اتحاد الأديان

اتحاد الأديان

الأب أنطوان ملكي

قمة الألفية

نظمت منظمة الأمم المتحدة قمة الألفية من أجل السلام في مركزها في نيويورك ما بين الثامن والعشرين والحادي والثلاثين من آب 2000. والقمة هذه بالأصل هي للزعماء السياسيين ولكن فيما بعد تم تنظيم لقاء قمة موازٍ حضره المئات من رؤساء الأديان والمجموعات الدينية أو ممثلين عنهم من مختلف مناطق العالم. كان بين الحضور ممثلون لمختلف الطوائف المسيحية، لمختلف شيع الإسلام، اليهودية، السيخ، البوذية، البهائية، الكونفوشيوسية، الزرادشتية، الطاوية، مجموعات السحرة، عبدة الأشجار، عبدة الكواكب، أصحاب الديانات القديمة وغيرهم. هدف اللقاء كان تسليط الضوء على دور الزعماء الدينين والروحيين في تجنب الصراعات ومعالجتها من أجل تحسين وتقوية دور الأمم المتحدة. وكما عبر عن هذا الأمر باوا جاين، أحد الأمناء العامين المساعدين، “نأمل بأن نستطيع إنزال (parachuting) الزعماء الروحيين في الأوقات الحرجة حيث الحاجة تكون إلى حل لاعنفي للخلافات”[1]. أما كوفي أنان الأمين العام للأمم المتحدة فقد ركّز في كلمته على ضرورة إعادة الدين إلى دوره الأصيل الحقيقي “كصانع للسلام ومهدئ… يوجد قاسم أساسي بين تعاليم الأديان والقيم الواردة في ميثاق الأمم المتحدة…”. في نهاية القمة وقّع الحاضرون على وثيقة تحمل الدعوة إلى إحلال السلام بين الشعوب. هذه الوثيقة كانت قد أعدّتها لجنة عالمية أجرت لقاءات مع علماء وزعماء من مختلف المناطق. أغلب أعضاء هذه اللجنة ينتمون إلى مبادرة الأديان المتحدة (United Religions Initiative – URI). قبل الكلام عن هذه المبادرة ونشأتها من الضروري الإشارة إلى أن دعوة الأمم المتحدة إلى هذا اللقاء لم تكن الأولى من نوعها في التاريخ. فالواقع أن الأمم المتحدة هي واحدة من مجموعات عديدة لا ترى في تعدد الأديان إلا عنصراً للاختلاف والتفرقة  العرقية أو الإثنية، وسبباً للحروب، كما لا ترى في التعاليم الدينية إلا وسائل لتثبيت هذه التفرقة وإقامة مؤسسات تخدم مصالح كل فئة. وقد قامت عدة دعوات في التاريخ الحديث إلى توحيد الأديان، القديمة منها والحديثة كما يسميها دعاة هذه الحركات. سوف يعرض هذا المقال للتاريخ الحديث لبعض هذه المبادرات والدعوات التي ساهمت في التحضير لخلق جو تختلط فيه الألوان الدينية فينتج عنه موجة من التوفيقية (Syncretism) التي تتسع رقعتها في العالم الحديث.

لمحة تاريخية عن مبادرات توحيد الأديان[2]

بدءً من العام 1893 ظهرت عدة لقاءات تدعو إلى ديانة موحدة وأهمها برلمان الأديان العالمي. المنظمون العاملون لهذا اللقاء كانوا ثلاثة: إثنان من المشيخيين والأخير من الموحدين (uniterian). مع أن عدداً من الكاثوليك واليهود الأميركيين ساهموا في التحضير لهذا البرلمان إلا أن أحداً منهم لم يشارك فيه بل اقتصرت المشاركة على البروتستانت وإثني عشر بوذي أتوا من سري لانكا واليابان، إضافةً إلى بعض الهندوس من البراهمو سمج والراماكريشنا، ومسلم واحد، وبعض البهائيين. ألقيت محاضرات من المشاركين للتعريف بأديانهم حيث رأى بعضهم حتمية أن يصبح دينه دين العالم كله، كما هو، أو بإحداث بعض التغييرات المتأثرة بالأديان الأخرى. بينما رأى آخرون ضرورة قيام دين جديد عالمي من خلال هذا التلاقي بين الأديان المختلفة. هذا الإختلاف في الرؤية كان أصلاً موجوداً لدى المنظمين الثلاثة إذ أن كلاً منهم كانت له أهدافه الخاصة من اللقاء. الأول أراد أن يوحد التديّن ضد عدمه، الثاني آمن أن المسيحية هي الوحيدة التي تستطيع أن تتطور لتكون الدين العالمي، والأخير رغب ببناء محفل لدين عالمي مخصص للروح الباحثة عن التطور وخدمة المحبة.

