لماذا عارض البابا غريغوريوس الكبير استعمال لقب “البطريرك المسكوني”

لماذا عارض البابا غريغوريوس الكبير استعمال لقب “البطريرك المسكوني”

جون نيشيبوروك

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

في القرن السادس، صار أسقف القسطنطينية يُعرف رسميًا للمرة الأولى باسم “البطريرك المسكوني”. ما معنى هذا اللقب الذي يحمله رئيس كنيسة القسطنطينية حتى يومنا هذا؟ لماذا عارض القديس غريغوريوس الكبير، المعروف في البلاد السلافية باسم القديس غريغوريوس الذيالوغوس، هذا الاسم بشدة؟

لقب “البطريرك المسكوني”

بدأ كل شيء في مجمع القسطنطينية عام 588 الذي انعقد حول قضية البطريرك غريغوريوس الأنطاكي. الحق في أن يُدعى “البطريرك المسكوني” [1] أُعطي في حينه لأسقف روما الجديدة. في الواقع، لم يكن هذا اللقب جديدًا على الإطلاق إذ قد تمّ استخدامه من قبل، ليس فقط لبطريرك القسطنطينية فحسب، بل للإشارة أيضًا إلى رؤساء الكنائس الأخرى. لذلك، أول مرّة استُخدم لقب “المسكوني” كان للأسقف ديوسقورس الإسكندري، الذي لعب دورًا محزنًا في مجمع أفسس الثاني عام 449، المعروف أيضًا باسم “المجمع اللصوصي”. في وقت لاحق أُعطي هذا اللقب لمتقدّم روما الجديدة في مجمع 518، لذا استخدمه الإمبراطور يوستنيانوس لمخاطبة ميناس بطريرك القسطنطينية. تذكر بعض النسخ اللاتينية من أعمال المجمع المسكوني الرابع أيضًا اقتراحًا للتوجّه إلى القديس لاوون بابا روما  بصفة “مسكوني”. في المراسلات بين الأساقفة، كعلامة على التبجيل الخاص، كان باباوات روما هرمسداس وأغابيتوس وبونيفاس الثاني يخاطبون بعضهم البعض أحيانًا بهذه الصفة. والجدير بالذكر أن باباوات روما المذكورين أعلاه لم يطلقوا أبدًا هذا الاسم الفخري على أنفسهم [2].

ومع ذلك ، عندما أصبح هذا اللقب رسميًا لأسقف القسطنطينية، احتجّ البابا بيلاجيوس على هذا القرار ونهى مبعوثه إلى القسطنطينية عن الاشتراك في الخدمة مع البطريرك البيزنطي ما عنى في الواقع قطعًا في الشركة الإفخارستية. في حينه كان مبعوث روما غريغوريوس، بابا المستقبل العظيم المعروف باسم الذيالوغوس (المحاور). بعد اعتلاء عرش روما القديمة الرسولي، امتنع غريغوريوس لبعض الوقت عن معارضة اللقب الجديد لبطريرك القسطنطينية. لكن نفد صبره عندما انتهك بطريرك وإمبراطور القسطنطينية بشكل صارخ سلطة روما الكنسية، ورشحا مرشحهم لمنصب رئيس أساقفة سالونا (سبليت في كرواتيا الحالية) بعد طرد مرشح البابا غريغوريوس. ما كانت حجج البابا الروماني ضد اللقب الجديد؟

“المسكوني” بمقابل المزاملة

قد تكون إحدى الحجج الرئيسية عند بابا روما مماثلة لما يمكن سماعه عادة من شفاه المدافعين الأرثوذكس عن المجمعية، إذ يجادلون ضد المفهوم الكاثوليكي للسيادة البابوية الشاملة. أكد القديس غريغوريوس أن لقب “المسكوني” قد رفع حامله بشكل غير لائق، وبذلك أذلّ أساقفة آخرين لهم نفس السلطة الأسرارية. بحسب غريغوريوس، حتى الرسل لم يجرؤوا على اتّخاذ مثل هذه الألقاب النافرة. بالأحرى هم كانوا رؤساء الجماعات المسيحية التي أنشأوها وفي نفس الوقت استمروا “أعضاء متساوين تحت رأس واحد” (المسيح). في رسالته إلى الإمبراطور موريس، نادى غريغوريوس أنه حتى الرسول بطرس، الذي أُعطي “رعاية ورئاسة الكنيسة بأكملها”، لم يجرؤ على أن يُدعى رسولًا مسكونيًا. عبّر البابا عن أفكار مماثلة في رسائله إلى البطاركة الشرقيين الآخرين، مؤكداً حقيقة أن جميع البطاركة هم رعاة وإخوة

مسكوني بمقابل مَلَكي

ومع ذلك، لم يجد غريغوريوس أيّ دعم في هذا الأمر عند الرئاسات الشرقية، ولا حتى بين أولئك الذين جمعتهم صداقة شخصية مع البابا. اعتاد رؤساء الكنائس الشرقيون على الألقاب الطنانة ولم يهتّموا بها كثيرًا. كان التفسير التقليدي للقب “المسكوني” مرتبطًا بالقسطنطينية باعتبارها المدينة الرئيسية والأكبر في الإمبراطورية الرومية المسيحية، مدينة بالفعل، مركز الكون [3]  والعالم الروماني [4] معاً. هذا أهّل بطريرك القسطنطينية أيضًا لأن يستحق أن يُدعى مسكونيًا. كان لبطاركة القسطنطينية بلا شك وزنٌ وتأثير كنسيٌ أكبر من إخوتهم الشرقيين، بطاركة الإسكندرية وأنطاكية والقدس. وعلى الرغم من ذلك، فإن لقب البطريرك المسكوني لم يحوّل حامله إلى رأس الكنيسة المطلق، كما صار البابا بعد تبني الفاتيكان لهذه العقيدة

لم تقبل الرئاسات الشرقية تحذيرات أخيهم الروماني، وصار لقب “البطريرك المسكوني” جزءًا من تقليد الكنيسة الأرثوذكسية. ومن المفارقات أن ما خشاه القديس غريغوريوس الكبير بالتحديد عادت وتبنّته كنيسة روما. فالإكليسيولوجيا الكاثوليكية تفترض مسبقًا الحاجة إلى وجود رأس كامل السلطة [5] في الكنيسة الجامعة. في المقابل، بالمنطق الأرثوذكسي، البطريرك المسكوني الأرثوذكسي هو رئيس كنيسة القسطنطينية الكبرى، لكنه الأول بين متساوين [6]، ما يمنحه صلاحيات وحقوق خاصة منصوص عليها في تقاليد الكنيسة والقانون الكنسي دون أن يجعل سلطته مسكونية. بهذا يتم الحفاظ على التوازن بين المجمعية والأولوية

[1] οἰκουμενικὸς

[2] Dudden F. Homes. Gregory the Great. His Place in History and Thought

[3] Ecumene

[4] Pax Romana

[5] Pontifex Maximus

[6] primus inter pares

Source:https://blog.obitel-minsk.com/2020/09/why-pope-gregory-the-great-opposed-using-the-title-ecumenical-patriarch.html

السنة السادسة عشرة، العدد الحادي عشر، آب 2020

السنة السادسة عشرة، العدد الحادي عشر، آب 2020

مختارات آبائية

القديس سمعان من ديابابي، مختارات من تعاليمه

مختارات آبائية عن المرض

حياة روحية

الأرشمندريت زخريا زاخارو، مسائل روحية

الأم دومينيكا، السعادة وموانعها

لاهوت

الأستاذ جورج مانتزاريذس، معرفة الذات ومعرفة الله بحسب القديس غريغوريوس اللاهوتي

رعائيات

المتقدم في الكهنة جورج كونستانتوبولوس، العائلة التي تصلي معاً

الأستاذ يوحنا كورناراكيس، كم هي غير مقصودة الخطايا المرتَكَبة عن غير إدراك؟

مسكونيات

جورج س. غابرييل، لماذا صاغت الكثلكة انتقال مريم كعقيدة

ليتورجيا

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس، كتاب خدمة الكهنة

القديس سمعان من ديابابي

القديس سمعان من ديابابي

مختارات من تعاليمه

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

ولد القديس سمعان بوبوفيتش سنة 1854 في سيتيني التي كانت العاصمة الملكية للجبل الأسود (مونتينيغرو). أنهى تعليمه الابتدائي في سيتينيي ودرس لاحقًا في المعهد الإكليريكي في كييف ومن ثم في أكاديميتها الروحية. هناك، سيمَ كاهناً راهباً . في 1888 عاد إلى سيتيني حيث خدم في دير القديس نيقولاوس في فرانجينا وبعد عام انتقل إلى دير أوستروج حيث حاضَرَ في مدرسته الرهبانية

رأى الأرشمندريت سمعان رؤيا على أساسها بدأ ببناء كنيسة في موقع دير ديابابي الحالي في أواخر القرن التاسع عشر. هناك قضى بقية حياته معلّماً وراعياً. رقد الأرشمندريت سمعان بالرب في 1 نيسان 1941

تم الكشف عن رفاته الجليلة بعد خمس وخمسين عامًا من وفاته، أي عام 1996 في دير ديابابي حيث إلى اليوم يجمع تذكار رقاده كل عام أعداداً كبيرة من المؤمنين يتقدمهم الأساقفة. أعلنت الكنيسة الصربية قداسته في نفس اليوم في 2010 مع القديس يوستينوس بوبوفيتش معلم العقائد الصربي الكبير

كما أن الماء مالح في كل مكان من البحر، كذلك عيون الله ترانا في كل مكان من الأرض

تمامًا كما أن الزلاجات لا تكون مهمة عندما لا يكون هناك ثلج، كذلك لن يكون للإنسان معنى إن لم يكن هناك حياة أبدية

تظهر القوة الأرضية في قلعة الملك، بينما يظهر مجد الله في الرجل الصالح

كما تطرد ريح الشمال الضباب بعيدًا، خوف الله يطرد الأفكار السيئة

عندما تلقي مكواة في النار تضيء كلها مثل النار. كذلك على المنوال نفسه، عندما تستمع إلى تعاليم الله وتتبعها في حياتك، تصبح مثل الله

لا يستطيع الصوص أن يخرج من البيضة إن لم تحضنها الدجاجة أولاً. وبالمثل، لا يمكن للإنسان أن يصير صالحًا دون أن تدفئه نعمة الله أولاً

لعمل لوحة جيدة، أنت بحاجة إلى فنان خبير وقماش جيد وألوان دائمة. في طفولتك، يمكن أن تأخذ شبكة قلبك مجموعة متنوعة من الألوان. حافظ على نقاء قلبك حتى يتمكن الرب من رسم صورته الإلهية عليه

