عن مدونة تقدمة الصباح

للشيخ تريفن

نقلها إلى العربية الياس رزوق

الغضب

علينا أن نسعى إلى كبح غضبنا بكافة الطرق

يقول الأب ايفاغريوس الراهب: الغضب بطبيعته مصمَّمٌ كسلاحٍ لشنّ الحرب على الشياطين ومكافحة الملذّات الآثمة. وبالتالي فإن الملائكة الذين يوقظون فينا الملذّات الروحيّة لكي تتذوّق في طعمها النعمة ، يجعلوننا نميل إلى تصويب غضبنا نحو الشيطان. لكن الشيطان الذي يحاول دائمًا أن يجذب فكرنا نحو الأهواء، يدفعنا لاستعمال الغضب لكي نتعارك وتخاصم مع البشر، الأمر الذي هو عكس الطبيعة. وبعد هذا، يظلم العقل ويتخدّر ويبتعد عن الفضيلة

يخبرنا الآباء أنه في كل مرة يُذكر اسم الله عبثًا، تتداعى أصداء هذا العمل في الكون كله. ومع أننا لا نعي مدى تأثير ألفاظنا الغاضبة، لكنها في الحقيقة تؤثّر على الكون بأكمله. فإن التوبة لا تعني الفرد وحده، بل تعني الكون كله. خلاصي وخلاصك هما مترابطان

إنه لمن المأساويّ أن يقع المسيحيّ في الخطيئة، في حين أن الكثير من غير المؤمنين يصوننون ألفاظهم بشكل أفضل من الذين يؤمنون بالمسيح

علينا أن نسعى بكل قوانا إلى الحفاظ على سلامنا الروحي، وأن لا ندع أنفسنا نضطرب من جراء إساءة الآخرين لنا. علينا أن نسعى بكل الطرق إلى كبح غضبنا والى الانتباه لقلبنا وعقلنا. علينا أن نجاهد لاحتمال إساءة وإهانة الآخرين لنا، ونعتاد هذا التصرف حتى لا تعود الإساءة والإهانة تعنياننا

يقول الأب نيلس: “الصلاة هي بذرة اللطف وغياب الغضب”. فإن كنا للمسيح بحق، تكون لدينا الوسيلة لنتغيّر، فتكون لنا الغلبة على أهوائنا بفضل المسيح الذي فينا. لأنه لا عذر للمسيحي في فقدانه لصوابه بسبب غضبه

اِغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا. لاَ تَغْرُبِ الشَّمْسُ عَلَى غَيْظِكُمْ (أفسس 26:4)

لاَ تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحًا لِلْبُنْيَانِ، حَسَبَ الْحَاجَةِ، كَيْ يُعْطِيَ نِعْمَةً لِلسَّامِعِينَ. (أفسس 29:4).

عندما يتهيّأ لنا أن الله غائب

في الحياة، جميعنا نمرّ بأوقاتٍ عصيبة نشعر خلالها أن الله غائب، أو نحسّ حتى أن الله غير موجود. تدفعنا هذه الأوقات للشعور بأننا وحيدين ومتروكين، نطفو كمركبٍ دون محرِّك بعيداً عن الشاطئ، متوجّهين نحو مستقبلٍ مجهول

لكن، ليست هذه الأوقات مختلفة عن سنوات الحياة الأولى، حين يكون المرء طفلاً صغيراً، تمسكُ أمّه بيده ويقف أبوه على بعد خطوات قليلة منه، باسطًا يديه ومشجِّعا ولدَه على القيام بخطواته الأولى

لا يمكن لهذا الطفل ان لا يشعر بالخطر حين تترك الام يده. فرغم غياب الخطر فعلًا، يشعر الطفل بالخوف والضعف وكأنه على وشك السقوط

أمّا يدا الوالد فتغريان الطفل بالأمان الأبويّ الذي اعتاده، وتشجّعانه، رغم قصر المسافة، على القيام بالخطوات الأولى نحو الاستقلال والحرية

هكذا يعاملنا الله في الأوقات العصبية

ففيما يبدو لنا الله بعيدًا، غائبا، أو حتى حين نشعر انه شخصيّة خياليّة، يكون الله في الحقيقة أقرب لنا من أنفاسنا، وهو يدفعنا للخروج من أنفسنا لكي نتّحد به

ورغم أننا لا نراهما، لكن يدي الله مبسوطتان نحونا

إذًا، الأوقات الصعبة تقوينا، وتساعدنا في بناء علاقة ناضجة مع الله، كتلك التي تنشأ بين الطفل ووالديه بعد أن يقوم الطفل، وحده، بخطواته الأولى

الصوم إماتة أو جهاد ونسك؟

الأب أنطوان ملكي

أساس الموضوع الجواب على السؤال إن كان صومنا إماتة أو نسك؟

للإجابة يجب أن نفهم معنى كل كلمة لا أن نكتفي بالمعاني الشعبية التي مع الوقت تتبدل حتى لا تعود تعكس معناها الأصلي

يعني على سبيل التوضيح نسمع كثيراً من الناس يقولون أنهم عندما يمتنعون عن بعض المآكل يعملون إماتة أي أنهم يضحّون بشيء ما ويسمّونه إماتة. أو أن فلان ناسك لأنه يعيش وحيداً

ما معنى كلمة إماتة؟

نقرأ ايضاً عند بولس الرسول: ﴿ حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع ﴾ ( 2كو 4 : 10). بالعودة إلى النص اليوناني نجد أن الكلمة المستعملة هي νεκρωσιν التي تعني الموت وليس أي شيء آخر

أو نرنّم في المديح أن العذراء هي إماتة الجحيم، وهنا أيضاً نتكلم عن فعل الموت. إذاً في المعنى العام الكلمة تعني القتل. هل المسيحيون يمارسون القتل؟

لكن كلمة إماتة في المعجم الرائد تعني “عند بعض المسيحيين… عبادة الله بالامتناع عن بعض الأطعمة وبقمع الشهوات والأهواء”. هذا الكلام يعكس اعتقاداً شعبياً منتشراً يدور حول فكرة أن قمع الجسد هو اقتراب وإرضاء لله

أكثر من فكرة خطيرة ترد هنا: 1) أن عبادة الله تكون بالامتناع عن بعض الأطعمة وبقمع الشهوات والأهواء و2) صحيح أننا نريد قمع الشهوات والأهواء لكن الامتناع عن الأكل ليسس العبادة بل عمل مساعد على العبادة، كما هي الشهوات والأهواء. نحن نحوّل الشهوات والأهواء إلى اشتهاء وهوى وعشق لله

في بعض القواميس الطبية كلمة إماتة تعني بالإنكليزية devitalization التي تعني بالعربية بدقة إِزالَةُ الحَيَوِيَّة. هذا المعنى يشبه المعنى الآبائي لإماتة الأهواء أي: إزالة حيوية الأهواء. من الضروري أن نفهم معنى الأهواء، وهي عبارة نستعملها تكراراً في يومياتنا الكنسية: الأهواء في الأساس هي قوى النفس، يهبنا إياها الله لتعمل مفاعيلها من أجل الخير، لهذا نهتم برعايتها

أما عندما نُهمل الاهتمام بها: يستغلها الفكر الشرير الناتج عن ضعف دور الله في حياتنا، فتنحرف عن دورها الإيجابي. أول ثمار استغلالها أن أعمالها ضد الله، القديس يوحنا السلمي يسترسل في شرح هذا الأمر ويعطي مثلاً الغضب: من دون الغضب يستسلم الإنسان لسقوطه ولا يتوب. نأخذ مثل الابن الشاطر: عندما غضب قال أقوم وأرجع لأبي

إذاً، إماتة الأهواء هي سحب الاتجاه السلبي منها وإبقائها دوماً تحت السيطرة، وهذه عملية لا تتم بحبة دواء، أو بمجرد قرار، بل هي تحتاج لنَفَس طويل: هذا ما نسمّيه الجهاد. ويقول عنه الرسول بولس: انتبه ألا تسقط، لهذا هو يتطلب اليقظة. وهنا نصل إلى المعادلة جهاد + يقظة = نسك

النسك في الواقع هو حفظ وصايا المسيح في حياتنا اليومية، على الرغم من مقاومة إنساننا العتيق بأهوائه وشهواته. لقد أصبحت الحياة الساقطة طريقة حياة بالنسبة للإنسان، بالتالي يوجد احتياج لولادة جديدة. يقول القديس باسيليوس أنه ينبغي على الناسك أن يدرك أنه لا يستطيع تجنب الحرب ضد الشيطان وأنه لا يستطيع هزيمته “ما لم يبذل مجهوداً كبيراً في حفظ تعاليم الإنجيل

نوعان من النسك، نسك الجسد ونسك النفس. يرتبط النسك الجسدي بتطهير الحواس، والشدائد الجسدية، وضبط الطعام، والحذر من جهة الملابس، وجعل المرء كل حياته في خضوع. يعني نسك النفس التوبة، وإدانة الذات، والشعور بعدم الاستحقاق

سكوتيريس: النسك طريقة حياة كلّ الذين نالوا بركة الانتماء إلى الأسرة الجديدة في الكنيسة

إنّ مصارعتنا ليست ضدّ لحمٍ ودمٍ، بل ضدّ الرئاسات، ضدّ السلاطين، ضدّ ولاة العالم، عالم ظلمة هذا الدّهر، ضدّ أجناد الشرّ الروحيّة في السماويّات. فلذلك احملوا سلاح الله الكامل لتستطيعوا المقاومة في اليوم الشرّير، حتى إذا تمّمتم كلّ شيء تثبتون. فاثبتوا إذن، ممنطقين أحقاءكم بالحق، ولابسين درع البرّ، وأنعِلوا أقدامكم باستعداد إنجيل السلام، واحملوا علاوة على كلّ ذلك ترس الإيمان الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرّير الملتهبة، واتخذوا خوذة الخلاص وسيف الروح الذي هو كلمة الله” (أفسس6: 10-18)

ليست الحياة النسكيّة غاية بحدّ ذاتها في الكنيسة، النسك موقف من الحياة. غياب الذهنيّة النسكيّة عن الإنسان يرميه في بحر من الشكوك والقلق الشخصيّ

الحياة النسكيّة ليست إطلاقاً انكفاءًا عن الحياة، ولا ازدراءً بالخيرات المادّية. جهاد المؤمن حتى يبقى على مسافة منها، فلا يمسي ما يقدّمه له هذا الدهر جوهرَ حياته وغاية وجوده

