الحضور إلى الكنيسة

الحضور إلى الكنيسة

القديس فيلاريت موسكو


نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

عندما يحين الوقت المخصص لله وللحضور إلى معبده، خاصة يوم عيد أو ساعة القداس، سارِع إلى انتزاع ذاتك من الأعمال والاهتمامات الدنيوية وقدّم نفسك لله طوعياً وبغيرة في كنيسته. وإذ تدخل الكنيسة تذكّر وعد الرب للذين يجتمعون باسمه: هناك أكون بينهم (متّى 20:18)، وقِفْ بوقار في الكنيسة وكأنّك أمام وجه المسيح نفسه، وصلِّ إليه ليقدّسك بقداسته، وينشّطك بصلاته، وينيرك لكلمة الإنجيل ونعمة الأسرار.

تذكّر أيضاً أنّ، في الكنيسة، تخدم الملائكة معنا وتحفظ قداسة الدار هناك. في إحدى المرّات، في دير القديس ثيوذوسيوس قرب أورشليم، فيما كان الأب ليونديوس آتياً إلى الكنيسة لتناول الأسرار الإلهية، رأى ملاكاً واقفاً عن يمين المائدة المقدّسة، وإذ خاف واستدار ليهرب إلى قلايته، ناداه صوت الملاك: “منذ أن كرِّسَت هذه المائدة أوكِل إليّ أن أحرسها”.
تذكّر ذلك أيها المحبوب، وَقِفْ بورع. وإذا أحسستَ أنّ جسدك يقف وحده في الكنيسة فيما عقلك يفكّر بالبيت أو السوق أو مكان المرح، استجمع ذاتَك. أسرِعْ إلى استعادة فكرك الذي شرد وضمِّه إلى الله في قلبك، أرغِمْه على السعي نحو الله الذي يهتمّ بك. عندما تسمع كلمة الله، افتحْ لا أذنيك الجسديتين وحَسْب بل الروحيتَين أيضاً، افتحْ قلبَك، تقبَّل هذا الخبز السماوي وبه غذِّ لا ذاكرتك وحسب بل حياتك وعملَك أيضاً.

تعاليم فصحية

تعاليم فصحية

القديس ثيوذوروس الستوديتي


نقلها إلى العربية الأب إفرام كرياكوس

الآلام

أيها الآباء والأخوة، إن آلام ربنا يسوع المسيح لها من القوة ما يولّد دائماً تخشعاً في النفس، خاصةً عندما يتأمّلها الإنسان على حدة واحدةً واحدة، في هذه الأيام التي تحققت فيها: المشورة للتسليم، القبض عليه من قبل اليهود، المحاكمة أمام بيلاطس، الاتهام، الضرب، البصاق، التعيير، الهزء، الصلب، المسامير في الرجلين واليدين، مذاق الخل، طعن الجنب وأشياء أخرى لا يستطيع أن يصفها أيّ لسان بشري باستحقاق، بل وأيضاً ألسنة الملائكة كلّها معاً.

يا لها من أسرار كبيرة تثير العجب! لقد رأتها الشمس فانطفأت، رآها القمر فأظلم ولم يعد يعطي نوره، شعرت بها الأرض فارتعدت، شعرت بها الصخور فتفطّرت. لقد ارتعدت الخليقة كلّها من أجل الإهانات ضد السيّد. إن كانت عناصر الطبيعة غير المتنفّسة وغير العاقلة قد تزعزعت خوفاً من الرب ومن رؤية الأحداث وتغيّر شكلها، فكم بالأحرى نحن المكرَّمين بالمنطق والعقل، الذين مات من أجلهم المسيح، هل نبقى بدون تخشع، بدون دموع في هذه الأيام؟ كيف لا نُعتبر أجهل من المخلوقات غير العاقلة وأقل إحساساً من الحجارة؟
لا يا أخوتي، لا! بل ليكن لنا شعور بالتخشّع اللائق، لنسكب دموعاً، لنتحوّل التحوّل الحسن ولنُمت أهواءنا.

المحبة الإلهية

ترى مَن حُبس من أجل أصدقائه؟ ترى مَن قد ذُبح من أجل أحبائه؟ ومع ذلك فإن إلهنا الصالح قد كابد لا واحداً أو اثنين من الآلام، بل عدداً كبيراً من أجل المحكوم عليهم. ولمّا لم يكن لدى القديسين ما يقدمونه بدلاً عن هذه المحبة، فقد قدموا أجسادهم ودماءهم نسكاً واستشهاداً مرتلين مع داود النبي: “بماذا نكافىء الرب عن كل ما أعطانا؟” (مز115: 3). لنردّد هذه الآية باستمرار أيها الأخوة عاملين للرب بعزم محبة لا يفتر. ولنسرع باستمرار إلى ما هو أعلى حتى نصبح شهداء للمسيح وللقديسين.

مجيء الفصح

ومع ذلك فقد أدركتنا القيامة المقدسة. لننتبه كثيراً حتى نعيّد العيد ببهجة وبلياقة إلهية – لأن الفصح هو الهبة الأولى والأعظم من بين هبات التدبير الإلهي – أما الجسد فلنلجمْه عن طريق التقوى حتى إذا غيّرنا الأطعمة لا نغيّر مع ذلك حالتنا الروحية. تفرح النفس لمجيء الفصح لأنها تستريح من أتعابها الكثيرة. لكن لماذا ننتظر بلهفة مجيء الفصح؟ فهو يأتي ويعبر. ألم نعيّد له منذ سنين؟ ألم يأتِ ويعبر كما قلت. لا يوجد شيء دائم في دهرنا الحاضر. الأيام تمضي كالخيال وحياتنا تركض كالخيل السريع الجريان لكي تقودنا إلى نهاية الحياة الحاضرة.

الفصح المستمر

ماذا إذاً يقول المرء: يجب علينا أن لا نرغب بمجيء الفصح؟ كيف ولا نشتهيه كثيراً؟ نعم ذلك الفصح الذي يتم كلّ يوم. وما هو ذلك؟ أعني تطهير خطايانا، انسحاق قلبنا، دموع التخشّع الضمير النقي، إماتة الأعضاء الأرضية، الزنى والنجاسة والهوى والرغبة الرديئة وكل شرّ آخر.

كل من استحقّ أن يصل إلى هناك، لا مرّة واحدة بل كلّ يوم، ذاك يعيّد الفصح باستمرار، فصح الرب يسوع المسيح. وكلّ من ليس عنده الهبات المذكورة، بل هو عبد للأهواء لا يستطيع أن يعيّد. كيف يعيّد من أَلَّه بطنَه؟ كيف يعيّد من يلتهب بشهوة الجسد؟ كيف يعيّد من هو غارق في محبة المال؟ كيف يعيّد من هو عبدٌ للمجد الباطل، وكل هوى آخر؟
نحن نؤمن أن لكم أيها الإخوة كل ما هو خير للخلاص. طالما أن حياتنا هذه ليست سوى مقدّمة للعيد: الترتيل يواصل الترتيل، القراءة تتلو القراءة، والدرس الدرسَ، والصلاة الصلاةَ كل ذلك شبيه بدائرة لولبية تقودنا إلى الله وتتحِدُنا به.
كم هو لذيذ وفائق اللذة عيشنا الرهباني! كم هي مطوّبة ومثلّثة الطوبى حياتنا هذه! لنسرعْ إذاً أيها الأخوة إلى الفصح، إلى العيد، كل مرّة أفضل من المرة السابقة من أجل إماتة الأهواء وقيامة الفضائل تشبّهاً بالرب الذي “تألّم لأجلنا تاركاً لنا مثالاً لكي تتبعوا خطواته” (1بطرس 2: 21).

زينة القيامة: الفضائل

مع القيامة تخلع الخليقة عنها الوشاح الشتوي كمثل ميت وتتجدّد وتحيا من جديد. وها نحن نرى الأرض مخضرّة، البحر هادئاً، الحيوانات تتهلّل، كل شيء يتحوّل إلى الأفضل. لم أقل كلّ ذلك عن طريق الصدفة. أريد أن أؤكد على أن الأشياء غير المتنّفسة، غير العاقلة تحتفل معاً تتجمّل مع القيامة الحاملة البهاء الفائق.

كم بالأحرى نحن الذين أُكرمنا بالعقل على صورة الله؟ علينا أن نزيّن أنفسنا ونفوح رائحة طيب روحيّة زكيّة؟ في الحقيقة، رائحة المسيح الزكية هي في ذاك الذي يتزيّن بالفضائل. يؤكد الرسول بولس على ذلك بقوله: “لأننا رائحة المسيح الزكيّة لله” (2كور 2: 15). لنضف أن آدم قبل المعصية كان رائحة زكية لله مزيناً بعدم الموت وبعدم الفساد مأخوذاً بالتأملات السماوية. لذلك مثل وردة كثيرة الشذى وكثيرة الزهور كان يقطن الفردوس. لنتزيّن نحن أيضاً أيها الإخوة بالعطر الروحي الذي يجعل كلّ واحد يعطّر نفسه بمجمل الفضائل، بمثابة طيب ذكي نادر. هذا الطيب مبارك هو. هذا الطيب مرضيّ لله يجلب لنا الملائكة ويبعد عنا الشياطين.

التعييد الروحي المستمرّ

وعندما يمضي الفصح وينتهي العيد لا نعتقدنّ أنّ الفرح قد مضى ومعه الاحتفال لأنه باستطاعتنا أن نفرح باستمرار وأن نعيد كل يوم روحياً. كيف يكون ذلك؟ إن كان عندنا على الدوام ذكر آلام مخلّصنا يسوع المسيح، أي أن ربّ المجد قد صُلب من أجلنا ونزل إلى القبر ومات في اليوم الثالث مقيماً إيانا بحيث نقول مع الرسول: “فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ. فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان إيمان ابن الله الذي أحبّني وأسلم نفسه لأجلي” (غلا 2: 20). هذا هو معنى السرّ بالنسبة إلينا: أن نموت بالنسبة للعالم وأن نعيش فقط لله. ينبغي لنا بعد الفصح أن نتيقّظ ونصحو، أن نصلّي، ونتخشّع، أن ندمّع ونستنير، أن نموت كل يوم إرادياً، أن نخرج من الجسد، أن نخرج إلى الرب مميتين اهتماماتنا الجسدانية.

لا تقلْ أبداً لم يعدْ اليوم الصوم الكبير. إنه قد مضى. كل وقت هو صوم كبير بالنسبة للمجاهد. لا تقلْ: لقد عشتُ سنين طوال في النسك لأسترحْ قليلاً. لا مكان هنا للراحة. لا تقلْ شختُ في الفضيلة ولا أخاف. الخوف من السقوط دائمٌ. كثيرون قد شاخوا في الفضيلة فهدمهم الشيطان بلحظة واحدة وأسقطهم إلى عمق الخطيئة. “ومن يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط” (1 كور 10: 12).

الجهاد الروحي المستمرّ بعد الصوم الأربعيني

لذلك نحتاج إلى انتباه وقياس في النوم وفي الطعام والشراب وفي كل شيء آخر حتى نلجم الجسد ولا نسقط – مثل الحمار الوحشي الذي فلت من قيده – في عمق الخطيئة. إن سقطنا وقتاً ما من جراء عدم انتباهنا فلنتطلّع للحال إلى يسوع المصلوب وربّ المجد، للحال تشفى نفوسنا. هذا لأن الإسرائيليين وقتاً ما عندما كانت الحيات السامة تلدعهم كانوا يتطلعون إلى الحية النحاسية ويشفون. ألا تعلمون أنّ الأفكار الشريرة تلدع كالحيات ساكبة سماً داخل النفس وعلينا أن نقذفه خارجاً حتى لا نتعرّض لخطر الموت. ألا تعلمون من جهة ثانية أن الربيع يولّد في النفس دماً وشهوةً في الإنسان “لأن الجسد يشتهي ضدّ الروح والروح ضدّ الجسد” (غلا 5: 17).

وكل تقوية للجهة الأولى يولّد أضعافاً للجهة الأخرى. لذلك فلنحرص حتى لا يقوى الجسد على الروح. إن المسابق الذي يركض لا يغلب إن كان قد قطع حاجزاً أو اثنين بل إن كان قد قطع رابحاً الشوط كلّه. ونحن أيضاً لا يكفي أن نجاهد فقط خلال الصوم الأربعيني لأنه إن لم نقطع حياتنا كلّها في الجهاد الروحي لن نهرب من مكائد الشيطان ولن نحصل على جائزة الغلبة. لذلك أيها الأخوة لنتابع الجهاد الحسن ولنعرق من أجل الفضيلة ونقسُ على جسدنا ونلجمه لكي نقضي على أهوائنا: “حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع” (2 كور 4: 10).

الفصح الأبدي

إذا انتهى الفصح لا ينتهي ذكرُه بل ليكن أمامنا دائماً آلام ربنا الخلاصية، الدفن والقيامة حتى بذكرنا المتواصل لها نبقى غير مستعبدين من الأهواء. ومن جهة أخرى حياتنا كلّها تنظر إلى الفصح الأبدي لأنّه، وإن كان الفصح الحاضر عظيماً وجديراً بالوقار، كما يقول الآباء القديسون، يبقى رسماً لذلك الفصح الفصح الأبدي. الحاضر هو اليوم وهو يمضي أما ذلك فهو أبدي. “حين ينتفي كل وجع وحزن وتنهّد”. هناك فرح وابتهاج، تهلّل أبدي. هناك لحن المعيّدين ورقص المحتفلين ورؤية النور الأزلي. هناك مائدة المسيح المغبوطة مع غزارة الخيرات الأبدية. كل ذلك كان ينتظره القديسون محتملين الشدائد كمسرّات، الضيقات كتعزيات، الاستشهادات كتنعّم، النسك كتمتّع، الموت بمثابة الحياة. ونحن إذاً لنتطلع إلى الفصح الأبدي، لنصبر، أرجوكم أيها الأخوة، على الآلام الحاضرة بشجاعة، والسيد المحسن إلهنا لنخدمه حتى النهاية. وهو يؤهلنا أن نتمتع بذلك الفصح الأبدي السماوي الذي نرجو أن تتمتعوا به كلكم بنعمة ربنا يسوع المسيح ومحبته للبشر، الذي كابد الصلب والدفن وقام، الذي يليق له المجد العزة مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين. آمين.

الشهداء الحقيقيون من أجل الإيمان بالمسيح

الشهداء الحقيقيون من أجل الإيمان بالمسيح

القديس إفرام السرياني


نقلها إلى العربية المطران أبيفانيوس زائد

في أزمنة الاضطهاد، عندما كان الإخوة يفرّون من ميدان العمل ولا يتجاسرون على الاعتراف بالمسيح ابن الله، وقف الشهداء برباطة جأش في الميدان متمنطقين بالإيمان الحقيقي ومعترفين بالمسيح ابن الله بجسارة عظيمة، دون خوف.

