. هذا ما نستخلصه من (يوحنا 16: 15) “جميع ما للآب هو لي” ولما كان الإبن بسبب ولادته الأزلية يملك كل ما يملكه الآب الا الأبوة وعدم الصدور. إذ لا يمكنه أن يشترك بهما غيره، وجب أن يملك الإبن أيضاً القدرة نفخ الروح وبالتالي على أن يكون له مع الروح القدس صلة الأصل والمصدر.

هـ – تستشهد كتب العقائد الكاثوليكية بأقوال بعض الآباء الغربيين والشرقيين لتؤكد على قبولهم لفكرة صدور الروح القدس من الآب والإبن أو من الآب بواسطة الإبن.

3 – صدور الروح القدس من إرادة الآب والإبن

تشرح كتب التعليم الغربية قضية صدور الإبن نت الآب والروح القدس من الآب والإبن بطريقة نظرية. فتعلن أن الإبن بسبب كونه كلمة فهو يصدر عن عقل الآب أو أنه يجب أن نفهم ولادة الإبن من الآب على أنها ولادة محض عقلية أو على أنها فعل معرفة في حين تقول عن الروح القدس أنه يصدر عن إرادة الآب والإبن أو عن محبتهما المتبادلة. وتستدل على ذلك من اسم الروح القدس نفسه فهو (الروح: ريح – نسمة – زفرة – مبدأ – حياة – نفس) يدل على مبدأ حركة ونشاط وعلى صلة بالإرادة. والنعت (القدس) يدل أيضاً على الصدور عن الإرادة. لأن القداسة انما تكون في الإرادة والكتاب والتقليد ينسبان الى الروح القدس أفعال المحبة وإنما نسبت أفعال المحبة الى الروح القدس لأنها من خواصه الشخصية وتدل على أصله. ينتج من ذلك أن الروح يصدر عن فعل محبة.

وموضوع الإرادة الإلهية التي بها الآب والإبن يصدر أن الروح القدس، هو:

أولا- ما يريده الله ويحبه بالضرورة: الذات الإلهية والأقانيم الإلهية.

ثانياً – ما يريده الله ويحبه مختاراً: الأشياء المخلوقة، وعلى رأي بعض اللاهوتيين الأشياء الممكنة.

وهنا لا بد أن نشير ولو بسرعة الى النقطة الثالثة والأخيرة وهي صدور الروح القدس من ارادة الآب والإبن، فنلاحظ بحسب تعليم الآباء خصوصاً الشرقيين منهم، ان صدور الروح القدس عن الآب هو كصدور الإبن من الآب، أي بحسب طبيعته، وليس بحسب ارادته، ولكن بالطبع ليس ضد هذه الإرادة، وبالنتيجة فلا يصدرإذاً عن إرادة الآب والإبن أو عن محبتهما المتبادلة وكأنه أحد الخلائق أو فعل من أفعالها، بل هو واحد في الجوهر معهما.

الموقف الأرثوذكسي من قضية انبثاق الروح القدس من الآب والإبن

ختاماً لهذا البحث (سر الثالوث) لا بد من إظهار رأي الكنيسة الأرثوذكسية فيما يتعلق بالنقاط الخاصة التي وردت عن تعليم الكنيسة الكاثوليكية في سر الثالوث الأقدس، مكتفين بالإجابة على النقطتين الأخيرتين (2، 3) فبالنسبة للنقطة الثانية، أي قضية صدور الروح بالإنبثاق من الآب والإبن، فمن المعروف أنها كانت موضوع الخلاف الرئيسي بين الكنيستين الغربية والشرقية.

أيٌّ منهما هو التقليد؟

أيٌّ منهما هو التقليد؟

عن الأدب الروسي

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

لم تكن الأمور تجري على ما يرام، في قرية أومْسْك Omsk. ففي كل سنة، وخلال الصوم الكبير، حين يُقال في صلاة السَّحَر: “مباركٌ أنت يا ربّ علمني حقوقك”، كان نصف الحاضرين يَضربون مطّانية (سجدة) صغيرة والنصف الآخر يقوم بمطانية كبيرة حتى الأرض.

القائمون بمطانية صغيرة كانوا يبدأون بالهمس بحدّة قائلين للآخرين: “لا! لا! فقط الصغيرة!”، مما يجعل القائمين بالمطانية الكبيرة يهمسون بصوت أعلى: “هذا خطأ! مطانية كبيرة!” من الذي يرشدكم في هذا الأمر؟ هل هو الشيطان؟!” ويبدأ العراك بالأيدي، مما يجعل الاستمرار بالخدمة أمراً متعذّراً.