على متن العبّارة، يُطلَب من المسافرين الحصول على تذكرتهم، ولكن في الملكوت يُسأل المسيحيون عن قلب نقي

انت تجمع كلّ مواردِك، ثم تبني منزلاً. وبالمثل، قمْ أولاً بتنقية قلبك قبل أن تصلي إلى الله

إن لم تدَعْ ماشيتك تبقى تحت سقيفتك ولا الطعام يفيض من بطنك، يبقَ هواء بيتك أنقى وقلبك أكثر طهارة في كنفِك

ليكن هناك محكمة حول بيتك، وخوف الله في قلبك من أجل سلامة جسدك وروحك

مَن يريد أن يصطاد صغار النحل يحتاج البنفسج، ومَن يريد أن يقبل الروح القدس عليه أن يقتني قلباً نقيًا

لا يسمح النحل بدخول نحل غريب إلى قفيره، تمامًا كما لا يسمح المسيحيون الحقيقيون للأفكار الخاطئة بالدخول إلى قلوبهم

احفظ البارود من المطر والرطوبة، واحفظ قلبك من الملذات والأهواء التي تؤذيه

احمِ عينيك من الدخان والغبار، وقلبك من الغيرة والنساء، حتى لا تصاب بالعمى في الجسد والروح

في أعلى قصر الملك نرى لافتة، بينما عند الرجل الصالح نرى مجد الله

مثلما يمكن أن يرتدي الخاتم أولئك الذين لم تتم خطوبتهم بعد، يمكن لمَن ليسوا رهبانًا أن يسلكوا في حياة القداسة

بشعر ذيل الحصان نصنع أوتار الجوزلا (آلة موسيقية من ذوات الأوتار)، بينما بحياة البلاء نكسب المجد الأبدي في ملكوت الله

أقوى قارب هو المصنوع من خشب البلوط، بينما الرجل الأكثر ذكاءً هو الصابر

الثعلب الذي يرى أنه لا يستطيع الهروب من مصيدة حديدية، يقطع قدمه بأسنانه لإنقاذ حياته. عليك أيضًا أن تتحمل التجارب وأن تضحي بنفسك لتكسب الخير الأبدي

مختارات آبائية عن المرض

مختارات آبائية عن المرض

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

القديس اسحق السرياني

الله يرسل الأمراض من أجل صحة الروح… إذا كنت تتذكر دائمًا ضعفك، فلن تتعدى حدود التعقّل

القديس اغناطيوس بريانشانينوف

تعلِّم الحكمة الروحية أن الأمراض وغيرها من الآلام التي يرسلها الله إلى الناس تُرسَل من رحمة الله الخاصة كدواء مرير. تتعاون أشفية المرضى لخلاصنا وعافيتنا الأبدية، بالتأكيد أكثر بكثير من الشفاء العجائبي

القديس تيخن الزادونسكي

على الرغم من أن المرض يضعِف الجسد، إلا أنه يقوي الروح. إنه يميت الجسد ولكنه يحيي الروح؛ يضعف الإنسان الخارجي ويجدد الداخلي. ولكن على الرغم من أن إنساننا الخارجي قد هلك، إلا أن الإنسان الداخلي يتجدد يومًا بعد يوم (2 كورنثوس 4:16). كيف يتم تجديده؟ إنه يتعلّم التواضع والصبر وذكر الموت ومنه التوبة القلبية والصلاة وازدراء العالم والبطلان الدنيوي. من يريد أن يتفاخر عندما يكون مريضاً؟ يرى نهايته تقترب بسبب المرض، فمن سيرغب في الكرامة أو المجد أو الغنى؟ من سيجرؤ بلا خوف على أن يخطأ عندما يخشى دينونة الله؟ متى يصلي الإنسان بحرارة أكثر من في المرض؟ يا للمرض! إنه دواء مرير ولكنه دواء شافٍ! كما يقي الملح تعفّن اللحوم والأسماك… كذلك يحفظ المرض روحنا من تعفن الخطيئة والفساد ولا يسمح للأهواء … أن تتجدد فينا

القديس سلوان الأثوسي

المرض والفقر يواضعان الإنسان حتى النهاية. جئت إلى أحد الآباء وهو مريض وسألته “كيف حالك؟” لكنه كان مستاءً من مرضه، وبدلاً من الإجابة ألقى قبعته على الأرض. فقلت له الحمد لله على مرضك. وإلا كنت ستموت على نحو ردئ”

الأنبا أشعياء

إذا أخذك المرض، فلا تيأس أو تسقط بالروح، ولكن اشكر الله أنه من خلال هذا المرض يوفر لك أن تكتسب شيئًا حسناً… إذا شعرت أن روحك مضطربة بسبب مرضك، فقل لها: أليس هذا المرض أسهل من جهنم، حيث ستذهبين إن لم تكوني ثابتة ومجالِدة في الصبر؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

يأتي المرض من ضعف الجسد المتأتّي من الشبع

القديس نيلس السينائي

اعترف بضعفك أمام الله ، حتى تشرق لك إمكانية النعمة… في المرض ، قبل الأطباء والأدوية نستخدم الصلاة

القديس باسيليوس الكبير

مثلما لا ينبغي أن نتجنب الفنون الطبية تمامًا، كذلك لا ينبغي أن نضع كل أملنا فيها. بل تماماً كما نستفيد من الفنون الزراعية ولكن نسأل الثمار من الرب… كذلك عند الذهاب إلى الطبيب، عندما يكون ذلك ممكناً، لا نترك الرجاء بالله

القديس أنطونيوس الكبير

اعلم أن الأمراض الجسدية هي صفة طبيعية للجسم من حيث الفساد والمادية. وهكذا، في حالة هذه الأمراض، يجب على النفس المتدربة على الصلاح أن تظهر الشجاعة والصبر بامتنان وألا تلوم الله قائلة: لماذا خلقت الجسد

القديس مكاريوس الكبير

إن الذي خلق الروح خلق الجسد أيضًا. وكونه هو الذي يشفي الروح الخالدة يمكنه أيضًا أن يشفي الجسد من الآلام والأمراض المؤقتة

مسائل روحية

مسائل روحية

الأرشمندريت زخريا زاخارو

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

القنوط والصلاة

يقول الآباء في الجبل المقدس أن الرهبان في القنوط (قلة الاهتمام بالخلاص واليأس) [1] يمكنهم تحريك الجبال. يتحدث القديس يوحنا السلم أيضًا عن هذا. يمكن أن يصبحوا مجتهدين للغاية، لديهم آلات مختلفة: أحدهم يصنع الجوارب، والآخر قبعات، وأحزمة، وحتى الكؤوس، وكل أنواع الأشياء. لكن عندما نعمل في الدير، فهذه علامة على أننا لسنا في حالة من اليأس، لأننا نعمل في الطاعة. في الواقع، أفضل طريقة للتغلب على القنوط هي الطاعة. الراهب المطيع لا ييأس أبدًا، لأن الطاعة تجلب التواضع، والتواضع يجلب النعمة والنعمة تؤدي عمل الخلاص. يقول القديس بولس “لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي” (1 كورنثوس 10:15). لذلك، هناك شيء واحد هو بالتأكيد أكثر من أي شيء آخر علاج لليأس، وهو الطاعة. مهما كان العمل الذي نقوم به قد يكون إما بسبب اليأس أو بسبب الطاعة. هذا يعتمد. إذا ذهب ناسك إلى الصحراء بمباركة وكان هدوئيًا حقيقيًا، فسيكون عمله أيضًا مقدسًا. ومع ذلك، إذا ذهب دون بركة ولم يكن لديه الإلهام الصحيح للحياة الهدوئية، يقول الأب صفروني إن مثل هذا الراهب لن يعرف ماذا يفعل في الصحراء

في الواقع، إن الذين لمعوا في الصحراء برعوا في الطاعة في حياة الشركة أولاً. في الصحراء، يستطيع هؤلاء الرهبان تحويل الشرارة إلى لهب. كان الأب صوفروني قد اشتعلت هذه النار لديه بالفعل في دير القديس بندلايمون: بعد انتهاء الخدمة، كان يذهب إلى غرفته ويغلق الباب دون أن ينظر إلى الخلف، ويسقط على وجهه على الأرض. كان يصلي هناك حتى يُستَنفَد، وبعد أن يسعى على الأرجح لقراءة مقطع من الإنجيل أو أي شيء آخر. عندما ذهب إلى الصحراء أصبح “أسوأ”: في بعض الأحيان، لم يكن ينظر لأسابيع من خلال فتحة الكهف ليرى ما إذا كان النهار أو الليل. كان على الأرض، يصلي ليلاً ونهاراً، وعندما يشعر بالإرهاق ينام ساعتين ثم يتابع في نفس المكان. عندما يعيش الإنسان بهذه الطريقة، فإن حرارة هذا النشاط تغير بنيته. لم يعد الإنسان نفساً، بل أصبح روحانيًا

قال الأب صفروني إن إحدى طرق بدء الصلاة هي أن تقدّم لله ما تشعر به في تلك اللحظة. يقصد القديس أن تتحدث معه عن مشكلتك. قال أن في بعض الأحيان يمكن أن تكون هذه بداية صلاة عظيمة خاصةً عندما تترافق مع مقاومة الأهواء. أفضل طريقة للتعامل مع الأهواء هي أن توجّه عقلك إلى القلب وتقول “يا رب، كما ترى”. بمجرد أن تقول هذا تبدأ في دخول النور. “يا رب، أنت ترى بؤسي. لا أريد هذه الأفكار. من فضلك، تعالَ إلى مساعدتي.” فتختفي الأفكار. فقط أحضِرْ عقلك إلى قلبك، واعترف من قلبك للرب بالبؤس الذي أنت فيه وادعُه ليأتي لمساعدتك، مضيفًا “رغم أنني لا أستحق”. دائما بتواضع. كلما واضعنا أنفسنا، زادت فعالية الصلاة. خاصة عندما نحاول أن نحافظ على اليقظة ونحفظ أذهاننا من الأفكار، عندما نقول “يا رب، كما ترى”، فهذا يشبه إمساك فكر العدو من الأذن وإبرازه إلى النور. فبالطبع لا يستطيع تحمل الضوء فيختفي. لا تخفْ، فقط ضع عقلَك في قلبِك وانفصل عن كل شيء، وقُلْ هذه الصلاة الصغيرة. دعونا نرى ما إذا كان هناك أي شيء متبقٍّ بعد ذلك. ليس عليك حتى أن تكون سريعًا، ما عليك سوى فكّ الارتباط. ركّزْ ببساطة في القلب، حتى في مكان قلبك المادي، الذي يتوافق مع القلب الروحي من جهة “الجغرافيا”ـ

