السيادة في المسيح

السيادة في المسيح

الأرشمندريت توما بيطار

رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما


باسم الآب والابن والروح القدس،

يا إخوة،

الربّ يسوع يعطينا صورة أخرى مختلفة عن السيادة في هذا العالم. لا مانع أبداً أن يسعى كلُّ واحد لأن يكون سيِّداً. كلُّنا، في الحقيقة، مطبوع على التماس السيادة والعظمة. هذا من نِعَم الله. كل إنسان يشاؤه الربُّ الإله أن يصير إلهاً. إذاً، العظمة شيء مبارَك. الله عظيم. ونحن إذا ما كنّا على صورته ومثاله فلا يمكننا إلاّ أن نكون عظماء نظيره. لكن سيادة الله أو، بالأحرى، الصورة التي رسمها الربّ يسوع، عن السيادة، بدمه، هي صورة مختلفة عن السيادة كما نعرفها في هذا الدهر. في هذا الدهر، رؤساء الأمم يسودونهم وعظماؤهم يتسلّطون عليهم. هذا لا يشاؤه الربّ الإله أن يكون بين الذين يؤمنون به. لمّا قال الربّ يسوع لتلاميذه: “لا تدْعُوا لكم سيِّداً على الأرض لأنّ سيِّدكم واحد في السماء”، تنكّر، بالكامل، لكل سيادة من هذا الدهر وأحلّ محلّها، على الأرض، سيادة من نوع آخر، مستمددة من سيادة الآب في السماء”. الربّ يسوع المسيح أبرزَ هذه الصورة في جسده بشكل لا يقبل الالتباس. لم يشأ أن يتسلّط على أحد البتّة. لذا جاء كإنسان عادي. وُلد في مذود حقير. لم يكن له مكان يسند إليه رأسه.

إذاً، صورة العظمة في هذا الدهر لم تكن منطبقة عليه. الصورة التي عكسها كانت، بحسب هذا الدهر، صورة الخادم، صورة مَن يريد أن يبذل نفسه عن أحبّته. على هذا اقترنت صورة السيادة الجديدة بالصليب. بكلام آخر، مَن أراد أن يصير سيِّداً، بحسب المسيح، في هذا العالم، كان عليه أن يعدّ نفسه للموت من أجل الذين يريد أن يتسيّد عليهم.

من جهّة أخرى، مَن أراد أن يكون أوّلاً، بمعنى الكلمة، كان عليه أن يتّخذ صورة الخادم، أن يكون خادماً لحاجات الذين يريد أن يتسيّد عليهم. ونقول “حاجات” لا “نزوات” ولا “أهواء”. الحاجات الإنسانيّة الأصيلة والعميقة.

المقاييس، إذاً، تبدو منقلبة. عند الناس، العظمة مرتبطة بحبّ الظهور، عند الله العظمة مرتبطة بحبّ التواري. بحسب العالم، السيادة معناها أن يأخذ الإنسان المكان الأوّل. عند الله، السيادة معناها أن يأخذ المكان الأخير. عند الناس أن يكون الإنسان متقدِّماً معناه أن يجعل كل الناس وراءه. عند الله، أن يكون الإنسان متقدِّماً معناه أن يعمل على تقديم الناس على نفسه بحيث يكون هو آخر الكل كالراعي. الراعي الصالح يخدم الخراف. هو لا يتسيّد على الخراف. لا يقف منها موقف الآمر الناهي. فقط يرعاها. يلاحظها. هذا يجده أعرج فيحمله. هذا يلقاه مريضاً فيداويه. هذا يلقاه بلا قابلية على الأكل فيعينه حتى يستعيد عافيته. متى أراد أن يقود الخراف إلى المرعى كانت عينه على كل خروف، على كل نعجة، خاصة على الضعيف، على المريض، على المقصِّر لأنّه يغار عليها غيرة أبويّة أمّهيّة. وهو يحفظها ويصونها ويحصِّنها وينتبه لها بحيث يكون مستعداً، إذا ما جاء الذئب، ومتى جاء ليخطف من يده بعضاً من خرافه، يكون مستعدّاً لأن يعرِّض نفسه للخطر، لأن يبذل نفسه عنها.

الخراف ترتاح، والراعي يجد راحته في ذلك. يرتاح حين تكون خرافه مرتاحة. ولكنْ، لكي يؤمِّن لخرافه الراحة لا بدّ له أن يكون هو في التعب. لا بدّ له أن يكون ساهراً عليها وهي نائمة. بحسب الجسد، يكون هو في التعب، ولكنْ، بحسب الروح، يكون في الراحة الحقيقيّة. حين يحفظ خرافه جيِّداً يكون قد تمّم خدمته. حين يحفظها إلى المنتهى ويبلِّغها إلى الحظيرة السماويّة، إذ ذاك، يكون قد حقّق صورة العظمة الحقّانيّة. لماذا؟ لأنّه يكون قد خدمها خدمة كاملة. يكون قد أحبّها. يكون قد سهر عليها. يكون قد بذل نفسه عنها. يكون قد بذل أتعابه وجسده ودمه.

في العالم، الناس يُربُّون الخراف ليذبحوها. عند الله الخراف الناطقة تُربَّى لتحيا. الذي يربّيها يطعمها من جسده. يموت لتحيا. يسقم لتتعافى. يجوع لتشبع. يعطش لتتملأ من المياه السماويّة. يماهي نفسه بها. يتخطّى ذاته إليها كإلى ذات جديدة. يجد نفسه وكرامته فيها. تصير جسدَه. هكذا سلك الربّ يسوع المسيح فيما بيننا. هذه وحدها هي السيادة الحقّانيّة. فيما عداها كل سيادة استغلال، قمع، تسلّط. سيادة هذا الدهر استعمال للناس، تحت شعار الناس، لمنفعة مَن يتسيّد على الناس. الذين يتسيَّدون وفق هذا النموذج، في العالم، يحسبون أنفسهم آلهة. لا يسعهم أن يتصرّفوا إلاّ كآلهة. لا يمكنهم إلاّ أن يطلبوا من الناس العبادة. العبادة والعبوديّة، في هذا الدهر، شيء واحد. الذي يستعبد الناس يقدِّم نفسه كإله برسم العبادة. إعتاق العبيد يفترض أن يتخلّى الإنسان عن كل تسيّد له بحسب هذا الدهر. يفترض أن يستعبد نفسه، طوعاً، للآخرين. السيادة الحقّانيّة هي أن يسيِّدك الآخرون، بالرحمة، على أنفسهم لا أن تسيِّد أنت نفسَك عليهم. ليس بإمكان أحد أن يوجد خادماً للناس إلاّ إذا كان مستعدّاً لأن يُفرغ نفسه من صورة الألوهة المريضة، من صورة السيادة المريضة. لا يمكنه أن يصير سيِّداً حقّانيّاً إلاّ إذا عرف أن يتوارى، أن يموت من أجل الذين أحبّهم سيّدهم الأوحد في السماء. هكذا نمدّ السيادة الحقّ التي هي في السماء. نحن نحبّ الخراف لأنّ الربّ الإله أحبّها وبذل نفسه عنها. بالخراف نحن مكلّفون وبهكذا سيادة نحن موكلون.

طبعاً، كل هذا الكلام جميل. لكنْ، ثمنُ هذا الكلام أن يبذل الإنسان دمه. أن يتعلّم، يوماً بعد يوم، أن يتنازل عن كرامته وعن حقوقه وعن مجده وعن عظمته، بحسب هذا الدهر. عليه أن يستفرغ كل ذلك. هذا ليس بالأمر السهل، ما دمنا في هذه الدنيا، لأنّنا نكون سالكين عكس التيّار. مَن لا يتملأ من الإيمان الفاعل بمحبّة السيّد فلا طاقة له على مواجهة التحدّيات. أنّى يكن الأمر، فإنّ هذا لنا هو السبيل الأوحد لسيادة حقّانية ولحياة حقّانية ولخدمة حقّانية. كل شيء آخر، كل سيادة دهرية، إذا ما وجدت لذاتها موطئ قدم في كنيسة المسيح، فإنّها تكون علامة الدّنس القائم حيث لا ينبغي في بيت الله.