في نهاية المَطاف قرّرَ أبناءُ الرعية، المُنهَكين من العراك، أن يسألوا كاهنهم، الأب بنجامين. “أبتِ، ما التقليد؟ في الصوم، عندما نصل إلى “مبارك أنت يا ربّ علمني حقوقك”، هل نقوم بمطانية صغيرة أم كبيرة؟” فكان الأب المسكين، الذي كان يعي الحقدَ المرافقَ لذلك النِّزاع، يرتعد ويشحب لونُه، ثم يذوي هاوياً إلى الخلف.

فذهبوا، بعدها، إلى إسقيط السّابق (يوحنا المعمدان)، وسألوا الرئيس: “أبتِ، يَجري جدالٌ عنيف في رعيتنا، ونريد أن نعرف ما هو التقليد؟ إذ إن نصف الرعية يقول أنه ينبغي أن نقوم بمطانيات صغيرة أثناء ترتيلنا “مبارك أنت يا رب علمني حقوقك”، أما النصف الآخر فيقول بوجوب قيامنا بمطانيات كبيرة. فيبدأ العراكُ الرهيب. لذا، قُلْ لنا ما هو التقليد؟”. بُهِتَ الرئيس أناتولي لدى رؤيته الشراسةَ الباديةَ على وجوههم.

فصرخ أحدُهم: “دعونا نذهب إلى الشيخ يوحنا ونسأله!” كانت تلك فكرةً رائعة. من المؤكّد أن إجابة الشيخ ستجلب السلام، لأنه يَلقى احتراماً من الجميع، فهو من سكان القرية، وشيخوختُه ذات الـ 94 عاماً منحته المعرفةَ حولَ كيف كان التقليدُ القديم.

كان جمهورٌ كبير قد تجمّع عند كوخ الشّيخ الواقع في طرف البلدة. دخل حوالي 15 شخصاً من كلا الطرفين إلى الكوخ ووجدوا الشيخ الضّعيف مستلقياً على سريره. وفيما كان يَجهَدُ للنهوض وتقديم الشاي لهم، قاطعوه قائلين: “أيها الشيخ يوحنا، عليك مساعدتُنا! ما هو التقليد؟ كلَّ سنة في الصوم، حين ترتيل “مبارك أنت يا رب علمني حقوقك”، يقوم نصف الناس في قريتنا بمطانيات صغيرة، والنصف الآخَر بمطانيات كبيرة، فنبدأ بالجدال حتى أن الخدمة لا تصل إلى الختام بسبب عراك الأيدي!”. عندها، قال الشيخ يوحنا بحزم، وبصوت يرتجف من ثقل السنين، فيما كانت الدموع تنهمر من مُحَيَّاه المُشرق: “هذا… هو… التقليد!”.

الصوم الكبير

الصوم الكبير

الأرشمندريت توما بيطار

هذا صوم الأصوام وموسم المواسم. فيه نتهيّأ للفرح السنوي الأكبر. كلُّ أيام السنة تهيئة وفرح لأنّ الزمن الجديد فصحي كله. قِبلتُنا الفصح أبداً، كل يوم، كل أسبوع، كل سنة. لا حزن في الصوم. ما نفعله يعبِّر، في الصوم، عن الفرح بالفرح الآتي: “لا تكونوا عابسين كالمرائين فإنّهم يغيِّرون وجوههم… أما أنت فمتى صمت فادهن رأسك واغسل وجهك…” (مت 6: 16 – 17). في الصوم الكبير تَعَبٌ ولكنْ مفرِح. إن لم يرتحل ذهنك، في هذا الموسم، إلى الفصح الآتي فلا يمكنك أن تصوم صوماً لائقاً. المسيح قام. هذا وحده الجديد. كل جديد منه ومن دونه كل تفصيل عتيق. “ليس تحت الشمس جديد” (جا 1: 9). كل شيء بغير الفصح مُعترىً بالموت. في الصوم الكبير نتجدّد إلى حياة أبدية. إذا كان الفصح قد حصل مرّة في تاريخ البشريّة فإنّه بالروح القدس قد انفتح زماناً جديداً على البشريّة من فوق. كل شيء في الكنيسة ينشر رائحة الفصح. لم نعد في مستوى البشرة. ارتقينا إلى صعيد البشرة المتألّهة. نتعاطى الإلهيات في الجسد. حياتنا كلها سرّيةً أسراريةً غَدَتْ. لذا نصوم لندخل في سرّ الله الذي تجلّى في حياتنا.

في الصوم الكبير، لنا لسان حال أوحد أن “نطّرح عنا كل اهتمام دنيوي كوننا مزمعين أن نستقبل ملك الكل”. ما للإنسان ينبغي أن يُفسِح في المجال لما هو لله، لابن الله المتجسِّد، الناهض من بين الأموات. لنخرجْ، إذاً، من ذواتنا، من اهتماماتنا. “لنودع أنفسنا وبعضنا بعضاً وكل حياتنا المسيح الإله”. هكذا يمسي كل ما لنا مطرحاً للتجلّي الإلهي. طعامنا، شرابنا، لباسنا، مقتنياتنا، علاقاتنا، أفكارنا، أعمالنا، أقوالنا. كل ما لنا يستحيل حشا للكلمة. “والكلمة صار جسداً وحلّ فينا”.