دموع التوبة

يقول الآباء القديسون أن الذين بكوا روحياً باستمرار في حياتهم، سوف يدخلون الملكوت حتى قبل الشهداء، لذلك يقدّر الله الدموع. ويجب أن يكون هذا صحيحًا، لأننا نقرأ في سفر الرؤيا أن آخر بادرة طيبة للرب هي مسح الدموع من عيون مختاريه (انظر رؤيا 7:17 ، 21: 4). يا لها من لفتة رائعة، أن يتعامل خالق السماء والأرض برقة شديدة مع كل واحد من مخلوقاته! في مكان آخر نقرأ شيئًا مختلفًا بعض الشيء، وهو أن صلوات القديسين، التي رُفِعَت بنعمة الروح القدس، أي بحزن ودموع، محفوظة في “قوارير” وسيتم إطلاقها لتخرج على شكل البخور امام الله في اليوم الاخير

مقت النفس والقنوط المبارَك

القنوط المبارك يساعد، لكن مقت الذات يأتي من نبذ الذات الحقيقي. في الواقع، إنه يأتي من محبة الله، لأننا عندما نختبر جمال محبة الله، فإننا نلعن أي شيء يتعارض معها، حتى أنفسنا. تسودنا فكرة واحدة فقط: أننا لا نستحق أن يكون لنا إله مثل المسيح، كما أظهر نفسه في محبته. في الإنسان الذي يتبع المسيح، تصبح محبة الله حتى النهاية محبة لكراهية الذات. هناك لحظة تنقلب فيها الأمور هكذا. ذات مرة، كان الأب صفروني يشرح كلمات القديس سلوان، “تواضع المسيح لا يوصف”. كنت شاباً جداً وقلت للأب صفروني: “يا أبتي، اشرح لي. كيف هذا التواضع لا يوصف؟” أجاب: “التواضع الروحي هو أن نعرف أننا لا نستحق أن يكون لنا إله مثل المسيح.” أحيانًا، كان الأب صفروني يتلطّف ويتحدث بعبارات بسيطة للغاية، إذا لم أفهم. عندما يعرف المرء الواقع الذي يحاول شرحه ويتحمل تجربته، يخرج التفسير بسهولة وحتى بكلمات بسيطة. بعض الكتاب ناجحون جدًا، لأن لديهم شغفًا، وهذا الشغف مليء بالكلمات. يعتمد ذلك على شغف الكاتب

في كل شيء، حتى في الصلاة، إذا كان خوف الله فينا، وإذا كنا نخاف حقًا اسمه، فسوف نحب اسمه، وإذا أحببنا اسمه، فستكون الصلاة قوية. وإلا كيف يمكننا استدعاء هذا الاسم؟ لذلك، فإن مخافة الله ليست فقط بداية الحكمة، كما يقول الكتاب المقدس، بل كما يتابع الأب صفروني: “إنها أيضًا بداية المحبة الإلهية”ـ

[1] (ακηδία)

السعادة وموانعها

السعادة وموانعها

الأم دومينيكا

نقلتها إلى العربية اسرة التراث الأرثوذكسي

في بداية حديثنا أود أن أقرأ مقطعًا من رسالة القديس نيكولا (فيليميروفيتش) مطران أوخريدا وزيكا رداً على سؤال من ابنته الروحية: “لماذا لم يقل الإنجيل شيئًا عن السعادة؟” هذا ما قاله: “أيتها العزيزة، لماذا تعتقدين  أنه لم يقل شيئاً. يبدو أن الإنجيل تحدّث عن سعادة الإنسان أكثر من أي شيء آخر! أعتقد أن الإنجيل يمكن أن يسمى كتاب السعادة، والدرس الذي يعلّمنا المسيح هو درس عن السعادة. هل تشعرين بالحيرة لعدم وجود كلمة “سعادة” فيه؟ لكن هناك كلمات أخرى في الإنجيل مكانها، على سبيل المثال، الفرح، الغبطة، الفردوس، النعيم. الغبطة تعني السعادة الفائقة. هل تعلمين ما هو الدرس الرئيسي الذي علّمنا إياه المسيح؟ هو درس عن السعادة تكرره الكنيسة الأرثوذكسية للناس في كل قداس إلهي بترنيم التطويبات.”ـ

هذا كان جواب القديس لابنته الروحية. في الواقع، هل يمكن أن يكون صحيحًا أن الإنجيل لم يقل كلمة واحدة عن السعادة ولم يعطِ إجابة لأحد أكثر ما يثير اهتمام البشر من الأسئلة: “ما هي السعادة وكيف تُقتنى”؟ بدأ الرب الذي جاء إلى الأرض كرازته تحديداً بالإجابة على هذا السؤال. وبإجابته جعل السعادة قريبة جدًا من البشرية جمعاء بل يمكن القول إنه سلّمها إلينا

عادة ما نتخيّل السعادة على أنها شيء بعيد عنا ولن يأتي إلا بعد أن تتغير الظروف الخارجية. يعتقد البعض: “إذا غيرت وظيفتي، سأكون سعيدًا”؛ يقول آخرون: “إذا كان لدي جيران مختلفون، فسوف أشعر أنني بحالة جيدة”؛ ويعتقد آخرون أنه من أجل أن يكونوا سعداء، عليهم القيام برحلة. حتى أن هناك من يعتقدون أنه إذا غيروا شكل أنوفهم، فإن حياتهم ستتغير بالكامل. وهذا ما يفعله الناس. لكن في كثير من الحالات عندما يحصلون على ما يريدون، لا يجدون السعادة فيه. يشعر الناس بالصدمة وفي بعض الأحيان يفقدون هدف الحياة. يحدث هذا في كل مرة يلاحق فيها أحدهم حلمه أو فكرته. فبهذا يضمن تعاسته. يشرح الشيخ إميليانوس فافيديس (سيمونوبترا) سبب حدوث ذلك بهذه الطريقة: “عندما يثير اهتمامنا شيئ ما، عندما نتوق إلى الأشياء الأرضية ونسعى إليها بإصرار، نصبح غير سعداء مفكّرين بطموحاتنا ورغبات قلوبنا وليس بالله.”ـ

يفقد الإنسان سعادته عندما يبدأ بمطاردة الأشياء التي تنشأ من قلبه، أي الأوهام والأهواء… وهذا هو أكثر أخطائه مأساوية. في سعيه وراء نتاج خياله يتغاضى عن الغبطة الحقيقية. إذ رأى الرب هذه المشكلة المؤلمة التي يعاني منها جميع الناس، قدم لها حلّاً. قال: لا تبحثوا عن السعادة بعيدًا. لستم بحاجة إلى الركض أو الاستعجال أو الإسراع للحصول عليها. الغبطة قريبة: إنها في داخلكم.” ثم شرح لنا معنى السعادة الحقيقية بإعطائنا التطويبات التي إذا التزمنا بها ننال الغبطة

قد يجادل أحدهم: “كيف أتبع التطويبات؟ إنها من مستوى عالٍ ويصعب السلوك بحسبها!” في الواقع، من الممكن اتباعها كلّها. وهذا الطريق في متناول الجميع. هذا هو ما يقوله القديس باييسيوس الأثوسي عن هذا الأمر: “مهما حدث لنا فليكن سببًا للامتنان وليس شيئًا للإسهاب فيه”ـ

الامتنان هو الوسيلة التي يتمم من خلالها الإنسان كل التطويبات ويسعد. كل ما يحيط بنا أو يحدث لنا قابل لأن يصبح موضوعًا للإسهاب. “لماذا يتصرف بهذه الطريقة؟ لماذا لدي هذا العمل؟ لماذا يتساقط الثلج أو تمطر مرة أخرى؟ لماذا تسوء الأمور مرة أخرى؟” من ثمّ بالطبع، لن نشعر بالسعادة أو البركة على الإطلاق. ومع ذلك، إذا بدأنا بتقديم الشكر، على سبيل المثال بالقول “يا ربي يسوع المسيح يا ابن الله  المجد لك!”، ليس فقط باللسان بل بكل كياننا، فسنشعر عاجلاً بالغبطة. بشكرنا نعبّر عن تواضعنا العميق ووداعتنا وتشوّفنا إلى نقاوة القلب، أي كل ما أورده المسيح في التطويبات

كتب القديس نيكولاي (فيليميروفيتش) حكاية مثيرة للاهتمام للغاية عن رجل نبيل عاش في قصر في راحة ورخاء. على الرغم من أنه كان لديه كل ما يمكن أن يحلم به، إلا أن حزنًا عميقًا استحوذ عليه. لذلك قرر الذهاب في رحلة للاسترخاء قليلاً. ركب حصانه لفترة طويلة دون أن يرى أيَّ شيء ممتعاً. بعد وقت وصل إلى حقل فيه فلاح وثورَين، ووقعت عيناه على مشهد غير عادي. الآن سوف أقرأ بقية القصة:ـ

“رأى النبيل ثوراً ملقى على الأرض، والثور الآخر واقفاً مربوطاً. أما الفلّاح فَراكعٌ في الأخدود وذراعاه ممدودتان نحو السماء، صارخاً مراراً وتكراراً: “المجد لك يا رب! أشكرك!” اقترب النبيل ونزل عن الحصان في حيرة من أمره، وسأله: “ما الذي تشكر الله عليه بهذه الحرارة؟” أجاب الفلاح: “مات أحد ثورَيّ”. “وأنت تحمد الله على هذا؟” سأل الرجل الغني متفاجئاً. “نعم لهذا بالتحديد”. فتابع الغني: “شخص آخر كان ليبكي ويئن ويشكو من ظلم السماء والأرض وأنت تشكر الله! اشرح من فضلك لماذا؟” تنهد الفلاح وقال: “أنا خاطئ، ولهذا أصابتني هذه المحنة. أخذ الرب ثوري بدلاً من أن يعاقبني بالموت. لا يسعني إلا أن أمدحه!” تفاجأ النبيل وسأله مرة أخرى: “كيف ستحرث بثور واحد فقط؟” أجاب الفلّاح وقد ارتسمت على وجهه المشعّ ابتسامة خفيفة: “الربّ سوف يدبّر الأمور”. فأدرك النبيل أنه على الرغم من أنه كان يعيش في قصر إلا أنه لم يبتسم مثل هذا الفلاح الفقير منذ سنوات. أخذ عدة عملات ذهبية من جيبه وقدمها له: “خذها واشترِ ثورًا آخراً. لقد تعلّمتُ الكثيرَ منك اليوم”. صرخ الفلاح بفرح: “ألم أقل لك يا مولاي أن الله سيحل الأمور؟” رفع الفلاح يديه نحو السماء وكرر مرة أخرى بصوت عالٍ: “أشكرك يا رب! أشكرك يا رب!”ـ