في كل حال، علينا أن نكون مستعدّين، أبداً، لأن نشهد بالروح والحقّ والكلمة لهذا المثال الذي، بحسبه، شاءنا الربّ الإله أن نكون جميعاً أسياداً في بيته، آلهة لديه، لأنّه لم يشأ البتّة أن يكون لديه عبيد. كل أحد يستعبد نفسه لله، أما الله فيؤلهه ويسيِّده على العالمين. لذا يحدِّث القدّيسون عن سيادة الله وبها نتعاطاهم أسياداً لنا في هذا الدهر.

 

عظة أُلقيت في دير مار يوحنا – دوما، الخميس التاسع من متّى، في 18 – 8 – 2005

الأمم يدينونكم

الأمم يدينونكم

الأرشمندريت توما (بيطار)

باسم الآب والابن والروح القدس

يا إخوة،

قائد المئة، الذي يتحدّث عنه إنجيل اليوم، كان أممياً، أي غير يهودي. وكان إنساناً له سلطان على مائة عسكري. ميزته أنّه كان أمميّاً صالحاً. اليهود أنفسهم شهدوا له. “يحبّ أمّتنا وقد بنى لنا المجمع”. قائد المئة هذا كان يسلك بأمانة وفق ناموس الطبيعة. ولعلّه، أيضاً، التقط بعض تقويّات الشعب العبري الذي عاش في وسطه. في كل حال، لأنّه كان مستقيماً من جهة ناموس الطبيعة – ونعني بناموس الطبيعة أنّه كان يعرف الخير من الشرّ، ويسلك في الخير، كما كان يعرف معنى محبّة الإنسان لقريبه – كان يعرف أمثال هذه الأمور ويتعاطاها. كل هذا كان مسجّلاً فيه. هذا، أيضاً، في المبدأ، مطبوع في كل الناس، عرفوا الله أم لم يعرفوه مباشرة. ولأنّه كان مستقيماً لم يظلم أحداً. كان عطوفاً على اليهود. يرأف بهم. يعينهم. وكان، في آن، حاضناً لإيمانهم، بدليل أنّه بنى لهم المجمع. كل ذلك جعل عليه نعمة إلهيّة خاصة.

كل إنسان، في الحقيقة، يا إخوة، إذا ما سلك باستقامة الطبيعة، مسيحياً كان أو غير مسيحي، إذا ما أحسن إلى الناس، إذا ما كان عطوفاً عليهم، إذا ما امتنع عن إيقاع الأذى بهم، فإنّه لا يكون بعيداً عن الله. الله يكون قريباً منه جداً. كل صالحة هي من الله. فمَن يصنع الصالحات يدخل في دائرة الله.

إذاً، لا نخافن على أي إنسان في الدنيا إذا لم يتسنّ له أن يعرف المسيح مباشرة، كما نعرفه، أو كما ينبغي أن نعرفه نحن. طبعاً لا شيء يساوي معرفة المسيح. هذه علينا أن نشرك كل الناس فيها، إذا أمكن. مع ذلك نقول من المهم أن يكون كل إنسان في الدنيا قويماً من جهة سلوكه في ناموس الطبيعة. حين يتشوّه عمل ناموس الطبيعة فيه، هذه تكون مأساة. ولكن إذا ما استمرّ يسلك بحسب ناموس الطبيعة فإنّه تكون له قصّة مختلفة مع الله. يمتدّ الله صوبه بطريقة ما. نعرفها أو لا نعرفها، سيّان. المهمّ أنّه لا يوجد متروكاً. لا يمكننا أن نتصوّر أن معظم سكّان الأرض سوف يهلكون. الله لا يعتمد فقط علينا لنبلِّغ الإنجيل حتى أقصى الأرض. يعتمد، بالدرجة الأولى، على محبّته. لأنّه صالح يُكمِل كل نقص بحيث لا يُترَك أحد من دون فرصة للخلاص. لا يمكن الله إلاّ أن يرحم الذين يمتدّون إليه، بطريقة أو بأخرى، من خلال سلوكهم باستقامة في ناموس الطبيعة. ليس الله أقلّ رحمة منّا ولا أقلّ غيرة على خلاص الناس. “الله يشاء أنّ جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحقّ يُقبلون”. وإن لم يكن مكشوفاً لنا مَن الذي يخلص ومَن الذي لا يخلص، فإنّنا مطمئنّون إلى أنّ الربّ الإله لن يترك نفساً واحدة على الأرض قابلة للخلاص إلاّ يسعى إلى تخليصها هو العارف بكل شيء.

إذاً هذا الإنسان، قائد المئة هذا، لأنّه كان مستقيماً، لأنّه كان محبّاً لله، ولو بطريقة غير مباشرة، فإنّ نعمة الله كانت قريبة منه. الدليل على ذلك الكلام الذي تفوّه به. لا شكّ أنّه تكلّم بالروح، بمعنى. عندما كان يسوع غير بعيد عن بيته، وكان ذاهباً ليشفي عبده، أرسل قائد المئة إليه أصدقاء يقول له: “يا ربّ، لا تُتعِب نفسك فإنّي لا أستحقّ أن تدخل تحت سقفي”. الإنسان السالك باستقامة يعرف أنّه خاطئ لأنّه يعرف صعوبة السلوك في الاستقامة. يعرف أنّه لا يستحقّ أن يكون عشيراً للأطهار. لهذا قال قائد المئة ما قاله: “لا أستحقّ أن تدخل تحت سقفي”. كلّما استرسل وجاهد الواحد في إتمام عمل الله، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، نما في معرفة نفسه. ينمو في معرفة حقيقة نفسه. ينمو في الاتضاع. وإذا ما نما الإنسان في الاتّضاع انفتح له باب على كل فضيلة لأنّ الاتّضاع هو القاعدة التي تقوم عليها كل فضائل الإنسان. أجل، يا إخوة، كل إنسان معطى، بحسب ناموس الطبيعة، أن يعرف الاتّضاع. ليس مفروضاً أن يكون الإنسان متكبِّراً. ولو كان كل إنسان مجرّباً بالكبرياء، وبشدّة، فإنّه يبقى أنّ الإنسان معطى أيضاً أن يسلك في تواضع القلب، لو أراد. طبعاً ليس هناك إنسان صالح في الدنيا بصورة كاملة، ولكنْ، الصحيح أيضاً، أنّ صورة الله في البشر لم تَفسُدْ بالكامل بسبب سقوط آدم. ناموس الطبيعة بقي قابلاً للفعل رغم الزغل الذي دخل قلب الإنسان. لذا بقي الإنسان قادراً على أن يأتي الصالحات.

هذا الإنسان، قائد المئة، بلغ تواضع القلب بشكل جميل خصوصاً لأنّه احتضن واعتنى بشعب الله. كلامه يثير التعجّب. “لا أستحقّ أن تدخل تحت سقفي”. كثيرون منا، نحن الذين يُفترض بنا أن نكون عارفين بالربّ يسوع، لا نقول كلاماً كهذا من كل قلوبنا. أكثرنا لا يشعر بأنّه غير مستحقّ لأن يدخل بيت الله مثلاً. أكثرنا، متى دنا من إيقونة ليقبّلها، لا يشعر بعدم الاستحقاق. ولماذا لا يشعر بعدم الاستحقاق؟ لأنّه لا يقف، في القلب، بصدق، أمام الله وخطاياه ليست أمام عينيه. نحن، عندما نتطلّع في إيقونة الربّ يسوع، لو كانت فينا ذرّة إحساس، لما كنا نجرؤ على أن نتطلّع في وجهه من دون خجل، من دون حياء. ضمائرنا تبكِّتنا. ونحن، في الحقيقة، نتنكّر لله، كل يوم، بخطايا كثيرة، بالفكر وبالقول وبالفعل. إذاً، نحن الذين يُفترض بنا أن نكون أهل بيت الله لا نلتزم كلاماً كهذا الذي تفوّه به قائد المئة. أما هو فتلفّظ به عن قناعة ودراية عميقَين وأرسل رسلاً يقول للسيّد، بلا خوف على سمعته، إنّه، أي قائد المئة، غير أهل لاستقبال يسوع. “من أجل ذلك لم أحسب نفسي مستحقّاً أن آتي إليك”. بعث برسل لا لأنّه اعتبر نفسه فوق أن يأتي بل غير مستحقّ لأن يأتي إلى الربّ يسوع. هذا مدهش! مع ذلك، ولأنّه في الحقيقة كذلك، طلب من الربّ يسوع بالوساطة أن “قلْ كلمة فيبرأ فتاي”. كأنّه يقول: أنا مؤمن بك ولست مستأهلاً لأن أقف قدّامك. أنا على يقين أنّك إن قلتَ كلمة واحدة بشأن فتاي لكي يشفى فإنّ هذا سوف يُعطى لك”. ما تعلّمه هذا الإنسان من خبرته قاسه على الله. تعلّم من خبرته، من استقامته، من محبّته، وتالياً من نعمة الله التي حلّت عليه. تعلّم الكثير من روح الربّ يسوع دون أن يكون قد التقاه. بات يعرفه جيداً لأنّه عرف نفسه جيِّداً. باب يعرفه لأنّه سلك في استقامة. نحن لسنا بحاجة لأن نعرف الربّ يسوع بالجسد لنعرفه. نحن، بالأكثر، بحاجة لأن نعرفه بالروح، لأن نسلك في روحه. وشيء من روحه مزروع في ناموس الطبيعة إن كنّا ندري. لهذا “طوبى للذين آمنوا ولم يروا”. هذا إنسان آمن ولم يرَ لأنّه رأى بعين قلبه إذ سلك مستقيماً.

