همّ الوحدة وتوحيد تاريخ الفصح

الأب أنطوان ملكي

بدأت المناقشات بشأن تحديد تاريخ الفصح باكراً جداً في الكنيسة المسيحية ومرد ذلك إلى العلاقة التي كانت قائمة مع اليهود وكان لها تأثير على حياة الكنيسة الليتورجية ودام تأثيرهاحتى المجمع المسكوني الأول في القرن الرابع. فقد كانت أغلب الأعياد محددة بحسب التقويم اليهودي القمري يبينما كان تقويم الدولة الرومانية، التي كان مسيحيو القرن الرابع يعيشون تحت ظلها، شمسياً وكانت السنة تبدأ في أول أيلول. السنة الليتورجية كانت تبدأ في عيد الفصح. هكذا عرفت الكنيسة وجود تقويمين في ذلك الحين: مدني وكنسي. وقد أدى ذلك في نهاية القرن الثالث إلى أن يكون هناك أكثر من تاريخ لتعييد الفصح وهذا ما استدعى البت بأمره في المجمع النيقاوي الأول عام 325. والداعي هو ضرورة أن يعيّد الجميع في نفس التاريخ[1].

فالواقع قبل المجمع النيقاوي هو أن روما كانت تحسب تاريخ وقوع العيد بطريقة مختلفة عن الاسكندرية. وقد حدد هذا المجمع طريقة تحديد وقوع هذا العيد في الأحد الأول بعد أول اكتمال للقمر بعد الاعتدال الربيعي المحدد في الحادي والعشرين من آذار ومنفصلاً عن الفصح اليهودي. عاد الاختلاف بين الاسكندرية وروما بعد مجمع نيقيا لعدد من الأسباب منها أن الكنائس في الشرق اعتمدت دورة فصحية طولها 19 سنة بينما اعتمد الغرب دورة فصحية طولها 84 سنة. وقد كان الاسكندريون يتراجعون عن موقفهم في أغلب الأوقات حفظاً لوحدة الكنيسة[2].

واليوم يؤدي هذا الفرق في طول الدورة الفصحية إلى زيادة الإختلاف في تعييد الفصح، خاصةً أن الشرق يعتمد التقويم اليولياني بينما يعتمد الغرب التقويم الغريغوري وهذا ما يخلق فارق الأيام الثلاثة عشر في تعييد الأعياد الثابتة.

تكاثرت الأصوات الداعية إلى توحيد تاريخ التعييد للفصح بين الشرق والغرب، وتعددت المبادرات من أكثر من طرف. من هنا ضرورة عرض هذا الموضوع بشكل علمي يظهر تطوره التاريخي ويسعى إلى إخراجه من إطار الدعايات والإعلام واضعاً الأمور في نصابها. فموضوع تاريخ تعييد الفصح، بالنسبة إلى الأرثوذكس، هو جزء من قضية أكبر هي قضية التقويم التي تعاني منها الكنيسة الأرثوذكسية ما لا تعانيه كنائس الغرب.

ينقسم العالم الأرثوذكسي اليوم إلى مجموعتين في ما يتعلق بتواريخ تعييد الأعياد الثابتة السيدية (كميلاد السيد، ختانه، ظهوره، دخوله الهيكل، بشارة والدة الإله، التجلي، رفع الصليب) وغير السيدية، بالإضافة إلى مواعيد أصوام الميلاد والرسل والسيدة. أما فيما يتعلق بالأعياد المتحركة أي التي تتبع الفصح، فالعالم الأرثوذكسي يعيّد كله في نفس التاريخ في كل عام، ما عدا كنيسة فنلندا حيث لا يشكل الأرثوذكس أكثر من 3 بالمائة من السكان بمقابل الباقي اللوثري، ويعيّدون في نفس التاريخ الذي يعيّد فيه الغرب.

والوضع اليوم هو كالتالي: كنائس انطاكية، القسطنطينية، الاسكندرية، اليونان، قبرص، رومانيا، بولندا، وبلغاريا تتبع التقويم الغريغوري في تحديد الأعياد الثابتة. أما كنائس روسيا، اورشليم، صربيا، وأديار الجبل المقدس أثوس ودير القديسة كاترينا في سيناء فتعتمد التقويم اليولياني في تحديد هذه الأعياد. ويعيّد كل العالم الأرثوذكسي الفصح والأعياد المتحركة التي تتبعه بحسب التقويم اليولياني. من الناحية العددية، أغلب الأرثوذكس هم أتباع التقويم اليولياني، أي حوالي السبعين بالمائة.