النسك المسيحيّ ينظر نظرة إيجابية إلى الدنيا وإلى الخيرات المادّيّة، عندما لا تحيد بالإنسان عن التكريس لله وعن محبّة القريب. تراث آباء الكنيسة يفهَم النسك كعلاج لشخص الإنسان. فالإنسان يحيا حالةَ مرَضٍ منافية لطبيعته بسبب الخطيئة

النسك كوسيلة تمنح الإنسان التوازن والشفاء، النسك المسيحيّ يعمل ضمن إطار شركة الكنيسة

القديس ثيوذوروس الستوديتي: الفصح هو تطهير خطايانا، إماتة الأهواء وقيامة الفضائل. الفصح هو نهاية النسك. هذا يعني أن الصوم هو عمل نسكي بامتياز. بالتمييز كل واحد ينسك في الصوم بمقدار ما أعطاه الله

الخاتمة: للإجابة على السؤال الأول: الصوم ليس إماتة بالمعنى الشعبي بل هو تهذيب للأهواء والرغبات وقوى النفس حتى يستطيع الإنسان أن يبلغ الفصح

* مخطوطة كلام لحديث في رعية أنفه في الثلاثاء الأول من صوم 2020

الرعاية – 2

القديس غريغوريوس الكبير

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

حول الكتاب

كتاب الرعاية (المعروف باللاتينيةLiber Regulae Pastoralis ) هو أحد أعمال القديس غريغوريوس الكبير الأكثر شهرة. الكتاب عبارة عن رسالة تضمّ عرضاً من أربعة أجزاء يقدم فيها إرشادات جوهرية للكهنة والأساقفة حول كيفية رعاية كنائسهم إنجيلياً وبحكمة وكيفية تدبير حياتهم أخلاقياً. في هذه الرسالة يقدم القديس غريغوريوس رأيه حول مؤهلات الراعي الجيد ومواقفه وخياراته وأنشطته، إذ بحسب تعبيره ، الكهنة هم “أطباء القلب”ـ

الفصل الخامس

حول أن الذين في موقع السلطة العليا يمكن أن يستفيد الآخرون بمثال فضائلهم، لكنهم يفرّون منها من أجل سلامهم

يوجد موهوبون بدرجة عالية من الفضائل ويُعظّمون بمواهب عظيمة لتدريب الآخرين؛ رجال لم تتلطخ غيرتهم للعفة، أقوياء في عفّتهم، مفعَمون بمواسم المعرفة، متواضعون في صبرهم الطويل المعاناة، منتصبون في ثبات السلطة، متلطّفون في نعمة السماحة المُحِبّة، صارمون وغير منثنين في العدل. في الواقع، عندما يرفضون حمل السلطة العليا عندما يُدعَون إلى ذلك، يحرمون أنفسهم، في غالبية الحالات، من المواهب التي تلقّوها لا من أجلهم فقط بل ومن أجل الآخرين أيضًا

عندما يهتم هؤلاء بمصلحتهم الشخصية، وليس بمصلحة الآخرين، فإنهم يفقدون هذه المزايا إذا ما رغبوا بالاحتفاظ بها لأنفسهم. ولهذا قال الحقّ لتلاميذه: “لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَل. وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجًا وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ” (متى 14:5-15). ولهذا السبب قال لبطرس: “يا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟” وعندما أجاب بطرس مباشرة بأنه يحبه قال له: “ارْعَ غَنَمِي”. إذا كانت الرعاية شهادة على المحبة، فإن صاحب فيض الفضائل إذا رفض إطعام قطيع الله، يُدان بفقدان محبة الراعي العُلوي. لذلك ، يقول بولس: “إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ، فَالْجَمِيعُ إِذًا مَاتُوا. وَهُوَ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ كَيْ يَعِيشَ الأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لاَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِلَّذِي مَاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَامَ.” (2كورنثوس 14:5). وهكذا يقول موسى أن الأخ الباقي يجب أن يأخذ زوجة شقيقه الذي مات بدون أطفال، وأن يربّى الأطفال باسم أخيه؛ “فَإِنْ أَصَرَّ وَقَالَ: لاَ أَرْضَى أَنْ أَتَّخِذَهَا. تَتَقَدَّمُ امْرَأَةُ أَخِيهِ إِلَيْهِ أَمَامَ أَعْيُنِ الشُّيُوخِ، وَتَخْلَعُ نَعْلَهُ مِنْ رِجْلِهِ، وَتَبْصُقُ فِي وَجْهِهِ، وَتُصَرِّحُ وَتَقُولُ: هكَذَا يُفْعَلُ بِالرَّجُلِ الَّذِي لاَ يَبْنِي بَيْتَ أَخِيهِ. فَيُدْعَى اسْمُهُ فِي إِسْرَائِيلَ «بَيْتَ مَخْلُوعِ النَّعْلِ»” (تثنية 8:25-10)

الآن، الأخ المتوفى هو الذي قال بعد مجد القيامة: “اذهب قل لإخوتي” (متى 10:28)؛ لأنه مات بدون أبناء ولم يملأ بعد عدد المختارين. مطلوب من الأخ الباقي أن يأخذ الإمرأة لأن من الأفضل أن يُسنَد الاهتمام بالكنيسة المقدسة إلى ذاك القادر على قيادتها أيضاً. إذا أثبت عدم رغبته، فالمرأة تبصق في وجهه، لأن كل مَن لا يهتمّ بعون الآخرين بالمواهب التي تسلّمها، فهو مستهجَن من الكنيسة أيضاً لما عنده من حسنات، وكما هو مذكور، فهي تبصق في وجهه وتخلع نعله من رِجل واحدة، حتى يُدعى بيته بيت مخلوع النعل، لأنه مكتوب “… حَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ” (أفسس 15:6)

إذن، إذا كنا نحرص على إخوتنا وعلى أنفسنا، فإننا نحمي كل قدم بحذاء. لكن الرجل الذي يفكّر فقط بمصلحته، متجاهلاً مصلحة إخوته، ويخسر الحذاء بعار ، كما من قدم واحدة

وهناك الذين مُنِحوا مواهب عظيمة، كما ذكرنا، في حرصهم على السعي إلى التأمّل فقط، يرفضون أن يكونوا في خدمة الإخوة بالوعظ؛ إنهم يحبون الانسحاب بهدوء راغبين في أن يكونوا وحدهم للتأمل. إذا حُكم عليهم من خلال سلوكهم بشكل صارم، فهم بالتأكيد مذنبون بما يتناسب مع الخدمة العامة التي كانوا قادرين على تحملها. في الواقع، ما هو الموقف الفكري الذي يتكشّف في مَن باستطاعته أن يؤدي خيراً عاماً واضحًا في قيامه بمهمته، ولكنه يفضل خصوصيته على منفعة الآخرين، مع أنه يرى الابن الوحيد للآب العلوي قد جاء من حضن أبيه إلى وسطنا لكي ينفع الكثيرين؟

الفصل السادس

الرجال الذين يفرّون من عبء الرئاسة تواضعاً، يكونون متواضعين حقًا عندما لا يقاومون الأحكام الإلهية

هناك بعض الذين يهربون من هذا العبء بسبب التواضع فقط: إنهم لا يرغبون في أن يكونوا مفضَّلين على الذين يعتقدون أنهم أقل شأناً منهم. إن تواضعهم أصيل حقًا في نظر الله، شريطة أن يكون مصحوبًا بالفضائل الأخرى وألا يكونوا عنيدين في رفض تولّي ما هو مطلوب القيام به بشكل نافع. لأن الذي يفهم أن حكم الإرادة العليا له هي أن يتسلّم القيادة ومع هذا يرفض فهو ليس متواضعاً حقاً. لكن عندما يُفرَض عليه القضاء الأعلى وطالما أنه منعَم عليه بهذه المواهب التي بها ينفع الآخرين، عليه نزولاً عند رغبة الله ومن دون علة المكابرة، أن يهرب منها في قلبه ويطيع بالرغم من أن الطاعة هي على عكس ميله

الفصل السابع

كما يحدث، فإن بعض الرجال الجديرين بالثناء يرغبون بمهمة الوعظ، وآخرون ممن هم على نفس القدْر يُدفَعون إليها مكرَهين

في بعض الأحيان، على الرغم من ذلك، هناك مَن يرغب بشكل جدير بالثناء بمهمة الوعظ، في حين أن آخرين لا يقلون عنه مقاماً يُدفعون إليه بالإكراه. نرى هذا بوضوح عندما ننظر إلى حالة اثنين من الأنبياء، أحدهما قدّم نفسه تلقائيًا لمهمة الدعوة، بينما الآخر عارض خوفاً. على سبيل المثال، عندما سأل الرب من يجب أن يرسل، قدّم أشعياء نفسه من تلقاء ذاته، قائلاً: «هأَنَذَا أَرْسِلْنِي» إرمياء، من ناحية أخرى، أُرسِل لكنه كان متردداً بتواضع في أن يكون مُلزماً بالذهاب، قائلا: «آهِ، يَا سَيِّدُ الرَّبُّ، إِنِّي لاَ أَعْرِفُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لأَنِّي وَلَدٌ»ـ

لاحظوا كيف أعطى هذان الشخصان كلامًا مختلفًا خارجيًا، مع أنه لم يخرج من نبعَين متعاكسين من المحبة. فهناك مبدأان للمحبة، أحدهما مبني على محبة الله، والآخر على محبة الأخ. فإشعياء، إذ رغب بالحياة الفعّالة في مهمة الوعظ، تحرّك برغبته في أن ينفع إخوته. أما إرمياء، فكان يتشوّق بغيرة إلى محبة خالقه، لكن في الحياة التأملية. فاعترض على إرساله. إذاً ما رغب به الأول مشكوراً انكمش عنه الآخر محموداً. الأول خاف أنه بالتعليم قد يخسر منفعة التأمل الهادئ؛ الآخر خشي أنه من دون التعليم قد يتأذّى بغياب العمل الشاق

الآن، علينا أن نتأمّل بتأنٍّ في هذا في كلتا الحالتين: إن الذي احتج لم يقاوم كلياً، والذي رغب في أن يكون مرسَلاً، رأى نفسه متطهراً توقّعاً بجمرة من المذبح (أنظر أشعياء 6:6). مَن لم يتطهّر لا ينبغي أن يجرؤ على القيام بالخدم المقدسة؛ والذي تطهّر بنعم سماوية، عليه ألا يقاوم بفخر تحت ستار التواضع