عام 1900 تأسس الإتحاد العالمي للحرية الدينية (International Association for Religious Freedom – IARF) من قِبل بعض الذين شاركوا في البرلمان العالمي إضافةً إلى أعضاء جدد بلغ عددهم السبعين من 25 دولة. ما زال هذا الإتحاد قائماً حتى اليوم ومهمته دعم الحرية الدينية عن طريق توجيه رسائل إلى الدول التي تقمع هذه الحرية. للاتحاد ممثلان لدى الأمم المتحدة، في نيويورك وجنيف. تُعقد اجتماعاته كل 3 سنوات حيث تُقام صلوات بكل التقاليد وتُنظم برامج حول مواضيع دينية وأخلاقية وسياسية. يدعم هذا الاتحاد مشاريع خدمات في أوروبا الشرقية، بنغلادش، الهند، الفيليبين وأفريقيا.

أوائل العام 1920 ظهر اقتراح لإقامة حلف ديني موازٍ لعصبة الأمم. وفي العام نفسه دعا المؤتمر العالمي لليبراليين الدينيين (International Congress of Religious Liberals) إلى تحالف أديان (League of Religions) يكون النظير والحليف لعصبة الأمم.

في الثلاثينات دعا نورمن بنويتش، في كتابه “الأساس الديني للدولية The Religious Foundation of Internationalism”، إلى حلف أديان وقال أن الفكرة لها تاريخ طويل مسمياً بين أنصارها ليبنتز وروسو. أيضاً في الثلاثينات أسس السير فرانسيس يونغهازبند برلمان المعتقدات العالمي (World Congress of Faiths – WCF) كاتباً أن الأساس الديني ضروري للنظام العالمي الجديد. لم ينشئ الـWCF جهازه الخاص بل اعتمد على اتصالاته بالتنظيمات المماثلة. مركز هذا التنظيم اليوم في بريطانيا وهو ينظم محاضرات ومؤتمرات تدعو الناس إلى التعلّم عن الديانات الأخرى وتبادل الخبرات.

في العام 1943 أسس جورج بل، أسقف شيشستر، لجنة لتأمين الارتباط بين السلطة العالمية وممثلي الأديان الحية. صدر عن هذه اللجنة بيان سمي بيان الأديان الثلاثة (Three Faith Declaration) اليهودية والكاثوليكية والبروتستانتية. قدّم هذا البيان إلى الأمم المتحدة ولكنه أُهمِل.

إبتداءً من الأربعينات قدمت الأمم المتحدة أكثر من اقتراح مماثل للأديان المتحدة، خاصةً بعد أن أصبح يوثانت[3] أميناً عاماً. في السبعينات والثمانينات شجعها روبرت مولر وهو مساعد سابق للأمين العام للأمم المتحدة ويُعتَبر من أهم روحانيي العصر الجديد (New Age) وكاتب لعدة كتب في هذا المجال. فهو يرى أن الحاجة هي إلى مكان يجتمع فيه ممثلو الأديان بشكل مستمر على مثال ما يجتمع ممثلو الدول في الأمم المتحدة. وفي كتاباته يحكي عن دور الروحانية (spirituality) في حل مشاكل العالم، مطالباً بإنشاء منظمة للأديان أو بأن تكون هناك لجنة في الأمم المتحدة تعنى بالأمر[4]. وهو بهذا يستند إلى رأي هارولد ستان، آخر الأحياء من الأميركيين الذين شاركوا في كتابة شرعة الأمم المتحدة، الذي لا يرى في عدم انضمام كل الأديان إلى هذه المؤسسة أي مشكلة إذ أنها لن تلبث ان تنضم بعد التأسيس على غرار ما جرى مع الدول التي لم تنضم إلى الأمم المتحدة عند تأسيسها. ويشدد مولر على أهمية العام 2000 في هذا العمل الوحدوي داعياً الناس إلى موقف نبوي يتلخص في إعلان وحدة بين الأديان تقوم على المبادئ المشتركة بينها مثل السلام، عمل الخير، الأمل، الإيمان، الحب، المسامحة، الخلق، الأبدية، الإيمان بالحياة وغيرها.