التقويم اليولياني

يعود هذا التقويم إلى العام 44 قبل الميلاد، وضعه الأمبراطور يوليانوس. بحسب هذا التقويم، يبلغ طول السنة الشمسية 365 يوم و6 ساعات، وهو الوقت الذي تستغرقه الأرض لتدور دورة كاملة حول الشمس. ولما كانت السنة تُعتبر 365 يوماً، يتم جمع الست ساعات كل أربع سنوات لتشكل يوماً إضافياً وهو ما نعرفه بالسنة الكبيسة. من الناحية التقنية، هذه السنة هي أطول من السنة الشمسية الطبيعية بـ11 دقيقة و14 ثانية وهذا الفرق يؤدي إلى تراجع في تاريخ وقوع الأحداث الطبيعية مثل الاعتدال الربيعي أو الخريفي أو غيره. فالاعتدال الربيعي، عند وضع التقويم اليولياني،كان في الخامس والعشرين من آذار. أما في السنة 325، سنة انعقاد المجمع النيقاوي الأول،كان تاريخ هذا الاعتدال قد انتقل إلى الحادي والعشرين من آذار، ولهذا فقد حدد المجمع أن يتم التعييد للفصح بعد الحادي والعشرين من آذار. لم يهتم المجمع للخطأ التقني في التقويم ولهذا لم يتطرق لموضوع الأعياد الثابتة. الواقع أن المهمة التي كانت أمام آباء هذا المجمع لم تكن سهلة أبداً إذ كان عليهم التوفيق ببين التقويم اليولياني الشمسي الذي يبلغ طول سنته 365 يوم والتقويم اليهودي القمري الذي يبلغ طول سنته 356 يوم. من هنا أن الحل الذي توصلوا إليه هو على مستوى مقبول من الدقة العلمية وهذا ما أثبته عالم الرياضيات الألماني الشهير (Carl Gauss) الذي عمل في النصف الأول من القرن التاسع عشر. فآباء المجمع لم تكن الدقة العلمية خارج اهتماماتهم ولكنها لم تكن الهم الأول. فقد اعتمدوا، أخذاً عن ميتون الأثيناوي الذي عمل في النصف الأول للقرن الأول قبل المسيح، دورة فصحية طولها 19 سنة أي أن المراحل القمرية تتكرر نفسها كل 19 سنة شمسية مع فرق ثابت هو 116 من اليوم. مثلاً إذا وقع أول آذار شمسي مع أول نيسان قمري في يوم واحد، فهذا يتكرر كل 19 سنة مع فرق ساعة و28 دقيقة وبعض الثواني. من هنا أن الاعتدال الربيعي يتأخر يوم كامل كل 304 سنوات (16×19).  من هنا أن ضم الدورة القمرية ذات الـ19 سنة إلى الدورة  الشمسية ذات الـ28 سنة يعطي 19×28 أي 532 سنة وهو ما سمّاه البيزنطيون “الإنديكتي الكبير” أي أن تاريخ العيد يتكرر كل 532 سنة ففي العام 2000 تم التعييد في 30 نيسان وهذا يتطابق مع تاريخ التعييد في 1468 و936 و404 وما سوف يتطابق مع تاريخ التعييد في 2532. هذا التطابق المدهش أثبته عالم الرياضيات الألماني غاوس ثم كرره عالم الفلك الأميركي سيمون نيوكومب (Simon Newcomb 1835-1909)[3].

التقويم الغريغوري

في القرن السادس عشر وتحديداً في العام 1582 كان التراجع في وقوع الاعتدال الربيعي قد بلغ 10 أيام أي أصبح الاعتدال في الحادي عشر من آذار بدلاً من الحادي والعشرين منه. استعان بابا روما غريغوريوس بفلكيي تلك الفترة في الغرب واستعمل معلومات جديدة وغيّر التقويم محوّلاً الفرق بين طول السنة الطبيعية والسنة الشمسية إلى 26 ثانية بدلاً من 11 دقيقة و14 ثانية. وعليه أنقص من التقويم المعمول به 10 أيام حتى يعود الاعتدال الربيعي إلى الحادي والعشرين من آذار، وهكذا نشأ التقويم الغريغوري الذي تستعمله الكنيسة الغربية في تحديد الأعياد الثابتة والمتحركة. بعد هذا اعتمدت أوروبا هذا التقويم.