بما أنه من الصعب للغاية إدراك أن الشخص قد تطهّر، فمن الأسلم رفض مهمة الوعظ، ومع ذلك، كما قلنا، قد لا تُرفَض عن قصد عند إدراك أن وجوب القيام بها هو من الإرادة السماوية. لقد تمم موسى كلا الالتزامين بشكل مثير للإعجاب، فهو قد أطاع رغم عدم رغبته في قبول مشيئة الجمهور الكبير العليا. فهو ربما كان ليفتخر إن تولّى قيادة عدد لا يحصى من الناس دون خوف، ومن جديد، كان ليفتخر، لو أنه رفض إطاعة أمر الخالق. لكنه في الحالتين كان متواضعاً وفي الحالتين مطيعاً، سواء في عدم إرادته أن يتقدم على الشعب عندما نظر إلى نفسه فقط، وعندما وافق متكلاً على قوة الذي أمره

إذاً، من هذه الأمثلة، فليفهم المندفعون كم يكون ذنبهم عظيماً إذا كانوا محرّكين برغبات ذاتية ولا يحجِمون عن التقدم على الآخرين، وإذ يرون أن الرجال القديسين يخشون أن يقبلوا قيادة الشعب حين يأمر الرب بذلك. موسى ارتعد مع أن الرب أصر عليه ليتقدّم؛ ومع هذا فإن رجلاً ضعيفاً يسعى إلى عبء هذه المسؤولية، ووارد جداً أنه يسقط تحت هذا العبء، مستعد أن يكون مغموراً بوضع كتفيه تحت أحمال الآخرين! إنه يعجز عن حمل أعماله، فيما هو يزيد من العبء الذي يحمله

الفصل الثامن

في ما يختصّ بالذين يطلبون الأوليّة ويستنسبون قول الرسول لخدمة طمعهم

الآن، وكما يحدث دائماً، إن الذين يسعون إلى الأوليّة يطلبون الدعم لطمعهم، فيستغلّون قول الرسول: “إِنِ ابْتَغَى أَحَدٌ الأُسْقُفِيَّةَ، فَيَشْتَهِي عَمَلاً صَالِحًا” (1تيموثايوس 3:1). ولكن، فيما يمدح هذا الابتغاء، للحين يحصر مديحه بإضافة سبب للنظر شزراً مضيفاً: “يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ” (2:1). وإذ يتابع معدداً الفضائل الضرورية، يشرح معنى “بلا لوم”. لذا هو يقبَل الرغبة لكنه يحذّر هؤلاء الأشخاص بهذه القاعدة وكأنه يقول: “إنني أثني على ما تطلبون، لكن تعرّفوا أولاً على ما تطلبون، خشية أن بتجاهلكم تأخذون الأمور على قياس لياقتكم، فتصبحون أكثر استحقاقاً للوم والإهانة، في كونكم تسرعون لأن تظهروا للجميع على قمة الشرف”

المعلم الكبير في فن القيادة يحث تابعيه بالموافقة على رغبتهم، لكنه يردعهم بالخوف، حتى يلجم مَن يسمعه عن الفخر، وبالثناء على المهمة المنشودة يؤهلهم لشكل الحياة المطلوب. مع هذا، علينا أن نلاحظ أن هذا قد قيل في وقت كان فيه المتقدم على الشعب، كائناً مَن كان، هو الأول في أخذه إلى تعذيبات الشهادة. إذاً، كان السعي إلى الأسقفية جديراً بالثناء من حيث أن الحاصل على القيادة كان بلا شك تنتظره أقسى العذابات. لهذا السبب، مهمة الأسقف توصَف بأنها عمل صالح عندما يُقال: مَن يشتهي الأسقفية يشتهِ عملاً صالحاً. بالمقابل فإن الرجل يشهد ضد نفسه إذا كان يشتهي مركز الأسقف، اي مجد ذلك الشرف، وليس خدمة العمل الصالح. فالرجل لا يفشل كلياً في محبة المركز وحسب، بل هو يكون جاهلاً له إذا كان يشتهي المركز الأعلى ويفرح لخضوع الآخرين في ثنايا افكاره، ويفرح لسماع المديح ويحس أن قلبه يموج من الشرف ويسعد في سعة رغده. إذاً، ما يسعى إليه هو الربح العالمي تحت غطاء ذاك النوع من الشرف، بينما الكسب العالمي ينبغي أن يكون قد أتلِف وعندما يفتكر العقل في أن يلتقط أعلى حالات التواضع لكي يقوّم كبرياءه، فهو يغيّر الطبيعة الداخلية لما كان مشتهىً خارجياً

الفصل التاسع

إن فكر الذين يسعون إلى التقدّم، بالغالب سوف يغري ذاته بمواعيد خيالية بإتمام أعمال حسنة

بالإجمال، إن الذين يبتغون السلطة الرعائية يقدّمون لذواتهم بعض العمل الحسن أيضاً، ومع أن لديهم هذه الرغبات بتحريك من الكبرياء، إلا أنهم يشغلون أنفسهم بفكر أنهم سوف يقومون بأعمال عظيمة. لكن المحرّك المخبّأ في الداخل هو شيء وما يجري على سطح فكرهم الواعي هو شيء آخر. هذا لأن الفكر غالباً ما يكذب على نفسه في ما يختص بنفسه، ويجعل نفسه يؤمن بأنه يحب العمل الحَسَن فيما هو فعلياً لا يحبه، وبأنه لا يتمنى المجد الدنيوي فيما هو بالواقع يتمناه. إن التشوق إلى مركز القيادة يثير الخوف أثناء السعي إليه لكنه يتحوّل طيشاً بعد الحصول عليه

في السعي إلى المركز، يكون العقل في ارتياعٍ من أنه لن يحصل عليه، لكن عندما يصل المركز فجأة، يفتكر العقل أن ما تحقق هو حق. فمن ثمّ، عندما يبدأ العقل بالتمتع، بطريقة دنيوية، بمركز الحظوة الذي حصل عليه، فهو ينسى بسهولة كل الأفكار الروحية التي كانت لديه قبلاً. وعندما يبدأ الفكر بالانحراف بشكل غير منتظم، ينبغي توجيهه بدقة للعودة إلى نشاطاته السابقة؛ وإذا تفكرّ الانسان بما عمله حين كان خاضعاً للسلطة فهو، كمتقدّم، يعرف مباشرة ما إذا كان يستطيع أن يعمل ما اقترح عمله، لأن الانسان عاجز إلى حد ما عن تعلّم التواضع فيما هو في موقع الوجاهة، إن لم يكن قد امتنع عن التصرف بكبرياء عندما كان في موضع الخضوع. إنه لا يعرف كيف يهرب من المديح عندما يفيض، إذا كان قد صبا إليه حين لم يكن يُمتَدَح. هو على الأكيد يعجز عن التغلب على طمعه عندما يتمّ تقديمه لدعم الكثيرين، إذا كانت موارده لا تكفي لدعم ذاته وحده. لهذا، فليكتشف كل واحد من حياته السابقة أي نوع من الرجال هو، إلا إذا كانت أفكاره تخدعه في تعطشه إلى الرئاسة

غالباً جداً، عندما يحصل على مركز القيادة، تفتر ممارسة الأعمال الصالحة، على الرغم من أنها قد سبق الحفاظ عليها عندما كانت الحياة غير مشوشة، إذ حتّى البحار غير المتمرس يستطيع قيادة سفينة في بحر هادئ، لكن في بحر تقحمه الأنواء حتّى البحار المتمرّس يضطرب كثيراً. وبالواقع، ما هي السلطة في موقع الرئاسة غير عاصفة في الفكر، فيما سفينة القلب في اهتزاز دائم من عواصف الأفكار، وهي مُقادَة بلا هوادة إلى الأمام وإلى الوراء، إلى أن تقف على الصخور المجابهة من خلال فيض مفاجئ من الكلمات والأعمال؟ كيف إذاً يمكن القيام بأي عمل في وسط هذه المخاطر، كيف يمكن التمسك بعمل إن لم يكن المتقدم الآتي إلى القيادة بالإلزام فائضاً بالفضيلة، والذي تنقصه الفضيلة يتراجع عن الوصول إليها حتى تحت الضغط؟ إذا تردد الأخير كلياً فلينتبه أنه لا يخفي في منديلٍ المواهب التي تلقاها، وإلا سوف يُحاكم على أنه أخفاها. إن إخفاء المواهب في المنديل هو بالطبع وضعُها في حالة من عدم الحركة. مع هذا، في حال أن أحداً يريد أن يتسلّط على الرغم من عدم ملاءمته، فلينتبه ألا يُعامَل بمثال عمله السيء، يصير كالفريسيين عثرةً للمجاهدين لأن يدخلوا الملكوت. هؤلاء، بحسب كلمات السيد “لا يدخلون ولا يتركون الآخرين يدخلون”. عليه أيضاً أن يعتبر أنه كرئيس مختار هو يتبنّى قضية الشعب لذا هو يأتي كطبيب لإنسان مريض. من ثمّ، إذا في ممارسته بقيت الآلام تصارع فيه، فبأي وقاحة هو يسرع ليشفي المصاب فيما القروح تغطي وجهه؟

التعليم الديني المطوّل – 2

لكنيسة الله الشرقية الأرثوذكسية الجامعة

المعروف أيضاً بتعليم القديس فيلاريت درودزوف موسكو

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

هذا التعليم راجعه وأقرّه المجمع المقدس (الروسي) ونشره ليتمّ استعماله للتعليم في المدارس كما ولكل المسيحيين الأرثوذكسيين (موسكو، المطبعة المجمعية، 1830)

عن الكتاب المقدس بوجه الخصوص ـ

ـ25ـ متى تمّت كتابة الكتب المقدسة؟

في أوقات مختلفة: بعضها قبل ولادة المسيح ، والبعض الآخر بعدهاـ

ـ26ـ أليس لكل من قسمي الكتب المقدسة أسماءه الخاصة؟

نعم لكل منهما أسماؤه. الكتب التي كُتبَت قبل ميلاد المسيح تُدعى كتب العهد القديم، بينما يُطلق على التي كُتبت بعد الميلاد كتب العهد الجديد

ـ27ـ ما هما العهدان القديم والجديد؟

بعبارة أخرى، عهدا الله، القديم والجديد، مع البشر

ـ28ـ مما يتكوّن العهد القديم؟

من أن الله وعد البشر بمخلص إلهي وأعدّهم لاستقباله

ـ29ـ كيف أعدّ الله البشر لاستقبال المخلّص؟

بالكشف التدريجي، بالنبوءات والنماذج

ـ30ـ مما يتألّف العهد الجديد؟

من أن الله أعطى البشر مخلصاً إلهياً، ابنه المولود الوحيد يسوع المسيح

ـ31ـ كم هي كتب العهد القديم؟

القديسون كيرللس الأورشليمي وأثناسيوس الكبير ويوحنا الدمشقي يحصون اثنين وعشرين، متفقين بذلك مع اليهود الذين يحصونها كذلك في اللغة العبرية