على الرغم من أن هنا كان يمكن أن يكون نهاية القصة إلا أن لها تتمّة. يروي القديس نيكولاي أنه بعد ذلك اللقاء عاد النبيل إلى قصره ليجد النيران تأكله. ماذا فعل النبيل؟ جثا على ركبتيه ورفع ذراعيه نحو السماء وصرخ: “أشكرك يا رب! أشكرك يا رب!” وقال للخدام الذين كانوا منذهلين من سلوكه: “اهدؤوا! لم أشكر الله منذ سنوات عديدة، رغم أنه منحني كل شيء. دعوني أبدأ بفعل ذلك الآن، عندما يأخذ الرب كلّ شيء مني. حان الوقت بالنسبة لي للعمل، هذا ما أحتاجه لاستعادة هدفي في الحياة”. وشرع النبيل ببناء منزل جديد بيديه. وكما يكتب القديس نيكولاي: “تنشّط الرجل الشريف، نقّى فكرَه، وارتفعت معنوياته. ومن ذلك اليوم راح يعطي شكراً لله على كلّ شيء كلّ يوم”ـ

بهذا اختتم القديس نيكولاي حكايته. تبدو هذه القصة وكأنها حكاية خرافية، لكنها تصف أشياء حقيقية. في الواقع، لم يَخِبْ أيّ شخص شَكَر الله. الشكر يفتح أعيننا، حتى نبدأ في رؤية كيف يعمل الله في ظروف الحياة المختلفة ويسكب محبته علينا. من الطبيعي أن نكون شاكرين للرب باستمرار، فكل إنسان لديه ما يشكر الله عليه في كل دقيقة

على العكس من ذلك، إن الذين لا يشكرون الله يخدعون أنفسهم طوال الوقت. هؤلاء الناس ينخدعون بأفكارهم. في معظم الحالات كل شيء على ما يرام معهم وقد باركهم الرب كثيرًا، باستثناء بعض الأشياء المحددة التي يعتبرونها مشكلة خطيرة. وقد يفكرون في هذا “الاختلال” لمدة ثلاثين عامًا متتالية، مما يجعلهم غير سعداء. على سبيل المثال، يعتقد البعض أن لديهم آباء سيئون: “أتمنى لو ولدتُ في عائلة مختلفة؛ كنتُ لأكون سعيداً”. آخرون يجزمون أن كل مصائبهم كانت بسبب شعرهم الزنجبيلي، وهو شيء عرّضهم للتنمر في المدرسة. يشتكي آخرون من أنهم لم يذهبوا إلى أفضل مدرسة ولم يحصلوا على تعليم عالٍ. تغشى هذه الأفكار على أذهانهم فلا يرون بركات الله العديدة التي تمتلئ بها حياتهم. لقد وهب الله المرء مواهب كثيرة والجميع يقدّره، لكن فكرة سلبية طفيفة قد تجعله غير سعيد! وهذا ما كان يقوله القديس باييسيوس الأثوسي عن هذا الأمر: “لماذا نسمح لأنفسنا بالتفكير في الهراء ونُجرَّب بتفاهات مثل: ’لماذا قال هذا لي؟ لماذا نظر إلي بهذه الطريقة؟ لماذا أخذ كأسًا وذهب إلى هناك وليس هنا؟’ وآلاف من الأشياء الطفولية الأخرى!”ـ

إذاً، الأفكار يمكن أن تخدعنا وتعمينا وتجعل حياتنا قاتمة. لتجنّب هذا يجب علينا دائمًا التحكم بقلوبنا. بمجرد أن نلاحظ أن شيئًا ما سوف يزعجنا وأن الفكرة التالية تتسلل إلى أذهاننا: “أنا غير سعيد لأن كذا وكذا قد حدث لي أو ليس لدي شيء كذا وكذا”، لنكن يقظين، مع العلم أن الثقة في مثل هذه الأفكار هو خطأ فادح. قد تظهر أفكار من هذا النوع في مواقف يومية غير متوقعة أو عندما يحمل شخص ضغينة أو حزنًا لفترة طويلة. دعونا نبذل جهودًا، كونوا يقظين، اتركوا هذه الأفكار تمر دون التحدث معها؛ ودعونا نشعر باستمرار بامتنان الله في قلوبنا. لنتذكر الكلمات الحكيمة للشيخ باييسيوس مرة أخرى: “كل ما يحدث لنا فليكنْ سبباً للامتنان وليس سبباً للإسهاب”ـ

يكمن سر السعادة في هذه الكلمات القليلة. السعادة ليست في امتلاك بعض الأشياء الخارجية أو تغيّر الظروف؛ هو الشكر على كل شيء، ومن خلال هذا الشعور بسلام مع الله والشعور بمحبته. كما قال القديس سلوان الأثوسي: “كنت أعتقد أن السعادة هنا على الأرض، لأنني كنت بصحة جيدة ووسامة وغنى ومحبوباً من الآخرين. ملأني هذا بالمجد الباطل. لكنني اعتبرت كل السعادة في العالم على أنها ضباب تحمله الريح منذ أن عرفت الرب بالروح القدس. ونعمة الروح القدس تسعِد وتفرّح النفس التي تتأمل الرب بعمق في العالم الروحي.”ـ

* من حديث للأم دومينيكا كوروبايينيكوفا رئيسة دير القديس ألكسندر نيفسكي في نوفو تيخفين، أيكاتينبرغ، روسيا، إلى أخوية الدير*

معرفة الذات ومعرفة الله بحسب القديس غريغوريوس اللاهوتي

معرفة الذات ومعرفة الله بحسب القديس غريغوريوس اللاهوتي

جورج مانتزاريذس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

ينتقد سقراط السفسطائيين لنهجهم النفعي واللاأدري، جنبًا إلى جنب مع الذين سعوا لمعرفة المزيد عن طبيعة العالم والقوانين التي يعمل بها فيما كانوا غير مبالين بمعرفة أنفسهم، فيقول: ” بِالنّتِيجَة، ما الذي يحدث لهؤلاء الناس؟ هل اعتقدوا أنهم يعرفون كما ينبغي في المسائل الإنسانية والعناية بها، أم أنهم ربما تخلّوا عن الإنسان وبدلاً منه يفحصون أشياء أخرى، و علاوة على ذلك، لديهم انطباع أنهم يفعلون ما ينبغي فعله؟”[1]ـ

بالنسبة لسقراط، الواجب الأساسي للإنسان هو معرفة الذات “أن تعرف نفسك”. بدون معرفة الذات، يبقى الإنسان أساسًا في حالة جهل أو يكون مخطئًا، وعادة ما يكون لديه انطباع خاطئ عن المعرفة. لهذا السبب حاول سقراط إثبات جهل الذين اعتقدوا أنهم يمتلكون المعرفة وإعفاءهم من انخداعهم. كان يقترب من الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم مرجعيات في مجال معين من المعرفة، وأثناء الحوار معهم كطالب بسيط، يثبت أنهم، في النهاية، كانوا جاهلين حتى بموضوع معرفتهم

يقول سقراط إن نقطة البداية الصحيحة الوحيدة للمعرفة هي إدراك جهل المرء: “الشيء الوحيد الذي أعرفه هو أنني لا أعرف”. من خلال هذا الإدراك، يصل المرء أولاً وقبل كل شيء إلى تقدير حالته الخاصة من الاحتياج، وبالتالي يتجنب الغطرسة والغرور. بهذا يتطوّر شعور المرء بحدوده وقيوده الخاصة؛ فكل ما هو مهيئ للقيام به يجرّبه، ويتجنّب كل ما يتجاوز قدراته.[2] على الرغم من ذلك، فإن معرفة الذات لا تقيم جسراً بين الفراغ الأنطولوجي الذي يشعر به الناس في الداخل، ولا تُشبع الرغبة في معرفة الحقيقة التي تميز الطبيعة البشرية

بقدر ما يتجاهل الإنسان الحقيقة يصير عاجزاً عن الشعور بالاكتمال والحرية. للحقيقة أهمية حيوية للإنسان؛ فهي تكشف معنى الحياة وهدفها، بينما معرفة الحقيقة تحرر من الباطل والضلال. رغبتنا في معرفة الحقيقة تقودنا في رحلة استكشاف لا تنتهي. ومع ذلك، فإن هذه الرحلة لا تقود إلى الرضى، بل تؤدي في النهاية إلى طريق مسدود وخيبة أمل. وهذا طبيعي وحسب، بالنظر إلى أن استكشاف الحقيقة هو في النهاية استكشاف لاهوتي، وهذا لا يمكن تحقيقه على المستوى الإنساني البحت

للحقيقة طابع أبدي لا يمكن إيجاده على مستوى الفساد والموت. على أي حال، فإن أي شيء يتحرك على هذا المستوى يتم تزويره بالفساد والموت وبالتالي لا يمكن أن يكون صحيحًا. ترتبط الحقيقة بالحياة، وبالحقيقة بالحياة الأبدية الخالدة. هذا يعني أنها حية، ولا يمكن أن تموت ولا تفسد. لا يمكن أن تكون الحقيقة شيئًا ميتًا أو هامدًا. ولا يمكن أن تكون فكرة غامضة أو مجردة. يجب أن تكون حقيقة حية. ولكي تكون الحقيقة حقيقة حية، يجب أن تكون شخصية وموضوعية. بالنسبة للمسيحية، الحقيقة هي شخص المسيح، الذي هو في نفس الوقت الحق والحياة ؛[3] هي الله نفسه

كون الإنسان مخلوقاً على “صورة الله ومثاله” فهو يرتبط بالله، وهو قادر أكثر من أي كائن آخر على إيجاد الحقيقة وقبولها، وإيجاد الله وقبوله. علاوة على ذلك، كشخص حي، يتقبّل الإنسان منذ البداية العلاقة الشخصية والشركة مع الإله الشخصي الحي. ومع ذلك، فيما يرتبط الإنسان بالله ويمتلك في داخله بصمة الصورة الإلهية، فإن ارتداده أساء إلى هذا الارتباط وشوّه وجوده. لقد توقف عن التواصل مع الله، بعد أن استسلم لقوة الشر. وبذلك أظلم عقله وأضعف كيانه بالكامل

