أسرة التراث الأرثوذكسي

إن الضجة التي أثارها مؤخراً انتشار إحدى أغنيات فرقة “مشروع ليلى” على مواقع التواصل الاجتماعي وغيره من أنواع الإعلام، لا بد أنها وصلت إلى الأكثرية من أبنائنا. لذا من المهم أن يُعرَض موقف الكنيسة حتى لا يُترَك أبناؤها عرضةً للفكر الدعائي.

ليست القضية قضية موقف من الموسيقى بشكل عام، ولا هي كما يحاول البعض تصويرها بأنها قراءة مجتزأة لإحدى الأغنيات، أو موقف مسبَق من سلوكيات المغنين. إن استعمال الرموز الكنسية في الفنون قد يغنيها ويباركها، كما قد يعكس مسعى تدنيسياً لهذه الرموز وإخراجاً لها عن إطارها التقديسي في الكنيسة وعبادتها وحياة أبنائها.

على سبيل المثال، إن استعارة صور المعمودية والصليب منتشرة في الآداب والموسيقى الراقية لتصوير المعاناة والشهادة وغيرها، ولم يعترض أحد يوماً، لا الكنيسة كجماعة ولا المؤمنون كأفراد. لم نقرأ لا في الشرق ولا في الغرب إدانة يوماً لهاندل أو راخمانينوف، ولا حتى لمحمود درويش أو بدر شاكر السياب أو خليل حاوي، وكلهم أعمالهم متخمة بالصور الإنجيلية التي يظهِرون من خلالها معاناة البشر ويسهِمون بشكل أو بآخر بإيصال هذه الصور ومعناها إلى أشخاص لم يلجوا كلياً إلى الكنيسة ليعيشوا هذه المعاني من الداخل.

لكن هذا التعليم بالصور ليس كافياً كما يعلّم آباؤونا القديسون. تاريخياً، كان هناك في الكنيسة مواقف مختلفة في الحدة من الموسيقى واستعمالاتها التربوية في تنشئة أبناء الإيمان. ففي مطلع العصور المسيحية نجد تشدداً عند الآباء والكتاب المسيحيين في رفض الموسيقى الوثنية والمسارح حتّى أن عدداً من القوانين وضعتها المجامع المسكونية تحرّم على المؤمنين حضور الحفلات والمشاركة في المسارح، إذ كانت هذه الحفلات لا تخلو من الوثنية وغالبية المسارح أماكن لممارسة الإباحيات التي كانت جزءاً من العبادات الوثنية.

في العصور الأولى المسيحية، عاش الآباء والمعلمون المسيحيون قلقاً كبيراً من الموسيقى لأن الخط الفاصل بين المسيحية والوثنية كان دقيقاً جدًا ومتميّزًا وملموسًا للغاية. وقد كان الآباء والمعلمون يجدون في الموسيقى الشعبية واحدة من المناطق الرئيسية التي يظهر فيها أثر مخالب الوثنية. لهذا نجد عند ترتليان وإكلمندوس تعليماً قاسياً في الانقطاع عن الموسيقى بينما تصبح اللهجة أقل عنفاً عند القديس يوحنا الذهبي الفم حيث يورد تحذيرات جدية من الموسيقى وينصح بتربية الأولاد على الترتيل والمزامير بدلاً عنها.

ويستمر هذا التطور في نظرة التربية الكنسية إلى الموسيقى حتى نصل في القرن العشرين إلى موقف متقدم يقبل الموسيقى والفنون في تربية الولد المسيحي.

نورد هنا مقتطفات من الأب سارافيم روز، وهو من اللامعين في القرن العشرين، فيقول: “الولد الذي يتعرّض منذ سنواته الأولى للموسيقى الكلاسيكية الجيدة، ويرى روحه تنمو بها، لن يكون معرّضاً لإغراء إيقاع موسيقى الروك وغيرها من الموسيقى المعاصرة ورسائلها… إن الولد الذي تربّى على الأدب والدراما والشعر الجيد، وأحسّ بفعلها على نفسه، لن يصير بسهولة مدمناً على الأفلام المعاصرة وبرامج التلفزيون والقصص الرخيصة التي تتلف النفس وتبعدها عن الطريق المسيحية. إن الولد الذي تعلّم أن يرى الجمال في الرسم الكلاسيكي والنحت لن يميل يسهولة إلى شذوذ الفن المعاصر ولن يكون مشدوداً إلى منتَجات الدعاية والإباحية المُبَهْرَجة. إن الولد الذي يعرف شيئاً عن تاريخ العالم، خاصة الزمان المسيحي، وكيف عاش الناس وفكّروا وما هي الأخطاء والعثرات التي وقعوا بها في ابتعادهم عن الله ووصاياه، والحياة المجيدة النافِذة التي عاشوا في التزامهم به، سوف يكون قادراً على التمييز في حياة عصرنا وفلسفته، ولن يميل إلى اتّباع أول فلسفة أو طريقة حياة يلتقيها… في معركتنا ضد روح هذا العالم يمكننا أن نستعمل أفضل ما يقدمه لنا العالم لنتخطاه…”.

هذا التعليم إنما يشير إلى أن موقف الكنيسة كان وما يزال رعائياً تربوياً لا يرفض ما خلقه الله إنما يقبله كلّه في الإطار الذي وضعه الخالق فيه، وبالتالي يرفض الأطر التجارية والفلسفية الساقطة التي يرغب ضد المسيح في فرضها على أتباع المسيح عن طريق تسميم الفنون وتأليه العلوم وفرض مبادئ تخالِف الإنجيل وتعليم الرب عن طريق تشريع الشذوذ في كل شيء، من الفكر إلى الجسد وصولاً إلى مختلف نشاطاتهما.

ختاماً، موقف ابن الكنيسة واضح في مقاطعته لكل النشاطات التي تسيء استعمال الكون وما فيه بطرق لا تساهم في تطويره وتقديسه. وضمن هذه النشاطات يأتي كل ما يقلل من احترام الكنيسة أو المجتمع، أفراداً وجماعات وقيم إنسانية. من أخطر ما تواجهه الكنيسة اليوم، وهو ظاهر في التعاطي مع الضجة الناتجة عن حفلة “مشروع ليلى”، أن البعض بحجة حرية التعبير يطالب الكنيسة بالسكوت.

ليس المجال كافٍ هنا لشرح مسهَب لكن حرية التعبير تقف عند الإساءة للآخرين. ومَن لا يرَ في ما نُشِر إساءة للمسيحية، ومَن يتحذلق بالدعوة إلى قراءة العمل ككل ومن دون تجزئة، هو في العدلِ متعامٍ عن الحقيقة ومتعاون مع الشرير ومكابر في الخطيئة، لكنه يبقى في الكنيسة مثلنا مدعو إلى التوبة.

* عن نشرة الكرمة، الأحد 11 آب 2019