فلما سمع يسوع تعجّب والتفت إلى الجمع الذي يتبعه وقال: “أقول لكم لم أجد ولا في إسرائيل إيماناً بمقدار هذا”. هذه شهادة عظيمة لإنسان غريب عن إسرائيل!

على هذا، يا إخوة، كثيرون ممَن هم خارج الكنيسة المقدّسة، كما نعرفها، سوف يكونون لنا ديّانين!

فرجع المرسَلون إلى البيت فوجدوا العبد المريض قد تعافى. الله، في نهاية المطاف، يريد أن يعطي نفسه لمَن يريده. ليس الله بظالم ولا ينسى أحداً على الإطلاق. فسواء كنّا من أهل البيت أو من غير أهل البيت، المهم، أولاً وأخيراً، أن نسلك في استقامة، والاستقامة تأتي بنا إلى النور الذي يضيء في نفوسنا والذي يجعلنا نعرف ذواتنا جيِّداً، كما يجعلنا نعرف مقدار عظمة الله وعمق محبّته للخليقة كلّها. ثمّ مَن له كثيراً فإنّه يُطالَب بأكثر. فلنرعوِ قبل فوات الأوان! وليكن اسم الربّ مباركاً من الآن وإلى الدهر.

عظة في السبت الخامس من لوقا، لو 7: 1 – 10، ألقيت في دير مار يوحنا – دوما، في 22 / 10 / 2005

بعد الميلاد

بعد الميلاد

الأرشمندريت توما بيطار

 

باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين.

يا إخوة، اليوم هو الأحد الّذي بعد عيد ميلاد الرّبّ يسوع المسيح بالجسد. الكنيسة المقدّسة تعيّد، بصورة خاصّة، لأربعة أشخاص يعكسون وجوهًا من القداسة، وهم شهود لله، بطريقة أو بأخرى. نعيّد، اليوم، ليوسف خطيب مريم، وداود الملك، ويعقوب أخي الرّبّ الّذي يُعتَبَر أوّل أسقف على أورشليم، ونعيّد أيضًا في السّابع والعشرين من الشّهر، أي اليوم، للقدّيس استفانوس أوّل الشّهداء ورئيس الشّمامسة.

أوّلاً، فلنتكلّم قليلاً على يوسف خطيب مريم. يوسف، وفقًا للنّصوص اللّيتورجيّة الّتي سمعناها في صلاة السّحر، وصلاة الغروب، كان إنسانًا أصيلاً، عنده نقاوة قلب. لهذا السّبب، كان إنسانًا بارًّا، بمعنى أنّه أرضى الله. ومع ذلك، الكنيسة المقدّسة، في أيقونة الميلاد، تصوّره على حدة، وكأنّه ليس على علاقة كيانيّة بميلاد الرّبّ يسوع المسيح وبوالدة الإله. يُصوَّر إلى جانب المغارة. وعادة، يقف قدّامه شخص ملتحيًا، يُظَنّ أنّه الشّيطان. ويحاول الشّيطان أن يوحي إليه بأفكار غير نقيّة. بطبيعة الحال، الكنيسة، إذا وضعت يوسف خطيب مريم جانبًا، فلأنّ عندها حكمة، وهي أنّ الكنيسة لم تُرد أبدًا أن تُدخِل أيّ تشويش على أبوّة الآب السّماويّ للرّبّ يسوع المسيح. الكنيسة أرادت أن تُبعد من الصّورة ما هو بشريّ، لجهة علاقة يوسف بمريم وبالطّفل يسوع، لأنّها تعرف أنّ التّجربة الّتي قد يكون المؤمنون عرضة لها هي أن يعتبروا أنّ يوسف ومريم والرّبّ يسوع المسيح هم عائلة بشريّة مثاليّة. وبالفعل، هناك مَن يتحدّث عمّا يُسمّى بالعائلة المقدّسة الّتي تضمّ يوسف ومريم والرّبّ يسوع المسيح. طبعًا، هذا خطِر جدًّا، ومشوّش على كلّ الواقع الّذي أراد الله أن يثبّته. منذ فترة، سمعنا أنّ في نيوزلّندا صار يوسف ومريم يُصوَّران باعتبارهما زوجًا وزوجة. وقد أثار هذا الأمر عاصفة من الاعتراض في الغرب. إذًا، لكي لا تُفسح الكنيسة في المجال لأيّ تشويش، جعلت يوسف جانبًا، حتّى لا نتحدّث عن عائلة مقدّسة على الأرض. لا شكّ في أنّ يوسف كان إنسانًا صدّيقًا وبارًّا، بدليل أنّه سمع لكلام الملاك، وأطاع الله! لكنّ الطّفل – الرّبّ  يسوع المسيح أتى نتيجة حلول روح الرّبّ القدّوس على مريم، من دون مشاركة رجل. لهذا السّبب، كان لا بدّ ليوسف من أن يُجعَل جانبًا. ولكن، هذا لا يمنعنا أبدًا من أن نعيّد ليوسف، ونعتبره قدّيسًا، في كنيسة المسيح، ولا شكّ في أنّه كان إنسانًا مبارَكًا، وساهم مساهمة جميلة في عمل الله، لجهة احتضان مريم والصّبيّ، بشريًّا، إلى جانب، طبعًا، ملاك الرّبّ الّذي كان يوجّهه، بشكل خاصّ، في الحلم، كيف عليه أن يتصرّف. هذا بالنّسبة إلى يوسف. وإذا كانت الكنيسة تجعل عيده في الأحد الّذي يلي عيد ميلاد الرّبّ يسوع المسيح بالجسد، فهذا لأنّها تقيم له وزنًا مهمًّا، من دون، طبعًا، أن تُفسح في المجال لأيّ تشويش، بالنّسبة إلى علاقته بمريم وبالصّبيّ.

الشّخص الثّاني الّذي نعيّد له، اليوم، هو داود الملك والنّبيّ. داود عنده مزايا جميلة جدًّا تشير إلى الرّبّ يسوع، بطريقة أو بأخرى. هو مثال التّوبة، في العهد القديم. لا شكّ في أنّه كان إنسانًا خاطئًا، لكنّه كان تائبًا عظيمًا. لذلك، أوحي إليه بذاك المزمور العظيم، المزمور الخمسين (ارحمني، يا ألله، كعظيم رحمتك). إذًا، داود هو صورة التّوبة الكبيرة. وبالإضافة إلى ذلك، هو صورة التّواضع الكبير. على الرّغم من أنّه كان ملكًا، فإنّه كان متّضعًا جدًّا، وكان مستعدًّا دائمًا لأن ينحني أمام العزّة الإلهيّة. وإذا كان قد أخطأ، فإنّه يعترف بكلّ تواضع القلب بأنّه أخطأ. كما كان، أيضًا، رجلاً محِبًّا لله محبّة كالأطفال. لذلك، عندما نُقِل تابوت العهد، في زمانه، نسي أنّه ملك، وانتصب أمام التّابوت، وأخذ يرقص بفرح عظيم، كالأطفال! قلبه كان جميلاً. لذلك، على الرّغم من أنّه ارتكب قتلاً كثيرًا، فإنّ الرّبّ الإله، لسلامة قلبه، سامحه. ولذلك، أصبح أحد أبرز القدّيسين، وصورة لمسيح الرّبّ. ومنه أتى، في الحقيقة، الرّبّ يسوع المسيح من حيث السّلالة. هذا هو داود الملك والنّبيّ التّوّاب.