في الخمسينات أقام حلف الأديان العالمي (World Alliance of Religions) عدداً من المؤتمرات. كما أُسس البرلمان العالمي للأديان في نيويورك من أجل إيجاد مجموعة دائمة تعمل مع الأمم المتحدة لإيقاف الحروب وإزالة أسبابها ولنشر حياة أفضل بين شعوب الأرض كلها.

في الستينات ظهر محفل التفاهم (Temple of Understanding – ToU) الذي عقد، ما بين الستينات والتسعينات، عدداً من المؤتمرات الروحية موازية لمؤتمرات الزعماء السياسيين. مركز هذا المحفل هو نيويورك ومن أهم شخصياته توماس مارتن[5] الذي عمل في الستينات مع مجلس الكنائس العالمي وقد أثارت كتاباته التحفظ لدى عدد من الأرثوذكسيين الذين ردوا عليه خاصة في موضوع السلام.

أيضاً في 1961 قدّم رؤساء البوذية الوون الكوريين (Wonn Buddhism) فكرة اتحاد أديان يتولى حل مشاكل العالم الروحية.

في السبعينات عبّر شري ر.ر. ديووكر، أحد مؤسسي المؤتمر العالمي من أجل الأديان والسلام (World Congress of Religion and Peace – WCRP)، عن الحاجة إلى منظمة أديان متحدة في العالم كله. وفي الفترة نفسها أعرب سرفابالي راداكريشنن، رئيس الهند السابق وراعي الشرف لأول إجتماع للـWCRP، عن الرغبة بنشر السلام والوفاق بين البشر من خلال عدد من الوكالات العالمية ومن بينها الأمم المتحدة (UN)، الأونيسكو، منظمة العمل الدولية (ILO)، ومنظمة الصحة العالمية (WHO)، متساءلاً لماذا لا يكون هناك منظمة أديان متحدة ما دام هناك منظمة أمم متحدة. في العام 1994تم انتخاب Chiara Lubich رئيسة شرف لهذا التنظيم، وهي التي أسست الفوكولاري[6].

في الـ1986 اقترح جون تايلر، في أحد الإجتماعات التي ضمت عدداً كبيراً من منظمات الحوار الديني في أمرداون – بريطانيا، إقامة مجلس أديان عالمي.

في 1993 اقترح رئيس المجلس العالمي المسيحي اليهودي، سيغموند شترنبرغ، إقامة برلمان شيكاغو لأديان العالم. وفي 1995 التقت مجموعة من الشخصيات المعروفة عالمياً حول ما أسموه منظمة السلام بهدف مساندة بعضهم البعض في أعمالهم من أجل السلام، خاصةً الديني.

مبادرة الديانات المتحدة (United Religions Initiative – URI)[7]

هي أهم هذه المؤسسات اليوم. هذا التنظيم أنشأه في العام 1993 الأسقف وليم سوينغ William Swing من الكنيسة الأسقفية في كاليفورنيا إثر تلقيه طلب من منظمة الأمم المتحدة لترؤس خدمة مشتركة في كاتدرائية النعمة في سان فرانسيسكو، بمناسبة العيد الخمسين لتأسيسها. لكن الحلم الذي راوده، مثل سابقيه، هو: إن كان رؤساء الأمم يجتمعون يومياً في الأمم المتحدة لمعالجة شؤون الدول، لمَ لا يجتمع رؤساء الأديان في العالم؟ لماذا لا يكون هناك “منظمة الأديان المتحدة” ما دامت هناك “منظمة الأمم المتحدة”؟ وفي حزيران 1995، تمكن من جمع مئتي شخص من أربعين إنتماء ديني مختلف. من المشاركين في هذا اللقاء حاملا جائزة نوبل للسلام الأسقف ديسموند توتو Desmond Tutu وبيتي ويليامز. وفي شباط 1996 بدأ رحلة لثلاثة أشهر التقى خلالها عدداً من الزعماء والشخصيات الدينيين مستطلعاً رأيهم، منهم: الدالاي لاما، السنكراشايا، مفتي القاهرة، الأم تريزا، رئيس أساقفة كانتربري، إضافةً إلى عدد كبير من رؤساء الطوائف المحلية في الصين واليابان وكوريا. كما أنه زار باكستان، إسرائيل، الأردن، تركيا، بريطانيا، سويسرا والفاتيكان. أيضاً في جولته قابل عدداً من الفلاسفة والعلماء من أهمهم اللاهوتي السويسري هانس كينغ. في حزيران 1996 عُقد أول لقاء حيث خطب الأسقف سوينغ معتبراً إنشاء منظمة الأديان المتحدة ضرورة لقيام النظام العالمي الجديد. خلال هذا اللقاء أُعلن عن مؤتمر عالمي يُعقد برعاية الزعيم السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشيف صاحب الـGorbachev Foundation التي، كما تعرّف عن نفسها، تعمل نحو حضارة جديدة وتدعو إلى منظمة للأديان الموحدة على مثال الأمم المتحدة. من أهم الشخصيات في هذا اللقاء جادسون غاري وهو إنجيلي ناشط يعمل من خلال عدة مؤسسات إنجيلية ومعمدانية شبابية من أهمها الحملة الجامعية من أجل المسيح (Campus Crusade for Christ)[8]، المسيرة من أجل المسيح (March for Jesus)، شباب بمهمة (Youth with a Mission). كتب غاري كتاباً أسماه “نجمة العام 2000 (Star of 2000)”[9] يدعو من خلاله المسيحيين جميعاً للمشاركة بمختلف أشكال احتفالات العام 2000 كبداية لعصر جديد (New Age) وحضارة جديدة[10].