الخطيئة الجديّة، بحسب القديس غريغوريوس اللاهوتي والتقليد الأرثوذكسي، ليست مجرد حدث موضوعي بدأ بآدم وانتقل إلى نسله. هذه الخطيئة، التي ارتُكبت بعمل استقلالي متغطرس أدى إلى مرض قاتل لطبيعة الإنسان وخضوعه للفساد والموت، لا تشمل فقط جدّنا آدم بل كل شخص. لقد أصبحت مرض طبيعتنا. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي بشكل مميز: “يا لِمَرضي! لأني اقتنيت مرض الجدّ.”[4]ـ

لكي يشفى الإنسان، عليه أولاً وقبل كل شيء أن يدرك حالته. يجب أن يعرف سبب مرضه، وهو الغطرسة، وأن يعترف بتواضع بجهله بالمعنى السقراطي للكلمة. بينما عرف آباء الكنيسة واستخدموا الفكرة اليونانية القديمة “اعرف نفسك” كما روج لها سقراط، فقد فضلوا التعاليم الكتابية “احْتَرِزْ”.[5] على الرغم من أن هذين القولين مرتبطان ارتباطًا وثيقًا ويمكن اعتبارهما متطابقين بمعنى ما، إلا أنهما يختلفان في الجوهر. وهذا الاختلاف له أساس أنثروبولوجي ولاهوتي

إن معرفة الذات اليونانية القديمة، كعملية تتمحور حول الإنسان، لا تقدّم للإنسان الحقيقة الخالصة ولا ملء الحياة. الإنسان في حالة ارتباك وسقوط. هذا يعني أن كل شكل من أشكال المعرفة البشرية مشوه وغير مؤكد. إن معرفة المرء بذاته هي في الحقيقة مجرد معرفة تقليدية لنفسه الساقطة والمريضة. بالطبع، هذه المعرفة ضرورية لمساعدة الإنسان في البحث عن الحقيقة، ولكن يجب أن يصاحبها التواضع. الحكمة، حسب القديس غريغوريوس اللاهوتي، هي “معرفة الذات أيضًا، ولكن دون أن تكون متكبرًا”[6]. عندما لا يحاول الإنسان البقاء ضمن حدوده الصحيحة، بل يصبح متفاخرًا “بشكل مفرط”، فإنه ينقاد إلى جنح خطيرة. ويصبح هذا واضحًا بشكل خاص خلال المواقف الأكثر صعوبة في الحياة. في مثل هذه المواقف، على ما يؤكد القديس غريغوريوس، يُصاب الناس بالدوار، ويغرقون في آرائهم الخاصة غير قادرين على قبول أن حكمة الله أعظم من حكمتهم: “إنهم لا يقبلون أن الله أكثر حكمة منهم، كلما شعروا بالدوار أمام حادث ما”.[7]ـ

يوجد لاتماثل كامل بين الله والإنسان. الله غير مخلوق والإنسان مخلوق. أي محاولة بشرية للاقتراب من الله غير المخلوق أو معرفته محكوم عليها بالفشل منذ البداية. علاوة على ذلك، فإن أي مفهوم أو رسم لله قد يتصوره المرء هو تقليدي تمامًا ومقتصر بشكل لا مفر منه على مستوى العالم المخلوق. لا يستطيع المرء التغلب على حاجز المخلوقية ومعرفة الله غير المخلوق. في النهاية، لا يعرف الإنسان الله إلا عندما يعلن عن نفسه: “معرفة الله، أو بالأحرى أن يعرفه الله”[8]. إذا لم يُعرّف الله نفسه للإنسان، فلا يمكن لهذا الأخير أن يعرف الله؛ لا يستطيع أن يكتسب معرفة حقيقية عن الله

أصبح ظهور الله في التاريخ ممكنًا من خلال المبادرة الإلهية ورضوخ الإنسان. تم إعداد هذا الظهور بين أبرار العهد القديم وتم إنجازه بدخول مريم العذراء في التاريخ. بتواضعها الكامل، وشخصيتها العذراء، ونقاوتها التي لا تُضاهى بالنفس والجسد، التي تلقّتها من الروح القدس[9]، أصبحت “إناء غير مخلوق” ووعاء الكلمة الإلهية التي لا يمكن احتواؤها؛ أصبحت والدة الإله. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي إن كل من لا يعترف بأن العذراء مريم هي والدة الإله يكون “بلا ألوهية”[10]ـ

عند الحديث عن شعب الله المختار في العهد القديم، غالبًا ما ننسى المكانة الأساسية للشخص على هذا النحو في مجمل كشف التدبير الإلهي. على أي حال، نشأ الشعب المختار بسبب اختيار شخص معين، إبراهيم، واستمر هذا مع إقامة العلاقات الشخصية والحوار بين الله وأبرار العهد القديم. ينكشف الله كشخص وهو يدعو كل إنسان شخصيًا للخلاص والكمال. هذا هو السبب في أن ذروة العمل التحضيري للتدبير الإلهي لم تكن حدثًا تاريخيًا أو حتى اتفاقًا تاريخيًا خاصًا، كما يُعتقد غالبًا، بل كانت ظهور الشخص الأكثر كرامة، أي والدة الإله القدّيسة.[11]ـ

يشغل البشر كأشخاص الموقع الأساسي في مهمة التدبير الإلهي. والمهمة الأولى التي يجب على الأشخاص تحقيقها هي معرفة أنفسهم واكتساب إدراك أصلهم والغرض من وجودهم. اعرفْ من أين تستمد وجودك، كما يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي، أنفاسك وفكرك وقدرتك السامية على معرفة الله ووضع رجائك في ملكوت السماوات والمساواة مع الملائكة والمجد … أن تكون ابنًا لله وارثًا مع المسيح، وأجرؤ على القول، لتصير إلهًا، مِمَن وأين أخذت هذه الأشياء؟[12]

تصبح معرفة الذات نقطة انطلاق نحو معرفة الله، كإنجاز شخصي وجماعي. هذا ما يتيح التوجه الصحيح في الحياة. يلاحظ القديس غريغوريوس اللاهوتي أن الإنسان عالم ثانٍ. هو ليس عالماً صغيراً وحسْب أو، كما يُزعم غالبًا، “عالم مكروي (microcosm)”. إنه بدلاً من ذلك “عالم عظيم داخل الصغير” مشرِف على الخليقة المرئية ونسكي العقل؛ إنه أرضي وسماوي، مؤقت وخالد، مرئي وغير مرئي. إنه “كائن يعيش على الأرض ، لكنه ينتقل إلى عالم آخر و … يتألّه من خلال محبته له”.[13] هذه الرؤية للحياة البشرية رائعة حقًا. إنه احتمال الانتقال من الزمن الدنيوي إلى الخلود السماوي، إلى التألّه. إتمام مثل هذا التحول يتطلب ديناميكية لا يمكن تصورها

يتحقّق هذا التقدم التصاعدي الديناميكي من خلال ثلاثة ولادات. الولادة الأولى وهي على أساس الدم والجسد، يدخل الإنسان هذا العالم ويخرج منه بسرعة. بالولادة الثانية التي تتم حسب الروح القدس والمعمودية، يبلغ الإنسان روعة السماء. أخيرًا ، بالولادة الثالثة التي تأتي من خلال الدموع والحزن الشديد  تُستعاد صورة الله (التي أظلمت) في الداخل.[14]ـ

خلال التقدم التصاعدي الديناميكي الموصوف هنا، لضبط النفس ومعرفة الذات أهمية كبيرة. عندما يفحص الإنسان نفسه باستمرار ويقترب من وجهته الأخروية التي نقشها الله منذ البداية في كل شخص،  تزداد معرفة الإنسان بالله والدخول في شركة معه

ومع ذلك ، نظرًا لأن الإنسان التجريبي يجد نفسه في حالة غير صحية روحياً، فلا يمكنه الاعتماد على نفسه وبدلاً من ذلك يحتاج إلى معرفة ماهية الإنسان الأصيل وكيف يمكنه أن ينمو ليكون مشابهًا. لهذا السبب، عند الإشارة إلى معرفة الذات، لا يحصرها آباء الكنيسة في عالم علم النفس، بل يضعونها على أساس لاهوتي ومنظور. إنهم لا يتبينونها في وعي حالة سقوط كل شخص (وعي يعتبرونه مع ذلك مفيدًا وضروريًا)، بل بالأحرى في الحالة التي يمكن ويجب على كل شخص بلوغها

إلى ذلك، لا ينبغي إغفال أن المعرفة الذاتية للشخص التجريبي تحتوي أيضًا عناصر قد تضلله بسهولة. الشخص الذي يتصرف بشكل مستقل فيما يتعلق بالله، كما يلاحظ القديس غريغوريوس، يسلَّم إلى  “استقلالية الضلال”. وبينما هو مخلوق لتمجيد الله والاقتداء به قدر الممكن، يصبح الإنسان نقطة انطلاق “أهواء متعددة” تدمر روحه. علاوة على ذلك، فهو يختلق ويروج الآلهة التي تبرر أهواءه، بحيث لا يُنظر إلى خطيئته على أنها بلا مسؤولية وحسب بل تُرضي الله أيضًا![15] ومع ذلك، عندما تُدمَج معرفة الذات مع حقيقة الإيمان المسيحي يؤدي الدمج إلى التصحيح والاعتراف بهبة الله والامتنان له

ومع ذلك، لكي يعرف المرء الذات الحقيقية ويُقاد إلى معرفة النموذج الأصلي، إلى معرفة الذات، لا ينبغي أن يقتصر المرء على بعض الأفكار والمنطق اللاهوتي، بل يتقدم نحو التطهّر. إذا كان الحديث عن الله أمرًا عظيمًا، كما يقول اللاهوتي، فإن التطهّر من أجل الله أمر أعظم.[16] التطهّر المعني لا يتعلق فقط بكل واحد منا على حدة، بل بالإنسانية ككل، لأن التدنّس لا يقتصر على أفراد معينين، ولا يجب التعامل معه على المستوى الأخلاقي حصريًا. فهو يمتد عبر البشرية برمّتها وله طابع وجودي

على المستوى الوجودي، الله نفسه طهّر البشرية. جاء التطهّر نتيجة التجسد الإلهي. كما يشرح القديس غريغوريوس، تتحرك كلمة الله نحو صورته وتتخذ جسداً من أجل جسدي وتنضم إلى روح عاقلة من أجل روحي، وبالتالي تنظف المِثلَ بالمثل.[17] بهذه الطريقة ينزل غير المخلوق إلى مستوى المخلوق ويصبح إنسانًا ومعروفًا للإنسان حسب طهارته[18]ـ