بالإضافة إلى ذلك، نعيّد، اليوم، للقدّيس يعقوب أخي الرّبّ الّذي يُعتبَر أوّل أسقف على أورشليم. طبعًا، يعقوب مذكور في الكتاب العزيز. الرّبّ يسوع المسيح كان عنده إخوة، ولكن، لا في الجسد، بل بحسب العُرْف، في ذلك الزّمان. لم يكن عنده إخوة بالجسد، بمعنى أنّه لم يولد هو وإخوته من بطن واحد. ولكن، في ذلك الزّمان، تسمية الإخوة كانت مَرِنة، وكانت تُستعمَل في مناسبات عديدة. أبناء العمّ، مثلاً، كانوا يُسمَّون إخوة. النّظام الاجتماعيّ، في ذلك الزّمان، كان نظامًا قبليًّا. وأبناء القبيلة الواحدة كانوا يعتبرون بعضهم بعضًا إخوة. إذًا، التّسمية كانت فضفاضة. لهذا استُعملَت. يعقوب، وفق التّراث، كان إنسانًا نذيرًا لله، ووديعًا جدًّا. هذا ما قيل عنه في التّراث. وقد قتله اليهود، إذ ألقَوه من جناح الهيكل، وعاجله أحد الرّعاع بضربة على رأسه قضت عليه. إذًا، هذه صورة من صور الرّبّ يسوع ارتسمت في يعقوب، وهي صورة الوداعة والنّذارة للرّبّ الإله.

ثمّ بعد ذلك، نعيّد للقدّيس استفانوس أوّل الشّهداء ورئيس الشّمامسة. استفانوس، في أكثر من وجه، كان شبيهًا بالرّبّ يسوع، سلك على مثال الرّبّ يسوع. أوّلاً، كان إنسانًا حقّانيًّا، يتكلّم بالحقّ، ولا يبالي ماذا تكون النّتائج. لهذا، كلّم اليهود، كما سمعتم في الرّسالة الّتي تُليَت على مسامعكم، بالكلام الإلهيّ. لكنّه وبّخهم لأنّهم كانوا دائمًا عصاة من جهة كلمة الله، ومن جهة ما جاء به الأنبياء. وبّخهم وقرّعهم وكان قاسيًا معهم. رجل الله، عمليًّا، شهيد. وعندنا، الشّهيد والشّاهد واحد. الّذي يشهد للحقّ والّذي يموت لأجل الحقّ هما واحد، في اللّغة. لذلك، استفانوس شهد للحقّ، وقدّم دمه شهادة لحقّ الإنجيل؛ فصار مثالاً لسيرة الشّهادة الّتي انبثقت من الرّبّ يسوع المسيح. الرّبّ يسوع المسيح أسّس سلالة الشّهداء. عمليًّا، كلّ إنسان مؤمن بالرّبّ يسوع هو إنسان عليه أن يسلك، بشكل أو بآخر، في الشّهادة للرّبّ يسوع. إذا لم يكن مستعدًّا لأن يبذل دمه، أن يبذل نفسه، أن يبذل مشيئته، أن يبذل كلّ ما له؛ فإنّه لا يكون، في الحقيقة، مؤمنًا إيمانًا كاملاً بالرّبّ يسوع. لذا، على كلّ واحد، بمعنى، أن يسلك في الشّهادة، سواء أقُتل أم لم يُقتل. ولكن، كلّ واحد منّا عليه أن يقتل هواه، وأن يقتل خطيئته، وأن يسلك بأمانة كاملة من جهة وصيّة الله. واستفانوس رُجِم. اللاّفت أنّه فيما كان يُرجَم بالحجارة حتّى الموت، وكان على وشك أن يلفظ أنفاسه، صرخ وقال: “يا ربّ، لا تُقِم لهم هذه الخطيئة”. وهو بذلك اقتدى بالرّبّ يسوع المسيح الّذي كان مُعلَّقًا على الصّليب وقال، قبل أن يلفظ نفسه الأخير: “اغفر لهم، يا أبتاه، لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون”. إذًا، استفانوس إنسان سلك في إثر الرّبّ يسوع المسيح. لذلك، تعتبره الكنيسة المقدّسة أوّل الشّهداء، ونموذج الشّهداء الّذين سيأتون فيما بعد.

هؤلاء الأربعة يرسمون وجوهًا من الأمانة للرّبّ يسوع. وكلّ واحد منّا تُشعّ من خلاله القداسة بطريقة أو بأخرى، حتّى نعرف أنّ سيرتنا هي سيرة قداسة. إرادة الله قداستكم. كلّنا من دون استثناء مدعوّون إلى القداسة. لا يمكن لأحد أن يعتبر أنّ غيره مدعوّ إلى القداسة؛ أمّا هو، فليس له طاقة على ذلك. الكلّ، في الحقيقة، مشروع قداسة. لذلك، نحتفل، كلّ يوم، بذكرى هؤلاء القدّيسين، واليوم بخاصّة، لأنّنا، في الحقيقة، إن لم نسلك في القداسة، فإنّنا لا نولد من بطن الله لملكوت السّموات.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

عظة في الأحد 27 كانون الأوّل 2009 حول متّى2: 13- 23.

الكنيسة بين الانحطاط والنهضة


الكنيسة بين الانحطاط والنهضة

الأرشمندريت توما بيطار

من نقاط على الحروف، العدد التاسع والعشرون– الأحد 27 تشرين الثاني 2005

ثمّة أوقات، في تاريخ الكنيسة، ينحطّ فيها حال المؤمنين، في هذا المكان أو ذاك. أحياناً سراج الكنيسة عرضة لأن ينطفئ! بلى، ثمّة مواطن كانت الكنيسة فيها عامرة بالبركات السمائيّة، في الماضي، ثمّ… خبت. لا ضمانة في أن تستمرّ الأرثوذكسيّة هنا أو هناك. الأمر رهن لا بنعمة الله وحدها بل باقتبال المؤمنين وتعاونهم معها أيضاً. أحياناً تنحطّ كنيسة ما حتى لا يبقى مما عمر فيها، يوماً، سوى الأوابد. وأحياناً أخرى تعود الكنيسة عينها لتنهض من سباتها إلى قيامة تتفجَّر ماء حيّاً من جديد.

أنطاكية ليست شواذاً. هنا، أيضاً، الأرثوذكسيّة معرّضة للأفول! استمرارها، عندنا، إلى اليوم، ليس ضمانة لاستمرارها في المستقبل. والأرثوذكسيّة تأفل، هنا، إذا ما تعاطاها المؤمنون، أو المسمَّون على الإيمان، بخفّة. فلأن الأرثوذكسيّة هي عطيّة الله بامتياز، وهي ولا أثمن، فقد كانت، في كل زمن، مستهدَفَة ومهدَّدَة. من هنا أنّه دائماً ما كان لثباتها، في الماضي، ثمن باهظ: جمّ من دم الشهداء وآلام المعترفين يحكي ويمدّ فداء المخلِّص. وثمن ثبات الأرثوذكسيّة باق هو إيّاه إلى قيام الساعة!

