Monthly Archives: September 2012

السنة الثامنة – العددان الحادي عشر والثاني عشر – آب وأيلول 2012

السنة الثامنة – العددان الحادي عشر والثاني عشر – آب وأيلول 2012

مختارات آبائية

كيف تتغلّب على ملحد؟

القديس نيقولا فيليميروفيتش

الجنس قبل الزواج

الشيخ أبيفانيوس ثيودوروبولوس

 

عظة

ليست الحرب من الله!

الأرشمندريت توما بيطار

 

لاهوت

الزمن في المفهوم الأرثوذكسي

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

 

رعائيات

كنيسة واحدة

الخورية سميرة عوض ملكي

 

حياة روحية

الجهاد في الصلاة

إعداد أحد الرعاة المعاصرين

 

مسكونيات

البابا في لبنان

الأب أنطوان ملكي

 

قصة

عصا القديس سابا (باتيريتسا Pateritsa)

جمعها الأب أنطوان ملكي

النسّاك الثّلاثة

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

 

أبطال روحيون

المغبوطة زينا التي في فيتلوغا

نقلها إلى العربية بتصرف الأب اثناسيوس بركات

ليست الحرب من الله!

ليست الحرب من الله!

الأرشمندريت توما بيطار

ليست الحرب من الله. الحرب من تغييب الله، إذا غيَّب الناس الله من حياتهم. الإنسان، إذ ذاك، تحت سلطة أهوائه كائن. “من أين الحروب والخصومات بينكم؟ أليست من هنا، من لذّاتكم المحارِبة في أعضائكم؟…” (يع 4: 1). لذا كل إنسان في غربة عن الله مساهم في الحرب الجارية. قبل أن تكون الحرب سلاحاً وقتلاً ودماراً تلقاها مناخاً بين الأفراد والجماعات. الناس مترابطون. هذه طبيعتهم. كلٌّ يؤثّر في الكل. إنسان مصاب بوباء تنتقل عدواه إلى شعب برمّته. الغضب يحرّك الغضب والعنف يثير العنف. الحياة العامة شهيق وزفير. آخذ ما يبثّه الناس في الهواء وأنفث ما هو في صدري. هذا ليس صحيحاً في مستوى الحسّيات فقط، بل في مستوى النفسيات والروحيّات أيضاً. أنانياتي تحرّك الأنانيات وغيريّاتي تحرّك الغيريّات. الخير والشرّ نبثّهما من حولنا. الخير أوكسيجين روحي. يُنعش ويريح. والشرّ ثاني أوكسيد الكربون روحي. يبعث على الضيق والاختناق. لذا أفهم ذاك الذي علّق مرّة على الأحداث المأساويّة بقوله: “هذا كلّه حصل بسبب خطاياي أنا!” ليس أحد منّا بريئاً بمعنى الكلمة. قد لا أكون حملت السلاح وقاتلت، لكنّي ساهمت وأُساهم في خلق جوّ الحرب. السلاح الذي طالما حاربت وأُحارب به هو أنانيّتي. حين لا أُبالي بإنسان أُلغيه، أُزيله من الوجود. حين لا أكون مستعدّاً لأن أسمع له وأُعينَه أُسْلمُه للألغام الفكريّة في نفسه. حين لا أرى لحاجاته، حيثما أمكنني، أُحرّك في نفسه الحسد والعداوة. حين أرى فيه مصدر إزعاج يرى فيّ مصدر تهديد. حين أقول فيه كلاماً جارحاً ويبلغه يحسب موقفي منه إعلان حرب. حين لا يراني مبالياً به يظنّني مستكبراً ويشعر كأنّي أحتقره. تنشحن نفسه ضدّي. لذا كانت أنانيّات الناس وشهواتهم الأسلحة التي تجعلهم في حالة حرب حيال بعضهم البعض. الأنانيّات والموبقات لا تهضمها النفس البشريّة، لديّ ولدى الآخر. تبقى آثارها فيها كسمّ، كردّات فعل عميقة، كطاقة سالبة، وأحياناً طوال العمر. وهذا يلوّث الجوّ الروحي في العالم كما تلوّث الإشعاعات الذرّية البيئة وتقتل الحياة فيها.

بخلاف ذلك تجد المحبّة تبني واللطف يزيل الألغام والاتضاع يحرّك الحسّ بالإلهيّات… ومن ثمّ بالإنسانيّات. أما الصلاة فتبعث جوّاً من الإيجابيات. يرتاح الناس. يتعاطفون. يتفاهمون. تنحدّ التأثيرات السالبة. بنعمة الله تعود الأمور إلى شيء أو إلى الكثير من الانتظام والمؤالفة. يعود الإنسان إنساناً. يبادر إلى الحسنى ويكفّ عن أن يكون جملة ردود أفعال وضحيّة لها.