يحدث تطهير الإنسان على المستوى الفردي بحفظ الوصايا الإلهية. ليس من واجب المرء أن يختبر نفسه فحسب، بل عليه أيضًا أن يستعيد نفسه حسب غاية الخالق الأصلية. الإنسان مدعو للتحقيق باستمرار، والتطلّع باستمرار نحو نموذجه الأصلي، الذي هو المسيح، واتّباع كل ما ورد في وصاياه. إنه مدعو إلى تحديد نقاط قوته وضعفه وتقدير جلالته ونقصه. إذا لم يعتنِ بنفسه لا يقتني ضميراً لائقاً، وفي هذه الحالة يقع في الخداع والضلال

من ناحية أخرى، هناك معنى أنثروبولوجي ولاهوتي كبير في إدراك جهل المرء وهو إدراك ضروري للغاية لتجنّب الغطرسة وتأليه الذات. ومع ذلك، من الضروري في هذه المرحلة تقديم التوضيح التالي. إن إدراك جهل المرء، الذي دافع عنه سقراط وأظهره من خلال استخدام السخرية في الحوارات الأفلاطونية، يعزز في الواقع الرغبة في إيجاد الحقيقة. ومع ذلك، بينما تقوض السخرية غطرسة الإنسان، فإنها تتركه بعد ذلك مكشوفًا وعاجزًا

كيف للإنسان أن يعرف الحقيقة؟ وكيف يمكن التأكد من هويتها؟ بطبيعة الحال، تؤدي الأسئلة من هذا النوع إما إلى مفهوم الماورايئات التي لا أساس لها، أو إلى خيبة الأمل واللامبالاة الكاملة في ما يتعلق بالبحث عن الحقيقة. في الحالة الأولى، لدينا أنظمة ماورائية مختلفة تتخذ في النهاية شكل الدين. في الحالة الأخيرة، يمكننا أيضًا أن نفهم كلمات بيلاطس البنطي “ما هي الحقيقة؟”، لأنها كانت موجهة كسؤال نحو المسيح ، ولكن دون توقع أي إجابة.[19]ـ

بالطبع، الطهارة الأخلاقية ليست كافية لرفع الإنسان إلى مستوى معرفة الله الأصيلة، ومع ذلك فهي افتراض ضروري لاكتساب هذه المعرفة وهي تحدد مدى تقبلها. لذلك فإن درجة معرفة المرء بالله تتناسب مع تطهره. يلاحظ القديس غريغوريوس اللاهوتي، أن الله يُرى ويُعرف “بما يتناسب مع التطهّر”.[20] وهذا أيضًا هو السبب في أن “الفلسفة المتعلقة بالله”، أي اللاهوت، ليست مسعىً يضطلع به أيّ كان باستخفاف، بل هو مهمة تفترض مسبقًا الرؤية الروحية والتطهّر، أو على الأقل رحلة نحو تطهير الجسد والروح: إنه لأمر خطير أن يتعامل النجس مع ما هو طاهر، كما هي أشعة الشمس للعين غير الصحيحة.[21]ـ

لا يخلق الله علاقات موضوعية مع الناس، بل علاقات شخصية، علاقات محبة. والمبادرة في خلق هذه العلاقات تعود لله نفسه: “لأنه أحبنا أولاً”.[22] لقد أذلّ نفسه وصار إنسانًا ليجعل الإنسان إلهًا. والإنسان، من جانبه، مدعو لأن يقبل في قلبه بالروح القدس الإله الذي صار إنسانًا، حتى يصير هو أيضًا إلهاً بالنعمة

معرفة الله الحقيقية لا تُكتسب من خلال العمليات الفكرية. إنها تأتي كثمرة شركة وجودية. تنشأ معرفة الله من اللقاء بين الإنسان والله الذي يتحقق فقط بارتفاع الإنسان إلى الله بل أيضًا بنزول الله نحو الإنسان. يتنازل عن مكانته المتميزة؛ نحن نُرفَع من الذل أسفل. في النهاية، يعرف الإنسان الله عندما يزوره الله ويدخل في شركة معه

في هذا الاجتماع والشركة الإلهية-الإنسانية، لا أحد يتحول إلى شيء. على الرغم من عدم التناسق الذي لا يقاس في تواجد المخلوق مع غير المخلوق، هناك تشابه وهوية للمجد والحياة. في كتابات القديس غريغوريوس، يصير الله “مثل” إنسان للبشر ويصبح الإنسان إلهًا له.[23] وفي أعماق المنظور الأخروي، سيصبح الله معروفًا للإنسان إلى الدرجة التي هو  يعرف بها الإنسان.[24] الله متّحد ومعروف من الآلهة “إلى درجة كبيرة، تمامًا كما يعرف هو من هم معروفون”[25]. هذا بالطبع لا يعني أن الإنسان سيعرف أيضًا جوهر الله الذي يظل دائمًا غير معروف ولا يمكن الاقتراب منه بل سيصبح متواصلًا كاملاً مع مجده وبهائه. في هذا المنظور نفسه، كتب أب عظيم آخر في كنيستنا، القديس مكسيموس المعترف، أنه مع الكمال الأخروي للإنسان وسكنى الروح القدس، ستكون هناك قوة مشتركة “بين الله وأولئك الذين يستحقون الله، أو بالأحرى من الله وحده، بالنظر إلى أنه هو الذي يسود بالكامل أولئك المستحقين، كما يليق بالصالح”[26]ـ

في دحض ادعاءات الأفنوميين الأكثر تجاسراً بأن الإنسان يمكنه معرفة جوهر الله، يذكر الشخصيات العظيمة في العهد القديم الذين “عاينوا” الله، وكذلك الرسول بولس الذي، على الرغم من وصوله إلى السماء الثالثة ورؤية الفردوس، “فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ”. ستكون هناك رؤية “وجهاً لوجه” عندما تُسقَط المرايا وتسطع الحقيقة.[27] يتّضع المؤمن عندما يأخذ بالاعتبار الوعد الهائل بمعرفة الله من ناحية، وعدم الجدارة الشخصية من ناحية أخرى

التواضع يقرّب الناس من الله، بينما يجتذبون نعمته ورحمته: “وَإِلَى هذَا أَنْظُرُ: إِلَى الْمِسْكِينِ وَالْمُنْسَحِقِ الرُّوحِ وَالْمُرْتَعِدِ مِنْ كَلاَمِي”.[28] في مخاطبة أهل فيلبي يوصي الرسول بولس بأن ينمّوا روح المسيح المتواضعة: “ليكن هذا الفكر فيكم الذي في المسيح يسوع أيضًا”. بالتواضع والإلفة مع فكر المسيح يطرح المؤمنون الإنسان العتيق ويلبسون فكر المسيح [30]؛ إنهم يتمسحنون

المسيح، كآدم الجديد وبكر الخليقة الجديدة، جلب إلى العالم نمط حياة جديد بحضوره الحركي وفكره المتواضع. لقج جسّد التواضع في شخصه وعلّمه عن طريق المثال: “تعلّموا مني، فأني وديع ومتواضع القلب”.[31] بمحبة للإنسان لا يُسبر غورها، احتضن في أقنومه كل ما هو بشري وقام وإياه إلى مجد الآب. بهذا يتجدد كل الذين يؤمنون بالمسيح بالروح القدس وينالون السلطان ليصبحوا أبناء الله: “والَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ اللهِ”.[32]ـ

إن تفعيل هذا السلطان يعتمد على حرية الشخص. إذا لم يسلك شخص قد تجدّد بالروح القدس وفقًا لإرادة الله، مفضّلاً الارتباط بأشياء العالم والاستسلام لحياة الجسد، فيكون هو أو هي متناسياً لله ومماتاً روحياً. يشكل نسيان الله أكبر تهديد للأقنوم البشري ويؤدي إلى الموت الروحي. كتب القديس نيكولاس كاباسيلاس: “إن طغيان النسيان عظيم”. ما من هوى آخر يطيح بالإنسان بشكل منتظم وسهل مثل هذا.[33]

لا تأتي معرفة الله نتيجة أيّ بحث معرفي أو استفسار فكري. إنها ثمرة التجديد الروحي والدخول إلى الخليقة الجديدة التي أعلنها المسيح. معرفة الله هي ثمرة محبة الله للإنسان ومحبة الإنسان لله. لا يستطيع المرء أن يعرف الله دون أن يحبه، خاصة وأن الله هو نفسه محبة[34]. هذا هو السبب في أن الله يبادر إلى تعريف البشرية بنفسه ويكون أول من يظهر محبته تجاهها.[35] كلما عرف الإنسان الله ومحبته، ازدادت محبته له. وكلما زادت محبة الله زادت معرفته

يتضح بعد ذلك أن محبة الله مرتبطة بمعرفة الله. لنكون أكثر دقة، إن محبة الله هي افتراض مسبق وكذلك نتيجة لمعرفة الله. في تنمية فكر المسيح بتواضع ومحبة، واتّباع خطاه، يسلك المؤمنون طريق معرفة الله. بهذه الطريقة، يتحقق الإنسان كمخلوق “على صورة الله ومثاله”

إن تفكيك الإنسان القديم وظهور الجديد يتمّ بفضل نعمة الله وتعاون الإنسان. وهذا التعاون ليس سهلاً ولا يقتصر على فترة وجيزة. بل إنه يتطلب سعياً كبيرًا وجهاداً صعبًا طوال فترة حياة الإنسان. المسيحيون مدعوون لفحص أنفسهم باستمرار، والاعتراف بخطاياهم وضعفهم، وللتعبير عن شخص الإنسان الكامل أي المسيح، وأن يجاهدوا باستمرار للتمثّل به وحفظ وصاياه

إن الجهاد الروحي للمسيحي هو، في التحليل الأخير، صراع معرفة الله (theognosia). تتجلى هذه الحقيقة بجلاء في أعمال القديس غريغوريوس اللاهوتي، وخاصة في قصائده ورسائله. إنه صراع البقاء في الشركة مع المسيح. جهاد الحفاظ على نعمة الروح القدس. صراع رفع ومنع الظلمة التي يجلبها “إلحاد الإنسان بعد المعمودية”[36]. وبهذه الطريقة، معرفة الله تنفي الشر في آنٍ واحد: “لأن هذه المعرفة تصير تطهيرًا”.[37]ـ