في الصوم الكبير، نختبر شيئاً من الموت المحيي. لا نموت فقط عن خطايانا. هذا تحصيل حاصل. نرتحل عن أهوائنا لنتنقّى. لا نجانب الحرام وحسب بل الحلال أيضاً. ننقطع عما هو مسموح به لأن حياتنا في المسيح لم تعد مما انقطعنا عنه. ما للطبيعة نُسكِتُه إلى حدّه الأدنى كما لنقول: المسيحُ حياتنا! “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله”. نطلب أن نذوق الموت طوعاً سؤلاً لحياة جديدة. لا نسأل راحة في الصوم الكبير بل روحاً. نرتاح إلى التعب لنكون في عداد من دعاهم السيّد: “تعالوا إليّ يا جميع المتعَبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم”.

في الصوم الكبير، أولاً، نعمل لنصير آلة صلاة. الصوم مدخل إلى الصلاة. المبتغى هو عِشرة يسوع. “وجهك يا ربّ أنا ألتمس”. أن نقف في حضرته. أن نذوق طيب إلفته. الجدّة في الصلاة إليه أنّه لم يعد بعيداً. ولا حتى نخاطبه عن قرب. صرنا فيه لأنّه اتّخذنا وجسَدَنا. أتْحَدَ نفسه بنا وأعطانا أن نعرفه كَمِنْهُ. لذا لا نقربه كسيّد كما السيادات في هذا الدهر بل كمَن خدمنا بالمحبّة كَخِلٍّ لنا. في نهاية المطاف هو يصلّي فينا بروحه. الصلاة وإن كانت، بمعنى، مسعى بشرياً، فهي، بالأَولى، نعمة من لدن العليّ. لغة يسوع، قرباه، منّة منه. في الصلاة، إذاً، ننفتح عليه، وهو يحرّك أحشاءنا إليه.

وفي الصوم الكبير إعلان صامت ولكنْ عميق أننا فقراء إلى رحمة الله. هذا نؤدّيه متى صار الفقير لدينا لا اهتماماً وحسب بل هاجساً. كلّما جعلنا ذواتنا خدّاماً للفقير كلّما اختبرنا خدمة الربّ يسوع لنا للخلاص. خدمة الفقير روح وتبثّ روحاً.
وفي الصوم الكبير، أيضاً، يكون لنا بعض من خبرة الصليب. نذوق حلاوة مرارته. “مَن أراد أن يتبعني فليأتِ ورائي حاملاً الصليب”. الصليب يحدّث عن الفصح. قبل القيامة الصليب. صليب المسيح كلُّه قيامة وإلا استحال حَملُه. لذا بالصليب أتى الفرح إلى كل العالم. الصليب أخذٌ وعطاء في آن. “أعطِ دماً وخذ روحاً”.

في الصوم الكبير وفي الفصح ندخل في زمن جديد، في حياة جديدة، في فرح لا يخبو. نعطي موتاً فنأخذ حياة، نعطي تعباً فنأخذ راحة، نعطي بذلاً فنأخذ مسيحاً مصلوباً مُقاماً. لذا في كل خطرة، في كل كلمة، في مسير الصوم، إطلالة على المسيح الناهض من بين الأموات. الكل مجبول بحضرة يسوع، ينضح بأنعامه. نتعاطى يسوع في سيرته، في مقالته، في روحه. يمثل حيّاً أمام عيوننا. يبثّنا نَفَسَهُ والنور. يخرجنا من ذواتنا، من العالم المائت، إلى ذاته، إلى الملكوت. نسير معه من فرح إلى فرح إلى الفرح ومن مجد إلى مجد إلى المجد. يصير فيه كل شيء جديداً.

أما بعد فحكاية الصوم الكبير حكاية الكنيسة الناهدة أبداً بالألم إلى الفرح، بالموت عن النفس إلى الحياة بالسيّد، بالنسك إلى المعاينة الإلهية. كل مؤمن صائمٌ مصلٍّ أو يبقى خارجاً. نصيبُه الفرحُ المُنْزَل عليه من عند أبي الأنوار.

هوذا عيد الأعياد وموسم المواسم ممدود لنا بالبركات حتى لا يبقى أحد يائساً ولا يموت بائساً!

* عن نقاط على الحروف، العدد 112008، 16 آذار 2008.

القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم والرهبنة

القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم والرهبنة

الأب باسيليوس الرئيس السابق لدير الإيفيرون في الجبل المقدّس

نقلته إلى العربية راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

من المعروف أنّ القدّيس يوحنّا وهو في سنّ الحادية والعشرين، وبعد إنهاء دراسته في فنّ الخطابة واللاّهوت، أقام أربع سنوات قرب شيخ ناسك في أحد الجبال ليس بعيدًا عن أنطاكية. وبعد هذه السنوات الأربع، وتلمذته لهذا الشيخ، الذي تلقّف من فمه المقدّس أسس الحياة الرهبانيّة، بقي وحده ناسكًا سنتين في إحدى المغاور.

أحبّ يوحنّا الثاوريا والحياة النسكيّة محبّة جمّة، حتّى إنّه، وبسبب مبالغته في النسك، مرض، ورافقه هذا المرض في كلّ حياته الاستشهاديّة المقدّسة.

ومن الأمور المؤثّرة أنّ القدّيس يوحنّا كان تلميذًا لشيخ سوريّ، ومع أنّنا لا نعرف شيئًا عن هذا الشيخ الناسك، ولكنّه، ولكونه سوريًّا، يذكّرنا بالقدّيس إسحق السوريّ، الذي فتح باب الحياة الهدوئيّة على مصراعيه للأجيال التي أتت بعده، مطلعًا إيّاها على دقائق السيرة الرهبانيّة، وعلى أسرار الحياة السماويّة التي بات عيشها ممكنًا لسكّان الأرض. ويقول القدّيس إسحق، صاحب الخبرة الواسعة النطاق في هذا المجال، بأنّه عندما يترك اللهُ البشرَ يتذوّقون لحظات من الثاوريا وحلول النعمة التي تسمو بهم فوق أمور العالم، لا بدّ، عندئذ، أن يطرق الجميع باب البريّة.

وعلى السؤال ما هي الرهبنة، وكيف نتعرّف إليها؟ يأتينا الجواب واضحًا من مثال القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم، أيّ يجب أن يكون لديك معلّمًا صالحًا ومختبِرًا وحرًّا بالروح وحارًّا بالمحبّة الإلهيّة. هذا هو المتوحّد المتواضع الذي بإمكانه أن يلدك روحيًّا لتحيا مع جميع القدّيسين في قلب الكنيسة، ويلقّنك التعليم الصحيح، ويقودك إلى المسيح، فيما يكون هو نفسه قد بلغ الحدّ الأقصى من ذلك.

إنّ أمثال هؤلاء المعلِّمين يجعلونك تدرك، وبسرعة، أنّ الرهبنة هي غصب للطبيعة، وقتل للأهواء، وليس قتلاً للطبيعة. فالراهب لا ينشغل بأيّ موضوع  خارج عن نفسه كالعلم أو الفنّ أو المهنة أو… أو… كما لا ينشغل بتنظيف أيّ حقل خلا حقل نفسه، ولا يحاول أن يحرث هذا الحقل إلاّ بما يتوافق والتوبة والنسك، مقدِّمًا ذاته بكلّيّتها للمسيح.

يبدأ الجهاد، ويدخل الراهب في البرنامج اليوميّ: الخدم الكنسيّة، والمطالعة، والقانون الشخصيّ في القلاّية، والعمل اليدويّ بالإضافة إلى أعمال الدير اليوميّة. في كلّ هذا لا يطلب المتوحّد إلاّ أمرًا واحدًا أحدًا، وهو إتمام مشيئة الله لا مشيئته. ثمّ هناك، أيضًا، البوح بالأفكار، وهو أمر يتطلّب من الراهب استقامة وأمانة مع نفسه ومع الله ومع شيخه. كما لا ننسى التجارب والضيقات التي تعصف به بسبب الضعف البشريّ، روحيًّا كان أو جسديًّا، أو بسبب الحروب الشيطانيّة.

يسعى الراهب لاقتناء التمييز، الذي به يستطيع تحديد سبب محارباته أهي افتقاد إلهيّ، أو خبث شيطانيّ، أو تمرّد لشهوات الجسد وأهوائه. بيد أنّ الراهب، في عراكه هذا، لا يجابه بمفرده، وإنّما يقف شيخه إلى جانبه يسنده ويشجّعه من جهة، وصلوات النسّاك الآخرين الدعم الثاني والقويّ له من جهة أخرى. وإن ثابر الراهب في تتميم المشيئة الإلهيّة، متيقّنًا بأنّ الله صالح وكلّيّ القدرة، يكون، عندئذ، قد وضع رجله في السكّة الصحيحة، مبتدئًا حياة جديدة تنبثق من داخله، يشعر فيها بقوّة جديدة تحفّزه للسير قُدمًا في معركته المقدّسة. وعندئذ يتحوّل ضعفه إلى قوّة، وينبع من جراحه إحساس مرهف بالخطيئة، ورقّة شعور ورأفة نحو الآخرين.