لذا كانت الحرب مؤشّراً إلى النقص وإلى الحاجة لثلاثة أمور: التوبة والمحبّة والصلاة. بلى أنا قادر على أن أُساهم في إيقاف الحرب بسلوكي في هذا المثلّث الروحي. ليست الحرب، في أعماقها، مسألة سياسيّة بل مسألة روحيّة. الكلام السياسي واجهة. الواقع الروحي لشعب ما، للقادة السياسيّين فيه، هو المَنبت. الحرب والسِلْم ينبثقان من القلب والقلب إلى القلب يولِّد بنياناً أو يولّد هدماً. دورنا في تزكية أو إيقاف ما يجري ليس بقليل. ليس لنا كمؤمنين ما نتعزّى به أو ما نُعزّي به سوى التوبة والمحبّة والصلاة. ليس ما يُصلح العالم أن يتولّى الأذكياء والاختصاصيّون الأمور على نحو مكين بل أن يساهم كلٌّ حيال نفسه ومن موقعه في العودة إلى الله بالتوبة. السلام عودة إلى الله. “في العالم سيكون لكم اضطراب، ولكن لا تخافوا أنا قد غلبتُ العالم…”. “سلامي أُعطيكم لا كما يعطيكم العالم”. الجسد المفكَّك من الخليّة المفكَّكة. لذا بالمحبّة التي نتعاطاها فيما بيننا تتماسك الخليّة وتقوى مناعة البدن ونحارب الميكروبات الروحيّة بشكل أفضل. وإذا كان الكل مرتبطاً بالكل، وهذه طبيعة البَشَرة، فإن انوصل أحدنا بالله في الصلاة فإنّه بالله ينوصل بالآخرين وتسري نعمة الله فيما بينه والناس. الصلاة تعيد ربط الناس بالناس لأنّها تربطهم بالله. يصير الله معنا وفيما بيننا. صلاة، ولو قصيرة من القلب، قد تحدث تغييراً يُعتدّ به في الموازين. يفتح الله قلب إنسان في قلب الحرب. ليس ما يحرِّك إنسانيّة الناس أكثر من الصلاة. الله، إذ ذاك، يدخل في الصورة. كل قلب في يد الله. الصلاة لغة الله للناس. بها يتحرّك روح الربّ فينا. طلبة البار تقتدر كثيراً في فعلها.

عزيتنا في زمن الحرب تأتي من تيقّننا أنّ الخلاص بالإنسان باطل. وحده الربّ الإله المخلِّص يعزّي. لذا نلجأ إلى المعزّي، روح الحقّ. نعود إليه بقلب واجف، بألم، بخوف. المهم أن نعود إليه. “تعالوا إليّ يا جميع المتعَبين والثقيلي الأحمال وأنا أُريحكم”. نتّضع. نصرخ. نتوب. أخطأنا أمام السماء وأمامك. لست مستحقّاً بعد أن أُدعى لك ابناً. قلبٌ مجروح. عين دامعة. نفس مكسورة. أقوم وأعود إلى أبي. تنقلب المقاييس. كان ينبغي أن نُسرّ ونفرح لأنّ أخاك كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوُجد. من هناك، من تلك العودة، تأتي التعزية الحقّانية. هذا ما يأتي بالمسرّة أن تجد التوبةُ والمحبّة والصلاة موقعاً لها في قلبك. ربما نكون قد خسرنا الكثير بسبب الحرب والدمار والقتل والتقتيل. إذا كان قد قيل: “ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟” فإنّنا متى ربحنا أنفسنا والإخوة فإنّنا، إذ ذاك، نكون في التعزية الحقّ ولو خسرنا العالم. ليس العالم بغيتنا في كل حال. “لا تحبّوا العالم ولا الأشياء التي في العالم”. بغيتنا الملكوت، عالم الله. بغيتنا الله والناس، أن يكون لهم موضع في قلوبنا كما لنا نحن، أيضاً، موضع في قلب الله. القلب أثمن من كل شيء. ما كانت الحرب في الأساس لتكون لو كان للناس مكان في قلبي وقلبك. يوم طَردتُ أخي من نفسي، من محبّتي، شرّدته فصار ضارباً في الأرض هائماً على وجهه في عِلَل النفس. عاديته للاسبب إلاّ لأنانيّتي. ملكوت الحبّ الإلهي في داخلكم. هذا فردوسنا. هذا عالمنا الثابت. هذا وطن الأوطان عندنا! يوم يسري الحبّ بيننا نكون في سلام عميق ولو غلّفتنا حروب الأرض. ويوم نفرغ من المودّات الإلهية يسودنا القلق والحرب الباردة ولو ساد الأرضَ سلامُ الناس.

عن “نقاط على الحروف”، عدد 33 سنة 2006، في 13 آب 2006

 

الزمن في المفهوم الأرثوذكسي

الزمن في المفهوم الأرثوذكسي

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

عن كتاب “الحياة بعد الموت” ترجمة د. نيفين سعد

إن اهتمامنا بالزمن ليس من وجهة نظر علمية ولكن من وجهة نظر كنسية وبصورة رئيسية يكون مرتبطاً بإعلان الله. بالإضافة إلى ذلك، فإن اهتمامنا بالأمور الأخيرة يكون باستمرار مرتبطاً بالمجيء  الثاني للمسيح والسعادة الآتية.

إننا نستطيع أن نقول أنه في الزمن السابق لتجسد المسيح كان الزمن خطِّياً (يسير في خط مستقيم) حيث كان اليهود منتظرين مجيء المسيا ليخلصهم من العبودية والخطية. ولكن في الزمن الكنسي، منذ أن أتى المسيح وصار إنساناً وأعطى كل إنسان إمكانية الحياة في ملكوت الله فإن ما يُختبر ليس خطياً بصورة رئيسية ولكنه زمن الصليب. فلم نعد نُقاد بعد لاكتشاف ملكوت الله في المستقبل، ولكن المسيح وملكوته يتحركان نحونا، أي أنهما يأتيان ويلاقياننا في كل لحظة من الزمان. فلو وضعنا في اعتبارنا أن المسيح بتجسده أعاد آدم إلى الفردوس ثانية وبالطبع رفعه لتلك الرتبة التي كان سيصل إليها لو لم يكن قد أخطأ، فإننا نستطيع التحقق أن الأمور الماضية والأخيرة تُختبر في الحاضر، وبالتالي نحن نعيش فيما يسمى الزمن الليتورجي. فالزمن محاط بالأبدية.

إن أخذ المسيح لشكل الإنسان جلب الأمور الأخيرة إلى التاريخ والزمن، وترى هذه الحقيقة في العديد من نصوص الكتاب المقدس. أود أن أذكر النصوص الأكثر رئيسية.

