النضال من أجل حياة العائلة

النضال من أجل الحياة العائلية

سيرافيم، أسقف أوتاوا وكندا (OCA)

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

أُعطيت الحياة العائلية اهتماماً كبيراً في وسائل الإعلام مؤخّراً، وبالواقع أصبحت “القيَم العائلية” جزءً من الكثير من برامج الأحزاب السياسية… هذا وللرعية دور مهم تلعبه في تقوية العائلة الأرثوذكسية ودعمها…

على مثال أغلب الأمراض الاجتماعية في أيامنا، مشكلة فساد العائلة لن تُحَلّ بمجرد التربية والإعلام والبرامج والقوانين، بالرغم من كون كل هذه عناصر بنّاءة. وكما هي الحال دائماً، الشفاء موجود في قلوب الذين يشكّلون العائلة نفسها. التوبة هي كلمة السر.

المناخ الاجتماعي لعائلاتنا الأرثوذكسية بعيد جداً عن أن يكون مساعداً. قد يكون أفضل وصف هو أنه عامل تآكل فعّال. إذا تأمّل المرء كثيراً في هذا المناخ المزعج فقد تبتلعه عاصفة من التجارب مما يؤدي إلى إحباطه وقد يصل إلى اليأس. أن تسلك العائلة الأرثوذكسية بطريقة بنّاءة إيجابية مُحِبَّة معطية للحياة، أمر يتطلّب صلاة وتصميماً ونظاماً لا بل يتطلّب ما يشبه الموقف التبشيري.

مع هذه الأمور نصب أعيينا، أريد أن أتأمّل في هذا المناخ الاجتماعي الذي نعيش فيه، وهو بالحقيقة عاصفة من التجارب. إنها بيئة نسيت الله أو رفضته وهي على مثال الشيوعية قائمة على قاعدة المادية. كل يوم، تحثّنا عناصر حياتنا على النجاح المادي: العمل، المدرسة، الراديو، التلفاز، الإنترنت، الجرائد، المجلات، وحتى جيراننا. جني المال  والسلطة وتحصيل ما هو أفضل مما عند الآخر هما المحرّكان الأساسيان للحياة اليومية. التنافس هو النسيب الأقرب. الخداع شيء يُشجَّع عليه. في مكافحتهم للحصول على الأفضل بأقل ثمن، وفي أفضل الأحوال بلا ثمن، يسحق الناس بعضهم البعض. المتطلبات المادية جعلت البشر عبيداً للتكنولوجيا، وارتفعت كلفة الحياة في السعي وراء الراحة إلى درجة أن العائلات التي لا يعمل فيها الوالدان معاً قليلة جداً. يجد الأهل والأولاد أنفسهم معاً يجاهدون تحت أحمال ثقيلة من المتطلبات اليومية. الإرهاق والقلق منتشران بشكل عام. العائلات تتفكك وأغلب الناس في وحدة. إنها عواصف من التجارب.

إن لبّ بيئتنا المادية المعاصرة هو الإصرار على أننا، نحن البشر، الأعظم والأفضل والأذكى وأن بإمكاننا أن ننهي ما نشاء. نحن نقنع أنفسنا أننا قادرون على فعل كل شيء، وأن كلاً منا هو قبطان نفسه ومرشد قَدَره. نحن نظن أننا نسيطر على كل شيء. نحن نفتكر أنه إذا خرجت الأمور عن السيطرة، فكل ما نحتاجه هو إيجاد برنامج آخر أو معالجة الأمور بطريقة صحيحة وتعود الأشياء إلى نصابها. وهكذا نحن نبحر معصوبي الأعين فوق عواصف من الإغراءات.

إجمالاً، يوجد في المجتمع هروب من الواقع يسعى إلى تخفيف أثر إبحار سفينة الرفض وألمه. أن يكون لكل فرد من العائلة غرفته التي فيها ينفرد لا بل يعتزل عن الباقين هي ظاهرة ذات دلالة. البعض يطلب العزاء في التلفاز أو بعض الأشكال الأخرى من التسلية السمعية-البصرية، البعض الآخر يسافر، وغيرهم يفرّ إلى phantacy بشكل أو بآخر فيما يلتمس البعض العزاء في بعض أشكال الانغماس في الشهوات الحسية.  يأخذ آخرون طريقاً أخرى من الهرب عن طريق العيش بطريقة زائفة، محاولين بناء حياة في مكان آخر أو عصر آخر أو حضارة أخرى. كثيرون يذهبون أبعد من ذلك: إلى الخَدَر من الحياة في الكحول أو المخدرات. البالغون والأولاد على حد السواء هم تحت ضغط قوي من نظرائهم ليتكيّفوا مع سباق الفئران هذا. عواصف التجارب تتقاذَف سفينة الرفض المثقوبة.