يبدأ الراهب جهاده بتحرّره من أفكاره الطفوليّة، وهكذا، شيئًا فشيئًا، تتوقّد فيه حرارة الإيمان، ويجتاز الجهل والشرّ، وتضعف الأهواء، وتبدأ الفضيلة بالإزهار، ويختبر مواقف جديدة تؤول به إلى النضوج الروحيّ، ويحسّ بأنّ أمرًا ما جديدًا قد جرى داخله لا علاقة له بمحاولاته وجهاده، ولكنّه عطيّة مجّانيّة من النعمة الإلهيّة. في هذه المرحلة الجديدة لا يقوم الراهب بأيّ مجهود شخصيّ، بل بالأحرى يتذوّق السماويّات أكثر فأكثر، ويشعر بتقدّمه في الحياة الروحيّة حيث كلّ شيء يعبر من دون عناء بالصلاة.

وفي نهاية المطاف، يصل الراهب إلى مرحلة متقدّمة جدًّا، إذ يدخل في غبطة المجد العلويّ، فتسكن نفسه، ويخيّم عليها صمت وهدوء داخليّان، وبتعبير آخر يصبح بحالة صلاة دائمة. ونستطيع القول بأنّ الراهب، بعد تحرّره، يصل إلى حالة من التجلّي، إذ يتبدّل كلّ شيء في حياته ويتحوّل إلهيًّا: تصير له قوّة أخرى، ويخلع عنه كلّ رأي خاصّ، ويعود لا يقود نفسه بنفسه، بل يُقاد من الروح نحو المعرفة الحقيقيّة التي تصل به إلى الحرّيّة، حرّيّة أبناء الله. نعم، لقد تغيّر فيه كلّ شيء.

المتواضع الحقيقيّ هو الإنسان غير الموجود بالنسبة لهذا العالم المخلوق والفاني، فهو له وجود آخر، وجود في النعمة الإلهيّة.

إنّ الذين توصّلوا إلى هذه الدرجة من النعمة، وتجاوزوا حدود الطبيعة هم قليلون. ولمغبوط المجتمع البشريّ لو حظي ببركة وجود واحد، فقط، نظيرهم في كلّ جيل، إذ إنّ وجودهم هو بركة للجميع.

ولكن، ولكي يتجاوز الراهب هذه الحدود، عليه أن يكون ذا طبيعة صالحة رقيقًا منسحقًا، لأنّ هذا الانسحاق يقوده إلى الخضوع خضوعًا كلّيًّا لمشيئة الله. وعندئذ لا تعود حياته تخضع لقواعد ورغبات بشريّة، بل تسير وفق الإرادة الإلهيّة.

الحياة في مجملها هي سرّ! فعندما نقرأ في الكتاب المقدّس بأنّ الله “يرحم من يشاء ويقسّي من يشاء ولعلّك تقول لي فماذا يشتكي بعد. من الذي يقاوم مشيئته” (رو 9: 18-19) ندرك بأنّه علينا أن نقبل كلّ ما يصادفنا بشكر وعرفان جميل، لأنّ الربّ يدبّر كلّ شيء بحكمة، ومن البديهيّ القول إنّنا لا نصل إلى هذا إلاّ بعد تعب وصبر جزيلين.

قد يستطيع جهاد يوم واحد، من الصباح حتّى المساء، أن يصل بالراهب المجاهد، إلى هذه الدرجة الإلهيّة، وقد يجلس راهب آخر مئات السنين في قلاّيته، غير قادر على إدراك هذا القول. ولكنّ الله ليس بظالم، لأنّ النجاح في الجهاد لا يفرّق بين الأشخاص، بل يوحّدهم. ففوز الواحد، الحقيقيّ لا الوهميّ، هو فوز الجميع. النجاح والتعزية والرجاء لا يتمتّع بهم الراهب وحده، فقط، بل يشترك بهم الفاشلون، رغم محاولاتهم، والذين لا علاقة له بهم، بل والغرباء أيضًا.

وأمّا إن كان النجاح في الحياة الروحيّة، أو التقدّم في النقاوة والفضيلة سببًا لتكبّر الراهب واستعلائه على الآخرين، فإنّه يسبّب لنفسه السقوط وفقدان كلّ برّ وصلاح. فالهدف من النسك هو أن يصل الراهب إلى التواضع الذي يقوده إلى الحرّية الداخليّة الفردوسيّة، ويآخيه مع الجميع.