ماذا بعد 1583 في العالم الأرثوذكسي؟

أرسل البابا غريغوريوس رسائل إلى بطاركة العالم الأرثوذكسي داعياً إياهم إلى اتباع روما وتصحيح التقويم. عقد اجتماع في القسطنطينية في العام 1583، حضره بطاركة القسطنطينية والاسكندرية وأورشليم، وكان رد بالرفض إذ وجد البطاركة أن تغيير التقويم المطلوب ليس إلا بدعة مستحدثة من بدع الغرب[4]. هذا بالإضافة إلى أن الكنائس الأرثوذكسية المذكورة والكنائس الشرقية الأخرى كانت تحت الحكم العثماني الذي يتبع التقويم الهجري وبالتالي ليس لديها مشكلة مع الاختلاف بين التقويم الكنسي والتقويم المدني، شمسياً كان أو قمرياً.

عقد أيضاً اجتماعان في القسطنطينية في العامين 1587 و1593 حضر الأول منهما بطاركة القسطنطينية والاسكندرية واورشليم أما بطريرك انطاكية فقد كان في زيارة لروسيا وقد انضم إليهم في الاجتماع الثاني. أعاد البطاركة التأكيد في الاجتماعين على عدم اعتماد التقويم الغريغوري إضافة إلى رفض القول بأن بابا روما هو رأس الكنيسة واستعمال الخبز الفطير والتعليم عن المطهر[5].

في العام 1903 أرسل بطريرك القسطنطينية رسالة إلى رؤساء الكنائس الأرثوذكسية يسألهم رأيهم في عدد من الأمور: الوسائل الضرورية لتوثيق وحدة الكنائس الأرثوذكسية المستقلة،

في العام 1923 عقد اجتماع في القسطنطينية بدعوة من بطريركها آنذاك ملاتيوس الرابع (ميتاكساكيس)[6] وكان على برنامج عمله اقتراحات تغيير التقويم إضافة إلى تغيير طريقة الصوم وتقصير الصلوات والسماح بزواج الإكليروس بعد ترملهم وأمور أخرى مثل السماح للكهنة بلبس السترة وحلق اللحى. حضرت هذا الاجتماع كل من كنائس صربيا ورومانيا واليونان وتغيبت عنه الاسكندرية واورشليم وانطاكية، أما بلغاريا فلم تكن قد وجهت إليها الدعوة. وعند انتهاء الاجتماع أعلنت مصادر بطريرك القسطنطينية اتفاق الوفود على مجمل هذه الأمور على أ، يعود كل وفد إلى كنيسته. لم تلتزم الكنائس الأرثوذكسية التي شاركت بأي من هذه الأمور ما عدا تغيير التقويم.

مقاربة موضوع التقويم

موضوع التقويم هو بالأصل أمر ليتورجي إذ من خلاله تنتظم الدورة الليتورجية المتعلقة بالأعياد الثابتة. أما الدورة الفصحية فقد تبدو عملياً مستقلة عن التقويم الثابت لولا وقوع بعض الأعياد خلال فترة الصوم ولكن ما يظهر من الدراسات التاريخية هو أن العلاقة بين الدورتين كانت أكبر مما تظهره المعالجات الفلكية والرياضية. يقول الأب شميمن أن المساجلات التي تناولت تحديد تاريخ عيد الفصح في القرن الرابع تظهر أنه كان لهذا الموضوع أهمية كبرى في آسيا مردها أن هذا التاريخ كان مفتاح السنة الليتورجية التي كانت تبدأ به[7]. من هنا أن اختزال موضوع تاريخ تعييد الفصح بالاختلاف بين الشرق والغرب في تحديد هذا التاريخ هو اجتزاء للحقيقة والتاريخ والمنطق. لهذا ينبغي أن يُعالَج هذا الأمر ضمن إطاره الليتورجي أولاً حفاظاً على ما يسميه الأب شميمن “ليتورجية الزمن”[8] (Liturgy of time) التي تقدس بها الكنيسة الزمان وتتطلب لياقة وترتيباً وانتظاماً.

ماذا اليوم في العالم الأرثوذكسي؟

لقد نشأ عن الاعتماد الجزئي للتقويم الغريغوري عدد من المشكلات في العالم الأرثوذكسي:

1.   وجود مجموعتين أرثوذكسيتين تعيّد الأعياد الثابتة في تاريخين مختلفين. هذه المشكلة تبلغ ذروتها في اميركا وأوروبا الغربية حيث تتواجد في المدينة الواحدة كنيستان أرثوذكسيتان تتبع كل منهما أحد التقويمين. فقد تعيّد الأولى عيد الميلاد في الخامس والعشرين من كانون الأول بينما تعيّد الثانية العيد نفسه في السابع من كانون الثاني من السنة التالية. هذا الاختلاف يطرح تساؤلات حول فعلية الوحدة الكنسية ويؤثر سلباً على المؤمنين.

