لقاء المراهقين مع الله

المتقدم في الكهنة ألكسندر أوفتشارنكو

نقلتها إلى العربية علا مقصود

في سني المراهقة يجد الفرد نفسه على مفترق طرق: إنه يعيد تقييم ما قد علّمه إياه والداه سابقاً، يبحث عن طريقه الخاص، ومقاربته الخاصة للحقيقة. كيف يمكن أن نتحدث إلى الشبيبة عن الكنيسة؟ كيف نجد الكلمات المناسبة ولا نجعلهم ينفرون؟ كيف علينا أن نتهيأ روحياً لهذا الحوار غير السهل؟

كيف نحدّث الأولاد عن الكنيسة؟.. إن لم يكن هذا ممكناً مع الأطفال الصغار، فمع المراهقين هناك حاجة إلى مقاربة خاصة. بدون شك ليس هناك وصفة، والحمد لله! نحن جميعاً مختلفون، وأولادنا جميعهم مختلفون. لذلك علينا أن نقارب كل شيء بتمييز. فكل ما يُقال أو يُفعَل بدون تمييز قد يقود إلى نتائج روحية مفجعة. ما من فضيلة دون تمييز.

في مباشرةِ حديثٍ مع المراهق على الوالد أو البالغ أو الكاهن قبل كل شيء أن يجد نفسه وكأنه واقف أمام الله في سر الاعتراف أو في دقائق الصلاة الصادقة القليلة وأن يشعر بحضور الله. (طبعاً هذا يتوقّف على الظروف والتوقيت والحدث الذي قاد إلى هذا الحوار). وهذا أمر يجب تذكُّرُه. عليّ أن أتذكر من أنا في الواقع بدون أقنعة وهذه هي الحالة التي يجب أن أكون عليها قبل بدء الحوار مع الأولاد. سواء طوعيأ أو كرهيّاً كلنا نرتدي العديد من الأقنعة، المدرّسون، القادة، المبتدئون، وذوو الخبرة والخ. هذه الأقنعة، هذه التنكرات هي ملابس كاذبة لشخصياتنا.. يشعر المراهقون بهذا التزييف بسهولة وبسرعة. من الأساسي أن تحمل لحظات الحوار صفات الصدق والاهتمام والألم، لا لأنفسنا بل لهم! فالفرق كبير!

إن الإيمان عند الأولاد لا يزال إيمان أبي وأمي، لأنه ينبغي أن يملكوه حتى لا يُوبّخوا، أو (في سنوات المراهقة) يبتعدون بقوة التعطيل إذا كانوا اعتادوا الذهاب إلى الكنيسة منذ الصغر. لم يعقدوا بعد اللقاء الشخصي، هذا اللقاء الشخصي الأول والوحيد، اللقاء الرائع الذي يجب أن يحصل في حياتهم. إنه حدث حصري ونادر ويمكن القول أنه حدث وبدون شك يمكن تقييمه فقط كعمل نعمة، خاصة عندما نرصد إيماناً حقيقياً وراسخاً وحياً في أطفال مقدسين.

من الصعب جداً التحدث عن الإيمان للأطفال وخاصة للمراهقينفإنهم أشخاص خاصون، معهم لا يمكننا الحديث لمجرد المرح أو استخدام العلامات والصور الجامدة. بعد دقيقة واحدة من الضجر سيصبحون في عالم آخر، وبعد خمس دقائق سيهربون منا بعيداً. لكن هذا لا يعني أنه يجب علينا أن نلعب معهم ونسليهم. أكرر: ما يؤثّر هو الصدق وحده، واحترام الشخص الذي نتحدث معه (وأشدد على الاحترام)، وأقول حتّى قبوله كشخص مساوٍ لنا في الحوار وليس كطفل غبي سيكون ذا تأثير.

بدايةً علينا ترسيخ علاقة مشتركة، وبعدها فقط نرسّخ عملاً مشتركاً (لأنه علينا ترسيخ علاقة بشرية خاصة باتجاه إقامة حوار ناجح). وكل واحد لديه شخصيته الفريدة. يجب ألا نعدد الأخلاق الحميدة لهم. الوعظ غير المناسب أو المبالغة بالحديث عن المعتقدات الدينية تنفّر المراهق من الكنيسة والله. الكلمات يجب أن تكون بسيطة وسهلة التلقّي. السيد المسيح خاطب تلاميذه والناس بأمثال يمكنهم فهمها. إذا استمرينا بمخاطبته بكلمات الإنجيل فإن غريزة الحماية الذاتيةفي عالم المراهق ستبدأ بالتدخل. لكن إذا لم نجبره أو نضغط عليه فإننا نعطيه بهذا فرصة الانفتاح و ملاقاتنا في منتصف الطريق. لا ينبغي بنا أن نسوق الأولاد إلى الملكوت بل بالأحرى علينا أن نكون أصدقاء لهم. سيكون من الجيد أن نكتشف اهتماماتهم ومشاكلهم. وهذا يبدأ كحديث بسيط من القلب إلى القلب. من ثمّ سوف يكون هناك الكثير من الجسور التي توصل إلى الحديث عن الواحد الذي نحتاج“.