فأحبب الربّ، إذًا، وتحسّس حضوره الإلهيّ، ومحبّته التي لا تقاس، والتي جعلت كلمة الله أن يصير إلى ما ليس هو عليه لكي يخلّصك. لقد تواضع الربّ، بل بلغ التواضع الأقصى، هذا التواضع الذي كان يخفي وراءه مجده ومحبّته اللذين لا يُعبَّر عنهما. أحبب المصلوب الذي ضُحّي من أجل حياة العالم وخلاصه. اعشق هذا الصليب، وهذه التضحية، من دون ملل ولا كلل، وردّد مع القدّيس إغناطيوس الأنطاكيّ “ولي شهوة أن أُصلب”. أحبب التواضع حتّى درجة الإخلاء الذاتيّ، وعندها سوف تفقد نفسك لتجدها بحسب القول الإنجيليّ. لا تشته أمرًا بشريًّا، وسوف تعطاه مجّانًا. لقد طلب الأب بمفو (أحد أباء برية مصر) ألاّ يتمجّد على هذه الأرض، فأشرق وجهه ساعة موته بلمعان لم يستطع أحد أن يتحمّله. والأب سيصوي حَسِب نفسه تحت الخليقة كلّها، فربح كلّ ما هو سماويّ حتّى بات مشاركًا لجوق الملائكة. قدَّمَ كلّ شيء لله محبّة بالله، فأعاد له الله كلّ شيء مبارَكًا ومقدَّسًا. عاد فأعطى، وعاد الله، أيضًا، وأغدق عليه بعطاياه. قضى كلّ حياته يعطي، معتبرًا أنّ السرّ الأوّل والأخير للحياة هو محبّة العطاء والتضحية، والله أخذ، بدوره، يفيض عليه بركاته.

هكذا هو الراهب المتواضع غير الموجود بالنسبة للعالم المادّيّ، موجود هو بطريقة أخرى خفيّة بالنسبة لله وللعالم أجمع.

البرّيّة هي المدرسة اللاّهوتيّة للكنيسة، إنّها مدرسة الفلسفة الحقيقيّة التي اغترف منها الآباء علمهم. البرّيّة هي رحم الروح القدس الذي يلد للكنيسة أناسًا جددًا.

لا وجود للراهب خارج الكنيسة، ولا خارج الحياة، ولا هو بعيد عن آلام العالم، بل هو موجود في قلب الكنيسة، وقلب العالم. فالرهبنة خُلقت وحُفظت وعملت داخل جسم الكنيسة. إنّها نتيجة التدبير الإلهيّ، وتجسّد كلمة الله.

يعيش الراهب ويجاهد لكي يصل، بعد مروره بجسمانيّته الخاصّة، لأن يقول: “لتكن مشيئتك”، وعندها يهيمن داخله السلام والشكر ورهافة الحسّ. إنّه دائم الولادة، لأنّه دائم التضحية ودائم الموت. هو مولود أبدًا ومحتضر أبدًا. هو موجود، دائمًا، بين يدي محبّة الله اللاّمنظور. لا اختلاف، بالنسبة إليه، بين النفس والجسد، ولا بين التحرّك والتوقّف، ولا بين السكون والنشاط، بل هو ينشد قائلاً: قدّوس واحد وربّ واحد يسوع المسيح، الذي هو الكلّ في الكلّ. وهذا ما يعظ به المتوحّدون الحقيقيّون بصمتهم، بل وبمجرّد حضورهم فقط.

تتحقّق رسالة الرهبان داخل جسم الكنيسة، لا بل داخل الخليقة كلّها. رسالتهم هي تقبّل ملء النعمة بانسحاق وتواضع، ليصبح وجودهم تمجيدًا صامتًا لله. إنّهم يعملون بصمت في جسد الكنيسة، ولا يحتاجون لأن ينظرهم أحد، لأنّ مجرّد وجودهم يساعد الجسد برمّته ويسنده. وأخيرًا الرهبان هم شهود لله، وظهور سرّيّ لمحبّته المحتجز وصفها.

يؤثر الراهب التواضع والازدراء به لكي يرتفع الآخرون، ويسعى إلى التخفّي وعدم الوجود لكي يوجَد الآخرون. إنّه جمرة غير ماديّة تدفئك وتندّيك في آن إن كنت قريبًا منها أو بعيدًا عنها. إنّه يقظ دائمًا لما يحتاجه الآخرون لكي يعيشوا ويتقدّموا. الراهب متوحّد وحيد، ولكنّه يحيا مع الجميع، وله رسالة خفيّة، ولكنّ نتائجها ظاهرة للعيان.

الرهبان الحقيقيّون الذين نجحوا في الوصول إلى هدفهم وتجاوزوا حدود الطبيعة هم قليلون. وهذه القلّة لا تحصى، لأنّها لا تخضع للعدد، إذ إنّها غير محصورة حسّيّاً. لقد تحرّرت، بتواضعها، من القيود الدنيويّة، وبتحرّرها هذا استطاعت أن تقدّم الكلّ لمنفعة الكلّ. وهذه القلّة هي نموذج الراهب الحقيقيّ والإنسان الحقيقيّ. إنّها تعيش، وتوجَد، لأجل الآخرين، وتصوّر الربّ القائم، والمقيم معه المسكونة كلّها.

