القديس باسيليوس الكبير: تعاليمه

القديس باسيليوس الكبير: تعاليمه

إعداد الأب باسيليوس الدبس

– تعليم باسيليوس عن الزمن

– الله

– الخليقة (علم الكون Cosmologia)

– تركيب المادة وتشكيلها

– خلق الله للعالم

– الميزة الإنسانية والإلهية لعلم الكون

– اكتمال العالم

– مفاهيمه الإجتماعية

– اليوم الثامن

– تعليمه عن الأسرار

– تعليم باسيليوس عن الزمن

 

نجد في مؤلفات باسيليوس ألفاظاً تتعلق بمفهوم الزمن مستقاة من الفلسفة الهلينية مثل السرمدية،والدهر،والمدة الزمنية.لكنه يستخدم هذه الألفاظ على نحو يخالف المفهوم التقليدي للفلسفة فيعطيها معنى جديداً.

الزمن

أن اوريجنس وبعض الفرق المسيحية ميّزوا بين الأزل “AIZION – aidion” والدهر “AION – aiwn” وعلى هذا الأساس وصلوا إلى القول بمرؤوسية الإبن للآب(لأن الإبن مولود قبل الدهور وهذا لا يعني أنه منذ الأزل) هذا التمييز استخدمه آباء الكنيسة لتأكيد المسافة الفاصلة بين الثالوث والعالم المنظور، غير أن الافلطونيين المحدَثين قالوا أن الأزلية ادنى من الأبدية. أما الفكر الآبائي الذي استخدم لفظــة الــ “AION – aiwn” كما استخدمها الكتاب المقدس فأشار إلى جزء كبير من الزمن ولم يُشر إلى وضع لا زمني لذلك اعتبر باسيليوس أن الأزلي هو فوق الدهر وفوق الزمن، فالأزلي بالمعنى الدقيق يعود إلى الله المثلث الأقانيم لكن الــ “AIZION – aidion” يجب أن لا يتمثل (يتطابق) مع اللامولود “AGENNITON – aggennhton”. بخلاف ما فعله إفنوميوس وأتباعه الذين رفضوا أزليــة الابن لأنـه مولود. باسيليوس يحدد لفظة اللامولود بأنه ذلك الذي لا بدء له ولا مسبب لوجوده أما الأزلي فهو الذي له وجود اقدم من الزمن والأبدية.لذلك فالإبن هو مولود أزلي.أما الآب فهو غير مولود أزلي ولا بدء له . وطالما أن الإبن أزلي مع الآب فلا وجود لواسطة بين الآب اللامولود والإبن المولود أي لا يوجد جزء من الزمان في العلاقة بينهما.لذلك يقول باسيليوس :”الإبن كائن قبل الدهر وكائن دائماً ووجوده لم يبدأ قط ولا واسطة بينه وبين الآب”.

ومن جهة أخرى يحاول أن يدحض إنكار الهراطقة لأزلية الإبن فيشير إلى أن الإبن لا يمكن اعتباره احدث من الآب من حيث وجوده لأنه سيوجد وقت يفرق فيه بين ولادة الإبن وعدم ولادة الآب فإذا وجد وقت كهذا فماذا نسميها؟ طالما أننا لا نقدر أن نسميها زمناً ولا دهراً . أما إذا قبلنا بأن هناك زمن يتوسط بين الآب والإبن فأننا نبرهن أن الكتاب خاطئ لأنه يعلم أن الإبن خُلق قبل الدهور. إذا يستحيل على المرء أن ينكر أزلية الإبن ويستحيل عليه أن يحاول تحديد الإبن تحديداً زمنياً أو بالأحرى تحديد خالق الزمن تحديداً زمنياً. والأزلية تنسب أيضاً إلى الروح فهو كان موجوداً من قبل ويكون مع الآب والإبن قبل الدهور. وطالما أن الازلي يعود إلى الوضع الذي يسبق الدهر فالعقل لا يمكن أن يتجاوز معنى البدء وتخيله،لا يقدر أن يدخل إلى مكان لا وجود فيه إلى اللامكان والزمان ولا يقدر الإنسان أن يدرك شيء اقدم من البدء.