لقد ثبت القديسون الشهداء في جهادهم بسرور عظيم متحملين أنواع العذاب على اختلافها من أجل اسم ابن الله الوحيد مخلّص العالم. إنهم حقاً كانوا صالحين ومغبوطين لأنهم رأوا بأمّ العين أدوات العذاب الهائلة معدّة لهم على اختلافها: كالنار الهائلة في الأتون، والدواليب المصرّة الدائرة في اللهيب، والبراثن النارية، والمناشير، والملازم، والأغلال، والقيود وغير ذلك، ليستولي الخوف عليهم ويحبس ألسنتهم عن الاعتراف بيسوع المسيح.
ماذا صنع محبو الله المجاهدون الحقيقيون لدى رؤيتهم أنواع العذابات أمام عيونهم؟ إنهم تسلّحوا بالاستعداد لاحتمال كلّ العذابات، ليعترفوا بالمسيح أمام السلطات واليهود، من دون وجل وبجسارة عظيمة. فلا سعير النار، ولا غليان المراجل، ولا دوران الدواليب، ولا البراثن الحديدية، ولا أسنان المناشير، ولا ثقل القيود، ولا التهديد والوعيد وصرير الأسنان، ولا مكايد العدو أثّرت في شجاعة المجاهدين في سبيل المسيح، وتمكّنت من حملهم على إنكار ربّهم ومخلصهم، بل وطئوا بالإيمان حيل العدو كلّها، دون أن يتسرّب إليهم الخوف.
أرأيت شجاعة عبيد الله المحبّين؟ أرأيت ثباتَ أرواح محبّي المسيح المجاهدين؟ أرأيت إيمان محبّي ملكوت العلي؟ أرأيت كمال إيمان هؤلاء المؤمنين المخلِصين؟ أرأيت محبتهم العظيمة التي استطاعوا بها احتقار كلّ شيء أرضيّ ليشاهدوا الله الذي أحبوه؟ أرأيت كيف أنّ الفردوس يريد أن يرى فيه المكلّلين بإكليل الظفر مسرورين بالنور؟
تعال، يا أخي الحقيقي، وتعلّمْ وانظرْ ثمرَ الاستشهاد والإيمان والأفكار التقيّة الصادقة في الجهاد الباسل الكامل! تأمّلْ كيف أنّ العذابات لم تُضعِف أفكارَ الصدّيقين ومحبّتِهم لله تعالى بل بالعكس تحمّلوا التمزيقَ بسرورٍ عظيم، وقبلوا الضرب والجلد بلذّة، شاكرين الله ومبتهجين، لأنهم استحقّوا الآلام من أجله.
تقدّمْ أيها السامع وكن تلميذاً للقدّيسين المعذبين. فهم معلّمون صالحون لله، إن شئت أن تتعلّم منهم. تعلّم منهم الثباتَ في الإيمان والمحبةَ لله في الآلام العظيمة والرغبة في الحصول على الخيرات الآتية. إنهم بقوّةِ الله والإيمان الكامل، خرجوا من لهيب النار ظافرين، فتغلّب أنت على لهيب الشهوة الشريرة! إنهم بالصبر وبالاتّكال على المسيح تغلّبوا على أنواع العذاب، فتغلّبْ أنت بالعفاف وبالأفكار النقية على كلّ شهوة رديئة! إنّهم بالوداعة وكبر النفس تغلّبوا على معذّبيهم، فتغلّبْ أنت على الغضب المؤلم! إنهم صاروا شهداء فصِرْ أنت شهيداً! إنهم جاهدوا بجسارة، فجاهِدْ أنت في السرّ لتحصل على الإكليل في يوم العطاء العظيم، وتكون مساكناً لهم في الملكوت ومسروراً إلى أبد الآبدين آمين.

رد في كلمات على مقالة “حوار حول الأرثوذكسية”

رد في كلمات على مقالة “حوار حول الأرثوذكسية”

ربيع نصور

قرأنا بسعي وجهد مشكورين من الأب أثناسيوس بركات ترجمةً لحوار حول الأرثوذكسية والذي يظهر فيه شخص يبحث عن الحقيقة و أرثوذكسي مستقيم الرأي يملك الحقيقة، بادئ ذي بدء إنه ليس هناك من رأي أرثوذكسي موحد في الكثير من القضايا وهذا ربما دليل عافية على قدر ما هو دليل مرض إلا أن هذا الاختلاف في الآراء و المواقف لا ينسحب البتة على الأمور العقائدية، أقله حتى وقتنا الراهن، وذلك لإدراكنا أرثوذكسياً أن العقيدة فيها خلاص ولولا ذلك لما كلفتنا_ أي العقيدة _ شهداء ومعترفين بهذا المقدار.

أجل إني أؤمن أن في العقيدة بُعدٌ خلاصي و لهذا أردت هنا الرد على ما جاء في الحوار المذكور آنفاً لما يحويه من خطأ خلاصي عقائدي بالإضافة لتعليقي على بعض القضايا الأخرى بغية تبيان أن هناك آراء أخرى أرثوذكسية مختلفة وهذا ما سأعالجه في مقال آخر.
مما لا شك فيه أنني لا أسعى بجوابي هذا أبداً لهرطقة أي شخص إنما حرصاً مني على نقاوة الإيمان و عدم تسرب أفكار خاطئة بإطار أرثوذكسي في مفاهيم شبابنا، كما لا أدعي أني الوحيد الذي يملك الحقيقة و المدافع عنها فأطلب من الجميع تقبل ردي من باب الغيرة الخلاصية و المحبة الخالصة لكنيستي ليس إلا.
في العدد الرابع من السنة السادسة /كانون الثاني2010 قسم المسكونيات من مجلة التراث الأرثوذكسي الالكترونية، يأتينا الأب فلاديمير موسّ بالحوار حول الأرثوذكسية القسم1، السؤال رقم 8 /غير مرقمين/ في السطر الأخير من الجواب بما يلي ” فإن الخطيئةَ الأصلية (أو الجدية نسبةً إلى الجدَّين آدم وحواء) تُمحى، فقط، في جرن المعمودية” و هذا خطأ لاهوتي عقائدي كبير دخيل بتأثير غير أرثوذكسي على فكرنا لأنه بمراجعة بسيطة للمفهوم الأرثوذكسي للمعمودية لن نرى أي تعبير يدل على ذلك بل على العكس سنجد دحضاً واضحاً لهذه الفكرة التي دخلت بتأثير كاثوليكي تأثّر بدوره بالمغبوط أغسطين ونجد هذا واضحاً في قول الأب منير سقاّل عندما يتحدث عن الخطيئة الجدية في المفهوم الكاثوليكي فيقول: ” لو حددنا أن العماد هو ” السر الذي يمحو الخطيئة الأصلية ” لابتعدنا عن الحقيقة . هذا اللاهوت الخاص بالخطيئة الأصلية وبالعماد ليس تقليدياً في الكنيسة (الكاثوليكية) ولا يجد جذوره في الكتاب المقدس ، بل علمه القديس اغسطينوس : العماد يمحو الخطيئة الأصلية التي تطبع كل إنسان منذ ولادته . نحن لا ننكر الخطيئة الأصلية ، ولكن اقتصار العماد على محو الخطيئة الأصلية يؤدي إلى طريق مسدودة وإلى التباس . بينما يجب أن ننظر إلى الناحية الإيجابية . فالنور هو الذي يرينا الظلمة إذ يخلصنا منه ، فالاتحاد الذي يدخلنا فيه العماد يكشف التفرقة التي يجنبنا إياها . ” المعمودية هي … رباط الوحدة السري القائم بين الذين تجددوا به) ” ح م 22 )، العماد إذاً هو أصلاً الانتماء إلى جسد المسيح، إلى العيلة الإلهية ” أبناء حبل بهم من الروح القدس ومولودون من الله ” ( ك 64 ) ، هذا الانتماء هو المفعول الأول وهو الذي يمحو الخطيئة الأصلية ، كما أن حلول النور هو الذي يقصي الظلمة ، كما يمحو الخطايا الشخصية عند البالغين لكن الميل إلى الشر يبقى في المعمدين “.(1)
إن قبولنا بالخطيئة الجدية خطيئة لكافة البشر سيوقعنا بنظرة ظالمة لله المنزه عن الظلم، فهو لا يمكن أن يحمّل البشرية أخطاء بعضهم، أخطاء أسلافهم … و هذا ما يشجبه بصراحة كتاب الدليل الرعائي للأسرار الذي يؤكد بعبارة صارخة في مقدمة حديثه عن معاني سر المعمودية فيقول: ” والمعمودية ليست محواً لخطيئةٍ جديةٍ ورثناها من آدم، إنها الولادة الجديدة من فوق بعد أن صار الإنسان يولد بطبيعة فاسدة مستعبدة للموت”(2).
و إذا ما أمعنا النظر في فكر اللاهوتي الأرثوذكسي العظيم نقولا كابسيلاس في كتابه “الحياة في المسيح”(3) لا نجد إلا تأكيداً على أن المعمودية في حقيقتها الأولى والأخير هي ولادة في كنيسة المسيح ولو حملت ما حملت من غفران الخطايا وذلك لأن الحياة في المسيح يسوع قائمة على توبة دائمة من قبلنا و غفران دائم من قبل ربنا.
أما قديسنا الذهبي الفم يوحنا، ففي عظاته عن المعمودية يبين لنا حقيقة هذه الولادة التي هي عربون دخول في الحياة الروحية، في شركة هذه الجماعة التي أعلنت أن يسوع المسيح هو ربها ومخلصها(4).
وبالتفتيش في زاد الأرثوذكسية(5) سنجد أن لا رابط البتة بين المعمودية وخطيئة الجدين الأولين. بل المعمودية هي دفن لإنساننا العتيق لنلبس الجديد، ندفن فيها ونقوم مع الرب يسوع، ولأني في الحقيقة لست بصدد شرح سر المعمودية بل بصدد تبيان الخطأ الوارد لذلك لابد لي من أن أعود لكتاب مرشدنا الكبير كوستي بندلي ” الله والشر والمصير” الذي يقولها كما الدليل الرعائي بكل صراحة ووضوح في معرض حديثه عن انتقال الخطيئة الجدية ” ليست القضية قضية خطيئة ارتكبها أحد الأسلاف وانتقلت إلينا، فالإنسان في المنظور الأرثوذكسي، لا يولد مذنباً، إنما قضية مناخ خطيئة نولد فيه وننشأ ونحيا.”(6)
إن الكنيسة الأرثوذكسية فهمت معنى حديث الرب يسوع مع نيقوديموس حول الولادة من فوق ولادة الماء والروح (يو 3 : 1 – 16) كما و فهمت بوضوح كلمات الكتاب المقدس حول خطيئة الجدين الأولين، وكيف أن الجنس البشري حمل نتائج هذه الخطيئة من ضعف وموت وحزن وألم وشهوة… وقطع للشركة الإلهية من قبل البشر وكيف كان الفداء عربون لعودة هذه الشركة من قبل الإله. كما وعت أيضاً إلى أن الإشكال الكبير في مفهوم الخطيئة الجدية عند غير الأرثوذكسيين يكمن أولاً في فهم حالة الإنسان الأولى(7) وثانياً في النظرة للشخص البشري /الإنسان/. فالله المحبة، الله العدل، لا يمكن أن يدين الناس على أعمال غيرهم، ويحاسبهم على خطايا لم يقترفوها و هذا ما نجده على لسان رسوله بولس :” الذي يجازي كل واحد على حسب أعماله” (رو2: 6) وليس أعمال غيره. (8)

1. سقال، الأب منير. العماد، اندماج في موت يسوع وقيامته.. http://www.talimmasihi.com/ahadis_other_030.htm

2. الدليل الرعائي للأسرار، بطريركية انطاكيا وسائر المشرق للروم الأرثوذكس. مؤسسة دبس. 1996. ص 30.

3. كابسيلاس، نقولا. الحياة في المسيح. ترجمة البطريرك الياس الرابع. تعاونية النور الارثوذكسية. 2002.

4. الذهبي الفم، القديس يوحنا. في المعمودية. ترجمة البطريرك الياس الرابع.

5. أليفيزوبولوس، الأب أنطونيوس. زاد الأرثوذكسية. منشورات النور 1997.

6. بندلي، كوستي. الانجيل على دروب العصر 12، الله والشر والمصير.تعاونية النور. ط2. 2007. ص 131.

7. أمالي الأب جورج عطية، البلمند.

8. الكتاب المقدس ، ترجمة فاندايك.. 2000.

الهرمونوطيقا في النص الديني

الهرمونوطيقا في النص الديني

مكسيم صباغ

ان عمل الهرمونوطيقا هو النص أكان نصا فلسفيا أم دينيا. فالنص هو خطاب موجه كتابة. هناك علاقة مباشرة بين إرادة القول والكتابة، أي دور الكتابة بالنسبة للقراءة. والعلاقة بين الكتابة والقراءة ليست علاقة مباشرة، وليست هي حالة حوار. إذ ليس بالضرورة القول بأن القراءة هي حوار مع الكاتب، مؤلّف النص. بل يمكن القول إن علاقة القارئ هي طريقة مختلفة. فالقارئ كان غائبا عند تأليف هذا النص أو الكتاب، بالمقابل الكاتب غائب عند قراءة النص.

بالنسبة لدلثي إن الشرح هو حسب الطريقة الطبيعية، أما التأويلي فهو حسب الطريقة التاريخية. المقاربة عنده ليست هي العلاقة بين الشرح والتأويل، وإنما بين الشرح والفهم، فالتأويل هو جزء من الفهم. فالشرح والفهم هما جزءان للعلوم الإنسانية، والعلوم الروح. فقراءة النص ليست هي بالضرورة، رأي الكاتب الملخص، ولكن ما يريده النص لكي نطيعه. فالشرح يعني تفكيك العلاقة الداخلية التي تؤلف منهجية النص. أما التأويل فهو أخذ طريق الفكر المفتوح في النص،واضعا السكة نحو عمق النص. فالجدل بين الشرح والفهم هو قديم. فهو يتعلق بالإبستمولوجيا، وتحديدا أكثر، هو جدل يبدأ مثل تحليل بسيط لطريقة تفكيرنا للأشياء، بحركة البراهين التي تتجه نحو الأشياء حتى ولو كانت مبادؤنا تجاهها متخلفة ومختلفة. فإن مبدأ الشرح يعني الأطروحة بلا اختلافات، للتاتابعات الإبستمولوجية بين علوم الطبيعة وعلوم الإنسان. مبدأ الفهم يتطلب استردادا لتمايز علوم الإنسان. فإن مبدأ النص يطرح نقطة انطلاق أساسية للمشكلة الميتولودولوجية لأن نظرية الرموز والعلامات لا تستطيع أن تقول إلا إجراءات تشريحية للنص والتي هي غريبة لمجال العلامة، وإدخال حقل رؤية علوم الطبيعة. يلي هذا الشرح الذي ما هو إلا فهم منطلق بالأسئلة والأجوبة.
إن الهرمنوطيقا الإنجيلية هي تطبيق ممكن للهرمونوطيقا الفلسفية بواسطة النصوص. فالعلاقة بينهما هي علاقة وطيدة متبادلة. الهرمنوطيقا الإنجيلية هي هرمنوطيقا محلية بالنسبة للهرمنوطيقا الفلسفية، لها نفس مقولات المؤلفات، نفس الكتابة، نفس عالم النص، نفس القواعد التي تحكم الشرح هنا وهناك.
والهرمنوطيقا الإنجيلية مطبقة أولا بالبينات التي تفسر الكتاب المقدس. الاعتراف بالإيمان المعبّر عنه بالوثائق الكتابية، هو غير منفصل عن أشكال الخطاب، بواسطة رواية، أو الأمثال، أو نبؤة الأنبياء.
إن أشكال الخطاب يفترض مصاهرة بين شكل الخطاب ونمط الاعتراف للإيمان، وأيضا العلاقة بين رباط البنيويات( مثلا الرواية والنبوءة)، والنزوع نحو الرسالة اللاهوتية، وأخيرا العلاقة بين التعبير للأشكال الأدبية وبين ما نستطيع أن نسميه، الفضاء للشرح المفتوح لكل أشكال الخطاب. ليس يعني هذا أن كل شكل من أشكال الخطاب يتطلب نمطا للاعتراف بالإيمان، ولكن مطابقة لهذه الأشكال من الخطاب المتطلب، داخل الإيمان نفسه، والتناقض المعبّر عنه لاهوتيا: المقابلة بين الرواية والنبؤة أحد هذه ألأشكال، العهد القديم، إضافة إلى العهد الجديد.
لا تستطيع أية ثيولوجيا أن تكون متصلة بالرواية، ولكن فقط اللاهوت الذي يعطي يهوه مَثل الفاعل الأكبر في التاريخ والمخلّص. من أجل هذا نجد التناقض بين إله إسرائيل وإله الفلاسفة اليونان: فلاهوت التقاليد لا يعرف مبادئ السبب والجوهر. فإن التقليد يتكلم عن الله الذي هو بعلاقة مع الدراما التاريخية.
أما بالنسبة للاهوت المسيحي فيسمى لاهوت الكلمة، الذي يتناغم تحت لفظة أصل الإيمان والتعبير عن هذا الإيمان. فكل الكلمات الموجودة في الكتاب المقدس من: المَلك، المسيح، الكاهن الأعظم، المخلّص، اللوغوس، هي مأخوذة من التوراة ومن الفلسفة اليونانية. فالكتاب الموجَه إلى أهل رومية يصبح كتابا موجها الى كافة المسيحيين. فإن أي نص هو لكل الأجيال.
فالحقائق الموجودة في النص اللاهوتي: العالم الجديد، العهد الجديد، مملكة الله، خليقة جديدة. وهذه الحقائق تعطي الكائن الجديد الموضوعية لقراءة النص. وقراءة النص لا تخضع للعواطف السيكولوجية، ولكن بما هو موحى به، بين الخطاب الموجَّه وبين ما يوحي به الله.
فما يميز هذا الخطاب هو مركزية الله. فهذا ليس من أجل رفضه وإنما من أجل فهمه، وفهم هذا المكان أو دوره. فدوره ليس كمفهوم فلسفي. ولكن فهم ما تعني كلمة الله. فهي لها دور القوة، ومنها قوة الخلق وغيرها. وتُفهم أيضا علاقتنا بهذا الإله.
فلا مفر إذا من الهرمنوطيقا. فهي مؤسسة على النص، الذي نستمد منه إيماننا. ولكن موضوعية الإيمان تتجاوز الهرمنوطيقا بصورة مؤكدة. فالإيمان الكتابي غير مفصول عن الشرح الذي يستمد الطاقة من اللغة.
فالاهتمام النهائي يبقى أبكما إذا لم يتخذ من قوة الكلام للشرح، بدون البدء بالعلامات والإشارات التي طبعت وألفت هذا الاهتمام في قلب العصور. ومن هذه العلامات: الخروج والقيامة. هي حوادث للعناية الإلهية والتي فُتحت واكتشفت أنّ من الممكن أن تعبّر عن حريتي وعن كلام الله.