تبع هذا اللقاء آخر ما بين 23 و27 حزيران 1997 حيث تألفت لجان بحث في كل مناطق العالم هدفها العمل على وضع مسودة لشِرعة الأديان المتحدة. التقت هذه اللجان في حزيران 1998 لتقميش النتائج والبدء بكتابة هذه الشرعة على أن يتم توقيعها في حزيران 2000. نشرت مجلة أصوات النور[11] تقريراً حول هذا الاجتماع الذي انعقد في ستانفورد[12]، رأى فيه الكاتب أن مبادرة الأديان المتحدة مرتبطة بشكل عضوي بجماعات الروح لأن الأهداف متشابهة. فالأفرقاء يبحثون عن أرضية مشتركة بين أديان العالم الصغير إلى درجة يصبح معها ضرورياً جداً وجود الدين الحقيقي. يستشهد الكاتب بتوماس مارتن ويدعو إلى التوفيق بين المعتقدات (syncreticism)، كما يصف بعض الأشخاص الذين تأثر بهم من المشاركين في هذا اللقاء. من هؤلاء عميد إحدى كليات الدراسات الدينية يسمي نفسه “بوذي أسقفي” (buddhist episcopal)، إضافة إلى كاهن كاثوليكي من رومانيا وشخصيات تمثل جمعيات مثل برلمان الأرواح (Parliament of Souls)، إتحاد الجماعة الروحية (Allience for Spiritual Community)، مجتمع الصلاة لسلام العالم (World Peace Prayer Society)، وشبكة المعتقدات في أميركا الشمالية (North American Interfaith Network)[13]. من النقاط التي يشير اليها التقرير موقف المساندة غير المتزعزع الذي اتخذه المجتمعون نحو الجماعات المضطهَدة التي تشكلّها الأقليات الجنسية في العالم، خاصة اللواطيين والسحاقيات الذين يدعو إلى إكرامهم رداً لاعتبارهم وتعويضاً عن الغبن التاريخي الذي لحق بهم. في ختام التقرير يرى كاتبه أن هذه المجموعة تشكل قوة لا تقاوم عليها الاستفادة من شبكات الاتصال الحديثة وتسخيرها لتحقيق هذه الرغبة الإلهية المتجهة إلى تغيير شكل الروحانية في العالم.

صدر عن هذا اللقاء بيان موقع من سوينغ ومولر وجودي هولستر مؤسسة محفل التفاهم، يوجه نداء إلى كل المهتمين بالأزمات العالمية والذين يرون أن هناك شيئاً يجب أن يتغير. فالدعوة هي إلى البحث عن النقاط المشتركة وتلافي الشؤون اللاهوتية والصلوات لأنها تفرّق. يشدد البيان على دور الشباب ويؤكد ضرورة التركيز على الشعب أكثر من رؤوس الأهرام في الديانات ويضع برنامجاً للإتصال بالناس من خلال الإنترنت أو الأقمار الإصطناعية1.

من أهم المجموعات التي تتعاطف أو تدعم هذه المبادرة الكويكر، البهائيين[14]، البراهمو سمج، الكنيسة الموحدة(Uniterian)[15]، والكنيسة الخلاصية (Universalist)[16].