(Athanas. Ep. xxxix. De Test.; J. Damasc. Theol. lib. iv. c. 17)

ـ32ـ لمَ علينا أن نحافظ على تعداد العبرانيين؟

لأنهم اسْتُؤْمِنُوا عَلَى أَقْوَالِ اللهِ” (روما 2:3) كما يقول الرسول بولس، فالكتب المقدسة تسلّمتها كنيسة العهد الجديد من كنيسة العهد القديم العبرانية

ـ33ـ كيف رقّم القديسان كيرللس وأثناسيوس كتب العهد القديم؟

على النحو التالي: 1، كتاب التكوين ؛ 2، الخروج ؛ 3، اللاويين ؛ 4، كتاب العدد؛ 5، تثنية. 6، يشوع بن نون ؛ 7، القضاة، ومعه، كملحق، كتاب راعوث ؛ 8، الملوك الأول والثاني، كجزئين لكتاب واحد (يُعرَف أيضاً بصموئيل: المترجم) ؛ 9، والملوك الثالث والرابع. 10، أخبار الأيام الأول والثاني. 11، والكتاب الأول من عزرا، والثاني، أو، كما هو الحال في اليونانية، وكتاب نحميا ؛ 12، استير. 13، أيوب ؛ 14 المزامير. 15 امثال سليمان. 16، الجامعة، وهو كذلك لسليمان ؛ 17، نشيد الأنشاد لسليمان أيضاً. 18، النبي أشعياء ؛ 19 ارميا. 20 حزقيال. 21 دانيال. 22، الأنبياء الاثني عشر

ـ34ـ لماذا لا يُلحَظ في تعداد كتب العهد القديم هذا كتاب حكمة ابن سيراخ ، وبعض الآخرين؟

لأنها غير موجودة في العبرية

ـ35ـ كيف نعتبر هذه الكتب المذكورة أعلاه؟

يقول القديس أثناسيوس الكبير أنه قد تم تعيينها من الآباء ليقرأها الموعوظون الذين يستعدون للقبول في الكنيسة

ـ36ـ هل هناك أي تقسيم لكتب العهد القديم يمكنك من خلالها تقديم سرد أكثر وضوحاً لمحتوياتها؟

يمكن تقسيمها إلى الأقسام الأربعة التالية:ـ

كتب الناموس، والتي تشكّل أساس العهد القديم

الكتب التاريخية وتحتوي بشكل أساسي تاريخ الجماعة

العقائد، وتحتوي على عقيدة الدين

النبوية، التي تضمّ النبوءات، أو تنبؤات بالأشياء المستقبلية، وخاصة عن يسوع المسيح

ـ37ـ ما هي كتب الناموس؟

الكتب الخمسة التي كتبها موسى: التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، والتثنية. يسوع المسيح نفسه يعطي هذه الكتب الاسم الشامل ’ناموس موسى’ (أنظر لوقا 44:24)

ـ38ـ على وجه الخصوص، ماذا يرِد في سفر التكوين؟

رواية خلق العالم والإنسان وبعده تاريخ ومراسيم الدين في العصور الأولى للبشرية

ـ39ـ ما الذي يرِد في الكتب الأربعة الأخرى لموسى؟

تاريخ المعتَقَد في زمن النبي موسى، والشريعة المعطاة من الله من خلاله

ـ40ـ أيٌّ هي الكتب التاريخية في العهد القديم؟

كتب يشوع بن نون، القضاة، راعوث، الملوك، الأخبار، كتاب عزرا، وكتاب نحميا وإستير

ـ41ـ أي منها هي العقائدية؟

كتب ايوب والمزامير وكتب سليمان

ـ42ـ أية خصوصية ينبغي أن نلاحظها لكتاب المزامير؟

يحتوي هذا الكتاب، بالإضافة إلى العقيدة، تلميحات لتاريخه والعديد من نبوءات المسيح المخلّص. إنه دليل مثالي للصلاة والمديح، وعلى هذا الأساس يُستخدَم باستمرار في الخدم الكنسية

ـ43ـ ما هي الكتب النبوية؟

كتب الأنبياء: إشعياء، أرميا، حزقيال، دانيال، والاثني عشر الآخرين

ـ44ـ كم هي كتب العهد الجديد؟

سبعٌ وعشرون

ـ45ـ هل من بينها كتب تردّ على الناموس، أو تشكّل أساس العهد الجديد؟

نعم. الإنجيل، الذي يتكوّن من أربعة كتب للإنجيليين متى، مرقس، لوقا، ويوحنا

ـ46ـ ماذا تعني كلمة إنجيل؟

هو نفس كلمة Evangely اليونانية، وتعني الخبر الحسن أو البهيج

ـ47ـ ما هو الخبر الحسن في الكتب المسماة الإنجيل؟

إنه الخبر عن ألوهية ربنا يسوع المسيح، عن مجيئه وحياته على الأرض، عن معجزاته وعقيدة الخلاص، وأخيراً عن موته على الصليب، قيامته المجيدة، وصعوده إلى السماء

ـ48ـ لماذا تسمى هذه الكتب الإنجيل؟

لأنه لا يمكن للإنسان أن يكون خبر أفضل أو أكثر بهجة من هذه، عن المخلص الإلهي والخلاص الأبدي. لنفس السبب، قراءة الإنجيل في الكنيسة مسبوقة دائماً ومُرافقة بالإعلان البهِج المجد لك، يا رب المجد لك

ـ49ـ هل بين كتب العهد الجديد كتب تاريخية؟

نعم، واحد: كتاب أعمال الرسل القديسين

ـ50ـ عمَّ يحكي؟

عن نزول الروح القدس على الرسل وتوسّع كنيسة المسيح من خلالهم

ـ51ـ ما هو الرسول؟

كلمة تعني حامل الرسالة. إنه الاسم الذي يطلق على تلاميذ ربنا يسوع المسيح الذين أرسلهم للتبشير بالإنجيل

ـ52ـ ما هي كتب العهد الجديد العقائدية؟

الرسائل السبع العامة: وهي واحدة من الرسول يعقوب، واثنتان من بطرس، وثلاثة من يوحنا وواحدة من يهوذا؛ وأربع عشر رسالة لبولس الرسول: وهي واحدة للرومانيين، واثنتان إلى أهل كورنثوس، وواحدة إلى أهل غلاطية، وواحدة إلى أفسس، وواحدة إلى أهل فيلبي، وواحدة إلى أهل كولوسي، واثنتان إلى أهل تسالونيكي، وواحدة إلى تيموثاوس، وأخرى إلى تيطس، وواحدة إلى فليمون، وواحدة إلى العبرانيين

ـ53ـ أبينَ كتب العهد الجديد كتب نبوية؟

نعم إنه كتاب الرؤيا

ـ54ـ ماذا تعني هذه كلمة الرؤيا؟

إنها من اليونانية Apocalypse

ـ55ـ ما هي محتويات هذا الكتاب؟

تمثيل سري لمستقبل الكنيسة المسيحية، وكل العالم

ـ56ـ ما هي القواعد التي يجب مراعاتها في قراءة الكتاب المقدس؟

أولاً ، يجب أن نقرأه بإخلاص ككلمة الله والصلاة لفهمه بشكل صحيح؛ ثانياً، يجب أن نقرأه برغبة صافية في تعلّم الإيمان، والحثّ على الأعمال الصالحة؛ ثالثًا، يجب علينا أن نفهمه ونقبله بما يتوافق مع تفسير الكنيسة الأرثوذكسية والآباء القديسين

ـ57ـ عندما تقدّم الكنيسة عقيدة الوحي الإلهي والكتاب المقدس للناس لأول مرة، ما هي العلامات التي تقدمها على أنه حقاً كلمة الله؟

العلامات على أنه كلمة الله هي ما يلي:ـ

ـ1ـ سمو العقيدة ما يشهد على استحالة أن يكون اختراعاً بشرياً

ـ2ـ طهارة الإيمان ما يدلّ على أنه من فكر الله الكلي الطهارة

ـ3ـ النبوءات

ـ4ـ المعجزات

ـ5ـ تأثير العقيدة القوي على قلوب الناس بما يتخطى الكلّ ما عدا القوة الإلهية

ـ58ـ كيف تكون النبوءات علامات وحي حقيقي من الله؟

لنأخذ مثلاً : عندما تنبأ النبي أشعياء عن ولادة المخلص المسيح من عذراء، وهي شيء لم يكن ممكناً أن يتخيّله العقل الطبيعي، وعندما ولد ربنا يسوع المسيح بعد هذه النبوة بمئات من السنوات من مريم العذراء الفائقة الطهارة، كان من المستحيل عدم رؤية أن النبوة كانت كلمة الكلي المعرفة، وإتمامها هو عمل الله العظيم. ولهذا السبب أيضًا، يقدم متى الإنجيلي القديس هذه النبوءة عندما يروي عن ميلاد المسيح: “وَهذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: «هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا.” (متى 22:1-23)

ـ59ـ ما هي المعجزات؟

أعمال لا يمكن إتمامها بأي قوة أو فن بشري، بل فقط بقوة الله الفائقة: مثلاً إقامة الأموات

ـ60ـ كيف تعمل المعجزات كإشارة إلى أن الكلمة المنطوقة هي من الله؟

من يصنع المعجزات الحقيقية يعمل بقوة الله. وبالتالي فهو من الله ومشارك في الروح الإلهي. لكن هذا الانتماء يعني قول الحقيقة الخالصة فقط؛ وهكذا، عندما يتكلّم مثل هذا الرجل باسم الله، نحن على يقين من أن بفمه يتكلّم حقًا كلمة الله

على هذا الأساس ، يجترح ربنا يسوع المسيح نفسه المعجزات كشهادة قوية على رسالته الإلهية: “الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي.” (يوحنا 36:5)

ـ61ـ أين يمكن أن نرى بشكل خاص التأثير العظيم لعقيدة المسيح؟

من هذا: الرسل الاثنا عشر، المختارين من بين الفقراء والناس غير المتعلمين، من الطبقة الدنيا، تغلبوا بهذا الإيمان وأخضعوا للمسيح الأقوياء والحكماء والأغنياء والملوك وممالكهم

الدين والعلم والتكنولوجيا: منظور أرثوذكسي – 2

الميتروبوليت كاليستوس وير

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

حول الكتاب

الكتاب هو مقابلة أجراها مايكل وكاتينا ميخائيل في اوكسفورد، بريطانيا، في 20 تشرين الأول 2014. بعد تفريغها راجعها الميتروبوليت ووافق على صدورها في كتاب في 18 تشرين الأول 2016. الأسئلة أعدها مايكل ميخائيل وهو استاذ مشارك في قسم الكومبيوتر وتكنولوجيا المعلومات من جامعة وولونغونغ في أوستراليا وحائز على عدد من الشهادات ومن بينها اللاهوت. كاتينا هي زوجته وهي أستاذة في كلية الهندسة في الجامعة نفسها. لكل منهما، كما لهما مجتمعَين، عدد من الكتب والمقالات في عدة حقول