2.   ينتفي صوم الرسل في بعض السنوات لدى الكنائس التي  تعتمد التقويم الغريغوري إذ أنها تعيّد الفصح بحسب التقويم اليولياني بينما تعيّد عيد الرسولين بطرس وبولس بحسب التقويم الغريغوري، وهو ثابت في التاسع والعشرين من حزيران، أي قبل 13 يوم من حينه بحسب التقويم اليولياني. قد لا يأتي صوم الرسل في بعض السنوات، مثل العام 2002 مثلاً، التي يقع فيها الفصح بعد الثالث من أيار.

3.   ظهور مجموعات منشقة في كنائس اليونان ورومانيا وبلغاريا حيث انها لم تجد في الانتقال إلى التقويم اليولياني الجديد إلا وجهاً من أوجه التقارب غير المبرر مع الغرب والتنازل عن التقليد بدون سبب كافٍ. هذه المجموعات ناشطة اليوم ورعاياها في أميركا وأوروبا في تزايد عن طريق اجتذابها للكثير من المرتدين الكاثوليك والبروتستانت والأنكليكان. وما يجذبهم لدى هذه المجموعات هو تمسكها بالقوانين الكنسية بشكل يبلغ حد معاداة البابوية واعتبار الكنائس الأرثوذكسية المحاورة مخطئة ما لم يكن الهدف الوحيد للحوار هو رد الهراطقة والمنشقين إلى حضن الكنيسة الأرثوذكسية. في اليونان مثلاً أتباع هذه المجموعة يتزايدون بالرغم من محاولات القمع العديدة التي قامت بها الحكومة اليونانية في فترات مختلفة، فقد أنشأوا مجمعاً وأساقفتهم على اتصال مع بعضهم البعض في مختلف أنحاء العالم.

4.    على الصعيد المسكوني، يتفق الأرثوذكس الذين يستعملون التقويم الغريغوري في تحديد الأعياد الثابتة مع الغرب ويختلفون مع الكنائس الشرقية، بينما يحص العكس مع  الأرثوذكس الذين يعتمدون التقويم اليولياني.

بيان حلب

نظم مجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس الشرق الأوسط لقاء تشاور في حلب بين الخامس والعاشر من آذار 1997، شارك فيه ممثلون للمجموعة الأنكليكانية، كنيسة الأرمن الأرثوذكس، الكنائس الإنجيلية في الشرق الأوسط، التجمع العالمي اللوثري، تجمع اوترخت للكنائس الكاثوليكية القديمة، المجلس الحبري لتشجيع الوحدة المسيحية (كاثوليك)، سبتيو اليوم السابع، وكنائس القسطنطينية وموسكو وانطاكية الأرثوذكسية، إضافةً إلى مستشارين من الكنيسة الأرثوذكسية في أميركا والعنصرانيين في كندا. صدر بيان عن هذا اللقاء جاء فيه أن المجتمعين رأوا أن تعييد حدث الفصح الأساسي في تاريخين مختلفين يعطي شهادة مجزأة ويؤثر على مصداقية الكنائس وقدرتها على حمل البشارة إلى العالم خاصةً ان سبب الاختلاف ليس لاهوتياً إنما عائد إلى الاختلاف في تحديد الاعتدال الربيعي. فالشرق والغرب يستندان إلى نفس طريقة الحساب إي تلك التي حددها المجمع النيقاوي في 325م. اقترح اللقاء أن يتم بدءً بالعام 2001 احتساب تاريخ العيد على أسس فلكية حديثة بشكل تحفظ كل من الكنائس طريقتها ويُحترم القانون النيقاوي، وذلك استناداً إلى حساب للاعتدال الربيعي بحسب خط العرض الذي يمر في أورشليم.

يُتنظر أن تجيب الكنائس على هذا الاقتراح. حتى الآن لم يصدر أي بيان رسمي عن أي كنيسة أرثوذكسية. صدر بيان عن لجنة الحوار الأرثوذكسي-الكاثوليكي في أميركا يؤيد هذا الحل كما صدر بيان مماثل عن لجنة الحوار الأرثوذكسي-اللوثري في أميركا أيضاً.