وهكذا، فعندما يوجَد الراهب في هذه الحالة من التجدّد الدائم، يبقى منفصلاً عن الجميع ومتّحدًا بالجميع حسب تعبير إفاغريوس البنطيّ، وموجود في كلّ مكان، وغير موجود في آن على حدّ قول القدّيس أفرام السوريّ.

ولقد حصل القدّيس الذهبيّ الفم على هذه النعمة، ونقلها إلى العالم بطريقته الخاصّة وأقواله الخاصّة.

فأنت، بالطبع، لن تسكر ما لم تشرب النبيذ. ولا تستطيع أن تستدفئ ما لم تقرب النار، ولا أن تحترق ما لم تصل إليك النار بكلّيّتك. هكذا الراهب، لا يستطيع أن يصبح راهبًا ما لم يصبح بجملته نارًا تلتهب محبّة بالربّ.

أتى القدّيس يوحنّا إلى الرهبنة، وعاش بقرب شيخه أربعة أعوام، وبقي بمفرده عامين، وحصل على النار كما حصل عليها الرهبان “جهّال المسيح” وغير الموجودين، وبقي ذاك الراهب الملتهب، ولم يبرح البتّة بعيدًا عن مناخ النعمة والقوة، مناخ حرّيّة الفردوس.

أنّى حلّ الراهب، وحيثما وُجد، فهو باق أبدًا في حالة واحدة، منفصلاً عن الكلّ، ومتّحدًا بالجميع. وهذا ما حصل مع القدّيس الذهبيّ الفم، وتستطيع أن ندركه بوضوح من طريقة كلامه، وكيفيّة شرحه الكتاب المقدّس، ومن أين كان يستمدّ غذاءه الروحيّ، وماذا كان يقدّم للعالم، وكيف أحبّ العالم، وكيف أحبّه العالم. كيف واجه الأمور، وكيف أنهى حياته الاستشهاديّة بقوله: “المجد لله على كلّ شيء”.

قول الذهبيّ الفم هذا يُظهر بجلاء خبرة المتوحّد الحقيقيّ الذي يكلّمك بسكون وهدوء، وينقل إليك الفرح والتأكيد بأنّ الله محبّة “الله محبّة ومن يثبت في المحبّة يثبت في الله والله فيه” (1يو 4 :16). وهكذا، فالذهبيّ الفم أينما حلّ كان ينقل نعمة البرّيّة. فهو لم يعبر عبورًا بسيطًا في الرهبنة، ثمّ انتقل بعد ذلك إلى معترك آخر يختلف اختلافًا كلّيًّا. بل بقي في المناخ الرهبانيّ، والمنطق الرهبانيّ بما فيه من قوّة ومحبّة مميّزين، هذا المناخ جعله، بالنعمة، مكانًا يستقرّ فيه الغير الموسوع في مكان، وبوقًا يصدع بالحرّيّة الداخليّة إحدى أبرز ثمار البرّيّة، وببساطة أبناء الله وطفولتهم، وعمل النعمة التي تجمع المضادّات، وترفض كلّ ما هو خداع وكذب وافتراء.

لقد أصبح الذهبيّ الفم راهبًا، وهذا يعني أنّه جُبل على حبّ السكون والوحدة، فما عادتا تنفصلان عنه البتّة. عاش مع المسيح، وعاش، أيضًا، للآخرين ومع الآخرين. أكسبته الرهبنة منطقًا آخر، منطق تجسيد وصيّة المحبّة الشاملة الذي يرفع الوجود إلى درجة عدم الوجود.

وبما أنّه كان يحيا الحدث بكيانه كلّه، فقد آمن بعمق أنّ الله محبّة، فراح يعظ بها، وينشرها بدويٍّ الفرح والتعجب اللذين كانا يملآن قلبه، واللذين جعلا منه خطيبًا، بل بالحريّ خطيب اللاّهوت بامتياز.

لا يقدّم فنّانو الكنيسة وقدّيسوها المساعدة بما يخلقون ويبدعون فقط، بل بشذا النعمة الذي يضوع من تواضعهم لا من فضيلتهم وأعمالهم الصالحة وحسب، فهم بتواضعهم هذا يخلّصون البشر، ويقودونهم في طريق التألّه. هذا التواضع الذي يُظهر مدى النقاوة التي اشتملت عليها حياتهم وأعمالهم.

