مختارات من محادثة مع الشيخ يوسف الفاتوبيذي

مختارات من محادثة مع الشيخ يوسف الفاتوبيذي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

سؤال: لمَ لا نستطيع أن نتبع طريق التضحية بأنفسنا في حين أن المسيح قام بذلك بنفسه؟

لقد قام بذلك بنفسه لأنه الله فعلياً، كلمة الله المتجسد. الشخص الذي رأيناه كان يسوع الإنسان. لكن يسوع الإنسان كان بنفسه الكلمة والله. كونه إلهاً وإنساناً معاً، كانت النعمة الإلهية تسكن فيه. ذاك الذي هو ربّ الحياة هو واحد معنا ورأس جسدنا. لأننا مكتسون به. “كل من اعتمد في المسيح قد لبس في المسيح”. لقد “لبسناه” بالمعمودية ونحمله فينا من خلال المشاركة في الأسرار كل يوم. إنه يشترك في نفس الجسد والدم مثلنا. إنه ليس في مكان بعيد حتى نطلب منه أن يصنع بداية ويأتي إلينا. إنه بالفعل في داخلنا. نستحضر دعم نعمته: “أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي” كما يقول بولس. لكنني قلت إن ذلك سيكون الأساس. أن هذا سيكون الأساس وأن الشيطان سيحاول تهديدكم في الأوقات الصعبة. لا تثبط عزيمتكم، لأن كل تهديداته هباء. “لأَنَّ الَّذِي فِيكُمْ أَعْظَمُ مِنَ الَّذِي فِي الْعَالَمِ”

السؤال: قدّم الابن نفسه فداءً عن خطايا الناس. لِمَن؟ الآب لا يريد ذلك، لأنه يحب الابن. لِمَن قدّم نفسه؟

الشيخ: لا، يا بني. من أين أتيتَ بهذا؟ لم يقدّم نفسه كفِدية، ولا يوجد فرق بين الآب والابن. هذا معناه اختلاف الإرادة بين أشخاص الثالوث الأقدس. ما يريده الآب، يريده الابن كذلك. على الرغم من أنهم أشخاص مكتفون ذاتيًا، فلا فرق في الإرادة أو الرأي. الطبيعة واحدة، لكن الأشخاص ثلاثة، مكتفون ذاتياً. لكن جميعهم لهم نفس الرأي. تمّ خلاص البشرية “بإرادة الآب الصالحة، وإفراغ ذات الكلمة وتآزر الروح القدس”. كلمة الله لم يكن في خدمة أحد. ولكن بسبب محبته العظيمة، صار معيداً للخلق إذ كان سبق له وكان الخالق بالفعل. وهناك سبب آخر أيضًا. أن يتّخذ كلمة الله طبيعة أخرى حتى لا تتأثّر صفة الأقانيم الثلاثة – الآب يجب أن يبقى الآب إلى الأبد، والابنُ الابنَ إلى الأبد، والروح القدس المعزّي إلى الأبد- لهذا كان ضروريًا لذلك الأقنوم، الذي كان ابن الله، أن يتجسّد ويصبح ابن الإنسان. هذا لا يعني أنه تصرّف بخضوع أو دفع فدية. هذا ما يقوله البروتستانت والكاثوليك. لقد تأثر بالمحبة وفقط بالمحبة. تمامًا كما أنه خلق كل الأشياء بالمحبة لكي ينقل محبّته لأشيائه المخلوقة، وليس من حاجته لذلك، كما اعتقد الإغريق القدماء. إن كلمة الله هو الواسطة التي بها تمّ الخلق. وهكذا، الكلمة هذا “عندما حلّ ملء الزمان” وكما حَكَمَ ملك الدهور، أتى “مفرِغاً ذاته، من دون تلقي أي أوامر، لا ليكون ضحية، بل مُحرّكاً فقط بالمحبة. الآب والروح القدس شاركا في نفس المحبة. الآب سرّ بأن يتجسّد الابن”. كلمة الله كان دائماً في حضن الآب. إذا وصفنا الآب بأنه نوس، فقد كان الكلمة دائمًا عنده. لم يكن هناك نوس بدون كلمة. كان الكلمة موجوداً في نفس الوقت منذ الأزل. لقد كان موجوداً في هدوء جلال الله غير المحدود. عندما أراد الله أن يصنع أشياء مخلوقة، كان الكلمة ذراعه للخلق. “هو تكلّم وهم وُلدوا”. في الوقت نفسه، ظهر الكلمة مع الأشياء المخلوقة، على الرغم من أنه كان غير مرئي حتى ذلك الحين. يقول يوحنا: “كلٌّ به كان ومن دونه لم يكن شيء مما كُوِّن”. عندما حان وقت إعادة التوازن للخليقة التي ثارت، ظهر الكلمة نفسه وأفرغ ذاته. ما معنى “أفرَغَ”؟ لقد تنازل، حتى يتمكن من الاقتراب من الخليقة، كما يقول الأبّا إسحق في عظة جميلة. تواضع وتنازل حتى لا تختفي الخليقة عند ظهوره فيستطيع التحدث معها. هذا هو المعنى الأعمق: حتى يتمكن من اتّخاذ الخليقة بنفسه وينقل إليها قداسة الأقنوم. من خلال الطبيعة البشرية، ألبَس نفسه العالم المخلوق وجلب إليه كل طاقات نعمته الإلهية، حتى يتمكن من تقديس الخليقة بأقنومه. هذا لم يكن من الحاجة ولا هو كان ضحية