رأي أرثوذكسي بالنسبة للهرمنوطيقا الإنجيلية

يقول الأب ثيودور ستيليانوس : “إن النماذج الفكرية المتعلقة بالتأويل التي يقترحها المنظرون اللامعون، من شلايماخر إلى أحدث النقاد الأدبيين، قد تكون فكريا كافية كنظريات في المعرفة، كنماذج لشرح الطرق التي يتم فيها الفهم البشري وحمل المعنى. لكن هذه النماذج النظرية لا تستطيع من ذاتها أن تجلب الأعمق للنص الكتابي في قيمته اللاهوتية ولا أن تطلق قدرته الروحية في الحاضر. الصدع الأكبر في النظريات التفسيرية المعاصرة هو في الواقع تركيزها الأحادي الجانب على العالم ( الجزء) الساقط من الوعي البشري والمعرفة إلى درجة إهمال التركيز الكلاسيكي الآبائي على دور الإيمان وتطهّر القلب، ودور الروح القدس في الدراسة الكتابية والتفسير”.

فالدراسة الكتابية في الكنيسة لها ثلاثة أوجه شديدة الترابط: اللاهوتي والأدبي والتاريخي.
فالمثال الذي يجب أن تسعى اليه، تمثلا بالآباء الإسكندريين والإنطاكيين والكبادوكيين هو تحقيق تعاون بين الإيمان الصحيح والمنطق السليم، وعدم تجنب توريط الإيمان مع العقل، وعدم تجنب توريط الانجيل مع السعي العالمي الى الحقيقة.
إن طبيعة الكتاب المقدس هي الكتب اليهودية والمسيحية المقدسة، أي العهدان القديم والجديد. فالكتاب المقدس أصبح يُدرّس حاليا داخل الجامعات والكليات والمدارس اللاهوتية. فالدراسة الكتابية الأكاديمية المسيطرة هي نتاج العالم الحديث، وترتبط بشدة بعوامل الإصلاح والحروب الدينية وارتقاء العلوم في الحضارة الغربية، ومع اعتناق المنطق على انه الطريق الرئيس للحق والتقدم البشري.
في الكنيسة الأرثوذكسية ما زالت الدراسات النقدية الكتابية ثانوية لغياب كثرة الجامعات في الدول الأرثوذكسية. إن تراث آباء الكنيسة الواسع المعرفة وروح الحرية في التقليد الأرثوذكسي يقدمان أسسا واعدة للنقد المستمر، للبحث الكتابي. فإن كتاب ثيودور ستيليانوبولس، يقول الأب توماس هوبكو، عميد معهد سان فلاديمير اللاهوتي الأرثوذكسي بنيويورك” أول عمل شامل صادر عن عالِم أرثوذكسي حول الكتاب المقدس والتقليد والتأويل، ليس كاملا ولا هو الكلمة الأخيرة. فبرأي الكاتب، إن مهمة التأويل هي التفكير بالتفسير الكتابي وضرورته وطريقته. فالتعبير التقني مشتق من الكلمة اليونانية “هرماس” التي يمكن ترجمتها بالتفسير أو الشرح أو الترجمة. من وجهة نظر ايتومولوجية، تشتق هذه الكلمة من اسم هرماس رسول الآلهة والمتحدث باسمهم في الميتولوجيا اليونانية القديمة.
ان الهدف النهائي للتفسير الكتابي هو إنارة الحقائق اللاهوتية والمعاني الأخلاقية في الكتاب المقدس. لا يمكن القول إن الأرثوذكس قد حددوا لأنفسهم موقفاً واضحاً من مسألة التأويل. إذ يجب التمييز بوضوح أكثر بين exegesis وinterpretation ، أي العلاقة بين الإيمان والعقل.

رؤية حياتية

إن الكتّاب الإنجيليين عالجوا العلاقة بين الله والشعب على مقياس الحياة نفسه. فهم لم يكتبوا للمفسّر التقني، اللاهوتي، أو الواعظ، إنما كتبوا للجميع. ولقد ظهر الشرح اللغوي والمجازي الأكثر بروزا بين آباء الكنيسة، مثلا أثناسيوس ضد الآريوسيين، وباسيليوس ضد الأفنوميين، بخاصة العقائدية حيث كانت دقة المعالجة حاسمة.

الآن يعمل الباحثون المعاصرون بطرائق التفسير والتأويل العصرية. ولكن دون ان يُنسى آباء الكنيسة الرؤية الروحية أي الثاوريا. فهذا الذي يشكل المعرفة الحقيقية بالمعنى الكتابي المميز، التي تطوي على إلفه حميمية وحساسيات روحية مناسبة للحقيقة الإلهية المختبرة في النص.
ما دور العقل؟ برأي الكاتب إذا أصرّ العقل بعناد على طرح أسئلة راديكالية مشككة، وإذا تجرأ العقل على اعتبار نفسه قادرا على وضع عمل الله الخلاصي وحضوره موضوع تفحص عقلي، عندئذ يكون قد تخطى حدوده بعمل جنوني من العمل الفلسفي. فهو يصبح أداة للتشويه أكثر منها للبناء في معالجة الكتاب. فالبحث العلمي التحليلي بدون الإيمان والكنيسة، يقود الباحث إلى أكاديميات غير ملائمة ومراجعات عشوائية للمسيحية.
نبقى لنشير إلى النقطة الأخيرة في فهم الآباء للثاوريا، وهي بحسب القديس سمعان اللاهوتي الحديث، عطية من الروح القدس، لا تلغي العقل بل تغذّيه، فيها رؤية ما هو فعلاً أساسي في الكتاب المقدس وبإيحائها إلى القارئ بالقدرة الخلاصية.

مراحل التأويل

تعطي الثاوريا مفسّرَ الكتاب السعي لتفسير هذا الكتاب بطرق لا تتوقف. فحسب رايموند براون إن هذا السعي هو سعي لا يموت. فهو يتطور بدون توقف.

فقراءة بولس الرسول للعهد القديم هي تأمل تفسيري بدائي، ولكنه يطبقه على طريقته. مع الآباء أصبح التأويل ضمن مستوى التأمل الواعي، فهم طوروا طرائق ومبادئ تفسيرية مناسبة، وقد بلغ ذراه في القرن الثالث مع أوريجنوس الذي رأى في المسيح مركز الكتاب المقدس ومفتاح تفسيره. “كان أوريجنوس ويبقى مؤسس التأويل الكتابي ورائده، النبع الذي لا ينضب للتفسير الصحيح”، يقول يوحنا باناغوبوبولوس.
واستمر تعقيد التأويل من بعده مع ذيودوروس الطرسوسي وثيودوروس المبسوسيوستي، وأوغسطين، وايروفيموس.
إن احدى ثمار التأويل: صياغة معنى الكتاب الرباعي: الأدبي والمجازي والأخلاقي والأخروي. ومن هذه الثمار: التوازن النقدي بين الإيمان والعقل، وبين البعدين الاختياري والمنطقي للاهوت، والتنوع في المنهجية والتفسير، ضمن إطار الوحدة الواسعة للعقيدة والحياة في الكنيسة.
أما في هذا العصر، فيعمل الباحثون في ظروف عصرية ومنهجيات حديثة. تكمن أهدافهم في صقل المعرفة، كل في حقله، وتحسين مسيرة الحضارة. فهم يستعملون، كما فعل الآباء في زمانهم، القوى العقلية واللغة والمنهجيات، بالإضافة إلى أمور عصرهم الإجتماعية والسياسية.
فالمصادر التاريخية هي: تراث آباء الكنيسة التفسيري الذي نجد عند أوريجنوس بدء الدراسة النظامية للكتاب المقدس عبر دراسة اللغات الأصلية، ومقابلة المخطوطات واستعمال المنهجيات المتوفرة، ومن بعده أثناسيوس وباسيليوس وييرونيموس وتيودور الموبسوويتي وكيرلس الإسنكدري ولا ننسى الجامعات في القرون الوسطى.

المنهجيات

ينبغي للمفسر المعاصر أن بنظر إلى الخطوط النهائية لنظرة آباء الكنيسة التفسيرية:

– نظرة عالمية لسلطة الكتاب وتاريخية الأحداث الخلاصية.
– التشديد على رسالة الكتاب اللاهوتية والخلاصية المرتكزة بشكل جوهري على المسيح.
– التفسير استناداً إلى القراءة القرينية للجزء على أساس الكل سعياً إلى غاية النص.
– الرزانة الفلسفية في قدرة التحليل اللغوي على ضبط سر الله وتحديده.
– الاعتراف بأن التفسير الكتابي في خدمة الكنيسة.
– الاعتراف بأن موقف المفسر الإيماني الشخصي بالغ الأهمية بالنسبة إلى التفسير الأصيل.

إذا أمكن حصر المنهجيات فيمكن حصرها بثلاث طرق:

الطريقة التاريخية – النقدية كدراسة علمية للكتاب المقدس، وفد هيمنت على الدارسات الكتابية الحديثة وأدت الىنتائج غنية بفهم أصول الأناجيل وغيرها من الأسفار وتركيبها.

النقد الأدبي الحديث: هو من اجل اغناء فهم للكتاب المقدس عن طريق تحليل النصوص الكتابية بحسب النظريات والمنهجيات الأدبية المعاصرة.

النقد القانوني: يركز على دراسة عملية تشكل الأسفار الكتابية وشكلها النهائي كما تظهر في القانون.

مسألة التأويل في الأرثوذكسية الشرقية

لقد تأثر المسيحيون في كل مكان، بمن فيهم الأرثوذكس، بميراث التنوير عبر العلم والتربية والتكنولوجيا والعلمانية. ولكن المفكرين الأرثوذكس يدركون ان المسألة الملحة في التأويل بالنسبة إليهم هي على مستوى الحياة وليست على مستوى المبادئ النظرية التي تحتاج مع ذلك الى إيضاح. أحد هؤلاء المفكرين، الأب جورج فلورفسكي عالج تركيبة آبائية جديدة. رأى أن مهمة للاهوت الأرثوذكسي اليوم وهدفه تضم بعدين لا يمكن فصلهما: لاهوتي وروحي. فهذان البعدان لا ينفصلان لأن الحقيقة المطلقة ليست مبدأ مجردا، بل هي شخص، أي المسيح.

ولكن يبقى الخطر أن يتطرف المفسرون ويغالون في تفسيرهم ما يؤدي إلى الأصولية سواء بين البروتستانت أو الكاثوليك أو الأرثوذكس. فالأصولية غالبا ما تركز على خوف غير واع من خسارة الأسس الموضوعية للحفاظ على الإيمان الشخصي في وجه اكتشافات البحث العلمي والتاريخي الجديدة.
فالمشاكل تنشأ في استخدام المنهجيات بسبب الإدعاءات الحصرية أو الافتراضات الفلسفية التي يتمسك بها الممارسون وبخاصة في ما يتعلق بمسألة المعنى النهائي أو المعياري للنص. عنده يمكن للمقاربتين التاريخية – النقدية والأدبية أن تصبحا إيديولوجيتين، إما بسبب افتراضات فلسفية مخبأة أو بالتخلي عن مسألة المعنى المعياري للكتاب المقدس.

خاتمة

إن عالم النص بحر لا ينضب أبدا. كلما غرفنا من النص نجد أننا لم نكتشف إلا القليل. فما الهرمنوطيقا سوى الغواصة التي تجوب أعماق النص. بدونها نغرق، إذا أردنا اكتشاف النص في الفلسفة أم في الدين. المهم أن لا تصبح الهرمنوطيقا إيديولوجيا تعمي بصيرة رؤيتنا للنص. فالهرمنوطيقا تتوجه أولا وأخيرا إلى الإنسان.

المراجع:


The New Testament, An Orthodox Perspective, Holy Cross Orthodox prees, Brookline, MA, 1997, reprinted 1999.
العهد الجديد، نظرة ارثوذكسية، الأب ثيودور ستيليانويولس، تعريب الأب أنطوان ملكي، منشورات مطرانية بصرى والجولان للروم الأرثوذكس، مطابع ألف باء- الأديب ، دمشق، 2004

المسيح والأسقف ووحدة الكنيسة عند القديس أغناطيوس الإنطاكي

المسيح والأسقف ووحدة الكنيسة عند القديس أغناطيوس الإنطاكي

الأب جان مايندورف


تعريب شفيق حيدر

“إنه لمن الموافق لكم أن تكونوا في وحدة غير متجزئة حتى تبقوا مع الله دائماً” (من رسالة القديس أغناطيوس الإنطاكي إلى أهل أفسس4: 2)

في عهد الإمبراطور تريانوس (98 – 117) “أضاء أغناطيوس الذي أتى ثانياً في استلام أسقفية أنطاكية كخليفة للرسول بطرس. ويقال أنه كان قد أرسل من سوريا الى مدينة الرومانيين لتمزقه الوحوش بسبب شهادته للمسيح. وفي اجتيازه آسيا أخذ يشجع الجماعات المسيحية في كل المدن التي مرّ فيها بخطب وتحضيضات محذراً إياهم قبل كل شيء من البدع التي بدأت تتزايد ومتوسلاً إليهم أن يحفظوا بشدة التقليد الرسولي الذي أراد كتابته زيادة في التأمين. هكذا كانت شهادته”.