إذا كنا نرغب بصدق في أن نبدأ بصنع التغيير في حياتنا وحياة عائلاتنا، علينا أولاً أن نرفض طرح الملامة على غيرنا بسبب الخطأ وأن نتحمّل مسؤوليتنا. في هذا، في هذه السيطرة، أول خطوة، وحتى قبل تحمّل المسؤولية، هي الاستدعاء الضروري لمعونة الرب. نحن لسنا بالواقع ممسكين بزمام كل شيء في حياتنا، ولوحدنا لا نستطيع أن نقوم بكل شيء أو ننجزه. نحن بحاجة لمعونة الله.

عندما نستدعي الرب، نبدأ بإدراك كيف قد أُخذنا بالكذبات المتنوعة حول ما هو ضروري في الحياة. إن عند هذه النقطة المحورية التي هي نقطة التحول، نقطة التوبة، نبدأ بتحويل المدّ الذي كان يدفعنا، أو يجرّنا، أو يقذفنا. نحن لسنا قباطنة أرواحنا ولا ملاّحي أقدارنا. كل حياتنا مترابطة ضمنياً، وما يفعله كلٌ منا وما هو عليه يؤثّر على كل شيء وكل شخص في كل مكان. ما أن نبدأ بالنظر إلى ما وراء خداع المادية وحب الكسب والاستهلاك، حتى نبدأ بإدراك أننا بالفعل لا نحتاج كل ما يقولون لنا أنه ضرورة، وبأننا نستطيع العيش سعداء بأقل من هذا بكثير، وبأننا لسنا ملزَمين على أن نعيش موجَّهين بالكسب المستمر، وبأننا لسنا بأي شكل “مخلوقين للشراء”.

ما أن نصل إلى هذه المعرفة، حتى نبدأ بالاعتراف بأنه بسبب انحدارنا إلى هذه الاكتسابية النهمة، قد ساهمنا في إساءة معاملة الكائنات البشرية وبيئة العالم، وما هو أسوأ، أننا بذلك رفعنا الطعام بشكل فعّال عن مائدة الجائع حيثما كان لكي نؤمّن طلباتنا. هذا النوع من الإدراك ضروري بشكل خاص، ليس فقط لأنه صحيح، بل لأنه يساعدنا دائماً على طرح السؤال: “هل أنا فعلاً أحتاج لهذا؟” إن هذا الإدراك هو جذر التوبة هو أساس التغيّر نحو الأفضل في حياة الشخص والعائلة والرعية.

إلى أين يقودنا هذا في عائلاتنا الأرثوذكسية؟ نحن بحاجة إلى أن نتوقف عن معاملة أحدنا الآخر، في عائلاتنا وفي رعايانا، وكأننا سِلَع. إذا كنّا صادقين فسوف نعترف حالاً بأننا فعلنا هذا. البشر هم كالأيقونات: قيمتهم هي في مَن هم، وليس في ما هم أو كم يعرفون ومَن يعرفون أو كم هم جذّابون أو كم يحصِّلون. وهكذا نحن نحتاج لأن نبدأ مجدداً في معاملة أحدنا الآخر بمحبة لطيفة صبورة حاضنة، كمثل أزهار ونباتات رقيقة في حديقة نريد أن نرعى تفتُّحها وثمرها. لقد شجّعت الأرثوذكسية هذا دائماً، وهناك قصص كثيرة عن أشخاص أتقياء عاملوا البشع والمريض والمحروم والمشوَّه كأزهار جميلة وكظهورات للمسيح.

نحن نعتبر هؤلاء الأشخاص قديسين. إن جذور حسن ضيافتنا هي في معاملة البشر جميعاً بدون تمييز كمثل أيقونات المسيح التي هم عليها. وهذا الأسلوب في إدراك الآخرين هو أيضاً نبع استعدادنا لأن نعطي حسنات وأن نكون كُرَماء مع المستعطي من دون أن نسأل أسئلة. إنه نبع الاهتمام الصحيح لقريبنا حيثما كان هذا القريب وبغض النظر عن كيف يتصرَّف هذا الأخ.

تحتاج العائلات الأرثوذكسية لأن تتجذّر في محبة المسيح. إن هذه المحبة هي نبع الحياة والقوة حين تقف العائلات مقاومة مدّ المادية. هذا التجذّر في محبة المسيح، هذه التربية، بحاجة لانتباه ثابت. إنه يتطلّب يقظة، لأنه وإن يكن صعباً ما فيه الكفاية على إنسان راشد أن يقف كما ينبغي أن نقف، فهو أكثر صعوبة على ولد أو فتى عندما يكون أترابه بلا رحمة في مقارباتهم وتعليقاتهم.