والآن نأتي إلى وجهة نظر أخرى. يقول الإنجيل أنه عندما عاد السبعون تلميذاً من كرازتهم، أخبروا الرب بفرح: “يا رب ، حتى الشياطين تخضع لنا باسمك” فقال المسيح: ” رَأَيْتُ الشَّيْطَانَ سَاقِطًا مِثْلَ الْبَرْقِ مِنَ السَّمَاءِ”. بطبيعة الحال سنقوم بتحوير ذلك. لم يكن ينبغي أن يقال هذا الكلام هكذا. لكن يسوعنا “الوَدِيع وَمُتَوَاضِع الْقَلْبِ” كان يتجنب التباهي دائمًا. كان بإمكانه القول: “الذي رأيتموه الآن يخضع لكم باسمي هو الذي طرحتُه من السماء وكنت حاضراً عندما سقط مثل البرق”. لكن الرب تجنب كلمة “أنا”

نحن الآن ندخل في معنى لاهوتي أعمق ونفسّر كيف حدث السقوط. بحسب الرب ، تمّ السقوط مثل البرق، في ومضة. في لمح البصر، خضع مليارات الملائكة الذين سقطوا لتغييرين. أولاً، أخذ الله منهم الاستنارة والكرامة والكمال الذي كان لهم. وفي الوقت نفسه، قام بتغيير شكلهم. بحسب الآباء، كانت مراتب الشيطان (لوسيفر) الأجمل. بومضةٍ، ألقى بهم وأخذ قداستهم ونورهم وغيّر شكلهم

الآن نأتي إلى الشكل الثاني من الإعلان. كما يخبرنا الرب نحن ننتظر “قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي”. كيف تصف كنيستنا مسألة تجديد المجيء الثاني؟ ألا تقول أن مجيء كلمة الله سيكون “كَمَا أَنَّ الْبَرْقَ يَخْرُجُ مِنَ الْمَشَارِقِ وَيَظْهَرُ إِلَى الْمَغَارِبِ”؟ وأنه في تلك الأزمنة، سيقوم الجميع ويحضرون أمامه