لذلك لا يمكن للقياس المنطقي أن يفهم أن هناك وقت لم يكن فيه الإبن لأنه يناقض الفعل كان .كان يعني أنه أزلي وغير زمني لذلك قال الإنجيلي الكائن الذي كان والقدير.كما هو الكائن كذلك هو”الذي كان”.في كتابه في الروح القدس في الفصل 14:6يقول: “لا يمكن أن يكون الإبن بعد الآب في الزمان فهو خالق الأزمنة لذلك لا يوجد زمان يمكن الإشارة إليه كوقت يفصل بين الآب والإبن, فالضرورة تحتم وجود الآب مع الإبن في وقت واحد حتى نقدر أن نتكلم على آب وابن. أليس تهوراً لا مثيل له أن تقاس الحياة التي تعلو كل الأزمنة بمقاييس زمنية, أليس تهوراً أن يُقال أن الآب يُقارن بالإبن في الزمان؟ فالتسلسل والتتابع ينطبق على الخليقة في الزمن وليس على الكائن قبل كل الدهور”.

– الله:

بما أن الله ذاتي الحقيقة فهو يستمد برهان وجوده من ذاته في حين أن الإنسان يستمد براهين وجوده من الخارج لأنه مخلوق والمخلوق لا يعرف جوهر الخالق.

بما أن الله مثلث الأقانيم فكل اقنوم يختلف عن الآخر “بطريقة وجوده” فالأقانيم واحدة في اتحادها وحيث يكون الروح حاضر هناك يقيم المسيح، وحيث يكون المسيح هناك الآب. إذاً كل اقنوم يكشف عن الاقنومَين الآخرَين لأنهم يشتركون في الجوهر والعمل.ويشدد باسيليوس على الاختلاف بين تعدد الآلهة وتعدد الأقانيم لأن العلاقة لا تُفهم على نحو بشري بل على نحو خلاصي.

– الخليقة (علم الكون Cosmologia):

يرفض باسيليوس منذ البدء المنهج الارسطي الذي يبدأ بالتحليل الاختياري للظواهر الطبيعية ويتقدم في دراسة الأوضاع الطبيعية حتى الغاية الأخيرة للظواهر. فعلم الكون عند باسيليوس يقترب من منهج أفلاطون ولكن على أساس اختلافَين أساسيَين،يجعلان التشابه بينهما ظاهرياً:

-تفهم علة الخليقة عند أفلاطون من خلال الميثولوجية،أما باسيليوس فيدرس علة الكون من خلال الكشف أو الإعلان ويفسره تفسيراً واقعياً وليس مجازياً.

-فلسفة أفلاطون لا تقبل الخلق، أما العقيدة المسيحية فتؤكد خروج المنظورات وغير المنظورات من العدم.

– تركيب المادة وتشكيلها:

يؤكّد باسيليوس أنه من الصعب تفسير ماهية الكائنات لأنها لا تدرك بالنظر ولا تخضع لحاسة أللمس خضوعاً كلياً. ولا يقبل باسيليوس أن المادة بدأت في الوجود مع الزمن بل أنها غير موجودة في الواقع (فكرة تبناها غريغوريوس النيصصي). يعتبر باسيليوس أنه من المستحيل أن توجد طبيعة ذاتية الوجود فإذا طرح الإنسان من فكره خاصة وراء خاصة من خواص المادة فأنه سيصل إلى مفهوم عدم الوجود ولذلك يدحض أزلية المادة و يقول أنه من الكفر أن تساوي المادة بالله. “إذا اعتبرنا أن المادة تستوعب حكمة الله فأن وجودها سيقابل قوة الله أما إذا اعتبرناها اقل من حكمة الله فأن الله يبقى عمله نصف منتهٍ ولذلك يجب أن لا نتصوّر بأن الله يعمل مثلما يعمل الإنسان الذي يأخذ المادة من الخارج ويطبقها على نظامه و تفكيره. أما الله فقبل أن يخلق المنظورات عرف من أي نوع يجب أن يكون عليه العالم ووفق هذا المخطط خلق المادة المناسبة له”.

بعض الفلاسفة يؤمنون بأن السموات تتواجد منذ الأزل مع الله, مثل أفلاطون وعالم المُثُل, وبعضهم الآخر يؤمنون بأن السماء اله لا بدء له ولا نهاية وأنها علّة بتنظيم المخلوقات. ولعلّ باسيليوس يشير هنا إلى أفلاطون و أرسطو، وطبعاً إلى المفهوم الأفلاطوني المحدَث عن الفيض الأزلي فهؤلاء جميعاً آمنوا أن الله علّة الكون من دون أن تكون له إرادة حرّة، هذا التفكير هو في نظر باسيليوس قياس منطقي باطل ،لأنهم لم يفهموا أنه إذا كان جزء من أجزاء العالم خاضع للفساد والفناء فلأن الكل سيخضع بالضرورة إلى الفساد الذي خضع له الجزء ،وإذا كانت أجزاء العالم محدودة فأن العالم كله محدود.العالم إذاً مخلوق وليس شيئاً موجوداً في ذاته ومستقلاً أو أزلياً مع الله.