يكتب بولس الرسول مشيراً للطريقة التي أعلن فيها الله عن نفسه قائلاً: “الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة. كلمنا في الأيام الأخيرة في ابنه”(عب1: 1-2). تظهر هذه الكلمات أن الأيام الأخيرة هي أيام ظهور المسيح. لقد بدأ ملكوت الله بدخول المسيح إلى العالم.

يكتب بطرس الرسول مشيراً للفداء الحادث بواسطة تجسد المسيح قائلاً: “عالمين أنكم افتُديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء. بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح. معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم ولكن قد أُظهر في الأزمنة الأخيرة من أجلكم”(1بط1 :18-20). لقد كان مجيء المسيح لخلاص الجنس البشري مقدّراً قبل تأسيس العالم، ولكنه تحقق أخيراً في الأزمنة الأخيرة. ودخل الرسل القديسون الذين وُجدوا مستحقين للإعلان العظيم في حياة الأزمنة الأخيرة.

لا تشير نهاية الدهور في الإنجيل إلى نهاية الزمان، بل لصيرورة المسيح إنساناً طالما أنه أعطانا إمكانية أن نعيش حياة الأمور الأخيرة. يكتب بولس الرسول عن تجارب اليهود في العهد القديم قائلاً: “فهذه الأمور جميعها أصابتهم مثالاً وكُتبت لإنذارنا نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور”(1كو11:10).

توجد أيضاً إشارة إلى الأمور الأخيرة في حديث المسيح مع مرثا أخت لعازر الذي ذكرناه من قبل. فقد أكد لها السيد المسيح أن أخوها سيقوم ثانية. فأجابت أنها كانت تعرف أنه سيقوم في اليوم الأخير، ثم قال لها المسيح: “أنا هو القيامة والحياة من آمن بي وإن مات فسيحيا. وكل من كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد”(يو23:11)، وبعد ذلك بقليل أقام لعازر.

هذا الحديث والمعجزة التي تبعته معبّران، فهما يظهران أن المسيح هو القيامة والحياة، وبالتالي هو بمجيئه للعالم جلب أيضاً القيامة والحياة. ينبغي علينا أن ننظر لقيامة لعازر في هذا الإطار. لم يُقِم المسيح لعازر لمجرد مشاعر الحب، ولكنه أراد أن يوضح أن ذلك كان عربوناً لقيامة الناس وأنه هو ذاته القيامة وأنه بتجسده انتفى الموت وبالتالي أتى ملكوت الله إلى العالم بتجسده. وهكذا ليس ملكوت الله الحياة بعد الزمان ولكنه الاختبار الفعلي لله في هذه الحياة.

يوضع الزمان واختبار الأمور الأخيرة في التسابيح أيضاً في هذا الإطار. فنحن نسبح في تسبحة القيامة قائلين: “الكلمة المساوي للآب في الأزلية وعدم الابتداء، المولود من العذراء لخلاصنا، لأنّه سرّ بالجسد أم يعلو على الصليب ويحتمل الموت وينهض الموتى بقيامته المجيدة”.

هكذا، في العهد الجديد، ملكوت الله ليس توقعاً أخروياً فقط ولكنه حقيقة أتت. يقول القديس غريغوريوس بالاماس محللاً هذه الحقيقة أنه يـبدو في الكتاب المقدس أن اختبار ملكوت الله يحدث بثلاثة طرق.

الطريقة الأولى هي أن ملكوت الله قادم، وبالتالي تكون التوبة مطلوبة كما أعلن ذلك يوحنا السابق للمسيح. والطريقة الثانية هي أن ملكوت الله قد أتى وخصوصاً “في داخلكم”(لو21:17). والطريقة الثالثة هي أن ملكوت الله سوف يأتي بكل ملئه ومجده. فالمسيح نفسه، ورؤية الله غير المخلوقة هي ملكوت الله.

يقول القديس غريغوريوس بالاماس: “توبوا لأنه قد اقترب ملكوت الله. وليس فقط أنه اقترب ولكنه أيضاً سيكون موجوداً بوضوح عن قريب. وطالما أنه كنـتيجة لذلك قد اقترب ملكوت الله، وهو داخلنا، وسوف يكون موجوداً عن قريب فلنجعل أنفسنا مستحقين له من خلال أعمال التوبة”.

من أجل هذين السببين، أي بسبب أن ملكوت الله قد أتى وبسبب أنه سيأتي في نهاية الزمان دون أن نعرف متى سيحدث ذلك، فبالتالي تكون كل لحظة من الزمن “الساعة الأخيرة”(1يو18:2) بحسب قول يوحنا الإنجيلي.

كنـتيجة لذلك لا يكون الزمن في المفهوم الأرثوذكسي خطِّياً، بمعنى أننا لا ننـتظر ملكوت الله في المستقبل، ولا هو دائري بالمعنى الأفلاطوني أي أنه بلا بداية ولا نهاية، ولكننا نستطيع أن نقول أنه على شكل صليب. بمعنى أنه على الرغم من أننا مساقون للحياة بعد الموت وللبركات الأبدية، إلا أننا نستطيع أن نعيش هذه البركات المستقبلية في هذا الزمان أيضاً. بالتالي لا يعمل الزمن في المفهوم الأرثوذكسي كثيراً مثل الماضي والحاضر والمستقبل ولكنه يعمل كزمن مكثف خلاصي وليتورجي.

هذا يعني قبل كل شيء أن “الأمور الأخيرة” في التقليد الأرثوذكسي ليست هي الحياة بعد الموت وبعد المجيء الثاني للمسيح، ولا هي حياة الدهر الآتي، ولكنها شركة واتحاد مع المسيح، والتي تحدث بالفعل في هذه الحياة. علم الأخرويات المفصول عن الماضي والحاضر ليس أرثوذكسياً ولكنه تشويه لتعليم الكنيسة عن الأمور الأخيرة.