وُلد الذهبيّ الفم في رحم الرهبنة، وداخل الحياة الليتورجيّة التي للكنيسة، ونقل ملء النعمة بوضعه القدّاس الإلهيّ الذي يترجم تجلّي العالم كلّه بالروح، ويجعل الحياة كلّها تمجيدًا وتسبيحًا شكريًّا. هذه الليتورجيا التي تحيي الكنيسة، وتغذّي الجميع سواء كانوا رهبانًا في البرّيّة، أو مؤمنين مجاهدين في المجتمع. وبهذا عُرف الذهبيّ الفم مغذّيًا روحيًّا، ومعلّمًا للرهبان والعلمانيّين على حدّ سواء.

إنّ هدف الصمت لدى الهدوئيّين وعظات الذهبيّ الفم واحد، فهم يصدحون بالشيء نفسه، وينقلون الفرح ذاته، والإيمان الأكيد عينه. إنّهم طروباريّة متشابهة، وترتيلة واحدة لها عمق المحبّة الملائكيّة “كما أحبّني الآب كذلك أنا أحببتكم” (يو 15: 9). وهكذا يظهر سرّ الحياة الثالوثيّ عندما تعيش المسيح إذ تعلّم بصمتك، وتاليًا تنقل سكون البرّيّة وهدوءها. فالرهبان والوعّاظ يغتذون من نبع واحد، ويحيون بالقوّة نفسها، وينقلون النعمة ذاتها، ويجسّدون، بتعليمهم، حقيقة واحدة هي حقيقة اتّحاد طبيعتيّ المسيح.

ففي الكنيسة الأرثوذكسيّة يجد المتوحّد نفسه، بعد انفصاله عن العالم، واحدًا مع كلّ إخوته يشدّدهم ويسندهم. والذهبيّ الفم عاش الهدوئيّة التي أكسبته نقاوة الذهن، فعاد وعاش في العالم بعد أن تحرّر داخليًّا من صخب العالم. فالهادئ، بوجوده، يعلّمك كيف تعيش في العالم بشكل صحيح، والذهبيّ الفم الذي عاش في العالم يملؤك، بواسطة الليتورجيا الخاصّة به وبعظاته الناريّة، بالنعمة وبحرّيّة الدهر الآتي.

لقد بيّن الذهبيّ الفم بأقواله وحياته ماهيّة الرهبنة، وكذلك الناسك المتوحّد المستسلم للنوح البهيّ، والمتذوّق حلاوة البكاء المفرح، يكشف، بدوره، ماذا قدمت عظات الذهبيّ الفم العطرة الشذا. إنّها حياة واحدة لكلا الاثنين: ناسك البرّيّة والمؤمن المجاهد في العالم، لأنّ الكنيسة هي واحدة في السماء وعلى الأرض، والذهبيّ الفم هو ذاك الأسقف الشهير الذي عاش وحقّق هذه الوحدة، ولذلك تسمّيه الكنيسة “الإنسان السماويّ والملاك الأرضيّ”.

إنّ ما تشعر به قرب أيّ ناسك حقيقيّ هو التحرّر من العالميّات، وعظمة التواضع، والدالّة لدى الله، ومنطق الدهر الآتي. وهذا ما تراه، أيضًا، لدى الذهبيّ الفم بما أنّه أنهى دراساته العليا في الفضيلة في مناخ البريّة النقيّ. لقد تقدّس، وسيبقى حيًّا إلى الأبد. لقد غدا قدّيسنا شعلة متوهّجة، فأتى عطر أقواله تعزية وحياة لكلّ البشر على مرّ العصور، لا سيّما عظته الخاصّة  بيوم القيامة المجيدة، إذ وحّد اللحظة الحاضرة بالأبديّة، منعشًا الكون لا بمفردات بشريّة عقليّة، بل بكلمات ناريّة ترينا ظفر الحياة على الموت، وتفوّق المحبّة على كلّ ظلم أو عدالة أرضيّة. هذه القيامة التي تبطل كلّ شيء دنيويّ، وتدعو الجميع للاشتراك بالفرح السماويّ: “فادخلوا كلّكم إلى فرح ربّكم… تناولوا كلّكم مشروب الإيمان… المائدة مملوءة فتنعّموا كلّكم! العجل سمين، فلا ينصرف أحد جائعًا… لا يتحسّر أحد شاكيًا… ولا يندب معدّدًا آثامًا لأنّ الفصح قد بزغ من القبر مشرقًا. المسيح قام ولا ميت في القبر…”.

لذا أضحى من الواجب، بعد هذا الميمر الرائع، أن نرنّم مباشرة طروباريّة القدّيس: “لقد أشرقت النعمة من فمك مثل النار، فأنارت المسكونة، ووضعت للعالم كنوز عدم حبّ الفضّة، وأظهرت لنا سموّ الاتّضاع يا أيّها الأب المؤدِّب بأقواله يوحنّا الذهبيّ الفم، فتشفّع إلى الكلمة المسيح الإله في خلاص نفوسنا”.