ب. الإبداع والابتكار والتقدم التكنولوجي

كيف يمكننا أن نفهم فكرة أننا مخلوقون على صورة ومثالالله في السعي إلى أعلى مستويات ومسارات التكنولوجيا؟

لا يوجد تفسير وحيد في التقليد المسيحي لما هو المقصود بخلق الإنسان حسب صورة الله ومثاله. لكن النهج الواسع الانتشار، الموجود على سبيل المثال بين العديد من الآباء اليونانيين، هو التمييز بين هذين المصطلحين. تشير الصورة في هذه المقاربة إلى المَلَكات البشرية الأساسية التي تُعطى لنا؛ تلك الأشياء التي تجعلنا مخلوقات بشرية، والقدرات الممنوحة لكل إنسان. الصورة على ما هي عليه، نقطة انطلاقنا، العتاد الأول الممنوح للجميع. ينظر إلى الشبه كنقطة النهاية. المثال يعني أن الإنسان في شركة مع الله، يعيش حياة قداسة. المثال يعني القداسة. الإنسان الحقيقي في هذا النهج هو القديس. فعليه، نحن البشر مسافرون، حجاج، في رحلة من الصورة إلى المثال. يجب أن نفكر في الطبيعة البشرية بعبارات ديناميكية. عنصر النمو أساسي لشخصيتنا. إذن الآن، الصورة تعني أننا نملك قوة التفكير العقلاني، قوة الكلام، التعبير باللغة التي من خلالها يمكننا التواصل مع الآخرين؛ وهذا يعني العقل بالمعنى الأوسع. والأهم من ذلك، أنه يعني أننا بشر ذوو ضمير وشعور بالصواب أو الخطأ، وبأننا نتخذ قرارات أخلاقية. الأهم من ذلك كله هو أن الصورة تعني أننا بشر لدينا وعي بالله وإمكانية الارتباط بالله والدخول في شركة معه من خلال الصلاة. وهذا بالنسبة لي هو المعنى الأساسي للصورة، أننا البشر مخلوقون للتواصل مع الله. هناك اتجاه وتوجّه في إنسانيتنا. نحن لسنا أحرار وحسب. الكائن البشري من دون أي علاقة بالله ليس إنسانًا حقيقيًا. بدون الله نحن مجرد إناس ثانويين. إذاً، الصورة تعطينا القدرة على أن نكون في شركة مع الله، وهذه هي طبيعتنا الحقيقية. لقد خُلقنا للعيش في الصحبة والتواصل مع الله الخالق. لذا فإن الصورة تعني أنك لا تستطيع أن تفكر في البشر ببساطة بمعزل، باعتبارهم مكتفين ذاتياً ومعتمدين على الذات، بل عليك أن تنظر إلى علاقتنا مع الله. عندها فقط سوف تفهم ما هو أن تكون إنساناً

ما هي النقطة التي قد تجعل اللاهوتيين أو الأخلاقيين يعتبرون أننا قد عبرنا الخط من الابتكار المسؤول والبحث العلمي إلى الاستعلائية؟

كلاهوتي مسيحي، لا أرغب في فرض قيود على البحث العلمي، كما من سلطة أعلى. كما ذكرت سابقًا، لقد منحنا الله القدرة على فهم العالم من حولنا. كل الحقيقة تأتي منه. المسيح حاضر في البحث العلمي، حتى لو لم يرد ذكر اسمه. لذلك، أنا لا أسعى بطريقة نظرية لأقول للعالِم: إلى هنا وليس أكثر. على العالِم، باستخدام طرق البحث التي طورها، أن يواصل عمله دون عوائق. لا يمكن للمرء أن يضع حظراً على النظر في أي موضوع. ولكن هنا يرِد السؤال التالي: كيف نطبّق معرفتنا العلمية؟ الإستعلائية تأتي عندما يتجاوز العلماء نظامهم الخاص ويحاولون أن يُملوا علينا كيف نعيش حياتنا. لا تعتمد الأخلاقية على الحقائق العلمية فقط. نحن نأخذ قيمنا، إذا كنا مسيحيين، من إيماننا. العلم الحديث هو تحقيق صادق في الحقيقة. طالما هذا هو الحال، فعلينا أن نقول للعالِم: رجاءً واصل عملك. أنت لا تتحدث عن الله، لكن الله موجود في ما تفعله، سواء أدركتَ ذلك أم لا. يأتي الاستعلاء عندما يعتقد العالِم أنه يستطيع الإجابة على جميع الأسئلة المتعلقة بحياة الإنسان. تأتي العجرفة عندما نعتقد أنه يمكننا ببساطة تطوير تقنيتنا دون التساؤل: هل هذا تطبيق جيد أو سيئ للعلوم؟

هل هناك أي صلة لقصة برج بابل (التكوين 11: 1-9) المعروفة بإشارتها المزدوجة إلى الاستعلاءوالهندسة؟

نعم، هذه طريقة ممتعة للنظر إلى قصة برج بابل. قصة برج بابل هي في الأساس وسيلة لمحاولة فهم سبب كوننا نحن البشر نتحدث العديد من اللغات المختلفة ونجد صعوبة في التواصل مع بعضنا البعض. لكن أساس قصة بابل هو بالضبط الإفراط في الثقة بقوتنا البشرية. في قصة برج بابل، يعتقد الناس أن بإمكانهم بناء برج يمتد من الأرض إلى السماء. يعتقدون أنهم يستطيعون سد الفجوة بين الإنساني والإلهي بقوة الهندسة. وهذا بالضبط هو أن نعزو إلى التكنولوجيا، إلى مَلَكَة الهندسة عندنا، ما هو خارج نطاق التكنولوجيا ويتخطّى الهندسة. بمجرد أن تنتقل من عالم الواقع الفعلي إلى عالم السماء، فأنت تنتقل إلى عالم مختلف حيث لا نعود نعتمد ببساطة على قدراتنا البحثية ولا على أهليّتنا لتطبيق العلم. لهذا، بالضبط، قصة برج بابل هي قصة اعتقاد البشر بأن قوتهم غير محدودة، وبخاصة قوة غير محدودة لتوحيد الأرضي مع السماوي، في حين أن هذه الوحدة لا يمكن أن تأتي إلا من خلال الاعتراف باعتمادنا على الله

إذا كنا نحمل بذرة عبقرية الله الخلاّقة في داخلنا، فلماذا لا نستطيع أو لا ينبغي أن نكتشف ونبتكر، ونذهب إلى آخر ما هو ممكن بشريًا في الابتكار؟

نعم ، نحن نحمل بذرة عبقرية الله الخلاقة في داخلنا، لكن من وجهة النظر المسيحية للعالم نحن البشر مخلوقون ونعيش في عالم ساقط. الآن، كيف يمكن تفسير السقوط في التقاليد المسيحية يمكن أن تختلف، ولكن أساس كل أشكال فهم السقوط هي فكرة أن العالم الذي نعيش فيه قد وقع في الخطأ بطريقة أو بأخرى. هناك تباين مأساوي بين هدف الله ووضعنا الحالي. لذلك، كبشر ساقطين علينا أن نقدّم مشاريعنا لحكم الله. علينا أن نسأل، ليس ما إذا كان هذا ممكنًا وحسب، بل أيضًا ما إذا كان هذا وفقًا لإرادة الله. من الواضح أن هذا ليس مسألة علمية أو تكنولوجية. المسألة ليست ما هو ممكن بل ما هو صحيح. بالطبع، صحيح أن كثيرين لا يؤمنون بالله، وبالتالي لن يقبلوا ما قلته للتو بأنّ هذا العالم ساقط. ومع ذلك، فهم أيضًا، حتى أولئك الذين لا يؤمنون بالله، عليهم التعاطي مع العلم والتكنولوجيا بتطبيق فهمٍ أخلاقي. آمل أن يفعلوا ذلك من خلال التفكير في معنى ما يجب أن يكون عليه الإنسان، وعلى قيمة الشخصانية. وأعتقد أنه في هذا المجال، يستطيع المسيحيون وغير المسيحيين، المؤمنون وغير المؤمنين، إيجاد قدر كبير من الأرضية المشتركة. في الوقت نفسه، لا يمكننا أن نفهم تمامًا حدودنا كبشر ساقطين دون الرجوع إلى إيماننا. لذا فإن التعاون مع غير المؤمن يمتد فقط إلى درجة محدودة معينة

الدين والعلم والتكنولوجيا: منظور أرثوذكسي

الميتروبوليت كاليستوس وير

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

حول الكتاب

الكتاب هو مقابلة أجراها مايكل وكاتينا ميخائيل في اوكسفورد، بريطانيا، في 20 تشرين الأول 2014. بعد تفريغها راجعها الميتروبوليت ووافق على صدورها في كتاب في 18 تشرين الأول 2016. الأسئلة أعدها مايكل ميخائيل وهو استاذ مشارك في قسم الكومبيوتر وتكنولوجيا المعلومات من جامعة وولونغونغ في أوستراليا وحائز على عدد من الشهادات ومن بينها اللاهوت. كاتينا هي زوجته وهي أستاذة في كلية الهندسة في الجامعة نفسها. لكل منهما، كما لهما مجتمعَين، عدد من الكتب والمقالات في عدة حقول

أ. الدين والعلم والتكنولوجيا

هل تفرّق بين عبارتي العلوم والتكنولوجيا؟ وهل هناك فرق بين العبارتين بنظرك؟

العلم، كما أفهم العبارة، هو محاولة منهجية لفحص الواقع. لذلك بهذه الطريقة، يمكنك الحصول على العديد من أنواع العلم المختلفة. وتنشغل العلوم الفيزيائية بدراسة البنية المادية للكون. العلوم الإنسانية تدرس البشر. لذا، هدف العلم، كما أفهمه، هو الحقيقة. في الواقع، المصطلح اللاتيني (scientia) يعني المعرفة. إذن، العلم هو محاولة من خلال استخدام دماغنا المفكّر لفهم العالم الذي نعيش فيه والعالم الموجود داخلنا. التكنولوجيا، كما أفسّرها، تعني تطبيق العلم بطرق عملية، وإنتاج أنواع معينة من الآلات أو الأدوات التي يمكن للناس استخدامها. لذلك، العلم يوفّر الأساس للتكنولوجيا