المغبوطة زينا التي في فيتلوغا

المغبوطة زينا التي في فيتلوغا

نقلها إلى العربية بتصرف الأب اثناسيوس بركات

وُلِدت المغبوطة زينا (زينايدا غريغوريافنا ماتروخينا) في فيتلوغا سنة 1877 من عائلة تتعاطى التجارة. عند موت والدها المبكر، عانت العائلةُ من شظف العيش والعوز المادي للمرة الأولى. لكن ذلك لم يكن شيئاً مقارنةً بما سيأتي لاحقاً.

بعد الثورة مباشرة، صودِرت كلُّ الممتلكات ووصلت العائلة إلى حد الفقر. وقد قبلَت والدةُ زينايدا هذا الصليب بكل خضوع. سيدةُ الأعمال التي كانت، مرةً، موسرة، صارت الآن تمشي منتعلةً حذاءً من اللباد، شبه حافية، وفي ثياب رَثَّة؛ لكنها لم تكن مُثبَطة العزيمة. في فصل الشتاء، غالباً ما كانت تذهب إلى عائلة غولوبيف التَّقية، في فيتلوغا، وتجلس لترتّل المزامير. كانت ألكسندرا غولوبيف تنظر إليها وتفكر في نفسها: “نحن نعيش في استياء من كلّ شيء، أما هي فتسير شبه حافية، شتاءً، وترتِّل المزامير”.

على مثال والدتها وبتدبير إلهي عاشت الإبنةُ زينايدا على المنوال نفسِه. كانت الطِّين يغمرها وترتدي أسمالاً بالية والقمل يغطّيها، وكانت تقول: “هذا ما أمرتني به أمي أن أفعله. أما قملي فهو لا ينتقل إلى أحد سواي”.

كان الناس يتجنّبون استقبالَها في بيوتهم بسبب عدم عنايتها بنفسها، أما الذين كانوا يستقبلونها فكانوا هم أنفسُهم فقراء. إحداهم كانت ماريا ألكسندروفنا التي عاشت في فقر مُدقِع. أما المغبوطة ستيبانيدا فيتلوغا فقد أخبرتها بأن الدِّماء سوف تغطّيها عند موتها. لهذا السبب كانت تخاف من أن تؤجّر أحداً عندها.

يعيش المتبالهون من أجل المسيح بطريقة غريبةً، أما دوافع هذا التَّصرُّف فلا يمكن أن نفهمها. فهُم يَحيَون في فاقة، ويَقبلون الصَّدقات، لكنهم لا يحتفظون بها لأنفسهم. فزينايدا، مثلاً، كانت تجلب كلَّ صدَقاتها إلى مصرف التوفير. كانت تقول: “أعطوا ما لقيصر لقيصر” (متى22: 21)، “هي آتية من العالم وتعود إليه”. هناك، كان المال يوضع. لم تكن تُعطي أيَّ شيء لمالكة المنزل ماريا ألكسندروفنا. كانت المالكة تشتكي للزّوّار قائلة: “أرجوكم اطلبوا من زينا ان تدفع بدلاً أعلى لإيجار سكنها. إنني لا أملك شيئاً يكفيني لشراء الحطب. فأنا أضطرُّ أن أَجمع الحطب اليابس بنفسي من الغابة”.

أما زينا فكانت تقول: “سأدفع أكثر، يا ماريا ألكسندروفنا، سأدفع أكثر. خمس روبلات سنوياً”.

فكانت ماريا ألكسندروفنا تستشيط غيظاً قائلة: “وما قيمة هذا بالنسبة لك، يا زينوشكا؟ هل خمس روبلات مبلغ كبير من أجل سنة كاملة؟”.

أما زينا فكانت تُعيد القول: “سأدفع أكثر، يا ماريا ألكسندروفنا. خمس روبلات سنوياً”.

في نهاية حياتها الكثيرة التّجوال، فقدت المغبوطةُ حتى هذا الملجأ. حصل الأمر على هذا الشكل: مرةً، ذهبت ماريا إلى اللجنة الطبية. كانت تأمل بالحصول على راتب تقاعدي لمرضها. لكنها لم تأخذ بعين الاعتبار كون الأطبّاء ملحدين، فعندما رفضت خلعَ ثيابها، حَياءً، بدأوا بالتنكيل بها وانتهى بهم الأمر إلى طردها. كانت جد مضطربة حتى أنها، في طريق عودتها للبيت، لم تسمع صوت القطار أثناء عبورها السّكة الحديدية.

وهكذا تحقّقت كلماتُ المغبوطة، إذ وقعت ماريا ألكسندروفنا تحت القطار وماتت بسبب النزيف.

قبل موتها بعدة أشهر، كانت زينا تمشي حول المدينة وتسأل الناس قائلة: “دعوني أمكث عندكم”.

لكن الجميع كان يعلم بأنها لم تكن تدفع إيجارها وهي قذرةُ الثياب، لذا لم يسمحوا لها بالبقاء.

وهكذا ماتت دون أن يكون لها ملجأ من هذا العالم. عانت من نزلة برد، وبعد ثلاثة أيام، في 27 أيار/ 9 حزيران، سنة 1960، رقدت. دُفنت في المدافن الجديدة. أبناء فيتلوغا لا يزالون يكرّمونها حتى هذا اليوم.

From New Confessors of Russia by Igumen Damascene Orlovsky (St. Herman Press, 1998).

 

الجنس قبل الزواج

الجنس قبل الزواج

الشيخ أبيفانيوس ثيودوروبولوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

يتساءل الكثيرون من المسيحيين: إذا أقمنا علاقة جنسية قبل الزواج بخمس دقائق يكون الأمر خطيئة، أمّا إذا أقمنا هذه العلاقة بعد الزواج بخمس دقائق فنكون على ما يرام؟

هذه هي بالضبط طبيعة الأسرار وقوّتها: تغيير الأشياء، تبديل الظروف، تحويل الأحداث، تقديس الخاطئ، مباركة الممنوع، ورفع الأرضي إلى السماء.