الكنيسة بين النهضة والانحطاط لها سماتها وبها تُعرَف حالُها. وثمّة ما بإمكاننا أن نستطلعه في الصفحات الداكنة أو المشرِقَة لتاريخ الكنيسة والمدوّنات التراثية. دونك بعض تيّارات المياه الجوفيّة الوجدانية في الكنيسة:

*  كنيسة النهضة هي كنيسة أخيرية (eschatological) الطابع. كل تفصيل فيها أخيري المنحى، العين الداخلية للمؤمنين فيها إلى هناك وكذا كل اهتمامهم وسعيهم. هذا فيما كنيسة الانحطاط، في عمقها، كنيسة دهرية، العين الداخلية للناس فيها على ما هو ههنا، وكذا جلّ اهتمامهم وسعيهم. من هنا أنّ الروحيات فيها هي، في الحقيقة، نفسانيات. بلى، تتكلّم كنيسة الانحطاط على الدهر الآتي لكن هاجسها ليس فيه بل في الدهر الحاضر، والإلهيات تتعاطاها، بخاصة، كشعارات، فيما همّها هو تحقيق مرام ومكاسب، باسم الله، من هذا الدهر: طائفة، مؤسّسات، غنى، قوّة، تنظيم، خدمات… كنيسة الانحطاط لا تختلف، في توجّهاتها الدينيّة العميقة، عن معظم الديانات الأخرى أو المؤسّسات الاجتماعية في هذا الدهر. مؤشّر النهضة، في أزمنة الشدّة، كان، أبداً، الشهداء والمعترفين، وفي أزمنة اليُسر النسّاك والرهابين. أمّا علامة الانحطاط فكانت، في كل حال، طغيان الاهتمامات الطقوسية والسياسية… والكلامية!

*  كنيسة النهضة كنيسةٌ الهمُّ فيها أن يلد الكبارُ الصغارَ في المسيح وأن يخدم فيها الأوّلون مَن هم أقل خبرة منهم للخلاص. فيها يسوق الشيوخُ أنفسَهم قدوة تمثّلاً لسيرة مَن قال: “تعلّموا مّني فإنّي وديع ومتواضع القلب”. لأنّهم سلكوا في الفقر الطوعي يُقامون مدبّرين لكنيسة المسيح. لأنّهم تمرّسوا في جهاد العفّة، يُقامون معلّمين. لأنّهم غسلوا أقدام الزناة والعشّارين والتهبوا لخلاص العباد يُقامون رعاة. لأنّهم بكوا خطاياهم وذاب لحمانهم نسكاً وسهراً وصارت ركبهم كركب الجمال قسوة من الصلاة والسجود يُقامون مقدِّسين لشعب الله. أمّا كنيسة الانحطاط فكنيسةٌ صغارها مستعبَدون لكبارها ويحتقر رؤساؤها مرؤوسيهم. يحبّون أن يناديهم الناس “سيّدي، سيّدي”، لذلك يربّونهم، من حيث يدرون ولا يدرون، على الممالقة والمداهنة. لأنّهم درسوا أعمال القدّيسين وبات بإمكانهم الكلام عليها واستنباط الأفكار يُقامون معلِّمين. لأنّهم نالوا الشهادات في علوم النفس والإدارة والاجتماع يُقامون رعاة. لأنّهم يتقنون أداء الطقوس وأصواتهم رنّانة يُقامون مقدِّسين لشعب الله. في كنيسة النهضة يحاذر الناس الأسقفيّة لأنّهم عارفون، في أعماقهم، أنّهم أوهى من أن يسوسوا شعب الله ويخافون دينونة العليّ. وفي كنيسة الانحطاط يستميتون ليصيروا رؤساء الشعب التماساً للرفعة والسيادة بين الناس باسم الله.

*  كنيسة النهضة كنيسةٌ العقيدةُ فيها روح وحياة. لأنّ المؤمنين يحيَون في الروح والحق يعرفون عقيدة الكنيسة أنّها الحقّ وأنّها من روح الله في كلام الناس. لذلك يبذلون أنفسهم ولا يفرّطون بها. عندهم أنّها إيقونة تدبير الله الخلاصي لهم ورسمٌ لوجدانهم في المسيح. معيار النهضة خضوع المؤمنين، الكبار كالصغار، سواء بسواء، للشرع الكنسي. كائناً مَن كان المخالِف يُلاحَق. ولا تستكين الكنيسة حتى يُوضَع حدّ للتجاوز لئلا تستحيل المخالفة قاعدة وتُمسي الموبقات ميسّرة ويتعرّض الضعفاء للتجربة ونفوسٌ كثيرةٌ للهلاك. هكذا تَحفظ الكنيسة وحدتها في الحقّ. أمّا كنيسة الانحطاط فكنيسةٌ العقيدةُ فيها صيغة كلامية من استنساب الناس. لذلك يتعاطونها كفكر. يؤوّلونها ويفسّرونها وفق ما توحي لهم به آراؤهم وقناعاتهم الخاصة. أمّا الشرع الكنسي، في كنيسة الانحطاط، فأداة بين أيدي الرؤساء، يحرّكونها ساعة يشاؤون ويغضّون عنها الطرف ساعة لا توافق مراميهم. الشرع الكنسي، في كنيسة الانحطاط، قضيب لتأديب الضعفاء والصغار فيما يقيم الأقوياء والكبار والمحظيّون فوق القوانين يخالفونها ولا مَن يطالبهم. وإن طولبوا استخفّوا وهدّدوا ولا يسمعون لأنّهم في موقع المتجاوز والحاكم المتسلّط معاً. والنتيجة تكون أنّه من سهولة مطالعة المخالفة يُصاب الشعب باللاحسّ ويسقط في اللامبالاة. إذ ذاك تموت فيه العقيدة روحاً وحياة وتمسي جملة شعارات صمّاء!

الكثير من معالم الانحطاط غلاّب، اليوم، في أنطاكية. الخشية الخشية أن يكون أعظم الإحساس بالحقّ بيننا قد تخدّر، وتوزّع الأكثرون فِرقاً ينهش بعضها بعضاً، كلٌّ لغرض في نفسه، وأمست الوحدة صوناً لتوازنٍ ما بين المتناهشين واللامبالين حفظاً للشكل. الخشية الخشية أن تكون تيّارات مياهنا الجوفية قد أضحت متباينة فلم يعد لنا وجدان واحد هو وجدان الكنيسة التراثية. هذا إن فقدناه خرجنا من شركة البيعة. لذلك لا حفظ لوحدة الكنيسة بيننا ولا شركة لنا فيها إلاّ بالسلوك في حقّ الإنجيل والشهادة للحقّ. وهذا اليوم لا يتسنّى إلاّ بالشهداء والمعترفين! ألا زال هناك، بعد، مجانين يسلكون في أخيرية الكنيسة ويقمعون أنفسهم وأجسادهم من أجل الله ويصونون الإيمان القويم ويوقّرون الشرع الكنسي، إذاً لكان لأنطاكية نصيب اليوم في القيامة! هؤلاء، اليوم، مطالَبون لا فقط باجتناب الاشتراك في أعمال الظلمة بل بالتوبيخ عليها أيضاً! هؤلاء، اليوم، هم المؤتمَنون على وحدة الكنيسة، في الحقّ، حتى لا يموت الحقّ بيننا وحتى يُطلَّ، على أنطاكية، فجر النهضة… من جديد!

كيف نقرأ الكتاب المقدّس؟

كيف نقرأ الكتاب المقدّس؟

الأرشمندريت توما بيطار

باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين.