إن القوة المحفّزة لخوض الجهاد هي محبة المسيح. هذه المحبة تحافظ أيضًا على البعد الشخصي لجهاد المسيحيين الروحي. غالبًا ما ينطلق القديس غريغوريوس في حوار شخصي مع الله؛ يتصارع معه، ويعبّر عن محبته وامتنانه غير المنفصلين. إنه يرى المسيح على أنه خاص به، كنور له: “مسيحي”، “المسيح نوري”[38] ولكنه يعبّر أيضًا عن معاناته: “سأتحدث بكلمة قاسية ، لكنني سأتحدث”[39]. “لقد خدعتُ المسيح … لقد صرت متكبرًا.”[40] أخيرًا، يعبّر عن مرارته، عندما يشعر بأنه مهجور بلا حول ولا قوة وسط مصاعبه: “لقد تلاشى الخير، والشرّ في العراء؛ نبحر في الظلام ولا نور في أي مكان. المسيح نائم!”[41]ـ

إن جهاد الارتقاء نحو الله ومعرفته مستحيل على الجنس البشري بدون نعمة الروح القدس. إن كان لا أحد يعرف أشياء الإنسان، كما يكتب الرسول بولس، إلا روح الإنسان الموجودة في الداخل، فلا أحد يعرف أشياء الله بدرجة أكبر، باستثناء روح الله الذي يبحث في كل مكان، حتى الجزء الأعمق في الله.[42] وعلى أي حال، حتى “أشياء الإنسان” ليست معروفة تمامًا لروح الإنسان. في التحليل الأخير، إذن، روح الله وحده يعرف ما يفعله الإنسان وأمور الله. وبهذا الروح فقط يمكن للإنسان أن يكتسب معرفة الذات الحقيقية ومعرفة الله الحقيقية

أخيرًا، يجب أن نلاحظ أن معرفة الذات، كما معرفة الخليقة بشكل عام، مرتبطة بشكل إيجابي وسلبي بمعرفة الله. بشكل إيجابي، بمعنى أن معرفة الذات، كما هو الحال مع معرفة الخليقة، توجّهنا إلى معرفة الله. ولكن أيضًا بشكل سلبي، بمعنى أن معرفة الذات ومعرفة الخليقة تقودنا إلى إدراك أنه لا ينبغي الخلط بين الإنسان والعالم المخلوق وبين الله

في الختام ، يمكننا القول أن معرفة الذات تقدم لنا أمرَين مهمين للغاية:

أ) تحقيق عطية الله العظيمة لنا

ب) الإحساس بحالة مرضنا الروحي مع جحودنا تجاه خالقنا

كل ما هو موجود في الله ينعكس بطريقة ما في البشر المخلوقين أيضًا، لأن صورته هي التي تُصوَّر في كيانهم. ولكن أيضًا كل ما في الإنسان يعود لله لأنه خالق الإنسان

عندما يحوز هذا على التقدير، يعيش الإنسان ضمن حدوده الخاصة، ويكون عند نقطة البداية الصحيحة من أجل معرفة الله ونفسه بشكل أصيل. من ناحية أخرى، بإبقاء المسيح أمامه وفحص ذاته من جهة علاقته به، يرى المسيحي بؤسه، مما يدفعه إلى الجهاد بقوة أكبر وتصحيح نفسه، حتى يستجيب لدعوته السامية وفقًا لذلك

إن عظمة الإنسان وبؤسه، وقوته وضعفه، ومعرفته وجهله، على الرغم من التناقض المتبادل، هي في الواقع تساعد على الطريق نحو نفس الهدف: التواضع. والتواضع ، الذي يجعل كل إنسان يتقبل نعمة الله، يصبح نقطة انطلاق نحو معرفة الله

* أستاذ شرف في كلية اللاهوت، جامعة أرستوتاليس، تسالونيكي، اليونان

[1] Xenophon, Memorabilia 1,1,11-12

[2] See Xenophon, op.cit. 4,2,26 following

[3] See John 14:6

[4] Gregory the Theologian, Oration 38,12, PG 36,324D

[5] Deut. 15,9. See Gregory Theologian, Works 2,1,78, PG 37,1425A. Cf. Basil the Great, On ‘Being Careful’, PG 31,197-218

[6] Gregory the Theologian, Oration 32, 21, PG 36, 200A

[7] Oration 14,32, PG 35,900D

[8] Gal. 4:9

[9] See Gregory the Theologian, Oration 38,13, PG 36,325BC

[10] See Letter 101, PG 32,177D

[11] See Gregory Palamas, Oration 53,25, published by S. Oikonomou, Athens, 1861, p.162

[12] See Gregory the Theologian, Oration 14,23, PG 35,888A

[13] See Oration 38,11, PG 36,324A

[41] Letter 76: To Gregory of Nyssa

العائلة التي تصلي معاً

العائلة التي تصلي معاً

المتقدم في الكهنة جورج كونستانتوبولوس

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

ابعد عني يا رب كل كبرياء هدام وأعطِ نظرة حكيمة لعيني. ضع لجامًا على لساني، واجعل أذنيّ مطيعتَين لوصاياك المقدسة، وصبّرني على الضيقات، واجعل قلبي حكيمًا وقويًا في الصبر، في الخير، في ضبط النفس، في التعاطف، في عمل الخير، في المحبة، في التواضع، في السلام تجاه نفسي وكل الآخرين، وفي رفض البلادة وتراخي الشياطين التي انغمستُ فيه ذات مرة كما لو كانت مجرد حلويات. امنحني موهبة التمييز المتمرّس لأتمكن من تمييز الأفكار والأحكام التي تفضلها. أعطني أيضًا القدرة على تمييز مكائد الشيطان ورفضها ورفضه. وأن أقطع إرادتي تمامًا حتى أتمكن من الاعتماد على عنايتك الإلهية، راجياً أن تهبَني وأنت هو نوري ومخلّصي. وأنا أباركك وأمجّدك وأعبدك مع الآب والابن الذين أنت قائم معهما دائمًا، الآن وإلى دهر الداهرين. آمين (القديس سمعان اللاهوتي الحديث)ـ

الصلاة ضرورية للمؤمن المسيحي. “من الواضح للجميع أنه بدون الصلاة من المستحيل تمامًا تنمية الفضيلة وعيش حياة فاضلة. فكيف يمكن لأي شخص أن يكون فاضلاً وهو لا يصلي ولا ينحني دائمًا لمقدم الفضيلة ومعطيها؟” يكتب القديس يوحنا الذهبي الفم: “الصلاة لا تطهرنا من الخطيئة فحسب، بل تحمينا أيضًا من الأخطار الكبيرة”. لهذا يصرّ الرسول بولس ويذكرنا باستمرار: “وَاظِبُوا عَلَى الصَّلاَةِ سَاهِرِينَ فِيهَا بِالشُّكْرِ” (كولوسي2:4). وفي مكان آخر يقول: “افْرَحُوا كُلَّ حِينٍ. صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ. اشْكُرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ، لأَنَّ هذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ اللهِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ مِنْ جِهَتِكُمْ. “(1 تسالونيكي 16:5-18). ويكتب مرة أخرى في مكان آخر: “مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي الرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ لِهذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ” (أفسس 18:6). بالكثير من مثل هذه الكلمات الإلهية، يحثنا القديس بولس البارع على أن نعيش حياتنا في الصلاة وأن نرعى أذهاننا باستمرار، لأن “كل البشر يحتاجون إلى الصلاة مثلما تحتاج الأشجار إلى الماء”. كما أن الأشجار لا تستطيع أن تثمر ما لم تشرب من جذورها ماءً غزيرًا، كذلك لا يمكننا أن ننتج ثمار التقوى النفيسة ما لم نتغذَّ بالصلاة

العديد من عائلاتنا محجوزة وحتى معزولة بسبب خطر الوباء. يعمل الأرثوذكسيون كغيرهم من المنزل ويتعلّم أطفالهم عبر الإنترنت أو افتراضيًا. يقضي الآباء والأطفال وقتًا أطول معًا وهذا أمر جيد. إنها أيضًا فرصة ثمينة لعائلاتنا المسيحية لتوجيه انتباهها إلى الله القدير والمحب بالصلاة. يجب أن يتعلم الأطفال الصلاة من والديهم وأن يصلوا معًا كعائلة يوميًا. يجب تشجيع الأطفال على قراءة الكتاب المقدس والسيرة الفاضلة لشفيعهم. يمكن تعزيز الحياة الروحية المسيحية الأرثوذكسية خلال هذا الوقت الأكثر خطورة. أطفالنا خائفون جدًا من كل ما يسمعونه عن هذا الفيروس، وبالتالي عليهم أن يعرفوا أن الله يحميهم مع أسرهم وأصدقائهم. الصلاة هي أعظم هبة من الله لنا

الصلاة ضرورية وهي بركة فريدة وشرف وامتياز للبشرية. “هذه الشركة مع الله هي التي لا تحددنا فقط كبشر، بل تقدم لنا أيضًا الانتصار على الشيطان والخطيئة والموت.” يفرض علينا إيماننا أن نشكر الله، ليس فقط عندما يهب طلباتنا، بل دائمًا ومن أجل كل شيء. لا شيء تعسفي في حياتنا. كل ما يحدث وكل ما لا يحدث هو تحت العناية الإلهية وحكمة الله، ويجب أن نكون قادرين على قبوله بامتنان وتواضع

نحن نجد الراحة و الاستِلهام في الصلاة. “…علّمنا حقوقك. لأننا لا نعرف أن نصلّي كما يجب، ما لم ترشدنا أنت، يا رب، بروحك القدوس. لذلك نطلب إليك أن تترك وتغفر وتصفح عن كل ما اقترفناه من الخطايا حتى الساعة الحاضرة بالقول أو بالفعل أو بالفكر، طوعاً كان أو كرهاً…”(أفشين السحر السابع) ” “أشرق قلوبنا بشمس برّك الحقيقية. وأنِرْ عقولنا واحفظ حواسنا كلّها حتى إذا سلكنا بوقار في وصاياك، سلوكَ مَن يسير في النهار، نبلغ الحياة الأبدية، لأن عندك ينبوع الحياة ونستحق المتّع بالنور الذي لا يُدنى منه. لأنك أنت إلهنا وإليك نرفع المجد أيها الآب والابن والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين. آمين” (أفشين السحر الثاني عشر)ـ

Source: http://saintandrewgoc.org/home/2020/8/24/a-family-that-prays-together

كم هي غير مقصودة الخطايا المرتَكَبة عن غير إدراك؟

كم هي غير مقصودة الخطايا المرتَكَبة عن غير إدراك؟

الأستاذ يوحنا كورناراكيس*

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

“بصراحة يا أبونا، لقد وقعت في هذه الخطيئة دون أن أدرك. لم يكن الأمر مقصوداً على الإطلاق. لم أكن أرغب في ذلك ولم أفكر بالقيام بذلك”. إلى أي مدى يمكن أن يكون هذا التأكيد حقيقيًا أو أقلّه ثابتاً، وما مدى صحة هذا الادعاء؟

بالتأكيد، يوجد حجة كتابية حول الطبيعة غير المقصودة للعديد من الخطايا، في الفصل السابع من رسالة القديس بولس إلى أهل رومية. هناك، يحدد رسول الأمم بشكل عام الطبيعة المضادة (التصارعية) لعمل الروح البشرية فيما يتعلق بعلاقتها، من ناحية مع ناموس الله، ومن ناحية أخرى مع الخطيئة الكامنة في هذه الروح

“إذاً أنا في الأساس لا أعرف ما أفعله. أنا لا أفعل ما أرغب فيه، لكن بدلاً من ذلك أفعل ما أريد أن أتجنبه… لذا وصلتُ إلى النقطة التي ليس أنا مَن يتصرف بل الخطيئة التي استقرت بداخلي. بهذه الطريقة، أنا لا أخدم الخير الذي أريده، ولكن الشر الذي لا أريده. لكن إذا فعلت ما لا أريده، فلن يكون التصرف قد صدر بقراري بعد الآن، بل بقرار الخطيئة التي استقرت بداخلي.”