ملاحظات

كما يتضح مما سبق، موضع التقويم بالنسبة للكنيسة الأرثوذكسية ليس مجرد طريقة حساب لعيد الفصح بل هو أعمق من هذا ولا يتبين عمقه وأهميته إلا المؤمن الممارس. تغيير التقويم بشكل شامل يستدعي توزيعاً ليتورجياً جديداً. وليس من الصحة بمكان أن يتغير التقويم قبل أن يتم هذا التوزيع.

هذا بالإضافة إلى أن حصر موضوع التقويم بتاريخ عيد الفصح هو اجتزاء للمشكلة واختزال للأكثرية العددية من الأرثوذكس وقبول بعضهم به إشارة إلى أنهم ينظرون إلى الوحدة مع الكاثوليك أكثر من اهتمامهم بالوحدة الداخلية في الكنيسة الأرثوذكسية نفسها. إن إيجاد صيغة لتعييد الفصح مع غير الأرثوذكس في وقت يوجد فئتان أرثوذكسيتان تعيد كل منهما الأعياد الثابتة بتواريخ مختلفة يعمّق الاختلاف بين الفئتين وقد يؤدي إلى ما هو أسوأ، وخبرة مجموعات التقويم القديم المذكورة سابقاً هي مثال على ما قد يحدث.

مع أن الفصح هو عيد الأعياد وموسم المواسم إنما ليس العيد الوحيد وبالتالي فالشهادة المجتزأة التي يحملها تعييده مرتين في السنة قد يحملها تعييد عيد الميلاد أو الظهور أو غيرهما من الأعياد. هذا بالإضافة إلى أن الاختلاف في تاريخ العيد هو صورة طبيعية للاختلاف القائم بين الشرق والغرب، ومن الدجل أن يُخفى هذا الاختلاف ويُصوّر للمؤمنين، في كل الكنائس، على أنه مجرد اختلاف في تحديد الاعتدال الربيعي. التعييد في يوم واحد يأتي نتيجة للوحدة وليس سبباً لها.

من هنا أن على الكنائس الأرثوذكسية أن تسعى إلى تثبيت الوحدة الداخلية قبل أن توافق على اقتراح بيان حلب أو ما يشابهه من الاقتراحات. المس بالتقويم سبق وسبب انشقاقات في الكنيسة الأرثوذكسية وقد يسبب، إن لم يكن في انطاكية ففي غيرها.

من جهة أخرى، يجب أن لا يخفى عن ذهن المحاور الأرثوذكسي أن توحيد تاريخ العيد هو قضية كبرى لدى الكثيرين من الكاثوليك حتى أن بعضهم ينسبونه إلى ظهورات مريمية (الصوفانية ومديغوريا). فعلى الكنائس الأرثوذكسية أن تعي أن توحيد تاريخ العيد قبل الوحدة الحقيقية يعطي الكاثوليك حق الاقتناص في وقت تم الاتفاق على عدم العودة إليه، ومن السذاجة الاقتناع بأنه انتهى. ما هو معروف أن الرعاية في أغلب الكنائس الأرثوذكسية واهنة، خاصةً في المناطق المختلطة. ففي ظل هذا الوضع الرعائي قد يسهل على الكثير من المؤمنين أن يصدقوا أن الوحدة تمت بمجرد أن توحيد التعييد تم. وقد يكون من المفيد أن نتوقف عند جواب كنيسة اورشليم للبطريرك القسطنطيني ملاتيوس الرابع بأنها لا ترى في تغيير التقويم إلا باباً سوف يُستغل للاقتناص، ولهذا هي لا توافق عليه.

خاتمة

هذا البحث هو محاولة لتسليط الأضواء على المشاكل المتعلقة بموضوع تحديد تاريخ عيد الفصح والناتجة عنه. إعلامياً، التركيز اليوم هو على الاختلاف بين الشرق والغرب بهدف تمييع الأمور وذر الرماد في عيون المؤمنين عن طريق اللعب على عواطفهم. إعلام اليوم لا يقدم إلا مسخ الوحدة محبوساً في قمقم التعييد في يوم واحد.

