الأرثوذكسية: نظرية أم علاج؟

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

علم اللاهوت الأرثوذكسي هو صوت وكلمة الكنيسة الأرثوذكسية. ليس علم اللاهوت الأرثوذكسي ولا الكنيسة الأرثوذكسية نظريات، ولكنهما وسائط للشفاء. بمعنى أن الكنيسة هي مستشفى روحي، وعلم اللاهوت الأرثوذكسي، الذي هو الإعلان عن الله ومعرفته، يعرف كيف يشفي الناس.

1- ما هي الأرثوذكسية؟

لكلمة أرثوذكسيةمعنيان: العقيدة المستقيمة عن الله وكل الحقائق الخاصة بالإنسان وخلاصه، والتسبيح المستقيم لله الثالوث القدوس. هذان المعنيان مرتبطان ببعضهما البعض بشدة. فلكي نستطيع أن ننشد تسابيح الرب ينبغي علينا أن نعرف من هو الله. فمثلاً لو كان لدينا انطباعاً أن الله ليس مثلث الأقانيم ولكنه فكرة مجردة أو قوة خفية تحكم كل شيء، لكنا عندئذ نقدم العبادة لهذا الإله المجرّد. وحيث أن هذا الإله المجرد غير موجود في الواقع، تكون عبادته أيضاً تجريدية وغير شخصية. يقر القديس يوحنا الدمشقي في إحدى عظاته عن التجلي حقيقة أن الأرثوذكسيين هم فقط الذين يحتفلون بالأعياد ويحافظون عليها، لأن الأعياد ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة الحقيقية. “من لديه الأعياد والاحتفالات؟ من لديه البهجة والتهليل سوى أولئك الذين يخافون الرب ويعبدون الثالوث؟“. يستطرد القديس مؤكداً: “إن كل السعادة البهيجة والفرح هما لنا (كمسيحيين أرثوذكسيين). لقد صنع الله الأعياد من أجلنا، فهي ليست من أجل أن يتمتع بها غير المؤمنين“. ينتمي فرح وبهجة الأعياد للمسيحيين، الذين هم مؤمنون بحق، وليس لغير المؤمنين.

حيث أن عبادة الله ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة عن الله، بذل الآباء القديسون مجهوداً كبيراً لكي يحافظوا على الإيمان. عندما يشوَه الإيمان، يشوَه الخلاص أيضاً. عندما يفسد الإيمان، تفسد أيضاً المحبة والرجاء وكل الفضائل الإنجيلية الأخرى. يرى القديس مكسيموس المعترف أن الإيمان بالمسيح يولد المخافة، والمخافة تولد ضبط النفس، وضبط النفس الكامل يؤدي إلى الفضائل مثل الرجاء والصبر والاحتمال. يولد الرجاء بالرب اللاهوى، ومن اللاهوى يولد الحب. من الواضح من ذلك أنه عندما يتأثر الإيمان تتأثر على الفور باقي الفضائل أيضاً، وعندئذ يصبح الإنسان غير قادر على اكتساب اللاهوى الحقيقي والحب الأصيل. يحث القديس مكسيموس قائلاً: “فلنحفظ العلاج الأول الأعظم لخلاصنا الذي هو ميراث الإيمان الصالح“. الذي لديه إيمان مطلق بالمسيح يمتلك مجموع كل مواهب النعمة الإلهيةكما يقول القديس مكسيموس. بالطبع ليس أن يكون المرء أرثوذكسياً تقياً مؤمناً هو مجرد كلمات، ولكنه طريقة حياة. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي:”لا تكمن تقوانا في كلماتنا ولكن في أعمالنا“. يعطينا الثبات في الإيمان الأرثوذكسي إمكانية الخلاص.

بمعنى أشمل، نستطيع أن نقول أن وصايا المسيح تظهر لنا طريق الحياة الطبيعي الكامل. عندما يصف الطبيب العلاج يكون في ذهنه تصوراً عن شخص سليم تماماً ويهدف إلى قيادة الشخص لهذه الحالة، هكذا أيضاً تعمل وصايا المسيح بنفس الطريقة. يرينا الإيمان الأرثوذكسي المنهج، منهج الشفاء، بحيث نصل إلى الصحة الروحية ونعبد الله بحق. عندما يشوه الإيمان، تشوه أيضاً وسائط وطرق العلاج. نستطيع ملاحظة ذلك في الطوائف المسيحية الأخرى وفي الديانات الأخرى.

