الميتروبوليت كاليستوس وير

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

حول الكتاب

الكتاب هو مقابلة أجراها مايكل وكاتينا ميخائيل في اوكسفورد، بريطانيا، في 20 تشرين الأول 2014. بعد تفريغها راجعها الميتروبوليت ووافق على صدورها في كتاب في 18 تشرين الأول 2016. الأسئلة أعدها مايكل ميخائيل وهو استاذ مشارك في قسم الكومبيوتر وتكنولوجيا المعلومات من جامعة وولونغونغ في أوستراليا وحائز على عدد من الشهادات ومن بينها اللاهوت. كاتينا هي زوجته وهي أستاذة في كلية الهندسة في الجامعة نفسها. لكل منهما، كما لهما مجتمعَين، عدد من الكتب والمقالات في عدة حقول

أ. الدين والعلم والتكنولوجيا

هل تفرّق بين عبارتي العلوم والتكنولوجيا؟ وهل هناك فرق بين العبارتين بنظرك؟

العلم، كما أفهم العبارة، هو محاولة منهجية لفحص الواقع. لذلك بهذه الطريقة، يمكنك الحصول على العديد من أنواع العلم المختلفة. وتنشغل العلوم الفيزيائية بدراسة البنية المادية للكون. العلوم الإنسانية تدرس البشر. لذا، هدف العلم، كما أفهمه، هو الحقيقة. في الواقع، المصطلح اللاتيني (scientia) يعني المعرفة. إذن، العلم هو محاولة من خلال استخدام دماغنا المفكّر لفهم العالم الذي نعيش فيه والعالم الموجود داخلنا. التكنولوجيا، كما أفسّرها، تعني تطبيق العلم بطرق عملية، وإنتاج أنواع معينة من الآلات أو الأدوات التي يمكن للناس استخدامها. لذلك، العلم يوفّر الأساس للتكنولوجيا

ماذا لدى الدين ليقوله عن مسائل العلوم والتكنولوجيا؟

أنا لا أسمّي الدين علماً رغم أن بعض الناس يفعلون ذلك، لأن الدين، ببساطة، لا يعتمد على استخدام عقولنا المفكّرة بل يعتمد أيضًا على وحي الله. لذلك يعتمد الدين عادةً على كتاب مقدس من نوع ما. إذا كنتَ مسيحيًا فهذا يعني الكتاب المقدس والعهدين القديم والجديد. إذا كنت مسلماً، فهو العهد القديم والقرآن

لذا فإن العلم على هذا النحو لا يستند إلى أي وحي خارجي، إنه تفحّص للحقائق التجريبية المعروضة علينا. لكن في حالة الدين، لا نعتمد فقط على دماغنا المنطقي، بل على ما كشفه الله لنا من خلال الكتاب المقدس، وفي حالة المسيحي الأرثوذكسي من خلال الكتاب المقدس والتقليد. التكنولوجيا شيء نود لو نحكم عليه في ضوء معتقداتنا الدينية. ليست كل الأشياء، المتاح لنا تطبيق معارفنا العلمية من خلالها، جيدة بالضرورة. التكنولوجيا في حد ذاتها لا تستطيع تزويدنا بالمعايير الأخلاقية التي نرغب في تطبيقها. إذاً الدين هو شيء يمكننا من خلاله تثمين قيمة التكنولوجيا أو غير ذلك

يمكن أن نصل إلى القول بأن العلم والدين قد يكونان في صراع؟ أو على الأقل هناك نقطة قد يصبحان غير متوافقين أحدهما مع الآخر؟