على الأهل إذاً أن يقوموا بجهود حقيقية لكي يقودوا أولادهم بالمثال وليساعدوهم من خلال محبتهم للمسيح والقديسين، وليجدوا هذه المحبة نفسها وهذه القوة نفسها في الحياة. كل واحد يلتقط محبة الله ولا يتعلمها، مع أن بعض التعليم قد يفيدنا أن نعلمه فنوجّهه ونحسّنه. هذه المحبة هي الصفة الشاملة لعلاقتنا مع المسيح، تماماً كما أنها هي ما ينمّي شخصياتنا المتمايزة وصفاتنا الشخصية. هذه المحبة تعطي القوة لمواجهة كل صعوبة، تزوّد بالرجاء، تهزم الإغراءات، تقهر الخطيئة، وتعيش في حرية المسيح.

بعض أشكال الصلاة القصيرة اليومية ضروري في عائلاتنا صباحاً ومساءً، وغيرها أيضاً، حتى ولو لدقائق قليلة جداً. علينا يومياً أن نعزّز العادات المسيحية الحسنة: مباركة الطعام وشكر الله عنه، مباركة العائلة عند الخروج من البيت، الوقوف وجيزاً قبل السفر، مباركة الله عند النهوض من النوم وعند الذهاب إلى الفراش، وقبل أن نبدأ بالعمل أو اللعب أو مباشرة أي مشروع. علينا أيضاً أن نقرأ الكتاب المقدس يومياً وأن نشترك أقله في وجبة واحدة.

هذه العادات الحسنة تعكس حقيقة أن إيماننا الأرثوذكسي يلامس كل أوجه حياتنا، وبأنه ليس هناك أي شيء نصنعه أو مكان نذهب إليه، من دون المسيح أو من دون بركته وحمايته. تقوم قدرتنا على النمو على هذه البركة. في الاتكال على هذه البركة نحن نستطيع أن ننمو.  وبهذه البركة نحن قادرون على العيش والمشاركة في محبة المسيح.

تنمو هذه المحبة وتزدهر عندما نكون يقظين روحياً. يعلّم الأهل أولادهم اليقظة بالمثال. كما قال القديس يوحنا السلّمي والشيخ أنطونيوس الذي من أوبتينا، عندما نرى أخطاء الآخرين فنحكي وننتقد، نحن نعمل عمل الشيطان. علينا أن ننتبه من الخصومة والدينونة في أنفسنا منتبهين من الروح الانتقادية. يقول الشيخ: “ما هي أخطاء الآخرين بالنسبة لنا عندما نكون غارقين إلى أذنينا بالخطايا اللانهائية”. مستشهداً بالمزامير، يشجعنا على الطلب من الله لأن يضع حارساً على فمنا ولأن يوجّه قلوبنا بعيداً عن الأفكار الردئية. وإذا رأينا خطأً في الآخرين، علينا أن نصلّي.

أيضاً يعطي الشيخ أنطونيوس بعض النصائح الجيدة. عندما تستيقظ أو عندما تأوي إلى الفراش فلتكن أول أفكارك وآخرها لله. حييه، بارك نفسك بإشارة الصليب. انحنِ واشكر الله على كل شيء. فليكن قلبك وفكرك مستعدين وموضوعين على الطريق الصحيح بسؤالك الرب أن يعينك على أن تقوم بالأفضل اليوم. يقول الشيخ انطونيوس بأن مَن لا يبدأ كل يوم جيداً  لا يتمّ طريق السماوات. حاول أن تحفظ ترتيباً صلاتياً بصلاة حقيقية حيثما هو ممكن خلال النهار واعلم أن السيد معك مع الملاك الحارس. لا تترك نفسك تقع في الكسل المُتلِف. صلِّ، اقرأ الإنجيل أو سير القديسين. ساعد أحداً ما. حاول أن تحرس أفكارك، وتعلّم الأوجه الإيجابية للصمت. انتبه من الهذر التافه، وحاول ألاّ تكون مفرطاً في الضحك وخاصةً في الفكاهة الساخرة. لا تتخاصم ولا تحسد وكن متواضعاً في الطعام. كن خادماً للكل. تذكر حتمية الموت واحفظ قلبك للرب. أحبّ خليقته، البشر وكل الحيوانات والأشياء. وختاماً عِش كل يوم خطوة خطوة واضعاً كل شيء في يدي الله تماماً كما علّمنا هو.

في النهاية، إذا كنا يقظين أفراداً وعائلات، إذا كنا أمناء، إذا ثابرنا متشبثين بيد المسيح مخلصنا، سوف نجد أننا، كمثل الرسول بطرس، سوف لن  تهزمنا عواصف التجارب، بل سوف نبحر بأمان في سفينة الكنيسة إلى ميناء الأمان حيث الفرح السماوي.

Leave a comment