ماذا لدى الدين ليقوله عن مسائل العلوم والتكنولوجيا؟

أنا لا أسمّي الدين علماً رغم أن بعض الناس يفعلون ذلك، لأن الدين، ببساطة، لا يعتمد على استخدام عقولنا المفكّرة بل يعتمد أيضًا على وحي الله. لذلك يعتمد الدين عادةً على كتاب مقدس من نوع ما. إذا كنتَ مسيحيًا فهذا يعني الكتاب المقدس والعهدين القديم والجديد. إذا كنت مسلماً، فهو العهد القديم والقرآن

لذا فإن العلم على هذا النحو لا يستند إلى أي وحي خارجي، إنه تفحّص للحقائق التجريبية المعروضة علينا. لكن في حالة الدين، لا نعتمد فقط على دماغنا المنطقي، بل على ما كشفه الله لنا من خلال الكتاب المقدس، وفي حالة المسيحي الأرثوذكسي من خلال الكتاب المقدس والتقليد. التكنولوجيا شيء نود لو نحكم عليه في ضوء معتقداتنا الدينية. ليست كل الأشياء، المتاح لنا تطبيق معارفنا العلمية من خلالها، جيدة بالضرورة. التكنولوجيا في حد ذاتها لا تستطيع تزويدنا بالمعايير الأخلاقية التي نرغب في تطبيقها. إذاً الدين هو شيء يمكننا من خلاله تثمين قيمة التكنولوجيا أو غير ذلك

يمكن أن نصل إلى القول بأن العلم والدين قد يكونان في صراع؟ أو على الأقل هناك نقطة قد يصبحان غير متوافقين أحدهما مع الآخر؟

لا أؤمن أن هناك صراع جوهري بين العلم والدين. لقد أعطانا الله عقلاً مفكّراً، ووهبنا مَلَكات بها نجمع البراهين وننظّمها. لهذا، بشكل مبدئي، كل الحقائق من الله. لكن قد يكون هناك طرق محددة لاستعمال العلم قد نعتبرها خاطئة على أساس ديني. لذلك ليس هناك صراع أساسي، بل ربما هناك بالممارسة تصادم معين. يمكن أن تنشأ المشاكل عندما نحاول الإجابة عن أسئلة غير علمية بحتة بوجهة نظر الدين. يمكن أن تنشأ عندما يتخطى العلماء فحص الأدلة إلى تشكيل أحكام قيمية قد تتعارض مع الدين. أرى الصراع ينشأ، ليس من العلم كمسعي وراء الحقيقة، بل من العلموية*، وأعني بذلك الرأي القائل بأن أساليب البحث العلمي تجيب حكماً على جميع الأسئلة التي قد نود طرحها. قد تكون هناك مجالات حيث العلم لا يمكن أن يعطينا الجواب. على سبيل المثال، هل ننجو من الموت؟ هل هناك حياة مستقبلية؟ هذا بالنسبة لي سؤال ديني. ولا أعتقد أن إيماننا بالحياة المستقبلية يمكن إثباته من خلال العلم، كما لا أعتقد بإمكانية دحضه بواسطة العلم. على المنوال نفسه، إذا قلنا أن الله خلق العالم، فمن وجهة نظري هذا تعبير ديني لا يمكن إثباته أو دحضه بالعلم. لذا فالدين والعلم يسعيان إلى الحقيقة ولكن على مستويات مختلفة وبأساليب مختلفة

  • العلموية = (scientism)

هل في التقليد اليهودي-المسيحي أي مبادئ أو أمثلة تشير إلى استعمالات التكنولوجيا أو إساءة استعمالها؟

أحد أهم عناصر التقليد اليهودي-المسيحي هو احترام الشخص البشري. كمسيحيين، نحن نؤمن بأن كل شخص هو ذو قيمة لا محدودة في عيني الرب. كل شخص فريد. الله يتوقّع من كلٍّ منا شيئاً لا يتوقعه من آخر غيره. نحن لسنا تكراراً لنماذج. كل واحد منا مخلوق على صورة الله ومثاله، ونحن نحقق هذه الصورة المثال، كل على طريقته. البشر فريدون أساساً لأنهم يملكون الحرية. لهذا عندهم خيارات. وهذه الخيارات الشخصية لكل واحد تحدد أيّ نوع من الأشخاص هو. الآن، أيّ تكنولوجيا تنتقص من شخصيتنا، أو تقلل من قيمتنا كبشر، أراها خاطئة. على سبيل المثال، التدخل بعقول الناس عن طريق التجارب الطبية، أراه بوضوح عملاً صالحاً. لكن الاختبارات التي تمّ تنفيذها من مختلف الحكومات في القرن العشرين، سواء بالشيوعية أو في ألمانيا النازية، أعتبرها إساءة استعمال للتكنولوجيا لأنها لا تظهر الاحترام الملائم لتكاملية الشخص البشري. إذاً، هذه هي امتحاني الأعظم: كيف تحط التكنولوجيا من قدر شخصيتنا؟ واضح أن حريتنا يجب أن تكون مضبوطة لأن علينا أن نحترم حرية الآخرين. وبالتالي، الكثير من السياسة هو موازنة دقيقة بين حرية وأخرى. لكن التكنولوجيا يجب أن تُستَعمَل دائماً لتحسين حريتنا لا لطمسها

كيف فهم العالم القديم التكنولوجيا واستعملها؟

بحسب المعنى الأوسع للتكنولوجيا، أعتقد أنه لا يمكن أن يكون لديك حياة إنسانية متحضرة بدون بعض أشكال التكنولوجيا. إذا اخترت أن تعيش في منزل قمت ببنائه بنفسك أو قام شخص آخر ببنائه لك، بدلاً من العيش في كهف، فهذا يعني بالفعل استخداماً للتكنولوجيا. إذا كنت ترتدي ملابس منسوجة من الكتان، بدلاً من جلود الغنم أو جلود الماعز، فهذا أيضاً استخدام للتكنولوجيا. بهذا المعنى، التكنولوجيا ليست شيئًا حديثًا، لقد ظهرت إلى حيز الوجود منذ أن بدأ الناس في استخدام النار والطبخ، على سبيل المثال. من الواضح أن كمية التكنولوجيا الموجودة في العالم القديم كانت أقل بكثير مما لدينا اليوم. أفترض أن معظم التغييرات التكنولوجية قد حدثت خلال الـمئتي عام الماضية: إمكانية السفر بالسكك الحديدية، بالسيارة، ثم بالطائرة؛ القدرة على استخدام الهواتف والآن على التواصل عبر الإنترنت. هذا كلّه تطور حديث. لذلك لدينا تطوير للتكنولوجيا، أكبر بكثير مما سبق وجوده في العالم القديم. هذا يجلب منافع ومخاطر. يمكننا السفر بسهولة والتواصل بجميع أنواع الوسائل الجديدة. هذا في حد ذاته يمنحنا الفرصة للقيام بالمزيد، لكن المنافع ليست تلقائية. هناك دائمًا ما يتعلّق بكيفية استخدامنا للتكنولوجيا. لماذا نسافر بسرعة من مكان إلى آخر؟ ما هو هدفنا؟ عندما نتواصل مع الإنترنت، ما الذي نود إيصاله للآخَر؟ لذلك تأتي الأحكام القيمية على أساس كيفية استخدامنا للتكنولوجيا. تبدو لي إمكانية استخدامها موافقة بشكل كامل للتقليد المسيحي. ولكن بقدر ما تزداد التكنولوجيا تعقيدًا، يزداد حجم ما يمكن عمله من خلالها، ويزداد عدد الأسئلة المُثارَة حول صوابية القيام بهذه الأشياء. لذلك لدينا مسؤولية أكبر من تلك التي كانت على عاتق الناس في العالم القديم، ونحن نرى مخاطر إساءة استخدام تكنولوجيانا، وأورد تلوث البيئة كمثال. يرجع الجزء الأكبر من الأزمة البيئية إلى الاستخدام الخاطئ لمهاراتنا التكنولوجية. لا ينبغي أن نتخلّى عن استخدام هذه المهارات، لكننا بحاجة إلى التفكير بعناية أكبر في كيفية استخدامها ولماذا

ما هي أشكال تأثير التكنولوجيا على ممارستنا الدينية؟ أهناك أي إيجابية متأتية من هذه الممارسة؟

واحد من المكاسب الإيجابية بشكل واضح هو سهولة تواصلنا. بإمكاننا تبادل الأفكار بيسر أكبر. لقد حصل تقدم ضخم في القرن الخامس عشر من اختراع الطباعة. لم تعد بحاجة لكتابة كل شيء باليد بل صار ممكناً إصدار أي شيء بآلاف النسخ. والآن ثورة كاملة دخلت عبر استعمال الحاسوب الذي يجعل المكاتبة أيسر بكثير. لكننا مجدداً أمام تحدٍ: هذا التقدم التكنولوجي يمنحنا قوة أكبر لكن كيف نستعملها؟ لدينا اليوم معرفة لم تكن لدى الأجيال السالفة، معطيات كمّية وبيانية وتكنولوجية وعلمية لم تملكها الأجيال السابقة. لكن على رغم من امتلاكنا اليوم معرفة أكبر، فالسؤال هو إذا كنا نملك حكمة أكبر. الحكمة تتخطّى المعرفة، والاستعمال الصحيح للمعرفة صار أكثر صعوبة. فلنأخذ مثالاً من أخلاقيات علم الحياة: يمكننا الآن أن نتدخل في عمليات الولادة بطريقة لم تكن ممكنة في الماضي. أنا لست خبيراً على الإطلاق، لكن قيل لي إنه من الممكن أو قريبًا سوف يكون ممكناً أن يختار الوالدان جنس أطفالهم. لكن علينا أن نسأل: هل هذا مُسْتَحَبّ؟ هل من الصواب، من وجهة نظر مسيحية، أن نتدخل في سر الولادة بهذه الطريقة؟ جوابي هو أنه لا ينبغي السماح للآباء باختيار جنس طفلهم. هذا يتجاوز مسؤوليتنا الإنسانية الصحيحة. هذا شيء يجب أن نتركه بين يدي الله، وأخشى أن تنشأ مشاكل اجتماعية خطيرة إذا بدأنا في اختيار ما سيكون لدينا، أبناء أو بنات. هناك مجتمعات تُعتبر فيها الفتيات أقل شأناً، وفي الوقت المناسب قد ينشأ اختلال خطير بين الجنسين. هذا مجرد مثال واحد على إتاحة التكنولوجيا لبعض الأمور، لكننا كمسيحيين على أساس تعاليم الكنيسة لدينا معايير أخلاقية معينة، وهي تقول بأن هذا ممكن ولكنه ليس الشيء الصحيح الذي يجب القيام به

التكنولوجيا بحد ذاتها، بل العلم بحد ذاته، لا يمكن أن تخبرنا ما هو الصواب أو الخطأ. نذهب إلى أبعد من التكنولوجيا، وأبعد من أساليب العلوم الصارمة، عندما نبدأ في التعبير عن أحكام قيمية. ومن أين تأتي قيمنا؟ إنها تأتي من معتقداتنا الدينية

يتبع

لمَن يؤثِر الخلاص

الأرشمندريت كاسيانوس عيناتي

ابتعدْ بكل ما أوتيت من قوة عن الناس الذين لا تعود معاشرتك إياهم بأية منفعة عليك، رهباناً كانوا أم علمانيين. هؤلاء، وإن بدوا شيوخاً كسا الشيب رؤوسهم وملأت التجاعيد وجوههم، فإنهم بزينة الجسد هذه (مظهر التقوى) يلحِقون الأذى بمَن يعاشرهم. أما أنت، ولو لم تتأثر بهم البتة، نظراً لطباعك الحسن، فسوف تتأذى من جيث لا تدري، يتراخى ذهنك وتتسلّط عليك الكبرياء العائدة من الهزء بهم.