يدحض باسيليوس حجة فلسفية أخرى عن أزلية الكون المرتكزة على أزلية الحركة(الدائرة تعبر عن الكمال). يقول باسيليوس أن طبيعة الأجساد التي تتحرك لا يمكن أن تكون بغير بداءة. رغم أن المرء يصعب عليه أن يعرف بدء الدائرة. إلاّ أن الدائرة تبدأ من نقطة واحدة فالذي رسمها وضع لها مركزاً “Centre” ومسافة للشعاع والقطر “Rayon et Diametre” ولذلك قياساً على ذلك فأن الحركة الدائرية للأجرام السماوية بدأ في الزمن، لذلك فحركتها المستمرة تدل على أن العالم له بدء وله نهاية. لذلك فأن علم نظام الكون عنده هو إنقضائي أيضاً. هذا لم يمنع باسيليوس من قبول النظرية الشائعة في عصره وهي أن العناصر الأربعة “الاستقساء” التراب والماء والنار والهواء هي التي يتألف منها الكون[1]. وحاول أن يدعم في كتاباته هذا الرأي من الكتاب المقدس.

– خلق الله للعالم:

لم يخلق العالم لوحده أي بمعزل عن الإرادة الإلهي لأن الخلق لا يضع الله تحت النواميس الطبيعية. فهذه النواميس لم توجد قبل المكان والزمان ولا يمكن فصلها عن الخلق ولذلك فإن بدء الخليقة لا يمكن فهمه ضمن الزمان لأن البدء كان اللحظة الأُولى للزمن لأنه خلق مع الكون. فيؤكد أن البدء الزمني لا وجود له ضمن مسافة زمنية ولا يمكن فهمه كفترة من الزمن وإلا استطعنا أن نميّز في البدء بدأً ووسطاً ونهاية.

أن عبارة “في البدء”، تظهر عند باسيليوس ، أن العالم بدأ وجوده بلا زمن ومباشرة حالما أراد الله ذلك. الخليقة هي في الوقت نفسه كشف عن الله الذي يتدخل في جوهر المخلوقات وكيانها، فيؤلّف بينها ويصوغها وفق ذاته وإرادته. وهكذا تخدم الخليقة الهدف الإلهي. ولا شيء يوجد خارج العناية الإلهية. فالعالم ليس وحده في مسيرته حتى النهاية فالعناية الإلهية توجه الكائنات إلى الكمال.

إن علم الكون الكتابي لا تهدف إلى إرضاء خلق الإنسان العقلي،فتعليم المسيحية عن العالم هو قبل كل شيء كشف وإعلان وليس علماً.لذلك عندما يتحدث باسيليوس عن الخليقة لا يقدم لسامعيه معلومات علمية ولا يهمه أن يفسر الظواهر الطبيعية إنما يعطي الأساس اللاهوتي لعلم الكون.

– الميزة الإنسانية والإلهية لعلم الكون:

لا يدرس باسيليوس العالم باستقلال عن الإنسان والله وهكذا ينجح في إقامة علاقة بين علم الكون وعلم الإنسان والعرفان الإلهي. فعلم الكون بكونه كشفاً فهو يهدف إلى كمال الإنسان،فالعالم المخلوق ليس له قيمة بحدِّ ذاته إنما يأخذ قيمته من الإنسان الموجود فيه. العالم مكان لكمال الإنسان. النفوس الناطقة تتعلم في العالم ضمن الظواهر والمحسوسات، يقدر العقل أن يتوصل إلى وجود اللامحسوسات فالمكان الترابي يصبح “المدرسة المشتركة لكل الناس” وفي هذه المدرسة يساعد الكشف الإنسان على إكتشاف الأبدية والثبات في عالم التغيّر والفناء. فالعالم يأخذ بُعداً إنقضائياً لأن القوى الإلهية تنكشف فيه وتفعل. العالم هو أيضا مدرسة لمعرفة الله لكن العرفان الذي يتلقاه من الإعلان الطبيعي هو محدود لأن أعمال الله لم تخرج من الجوهر الإلهي.