صحيح أنّ هناك خطايا غير مقصودة. قد تكون الإغراءات المفاجئة أو المواقف غير المتوقعة في حياتنا اليومية وعلاقاتنا الشخصية، أقله ظاهرياً، هي العوامل المسؤولة عن خطيئة نرتكبها عن غير قصد

لكن، من زاوية أخرى، يبدو أن الخطايا غير المقصودة أو اللاواعية تشكل خطرًا على الضمير اليقظ عند الأشخاص المنخرطين في الصراع الروحي. يرتبط الخطر الكامن هنا بشكل غير مباشر بحقيقة أننا نحن أنفسنا، غالبًا ما نكون المنتقدين الوحيدين لأنفسنا، الذين يكشفون بكل صدق أحد تجاوزاتنا أو ارتدادنا أو فكرة خاطئة أو شك أو رغبة تتعارض مع المستوى الروحي الذي نحاول الحفاظ عليه. نحن نحكم على أفكارنا وأفعالنا ونؤكد لأنفسنا أن خطايانا كانت لا إرادية. وإلى هذا، لأننا مقتنعون “بكل نية حسنة” فنحن نحاول استخدام نفس الحجج لإقناع الآخرين، حتى أبينا المعرّف، بأن الأمر كان لا إراديًا

“ماذا عساي أقول يا أبونا؟ أنا مندهش من نفسي. يبدو الأمر كما لو أنني فقدت السيطرة وفعلت شيئًا لم أكن أعرفه، لم يكن خياري، ولم أكن أريده.” لاحظ القديس باسيليوس الكبير في حالة مثل هذه الادعاءات: “إن الأشخاص الذين أُجبِروا على ارتكاب خطيئةٍ ما دون أن يكونوا راغبين في ذلك، يجب أن يعلموا أنهم حتى ذلك الحين كانوا مربوطين بخطيئة أخرى موجودة بالفعل في داخلهم، وقد زرعوها عن عمد وهم الآن ينجذبون إلى هذه الخطيئة الموجودة مسبقًا وينشدّون إلى ما لا يريدون.” هذه الملاحظة من جانب القديس باسيليوس تهزّ أسس أي ادعاء يتعلق بعدم إرادة الخطيئة، لأنها تثير التساؤل عن مدى كون الخطيئة غير المقصودة حقًا غير مقصودة. كيف يمكنك أن تتأكد من أن خطاياك اللاإرادية هي فعلاً غير مقصودة وليست الفروع الطبيعية لخطيئة موجودة قبلاً ومرتَكَبة بالفعل عن طيب خاطر؟ في الواقع، ” اَلسَّهَوَاتُ مَنْ يَشْعُرُ بِهَا؟” (مزمور 12:19)ـ

إن الأشخاص الذين يعرفون الآباء يحلّون هذه المشكلة بالتغلب على الحجة التي تدلي بها نفسهم الآثِمة. فلأنهم يعرفون الخطر الذي قد يكمن في هذا الخط الفكري المتعلق بالطبيعة اللاإرادية للخطيئة، فإنهم يحرسونها من خلال الاعتراف بحزمٍ (في جميع الأوقات وفي جميع الأماكن) بخطيئتهم الشخصية المطلقة باعتبارها الحالة الطبيعية لحياتهم الروحية

بتعبير آخر، إنهم يؤمنون تمامًا بطريقة لا تقبل الجدال بأنهم أكبر الخطأة بين الذين ولدوا منذ آدم. هذا الوعي للخطيئة يتم التعبير عنه بوضوح وصفاء مواهبي في طروباريات القانون الكبير، والذي يتوافق تمامًا مع اعتراف القديس بولس “أنا أولاً”. “لا توجد خطيئة أو فعل أو شر في هذه الحياة، أيها المخلص، لم أرتكبه في الفكر والكلام والنية. لقد أخطأت عمداً وفي أعمال لم يسبق لأي كان أن أخطأ بها.” “إذا نظرت إلى أعمالي، أيها المخلص، أرى أنني قد تجاوزت خطايا الآخرين، لأنني كنت أعرف ما كنت أفعله ولم أكن جاهلاً”. “أسقط عند قدميك وأقدم هذه الكلمات على شكل دموع: لقد أخطأت كما فعلت الزانية وتعدّيتُ كما لم يخطأ أحد آخر على الأرض”

مع هذا الإدراك للخطيئة الشخصية المطلقة، يطهّر هؤلاء الناس عالمهم الداخلي بيقين الاستنارة بالروح القدس وبالتالي يتحررون من التفكير غير المجدي بل والخطير الذي يظلِم حقيقة حالتهم الشخصية من الخطيئة بدلاً من أن ينيرها. “لأنه يعرف الأشياء المخفية في القلب”. “لأَنَّهُ هُوَ يَعْرِفُ خَفِيَّاتِ الْقَلْبِ” (مزمور 21:44)ـ

في الواقع، بحسب القديس مكسيموس المعترف، الله وحده يفهم أننا لا نستطيع أن نرى ما في أعماق أرواحنا. إنه هو الذي يرى جميع أعمالنا ويحكم عليها بإنصاف. حتى “الحركة الخفية للروح والاندفاع غير المرئي”. هو وحده يفهم الحيثيات والأسباب الكامنة وراء هذه الحركات الخفية للروح و “نهاية كل شيء قد سبق تصوره”ـ

هذه هي الحقيقة. فإلى أي مدى يمكن أن تكون الخطيئة اللاإرادية غير مقصودة في قضاء الله؟

Source: Pemptousia: https://pemptousia.com/2017/12/how-unintentional-are-unwittingly-committed-sins/

* أستاذ شرف في اختصاص علم النفس الرعائي والاعتراف في جامعة أثينا. رقد بالرب سنة 2013. له العديد من الدراسات الرزينة في علم النفس الرعائي حيث يقرأ هذا العلم على ضوء الآباء وليس العكس، ما يجعل كتاباته فعلياً نافعة للمؤمنين وللرعاة، لا حشواً يوصلهم إلى أفكار خارجة عن خبرة الكنيسة وتقديسها

لماذا صاغت الكثلكة انتقال مريم كعقيدة

لماذا صاغت الكثلكة انتقال مريم كعقيدة

جورج س. غابرييل

نقلها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

في 1950 أصدر البابا بيوس الثاني عشر رسالته الرسولية “الله الأكرم” [1]، ضمّنها مرسومًا  ثبّت اعتقاداً قديماً عن انتقال مريم بالجسد إلى السماء. ظاهريًا، كانت خطوة روما في الاتجاه الصحيح بقبولها رسميًا عقيدة لطالما اعتنقها الإيمان الأرثوذكسي والكاثوليكي والرسولي. لكن في الواقع، كانت الخطوة خندقة بابوية

في ذلك الوقت، كان الاعتقاد القديم بأن والدة الإله ماتت حقًا ثم نُقلت بجسدها إلى السماء مقبولاً لدى العديد من رجال الدين والعلمانيين الكاثوليك، على الرغم من عقيدة الحبل بلا دنس التي صدرت قبل قرن من حينه وأعفت مريم من عواقب سقوط آدم. ولكن كان هناك أيضًا العديد ممن جادلوا، في انتظار المرسوم البابوي الوشيك، بأن مريم لم تمت. كانوا على استعداد فقط للقبول باحتمال سقوطها في سبات خفيف، على أن روحها لم تترك جسدها ولم تمت أبدًا

هذه المجموعة لم تكن قد تخلّت عن اللاهوت اللاتيني، بل كان تتبعه ببساطة بما فيه من الصَدَع، كما ينتج عن عقيدة الحبل بلا دنس. لقد اعتقدوا بأن مريم لا يمكن أن تموت. في النهاية، ما تعلنه عقيدة الحبل بلا دنس هو أن مريم قد حُبلت وولدت دون أن ترث ذنب الخطيئة الأصلية. وكما علّم أوغسطينوس، الموت خلقه الله كعقاب متعمد لآدم وجميع الذين ولدوا في ذنبه. كان من غير المعقول أن يعاقب الله العادل مريم ظلماً بالموت إذا لم تكن قد ورثت الخطيئة… كل العقائد الكاثوليكية الرئيسية كانت عالقة في الميزان. كان هناك خطر أن تنكشف أخطاء الكثلكة وتناقضاتها الداخلية، وليس أقلها عقيدة العصمة البابوية نفسها. كان من المتوقع أن يكون للمرسوم البابوي في كلتا الحالتين عواقب وخيمة بعيدة المدى

لكن في النهاية، تجنب البابا المشكلة ولم يتطرق إلى مسألة رقاد العذراء. استخدم لغة غامضة لتعريف عقيدة الانتقال: “بعد أن أكملت مجرى حياتها الأرضية، اتخذت مريم الجسد والروح في المجد السماوي.” لقد تُركت مسألة رقادها للإجابة عنها في نظام اللاهوت اللاتيني وعقيدة الحبل بلا دنس..

إن عقيدة الانتقال لدى الكاثوليك ليست عقيدة أرثوذكسية لأنها لا تعترف بموت والدة الإله. ولا يمكن لروما أن تعترف بموت والدة الإله بشكل لا لبس فيه دون تقويض اللاهوت الأوغسطيني بشكل خطير والتناقض مع عقائد الحبل بلا دنس والعصمة البابوية وعقيدة مجمع ترينت الذي قضى بأن الله خلق الموت كقرار عدلي غاضب لمعاقبة البشر

[1] Munificentissimus Deus

Source: MARY: The Untrodden Portal of God. https://johnsanidopoulos.com/2020/08/why-catholicism-formulated-dogma-of.html