يكمن الفرق الرئيسي بين الأرثوذكسية والطوائف والديانات الأخرى في كيفية شفاء الناس. لدى الأرثوذكسية نظام علاجي متكامل. فهي تدرك حالة الشخص الصحية، وترى جراحاته بوضوح وتوصي بالطريقة المثلى للعلاج. عندما يتغير الإيمان، يتغير أيضاً العلاج المقدم للناس. ولأنهم لا يستطيعون أن يحصلوا على الشفاء فإنهم لا يقدرون على الدخول في علاقة حقيقية مع الله وفي شركة معه.

2- الآباء القديسون

يشير الآباء القديسون إلى هذا النظام العلاجي ويصفونه. لقد جاهدوا للحفاظ على الإيمان لكي يحافظوا على منهج العلاج هذا، الذي هو المنهج الذي يحقق به الإنسان الشركة مع الله. وفي رأيي الشخصي، تكمن هنا القيمة الحقيقية للأدب الآبائي.

كان الشعار السائد من عدة سنوات مضت هو عودة إلى الآباء!”. لأننا فشلنا بمنطقنا البشري الخاص، أدركنا أنه ينبغي علينا أن نعود للآباء القديسين. إلا أنه مؤخراً وجدت تحفظات على هذا التوجه بحجة أنه قد يمثل نوعاً من العودة للماضي، وهكذا تم وضع شعار آخر وهو: “إلى الأمام مع الآباء!”. مع ذلك، حتى هذا الشعار لا ينقل بصورة مطلقة حقيقة الكنيسة. شعار عودة إلى الآباءغير صحيح لأن الآباء هم أبناء الكنيسة الذين وصلوا للاستنارة والاتحاد بالله، وبالتالي كانوا قادرين على تجسيد خبرة الكنيسة. تلد الكنيسة الآباء وتجعلهم على ما هم عليه؛ وليس الآباء هم الذين يصنعون الكنيسة. يوجد أناس اليوم وصلوا للاستنارة والاتحاد بالله ويستطيعون التكلم عن مسائل تخص معاصرينا. كل حقبة آبائية هي حقبة للكنيسة؛ أو بتعبير أدق، هي تمثل حياة الكنيسة. أما بالنسبة لشعار:”إلى الأمام مع الآباء!” فهو ربما يشير لكبرياء الإنسان وخطورة تفسير الآباء بواسطة معلقين ضالين يختزلون لاهوت الآباء وحياتهم إلى تأمل عقلي وارتجال. خطة العمل السليمة هي طاعة الآباء المتحدين بالله العائشين اليوم، الذين هم حاملون حقيقيون لحقيقة الإعلان المحفوظ في الكنيسة.

مع الأسف، نشهد في هذه الأيام تحول الأرثوذكسية إلى نظريات. فالحقائق الهامة عن الحياة تحولت إلى مجرد أفكار بين أفكار أخرى كثيرة، وتُقَدَم المسيحية كفشل غير فعال وضعيف جداً لكي يستجيب لمتطلبات عصرنا. يمقت العامة من الأرثوذكس، الذين يتلقون الأمور بطريقة أرثوذكسية، هذه المحاولة لاختزال الأرثوذكسية إلى نظريات غير مرتبطة بالحياة.

لا يرى العديد من الناس الآباء كأناس أحياء ولكن كمعروضات في متحف، لدرجة أنهم يدرسون الآباء ويقتربون منهم بطريقة عاطفية أو عقلية. حتى أولئك الذين لهم ذهن وطريقة حياة غربية مازالوا يدرسون الآباء. إلا أنه كما أكد المسيح: “لا يجعلون خمراً جديدة في زقاق عتيقة بل يجعلون خمراً جديدة في زقاق جديدة“(مت17:9). ينبغي على طريقة تفكير المرء أن تتغير تماماً لو أراد أن يتذوق خمر المسيحية الجديد. هذا التغيير يسمى توبة. لا يستطيع من له ذهن منطقي أو توجه عاطفي، الذي أعماله غير أرثوذكسية، أو ممارساته مضادة للكنيسة أن يحصل على روحالآباء القديسين. تطهرنا التوبة العميقة غير السطحية من كل شيء عتيق، وتنقذنا من فساد الحياة الساقطة، ومن كل ضلالات الإنسانية الساقطة.

ينبغي علينا أن ننظر للكتابات الآبائية وللعهد الجديد على أنها نصوص علاجية تشفي الناس. ولكن لننظر لها أيضاً على أنها ثمرة للشفاء، وليس كفرصة لإعطاء انطباع لاستثمار أحدث صيحة وتوجه. سوف يجعلنا تحولنا داخل الكنيسة الأرثوذكسية أرثوذكسيين في كل من الإيمان والحياة. إنه سوف يشفينا بحيث نصبح قادرين على تقديم عبادة حقيقية لله.

Leave a Reply