من غير المناسب أن يقبل الناس الجدّيون نظريات أي كان. نحن لا نريد مؤشرات بل نريد أدلّة. نحن نؤمن بإله محدد، وليس إلهًا مجرّدًا، معه نحن نتّحد أقنوميًا من خلال تنازله الطوعي. وهذا هو التقديس. ولكن لا تنسوا أن هناك شيطانًا أيضًا وأنه يقاتل. تذكروا الجارية في أيام الرسل التي “كان بهَا رُوحُ عِرَافَةٍ” (أعمال 16:16) ، وكانت تمارس التنجيم وتتنبأ بالأشياء. كيف يتنبأ الشيطان؟ الشيطان موجود كظاهرة خارقة ولديه قدرات خارقة، بسبب حساسية طبيعته وحركاته. إنه يتحرّك مثل النوس. فكروا بحركة نوسِنا، كيف تبدو. أنت الآن هنا؛ ثم تفكّر بنيويورك أو لندن أو المكان الذي أتيتَ منه. بِكَمّ جزء من الثانية حدث كل ذلك؟ هكذا تتحرك الملائكة والشياطين. الناس والملائكة يرَون كما يرى الله باشتراكهم في نعمة الروح القدس. الشياطين، كأرواح، يخمّنون. لقد اكتسبوا الكثير من الخبرات من سنوات حياتهم الطويلة. يرون شخصًا ما، على سبيل المثال، ينطلق من لندن ليأتي إلى هنا. إذا كان أحد معارفي فربّما أراه يأتي في حلم. قد يظهرون لي ذلك لأنهم يرونه يحزم حقيبته ويحمل جواز سفره. يتحركون على الفور. ثم هناك رموز أخرى في الخليقة تساعدهم. إنهم هؤلاء. كما أن هنا في المجتمع الشرطة والجيش والسلطات المختلفة ونظام فنرى ونفهم، على سبيل المثال، من زيهم المميز مَن ينتمي إلى البحرية أو القوات الجوية وما إلى ذلك، كذلك يمكن للشياطين معرفة من هم الموسومون للخلاص. يقول بولس الرسول أن الله “اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ” حتى أن المختارين للخلاص يحملون علامات نعمة الله، وأن الشياطين كارواح يرونهم ويفهمون. في سيرة القديس ثيوذوروس التيروني نرى أن القديس أثناء استشهاده، كان يجلد الشياطين التي كانت تصرخ: “ألم نعلم أنه سوف يحرقنا؟ ألم نرَ أنه سوف يكون هكذا منذ مولده؟” منذ ولادته، كانت العلامات عليه وكانوا يعلمون أنه سوف يكون رجل الله. من وجهة النظر هذه، لا نبوءة. إنهم لا يملكون موهبة التنبّوء لأنهم فقدوا النعمة وأظلموا وأدكنوا. ولكنهم يفهمون بسبب سهولة حركتهم وتجربتهم وقربهم من الملائكة الذين يختلطون بهم. المخلوقات كلها تحفظها الملائكة. بأمر الله، تحفظ الملائكة الخليقة في وئام. الشياطين تراقب الملائكة وتستنتج. سيكون هنا أمر من الله أو زلزال. أمر الله الملائكة الحارسين أن يرحلوا. فترى الشياطين أن شيئًا ما يحدث لأنهم يعرفون ما حدث من قبل فيصفون الأشياء من خلال المنجّمين والسحرة والوسطاء. في معظم الأوقات يخلطون الأمور ببعضها وأحيانًا أخرى يثبت أنهم مخطئون. لأن الرب يغيّر القرار. يقرر الله أن يدمر مكانًا معينًا لكن إما الناس الذين هناك أو الذين ماتوا ولديهم الجرأة في الصلاة يبدأون بالصلاة فيغيّر الله خطته. الشياطين تكون قد رأت وقالت للسحرة أن هذا سوف يحدث لكنه لا يحدث لأن الناس غيروا فكر الله وقراره. ألم يقل عن نينوى؟ لهذا السبب لم يرغب يونان بالذهاب إلى هناك للتبشير. كان يعلم أنهم سيتوبون وأن الله سيغير رأيه وأنه سيبدو كاذبًا. لهذا السبب غادر واضطر الله أن يلزمه بالذهاب إلى هناك