يظهر طيف القديس أغناطيوس بوضوح في هذه الملحوظة القصيرة التي تركها المؤرخ أفسابيوس (القرن الرابع). أنه كان شاهداً للمسيح (وفي اليونانية “شهيداً”) وقد لقت شهادته الشفوية كل قيمتها لأنه كللها بشهادة أرفع، شهادة موته في روما.
ولتعليمه المتعلق بالمسيح والكنيسة طابع “وجودي” فهو ليس تأملاً مجرداً بل إعلان الحقيقة التي تهمنا في كل هنيهة من حياتنا على الأرض. وتُعرف فكرة القديس أغناطيوس من محاجته أصحاب بدعة المشبّهة خاصة هؤلاء الذين أنكروا حقيقة التجسد الإلهي متصورين جسد ابن الله مظهراً فقط وغير معتقدين بالتالي بحقيقة آلام المسيح وموته. فكتب القديس أغناطيوس ضدهم: “يسوع المسيح هو من سلالة داود وابن مريم، إنه وُلد حقيقة وأكل وشرب وتألّم على عهد بيلاطس البنطي وصلب حقاً ومات أمام السماء والأرض والجحيم وقام أيضاً بالحقيقة من بين الأموات. إن أباه قد أقامه وسيقيمنا، نحن المؤمنين به، بالمسيح يسوع كما أقامه…” (الرسالة إلى أهل ترالس 1:9-2). ولتبيان مفهوم “إنسانية” المسيح يستعمل القديس أغناطيوس مدلول كلمة “الجسد” الكتابي فهي تفيد كل عنصر الوجود المخلوق “الذي يرزق كل ذي جسد طعامه…” (مزمور 25:135)، “والكلمة صار جسداً إنسانياً مادياً فقط أنه أيضاً كل المركب النفسي الذي يرمي إلى الإستقلال عن الله في الخطيئة والثورة ضده وبالتالي للإستسلام إلى الموت. وقد استعاد هذا “الجسد” كرامته الفردوسية لما اتّخذه ابن الله الوحيد.
يهدف إذاً تعليم القديس أغناطيوس عن المسيح إلى تأكيد حقيقة التجسد وطابعه المحسوس ويعبّر عن هذه الأفكار بوضوح في رسائله التي خصصها للشهادة وللكنيسة. “لو لم يتألم المسيح إلا في الظاهر، كما يقول بعض الزنادقة أي الكافرين، فلماذا أنا مقيّد؟ ولماذا أتوق لمصارعة الوحوش؟ فهل أسلم نفسي للموت للا شيء وأفتري هكذا على السيد؟ (الرسالة إلى أهل ترالس 10 صفحة 110-121).
ولو لم يمت المسيح حقيقة لكان موت المؤمن به فعلاً بطولياً إنسانياً لا “شهادة” لإنتصاره. وبالعكس فلو مات المسيح وقام حقاً ولو كان جسدنا جسده لما كان موتنا سوى تثبيت إنتصاره وشهادة على أن “لا سلطان للموت علينا”. لذا يطلب القديس أغناطيوس من المسيحيين في رومية أن لا يتوسّطوا من أجله حتى لا يمنعوه من الموت “في المسيح”. “إن الموت لأجل المسيح (والاتحاد به) لأعزّ عندي من ملك الدنيا من أقاصيها الى أقاصيها فإياه أطلب هو الذي مات عنا وإياه أنشد هو الذي قام من أجلنا، إن موعد ولادتي يقترب” (الرسالة الى الرومانيين 6 صفحة 133).
كان موت الشهداء يسمّى في الكنيسة الأولى ولادة لحياة جديدة ولا يمكن أن تعني هذه الفقرة الأكيدة شيئاً إلا إذا جمعت بين المسيح والمسيحي وحدة حقيقية يدعوها أغناطيوس “وحدة الجسد والروح” وتتحقق هذه الوحدة في الكنيسة (الرسالة إلى أهل أزمير صفحة 167).
أما تعليم القديس أغناطيوس عن الكنيسة فيتّسم أيضاً بالطابع المضاد لبدعة المشبّهة كتعليمه عن المسيح. وكما أن المسيح لم يتأنّس خارجياً بل كان له جسد ملموس ومنظور كذلك فالكنيسة ليست حقيقة روحية غير محسوسة وحسب بل هي شركة منظورة أيضاً. ولا معنى لتجسد ابن الله إذا لم تكن الكنيسة نفسها مؤلفة من “جسد ودم” يوحيهما ويقدسهما جسد المسيح ودمه. وإذا كان موت المسيحيين إستمراراً للجلجلة فحياتهم في نظر القديس أغناطيوس هي أيضاً حياة المسيح، حياة إنسانية بالكلية قبلها إبن الله.
لا أرى مجالاً للتشديد على ظهور بدعة المشبّهة من جديد فهي ليست بدعة حدثت في بدء المسيحية ثم انقرضت. إنها مرض نشكو منه باطنياً خصوصاً في أيامنا هذه. وفي الواقع أننا نقبل بسهولة عظيمة التعليم الأرثوذكسي عن المسيح الذي أخذ ملء الإنسانية، ولكنّا في الوقت ذاته كثيراً ما نقع في هرطقة التشبيه فيما يخص الكنيسة إذ نفصم وحدتها ونفصل تنظيمها المنظور عن جوهرها “غير المنظور”. وخصوصاً بإخضاعنا تنظيم الكنيسة وإدارتها لمبادىء أرضية ووطنية وسياسية أو شخصية. وهذا مما يبعدنا عن حقيقة الكنيسة التي هي حضور منظور في التاريخ لجسد المسيح المؤلّه. إذن طالما نحن نعتبر الكنيسة من نوع الحقائق غير المنظورة ونخضع تنظيمها للمقاييس الأرضية غير المقدسة نكون قد أنكرنا واقعية التجسد ورفضنا فاعليته في الكنيسة.
وكلّما تكلّم القديس أغناطيوس عن الكنيسة فإنه يضمر شركة المؤمنين المحسوسة والمنظورة والمؤسسة على المحبة. والسيد ذاته في إنجيله الطاهر لا يعلمنا أن نحب الإنسانية عامة محبة شكلية بل أن نحب قريبنا الشخص الملموس، والمقصود الناس الذين دعينا لنلقاهم في حياتنا اليومية. والكلّ يعرف أن المحبة عن بعد سهلة بينما العيش مسيحياً مع المحيطين بنا مباشرة أمر غاية في الصعوبة.
ويذهب القديس أغناطيوس أن الجماعة المسيحية التي تعيش في مكان واحد هي تؤلف كنيسة الله الآب في المسيح يسوع. فـ “حيثما اجتمع إثنان أو ثلاثة باسمي فأنا أكون هناك فيما بينهم” يقول الرب، ويكتب القديس أغناطيوس إلى أهل أفسس قائلاً: “اهتموا بأن تجتمعوا بتواتر لترفعوا الشكر والتسبيح لله لأن اجتماعاتكم الكثيرة تغلب قوات إبليس وتقوض أفعاله التخريبية بوحدتكم في الإيمان”. (الرسالة إلى أهل أفسس صفحة 83).
قلّما نعي أن اجتماعنا الكنسي ليس فقط ضرورياً “لخلاص نفوسنا” بل أنه علاوة على ذلك انتصار موضوعي على إبليس الذي يعمل جاهداً لشق البشر وبالتالي لإبعادهم عن الله ولا شيء يسره مثل الانقسامات بين المسيحيين. والاتحاد في الكنيسة يفترض دائماً التقاء الجميع في إيمانٍ واحد. يكتب القديس أيضاً: “تجتمعون في إيمانٍ واحد بيسوع المسيح، ابن البشر وابن الله، الذي هو من سلالة داود بحسب الجسد لتطيعوا الأسقف والكهنة، (بإتفاق وبلا مشادة) كاسرين الخبز الواحد الذي هو دواء لكيلا نموت بل نحيا في المسيح يسوع حياة إلى الأبد” (الرسالة إلى أهل أفسس 2،20 صفحة 91).
بالتجسد الإلهي وهب الله الإنسان الحياة الأبدية في جسد المسيح أي الكنيسة، في جماعة المؤمنين التي يتمّ فيها سرّ جسد الرب ودمه، التي تضم كلّ الذين يؤمنون حقيقة والمتحدين في وحدة الأسرار والرئاسة. ومن بديهيات وحدة الأسرار هذه أن المسيحيين حيث وجدوا لا تفصلهم إعتبارات زمنية لأنه إذا كان الانفصال عن المسيح الواحد ممكناً فتجزئة المسيح الواحد غير ممكنة…. فالمسيح حاضر بكليته في كل كنيسة محلية وهو لا ينقسم كما أن الكنيسة ذاتها لا تنقسم. “حيث يوجد المسيح فهناك الكنيسة الجامعة” أي الكنيسة كلها، الرأس والجسد. (الرسالة إلى كنيسة ازمير 1،8 صفحة 163). باستطاعتنا الخروج عن الكنيسة وبالتالي الانفصال عن المسيح ولكن من غير المستطاع إيجاد كنيسة خاصة أو قومية لأن الكنيسة دوماً كنيسة الكل.
أما تنظيم الكنيسة الداخلي فتحدده طبيعتها كما يراها القديس أغناطيوس: إذن لا يمكن أن يقصد بهذا التنظيم هيئة تعلو على الجماعة وهي خارجة عنها. الكنيسة هيئة منظورة لأن ابن الله قد تأنّس بشكل ظاهر. “أتوسل إليكم أن تهتموا لعمل كل شيء في وئام الله تحت رعاية الأسقف الذي يرأس الكنيسة مكانه تعالى والكهنة الذين يخدمون محل مصف الرسل والشمامسة….” (الرسالة إلى أهل مغنيسية 2:6 صفحة 99).
الكنيسة بتمامها حاضرة في اجتماع الخدمة الإلهية: يمثّل الأسقف الله ذاته كالسيد في العشاء السري ويمثل الكهنة الرسل. قد يبدو لنا غريباً أن يجلس في “مكان الله” رجل خاطىء… ولكنّا نعلم أن الكنيسة كلها هي جسد المسيح وأننا مدعوون كلنا لإظهار المسيح أمام العالم: هكذا يظهر الأسقف – أو الكاهن الذي يقيم الخدمة – صورة المسيح لجماعة المسيحيين. وهنا لا يزال يكمن بالذات سر تجسد الله الحقيقي الذي يظهر وحدة الله والناس… ودرجة الأسقف هي بالضبط ودون شك “رتبة” وهي ليست تحولاً سحرياً من الإنسان الى الإله. وقد يجد الأسقف نفسه غير مستحق لمواهب النعمة التي ينالها لهذه الرتبة الشريفة… ولكن بالرغم من ذلك يبقى مفعول النعمة الإلهية والرتبة الشريفة. ويكمن سر الكنيسة في أن يتحد أناس خطأة فيما بينهم ليس بحسب العالم (عند القديس أغناطيوس “بحسب الجسد”) ولكن “في المسيح” مظهرين هكذا ملكوت الله ووحدة الثالوث الأقدس على الأرض. “تحلّوا بصفات الله واحترموا بعضكم بعضاً ولا ينظرنّ أحدكم إلى قريبه بحسب الجسد ولكن أحبّوا دائماً بعضكم بعضاً بالمسيح يسوع. ولا يكوننّ فيكم ما يفصم وحدتكم ولكن حافظوا على اتحادكم بالأسقف وبالرؤساء رمزاً وبرهاناً لعدم الفساد 220 (الرسالة إلى أهل مغنيسية 2،6 صفحة 99).
لا مكان في الكنيسة لعاداتنا مهما عزت ولا لتقاليدنا ورغباتنا بمقدار ما تكون عناصر تفرقة بين البشر. وبهذا المهنى (يتابع القديس أغناطيوس): “كما أن المسيح لم يعمل شيئاً بذاته أو بواسطة رسله من دون الآب الذي هو واحد معه: لذلك أنتم لا تفعلوا شيئاً دون الأسقف والكهنة ولا تحاولوا أن تظهروا ما تنفردون بعمله صالحاً، بل اصنعوا كلّ شيء متحدين: صلاة واحدة، تضرع واحد، روح واحد، رجاء واحد في المحبة وفي الفرح المقدس. هذا هو يسوع المسيح الذي لا يفصله أحد. سارعوا إلى أن تتحدوا اتحادكم في هيكل واحد لله، اتحاداً حول مذبح واحد في المسيح الوحيد الذي خرج من الآب واحداً وكان معه لوحده ومن ثم عاد إليه” (الرسالة إلى أهل مغنيسية 7 صفحة 101).
أما تنظيم الكنيسة ذاك الذي يظهر وحدة الجماعة فيرتكز على علاقة المؤمنين ببعضهم في النعمة، الآن وقد أصبح مثل هذه العلاقة ممكناً بتجسد الإله. وهذه العلاقة ذاتها أساسها ليس مجرداً يحددها بصورة عامة، بل المحبة للبشر الحقيقيين الذين وضعنا الله بينهم والذين معهم دُعينا لنؤلّف جماعة الكنيسة. لذا لا يتكلّم قديسنا الإنطاكي إلا عن تنظيم الكنيسة المحلية الذي هو في نظره إنعكاس لحضور جسد المسيح في كل ما كان، وهكذا فإن هذا التنظيم يعكس طبيعة الجماعة وهو أسمى إظهار للحياة الجديدة: “عندما تخضعون للأسقف كما للمسيح لا أراكم تعيشون حسب الناس بل حسب يسوع المسيح الذي مات من أجلكم حتى إذا آمنتم بموته تعتقوا من الموت” (الرسالة إلى أهل ترالس 1،2 صفحة 113).
ويسوق القديس أغناطيوس، الأفكار نفسها أيضاً في رسالته إلى أهل مغنيسية: “يحسن أن تخضعوا (للأسقف) دون أي رياء لأنكم بذلك لا تغشّون هذا الأسقف المنظور (فقط) بل تعملون على خدع الأسقف غير المنظور. إذ المقصود في هذه الحال الله الذي يعرف الخفايا، لا الإنسان الذي لا يعرفها. ويحسن أيضاً أن لا تكونوا مسيحيين بالإسم فقط بل بالفعل أيضاً. عندما يتكلم البعض عن الأسقف فإنهم يسهبون ولكنهم بدونه يفعلون كل شيء فيبدو، وكأنهم لا ضمير لهم لأن تجمعاتهم غير شرعية وغير منطبقة على الوصايا” (الرسالة إلى أهل مغنيسية 4،3 صفحة 97).
إنّ كلّ ما كتبه القديس أغناطيوس عن طاعة الأسقف يجب أن يفهم بصورة طبيعية ضمن إطار تعليمه عن الكنيسة لأن الكلّ كان يفهم في ذلك الزمن أنّ الأسقف لا يمارس سلطته فوق الكنيسة بل في الكنيسة وأنّ خدمته تحدّد بالمكان الذي يشغله في جماعة المؤمنين والذي هو “مكان الله تعالى” وهذه الخدمة لا تتمّ إلا في الجماعة ذاتها التي انتخبته وهكذا فإن الرتبة الأسقفية لا تفترض عصمة الأسقف ولا تنفي عنه الضعفات والنقائص البشرية، وقد عرفت الكنيسة الأولى حالات كثيرة طرد فيها شعب الكنيسة الأساقفة غير المستحقين أو الذين خانوا الأرثوذكسية. وحيثما يكبر القديس أغناطيوس رتبة الأسقفية يقصد بشكل خاص النعمة التي يحصل عليها الأسقف ولكن من المعلوم أن النعمة لا تعمل بصورة سحرية ولا تلغي بالضرورة الحواجز التي يوجدها البشر. ففي كثير من الأحيان يفشل أهل النعمة ومعهم جماعات بشرية بكاملها في الحفاظ على قواعد الحياة الجديدة والعلاقات الجديدة البشرية: تلك تكلم عنها القديس أغناطيوس.
وهكذا فإن تعليم القديس أغناطيوس عن الكنيسة تام، كما رأينا، لأنه مرتكز على تعليمه عن المسيح. ففيه يبدو بوضوح أن المسيح واللحم لا يتفقان وأن ملكوت الله يتعارض مع الملك الذي يزال يخضع لإبليس ولكن هذا التعارض بين ما لله وما للناس لم يعد وحده الميزة الرئيسة لحياة الكنيسة بعد صعود المسيح وحلول الروح القدس لأن الخلاف العميق صار الآن بين الإنسانية الممجدة الناجية والإنسانية الساقطة.
وقد تصالح الله والإنسان صلحاً ابدياً في المسيح يسوع وعاد الإنسان إلى بيت الآب، وما الكنيسة المقدسة التي هي الملكوت الأبدي على الأرض إلا هذا البيت لأن الملكوت حاصل في كل حقيقته إذا “إجتمع إثنان أو ثلاثة بإسم المسيح”. ولا يعنينّ هذا أننا كأفراد قد حصلنا على تمام النعمة المرتبطة بالكنيسة كجماعة.
وأخيراً يدعونا القديس أغناطيوس في تحديد الكنيسة إلى أن نطبّق حياتنا الشخصية على نواميس الجهاز الذي نحن أعضاء فيه، فيقول في رسالته إلى أهل أفسس: “لا تسمح لي المحبة أن أصمت فيما يخصكم وأنا من أجل ذلك تقدمت لأحضّكم على السير بحسب فكر الله لأن يسوع المسيح، حياتنا غير المنفصلة، هو فكر الآب كما أن الأساقفة المقامين على أقاصي الأرض هم أيضاً فكر المسيح”.
إن الزلل الذي يحدث في هيكل الكنيسة الإداري دينونة علينا نحن لا على الكنيسة ذاتها فالكنيسة الحقيقية هي حيث يوجد المسيح فهناك الكنيسة الجامعة حسب قول القديس أغناطيوس.
فعسى أن نكتشف مجدداً لدى قراءتنا القديس أغناطيوس معنى الوحدة الكنسية في الولاء والأمانة لذلك الذي نؤلف جسده في الروح القدس.