 

       “كلّ مَن يسمع كلامي ويعمل به أشبّهه برجل حكيم بنى بيته على الصّخر”. الرّبّ يسوع، هنا، يستعمل لغةً رمزيّة، يقول ما هو في مستوى النّاس ليشير إلى ما هو أرقى من مستواهم. طبعًا، إذا كان الإنسان قادرًا على أن يفهم ما هو في مستواه؛ فلكي يفهم ما هو في المستوى الأرقى من مستواه، يحتاج إلى نعمة من فوق. لهذا، كلّ إنسان مفتوح القلب على الله يعطيه الرّبّ الإله نعمة خاصّة، لكي يفهم الإلهيّات. عبارة “مَن يسمع كلامي”، هنا، تشير، بطبيعة الحال، إلى نوعين من السّمع: السّمع الخارجيّ، أي سمع الأذن الخارجيّة، وسمع الأذن الدّاخليّة، الّتي هي أذن القلب. الّذي يسمع بأذنه الخارجيّة يسمع كلامًا برسم الفهم. والفهم، هنا، يكون فهمًا عقليًّا، دماغيًّا. وهذا ليس بالفهم الدّاخليّ الّذي نتوخّاه. ما دام الإنسان يسمع بأذنه الخارجيّة، ويفهم بعقله فقط؛ فإنّه يبقى خارج النّطاق الّذي شاءه الرّبّ الإله أن يدخل إليه.
      الحقيقة أنّ السّمع الدّاخليّ الّذي نقصد هو، طبعًا، سمع القلب، الّذي معناه الطّاعة. الّذي يسمع بعقله يفهم. الّذي يسمع بقلبه يُطيع. طبيعيّ أن يسمع الإنسان بأذنه الخارجيّة، وأن يفهم بعقله. ولكن، المطلوب أن يسمع بقلبه، أي أن تنزل الكلمة من مستوى العقل إلى مستوى القلب، الّذي يشير إلى الكيان، يشير إلى عمق الإنسان، يشير إلى الإنسان بكلّيّته، الإنسان الّذي يشاء أن يتبنّى الكلام الّذي يسمعه والّذي يفهمه. لذلك، ما لم يسمع الإنسان لكي يُطيع، فإنّه يسمع سيّئًا. لهذا السّبب، يقول الرّبّ يسوع إنّ الإنسان عليه أن يسمع وأن يعمل. الإنسان الّذي يسمع ويعمل، طبعًا، يعمل بما يسمع؛ هو يفعل ذلك، إذا كان قد فهم الكلام، قد تبنّى الكلام، قد التزم الكلام، قد جعل الكلام الإلهيّ سيرةً يسلك فيها في حياته. الإنسان الّذي يتعاطى الكلمة الإلهيّة على هذا النّحو، يعتبره الرّبّ يسوع إنسانًا حكيمًا. طبعًا، هذا يتضمّن القول إنّ مَن لا يفعل ذلك يكون إنسانًا غير حكيم. الإنسان غير الحكيم هو الإنسان الغبيّ. إذًا، الّذي يكتفي بمجرّد سماع الكلام،، وفهمه بعقله والاكتفاء بذلك، هو إنسان غبيّ، بحسب المقياس الإلهيّ! هنا، علينا أن ننتبه. لا يحسبنّ أحد منّا أنّنا إن سمعنا وفهمنا، فإنّ الكلام يتحوّل، بصورة تلقائيّة، إلى فعل! هذا غير صحيح. الكلام يتحوّل إلى فعل، إذا كان الإنسان يتعاطى الكلمة الإلهيّة باعتبارها فعلاً، باعتبارها طريقة حياة. إذا لم يفعل ذلك، فإنّه يتعاطى الكلام الإلهيّ بصورة مجرّدة، كفكر مجرّد، كنظريّة. والرّبّ الإله لا يشاؤنا أن نتعاطى كلامه كأنّه فكر مجرّد كسائر الأفكار المجرّدة. نحن، مثلاً، إذا قلنا “باب”، أو “كرسيّ”؛ فطبعًا، نحن نسمع الكلمة، ونفهم ما هو المقصود. ولكن، الكلام الّذي نقوله هو تجريد، يعبّر عن شيء محسوس. وما الكلام الإلهيّ كذلك. الكلام الإلهيّ حياة! لهذا السّبب، قال الرّبّ يسوع، أﮐثر من مرّة: “الكلام الّذي أﮐلّمكم به هو روح وحياة”. لا يليق بنا أن نتعاطى الكلام الإلهيّ، إلاّ باعتباره روحًا وحياة. لهذا السّبب، الكلام الإلهيّ هو كلام الله. ما دام الكلام الذي يتكلّم به الله هو روح وحياة، فهذا معناه أنّ الكلام الإلهيّ هو الله متكلِّمًا. من هنا أنّنا، حين نقرأ الكتاب المقدّس، نصلّي قبل ذلك. والإنجيل المقدّس نقبّله! وذلك لأنّه يتضمّن حضورًا إلهيًّا، بكلّ معنى الكلمة. الكلام الإلهيّ هو حضور إلهيّ بشكل كلام. الأيقونة، مثلاً، هي حضور إلهيّ بشكل صورة، والكلام هو حضور إلهيّ بشكل كلام. إذًا، لا يليق بنا أن نتعاطى الكلام الإلهيّ كما نتعاطى الكلام العاديّ الّذي نتبادله مع النّاس! عندما ندرس الجغرافيا، مثلاً، أو التّاريخ، أو الرّياضيّات؛ فنحن نتعاطى كلامًا ورموزًا مختلفة. ولكن، هذه كلّها هي معانٍ في المستوى البشريّ. أمّا الكلام الإلهيّ، فليس كلامًا بشريًّا! لا يمكننا أن نتعاطى الكلام الإلهيّ بالطّريقة نفسها الّتي نتعاطى بها الكلام البشريّ. الكلام الإلهيّ من طبيعة مختلفة. هو من طبيعة إلهيّة بشريّة، على صورة الرّبّ يسوع الإله والإنسان. الرّبّ يسوع لم ينطق بالإلهيّات فقط، ولم ينطق بالبشريّات فقط. هو نطق بالإلهيّات بلغة بشريّة. إذًا، الكلمة الإلهيّة هي حضور إلهيّ، كما قلت. لذلك، لا نتعاطى الكلام الإلهيّ كما نتعاطى أيّ شيء آخر في حياتنا، إنّما نتعاطاه صلاتيًّا، نتعاطاه باعتباره أيقونة لحضور الله. الله يعطينا نفسه من خلال هذا الكلام الإلهيّ. مثلاً، عندما نساهم القدسات، الرّبّ الإله يعطينا نفسه في الخبز والخمر. عندما نتعاطى الأيقونات، الرّبّ الإله يعطينا نفسه في الخطوط والألوان. وعندما نتعاطى الكلام الإلهيّ، نتعاطى الله في كلمات. لهذا السّبب، خطأٌ جسيم أن نعتبر أنّه بإمكاننا أن ندرس الكتاب المقدّس كما ندرس أيّ علم من العلوم. الكلام الإلهيّ لا يليق بنا أن نتعاطاه إلاّ بمخافة الله. صحيح أنّ الرّبّ يسوع قال لتلاميذه أن يذهبوا ويتلمذوا كلّ الأمم، وأن يكرزوا بالإنجيل للعالم كلّه. لكنّ هذا لم يكن يعني أبدًا أن يتعاطى التّلاميذ تجارة الكلام، ولا أن يكرزوا بالإنجيل باعتباره علمًا من العلوم. عندما قال الرّبّ لتلاميذه أن يذهبوا ويكرزوا بالإنجيل للعالم كلّه، طالبهم، في الحقيقة، بأن ينقلوا حضوره إلى العالم كلّه. طالبهم بأن يساهموا في ذلك. نحن نساهم في نقل الحضور الإلهيّ إلى العالم أجمع. طبعًا، هناك تعليم. وطبعًا، هناك معانٍ. ولكن، هذا لا يمكن أن يكون إلاّ في إطار القداسة، إذا ما أردنا أن نسلك باستقامة. لهذا السّبب، كلّ الّذين حملوا الكلام الإلهيّ، وكرزوا بالإنجيل، كان يُفترَض بهم، بحسب التّراث، أن يكونوا قدّيسين. كلّ الشّعوب القديمة، حتّى إلى زمن قريب جدًّا، بشّرها القدّيسون. طبعًا، كان هناك دخلاء على الكرازة. ولكن، تبقى القاعدة قاعدة. مَن بشّر اليابان، مثلاً؟! – القدّيس نيقولاّوس. كان قدّيسًا، وكان يتعاطى الإلهيّات بشكل حيّ، لا بشكل أفكار! لهذا السّبب، كان يصوم، ويصلّي، ويسلك في الفضيلة: صبرًا، واتّضاعًا، ومحبّةً، ورأفةً… هكذا، كان أيضًا القدّيس إينوكنديوس والّذين معه، الّذين بشّروا الألسكا. وأﮐثر هؤلاء الّذين بشّروا بالكلمة الإلهيّة عانوا معاناة قاسية جدًا، وكثيرون منهم دفعوا دمهم ثمنًا لكرازتهم. حتّى اليوم، الّذين يكرزون بالإنجيل في إفريقيا، مثلاً، هم بشر مميّزون جدًّا، وواضح من سيرة بعضهم أنّهم يسلكون في القداسة.