سؤال: الشعور بقدوم أحدهم، ألا يمكن تفسيره بالتخاطر؟

الشيخ: ما من شيء اسمه تخاطر. هذا ما كنا نقوله. إما أن تكون هناك نعمة الله أو خداع الشياطين. عندما يبدأ الناس في العيش كمسيحيين، بعد خروجهم من هوامش حياتهم الخاطئة غير الطبيعية، يبدؤون في العيش بشكل طبيعي. من الطبيعي، ينتقلون إلى ما فوق الطبيعة، نحو التقديس. ثم يدخل حدسهم اللعبة، وهي موهبة كانت لديهم قبل السقوط. بعد الحدس، يتبع ذلك الاستبصار الذي يتبعه البصيرة. ثم تأتي النبوءة، تزداد بالنعمة. الأشخاص الذين يخافون الله قد يرون ما قد يرون بالحدس أو الاستبصار أو البصيرة أو النبوءة. وفقط بهذه الطريقة. ماذا يعني التخاطر؟ الناس الساقطون ساقطون وهم خطأة محرومون من كل شيء. لم يبق لهم شيء. ما تقوله عن نقل الأفكار يمكن أن يحدث فقط بعمل الشيطان

سؤال: نحن نراه في الكتب العلمية

الشيخ: السحر هو كلمة علمية. كانت القديسة كاترينا بارعة في السحر، وكذلك عدد من الآباء الآخرين، قبل دخولهم إلى نعمة الله

سؤال: أود أن أسأل شيئًا عملياً، و غالبًا ما يسأله الأطفال. يقول القديس بولس إن الرجال والنساء متساوون أمام الله. فلماذا يمنع الكهنوت عن النساء؟ والدة الإله كانت امرأة

الشيخ: والدة الإله كانت استثناءً، وهي فريدة من نوعها. تمّ اختيارها لتيسير إفراغ كلمة الله لذاته. هذا لا يمكن أن يتكرر. سبب السقوط حرّكته امرأة ما أظهَر أنها كانت أضعف الاثنين. بصفتها الأضعف، لم تتمتع بالثقة لتكون وكيلاً أصيلاً. والدليل على ذلك أنها كانت سبب السقوط. الآن، إذاً اختيار عذراء لتسهيل تدبير الله كان استثناء، واحداً ولمرة واحدة ولا يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك. كان عليه أن يصبح إنسانًا ويولد بأحكام طبيعية. لهذا كان ضرورياً العثور على عذراء لتقوم بذلك. وبالطبع، النساء داخلات في حياة البركة لكن في الواقع، لم يخلق الله امرأة بل خلق الرجل. لقد توقّع السقوط فخلق المرأة لتكون زوجة أي شريكة في ظروف ما بعد السقوط. في المستقبل، سوف تُمحى الطبيعة الأنثوية من جديد إذ ستكون هناك عودة إلى الخليقة الأولى: “لأن الله خلق الإنسان”… من المؤكد أن الكنيسة تمنح الاحترام للمرأة وترفعها فوق كل نظرية أو أيديولوجية بشرية أخرى. وحدها الكنيسة اعتبرت المرأة متساوية مع الرجل. ولكن لا، لم يُسمح لهنّ بأن يصبحن كهنة، مع أنهن مؤهّلات لأن يصبحن قديسات

لكن يبدو أن المرأة لم تفهم الأمور بشكل واضح في بداية الخلق، ولهذا السبب لن يتحقق هذا الفهم في المستقبل. اعتقد اليهود أن الزواج هو الهدف المطلق للناس وسألوا ربنا عما سيحدث في المستقبل. قال لهم: “أنت مخطئون ولا تعرفون الكتب المقدسة. لا يوجد شيء مثل هذا في الملكوت”. على الرغم من وجود الجنس منذ بداية الخلق، إلا أنه ليس دائمًا عاملًا نشطًا. عندما تولد طفلة فهي بالإمكانية امرأة، لكنها ليست كذلك. يجب أن تكون في الخامسة عشرة من عمرها قبل أن تكون منتجة. ومتى تجاوزت الخمسين، مرة أخرى لا يمكنها أن تكون امرأة لأنها تخدم غاية الأمومة لفترة فقط. هذه هي ظروف عابرة بسبب السقوط. لهذا السبب، في المستقبل لن يكون هناك “ذكر وأنثى”. في الواقع، لا تعود موجودة بعد القداسة. قبل حياة البركة تكون موجودة. يقول الكثير من الآباء أنه لن تكون هناك سوى سيدتنا والدة الإله على شكل حواء الأولى، حواء المحِبّة، لأنها تمجدت بكلمة الله إذ حلّ فيها. لكن كيف يحدث هذا، لا نعرف