عندما ينفصل عبد الله عن الأرضيات، فإنّه لا يعرف أن يتكلّم كلاماً غير ضروري لئلا يتشتت فكره. وهكذا، يجاهد بحسب قدرته على مماثلة الله في النقاوة والبِر، وبهذه الطريقة يجد الله دوماً حاضراً لسماعه.

إن الكلام البطال يسبب الأذى لعبد الله. فبمقدار ما يقترب فمه من العالم يبتعد عن الله الكلي القدرة. هذا ما أعلنه أشعياء النبي محقّراً ذاته أمام رؤية الملك رب الجنود: “ويحٌ لي، فقد هلكت، لأني رجل دنس الشفتين”. فمن أين اقتنى النبي هذا الدنس؟ فإنه يضيف: “وأنا مقيم بين شعب دنِس الشفاه” (أش 5:6). إذاً يستحيل ألا يتلوث الذهن من الكلام البطال. وكلما اقتربنا من اللقاءات الباطلة، كلما اعتدنا عليها وسررنا بها فتطبق علينا. وهكذا فالكلام البطال يؤدي إلى الكلام المؤذي، والكلام الخفيف يؤدي إلى الكلام الثقيل الذي يصمّ آذان الله عن صلاتنا ويتأخر عن تلبية طلباتنا لأننا تأخرنا عن حفظ وصاياه أو لم نحفظها مطلقاً. “من يصرف أذنه عن سماع الريعة، فصلاتُه أيضاً رجسة” (أم 9:28).

ثمّة مَن يقول لمحبي الله: اهرب من المدينة وفِرّْ إلى الجبال، فتنجو كالعصفور. أما اليوم، فأقول لمَن يسعى إلى خلاص نفسه: اهرب من وسائل التواصل الجديدة (الانترنت). لا تودّ أن تسمع، ولا تودّ تقصّي ماذا قيل. فالشياطين لن تترك أيّ كلمة صغيرة تسمعها، بل إنها بواسطة هذه الكلمة تُميت نفسَك. لا تودّ أن تسمع عن إساءات غريبة، لأن معرفة السيئات ستنطبع في نفسك. إن اقتضى على محبّ االله أن يغوص في صفحات التواصل، فليسرع في إنهاء عمله وليقف بد ذلك أمام الله بتوبة صادقة لئلا يخسر حرارة الصلاة والدالة في الطلبات. وفي جمعه للمعرفة، لا يغص من موقع إلى آخر، كالمتفرّج أمام واجهات المحلات، لئلا يسقط في نكبة البطالة، ويبتعد عن مجد الله مسلوبَ الحرية ومتعبَد دوماً للقاءات السرّية مجتنياً فضة وطيناً ووحلاً عوض عن الذهب. أمّا القابعون على الشاشات لوقت طويل، فإنهم يعانون من انكساف النور الإلهي في قلوبهم. فالبعض منهم تضربهم غربان على وجوههم، والبعض تعانقهم نسوة عاريات يتحدثن معهم على آذانهم، والبعض الآخر يصفعهم صبيان عراة ويوسّخون وجوههم ببراز بشري. ومنهم مَن يحملون سكيناً يقطعون لحماً بشرياً ويعطونها للرهبان ليأكلوا. وهكذا، كلّ بحسب هواه ترافقه شياطين مختصّة تعمل في ذهنه. هذا كله تجلبه اللقاءات الطويلة والقصيرة التي أصبحت اليوم ضرورة. مَن كان حكيماً استطاع أن يعبر ويخلص.

أما عن المقالات اللاهوتية وقراءة الكتب المقدسة وصور الليتورجيا والاحتفالات الكنسية (على الانترنت)، فإذا لم تكن حذِراً فكلها تقذف بك في جب حوت المجد الباطل. بهدف الرعاية والتبشير، تُباح القدسات ويعرَّض جسد المسيح ودمه في القداس الإلهي للمهزلات التي لم تعترض المسيح عندما صُلب وذُبح ومات. والذي كان سرّاً حميماً بين حبيبين يؤمنان ببعضهما البعض، يصير على الوسائل الجديدة بدافع الرعاية والإرشاد، مباحاً أمام الجميع فيفقد قسمته تماماً كالعذراء التي تتعرّى وتخرج من بيتها. طبعاً حسنٌ أن ننفع مَن يسألعن طريق الكلمة والصورة، ولكن الأجدى نفعاً أن نساعدهم عن طريق الصلاة والعمل (الفضيلة). “وليكن الكلام دوماً مطيّباً بملح إلهي” (كولوسي 6:4). ولنهرب من الدينونة ومن المجد الباطل كما يهرب الواحد من الأفعى؛ لأن مَن تلسعه الأفعى فإما أن يموت أو يتعافى بصعوبة. فلتكن حربنا أمام جبهة واحدة وليس أمام جبهات عديدة. كَم أراد أن يخلص، بعد أن كان أنكر الشيطان وكل أعماله وكل أباطيله، عليه أن يكون محترزاً على نفسه من كل ما يجعله يتطلع إلى الوراء ليعود وينكر المسيح. عليه أن يموت عن الكلام البطال الذي يدفعه إلى تدمير رحمة الله المسكوبة عليه، وعن المجد الباطل هروبه من الشيطان. لأن المجد الباطل يدفع بتلميذ المسيح لأن يكون عاصياً فيرفض “الوداعة وتواضع القالب”. وإذا كانت المساكن في القديم تتميز بين المدينة والصحراء، فاليوم كلنا نقطن “المدن”. فلنجعل منها صحراء لنعيش مع الله كما عاش الأنبياء في الطريق الضيق الصعب، حتى نحقق رغبة مسيحنا. وبهذا يأتي الروح القدس المعزّي ويسكن فينا ويجعلنا مخلَّصين ومخلِصين لمخلّصنا يسوع المسيح، له المجد إلى الأبد. آمين.

طريق الخلاص

من باتيريكون آباء أوبتينا

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

القديس أناتولي أوبتينا

من دون الشتاء لا ربيع، ومن دون الربيع لا صيف. هكذا ايضاً هو الأمر في الحياة الروحية: بعض التعزية، ومن ثم قليل من الحزن، وهكذا شيئاً فشيئاً تتكوّن طريق الإنسان إلى الخلاص

القديس نيكن أوبتينا

لو كان باستطاعة الإنسان تعليم طرق الرب، أي تعليم كيف نحيا لنخلص، لكان اللاهوتيون المتعلّمون أول المخلَّصين. لكن في الحقيقة، لا تجري الأمور على هذا المنوال، اي أن كثيرين من العالِمين لا يسيرون على درب الرب… لكن ما المطلوب من المرء ليتعلّم طرق الرب؟ من الضروري أن يكون الإنسان حليماً، متواضعاً، ومن ثم يعلّمه الرب كيف يسلك دربه. إن معرفة هذا الأمر ضرورية جداً في الزمان الحالي حيث ندرة المرشدين ساطعة. واضع نفسَك بمعونة الله، كُن حليماً، لا تضمر أي شر نحو إخوتك وهيئ نفسك لتقبّل التعليم الإلهي من خلال الحياة الوديعة الصالحة والرب نفسه سوف يعلّمك طرقه.

إذا كان كل ما تقوم به هو انتظار الظروف الملائمة لخلاصك، فلن تباشر بالسلوك في الحياة التي ترضي الله.

عندما يتعلّم إنسان اللعب بالكمان، فالأصوات التي يصدرها في البداية تكون غير ممتعة، خاطئة وحادّة… لكن تدريجياً يكتسب اتقانها، ويبدأ بتعلّم العزف، وتصير الأصوات أكثر انضباطاً، وفي النهاية تخرج الأصوات الناعمة الجميلة في موسيقى بهية. الواحد ينجح في هذا سريعاً، الآخر يأخذ وقتاً اطول، بينما الأخير بالرغم من كل الجهود لا يتحسن اداؤه، فكل صوت يخرج مخالفاً لما يرغب به. الحاجة هي للصبر. والأمر هو على هذا المنوال في الحياة الروحية. يريد الإنسان امراً ما، لكنه يقوم بالحقيقة بشيء مختلف كلياً عمّا يريده. عقله يريد شيئاً بينما حواسه تطلب شيئاً آخراً. والإنسان يرى ويحس بألم بأن هذا كله خطأ، فيفهم أن ما يقوم به ليس جيداً وأن الأمور ليست على ما ينبغي أن تكونه، فيفقد حماسته إذ يرى أنه لا ينجح في جهاده ضد أهوائه وأن حياته الروحية لا تتحسن. لكن لا؛ لا ينبغي بالمرء أن يصير قانطاً. علينا الاحتمال… علينا أن نلزِم ذواتنا بصبر على أن نتمم كل برٍّ من أجل الرب، وبجديّة نرصد أحاسيسنا وأفكارنا وأعمالنا، ونطلب معونة الرب إلهنا ونبلغ حالة من التواضع وندرك بأننا لا ننجح بشيء بأعمالنا من دون المعونة الإلهية. وعندما يتهيأ في النهاية إناء النفس والجسد، عندما تنضبط أوتار إنشاده بكل طرق التواضع والصبر والتقوى… يأتي الوقت وتُسمَع أغنية رائعة، ويتدفق صوت الحياة الروحية العذب، وكثيرون يرون ويجزعون وينتظرون الرب، لأن هذا الغناء الذي لا يُوصَف يأتي كنتيجة لاتحادنا بالربّ.