“خمس دقائق” قبل أن يبارك الكاهن الخبز والخمر على المائدة المقدسة يكون الخبز خبزاً والخمر خمراً، ولكن بعدها بخمس دقائق يكون أمامنا جسد ربنا ودمه!

مناولة الموعوظين قبل “خمس دقائق” من معموديتهم هي خطيئة كبيرة، أما بعد خمس دقائق فالمناولة عمل أساسي ومقدّس.

قبل “خمس دقائق” من سيامة الأسقف، يبقى المُنتَخَب كاهناُ ولا يستطيع سيامة إكليريكي، ولكن بعد خمس دقائق من إتمام سيامته في القداس الإلهي، يمكنه سيامة كهنة وشمامسة.

ولكن لماذا نبقى في إطار أسرار كنيستنا الإلهية الفائقة الطبيعة؟ لربما يوجد ما يوازي هذه الأمور في حياتنا، أي حياتنا الأرضية.

قبل “خمس دقائق” من توقيع عقدٍ ما من كاتب العدل والأطراف المعنية يكون العقد ورقاً وحسب، ولكن بعد خمس دقائق يصير مستنداً عمومياً غير قابل للجدل ذا نتائج (حقوق وواجبات) قانونية لا يسبر غورها أحياناً.

قبل “خمس دقائق” من توقيع اتفاقية ما، لا تكون الاتفاقية سوى ورقاً وغلافاً، ولكن بعد “خمس دقائق” يصير لها قوة تحديد مصير مئات الملايين من الممتلكات.

قبل “خمس دقائق” من تنصيب رئيس يكون مواطناً عادياً لا سلطة خاصة له، ولكن بعد “خمس دقائق” تُعطى له القدرة على حل الحكومة والبرلمان.

نعم، إنها “خمس دقائق” قبل الزواج تكون فيها العلاقة الجسدية خطيئة، وبعده بخمس دقائق تصير شيئاً آخراً.

كيف تتغلّب على ملحد؟

كيف تتغلّب على ملحد؟

القديس نيقولا فيليميروفيتش

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

“لأَنَّ هكَذَا هِيَ مَشِيئَةُ اللهِ: أَنْ تَفْعَلُوا الْخَيْرَ فَتُسَكِّتُوا جَهَالَةَ النَّاسِ الأَغْبِيَاءِ” (1بطرس 15:2).

أيها الإخوة، من الصعب الجدال مع ملحد، ومن الصعب السير مع إنسان غير عقلاني، ومن الصعب إقناع إنسان ساخط. من الصعب إقناع الملحد وغير العقلاني والساخط بالكلمات. من الأسهل أن تقنعوهم بالأعمال. ” وَأَنْ تَكُونَ سِيرَتُكُمْ بَيْنَ الأُمَمِ حَسَنَةً، لِكَيْ يَكُونُوا، فِي مَا يَفْتَرُونَ عَلَيْكُمْ كَفَاعِلِي شَرّ، يُمَجِّدُونَ اللهَ” (1بطرس 12:2).

اصنعوا أعمالاً حسنة للذين ترغبون بمجادلتهم فتكسبون الجدال. عمل رحمة واحد يعيد غير العقلاني إلى ذاته ويهدئ الساخط أسرع من ساعات من النقاش. إذا كان الإلحاد وغير العقلانية والسخط ينبعون من الجهل، فإن هذا الجهل كالغضب يمكن ضبطه بسرعة بالأعمال الحسنة. إذا تجادلتم مع ملحد بطريقته المسعورة، فإنكم تقّوون غضب الإلحاد. إذا تناقشتم مع غير العقلاني بسخرية، تزداد ظلمة الحماقة. إذا ظننتم أنكم سوف تسكّتون إنساناً ساخطاً بالغضب، فإن ناراً أعظم من المرارة سوف تشتعل. العمل الوديع والحسن هو كالماء على النار.

تذكروا دائماً الرسل القديسين وطرقهم الناجحة في التصرف مع الناس. إذا استفزّكم ملحد، فليس الإنسان هو من يستفزكم بل الشيطان: الإنسان بطبيعته متديّن. إذا عنّفكم غير عقلاني فليس هو المعنّف بل الشيطان: الإنسان بطبيعته عاقل. إذا اضطهدكم الساخط، فليس الإنسان هو المضطهِد بل الشيطان: الإنسان بطبيعته طيّب. يستفزّكم الشيطان إلى مجادلات طويلة ومحادثات غير مثمرة ويهرب من الأعمال الصالحة. اعملوا أعمالاً صالحة باسم المسيح وسوف يهرب الشيطان، من ثم تتعاملون مع الناس، الناس الحقيقيين، المتدينين العاقلين الطيّبين. لذا، كل ما تفعلونه افعلوه باسم الرب.

أيها الرب الكلي الصلاح، ساعدنا على عمل الصلاح وبالصلاح نغلب باسمك. لك المجد والشكر دائماً. آمين.

الجهاد في الصلاة

الجهاد في الصلاة

إعداد أحد الرعاة المعاصرين

إذا سألنا أي شخص عن الصلاة، فسوف يستعمل أوصافاً كمثل: خبرة لذيذة، حديث مع الله، علاقة مع المطلق، أو غيرها من العبارات العمومية ذات الدلالة الإيجابية. يختلف الأمر إذا سأل هذا السؤال أبٌ معرّف خلال الاعتراف. فالأرجح أن ما سوف يسمعه هو: ضيق الوقت، قلة التركيز، التأجيل والتعب بالإجمال. الحقيقة هي أن الكلام عن الصلاة أسهل من ممارستها.