شرعة الأديان المتحدة[17]

وضعت مبادرة الأديان المتحدة مسودة للشرعة التي أُعلنت رسمياً في حزيران 1999. وهذه المسودة كانت نتيجة لقاءات إقليمية تمت في أوكسفورد، بيونس أيرس، نيويورك، جوهانسبرغ، كاراكاس ونيروبي، إضافة إلى ثلاثة لقاءات عامة في سان فرنسيسكو. أهم ما جاء في هذه الشرعة هو استنادها إلى أمر مشترك هو الإيمان بإله واحد متعالٍ أو بصلاح أساسي وبقدسية الحياة. تضع الشرعة الحرية الدينية بين أوائل اهتماماتها وتدعو إلى خلق بنية تنظيمية تساهم في إيصال الصوت المعنوي لمجموعة الأديان. كما أن الشرعة تضع بين مهماتها ضرورة الاهتمام بالاقتصاد العالمي ومشاكل البيئة مركزة على أن أساس هذه المشاكل روحي. ولرفع مستوى الثقافة البيئية والاهتمام بها، تدعو الشرعة إلى إيجاد أعياد واحتفالات لانقلاب الشمس والاعتدالين الربيعي والخريفي إضافةً إلى أعياد الأرض الطبيعية[18]. أيضاً في السياق نفسه تدعو الشرعة إلى تهيئة برامج لرجال الدين في فلسفة علم التبيؤ الروحي (Spiritual Ecology). في ختام الشرعة تشديد على ضرورة وجود نشاطات مشتركة روحية وثقافية للشباب توضح لهم أن الدين هو اهتمام بالعلاقة بين الإنسان ومصدره الروحي (Spiritual Origin)، وبأن كل الأديان تشترك فيما بينها بنفس الحكمة ذات المصدر الواحد بالرغم من التعتيم الذي تسببه الفروقات في الممارسة. وتختم بالدعوة إلى قيام لاهوت قبولي (Theology of acceptance) يساعد على اكتشاف الأرضية المشتركة، وإلى إيجاد برامج دراسات عليا ودكتوراه مما يفتح الباب للدراسة الجدية التي تغني السلام والعدالة! حضرت هذه المجموعة لنشاطات عديدة في العام 2000 منها قمة الألفية وقد اتسعت جداً وانضم إليها مجموعات عديدة من عبدة الكواكب والأشجار وغيرها من الديانات الوثنية.

تفاعل المسيحيين مع مشاريع الأديان المتحدة

لم تتلقَ مبادرة الأديان المتحدة أي دعم من الكنائس الأرثوذكسية كما لم يسجل أي حضور أرثوذكسي في أي من اللقاءات التي نظمتها. رؤساء الأقليات الشرقية لا يدعمون المبادرة ككل إنما دعموا بعض مشاريعها، منهم بابا الأقباط شنودة الثالث وبطريرك الأرمن في اسطنبول ميسروب الثاني وبعض الأساقفة السريان. موقف رؤساء الأنكليكان داعم ولا يُسجل أي اعتراض علني. أما البروتستانت فأغلبهم داعمون في وقت يتحفظ الإنجيليون.

يبقى أن الثنائية في المواقف هي الظاهرة في الكنيسة الكاثوليكية. فالموقف الرسمي معارض في حين أن دعم الأفراد قوي. سوينغ قد زار الفاتيكان في 1996 وقابل الكاردينال أرينـز وكان جواب الفاتيكان واضحاً في رفض هذه المبادرات التي لا ترى فها الكنيسة الكاثوليكية إلا محاولات توفيقية تضع الأديان السماوية على نفس مرتبة الأديان الطبيعية. جدير بالذكر هنا أن الكنيسة الكاثوليكية كانت قد سبقت هذه المبادرة في تنظيم لقاءات تجمع رؤساء وممثلي الديانات السماوية والطبيعية منذ العام 1986، بدءً بلقاء أسيزي[19] الذي تكرر في أكثر من مكان في أوروبا بتنظيم وحضور من البابا يوحنا بولس الثاني. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن البابا الحالي هو أكثر الزعماء الدينيين في العالم تجولاً واشتراكاً بلقاءات متعددة الأديان[20]. أيضاً يُذكر هنا الحرية التي يعطيها الفاتيكان لعدد كبير من الجمعيات العاملة تحت جناحه في التعاطي، نظرياً وعملياً، مع شؤون الحوار الديني، كمثل الرهبنات التقليدية كالفرنسيسكان واليسوعيين أو غيرها من الجمعيات العلمانية كالفوكولاري. قد تكون هذه الثنائية طغت كاثوليكياً في المرحلة الماضية فالكنيسة الكاثوليكية لم تدخل في مجلس الكنائس العالمي ولكنها نظمت حوارات مع كل المسيحيين وتعاونت مع هذا المجلس. ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الانفتاح غير المضبوط هو المحرك الرئيسي لرسالتي الكاردينال راتزينغر الأخيرتين في العام الفائت (الكنائس الشقيقة والرب يسوع Dominus Iesus).