الترجمة عن مجلة Le Massager Orthodoxe الفرنسية والنص العربي من مجلة النور

التكريس الكهنوتي

التكريس الكهنوتي


الأرشمندريت توما بيطار

التكريس بعامّة

كلّ معمّد يفترض أن يكون مكرّساً للمسيح. ليس بعدُ لنفسه بل لمن اشتراه بدمه. لا يعيش لنفسه ولا يموت لنفسه. المسيح صار سيّد حياته، محور حياته. إن عشنا فللرب نعيش وإن متنا فللربّ نموت.يفترض بالمعمّد أن ينظر إلى نفسه كعبد لله، أن يتعامل مع الناس كعبد للمسيح، هذه صورته عن نفسه. أما المسيح فلا ينظر إليه كعبد ولا يعامله كعبد بل كإبن. والعبد يسأل السؤال ذاته الذي طرحه شاول، أي بولس العتيد، لمّا تراءى له السيّد في طريقه إلى دمشق: “ماذا تريد ان أفعل؟ (أعمال 6:9).

المؤمنون أمة كهنة. هذه موهبتهم. والكاهن هو من يقدم الذبيحة. المسيح كان الذبيحة ومقدّمها. هو المقرِّب والمقرَّب. المؤمن على مثال المسيح. هو المقرِّب والمقرَّب. يقرِّب ذبيحة نفسه. كيف؟ يستعبد نفسه لله. يعتبر كل شيء نفاية من أجل فضل معرفة المسيح. من أجل فضل الدخول في شركة معه. كيف يستعبد نفسه لله؟ بالتخلي عن مشيئته. يتّخذ وصية السيّد كأنها كلمته. يصبح من معدن كلمة الله. يكون مكرّساً لله بالكلية. الإيمان بيسوع أصلاً تكريس أو لا يكون لأنه استيداع الروح بين يديه. “في يديك أستودع روحي” (لوقا 23). حفظ الوصية تكريس لأن الوصية تعبّر عن مشيئة الله. المحبة في المسيح تكريس لأنها بذل الإنسان نفسه عن أحبائه لأجل يسوع. يبذل وقته وماله وأتعابه وفكره وصحته، يكرّس عائلته وكلّ ماله، وصولاً إلى بذل حياته بالكامل، إلى تكريس نفسه بالكامل. المسيح كرّس نفسه لنا لمّا اتخذ بشرتنا لكيما نكرّس نحن أنفسنا له إذا ما آمنّا به. أن يكرّس المؤمن نفسه لله معناه أن يعطي روح الله القيادة بالكامل. فقط الذين ينقادون بروح الله أولئك هم أبناء الله (رومية 14:8).
ولكن، في التكريس كليّة في الموقف الداخلي لا مناص منها. من ليس معي فهو عليّ. فلا يتذرعنَ أحد بالضعف البشري. الضعف البشري يطال القدرة على السلوك بحسب هذا الموقف ولا يجوز أن يطال الموقف الداخليّ بالذات. وهذا أمر طبيعي لأن الضعف واقع الطبيعة البشرية. أما موقفنا الداخلي فمُستمَد من وعد يسوع لنا من إيماننا به، لا من قدرتنا. هو القادر فينا. ولكي نعرف أنه القادر فينا يجب أن نعرف ضعفنا. الإحساس بالضعف مفيد لا بل ضروريّ. مهم جداً أن يعرف المرء حجمه، إذاً ضعفه، وأنّ ما له يأتيه من الله. الخلاص نعمة من فوق تعطى لنا بالإيمان، بالتسليم لله، بالثقة بالله، باليقين أنّه هو القادر فينا. المهم ألا ينعكس الشعور بالضعف إنقياماً في النفس. المهم أن تبقى الإرادة حاضرة عندي. السؤال المطروح عليّ دائماً: أتريد ان تبرأ؟
لا: أتقدر أن تبرأ؟ لا بأس إن لم أجد في نفسي القدرة على أن أفعل الحسنى (رومية7). النعمة الإلهية هي تكمّل الناقصين في كلّ حين. قوة الله بحاجة إلى ضعفنا لتكمل. التجربة التي أتعرض إليها دائماً هي أن أيأس لأني لا أقدر أن أتمّم الوصية. التجربة يسمح بها الرب الإله لأتّضع لئلا أيأس. وإذا آمنت واتضعت عرفت أن كلّ عطية صالحة منحدرة من العلو. فقط المتّضعون رفعة الله. يمكنهم أن يكونوا في شركة حقّانية مع الله. يعطون المجد لله. المجد للآب والإبن والروح القدس. هذا الكلام يخصّنا جميعاً. يخصّ كلّ واحد منّا. فيه نسلك في جدّة الحياة أو نبقى في عتاقة الخطيئة والموت. من لا يسلك فيه يكون قد أنكر الإيمان وهو شرّ من غير المؤمن.
في إطار التكريس بعامّة نطرح التكريس بخاصّة، لهذه الخدمة أو تلك، في هذا الإتجاه أو ذاك. كلّ كلام عن التكريس لا يقابله تكريس فعليّ للمسيح، بالروح والحق، هو لغو.

التكريس الخاص

الكنيسة بحاجة الى خدّام “لتكميل القديسين، لبنيان جسد المسيح” (أفسس 4). بحاجة إلى اساقفة وكهنة وشمامسة ومعلّمين ومبشرين… هؤلاء تفرزهم الكنيسة، تختارهم لسدّ حاجاتها. هناك شروط يجدر توفرها فيهم، عادة ما تكون محدّدة. يصلّى لهم. توضع الأيدي عليهم فيُعطون من فوق نعمة خاصة تكمّلهم وتعينهم. بعض الكنائس أعجز من أن يفي بحاجة نفسه. هذه تستعين بكنيسة شقيقة أكثر إزدهاراً منها. الكنيسة التي تضعف فيها حدّة الغيرة على جسد المسيح تكون في انحطاط، في انفراط، في تآكل. الكنيسة التي يرعى أبناؤها فيها أنفسهم ولا يرعونها تخرب. صدق من قال إن الكنيسة لا تقوى عليها أبواب الجحيم. ولكن هناك كنائس محلية زالت. الكنيسة التي لا تنهض تموت. النهضة في الكنيسة تتمثل في أرعة أمور:

1 – وعي المؤمن لحتمية تكريس نفسه للمسيح.
2 – تكريس المؤمن نفسه فعلياً للمسيح.
3 – الغيرة على بيت الله.
4 – الذود عن كنيسة المسيح.
في أنطاكيا هاجس القداسة خافت. الفرديّة سيدة الموقف. الغيرة على بيت الله واهية. جماعة القديسين المتراصة مفتقدة إلى حدّ بعيد. قلة متناثرة تُغويها القداسة. ليس عندنا تيّار قداسة. لذلك النهضة عندنا بدء نهضة. نهضة خجولة. التكريس الكبير ليس واقعاً. الحسّ المشترك ضعيف. تسعون بالمائة مما يُسمَّون أرثوذكس في أنطاكية، تسعون بالمائة على الأقل، من دون رعاية تُذكر. من تراه يبالي!؟ قلّة تبالي! ليس عندنا ما يكفي ولا لقطاع واحد من قطاعات الخدمة. على سبيل المثال، حاجتنا الى الكهنة بالسرعة التي نسير بها، بمعدل كاهن أو إثنين أو ثلاثة يُسامون في السنة، لا يمكن تلبيتها اليوم إلا بعد مائة أو مائتين أو أكثر من السنوات. مثلاً أبرشية دمشق فيها حوالي 400 ألف شخص أي ما يعادل 80 ألف عائلة. الكاهن الواحد – أللهمّ إذا كان صالحاً – يقدر على أن يرعى ما يعادل مائتي عائلة. فنكون بحاجة إلى أربعمائة كاهن. عندنا منهم عشرون كاهناً. إذاً نحن بحاجة إلى 380 كاهناً لنسد حاجتنا اليوم. إلى كم من السنوات نحتاج لنغطّي هذه الحاجة اليوم؟ أترك ذلك لحساباتكم!
المشكلة كبيرة والخطورة حقيقية. شعبنا، بكلّ بساطة، بلا رعاة. نحن نحسب الرعية لنا، وغيرنا يرعاها. شعبنا متروك للجهل والغربة. إذا ما كان لنا بعدُ شعب اليوم فلعلّ، في ذلك، بشكل أو بآخر، شيء من الرعاية الإلهية المباشرة. ولعلّ للعامل الطائفيّ والتركيبة العائلية شبه القبلية تأثيراً. أولوياتنا عديدة لكن أولوية الأولويات أن نؤَّمن رعاة لهذا الشعب، رعاة على قلب الله. كلّنا بهذا العمل: المجمع، الأساقفة، مجالس الرعايا حيثما وُجدت، المجموعات، الافراد. نحن أيضاً معنيون، ربما أكثر من غيرنا لأنه يُفترض بنا أن نكون عارفين ومطّلعين أكثر من غيرنا. الكنيسة بحاجة إلى مؤمنين غيارى يكرّسون أنفسهم. صحيح أن هناك واقعاً إدارياً أو إقتصادياً بحاجة في إلى تغيير في كنيسة المسيح. لكنّ الحاجة الكبرى هي إلى روح الشهادة، إلى روح التضحية أولاً. المعادلة نحن قادرون على تغييرها بنعمة الله. لا نكن سبحانيين. نحن عاملون مع الله. الله لا يعمل عنا. وهو يطالبنا بذلك. السؤال المطروح على ضمير كلّ واحد منا: هل تترك كنيستك لرحمة الأقدار غير مبال إلا بما هو لنفسك أم تنبري لأداء دورك؟ هل تجلس على كرسيّك الخاصّ مكتّف اليدين تتفرّج وتنتظر وتطلق الأحكام يميناً ويساراً على البطريرك والأساقفة والكهنة فيما يتضور شعب الله وخراف المسيح المهجورة جوعاً إلى الكلمة والرعاية؟ إذا لم أكن مستعداً لأن أقدم نفسي في هذا الوقت الصعب فما المنفعة؟ الربّ يسأل، كما في إشعياء 6: “من أُرسل ومن يذهب لأجلنا”. فبماذا نجيب؟ أنقبع في لامبالاتنا وتبرير أنفسنا أم نقول كأشعياء: “ها أنذا أرسلني”. طبعاً، الاستعداد الطيّب لا يكفي، لكنه مهم جداً. قد لا أصلح للخدمة. ليقرر ذلك ذوو الشأن. إذا لم نكن على هذه الموجة من الغيرة والاستعداد فمعالجتنا موضوع التكريس الكهنوتي اليوم باطلة. كلامنا، والحال هذه، مجرد دردشة.
ولكن ثمّة من يتوقف عند موضوع الدعوة الكهنوتية. يدّعي أو يحب أن يدّعي أنه ليس مدعواً إلى الخدمة الكهنوتية. كيف ننظر إلى هذا الأمر؟

الدعوة والكاهن

إذا كنا نحسب أن السيد الرب يختار من يريده كهنة له، ثم يدعوهم بطرائق هو يعرفها فيستجيبون، فإننا نخطىء. الإختيار الإلهيّ وارد ولكن في حالات خاصّة الله يعرفها. في الأحوال العادية، الكنيسة هي التي تختار من تراه مناسباً للخدمة ولكن في إطار علاقتها الحيّة برأسها المسيح. بدون الله لا نستطيع شيئاً. الكلّ ينبغي أن يكون بروح الله. ولكنّ الله جعل الامور بين يديّ الكنيسة. من هنا المسألة هي مسألة شفافية في العلاقة مع الله. هذه الشفافية لتتحقق تحتاج إلى توبة من قلبنا، إلى نسك، إلى تواضع، إلى صلاة. روح الله، إذاً، نلتمسه في هذا الإطار. قلب الله نستقرئه في هذا الإطار، وإلاّ خرجنا من دائرة المعرفة بالروح إلى دائرة التخمين، إلى دائرة التحليل الفكريّ، إلى دائرة المشاعر والأحاسيس، إلى دائرة القناعات المحكومة بالأهواء. الانتماء للكنيسة، إذ ذاك، ينتفي عن أن يكون بالروح والحقّ. يصبح إنتماء فكرياً نفسياً. فلا يتسرّعن أحد ويدّعي أنه لا يقدر أن يتصور نفسه كاهناً، أنه ليس مدعواً إلى الكهنوت. كيف تعرف؟ كيف تجزم؟ لعلّك تُسقط على الله ما هو منك! كيف تخرج من دائرة نفسك؟ بحفظ الوصية، بالصوم، بالصلاة، لا سيّما بالطاعة للأسقف، لأبِ الاعتراف، للأب الروحي… لا يكلّمن الله، في العادة، مباشرة بل من خلال آخر. الآخر علامة لخروجنا من ذواتنا. مناخك الداخليّ ينبغي أن يتغير أولاً. لا تتمسكّن برأيك. أسلِمْ نفسك للرب يسوع تسلم. كن مستعداً لأن تسمع، لأن تقبل قصد الله لك، في كلّ حال، تجد رأس الخلاص. الموضوع إذ ذاك يطرح ذاته لديك بطريقة جديدة لعلّك لم تختبرها من قبل.

ولكنّ ليس كل من يرغب في الكهنوت يصلح للكهنوت، مع أنه إن اشتهى أحد الكهنوت فإنه يشتهي عملاً صالحاً. للكهنوت حدود، شروط، مقوّمات. ماذا تراها تكون؟

مقوّمات الكهنوت

أولاً: القداسة.