أحد الأسباب الرئيسية التي تجعلنا نجاهد لنصلي هو أننا ننتظر من الصلاة خبرة مختلفة عمّا نحصل عليه في أغلب الأحيان. قراءة كتب مثل “سائح روسي على دروب الرب” أو الفيلوكاليا سوف تعطينا انطباعاً خاطئاً عن حقيقة الصلاة، أقلّه في البداية، لأننا نغفل عن أن الخبرات الرائعة الموصوفة في هذه الكتب، قد جاهد أبطالها فعلياً في الصلاة طوال حياتهم. جميعنا نتوقع وقتاً مبهجاً نفرح به بالرب فيما نفوسنا منقولة إلى السماء الثالثة، لكن هذا لا يصير لأغلبيتنا.

الرب يسوع المسيح صلّى خلال حياته على الأرض، ولم تكن صلاته من نوع الخبرات “الممتعة”. فلنأخذ مثلاً صلاته في بستان الجتسمانية: ” وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ” (لوقا 44:22). لم تكن صلاة الرب من دون ألم وفي جهاده صارت صلاته أكثر عمقاً، صادرة من عمق طبيعته البشرية طالباً المعونة. الأمر نفسه يصحّ بالنسبة إلينا: نحن نميل إلى الصلاة بقوة وبجدية أكبر عندما نواجه الألم، حينها نصلّي بصدق حيث لا تكون الصلاة اعتيادية عرضية، بل تكون لهدف وراءها. السؤال هو كيف ننقل هذه اللحظات النادرة من الصلاة الصادقة إلى روتين حياتنا اليومي؟

إن سبب صلاتنا بصدق في وقت الألم هو أننا نتوق إلى ما نطلبه بكل كياننا. ألا ينبغي أن يكون لنا نفس القدر من التشوّق نحو الأمور التي نرددها تلقائياً في صلوات الصباح والمساء؟ ألا ينبغي بنا أن نصلي لخلاص نفوسنا بنفس القدر من القوة التي نصلّي بها لصحة أجسادنا؟ بالطبع، ولكن بالنسبة للكثيرين منا، النفس مجرّدة ونظرية بينما الجسد ملموس ومحسوس. نحن نتأثّر بما نتلقّاه بحواسنا أكثر مما يعدنا به الإنجيل.

لا شكّ في أن الصلاة هي من أكثر التمارين النسكية صعوبة لأنها تتطلب مزيجاً يصعب تحقيقه من الإيمان والإرادة والمثابرة والصبر. لا نبلغ معاينة الله والمشاركة في النور غير المخلوق في أول ساعات صلاتنا، بل بالأحرى هذا يتمّ بالموازاة مع الفضائل المسيحية الأخرى، إذ إن النفس عندما تتطهر من الخطيئة تصير نوراً وأكثر قدرة على الوصول لعند الرب. إذاً، كيف نتعلّم كيف نصلّي؟ سأل أحد المبتدئين أباً من آباء البرية “أبّا، كيف نصلّي؟” فأجاب الأب: “صلِّ والصلاة سوف تعلّمك كلّ شيء”.

بالطبع، هذا الجواب العميق قد لا يرضي البعض من المسيحيين المعاصرين، لذا هاكم بعض التوجيهات المساعِدة للمبتدئيين.

  • الخطوة الأولى والضرورية هي خلق حد أدنى من الروتين اليومي. العذر المألوف هو: “أنا شديد الانشغال عن الصلاة”. هذا العذر لا مكان له، فيما الناس يشاهدون التلفاز بين الأربع والخمس ساعات يومياً. الهدف الأكثر أهمية هو التوصّل إلى الثبات على المبدأ.
  • التحمية الروحية: قراءة الإنجيل، كتابات الآباء حول الصلاة، الفضائل والتوبة هي كلها مكونات الشهية المتزايدة للصلاة.
  • خلق جو صلاتي: أيقونات، ضوء شموع، بخور، مسابح صلاة، كل هذه تساهم في رفع الحواس والتركيز على الملكوت الداخلي.
  • في الإيمان الأرثوذكسي، على الجسد والروح أن يشاركا في الصلاة: الركوع أو الوقوف، إحناء الرأس، رفع اليدين، السجدات، هذه كلها أساليب من خلالها يشارك الجسد فعلياً في عمل الصلاة.
  • توقع المعقول من الصلاة: في مجتمع اعتاد الإشباع الفوري، لا يملك أغلب الناس الصبر لينتظروا جواب الله، فيتخلّون عن الصلاة بعض عدد قليل من “المحاولات التي باءت بالفشل”. الجواب على هذه المشكلة هو في تعلّم تقبّل مشيئة الله، وهو موضوع موجود بشكل نموذجي في الصلوات الأرثوذكسية، وعلى سبيل المثال “يا مَن في كل وقت وفي كل ساعة…”
  • عدم التطلّع إلى خبرات متقدمة: أغلب الاباء يحذرون المبتدئين من الرؤى والخبرات الاستثنائية التي يشوب مصدرها الالتباس. سيَر آباء البرية واقوالهم غنية بالقصص عن رهبان شبان خدعهم الشيطان إذ سحرهم بلقاءات صوفية كاذبة، لا يؤدي قبولها إلا إلى الغرور والشعور الكاذب بالإنجاز. الصلاة ليست مباراة بل قضية جدية بيننا نحن والله.
  • الصلاة ليست قائمة في فراغ مقطوعة عن الضروريات الأخرى لحياة التقوى. ينبغي أن ترتبط الصلاة بالتوبة والاتضاع وعمل الرحمة والصوم. مع هذه الرفقة تزهر الصلاة وتملأ حياتنا بعطر ناعم من الروح القدس “كلّ ما تحملتموه من جراء محبة الحكمة سوف يثمِر لكم في وقت الصلاة” (من أقوال الآباء)

في النهاية، الصلاة هي لقاء مع الله، بناء علاقة شخصية تحتاج إلى الرعاية والمثابرة. بقدر ما نتواصل نصير أكثر قرباً من الآخر وتصير المحادثة أكثر جدوى كل مرة.