لماذا يهتم مجلس الكنائس العالمي في أن يعيّد الشرق والغرب معاً في الفصح ولا يهتم الأرثوذكس في أن تعيّد أنطاكية وموسكو، واورشليم والقسطنطينية، واليونان وصربيا عيد الميلاد معاً؟ لماذا يرى مجلس الكنائس العالمي أن الشهادة ناقصة في تعييد الفصح مرتين ولا يرى الأرثوذكس نقصاً في أن يصوم قسم منهم صوم الرسل ولا يصومه الباقون؟ لأن لون الوحدة الحقيقية لدى الأرثوذكس صار باهتاً ولأن العبادة فقدت أولويتها على الطقوس. إن كنيسة مضعضعة لا تشهد للمسيح ولا تكون عروساً له. فعن أي كنيسة وأي وحدة وأي شهادة نتحدث في الكلام عن توحيد تاريخ تعييد الفصح؟

[1] مجموعة الشرع الكنسي أو قوانين الكنيسة المسيحية الجامعة. جمع وترجمة وتنسيق الأرشمندريت حنانيا الياس كساب. منشورات النور. 1985. ص. 113-115.

[2] أنظر مقدمة برسيفال حول مجمع سرديقية. مجموعة الشرع الكنسي. ص. 647.

[3]        Cassian, Hiermonk. A scientific Examination of the Orthodox Church Calendar. CTOS. Etna, CA. 1998. Ch. 4. P. 42-50.

[4] كان بطريرك انطاكية في رحلة إلى روسيا ولهذا تغيّب عن الاجتماع لكنه عاد فثبت موافقته على رد بطاركة الشرق في الاجتماع الذي حضره في العام 1593. أنظر: سميرنوف، تاريخ الكنيسة المسيحية. تعريب المطران ألكسندرس جحا. مطرانية الروم الأرثوذكس بحمص. 1964. ص. 563. أنظر أيضاً: بابدوبولس، خريسوستمس. تاريخ كنيسة انطاكية.  تعريب الأسقف استفانس حداد. منشورات النور. 1984. ص. 741 و787.

[5]  Lebedeff, Fr. Alexander. The Traditional Calendar of The Orthodox Church. Orthodox Tradition. Vol. XIV. Nos. 2 & 3. pp. 81-85.

[6]        ينبغي التوقف عند هذا البطريرك كونه فريداً بين بطاركة القرن العشرين وغيرهم ممن سبقوا. أصله من جزيرة كريت، التحق بمعهد الصليب المقدس في القدس وتخرج ثم رسم شماساً في 1892. في 1908 طُرد من القدس مع إكليريكي آخر يدعى خريسوستوموس بتهمة النشاطات ضد القبر المقدس. خريسوستوموس أصبح لاحقاً رئيساً لأساقفة أثينا وملاتيوس أصبح متروبليتاً في 1910 وبدأ من بعدها مباشرة مفاوضات مع الكنيسة الأسقفية في نيويرك يهدف تعزيز العلاقات بين الكنيستين. رُشح للكرسي البطريركي في القسطنطينية عام 1912 ولكن المجمع اعتبر ترشيحه غير قانوني. أصبح رئيساً لأساقفة أثينا واليونان في 1918 بتدخل واضح من السياسيين والمحافل الماسونية. أُبعد عن مركزه بعد التغيرات الساياسية في 1920. خلال رئاسته لكنيسة اليونان زار لندن وناقش إمكانية الوحدة مع الأنكليكان وفي العام 1921 اشترك بالخدمة معهم في نيويورك. وفي العام نفسه شكل المجمع اليوناني لجنة أعدت تقريراً أدى إلى إدانة ملاتيوس ولكنه انتُخب وبشكل فجائي ومخالف للقوانين الكنسية بطريركاً للقسطنطينية بعد تدخل السياسيين وإبعاد عدد من الأساقفة. في عهده قبلت القسطنطيية القوانين الأنكليكانية وهاجم عدد كبير من المؤمنين والإكليروس دار البطريركية طالبين ملاتيوس الذي ابتعد ثم تنحى بحجة المرض سنة 1923. في العام 1926 انتُخب بطريركاً غير متوقَعاً للإسكندرية بتدخل مباشر من الدولة المصرية التي أجلت تثبيته لعام كامل. ومع هذا فعند شغور الكرسي الأورشليمي رشّح ملاتيوس نفسه لكن الموت أخذه قبل أن يحقق رغبته، في العام 1935.

[7] Schmemann, Alexander. Introduction To Liturgical Theology. Translated by Asheleigh E. Moorehouse. St. Vladimir Seminary Press. New York. 1996. p.  159-160.

[8] شميمن، المرجع نفسه. ص. 68.

Leave a Reply