      إذًا، هذا هو إطار الكرازة بالكلمة الإلهيّة. إذا خرجنا من هذا الإطار، إطار القداسة، إطار الصّلاة، إطار التّعاطي مع الكلمة باعتبارها إعلانًا إلهيًّا، وكشفًا إلهيًّا، وحضورًا إلهيًّا، وفعلاً إلهيًّا؛ إذا خرجنا من هذا الإطار، فإنّنا، إذ ذاك، ندخل في إطار آخر، هو إطار يجرّد الكلمة الإلهيّة من الحضور الإلهيّ الّذي فيها. وهذا، بكلّ أسف، ما يفعله الكثيرون، اليوم، في الإطار الدّهريّ، في الإطار العالميّ الّذي يعلّمون فيه، في معاهد اللاّهوت، وفي الجامعات. بالنّسبة إليهم، هم يتعاطون كلامًا، ومفاهيمَ، وتجريدات، وتاريخًا! هم يتعاطون علم الكلام! هم يتعاطون علم الاشتقاق الكلاميّ! هم يتعاطون الجغرافيا، عندما يدرسون الكتاب المقدّس! هم يتعاطون كلامًا على الإلهيّات، ولا يتعاطون الإلهيّات نفسها! لهذا السّبب، هم يتعاطون الكتاب المقدّس باعتباره مجموعة لا نهاية لها من الأفكار، والنّظريّات. كلّ واحد منهم يخرج بنظريّة بشأن هذا الموضوع أو ذاك، ممّا ورد في الكتاب المقدّس. هذا يُنكر وجود فلان من القدّيسين، وهذا يؤكّد وجوده!… ولا يخطر في بالهم أنّ الإطار الّذي تُتعاطى فيه كلمة الله هو إطار إلهيّ، مقدّس، صلاتيّ! مَن، مثلاً، في معاهد اللاّهوت، وفي الجامعات، عندما يشاء أن يدرس نصًّا كتابيًّا، يبدأ بالصّلاة، ويطلب من الله أن يعطي الأستاذ والتّلاميذ روح الفهم؟! هذا لا يخطر في بال أحد! ومَن من الّذين يُدرّسون في معاهد اللاّهوت والجامعات اللاّهوتيّة يخطر في باله أن يقرأ النّصوص الكتابيّة باعتبارها إعلانات إلهيّة؟! التّصوّر هو أنّ هناك قومًا عاشوا في أزمنة مختلفة، وهؤلاء عبّروا بطريقتهم عن تصوّرات وأفكار لها علاقة بالإلهيّات، وأنّ هذه النّصوص جُمعت من هنا ومن هناك، حتّى وصلت في الشّكل الّذي هي فيه، وأنّ ليس هناك ما يؤكّد صحّة هذا النّصّ وذاك. كلّ هذا يشير إلى أنّنا في إطار مختلف تمامًا عن الإطار الّذي سبق أن ذكرنا في تعاطي الكلمة الإلهيّة. نحن، اليوم، بصورة عامّة، في إطار قراءة الكلمة الإلهيّة، في إطار دهريّ، في إطار بشريّ، في إطار علميّ! طبعًا، نحن لا نتنكّر للعلم، ولا نتنكّر أبدًا لكون الكتاب المقدّس ذا وجه بشريّ. ولكن، همّنا الأساسيّ هو أن نفهم لغة البشر الّتي شاء الرّبّ الإله أن يجعل حضوره فيها. نسعى لفهم هذه المعاني في أطرها التّاريخيّة والجغرافيّة، بقصد أن نهيّئ أنفسنا لاستيعاب الإعلانات الإلهيّة بالنّعمة الإلهيّة أوّلاً.
      إذًا، نحن نعمل على خطَّين، وإلاّ لا يمكننا أن نفهم شيئًا من الكتاب المقدّس. الخطّ الأوّل هو خطّ السّعي لفهم هذا الكلام الّذي قيل، في وقت من الأوقات، في إطار ربّما يكون مختلفًا بشريًّا عن الإطار الّذي نعيش فيه اليوم. والخطّ الثّاني هو خطّ النّعمة الإلهيّة. نحن في حاجة إلى العملَين معًا. نعمل على المستوى الأوّل، ونعمل، أيضًا، على المستوى الثّاني، ونعمل على المستويَين معًا، باعتبارهما متّحدَين. لهذا السّبب، يسمع الواحد منّا كلامًا يُقال، هنا وهناك، عن الكتاب المقدّس يُعثر الكثيرين، ويشكّك الكثيرين. وبدلاً من أن يأتي بنا الدّارسون والعلماء، اليوم، إلى اليقين – وطبعًا، هم غير قادرين إطلاقًا على أن يأتوا بنا إلى اليقين، لأنّ اليقين يأتي من فوق – يأتون بنا إلى الشّكّ في ما ورد، وفي ما نتعاطى. لهذا السّبب، قال مرّة إنسان مثقّف جدًّا، ومختبِر جدًّا للحياة الرّوحيّة – وهذا قليل أن يجمع الإنسان بين الأمرين – قال: عندنا علماء كثيرون، وعندنا قدّيسون كثيرون. ولكن، ليس عندنا علماء قدّيسون. طبعًا، هذا مؤلم جدًّا، لأنّه يشير إلى أنّ ما يُعلَّم في الجامعات والمعاهد اللاّهوتيّة لا يساعد كثيرًا على الإتيان بالنّاس إلى الإيمان، وإلى القداسة، وإلى حياة الصّلاة، وإلى حياة الفضيلة… بل على العكس، يساعد على التّشكيك، وعلى العبثيّة في تعاطي الكلام الإلهيّ. وهذا كلّه لا يمكن أن يكون من الله. لهذا، إذًا، علينا أن نعي أنّ هذا الإطار الّذي يُتعاطى فيه الكلام الإلهيّ ليس إطارًا سليمًا على الإطلاق، والإطار القويم هو أن نتعاطى الكلام الإلهيّ باعتباره حضورًا وعملاً لله، وأن نتعاطاه في إطار القداسة، في إطار الصّلاة، في إطار الفضيلة، في إطار التّقوى، في إطار مخافة الله، في إطار احترام التّراث في كنيسة المسيح، في إطار احترام مقولات الآباء القدّيسين. هذا وحده يحفظنا في الأمانة القويمة، وإلاّ نحن، اليوم، في نوع من بابل! الألسنة مبلبلَة، وكلٌّ يتحدّث لغة لا يفهمها الآخرون، وإذا فهموها، يفهمونها بعقولهم. ولكن، لا تؤدّي مقولاتهم إلى وحدة في مستوى القلب، ولا إلى تثبيت إيمان المؤمنين، وإلى الإتيان بالّذين لا يؤمنون إلى الإيمان. الإطار بات مختلفًا جدًّا، وبتنا، في أﮐثر الأحيان، اليوم، نتعاطى الكتاب المقدّس باعتباره كلامًا، ونكتفي، من تعاطيه، بفهمه عقليًّا، وقلّما يهمّنا السّماع والعمل، السّماع والطّاعة! قلّما يهمّنا أن نتعاطى الكلام الإلهيّ لكي نسلك في القداسة. وهذه مأساة هذا الزّمن، وعلينا أن نحذرها حتّى لا نقع في المحظور. آمين.