يبقى أخيراً الإشارة إلى موقف مجلس الكنائس العالمي من هذه المبادرات. إن من بين الملاحظات التي يضعها الأرثوذكس على مجلس الكنائس العالمي هو بنيته التنظيمية حيث يُدار كمؤسسة وبالتالي يخضع قانونياً للأغلبية العددية. وهذا الوضع جعل ويجعل تأثير الليبراليين البروتستانت الداعمين لمبادرات توحيد الأديان على هذا المجلس أكثر قوة. فالمجلس أخذ منذ أوائل السبعينات يدعو إلى إعادة النظر بالعلاقات مع الأديان غير المسيحية. وقد شارك في الجلسات العامة لدورته الخامسة في نيروبي في تشرين الأول 1975 ممثلون لأديان غير المسيحية وسُمح لهم بقراءة أوراق على المجتمعين. تكرر الشيء نفسه في فانكوفر في العام 1984 حيث عقدت الدورة السادسة وشارك ممثلو الأديان الأخرى بشكل كامل وليس كمجرد مراقبين. في هذه الدورة بدأ الكلام عن المسكونية على أنها تستند إلى الأصل اليوناني للكلمة والذي يعني كل المسكونة، وبهذا يتغير معنى الحوار المسكوني ليضم كل البشر عوضاً عن المسيحيين فقط[21]. وفي العام 1991 في الدورة السابعة لمجلس الكنائس التي عُقدت في كانبيرا شارك عدد من ممثلي أديان أدغال أفريقيا وأوستراليا وقدموا رقصات دينية بالاشتراك مع مجموعات بوذية كورية. وخلال إحدى جلسات المجلس دعت اللاهوتية الكورية شانغ إلى استبدال الروح “الخصوصي” بروح عالمي[22]. وخلال مشاركتها في إحدى الرقصات التي ضمت مجموعات مختلفة، تكلمت عن الأخ يسوع (brother Jesus)[23]. وقد استدعى هذا الأمر ممثلي الكنائس الأرثوذكسية والشرقية المشاركة في مجلس الكنائس العالمي إلى عقد لقاء في مركز كنيسة القسطنطينية في شامبزي – سويسرا بين الثاني عشر والسادس عشر من ايلول 1991 وأصدروا مذكرة تناولت أسس مشاركة كنائسهم في هذا المجلس وأهدافها ورؤيتهم للأمور على ضوء خبرتهم في كانبيرا. وهذه الخبرة كانت من الأسباب المباشرة التي أدت إلى تغير موقف عدد من الكنائس الأرثوذكسية من هذا المجلس وإعادة نظر البعض منها بعضويتها فيه، وهو أمر ما زال في البحث حتى اليوم.

ملاحظات

في اجتماعات الجمعيات التي تروّج لوحدة الأديان، تقام صلوات مشتركة بأحد شكلين: إما أن يصلي أحد المشتركين بحسب دينه وطقسه في وقت يتأمل الباقون في هذه الصلاة، أو أن يصلي الجميع صلاة واحدة. من الأمثلة على هذه الصلوات الموحدة “الصلاة العالمية من أجل السلام”[24]:

“قدني من الموت إلى الحياة، من الخطأ إلى الصواب. قدني من اليأس إلى الأمل، من الخوف إلى الثقة. قدني من الكراهية إلى المحبة، من الحرب إلى السلام. فليملأ السلام قلبنا، وعالمنا وكوننا”.

لا بد من التساؤل إلى مَن تتوجه هذه الصلوات؟ بحسب العاملين في التسويق للأديان المتحدة، الأمر متروك لكل من المشتركين أن يرى إلهه، وهذا يتناقض مع الإيمان المسيحي وإن اتفق مع ديانات الشرق ومع مبادئ بعض الجمعيات القديمة أو الحديثة المنتشرة في العالم.