أن تكون القداسة هاجسك المحوري. أن تتمحور حياتك حول يسوع. أن يكون هو همّك الأول والأخير. أن يكون قلبك له. أن يكون سعيك إليه. كاهن لا يسعى إلى القداسة ولا تهمّه القداسة هو موظّف أجير، دخيل، شاهد زور، بائع كلام، تاجر خدمات. يبيع القدسات كما تُباع البطاطا. وهو خير عميل ضد المسيح. همّه في أجره، في ربحه، في مركزه، في مجده، في كرامته، لا في ما للمسيح. يتجلبب بجلباب الواجبات والشكليات والأصول دون ما هو لروح الربّ.

ثانياً: الفقر.


يتبنّى الفقر الطوعيّ. المسيح غناه. يعيش بالقليل. يرضى بالقليل. يُسلم أمره لله. قلبه واثق بالربّ. يؤمن بمن قال “لا أهملك ولا أتركك” (عبرانيين 13). يؤمن بمن قال: “لا تهتموا قائلين ماذا نأكل أو ماذا نشرب أو ماذا نلبس… لأنّ أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلّها. لكن أطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه وهذه كلّها تزاد لكم” (متى 6). يخاف لكنه لا يستسلم للخوف. يلقي نفسه بين يديّ الله الحيّ. الخوف على المعيشة، الخوف على المستقبل يعطّل الإيمان. يفضي إلى الخطيئة. يفرع تبرير الذات. “بدنا نعيش!”. الإستسلام للخوف يأتي بنا الى طلب الغنى. يسقطنا في حبّ المال، في عبادة مامون. لذا تبنّي الفقر، ثقةً بالله وإلتماساً لغناه، علامة أساسية من علامات محبته. ولكن لنفهم: الكاهن هو الذي يطلب الفقر طوعاً ولا يفرضه عليه أحد لا الأسقف ولا وكلاء الكنيسة ولا المتنفذون في القوم. هؤلاء يوفّرون له كلّ ما يحتاج إليه، وبكرم وغيرة إلهية. الفضيلة لا تُفرض. الفضيلة تُقتبل.

ثالثاً: الصلاة والصوم.


أن يكون محباً للصلاة. ملازماً للصلاة. مداوماً على صلاة القلاية. مواظباً على صلاة الجماعة. الصلوات في الكنيسة. الصلوات التقديسية في البيوت. همّ الكاهن أولاً تقديس العالم، تقديس الزمن، تقديس النفوس. يصلّي مع الناس ويصلّي للناس ويصلّي على الناس. كلّ شيء عنده، كلّ مسألة، كلّ قضية، كلّ إهتمام مؤطّر بالصلاة. “لا تهتموا بشيء بل في كلّ شيء، بالصلاة والدعاء مع الشكر، لتعلم طلباتكم لدى الله” (فيليبي 6:4). ومع الصلاة يكون الصوم. الصوم مساعد على الصلاة. مصاحب للصلاة. الصلاة الحقّانية تأتي من جوع لا من شبع.

رابعاً: مزايا نفسية.


أن يكون قادراً على ضبط نفسه. لطيفاً. سماعاً. محترماً للناس. مكرّماً للناس من دون تملّق. مصلحاً لهم من دون تهجّم. جلوداً. عقله راجحاً مرتباً. قادراً على التعبير الواضح عن نفسه. ذا مزايا قيادية دونما تسلّط. خدوماً دونما ابتذال. يرتاح الناس إليه. غير ضرّاب ولا محباً للمخاصمة. ثابتاً في موقفه دونما تصلّب. مرناً في تعاطيه دونما تلّون. يُتكل عليه. يُؤتمن له. صاحب شخصية سوية دونما عقد بارزة حادة. مثال ذلك أن يكون قد عانى تسلط أبيه المفرط فتقمص شخصيته، أو فقر بيته المدقع فأضحى مسرفاً أو بخيلاً، أو مِن قهر أبيه لأمه فأمسى كارهاً صورة الأب بعامّة، حقوداً. ذوو العقد المستعصية، في العادة، يضفون على عقدهم، في إطار الإلهيات، صبغة إلهية وهم لا يعلمون. له شخصية غَيرية لا انطوائية، تميل إلى الناس، تجد فرحاً ورضىً وإشباعاً في انفتاحها على الناس وتعاطيها معهم.

خامساً: النضج الروحي.


النضج الروحي يلطّف الواقع النفسي والمزاجيّ للشخص لكنه لا يغيّره بالضرورة. النضج الروحيّ والنضج النفسي متداخلان حتماً. من علامات النضج الروحيّ أن يكون المرء ملاحظاً نفسه، ملاحظاً أفكاره وتصرفاته، ضابطاً نفسه، مجاهداً، منقِّحاً ذاته. غير معجب بنفسه. مستعداً أبداً لأن يتّضع، لأن يعترف بخطيئته وتقصيره. لا تهمّه صورة الآخرين عنه بقدر ما تهمّه صورة الله عنه. يسامح بيسرٍ ويطلب الصفح بسهولة. يقبل الآخرين مهما كانوا عليه ويعرف أن يقبل ما يأتي عليه. ليس همّه في تبرير نفسه بل في إصلاح نفسه. متعقّلاً، صبوراً، حليماً، ورعاً، حنوناً، ودوداً، صلباً في تصميمه وعزمه، رقيقاً في مشاعره. الدمعة سهلة في عينيه. محباً للسلام، ساعياً إليه. دافئاً في علاقته بالناس دونما لزاجة، وعلى مسافة من الناس دونما برودة. لا يتصرّف مع الآخرين بدالة الأقران ولا يترك للآخرين مجالاً لأخذه بدالة العشراء. حدوده الشريعة ومحبة الله في الناس. رجل مواجهة. يؤدّب برحمة ويعزّي بنبل. محتشماً في المأكل والملبس والتصرّف. عفيفاً في العين واللسان. له امرأة تقية معينة له، ملتزمة كهنوته. يدبّر بيته حسناً وله أولاد في الخضوع بكل وقار.

سادساً: الثقافة الإلهية.


مطلوبة لغرضين: لأن الحياة الروحية السليمة لا تكون من دون معرفة للإيمان القويم. وثانياً لكي يكون الكاهن قادراً على التعليم والدفاع عن الإيمان بلغة الناس. ثمّة حجم من التحصيل العلميّ لما في الكتب مطلوب. ثمة تلمذة بخبرات الرعاية ضرورية. مطلوب من الكاهن أن يكون مداوماً على القراءة، عارفاً بما في الكتب لكي يتسنّى له أن يعكف على الوعظ ويلازم التعليم. الثقافة الإلهية لازمة ولكن في إطار القداسة والفقر والإتّضاع والصلاة والصوم والسعي الروحي الجادّ. اليوم نحن نعاني تجربتين: إعتبار الثقافة اللاهوتية الشرط الأساسي لإعداد الكهنة الموافقين وغضّ النظر، عملياً لا نظرياً، إلا في حدود العموميات، عن أصول الحياة الروحية والمقوّمات الكهنوتية الأخرى. هذه تجربة أولى، أما التجربة الثانية فهي الإكتفاء بإتمام الطقوس وضرب الصفح عن المعرفة الكتبية والثقافة الإيمانية. كِلا المنحيين خطر على كنيسة المسيح. كذلك ثمة حاجة – في ما بيننا – إلى معرفة للإسلام وسواه من التيّارات الدينية والفكرية – طبعاً ما أمكن – ليكون للكاهن أن يتبين وجه السيّد في ما يجري هنا وثمة لدواعي البشارة ولكي يكون له أن يدافع عن إيمان كنيسته ويقاوم المناقضين. الربّ الإله يعطي خائفيه حكمة. هذا صحيح. لكنّ الكاهن أيضاً يحصّل ما أمكنه بجدّ ونشاط تعاوناً مع ربّه، لئلا يوجد مقصّراً.

خلاصة القول

لعلّ هذه الصورة، للبعض منا، قاتمة ومثالية. الحق أن الكنيسة كشركة مؤمنين مفتقدة عندنا إلى حد بعيد. لدينا بعض الإشراقات، هنا وثمة، بعض الوجوه، لكنّ الفردية، بيننا، سيّدة الموقف. وحدة الكنيسة الأنطاكية تكاد تقتصر على العقيدة، بالمعنى الإيديولوجيّ للكلمة، وعلى الطقوس. وحدة الروح، وحدة القلب، وحدة الفكر، وحدة اليد، وحتّى وحدة القوانين الكنسية مفرّط بها إلى حدّ بعيد. إذا لم يتغير المناخ الروحيّ عندنا فإننا آيلون إلى بؤس لا قرار له. إذا لم نحرّك أنفسنا ويحرّكنا روح الرب إلى توبة صدوق وغيرة أصلية على كنيسة المسيح ووحدة محبية عميقة وشركة بالروح والحق فإن العتمة سوف تتكثف بالاكثر والبلبلة ستزداد والإرتداد سيمتد والضياع سيكون أشمل والإنقسامات ستعمّ. في أزمنة الإنحطاط لا شيء ينهض بالكنيسة إلا روح الشهادة، روح التضحية، روح البذل. هذه وحدها توقظ، تضخّ دماً جديداً. مشكلاتنا أكبر بكثير من أن تُحل بجملة تدابير قانونية أو إدارية أو مالية. لم يعد الموضوع موضوع تغيير أشخاص بل تغييراً في الذهن، في الروح، في القلب. ليقف كلّ واحد منا أمام ضميره، على محرس نفسه، أمام مسؤوليته، أمام ربّه. نحن بحاجة إلى كهنة، إلى رعاة. هذه أولية من جملة أولويات لكنّها أبرزها جميعاً. وإلى أن تتحرك الغيرة في النفوس على خراف المسيح سوف تبقى الصورة قاتمة.

والصورة أيضاً مثالية. هذا لأننا صرنا مشمولين بواقعية دهرية. الإلهيات تبدو لنا، إذ ذاك، مثاليات. ولكن لو عدنا إلى أنفسنا، لو تبنا عن طرقنا، لو أخذنا نسلك في الوصية بأمانة لبان لنا أن الإلهيات ليست مثاليات بل واقعية أخرى، الله فيها حيّ وروحه فاعل وكنيسته نبض حياة جديدة.

عن مجلّة النور

الرهبنة عند القديس أنطونيوس الكبير

الرهبنة عند القديس أنطونيوس الكبير

الأرشمندريت بندلايمون فرح

حديثنا اليوم عن لمحة من نِعَم الرب هو القديس أنطونيوس الكبير الذي شعّ في برية مصر وعمَّ النور كل المسكونة. نتحدث أولاً عن النسك الذي يظنه الناس أنه عمل الرهبان فقط لكنه مطلوب من كل إنسان مسيحي ذلك أن كل إنسان يسمع الإنجيل يدعوه الرب بقوله: “أترك كلّ شيء واتبعني” (لوقا18: 22).