لا أؤمن أن هناك صراع جوهري بين العلم والدين. لقد أعطانا الله عقلاً مفكّراً، ووهبنا مَلَكات بها نجمع البراهين وننظّمها. لهذا، بشكل مبدئي، كل الحقائق من الله. لكن قد يكون هناك طرق محددة لاستعمال العلم قد نعتبرها خاطئة على أساس ديني. لذلك ليس هناك صراع أساسي، بل ربما هناك بالممارسة تصادم معين. يمكن أن تنشأ المشاكل عندما نحاول الإجابة عن أسئلة غير علمية بحتة بوجهة نظر الدين. يمكن أن تنشأ عندما يتخطى العلماء فحص الأدلة إلى تشكيل أحكام قيمية قد تتعارض مع الدين. أرى الصراع ينشأ، ليس من العلم كمسعي وراء الحقيقة، بل من العلموية، وأعني بذلك الرأي القائل بأن أساليب البحث العلمي تجيب حكماً على جميع الأسئلة التي قد نود طرحها. قد تكون هناك مجالات حيث العلم لا يمكن أن يعطينا الجواب. على سبيل المثال، هل ننجو من الموت؟ هل هناك حياة مستقبلية؟ هذا بالنسبة لي سؤال ديني. ولا أعتقد أن إيماننا بالحياة المستقبلية يمكن إثباته من خلال العلم، كما لا أعتقد بإمكانية دحضه بواسطة العلم. على المنوال نفسه، إذا قلنا أن الله خلق العالم، فمن وجهة نظري هذا تعبير ديني لا يمكن إثباته أو دحضه بالعلم. لذا فالدين والعلم يسعيان إلى الحقيقة ولكن على مستويات مختلفة وبأساليب مختلفة

العلموية = (scientism)

هل في التقليد اليهودي-المسيحي أي مبادئ أو أمثلة تشير إلى استعمالات التكنولوجيا أو إساءة استعمالها؟

أحد أهم عناصر التقليد اليهودي-المسيحي هو احترام الشخص البشري. كمسيحيين، نحن نؤمن بأن كل شخص هو ذو قيمة لا محدودة في عيني الرب. كل شخص فريد. الله يتوقّع من كلٍّ منا شيئاً لا يتوقعه من آخر غيره. نحن لسنا تكراراً لنماذج. كل واحد منا مخلوق على صورة الله ومثاله، ونحن نحقق هذه الصورة المثال، كل على طريقته. البشر فريدون أساساً لأنهم يملكون الحرية. لهذا عندهم خيارات. وهذه الخيارات الشخصية لكل واحد تحدد أيّ نوع من الأشخاص هو. الآن، أيّ تكنولوجيا تنتقص من شخصيتنا، أو تقلل من قيمتنا كبشر، أراها خاطئة. على سبيل المثال، التدخل بعقول الناس عن طريق التجارب الطبية، أراه بوضوح عملاً صالحاً. لكن الاختبارات التي تمّ تنفيذها من مختلف الحكومات في القرن العشرين، سواء بالشيوعية أو في ألمانيا النازية، أعتبرها إساءة استعمال للتكنولوجيا لأنها لا تظهر الاحترام الملائم لتكاملية الشخص البشري. إذاً، هذه هي امتحاني الأعظم: كيف تحط التكنولوجيا من قدر شخصيتنا؟ واضح أن حريتنا يجب أن تكون مضبوطة لأن علينا أن نحترم حرية الآخرين. وبالتالي، الكثير من السياسة هو موازنة دقيقة بين حرية وأخرى. لكن التكنولوجيا يجب أن تُستَعمَل دائماً لتحسين حريتنا لا لطمسها

كيف فهم العالم القديم التكنولوجيا واستعملها؟

بحسب المعنى الأوسع للتكنولوجيا، أعتقد أنه لا يمكن أن يكون لديك حياة إنسانية متحضرة بدون بعض أشكال التكنولوجيا. إذا اخترت أن تعيش في منزل قمت ببنائه بنفسك أو قام شخص آخر ببنائه لك، بدلاً من العيش في كهف، فهذا يعني بالفعل استخداماً للتكنولوجيا. إذا كنت ترتدي ملابس منسوجة من الكتان، بدلاً من جلود الغنم أو جلود الماعز، فهذا أيضاً استخدام للتكنولوجيا. بهذا المعنى، التكنولوجيا ليست شيئًا حديثًا، لقد ظهرت إلى حيز الوجود منذ أن بدأ الناس في استخدام النار والطبخ، على سبيل المثال. من الواضح أن كمية التكنولوجيا الموجودة في العالم القديم كانت أقل بكثير مما لدينا اليوم. أفترض أن معظم التغييرات التكنولوجية قد حدثت خلال الـمئتي عام الماضية: إمكانية السفر بالسكك الحديدية، بالسيارة، ثم بالطائرة؛ القدرة على استخدام الهواتف والآن على التواصل عبر الإنترنت. هذا كلّه تطور حديث. لذلك لدينا تطوير للتكنولوجيا، أكبر بكثير مما سبق وجوده في العالم القديم. هذا يجلب منافع ومخاطر. يمكننا السفر بسهولة والتواصل بجميع أنواع الوسائل الجديدة. هذا في حد ذاته يمنحنا الفرصة للقيام بالمزيد، لكن المنافع ليست تلقائية. هناك دائمًا ما يتعلّق بكيفية استخدامنا للتكنولوجيا. لماذا نسافر بسرعة من مكان إلى آخر؟ ما هو هدفنا؟ عندما نتواصل مع الإنترنت، ما الذي نود إيصاله للآخَر؟ لذلك تأتي الأحكام القيمية على أساس كيفية استخدامنا للتكنولوجيا. تبدو لي إمكانية استخدامها موافقة بشكل كامل للتقليد المسيحي. ولكن بقدر ما تزداد التكنولوجيا تعقيدًا، يزداد حجم ما يمكن عمله من خلالها، ويزداد عدد الأسئلة المُثارَة حول صوابية القيام بهذه الأشياء. لذلك لدينا مسؤولية أكبر من تلك التي كانت على عاتق الناس في العالم القديم، ونحن نرى مخاطر إساءة استخدام تكنولوجيانا، وأورد تلوث البيئة كمثال. يرجع الجزء الأكبر من الأزمة البيئية إلى الاستخدام الخاطئ لمهاراتنا التكنولوجية. لا ينبغي أن نتخلّى عن استخدام هذه المهارات، لكننا بحاجة إلى التفكير بعناية أكبر في كيفية استخدامها ولماذا