اللافت مع كل المؤسسات التي تتعاطى الدعوة إلى الوحدة أنها تضع الاختلافات اللاهوتية جانباً بينما الحوار الصحيح في العادة يقوم على تدارس ومناقشة نقاط الخلاف قبل غيرها. إن هذه المؤسسات تضع الحوار نفسه على درجة من الأهمية أعلى من الحقيقة أحياناً. فالكلام على وجوب تلافي اللاهوت والصلوات، في وقت يتم استبدالها بصلوات بديلة هو أمر مريب. خطورة هذه الدعوات أنها تستهوي الشباب خاصةً أنها موجهة إليهم قبل غيرهم وهذا ما يظهر واضحاً على صفحات الإنترنت التابعة للمنظمات الداعمة. إن ارتباط هذه الدعوات بفلسفة العصر الجديد (New Age) واضح وأحياناً لا يحتاج إلى برهان إذ أن دعاتها يعلنون هذا.  إن فكرة الأديان المتحدة تفتقد إلى الواقعية رغم ما تتمتع به من دعم سياسي. ومع أنه صعب على مروّجيها احتواء لجان الحوار القائمة اليوم بين الديانات كافة، او الحلول مكانها، فإن بقعة هذه المبادرة آخذة بالاتساع. المميّز في مبادرة الأديان المتحدة أنها تتمتع بدعم الأمم المتحدة وإعلانها الصريح أن الأديان هي عنصر تفرقة.

ليست الدعوة إلى منظمة الأديان المتحدة الأولى من نوعها. ففي التاريخ عدة محاولات قام بها حكام لدمج أكثر من ديانة بين رعاياهم من أجل تثبيت حكمهم، أو حتى لدمج الدين بالدولة للهدف نفسه. من هنا أن هذه الدعوة قد تحمل دعوة أخرى مستترة أو غير مباشرة إلى دين جديد يقوم على تهميش الأديان التقليدية أو تفريغها. وعليه فالخطر الأكبر يكمن في الدعوات التي لا تسمي الأشياء بأسمائها، والتي قد تؤدي في وقت ما إلى ابتلاع كل الحوارات القائمة من حوار مسيحي-مسيحي أو مسيحي-إسلامي.

[1]        The millenium World Peace Summit of Religious and Spiritual Leaders. http://www.milleniumpeacesummit.com/about.htm.

[2]        Alabama Discernment Ministries. United Religions (UR) Modeled After the U.N.. http://www.idcom.com/sogardy/

[3] U Thant سياسي بورمي، ثالث أمين عام للأمم المتحدة ما بين 1961 و1971.

[4]        Muller, Dr. Robert. Religion UNITED. The Promise of a Permanent United Religions Organization. http://www.silcom.com/~origin/sbcr/sbcr241

[5]        توماس مارتن هو راهب كاثوليكي من الـTrappistes وقد تجوّل في العالم داعياً إلى الاختلاط بين التقاليد الدينية المختلفة التي تغني بعضها البعض. مارتن هو أيضاً شاعر وهناك الكثير من الكتابات والدراسات التي تتناول فكره. منها ما يركز على شعره ومنها ما يقارنه بالمتصوفين المسلمين أو الهندوس.

[6] الفوكولاري منظمة تعرّف عن نفسها على أنها كاثوليكية وأهم مشاريعها متعددة الأديان والطوائف. كما يظهر من صفحة الإنترنت الرسمية لهذه الجمعية (www.focolare.org) أنها تصنف العلاقات مع الطوائف المسيحية غير الكاثوليكية في نفس خانة العلاقة مع اليهود. كما أنه ينبثق عن هذه  المنظمة عدة منظمات للعائلات أو الشباب من أهمها “شباب لعالم موحد (Youth for a United World)” وهي ناشطة في لبنان وتعرّف عن نفسها بأنها “شباب من كل المعتقدات: مسيحيون، مسلمون، يهود، بوذيون… وشبان من دون أي انتماء ديني”.

[7]        United Religions Initiative. http://www.united-religions.org

[8] هذه المجموعة ناشطة  في لبنان وتعمل من خلال كنيسة الله ومجموعات المتجددين وتركز عملها في الأوساط الجامعية.

[9]        Jay, Gray. The Star of 2000, Our Journey toward Hope. Colorado Spring: Bimillenial Press. 1994.

[10]       United Religions Initiative 2000. Foundation Magazine. May-June 1997. http://www.tcsn.net/fbchurch/fbcunite.htm

[11]       مجلة أصوات النور (Voices of the Light) متحدثة بإسم الجماعات المتحدة للروح (The United Communities of Spirit) وهي جماعات منها أقلية بروتستانتية من الكاريزماتيك والأغلبية الباقية من ديانات الشرق الأقصى والـScientology.

[12]       “The United Religion Conference at Stanford”. Voices of the Light. No. 15, July 1, 1997. URL:http://origin.org/ucs/text/vol015.htm.