أنت أيها الإنسان، حتى المتزوج، المملوء من أنانيتك، والمشبع بصخبك الداخلي وقابع في نفسك، لا تستطيع أن تكون في أي مرفق من مرافق الحياة من دون أن تلبي الدعوة الاولى التي يطلبها الرب يسوع المسيح، أن تترك كل شيء وتتبعه. لدى كل واحد منا شيء يتركه وأشياء كثيرة يذللها ويقدمها للمسيح.
كان النسك معيوشاً في البيوت. كل إنسان يصلي ويتعبّد ويتجرّد عن أهوائه. وكانت الكنيسة تتقدّس بفعل الروح القدس وبفضل المجاهدين الذين أتمّوا مسيرتهم في طريق الرب. لكن في فترات ما بعد الإضطهاد لم يعد يستطيع المجاهدون أن يبقوا في البيوت وبين الناس لأن الاهتمامات الدنيوية والمشاكل اليومية تؤخرهم عن الصلاة. ذهبوا بعيداً إلى المغاور والغابات والصحارى والجبال والأودية ليعيشوا في هدوء وليس في عزلة، بإتحاد مع الله. تفرّغوا عن كلّ الاهتمامات المادية وهذا تصرفٌ لا يستطيع أن يتصرفه الإنسان المجتمعي. أرادوا مجاهدين ومجاهدات أن يزيلوا التشويش من حياتهم اليومية في اختلاطهم اليومي مع الناس، وأن يتنسّكوا في البراري ملبّين حاجة الحب الموجودة في قلوبهم نحو الله. ويعلّمنا القديس أنطونيوس وأباء كثيرون أنّ حاجة الحب هذه هي نعمة من الله لا نكتسبها من أنفسنا. نحن نطلبها، نجاهد من أجلها لكن الله يعطينا إياها ويسكبها في قلوبنا. ولهذه النعمة اتجاهان: الاتجاه الأول نحونا وبه نستفيد من نعمة الله شخصياً. والاتجاه الثاني ينعكس فينا إلى الآخرين. نحن نعكس محبة الله إلى الذين يريد الله أن يعبر إليهم ليس فقط مباشرة بل عبرنا.
بحسب ما نرى في حياة القديس أنطونيوس وغيره من المجاهدين أن هؤلاء الرهبان لا يعيشون في عزلة على رغم أنهم متوحدون في البراري والجبال. هناك شخص مثلاً يعيش في مبنى ضخم ووسط ملايين الناس وفي الوقت نفسه يعيش في عزلة لأن لا إنفتاح لديه نحو الآخرين. ويمكن أن يكون الإنسان في أقصى البراري لكن قلبه مشبع بالمحبة الإلهية فيعكس هذه المحبة نحو الآخرين.
كان القديس أنطونيوس هذا القلب المشبع بمحبة الله إلى درجة انشغل فيه عن كل شيء في العالم. كثيرون يسمعون الآية الإنجيلية “أترك كل شيء واتبعني” ولا يتفاعلون معها. لأن قلبه كان شفافاً جداً ونفسيته طاهرة، عندما سمع النداء اعتبره نداء شخصياً له كي يتوجه نحو الله فاستجاب له. لم تكن الدعوة أن ينعزل عن الناس بل أن يبتعد عنهم للتدريب على كيف يصير عميقاً وكيف يقتني محبة الله.
في انسحاب القديس أنطونيوس إلى البرية ومناجاته الرب كان يتمّم ما جاء في نشيد الأناشيد “أجذبني فنجري وراءك” (نشيد 4:1). في هذا النشيد نسمع للمرة الأولى فعل في المفرد “اجذبني” يصير في الجمع “فنجري وراءك”، ونفهمه من خلال حياة القديس أنطونيوس. ذلك أنه بانجذابه إلى الله جذب الآخرين معه أيضاً. وكما يقول بعض المؤرخين أن المدن انتقلت إلى الصحارى للاستماع إلى القديس أنطونيوس. الأمر الذي اضطره أن يترك أكثر من مرة موقعه ومغارته ويبتعد مجدداً وينعزل عن الناس أكثر فأكثر ليخلو إلى الله أكثر فأكثر. وفي خلوته، لم يكن منعزلاً بل صار هناك مجتمع من نوع معين. يتجانس فيه أفراده من النساك ويشكّلون جواً من الحياة المشتركة والأخوة.
هذا الجو هو جو الكنيسة الحقيقي. لا تستطيع أن تكون في الكنيسة بمفردك. في صلواتنا في الكنيسة نحاول قدر الإمكان أن نرتّل مع المرتلين ونقرأ مع القارئين ونتابع الكلمات التي تُقال كي نكون واحداً. في الكنيسة نكون كلنا مع بعضنا بعضاً نتابع النص نفسه والتوجه نفسه والشوق نفسه الى الله.
لا يمكن أن يكون أحدهم يقرأ في المزامير، وآخر يؤدي شيئاً آخر. بل يكون الكل في إنسجام واحد كتعبير عن حياة واحدة مشتركة. نحن اليوم في أمس الحاجة الى هذه الحياة المشتركة ولا نقدر ان نحققها إلا إذا رأينا أمثلة حية وكثيرة أمامنا. عندما نزور الدير، مهما تكن حياة الدير بسيطة وغير نشيطة، تؤثّر فينا لأننا نحن في حياتنا الاجتماعية دون مستواه في الشركة. نهتمّ كثيراً بالعمل. نهتمّ كثيراً بتربية الأولاد. نهتمّ كثيراً بالأزياء. نهتمّ كثيراً بالصراعات الاجتماعية ولكن قلّما نصلّي. نعتقد أننا إذا قلنا “أبانا الذي في السموات….” نربّح ربنا “جْمِيلة” وكأن هذه الصلاة من أجله وليست من أجلنا كي نتقدس. نحن في حاجة إلى حياة رهبانية بمفهوم الشركة فنعرفها ونعيشها في بيوتنا. إذا كان كلّ فرد في العائلة يسير بمفرده: لكلّ واحد ماله، لكلّ واحد أفكاره، لكلّ واحد مشاريعه، فكيف نكون واحداً؟
إن الحياة الرهبانية تفتح أعيننا أكثر فأكثر على حقيقة أحوالنا، نحن الذين لا نعمل ما يجب علينا عمله من الحياة المشتركة في حياتنا.
في الحياة المشتركة بين الرهبان بساطة وبراءة. وإذا لم يكن في قلب الإنسان بساطة وبراءة لا يستطيع أن يتشارك مع الآخرين. ما الذي يجمع بين إنسان يفهم وآخر بسيط غير المحبة وبساطة القلب التي تجعلهما أخوة؟ ما الذي يجمع بين إنسان نشأ في القصور وتعلّم في أرقى الجامعات وبين يديه أموال، ومعارفه من كبار السادة في البلد مع أصغر موظف في البلد؟ كيف يصبح أحدهم راهباً مع آخر يعيش في البرية لم يرَ انساناً متمدناً من قبل ولا يعرف شيئاً عن اللياقة الإجتماعية، إذا لم تكن لديه البساطة والتواضع والمحبة. يجمع الدير كلّ هؤلاء الأشخاص بالمحبة. يرتفع الوضيع وينخفض الكبير ويتساوى الكلّ كما قال يوحنا المعمدان “كل وادٍ يردم وكل أكمة تنخفض” (لوقا 5:3). ليست البشارة وعظاً وكلمات، إنها العيش بالمثل الحي والخدمة التي نقدمها للآخرين.
إنطلقت شرارة الحياة الرهبانية من القديس أنطونيوس لأنه التمع بشكل واضح جداً. اليوم كنا نعيّد للقديس بولس الأكتيني الذي كان في صحراء مصر في الزمن نفسه الذي كان فيه القديس أنطونيوس. هكذا نرى أن القديس أنطونيوس لم يكن وحده، لكن نجمه لمع أكثر من الآخرين. وهو منشىء الرهبنة لأنه قدّم فعلاً وأعطى نوعية جديدة. ولم يكتفِ بالعزلة والانصراف إلى البراري لكن جعل الرهبان تلاميذه في سكن مشترك وحياة مشتركة في دير واحد. ولا يزال ديره عامراً إلى الآن. هذا اللمعان البهي انسكب على القديس أنطونيوس فأعطى تفاعلاً في كل الأقطار المجاورة. وهكذا انتقلت الشهادة الرهبانية من مصر إلى بلدان أخرى كثيرة كفلسطين وسوريا ولبنان والقسطنطينية. وفيما بعد إلى اليونان وسائر أوروبا.
وفي العصور المسيحية الأولى، وحسب ما يخبرنا الرحالة والمؤرخون، يبدو وكأن صار هناك رحلات حج إلى القديس أنطونيوس من ناس تواقين إلى الحياة الإلهية مثل القديس جيروم وغيره من القديسين الذين عاشوا في بلاد أوروبا. هؤلاء كانوا دائمي التجوال ويتبادلون الخبرات من بعضهم البعض. ولم تكن سياحتهم من أجل الآثار ودراستها بل أن ينظروا معالم حية وأعمدة روحية كبيرة مثل القديس أنطونيوس وغيره من النساك الكبار. ونقل هؤلاء الآباء خبراتهم الروحية من الشرق. لأنه يبدو أن تركيبة الناس في الشرق كانت في ذلك الحين أبسط مما كانت عليه في أوروبا. لكنهم اليوم سبقونا لأنهم اكتشفوا بالعلم أن على الإنسان أن يزداد تواضعاً مهما كانت معرفته.
فالعلم واسع جداً والعلم يساعد على التفتح العقلي ويجعل الإنسان أكثر يقظة. وهذا يجعل الراهب أن يجتهد أكثر. لا مجال للكسل لديه، بل يجتهد ويدرس أكان ذلك بشكل علمي دقيق في الجامعة أو المدرسة أو في مطالعته الخاصة وهو في الدير وتنقيبه في كل الكتب التي تصل إليها يده. هذا التنقيب جعلته بعض الأديرة منهجاً في برنامج الراهب اليومي وهذا جيد لأن الإنسان عندما يؤدي أشياء جيدة يتمم فضيلة كبيرة لأنه يبتعد عن الأشياء الشريرة، عن الأنانية والكسل والضجر وتصبح حياته بناءة وفاعلة في الآخرين.
وزع القديس أنطونيوس أمواله وأعطاها للمساكين لأنه أراد أن يتخلّى عن كل صلة بذاته بأنانيته في العالم. هذه نقطة مهمة جداً. إن الإنسان الذي يعطي هو الإنسان الروحي لا الذي يرفع يديه ويصلي فقط. أعرف أناساً كثيرين يأتون إلى الدير ويصلون كثيراً ويستهلكون بخوراً وشمعاً بقدر كبير ولكن لا تخرج من جيبتهم ربع ليرة. الله الذي يفتش في القلوب ويفحصها وليس أنا. والإنسان الذي يأخذ ولا يعطي يقول له بولس الرسول: “مغبوط العطاء أكثر من الأخذ” (أعمال: 35:20).
لذلك عندما تعطي يحصل أخذ أيضاً. هكذا يتمّ التجاذب في حياتك. أنت تعطي والرب يفيض ويعطيك ويزيدك من عطاياه وبركاته.
لم يتعلم الناس من القديس أنطونيوس إلا الشكل الخارجي. يفرحون بما يخبرون عنه. يعرفون تاريخه. ينظرون الى أيقوناته ويتبرّكون بها لكنهم يخافون أن يفعلوا مثله. يخافون أن يعطوا. وأنا هنا أتكلم أيضاً عن العطاء المادي لأن الإنسان إذا لم يعطِ من جيبه لن يتوصل في وقت من الأوقات إلى أن يعطي نفسه. إذا كانت العطاءات التي يقدر أن يتصرف بها، يكثرها ويقللها، ولا يفعل شيئاً، يعني أنه مملوء من ذاته، لا يستطيع أن يعطي ذاته وهذا هو الهدف لا إكثار المال في صندوق الكنيسة. عندما تعطون ذاتكم هذا يعني أنكم تلبّون نداء الرب عندما يقول: “أترك كل شيء واتبعني” (لوقا 22:18).
إذا جاء ابنك وقال لك أريد أن أصبح راهباً، أو ابنتك وقالت لك أريد أن أصبح راهبة، كأنها مصيبة وقعت في البيوت. يقولون أن الشخص الذي سيتوجّه إلى الرهبنة ينقطع عن العالم وعن ملذاته وحالته يرثى لها. لكننا نحن الرهبان ننقطع عن الملذات الأرضية ونكتفي بنعمة الرب، وبصلواتكم نعم كثيرة لا تزول وهي ليست وقتية بل مضاعفة وأبدية نستغني عن واحدة لنربح الأخرى. نستثمر الذخيرة التي أعطانا إياها الرب فتزداد وتقوى، وهذه تجارة رابحة، والقديس أنطونيوس لم يكتفِ بالصلاة والابتعاد عن صخب الناس، بل احتاجته الكنيسة في أيام الشدة والاضطهادات والاضطرابات الفكرية واللاهوتية. نزل إلى الناس وكان أول المجاهدين في الكنيسة. ذهب إلى الإسكندرية وشدد كثيرين وأبعدهم عن البدع المتطرفة التي تشرذم الكنيسة. الراهب إنسان يرمي نفسه بين ايدي الله. يفرغ أولاً ذاته ويتدرب في الدير كيف يترك كل شيء ويلتحق بالمسيح، ويلمّعه المسيح بنوره ويعطيه أفضل العطايا المفيدة لحياة الكنيسة.
نلاحظ آباء كثيرين وراهبات أمهات قديسات يتميزون بالوعظ أو بالمتابعة أو بالخدمة. ومنهم من تميز بالإحسان أو بضيافة الغرباء، أعطي كل إنسان موهبة حسب زمانه وحسب عقله. كثيرون أعطوا نعمة كي يصنعوا معجزات وتجري على أيديهم أشفية. هذه نعمة كبيرة بقدر ما ابتعدوا عن الدنيويات بقدر ما أعطاهم الله مواهب وزادهم بركات.
اليوم، بعد مئات السنين، لا نزال نتذكر القديس أنطونيوس ونتبارك بذكره وندرك منهجه وأعماله التي مجدت الرب. وضع لنا منهجاً لحياة الشركة لأن في التوحّد مخاطر كثيرة. فالإنسان يمكن أن ينعزل عن الآخرين بسهولة بسبب وضعه الجغرافي. ولكن قد يتكاسل وهذا خطر. ومن أخطر ما يواجهه الراهب المنفرد أيضاً أن يعمل كلّ شيء حسب رأيه. لأن الراهب لا رأي له.
إلتقيت قبل فترة براهبة رئيسة دير يبلغ عمرها 110 أعوام. كانت تشتكي من أن الراهبات بمحبتهنّ لا يسمحنّ لها أن تشتغل. طبعاً هي لم تعد قادرة أن تعمل شيئاً وبعد إلحاحها طلبوا ان تكتب تاريخ الدير. رأوا أن لديها ميزة حلوة في معرفتها أقوال راهبات مررنَ قبلها. وهي الآن بصدد كتابة هذا الكتاب وتضع فيه أقوال الأمهات القديسات اللواتي نسكنَ وعلّمنَ الناس بتواضعهن ومحبتهن، مثل كتب الآباء الموجودة عندنا. سألتها عن خبرتها بالحياة الروحية وهي شيخة ذات قامة عريقة في النسك. قالت أنها لا تعرف كثيراً من الأمور الروحية، وهذا من تواضعها طبعاً، لكنها تعرف أنها كانت مرتاحة جداً عندما كانت مبتدئة لأنها في ذلك الوقت لم تكن تفعل إلا الأمور التي تأمرها بها الرئيسة. فكانت إبنة الطاعة وكانت تعيش في الجنة أما اليوم فتقول انها تعيش في جهنم. فسألتها: لماذا؟ أجابت: لأنه لا يكفي أن يكون عليّ أن آمر الكل، بل أنا لا أحد يأمرني لأنني الرئيسة. يعاملني الجميع على هذا الأساس. قالت هذا الكلام لتواضعها وحكمتها. فالنور الإلهي في عقلها، لذلك هي منتبهة إلى عدم انعزالها. هذه أمور ينتبه لها الرهبان لأنهم يعيشونها ويواجهونها في الدير كل يوم. إذا كان لدى الرئيس محبة يعمل كل شيء يريده الرهبان وهم يطيعونه، وعليه أن يعرف حدوده لأنه إنسان وهم بشر أيضاً ولا يتسلّط عليهم إذا كانوا يطيعونه. وكي تكون هذه الأمور مرعية وضع القديس أنطونيوس شيئاً من القوانين والضوابط التي بلورها فيما بعد أكثر فأكثر القديس باسيليوس الكبير برهبنته وجعل لها شروطاً. وهذه الشروط ليست قوانيناً لتقييدنا بل لقيادتنا ورعايتنا أكثر فأكثر بحسب حكمة الآباء. وجعل للراهب عملاً إلى جانب التأمل الروحي. وهكذا: ساعة يدرس وساعة يصلي وساعة يشتغل وساعة يستقبل ضيوفاً يعطيهم من محبته التي سكبها الرب يسوع في قلبه. فالدير ليس مضافة ومنطقة سياحية. يمكن أن يكون الإنسان مضيافاً جداً في بيته ويحب الناس لكن لن يكون لديه وقت لتربية أولاده أو ترتيب بيته فيكون ضياع.
مشاكل كثيرة تحصل داخل العائلات ويختلف الرجل وزوجته مع بعضهما البعض بسبب عدم اتفاقهما على منهج واحد في البيت. هذه نقطة مهمة لأنه إذا لم يكن للإنسان عمل أساسي، يتجه إلى أشغال عدّة تزيد في ضياعه. لذلك لا يتحول الدير والحياة الرهبانية الى مضافة مجردة ومنطقة سياحية إذا كان لكل شخص فيه عمل منظم. هكذا يقسم الوقت ولا يكون ضجر ولا مصيدة للشرير ولا تكبر لأن الراهب يعرف آنذاك أن هناك أشياء كثيرة يعملها وأشياء يتعلمها ويحتاج إليها.
نبّهنا القديس أنطونيوس إلى أمورٍ كثيرة في رسائله وبعض كتاباته وتوجيهاته الموجودة في سيرة حياته للقديس أثناسيوس وفي بستان الرهبان وفي كتب آبائية عدة تشير إلى أقوال القديس أنطونيوس.
لا يستطيع الإنسان أن يقول أنه يقدر أن يفعل كل شيء لوحده. وفي الدير يتعلم أشياء كثيرة. قال القديس يوحنا الذهبي الفم في أحد أحاديثه إلى النساء: “أتركن أزواجكن يذهبون إلى الدير بين وقتٍ وآخر”. إن الرجل عندما يذهب الى الدير مدة أسبوع يعود إلى بيته شخصاً آخر. هناك يرى نظاماً مختلفاً عن حياته. يرجع إلى نفسه ويصلي أكثر لأن لا يوجد لديه وقت في بيته. تهدأ نفسه ويمتلىء من بركات كثيرة. يعود إلى بيته منوراً وتتشرذم أنانيته وتتهدم. فالمرأة عندما تقاوم رجلها وتتنافر معه في مسألة تكون أحياناً بسيطة، تعود كل يوم إلى المشكلة ذاتها لضعف في النفس. لكن إذا ذهب الرجل إلى الدير يرى هناك أشخاصاً لديهم طبيعته البشرية إلا أن في عيشهم قناعة وخضوع ودماثة في الأخلاق وبساطة في التصرف. يتعلم منهم المثل أكثر فأكثر ويفكر “كان مع زوجتي الحق عندما لفتت نظري الى هذا الموضوع” في حين تجعله المشاجرة أكثر عناداً. قبل فترة اتصلت بي إحدى النساء وكانت صديقتي في المدرسة. قالت لي أنها تشاجرت مع زوجها وضربها لمسألة بسيطة. قالت أنهما في المساء اتفقا أن يساعدها في تنظيف البيت وغيّر رأيه في الصباح. وقام شجار بينهما أدى إلى عراك وترك البيت. نصحتها ألا يبقى الواحد في عناد تجاه الآخر. وهو يعند لأن أنانيته لا تسمح له أن يتنازل عن مواقفه. هو دائماً يريد الشيء لنفسه ولا يتراجع عنه ولا يتنازل. على الإنسان أن يسامح قليلاً و “يطرّيها” ويغير أسلوبه مع الآخرين فيستطيع بالوداعة والبساطة أن يكسب الآخر ولا يزعل أحداً.