الجهاد الشرعي

الجهاد الشرعي

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

أي حركة تقوم بها، بدءًا من مفهومها ولاحقاً حتّى التنفيذ، عليك أن تمتحن طوال الوقت ما سيكون لله منها. لأن هذا كل ما يستمر؛ بينما يُرمى كل الباقي. لهذا السبب نطلب منكم دائمًا توخي الحذر، لأن داخل شر الشيطان الشامل، هناك أيضًا هذا اللغز المروع. الشيطان لا يقاتل فقط لإلقاء خصمه وإخراجه من الحلبة والملعب. بطبيعة الحال، إنه يفرح بما يفوق التصديق عندما يستمع إليه الناس ويغادرون الحلبة – المسابقة

أمّا أولئك الذين لا يقتنعون وينخرطون في العمل فهو لا يقف في طريقهم. ليس ذلك فحسب، بل يمنحهم الدعم، مع فارق أنه يبلبلهم. إنهم يقومون بعملهم الفكري أو التطبيقي، ولكن ليس في إطار الفكر الصحيح. يخبرنا يسوع: “طوبى للحزانى، لأنهم سيعزون”. إذا نظرنا إلى الكلمة حرفياً، سنرى أن الغالبية العظمى من الناس الأحياء اليوم يحزنون. ولكن من بين الذين يحزنون مَن هو الذي سوف يبارَك؟

فقط هؤلاء القلائل الذين يحزنون من أجل الله. وبعبارة أخرى، فقط الذين يشعرون بخطيئتهم والذين أصيبت قلوبهم بالحزن الإلهي لإحزانهم الله، مركز محبتهم، وهم يبكون لهذا السبب. إنهم سيحققون حياة المباركين. هذا هو السبب في حاجتنا لتوخي الحذر. الأمر ليس فقط أن نعمل، ولكن أن نتصرّف وفقًا لمشيئة الله. أنتم ترون التفاصيل التي قدمها ذلك الكوكب العظيم الذي قرأناه هذا الصباح إذ قدّم هذا المثال الرائع. يقرر راهب معين أن يتكرّس لرعاية شخص مريض. نقطة انطلاق قراره وتنفيذه كانت أنه إذا قام بما يخطط فسيكافؤه الله. وقد رأيتم ما قاله هذا الأب العظيم بتمييزه الثاقب: لم يكن الراهب يتصرف بشكل صحيح. لقد أخطأ الهدف. بالطبع لا يمكننا القول أنه أخطأ بعمله، لكنه لن يحصل على الكثير كمكافأة مقارنة بالوقت والجهد اللذين بذلهما في مهمته. كان من الأفضل لو تصرف بإسم الحنان، بإسم وصية المسيح، بإسم محبة ربنا: “بكلام شفتيه، حفظ من طرق عنيفة” (أنظر مزمور 4:16). هذا هو الهدف الحقيقي. لأي سبب نحن نتّخذ الطاعة في الدير؟ ليس لأننا خائفون من الشيخ الذي يعطي التوجيهات. ليس لأننا خائفون أن يسيء الآخرون الحكم علينا ويعتقدون أننا صعاب المراس ولا ننفع. ولا هو لكي نصير أهلاً للاتكال علينا في الوظائف الروتينية على افتراض الطاعة وعدم الرغبة بإثارة أي متاعب. ليس هذا الهدف. النقطة هي وجوب أن نقوم بما علينا بشكل واعٍ وإذا كان هناك ضرورة لأن نرى كيف تُعمَل فلأننا لا نعلم. علينا أن نقبل النُصح بتواضع لكي نبلغ الهدف الصحيح. بمجرد أن نفهم وأن نأخذها في الاعتبار، فمن تلقاء أنفسنا، حتى لو تعرّضنا للتعويق، فمن الواضح أننا لن نردّ بوقاحة بل سنحاول إيجاد طريقة لتهيئة الأشياء لمحبة الله. سنفعل ذلك كالتزام، لأنه مفروض بوصية الله. لكنك لا تطلب أبداً مكافأة. أنت لا تخاف أحداً. أنت لا تتصرف لأن شخصًا ما يهددك أو يغريك. أنت تفعل ذلك لأنك أدركت أنها إرادة الله. ما لم يتصرف الناس أولاً على أساس محبة الله ثم محبة إخوتهم، فهم يسلكون الطريق الخطأ، وهم مشوشون. أي أمر غير مباشر أو مائل يعني أن ما يستخدمه الناس لا يساعدهم في الوصول إلى هدفهم الحقيقي