فالطبيعة لا تكشف عن هذا الجوهر كما أن البيت لا يكشف عن جوهر البناء والإنسان عندما ينظر إلى الخليقة بنور الكشف الإلهي يمجد الصانع الحكيم لأن جمال المخلوقات يذكّره بالجمال الفائق.إن العالم بعد السقوط يئنّ ويتمخّض مع الإنسان الذي افتقر من النعمة، لكن العالم هو المحل الأمثل لكي يدربه ويربيه. كل ما في الطبيعة يتطلع بشوق إلى الرجوع إلى واهب الحياة. فمعنى العالم لا يوجد في بدئه لكن في غايته. الغاية تعطي قيمة للحاضر ومعنى للماضي. فالتاريخ يسير في الزمن لأن جسد المسيح لم يكتمل بعد وملء الجسد يفترض اكتمال التاريخ كله. لذلك فنهاية العالم والزمان شيء طبيعي ولكنه مجهول. كل ما هو مركّب في طبيعته لا يمكن أن يكون أزلياً لأنه سينحلّ. فهذا العالم مائت لأن تكوين المنظورات مركّب وكل ما هو مركّب ينحلّ لكن حيث لا يوجد فناء فهناك الثبات أي ملكوت الله.

– اكتمال العالم:

من أصعب المسائل في اللاهوت المسيحي هو عودة كل شيء إلى الله. نعرف أن أوريجنس لم يخرج عن مفهوم الدوران فاعتبر أن المادة هي:

-نتيجة التبدل والتغير وعدم ثبات الأرواح التي خُلقت.

-المادة هي عقاب لأنها ابتعدت عن الله.

-الامتحان التدريبي الذي يساعد في الإصلاح الروحي هي المادة.

أما عند باسيليوس فالأساس مختلف لأن الكمال لا يعود إلى حياة روحية ،غير مادية ، قبل خلق العالم أو إلى حالة ما قبل السقوط فقط، فالخليقة تسير كلها في المسيح إلى الله.والكمال الإنقضائي المنتظَر هو أسمى من الكمال قبل السقوط وملكوت الله لا يُقارن بالفردوس.

اتّبع باسيليوس خط الرواقيين فيما يخص النار(بدون النار لن يُخلق عالم جديد)وعودة الكائنات إلى الله هو وضع ثابت لاوجود فيه لسقوط ونهوض.

– مفاهيمه الإجتماعية:

يقول باسيليوس أن الإنسان كائن غرس الله فيه الصفة الاجتماعية عند الخلق عندما قال: “ليس حسن أن يكون الإنسان وحده على الأرض”. وأعطاه الكلمة لكي يكشف عن إرادة قلبه وينقل للآخرين خفايا ذاته وأعطاه المواهب الروحية لكي يتكامل البشر. وأبناء المجتمع يستطيعون أن يكونوا نفساً واحدة إذا ما اقتدوا بحياة الملائكة والقديسين .لكن الحياة الحاضرة هي مواجهة مع المشاكل الروحية والاجتماعية.

المُلكية في المسيحية ليست جماعية لكن استخدامها هو جماعي.الفرد هو وكيل الخيرات الأرضية ومدبرها وليس مالكاً لها. والمدبر الأمين يحمل المسؤولية مقتدياُ بحكمةِ المدبّر الأكبر.

يقول: من لا يُلبس العريان ولا يُطعم الجائع ليس سوى مختلس يعري الثوب عن مرتديه.

المحبة اللاأنانية التي تجاهد من أجل الآخر، وحزن على ضرره، وتفرح لنجاحه، هي مبدأ جديد أدخله يسوع إلى العالم. من يحب يخدم أحباء الله. في المحبة قضاء على التصرف المشين ضد القريب.

وهذه المحبة اللاأنانية تتبرعم أيضاً في العائلة المسيحية وتأخذ ملء أبعادها في محبة الرجل وطاعة المرأة اللتين تؤلفان واقعاً واحداً الرجل بمحبته يطيع المرأة والمرأة بمحبتها تطيع الرجل[2].

لكن باسيليوس لم ينسى الواقع البشري الضعيف في المؤسسة الزوجية لهذا تراه يغضّ الطرف عن بعض الشواذ الذي يسود بين الزوجين شرط أن يخضع أصحابها لممارسات التوبة التي تفرضها الكنيسة لترفع أبناءها من مستوى الدنيويات إلى العلويات. فعذر مثلاً رجلاً هجرته زوجته فتزوّج أخرى، ولم يعتبر هذه الأخيرة زانية، إنما فرض عليهما ممارسات توبة شديدة، تخفيفاً لوضعهما الشاذ قانوناً والمستعصى حلّه إجتماعياً ورعوياً[3].