“الصلاة هي حديث مباشر مع الله، هي أن تكون مع الله دائماً، فيما النفس متحدة به العقل معها لا ينفصل. يصير الإنسان واحداً مع الملائكة متحّداً بهم في مديح دائم الثناء والشوق” (القديس سمعان التسالونيكي)

البابا في لبنان

البابا في لبنان

الأب أنطوان ملكي

قد يوحي عنوان هذه العجالة بأنها خبر إعلامي، لكن الأكيد أنها ليست كذلك، بل هي محاولة للفت النظر إلى بعض الأمور بمناسبة زيارة بابا روما إلى لبنان. فالخبر حول هذه الزيارة صار الجميع، كباراً وصغاراً، يعرفونه من الأخبار والدعايات والتحضيرات. فالرجل هو رئيس الكثلكة في العالم، بالإضافة إلى كونه رئيس دولة الفاتيكان التي، مع كونها أصغر الدول، تمثّل بالنسبة للكثيرين من العاملين في الدبلوماسية العالمية رمزاً للمحافظة على الأخلاق والقيَم في ميدان السياسة الذي يفتقد هذه الأمور. من جهتنا نحن، هل الأمر مهم لنا؟ نعم، بالطبع هو مهم. فالبابا هو رئيس جماعة مسيحية نحن نصلّي ونعمل ونحاور بهدف استعادتها إلى الوحدة في كنيسة المسيح، وهذا أمر وإن خضع لدبلوماسية البعض، إلا إن كثيرين، في بلادنا كما في كل العالم، يقاربونه بصدق ومحبة ورجاء بأن تأتي الوحدة، وفي أيامنا. من جهة أخرى، زيارة البابا مهمة لإخوة لنا في هذا المجتمع، يتطلّع الكثيرون منهم بصدق إلى أن تكون فرصة للتعبير عن إيمانهم ورجائهم وثباتهم في هذه الأرض. ونحن من إيماننا بشركتنا الاجتماعية والإنسانية معهم، ومن تطلعنا إلى الوحدة الحقيقية، نهتمّ لهذه الزيارة.

من هنا لا بدّ من لفت النظر إلى بعض الأمور حتّى لا تطغى العاطفة البشرية على العقل، ولا يلتهم الإعلام المعرفة، ولا تخفي القشور اللب النافع، فننتهي إلى الخسارة بدل الربح. فنحن، كهنة أو علمانيين، قد نُدعى إلى المشاركة في بعض النشاطات ضمن إطار الاحتفاء بهذا الزائر المهم، ومن هنا نرجو أن تكون هذه المشاركة مساهمة في التقارب بين الإخوة، من دون تخطٍ لأي فَرق أو خلط لأي تمايز. فما يجمعنا بالكاثوليك هو التسلسل الرسولي الواحد والأصل الواحد، والشركة التي دامت الألفية الأولى كلها. أمّا الاختلاف معهم فهو عقائدي، ولا يستطيع أحد أن ينكر تأثيره على تطور كل من الجماعتين ونظرة كل منهما إلى الأرض والسماء والدولة والعلاقات الاجتماعية بين الناس وغيرها. وهذا الاختلاف لا ينفي وجود الكثير من القضايا التي تشكّل حقلاً مشتركاً للشهادة المشتركة في هذا الزمن الدهري ذي التجارب الكثيرة. لذا، مقاربة هذه القضايا لا تكون بفكر دنيوي لا يرى في الجماعات المسيحية في الشرق إلا أقليات عليها أن تتقارب لتحتمي ببعضها، ولا بفكر ذمّي يرى أن على الجماعات المسيحية أن تسترضي أحداً ليحميها، ولا بفكر تبسيطي يكرر أنّ الاختلاف العقائدي هو مجرد خلاف بين كهنة طامعين بكراسٍ دنيوية. إن مقاربة الأمور المشتركة تكون بفكر واثق من أنّ المعونة هي من عند الله خالق السماء والأرض، وهو الوحيد الذي يحمي ولا حاجة للمؤمن أن يسترضي أحداً غيره، وأنّ هذه المقاربة تؤدّي إلى الخير عندما تكون بفكر ثابت في سعيه إلى الوحدة الحقيقية التي تقوم على حلّ الاختلافات لا على تخطيها، لأنها بطبيعتها اختلافات عقائدية تمسّ الإيمان، وليست اختلافات حضارية أو ثقافية أو اجتماعية. فتوحيد العيد لا يخلق وحدة حقيقية، والاشتراك العشوائي بالأسرار هنا وهناك لا يخلق وحدة، بل اللياقة والترتيب هما يهيئان الأرضية للقلب المتخشّع مصحوباً بالفكر المستنير الذي يبحث عن الوحدة ويجدها. عسى أن تكون هذه الزيارة فرصة يبرهن فيها جميع مسيحيي لبنان أن صلاتهم للوحدة تنبع من قلب خاشع وفكر مستنير، يسمعها الرب فيبارك ويعين.

كنيسة واحدة

كنيسة واحدة

الخورية سميرة عوض ملكي

من المشاكل التي نعاني منها اليوم أن البعض بات لا يؤمن بوجود الهرطقات معتبراً أن الكلام عنها تخطاه الزمن، فيما البعض الآخر يرون في الكثير من التعاليم المشوّهة، أو الهرطوقية، حقائق إيمانية بحتة نابعة من المعرفة أو من “المحبة”. وهؤلاء قد يكونون من المؤمنين أو من غير المؤمنين. فأين الحقيقة؟

الجواب ليس صعباً، لأن ثمة الكثير من التعاليم التي يعبّر عنها، ربما من دون تعمد، أشخاص يعتقدون بأنهم أعضاء حقيقيون في كنيسة المسيح. لكن، للأسف، فنظراتهم تكون نابعة من الجهل والاعتبارات الخاطئة عن الله وابنه وعن الروح القدس وبالتالي عن الكنيسة. فكل تغيير في التعليم عن المسيح أو عن الروح القدس أو عن طريق الخلاص ينعكس على النظرة إلى الكنيسة.