لهذا السبب نحن بحاجة إلى فحص ضمائرنا طوال الوقت، حتى لا يغرينا أي هوى أو أي رغبة ولا نكون في طريق منحرف نضيع جهودنا. هذه هي الطريقة الوحيدة التي ستكتسب بها ضميرًا نقياً، والطريقة الوحيدة التي ستكتسب فيها الحرية الحقيقية، تلك التي في المسيح. ثم ستفهم أن وصايا ربنا “ليست ثقيلة” وأن نير المسيح وحمله “خفيف”. نحن مطيعون لكل وصية لأننا نحب المسيح. نحن نعمل له فقط. ليس من أجل مغفرة خطايانا – فهو يمنح ذلك عبر الصليب. لا من أجل ملكوته، هذا إهانة. هو خلق ملكوته وزرع الجنّة في الشرق، حتى قبل أن يخلق الجنس البشري. ليس بحاجة إلى أن يظهر. إنه يحتاج إلى برهان واحد: أن يعود الناس إلى حواسهم ويدركوا أنهم يهينون الله إن لم يطيعوا إرادته. هذا تأمل حقيقي، هذه هي السياسة الحقيقية لآبائنا، التي اعتبروا من أجلها مجانين في هذا العالم، واضطهدوا وعاشوا في الخارج في الصحاري “والجبال والكهوف وثقوب الأرض”. عيونهم لم تجف أبداً من رثائهم واهتمامهم بأن لا يوقع بهم العدو، الذي، كما ذكرتُ، لا يهاجمنا من جانب واحد وحسب، ليشوشنا فلا نسلك بشكل صحيح، بل فعلياً يدعمنا طالما أن أفعالنا لا تتوافق مع إرادة الله. لهذا السبب، على الأقل بالنسبة لنا نحن الرهبان، من الضروري أن نقتني هذا الضوء لكي تكون هذه العيون مفتوحة وهذا الملح موجود دائمًا. هذا التفصيل من القانون الروحي الذي ذكرناه مهم حقًا ويجب أخذه بعين الاعتبار بجدية. لكني أعرف من تجربتي الخاصة أن المطيع الحقيقي لا يحتاج إلى مثل هذه الفروق الدقيقة. بكل بساطة، طالما هم دقيقون في طاعتهم، يكونون متحررين من القلق المتمثل في الاضطرار إلى تمييز ما إذا كانوا يسلكون حسناً أم لا، بالنظر إلى أنهم لا يزالون في حالة الرضاعة والطفولة

هذا هو سبب أيجاد حياة الشركة في كنيستنا. أوجدت الحياة الجماعية حتى يتمكن السابقون، أي الرهبان الأكبر سناً، من تحمل مسؤولية الأصغر. هذا هو السبب الذي جعل آباءنا يتقبّلون التعايش كجماعة، بينما عاش الرهبان في الأصل أفراداً كما تعلمون. لكن هؤلاء الرهبان المنفردين عادوا في وقت لاحق وأنشأوا مجتمعات، ونفذوا القول “احملوا بعضكم أحمال بعض”. يكتب القديس أفرام في أعماله: «ولكن الويل لمَن يحمل ولا يفهم». لهذا يتحمّل الرهبان الشيوخ ذوو الخبرة أعباء الضعفاء من باب الواجب. ويسعد الرهبان غير الناضجين والأصغر سناً بإخضاع أنفسهم عن طيب خاطر، وليس خنوعًا، بل بدافع الامتنان لأن الرهبان الأكبر سنًا قبلوا أن يضعوا جانباً اهتمامهم بأنفسهم وعادوا من أجل الأصغر سناً وأصبحوا معنِيين بضعفاتهم. إنهم يريدون تعليمهم الشريعة الروحية كي لا بعدم الخبرة يعملوا دون جدوى ولا يحققوا هدفهم. بهذه الطريقة ، يتم تفعيل قانون الدعم المتبادل