القديس أمبروسيوس أوبتينا

إن بداية خلاصنا تكمن في تخلينا عن أهوائنا ومفاهيمنا، وتحقيقنا لما يريد الله.

إن أحكام الإنسان أمر وأحكام الله أمر آخر. يقول الرب بنبيه: لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، هكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ (أشعياء 9:55). بحسب الفكر البشري، تبدو طريق الخلاص سهلة هادئة وسلامية، بينما بحسِّ الكتاب المقدّس، فإنها محزنة كربة وضيقة (متى 14:7). “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا” (متى 34:10)، لكي أفصل بين محبي الله والباذخين، والمتواضعين عن محبي العالم. وكحقيقة، فإن خلاصنا بحسب القديس بطرس الدمشقي يكمن بين الخوف والرجاء، حتى لا نكون متكلين على ذواتنا ولا نيأس، بل بإيمان صالح ورجاء برحمة الله ومعونته قد نسلك في حياة باحترام لوصايا الله. أنتم تسعون إلى حالة للنفس على الأرض سلامية بالكامل، يحثّكم على ذلك مَن يجربنا عن جهة اليسار أي عن الجهة المقابِلة. وبالإضافة إلى ذلك، أنتم تعتقدون بذلك بسبب قلة خبرتكم الروحية، لأن هذه الحالة هي شيء ينتمي إلى الزمان الآتي، بينما في العالم فسيكون لكم ضيق (يوحنا 33:16) كما قال الرب لتلاميذه وللجميع من بعدهم.

لديك نقطة ضعف معينة: أنت تخرج عن طريق الرب البسيطة إلى العديد من المسارات المختلفة، في حين أن الكتاب المقدس والتجربة نفسها يثبتان أنّ من الضروري تبسيط طريقة الحياة الإنجيلية، والجمع بين الوصايا الأصغر والفضائل في الأكبر. يقول كاتب المزامير الإلهي: كل طرق الرب رحمة وحق (مزمور 10:24)… من هنا وصاعداً فلنضع أساساً ثابتاً ولا نحيدنّ عن طريق المسيح إلى تفاصيل متنوعة، بل فلنجمعنّ معاً كل الأمور المهمة في واحد: أن نحب الرب بكل نفسنا ونكون في سلام ووقار مع الجميع، غير مفتكرين بسوء أو بشك في أيٍّ كان.

كيف نقرأ الكتاب المقدّس؟

الشيخ إميليانوس سيمونوبترا

نقلتها إلى العربية الخورية جولي عطية عيسى

حين يقرّر أحدهم أن يدرس الكتاب المقدّس بطريقةٍ غير فعّالة وعقليّة، يخلق الكراهية والخلافات. لماذا؟ لأنّ المقاربة العقليّة للكتاب المقدّس لا تساعدنا على أن نلتفت إلى خطايانا ونفكّر فيها، بل تجعلنا نركّز على مشاكل ومفاهيم مرتبطةٍ بدراسة الكتاب، فتتحرّك قدراتنا المنطقيّة والعقليّة من دون أيّ هدفٍ حقيقيّ. “المعرفة” بحدّ ذاتها لا تضيف شيئًا، بل على العكس، تشجّع الفرد على التثقّف وتنمية رؤيته الخاصّة للأمور؛ تنمّي اكتفاءه الذاتيّ بآرائه الشخصيّة، فيسعى إلى تبريرها وفرضها على الآخرين. هذا النوع من المقاربة للكتاب يضعك فجأةً في صراعٍ مع الآخرين؛ فهو يجعل مشيئتك وآراءك تتعارض مع مشيئتهم وآرائهم، ما يدفعك إلى الاختلاف معهم ومجادلتهم ومعاداة إخوتكَ. عندما تملؤني آرائي الخاصّة حول الأشياء، أصبحُ غير قادرٍ على اقتبال أيّ شيءٍ من الله.

إنّ الطريقة الصحيحة هي أن نقرأ الكتاب المقدّس ببساطة، وأن نسمح لله بأن يقول لنا ما يريد أن يقول لنا. أن تقرأ الكتاب المقدّس بهدف جمع المعلومات شيءٌ، وأن تقرأه لأنّك تريد أن تقتني محتواه الحقيقيّ، أي الروح القدس، شيءٌ آخر. هذا النوع من المعرفة هو حياة الله (يو 17: 3)، هو دخول الله إلى حياتنا وبسط يديه عليها؛ هو نزول الله وسكناه بيننا. يمكننا أن نميّز إذا ما كانت دراستنا للكتاب المقدّس أصيلةً أم لا، استنادًا إلى كميّة الدموع التي نذرفها خلال دراستنا. بالطبع، بإمكاني أن أقرأ الكتاب المقدّس من دون ذرفٍ للدموع ومن دون إحساسٍ قويّ بخطايايَ، ولكن مع رجاءٍ بأنّ نعمة الله ستخترق قلبي القاسي عبر قراءتي للكتاب المقدّس. إذًا، اقرأ الكتاب لكن لا تنسَ خطاياك، ولا تحوّل الكتاب إلى موضوعٍ للبحث العقليّ، لأنّه سيتوقّف حينها عن أن يكون كلام الله، وستبدأ باعتباره أمرًا بشريًّا. يجب أن يكون معيار دراستك كالتالي: ينبغي أن تجلب قراءتك للكتاب المقدّس السلام إلى قلبك، والشركة مع الله، ومحبّة الأقرباء، والوعي لخطيئتك، أي أن تدرك كم أنّك غير مستحقّ وغير مستعدّ للوقوف أمام الله.

* من كتاب “حول الأنبا أشعيا”

الشيخ أفرام الفيلوثايوي

إعداد أسرة التراث الأرثوذكسي

من رسائل الشيخ أفرام الفيلوثايوي

<أتوسّل إليكم يا ابنائي، بمحبة الله، ألاّ تنقطعوا عن صلاة مسيحنا، ولا للحظة. يجب أن تتمتم شفاهكم اسم يسوع بشكل مستمر، وهو الاسم الذي يدمّر الشيطان وكل ألاعيبه. نادوا المسيح بلا انقطاع وه سوف يهبّ بإخلاص إلى مساعدتنا. كما أنه يستحيل أن نمسك بمكواة أو حتى الاقتراب منها وهي حمراء حامية، الأمر نفسه يحدث مع نفْس مَن يقول صلاة يسوع بحرارة. الشياطين لا تقترب منه، وكيف لها أن تجروء؟ لأنهم إن اقتربوا منها، سوف يحترقون بالنار الإلهية التي في الإسم الإلهي. كلّ مَن يصلي يستنير وكلّ مَن لا يصلّي يظلِم. الصلاة هي مزوّد النور الإلهي. لهذا كل مَن يصلّي حسناً يصير مُشِعاً، وروح الله يسكن فيه.

إذا اقترب منا القنوط أو اللامبالاة أو الفتور وما شابه.، فلنصلِّ بخوف وألم ويقظة نوسية عظيمة وسوف نختبر مباشرة معجزة التعزية والفرح بنعمة الله. لا يستطيع المرء الذي يصلّي أن يحمل أي ضغينة نحو أي كان او أن يرفض الغفران له عن أي خطأ كان. الكل سوف يصير رماداً عند اقترابه من نار صلاة يسوع. إذاً يا أولادي، جاهدوا في صلاة مسيحنا الخلاصية والفدائية حتى تتألّقوا وتتقدسوا؟. أيضاً صلوا من أجلي أنا الخاطئ البطال حتى يكون الرب رحوماً على فيض خطاياي، كما على هفواتي التي لا تُحصى؟>

مَن هو الشيخ

وُلِد في فولوس من أعمال اليونان سنة 1927 باسم يوحنا موراييتيس. وصل إلى جبل أثوس في 1947 حيث التقى الشيخ أرسانيوس الذي أعلن أن السابق المجيد قد ظهر للشيخ يوسف (القديس يوسف الهدوئي) في الليلة السابقة وقال له “أنا أجلب إليك حَمَلاً. ضمّه إلى حظيرتك”.

بقي في طاعة الشيخ يوسف الهدوئي إلى حين رقاده سنة 1959 ومنه تعلّم فنّ الخلاص. من ثم صار الشيخ أفرام متقدماً على مجموعة من ثمانية رهبان نَمَت حتى صاروا أربعين في أقل من عقد من الزمن. في 1973، طلب من مجلس الجبل أن ينتقل مع أخويته إلى دير فيلوثايو لتعود الحياة إلى الجماعة المجاهدة هناك. من ثمّ كرر الأمر لملء أديار كسيروبوتامو وكونستامونيتو وكاراكاللو. كما طُلب منه ملء اللافرا الكبير لكنه اعتذر، وبقي الأب الروحي للأديار الأربعة. استعفى من رئاسة دير الفيلوثايو في 1990 وانتقل إلى أميركا حيث أسس بسرعة كبيرة شبكة من الأديار استجابة لطلب المؤمنين ودعوات الرؤساء المحليين. بلغ عدد الأديار التي أسسها في الولايات المتحدة وكندا 17.

عُرف الشيخ أفرام في كل العالم كحامل للتقليد الآبائي الهدوئي وناقل له. النكهة الأثوسية الصارمة التي زرعتها أدياره في أميركا أثارت الكثير من الجدل. يفهم المتابع لوقائع هذا الجدل، أن سببه لم يكن صرامة المثال الأثوسي بل دهرية المجتمع الأميركي، وعلى رأس محاربيه بعض الإكليروس والجمعيات المعادين للرهبنة (وهم موجودون في كل الكنائس وفي كل الأزمنة). بلغ الأمر أن سمّي أبناؤه الروحيين بالأفراميين، واتّهم بمعاداة السامية، وبأنه ضد الزواج ومعادٍ للرعايا ووصفه البعض بأنه غورو. أما محاربوه من اللاهوتيين فاستندوا إلى أنه يعلّم عن المحطات الجمركية ليعتبروه رواقياً. كل هذا قابله الشيخ افرام بالصمت ما ضاعف أعداد أبنائه الروحيين وأعداد المؤمنين الذين يقصدون أدياره للاسترشاد، وبخاصة دير القديس أنطونيوس في أريزونا حيث كان يعيش هو، وحيث رقد بالرب في الثامن من كانون الأول 2019.

ترك الشيخ أفرام أثراً كبيراً في كل الكنيسة في العالم. في جبل أثوس هو أحيا أربعة أديار أي خمس أديار الجبل. في أميركا، كثيرون من كل الكنائس والجنسيات يطلبون الاسترشاد والاعتراف في الأديار التي أسسها والتي تذكر اسمه في كل يوم. له كتابات وتسجيلات كثيرة ومنها ما نُقل إلى العربية. فليكن ذكره مؤبداً وليشفع فينا.