يتبع

نسك البطريرك الصربي بولس

نسك البطريرك الصربي بولس

يوري ماكسيموف


نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

(يوري ماكسيموف هو مراسل الدايلي تلغراف وقد كتب هذا المقال في 30 أيلول 2009 قبل وفاة البطريرك بولس بشهرين)

رغم من أنني لم أقابل البطريركَ بولس شخصياً إلا أنني سمعتُ عنه الكثير. زُرتُ صربيا، أولاً، في خريف 2006. رغبتُ بشدة أَنْ أَرى قداستَه، خصوصاً لأنه كَانَ مُتاحاً الوصولُ إليه، بحسب ما علمْت. لم يكن الأمر أنني كنت أتوقع الحصول على مقابلة معه، لَكنِّي تَمنّيتُ، ببساطة، أَنْ أَنْظرَ بعينَيَّ رجلاً قديساً معاصراً وأحصل على بركتِه، وهذا لوحده سيكون مصدر بهجة لي. إلا أن هذا لَمْ يَحْدثْ. في خريف 2006، سَاءتْ صحتُه، وفي زياراتِي التاليةِ، ازدادت سوءاً. بدا واضحاً أنني كنتُ غيرَ جدير برُؤية قداستِه، بولس.

عندما كنتُ في صربيا، سمعتُ عنه الكثيرَ من القصص المُلفتة من أناس جديرين بالثقة، وأرغب في مشاركتها. إن صاحب القداسة، البطريرك بولس، هو ظاهرةٌ فريدة في عصرنا؛ لذا، فمن غير المُجدي جعلُه مقياساً لبقية البطاركة، تماماً كما لو أننا نجعلُ، مثلاً، القديسَ فيلاريت الرحيم أو القديس ألكسيوس رجل الله مقياساً لغالبية العلمانيين في عصرنا. لكل واحد معاييرُه الخاصة ونوعية جهاده. أرى بأنّه علينا أن نبتهج كونه وُجد في زماننا شخصٌ مثل هذا في الكنيسة الأرثوذكسية.
من المعروف جيداً بأن البطريرك الصربي، حتى عند تسلّمه مهام منصبه الرفيع، تابَعَ نذوره الرهبانية وجاهَدَ لكي يعيش باعتدال، مع أنّ كلَّ ذلك كان طبيعياً بالنسبة له، وبدون أي تَكَلُّف مُصطنع. كان يتنقّل من بلدة إلى أخرى سيراً على الأقدام أو يستقلُّ وسيلة نقل عمومية، ويَحتكُّ بجماهير العامّة. لم يكن يملك شيئاً، وكان طعامه مثل آباء الصحراء القدماء- لأنه، وبكل بساطة، كان مثلَهم.
أخبرتني السيدةُ جانا تودوروفيك قصةً تتعلَّقُ بشقيقتها. كانت تَحضُر استقبالاً عند البطريرك لسبب ما. وفيما كانت تتناقش معه حول أحد الشؤون، حدث أن نظرتْ إلى قدمَي البطريرك فصُدمتْ لمنظر حذائه: كان بالغَ العتاقة وقد بدا واضحاً أنه تمزق عدَّة مرات ثم أُعيدَ إصلاحُه. فكَّرت المرأةُ في نفسها: “يا لَعارنا نحن الصربيين، هل على بطريركِنا التنقُّلَ بحذاء بالٍ؟ أليس بمقدور أحد شراء حذاء جديد له؟”، قال البطريرك بفرح: “أنظري إلى جودة حذائي! لقد وجدتُه بقرب براميل القمامة عند ذهابي إلى البطريركية. لقد تخلَّص أحدُهم منه، لكنه من الجلد الطبيعي. لقد أعَدْتُ رَتقَه. انظري، لا يزالُ بإمكاني استعمالَه لمدة طويلة”.
هناك قصةٌ أخرى حول الحذاء نفسِه. جاءت امرأةٌ إلى البطريركية طالبةً التَّحَدُّثَ إلى البطريرك، شخصياً، بخصوص أمرٍ مستعجل. لم يكن ذلك الطلبُ عادياً، لذا لم تُستقبلْ حالاً. إلا أن إلحاح الزائرة أثمر، وتمت المقابلة. أخبرت المرأةُ البطريركَ بحماس شديد بأنها، في تلك الليلة رأت العذراءَ في نومها وطلبت منها أن تذهب إلى البطريرك وتعطيَه مالاً ليشتريَ لنفسه حذاءاً جديداً. بعد أن أخبرته بذلك، أخرجت الزائرةُ مغلَّفاً من المال. لم يأخذ البطريركُ المالَ، بل أجاب برِقَّة: “في أي وقت ذهبتِ إلى النوم؟”. أجابت المرأة، وقد أخذَتْها المفاجأة: “حوالى الساعة الحادية عشرة. أجاب البطريرك: “تعلمين أنا أنام بعدك، حوالي الرابعة صباحاً. أنا، أيضاً، رأيتُ العذراء في نومي، وقد طلبتْ مني أن أُبلغكِ بأن تَمنَحي المالَ لمن هم حقاً بحاجة إليه”. ولم يأخذه.
في إحدى المرات، فيما كان يقترب من مبنى البطريركية، لاحظ أن هناك عدداً من السيارات عند المدخل، فتساءل من عسى أن يكونوا. قيل له بأن تلك السيارات تخصّ أساقفةً. أجاب البطريكُ بابتسامة: “إذا كانوا، وهم يعرفون أنّ السيد أوصى بعدم القنية، يمتلكون مثل تلك السيارات، تخيّلوا سياراتُهم فيما لو لم يوصِ بتلك الوصية”.
مرَّةً، فيما كان البطريركُ مسافراً، جوّاً، في إحدى الزيارات، دخلت الطائرةُ في منخفض هوائي فوق البحر وأخذت تهتزّ. فسألَ أسقفٌ شابٌّ البطريركَ، وكان جالساً بجانبه، ماذا سيدور في فكره لو أن الطائرة أخذت تهوي. أجاب صاحبُ القداسة، البطريرك بولس، بهدوء: “فيما يتعلَّقُ بي، ساعتبرُ ذلك منتهى العدالة؛ لقد أكلتُ كثيراً من السمك، خلال حياتي، لذا لن أتفاجأ إذا ما أكلتني الأسماك الآن”.
ليست فكرة سيئة أن نقتبسَ مقطعاً من حوارٍ بين نيكولاي كوكوخين والشماس نيبويشا توبوليك:
“إنها نعمةٌ من الله أن يكون لدينا راعًٍ روحانيٌّ مثل صاحب القداسة البطريرك بولس… فهو يسلك في حياةً ذاتَ طابع نسكي ويُعتبَرُ نموذجاً حياً للراعي بحسب الإنجيل. إنه يحيا بالمسيح بكل ما لهذه الكلمة من معنى… فهو يصوم مثل أي راهب أرثوذكسي، أي أنه لا يأكل اللّحمَ، ويحافظ على نظام صيامي صارم للغاية أيام الآحاد والأربعاء والجمعة… يُقيم القداس كلّ صباح في كنيسة صغيرة في مبنى البطريركية. ليس في تلك الكنيسة جوقةٌ، بل، أبناءُ الرعية فقط وهم يقومون بالترتيل”.
“إنه يرتدي، بنفسه، الثيابَ الكهنوتية قبل الخدمة ويَخلعها بعد الخدمة، ويُعَرِّفُ ويُناول أبناءَ الرعية بنفسه. لا يزالُ يرتدي الجبّة نفسَها والقلنسوّة نفسها منذ رسامته في الخدمة الملائكية (كان ذلك منذ خمسين عاماً). لم يُبَدِّلْهما على الإطلاق، وهو يَغسلهما ويَكويهما ويُصلحُهما بنفسِه. ويقوم بتحضير طعامه بنفسه. أخبرني، مرةً، بأنه صنع لنفسه حذاءاً كان، أصلاً، نسائياً، فلديه كل المعدات لإصلاح الأحذية؛ ويستطيعُ أن يُصلِحَ بنفسِه أيَّ حذاء. كثيراً ما يَخدم في كنائسَ متعدّدة. وعندما يكتشف بأن أفلونية أحد الكهنة أو جبّته ممزّقة، فإنه يقول له: “اجلبْها لي، وسوف أُصلِحُها”… إنه أمر مفيدٌ لتهذيب النفس روحياً أن نكون متواجدين حول هذا الإنسان.
ومع هذا، فالبطريرك بولس يحمل دكتوراه في اللاهوت (وذلك قبل أن يُصبحَ بطريركاً)، ولديه عدةُ كتب من تأليفه: دراسة حول دير القديس ذيونيسيوس دافيتش وإيضاحات حول أسئلة تتعلق بالإيمان بأجزائه ثلاثة، وكذلك عدة مختارات تُرجِمت إلى الروسية.
اليوم، ناهز البطريركُ بولس الخامسةَ والتسعين. وهو في المستشفى منذ زمن بسبب اعتلال صحّته. أما المجمع المقدّس للكنيسة الأرثوذكسية الصربية فيقوم بالمهام الإدارية للكنيسة. وقد طلب البطريركُ بولس، باستمرار، أن يُعفى من مهامِّه بسبب صحته المتدهورة، إلا أن آخر مجمع عُقِد قد قرَّرَ أن يبقى البطريركُ في منصبه الروحي كرئيس للكنيسة الصربية حتى مماته. كان البطريرك بولس قريباً جداً من الناس، وقد أحبه الناس بدورهم محبة كبيرة. إنه شخصية فريدة حتى بالنسبة للكنيسة الصربية، أما البطريرك الذي سيليه فسيكون، حتماً، مختلفاً عنه.
يقول بيدراغ ميودراغ، وهو يَعرف البطريرك عن كثب، في مقالة قصيرة عن صاحب القداسة:
“من السهل الوصولُ إليه، فعندما كانت شقيقتُه على قيد الحياة كان يتردَّدُ إلى بيتها سيراً على الأقدام. إنه، بشكل عام، يحب التنقل مشياً دون أية مرافقة. يستطيع أيٌّ كان أن يقترب منه ويتحدَّث إليه. وهو يستقبل الزوار كلَّ يوم في مكان إقامته. يأتي الناسُ إليه لطرح حاجاتهم وأسئلتهم البسيطة، ولديه لكل واحد منهم كلمةُ التعزية المناسبة.
يستيقظ البطريركُ باكراً جداً، وفيما يكون الجميعُ نياماً، يُقيمُ القداسَ الإلهي حاملاً في صلواته كلَّ الشَّعب الصربي. فهو يحمل في قلبه صربيا كلَّها. إنه صغير في قامته ، لكنه كبير في قلبه. أصابعُه رفيعةٌ، لكنه عندما يرسم بها إشارةَ الصليب، فإن قوات الأبالسة تهرب؛ يرتدي البطريركُ ثياباً قطنية رقيقةً، إلا أن تحت تلك الثياب يَكمنُ قلبُ مجاهد شجاع. يقول الناس: “إنه ملاكُنا الذي يحمينا ويدافع عنّا”.

يسوع وحده هامة الجميع

يسوع وحده هامة الجميع

الأرشمندريت توما بيطار



باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين.

يوحنّا، بشهادة الرّبّ يسوع، أعظم مواليد النّساء، وأيضًا، أفضل من نبيّ. عاش في البرّيّة، وتروّض على عشرة الله، وأفرغ نفسه. أخذ صورة عبد، وكان غيورًا على ما لله، في منتهى الغيرة. كان ناريًّا، وقال الحقّ، ولم يأبه لقوى الظّلمة ورئاسات هذا الدّهر. وضعوه في السّجن، وضايقوه، لكنّه كان متمسِّكًا بقول الحقّ. ولمّا كان في السّجن، جرّبه إبليس. هناك، كان كأنّ نعمة الله تركته وحيدًا. كان هناك كيسوع لمّا عُلِّق على الصّليب، وصرخ: “إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟!”. لم تتركه نعمة الله، لكنّه خبر الظّلمة إلى أن شكّ بيسوع! وعلى ذلك، أرسل اثنين من تلاميذه يقولان له: “أأنت هو الآتي، أم ننتظر آخر؟!”. هذه كانت الخطوة الأولى من تجربة إبليس له.

الخطوة الثّانية كانت أن يتنكّر ليسوع، ليخرج من السّجن. لكنّه لم يقع في مطبّ الشّيطان هذا، لأنّ نعمة الله حفظته. ولو لم تحفظه، لسقط فريسة خباثة إبليس. الإنسان، في كلّ حال، أضعف من أن يثبت في معركة الحقيقة. بطرس مرّ في تجربةٍ شبيهة بتجربة يوحنّا. بعدما أنكر يسوع ثلاثًا، استرسل في بكاء مرّ. ولكن، هنا أيضًا، حفظته نعمة الله، وإلاّ كان حصل له ما حصل ليهوذا الإسخريوطيّ. يوحنّا كان سليم الطّويّة، وكذلك بطرس. ونعمة الله تحفظ الأطفال، تحفظ السُّلماء في قلوبهم. أمّا يهوذا الإسخريوطيّ، فسقط في تجربة إبليس، وقتل نفسه، لأنّه بلغ حدّ اليأس. من دون نعمة الله، الإنسان يائس. ولكن، الرّبّ يحفظ الأطفال في قلوبهم، يحفظ ذوي النّيّة النّقيّة. لذا، كان علينا أن نعمل، في كلّ حين، على تنقية نوايانا. بنقاوة النّيّة، ننحفظ بنعمة الله من خطيئةٍ عظيمة. اليأس، في نهاية المطاف، هو الخطيئة الكبرى، وهو الجبّ الّذي يسعى الشّيطان لأن يوقعنا فيه. يوحنّا، عندما كان في السّجن، ومرّ في تجربة الشّكّ، قال كلامًا أبان ضعفَ نفسه. ولكن، لأنّه حفظ الأمانة لله، في مستوى النّيّة أوّلاً، وفي مستوى الفعل قدر طاقته، بات مستعدًّا لأن يقبل أن تُقطَع هامته. النّعمة الإلهيّة هي الّتي فعلت ذلك. ولولا هذه النّعمة، لما كان يوحنّا قادرًا على أن يقدّم هامته. إذًا، “بالنّعمة أنتم مخلَّصون”، وذلك ليس منكم، هي عطيّة الله”.
المهمّ، في سعينا، كلّ يوم، إلى وجه الله، أن ننقّي نوايانا، وأن نحذر اليأس، لأنّ الشّيطان يأتي دائمًا ليقول لنا: “لا خلاص له بإلهه”. هذا ما قاله، في كلّ حال، بلسان العابرين الّذين وقفوا عند صليب الرّبّ يسوع، وقالوا له: “إن كنتَ أنت ابن الله، فانزل الآن عن الصّليب، لنؤمن بك”، وكأنّهم كانوا يقولون له: “أنت لست ابن الله، والله تخلّى عنك. إذًا، بإمكانك، بل عليك أن تيأس”. الشّيطان كان يقول له إنّ عليه أن ييأس! وهذا ما يسعى لقوله لكلّ واحد منّا في سعيه. لهذا السّبب، ننقّي أنفسنا ونوايانا، في كلّ حين، ونذكّر أنفسنا دائمًا بالقول المزموريّ: “الرّبّ يرعاني، فلا شيء يعوزني”، و”إلى الرّبّ صرخت في ضيقي، فاستجاب لي، ومن جميع أحزاني نجّاني”. مَن ثابر على ذلك، ولوكان ضعيفًا، ولو مرّ في تجارب، فإنّ النّعمة تحفظه، ويكون مستعدًّا، في نهاية المطاف، لأن يقدّم هامته إلى الرّبّ يسوع، لكي يصير الرّبُّ يسوع وحده هامة الجميع.آمين.

عظة حول متّى11: 2 – 11، الأربعاء 24 شباط 2010