عظة في السّبت 12 حزيران 2010، حول متّى7: 24- 29، 8: 1- 4.

حتى نبقى على الإيمان القويم

حتى نبقى على الإيمان القويم

 

الأرشمندريت توما بيطار

نقاط على الحروف،  18 كانون الأول 2005

يوم خضع أو لَزِمَ الصمتَ أكثرُ الكنيسة في شأن بدعة المشيئة الواحدة، ضغطتْ سلطةُ الدولة وسلطةُ الأمر الواقع في الكنيسة القدّيسَ مكسيموس المعترف فكان جوابه: “خير لي أن أموت من أن أضلّ عن الإيمان في أقلّ بنوده”.

 لِمَ هذا التمسُّك بأدقّ العقيدة في كنيسة المسيح؟ لأنّ العقيدة هي إيقونة عمل روح الله في وجدان الكنيسة. صحيح أنّ ثمّة تعبيراً كلامياً عن حقيقة عمل روح الله هذا، لكن العقيدة ليست، بحال، مسألة كلام قابل، بتدابير الناس واستنسابهم، للتعديل. الصيغ العقدية التي انحدرت إلينا قابلة للتدقيق والتوضيح؟ بكل تأكيد! لا! هذه الصيغ ليست عندنا مُنزلة! لكنَّ التدقيق والتوضيح، متى دعت الحاجة إليهما، ليسا مسعىً بشرياً وحسب، بل عمل إلهي في آن معاً. ليس في وسع أحد، كائناً مَن كان، ولا في وسع جماعة، مهما علا شأنها وسَمَت رتبتها العلميّة أن تُدخل على ما سبق أن قيل، في العقيدة المسيحية، حرفاً واحداً أو نقطة واحدة. إذا ما قلنا عن أنفسنا إن كنيستنا هي كنيسة المجامع المسكونية السبعة المقدّسة فليس هذا لأنّنا نتوقّف عند حدود العدد بل لأنّ الكنيسة المقدّسة شهدت لكون النصوص التي عبّرت عنها المجامع المسكونية السبعة نصوصاً ملهمة من الله في لغة الذين اشتركوا فيها. لذا نحسبها مقدّسة ونحسب الآباء الذين اشتركوا فيها قدّيسين. هؤلاء تعاونوا مع روح الله في بسط أمور الإيمان بالله على غرار ما ورد في المجمع الأول الذي ضمّ الرسل والمشايخ في أورشليم. يومها كتبوا إلى الإخوة الذين من الأمم في أنطاكية وسورية وكيليكية، جواباً على المسائل المطروحة، بوعي كاملٍ لأمرَين: أولهما أن ما ارتأوه ارتأوه “وقد صرنا بنفس واحدة” وإثر ما “رأى الروح القدس ونحن” على حدّ تعبير النصّ (راجع أع 15: 25، 28). أن يكون هناك مجمع ثامن وتاسع وعاشر هذا بديهي، متى دعت الحاجة، شرط أن يبقى المتكلّم هو الروح القدس ونحن. طبعاً كثيرون ادّعوا في الماضي، الأمانة، زوراً، لهذا المنحى الإلهي الإنساني في تعاطي شؤون الكنيسة فلم تثبت مزاعمهم لأنّ روح الربّ هو الضامن لكنيسة المسيح، وأبواب الجحيم لا تقوى عليها. والروح القدس يحفظ استقامة الإيمان بالقلّة دون الكثرة، بالأفراد دون الجماعات، متى لزم الأمر. المقياس، في كل حال، باقٍ داخلياً لا خارجياً، روحياً لا مادياً. على هذا لا يمكن لتدابير المفترين، مهما اشتدّت، على الإيمان القويم، أن تثبت. ثمّة أزمنة للهرطقات لكن حقّ الله، في النهاية، هو الغلاّب. ليس ثمّة مؤسّسة على الأرض ولا ثمّة فرد ينحصر فيه قول كلمة الحقّ. لا هناك بابوية فردية ولا بابوية مجمعية في الكنيسة. الكل قابل للشطط. ولكن لأنّ الأمور، في الكنيسة، ينبغي أن تكون قائمة بلياقة وترتيب يُطيع المؤمنون مدبّريهم، مجامعَ وأساقفةً وكهنةً. إلاّ أنّ هذا لا يُعتبر حاصلاً إلاّ في إطار حقّ الإنجيل. الطاعة في حدود الشريعة لا بخلافها، وإلاّ لا تعود الكنيسة كنيسة. انتماؤنا ليس البتّة إلى مؤسّسة بشريّة ولا حتى إلى مؤسّسة إلهية. انتماؤنا هو إلى كيان إلهي إنساني. هنا بالذات يكمن سرّ الكنيسة. كل الهرطقات، في التاريخ، مردّها التغاضي عن هذه المسلَّمة: أنّ الكنيسة إلهية وإنسانية معاً.

 

ركنُ العقائد عندنا هو عقيدة التجسّد. كل العقائد الأخرى تنبثق منها أو تصبّ فيها. هذا، في الحقيقة، لأنّ الكنيسة، بطبيعتها، تجسّدية. ملء اللاهوت فيها وملء الناسوت. كل ما فيها إلهي وإنساني معاً، كل المنتمين إليها، طريقة تفكيرهم، مقاربتهم للأمور. عقيدة التجسّد، عندنا، هي إيقونة لحياة الكنيسة، وفي الكنيسة الواحدة لوجدان المؤمنين الواحد. لا إمكان تغيير في العقيدة، أي في الإيقونة، لأنّها صورة الحياة عينها. التغيير تنكّر للحياة الجديدة، طعن فيها. لذا تقطع الهرطقة عن الله لأنّها تشوِّه صورة حياة الله في الكنيسة. مَن سلك قويماً في الكنيسة شهد قويماً ومَن سلك ملتوياً شهد ملتوياً. دونك عيِّنة من السلوك القويم ومن خلافه وكيف يفضي إلى شهادة فاسدة.

 

تقول مثلاً أنا لا أُقبِّل يمين الكاهن لأنّه إنسان أو تقول أنا لا أَقْبَل أن أُساهم القدسات بالملعقة لأنّ الملعقة أداة لنقل الميكروبات. تقول مثلاً إنّ الإيقونة قطعة فنّية ذات موضوع كنسي وتعرضها بجانب سواها من اللوحات الفنّية. تقول مثلاً إنّ الترتيل البيزنطي نمط موسيقي وتُقيم له حفلات على المسرح كغيره من الأنماط الموسيقية وتجعله مادة تعليمية لدُرّاس الموسيقى في الكونسرفتوار. تتعاطى الكتاب المقدّس كنصّ أو كأدب أو كثقافة. تدرّس اللاهوت كجملة مواد تعليمية في المعاهد والجامعات، لمَن يرغب. تتعاطى البناء الكنسي كبناء والفكر الكنسي كفكر والعبادة كطقوس والكنيسة عينها كواحدة من الديانات أو الطوائف. كل هذا وغيره الكثير تتحرّك على أساسه كل يوم ولا ترى فيه غضاضة. ولكنْ كلُّ هذا مؤشّر على وجدان كنسي غير قويم لأنّه ليس مشبعاً بالمنحى الإلهي الإنساني المفترض أن يكون. وفقاً لطبيعة الكنيسة الإلهية الإنسانية أنتَ تقبِّل يد الكاهن لأنّك ترى فيه إيقونة مرئية للمسيح غير المنظور. ولا تتعاطى القدسات، متى ساهمتها، من حيث هي ملعقة وخمر وماء وخبز بل من حيث هي المسيح يسوع عينه آتياً إليك في إيقونة الخبز جسداً والخمر دماً. في إطار الرؤية الكنسيّة تتعاطى الإيقونة لا باعتبارها لوحة كاللوحات ولا لقيمتها الفنّية بل لأنّها علامة حضور إلهي ومطرحُ تجلٍّ وموضع لقاء السماء بالأرض. الترتيل البيزنطي لا تقف فيه عند حدود النغم بل تتعاطاه كأداة عبادة تساعد الناس فيه ليرتفعوا إلى فوق وتستنزل فيه رحمات الله إلى مستوى عِشرة الناس. وماذا يُقال عن الكتاب المقدّس؟ بارَكَنا الربّ الإله بمَن كان لا يقرأ الإنجيل والرسائل إلاّ أمام الإيقونات وواقفاً أبداً في وضع الصلاة (راجع سيرة القدّيس سيرافيم ساروفسكي). والشيء نفسه يُقال عن كل أمر آخر في الكنيسة وما يختصّ بالمؤمنين. الكنيسة كيان فريد لا مثيل له في العالم. خطأ كبير أن نعتبرها واحدة من الديانات أو الطوائف أو مؤسّسات هذا الدهر.

 

الموضوع، أولاً وأخيراً، إذاً، هو موضوع وجدان كنسي ذي طابع إلهي إنساني فذّ. هذا ينبغي أن يكون لدينا واحداً ووجدان الكنيسة التاريخي التراثي وإلاّ لا نكون منها ولا ننتمي إليها. بغير هذا الوجدان نسقط في الضلال، نُسبى إلى بابل فكر هذا العالم، نمسي أرضاً خصبة لكل هرطقة!