[13]       لكل هذه الجماعات صفحات ومواقع على الإنترنت لم نوردها يكفي الوصول إلى إحداها وهي تقود إلى الباقيات.

[14] مجموعة من أصل بابي. والبابية هي أيضاً مجموعة من أصل شيعي إيراني تؤمن بوحدة البشر الروحية. علاقة البهائية بالصهيونية واضحة ومؤسسها مدفون في جبل الكرمل حيث يعتبر أتباعه المدفن مكان حج.

[15] مجموعة مشتقة من البروتستانتية ترفض عقيدة الثالوث.

[16] مجموعة بروتستانتية تقول بأن كل الناس سوف ينعمون آخر الأمر بالخلاص.

[17]       http://www.united-religions.org/chart.htm

[18]       معروف في تاريخ الكنيسة سعيها إلى استبدال هذه الأعياد بأعياد كنسية لارتباط هذه الأعياد بالعبادة الوثنية.

[19]  دعت الكنيسة الكاثوليكية إلى هذا الاجتماع وشارك فيه 150 ممثلاً لإثتني عشر ديانة هي المسيحية، الإسلام، اليهودية، البوذية، الهندوسية، الشنتوية، السيخ، وديانات المواطنين الأصليين في أفريقيا وأميركا. من المسيحيين كان هناك الأرثوذكس، اللاتين، الأرمن، الروم الكاثوليك، الكاثوليك القدامى، الأنكليكان، النساطرة، الأقباط واللوثريون. الكنائس الأرثوذكسية التي شاركت هي القسطنطينية، أنطاكية،  رومانيا، جورجيا، موسكو، اليونان، فنلندا، تشيكوسلوفاكيا وبلغاريا. لم يتحدث أحد إلا البابا وقد تطرق في كلمته إلى موضوع الصلاة وساوى بين صلوات جميع المشاركين ورأى أنها توصل إلى الآب المشترك. من المميز في هذا اللقاء أن كل مجموعة، بما فيها غير المسيحيين، أُعطيت كنيسة لتقيم فيها الصلاة. فالبوذيون مثلاً أُعطوا كنيسة على اسم الرسول بطرس وقد وضعوا تمثالاً لبوذا على المذبح. وقد تكررت هذه الاجتماعات في روما (1987 و1988)، وارسو (1989)، باري (1990)، مالطا (1991)، بروكسل (1992). أما في 1993 فقد جرى الاجتماع في ميلانو وكان المتحدث الوحيد ميخائيل غورباتشوف، ثم في أسيزي (1994).

[20] زار البابا الحالي في العام 1984 معبداً بوذياً في تايلاند، وفي العام 1985 اعتذر من المسلمين عن إساءات تاريخية خلال زيارته للمغرب، وفي العام نفسه زار الغابة المقدسة بالقرب من لوهوماي في توغو (أفريقيا) برفقة اسانو (Asenu) أو الكاهن الأعظم للغابة المقدسة، وخلال زيارته لتوغو اجتمع بعبدة الأفاعي الذين شاركوا في لقاء أسيزي 1986، وفي العام 1986 زار الهيكل اليهودي في روما. وفي العام نفسه سمح لكاهنة هندوسية بلصق التيلاك (لصقة من الصندل) على جبينه، وشارك في عدد من الطقوس الهندوسية خلال زيارته للهند، وقد زار قبر غاندي مادحاً إياه لأنه قال “أنا مسيحي وهندوسي ومسلم ويهودي”. وفي تشرين الأول 1986 زار فيجي وشرب الكافا (Kava) وهي شراب سبق للكنيسة الكاثوليكية أن أدانته على أنه إحدى وسائل عبادة الشيطان[20]. وزيارته في العام الفائت لدير الكنيسة كاترينا ومروره بالقدس وتوقفه في المسجد الأقصى وحائط المبكى تصب كلها في هذا الإطار من التوفيقية (Syncretism) المبطنة.

راجع (Cotter, John. Assisi Assessed. Saint Benedict Center. URL:http://www.catholicism.org/PAGES/Assisi.htm)

[21] Cotter, John. Assisi Assessed. Saint Benedict Center. URL:http://www.catholicism.org/PAGES/Assisi.htm

[22]       Tsetsis, Fr. Georges. The Orthodox in the Ecumenical Movement: A short history.  In Communion Magazine (online version). March 31, 1997. http://www.incommunion.org

[23]       Video

[24]       Braybrooke, Rev. Marcus. A Study Guide for Interreligious Cooperation and understanding. http://www.silcom.com/~origin/sbcr/sbcr261.

Leave a Reply