ومن الأفضل ألا نجترّ الحديث، الأفضل أن نعطيهم غذاءً روحياً من القلب ونتركه، أي أن نعطي الشاب الفرصة ليفكر بذلك بنفسه، أن يعاني ويتأمل ويصل إلى نتائجه. بالطبع إنّ توجيهه إلى المسيح هو فنّ، لكن ليس هنالك من طريقة أخرى. إذا أردناهم فعلاً أن يصبحوا مؤمنين حقيقيين علينا أن نجازف. لكن هذا هو الحال في كل شيء. علينا دائماً التمييز بين أعمارهم وهذا مهم جداً. كما ينبغي التمييز بين الشاب والفتاة لأن هذا يشكّل فرقاً كبيراً. يوجد نقاط محددة. علينا أن نتفهم حقهم بالاختيار والأخطاء. الله نفسه منحهم هذا الحق في تكوين نفوسهم الحرة والفريدة. هذا من البداهة.

بشكل عام إن أي حديث عن الإيمان يجب ألا يبدأ بمواضيع لاهوتية بل بقلب صالح. هل تذكرون كلمات القديس بولس الرسول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس؟ لكِنْ لَيْسَ الرُّوحَانِيُّ أَوَّلاً بَلِ الْجسداني، وَبَعْدَ ذلِكَ الرُّوحَانِيُّ” (1كورنثوس46:15). على سبيل المثال: كُسرت كأس. الأولاد يلعبون. بعد ثانية واحدة سيتجه نظر الطفل للبحث عن دعم له. قبل لحظة واحدة كان سعيداً وبريئاً (المزمور الخمسين ليس ملائماً لهذه الحالة). لكنه الآن قلق، ليس مرتعباً بعد لكنه يترقب.. ماذا يترقب الطفل؟ ماذا سيسمع منا؟ هنالك بالحقيقة احتمالان اثنان فقط. الأول غضب والديه وسخطهم وثم عقابهم له ونتيجة لذلك الخوف والعجز في الأفكار والمشاعر، ما يؤدّي في المستقبل إلى الضعف في النفس، من دون أي استنتاجات. جميعنا متسرّعون في عقاب الأولاد، وكقاعدةٍ نعاقبهم لا من أجل مخالفة أخلاقية كالكسل والكذب واللؤم والجبن، بل لأنهم أفسدوا علينا استرخاءنا أو لأننا فقدنا شيئاً. ما هو الاحتمال الثاني؟ إنها لفرصة رائعة للبالغ أو للوالد في هذا المثال العفوي في الحياة. كيف نحدد الأولويات؟ علينا أن نأخذ المنفعة منهم ونريهم ما هو الأهم. مثلاً الولد الأصغر هو من كسر الكأس، والأخت الأكبر نظفته، علينا أن نقترح على الولد الأصغر أن يشكر أخته ويعطيها قبلة على خدها، وبذلك لا يكون عليه أن يخشى من الاعتراف بخطئه وتصحيحه. يمكننا تعليمه أنّ عليه أن يكون حذراً باستخدامه للأشياء وعليه أن يحافظ على ضميره نقياً من ناحية الله والناس والأشياء، وطبعاً هذا ينطبق أكثر على الأولاد الأكبر سناً. وللأولاد الأكبر سيكون مثالاً جيداً عن المحبة ومساعدة الآخرين، كما أنه أيضاً تمرين: لا تحصِ حسناتك وأفعالك الصالحة. إن الكأس هو مسألة صغيرة لكن يمكن أن تحصل من ورائها فائدة عظيمة.

في أية حال، ما يهم المراهق ليس رفقتك بل رفقة أصدقائه هو، وعليك أن تدرك أن هكذا هي الأمور. هذا واضح. يجب أن يكون حديثنا من القلب إلى القلب وعندها لا يمكن للشاب إلا أن يشعر بهذا ويقدره. لا يمكننا إرغامهم على عدم ارتكاب الأخطاء أو الخطايا. هذا مستحيل بالمبدأ. إنهم يتصرفون مثل حواء غير الخبيرة، قليلة الانتباه، والواثقة بنفسها. إنهم يعتقدون أن العالم كله مطروح عند أقدامهم، ويريدون أن يجرّبوا الخطيئة بأسنانهم. بأية حال، أن تبصق على شيئ ما هو أمرٌ أوّل، بينما الوصول إلى الثمرة التالية هو أمر آخر. هنا يمكننا أن ننجح في بناء أساس وعمود فقري سيكون يوماً ما الدعم لأولادنا؛ ونرجو أن خيارهم سيكون الصلاح والفضيلة.