– اليوم الثامن:

الممارسة في الخدم الإلهية والصلوات يوم الأحد تعكس مضمون هذا النهار المميز ، يقول باسيليوس:” إننا نقيم الصلوات وقوفاً في اليوم الأول من الأسبوع ، ليس فقط لأننا نحن قائمون مع المسيح الملزمين بابتغاء ما هو فوق ، بل إننا نذكر أنفسنا، ونحن واقفون وقت الصلاة في اليوم المكرّس للقيامة، بالنعمة التي وُهبت لنا وأيضا لأن ذلك اليوم يبدوا على نحو ما صورة للجيل الآتي. بما أنه بدء اليوم، فقد دعاه موسى لا “الأول” بل “واحداً” ، إذ قال : وكان مساء وكان صباح يوم واحد، كما لو كان اليوم عينه يعود غالباً. وعلاوة على ذلك ، إن هذا اليوم الواحد والثامن ليمثّل في ذاته ذلك اليوم الواحد والثامن الحقّ الذي يأتي المرتل بذكره في بعض عناوين مزاميره، وهو عبارة عن الحالة التي ستتبع هذا الزمان، أي ذاك اليوم الذي لا نهاية له ، ولن يعرف مساءً ولا صباحاً، أي ذاك الجيل الذي لا يزول ولا يشيخ.

فمن الملازم أن تعلّم الكنيسة أبناءها أن يقيموا الصلوات وهم وقوف في ذلك اليوم، وإذ ينطبع في ذهننا تذكر لا ينقطع للحياة التي لا نهاية لها ، فلا بدّ أن نعدّ الزاد لذلك الرحيل…”[4].

– تعليمه عن الأسرار:

يعلّم باسيليوس حول الأسرار فيقول في سرّ المعمودية مثلاً :”يقول الرب: إذهبوا وتلمذوا كل الأمم وعمّدوهم باسم الآب والإبن والروح القدس.فالمعمودية هي ختم الإيمان، والإيمان هو اعتناق الألوهة. فيجب إذن أن يؤمن المرء أولاً ، ثم يوسم بالمعمودية[5] …واليك في منتهى الوضوح موضوع بحثنا: لماذا يُضم الماء إلى الروح القدس؟ لأن للمعمودية غاية مزدوجة : محو جسد الخطيئة فلا يعود يثمر للموت، والحياة بالروح القدس ليثمر فينا ثمار القداسة. إن الماء ، بقبوله الجسد، يمثّل صورة الموت، كما لو كان الجسد في القبر. والروح القدس ينفخ في النفس قوة محيية فيجدّدها وينقلها من حالة الموت في الخطيئة إلى الحالة الأصلية، أي صداقة الله الحميمة. فهي الولادة من فوق، أي من الماء والروح: نموت في الماء ولكن الروح ينشئ فينا الحياة. بثلاث غطسات وثلاث تسميات يتم سرّ المعمودية العظيم، لكي تُمثَّل صورة الموت ويستنير المعتمدون بحصولهم على معرفة الله[6]”.

وفي سر الشكر يقول: “إن التناول كل يوم والشركة في جسد المسيح ودمه القدوس لحسن ومفيد… على إننا نتناول أربع مرات في الأسبوع: في يوم الرب، والأربعاء، والجمعة والسبت، والأيام الأخرى، إذا كان تذكاراً للقديسين[7]”.

الحواشي

[1]- معظم الآباء اعتقدوا كذلك . أنظر أيضاً :يوحنا الدمشقي في كتابه المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي:المقالة التاسعة عشر “في الخليقة المنظورة”.

[2]- راجع : مجلة النور سنة 1980 عدد 4.

[3]- اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر جزء 3 ص 269.

[4]- في الروح القدس: 27 و67. راجع: أقدم النصوص الليتورجية الجزء 3 “السبت والأحد”، ص 133.

[5]- ضد إفنوميوس 5:3 راجع: اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر، الجزء3 ص 82 .

[6]- مقالة في الروح القدس:المرجع السابق ص 84 .

[7]- أقدم النصوص المسيحية، الجزء 3، السبت والأحد: ص 61.

Leave a comment