في البدايات الأولى للكنيسة، ظهر العديد من الهرطقات التي تصدّى لها آباؤنا القديسون بقوة الروح القدس، وبغيرة نفتقدها في هذه الأيام  ونتمنى لو أنها تحيا من جديد في قلوب المؤمنين.

لذا، يمكن القول اليوم بأن أعظم الهرطقات القائشمة هي القول بأننا “كلنا مسيحيون” وكلنا كنيسة واحدة. وإن رفض أحد هذا القول وقال “لا، لسنا كنيسة واحدة” وأن “الأرثوذكسية هي الكنيسة الحقيقية الواحدة المقدسة الرسولية”، يُتَّهَم بأنّه غير مُحبّ ومتعصب، ومؤخّراً أضيفت صفة “السلفي”.

للمسيح جسد واحد لا أجساد الذي هو الكنيسة، وهو الذي اسّسها وأقامها جسده الحامل ىالحياة و”عمود الحق وركنه” (1تيم 15:3). فالكنيسة إذاً، ليست مؤسسة بشرية، إنما هي الجسد الإلهي-البشري للمسيح. وهي تتألّف من أناس متّحدين مع بعضهم بالإيمان الواحد بيسوع المسيح وبالتعليم الواحد المُوحى والخدمة الإلهية والأسرار الواحدة القائمة بإدارة وقيادة رئاسة أقامها الله لأجل البلوغ إلى الكمال والخلاص، وحُفِظَت بالإيمان في تسلسل رسولي غير منقطع. والخلاص لا يتمّ إلا عندما نكون في شركة مع الثالوث القدوس، وعندما تدخل نعمة الله المثلث الأقانيم في كياننا، وهذا لا يتمّ إلا في الكنيسة.

نحن نعيش مع أناس كثيرين ومختلفين عنّا بافيمان، لكن هذا لا يعني أننا لا نحبهم ونحترمهم إن قلنا بأن الكنيسة الأرثوذكسية هي جسد المسيح والمسيح رأسها وأعضاؤها هم أعضاء جسده. هذا الكلام إنما تسلّمناه من القديسين ومن رسالتنا أن نسلّمه إلى مَن يأتي بعدنا. ما الخطأ بإيماننا بهذه الحقيقة، لأن أعظم موهبة للنعمة لدينا هي أننا ننتمي إلى هذه الكنيسة؟ أعظم نعمة هي أننا في هذه العائلة العظيمخة، وهذا ما يجب أن يدفعنا لنجاهد لأن نبقى في كنيستنا، واضعين نصب أعيننا أننا بهذا نسير في موكب القديسين لنلاقي المسيح.

Damascene hand

عصا القديس سابا

عصا القديس سابا (باتيريتسا Pateritsa)

جمعها الأب أنطوان ملكي

عندما قربت نهاية القديس سابا المتقدّس (القرن السادس) أخبر رهبانه بأن يتوقّعوا في يوم ما في المستقبل البعيد أن أحد رؤساء الأساقفة وهو رجل لله ويحمل اسمه نفسه سوف يأتي من الغرب. وطلب من الرهبان أن يعطوه عصا الرعاية خاصته (pateritsa) وأيقونة لوالدة الإله. وهم سوف يعرفون الشخص المناسب إذ إن العصا سوف تقع على الأرض في لحظة سجوده لقبر القديس.

بعد مائتي سنة تقريباً من رقاد القديس، أضاف القديس يوحنا الدمشقي أيقونة والدة الإله ذات الثلاث أيدي (Tricherousa) إلى كنوز الدير. الأيقونة المذكورة هي التي من خلالها تمّت معجزة رد يد القديس يوحنا الدمشقي بعد قطعها.

Damascene hand

بعد سبعمائة سنة من رقاد القديس سابا، زار القديس سابا الصربي الدير، وهو كان رئيس أساقفة صربيا في حينها، وعند زيارته للأراضي المقدسة مرّ للتبرك من قبر شفيعه. وكان رهبان دير القديس سابا ما زالوا يحفظون نبوءة أبيهم ومؤسس ديرهم. فما أن سجد القديس سابا الصربي أمام قبر القديس سابا المتقدّس حتى وقعت العصا على الأرض. تكرر الأمر في اليوم التالي ما أزال كلّ شكّ لدى رهبان الدير، وتأكّدوا أنّ القديس الصربي هو رئيس الأساقفة الذي كانوا ينتظرونه لقرون. فأهدوه العصا (pateritsa) وأيقونة العذراء ذات الثلاث أيدي.

Tricherousa

من هنا وصلت الأيقونة والعصا إلى دير خيلانداري في جبل أثوس. فالقديس بعد أن كان ملكاً على صربيا، ثم رئيس أساقفة، ترك الدنيا وتنسّك في دير خيلانداري حيث رفاته إلى اليوم محجة للأرثوذكسيين.

اليوم، يوجد في كارياس عاصمة الجبل قلاية تعود إلى دير خيلانداري اسمها الباتاريتسا (pateritsa)، حيث العصا الأبنوسية المطعّمة بأنياب الفيل، محفوظة في خزانة في الممر الشمالي في كنيسة التجلّي التي في القلاية.

Pateritsa

فبشفاعة قديسَيك سابا المتقدّس وسابا الصربي أيها الرب ارحمنا.