ما هي أشكال تأثير التكنولوجيا على ممارستنا الدينية؟ أهناك أي إيجابية متأتية من هذه الممارسة؟

واحد من المكاسب الإيجابية بشكل واضح هو سهولة تواصلنا. بإمكاننا تبادل الأفكار بيسر أكبر. لقد حصل تقدم ضخم في القرن الخامس عشر من اختراع الطباعة. لم تعد بحاجة لكتابة كل شيء باليد بل صار ممكناً إصدار أي شيء بآلاف النسخ. والآن ثورة كاملة دخلت عبر استعمال الحاسوب الذي يجعل المكاتبة أيسر بكثير. لكننا مجدداً أمام تحدٍ: هذا التقدم التكنولوجي يمنحنا قوة أكبر لكن كيف نستعملها؟ لدينا اليوم معرفة لم تكن لدى الأجيال السالفة، معطيات كمّية وبيانية وتكنولوجية وعلمية لم تملكها الأجيال السابقة. لكن على رغم من امتلاكنا اليوم معرفة أكبر، فالسؤال هو إذا كنا نملك حكمة أكبر. الحكمة تتخطّى المعرفة، والاستعمال الصحيح للمعرفة صار أكثر صعوبة. فلنأخذ مثالاً من أخلاقيات علم الحياة: يمكننا الآن أن نتدخل في عمليات الولادة بطريقة لم تكن ممكنة في الماضي. أنا لست خبيراً على الإطلاق، لكن قيل لي إنه من الممكن أو قريبًا سوف يكون ممكناً أن يختار الوالدان جنس أطفالهم. لكن علينا أن نسأل: هل هذا مُسْتَحَبّ؟ هل من الصواب، من وجهة نظر مسيحية، أن نتدخل في سر الولادة بهذه الطريقة؟ جوابي هو أنه لا ينبغي السماح للآباء باختيار جنس طفلهم. هذا يتجاوز مسؤوليتنا الإنسانية الصحيحة. هذا شيء يجب أن نتركه بين يدي الله، وأخشى أن تنشأ مشاكل اجتماعية خطيرة إذا بدأنا في اختيار ما سيكون لدينا، أبناء أو بنات. هناك مجتمعات تُعتبر فيها الفتيات أقل شأناً، وفي الوقت المناسب قد ينشأ اختلال خطير بين الجنسين. هذا مجرد مثال واحد على إتاحة التكنولوجيا لبعض الأمور، لكننا كمسيحيين على أساس تعاليم الكنيسة لدينا معايير أخلاقية معينة، وهي تقول بأن هذا ممكن ولكنه ليس الشيء الصحيح الذي يجب القيام به

التكنولوجيا بحد ذاتها، بل العلم بحد ذاته، لا يمكن أن تخبرنا ما هو الصواب أو الخطأ. نذهب إلى أبعد من التكنولوجيا، وأبعد من أساليب العلوم الصارمة، عندما نبدأ في التعبير عن أحكام قيمية. ومن أين تأتي قيمنا؟ إنها تأتي من معتقداتنا الدينية

يتبع