هذا ما أردت أن أذكركم به الليلة ولا يشعرنّ أيٌ منكم بالراحة لأنه بالعمل وجد شيئًا. ليس إلا إذا كان هذا الشيء شرعياً. هناك الكثير من المتسابقين في الحلبة، لكن واحد فقط يأخذ الجائزة. الشخص الذي ناضل شرعياً فيكون له “إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ”. آمين

Source: Αθωνικά Μηνύματα

الصفة المميزة للمسيحي

الصفة المميزة للمسيحي

الأب بيتر هيرز

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

مدخل

سوف نستكشف ونقدّم في هذا الحديث الصفة التي تحدّد معنى أن تكون مسيحياً، وهذا بالضبط هو الخُلُق (Ethos) الأرثوذكسي. تتجلّى هذه الخاصية في روح وعقلية الذين تطهّروا بالمسيح واستناروا، كما من خلال الحياة في المسيح. في وجوههم المستنيرة، نبلغ رؤية الإنسان والعالم جديدين، خاليين من التشويه الشيطاني. وبشهادتهم، نتعرّف، أو يُعاد تعريفنا، على المسيح المتجسد، بحضور الله الأيقوني في العالم، وهو الذي وعد حقًا أنه سيكون معنا إلى انتهاء العالم

منظور جديد للحياة

من الجيد جدًا وجودكم معنا اليوم في هذه الرحلة، هذا الاستكشاف، عن طريقة الوجود في المسيح. اسمي الأب بيتر هيرز. أنا كاهن أرثوذكسي ومؤلف ومترجم ومتحدث وناشر. أتحدث إليكم من منزلي في قرية جبلية يونانية خارج تيسالونيكي، حيث أعيش منذ عشرين عامًا منذ قدمت من أميركا في عام 1998

كما ذكرنا، اهتمامنا وهدفنا هنا هو التركيز على الخاصية المميزة للمسيحي الحقيقي ، وهي الخُلُق الأرثوذكسي. وبالتالي ، وبهذا فإن نظرنا سوف يكون بالطبع دائمًا على المسيح الذي هو الكل ضمن جسده الكنيسة. سوف نلقي نظرة على الواقع بطريقة يجدها الكثيرون منكم جديدة ومليئة بالتحدي، في نور الإله-الإنسان القائم والصاعد، كما عبّر عنه أولئك الذين صاروا آلهة بالنعمة بحسب قول القديس أثناسيوس الكبير. من خلال كوننا تلاميذ مخلِصين لله مستنيرين، سوف نكتسب جميعًا منظورًا جديدًا للحياة والموت والتاريخ والأبدية، وللهدف المعجِز لوجودنا

نهاية الحياة المسيحية (القديس أنطونيوس الكبير)

الكثير منا يكدّون عبثاً، لأننا لا نفهم بشكل واضح غاية وهدف حياتنا المسيحية، ولا الوسائل والطريق التي نصل بها إلى هذه الغاية. دعونا نبدأ بالنظر إلى اكتساب الخُلُق الأرثوذكسي مع أب الصحراء العظيم الأبّا أنطونيوس القديس العظيم. إنه يساعدنا منذ البداية على فهم وجهتنا، وهدفنا، وغايتنا. فهو يقول: “مَن يضرب قطعة من الحديد، يفكّر أولاً في ما ينوي صنعه، سيفًا أو فأسًا أو منجلًا. لذا، علينا أيضًا أن نفكّر في نوع التميز الذي يجب أن نسعى إليه، حتى لا نسعى عبثًا”. ما نوع التميز الذي يجب أن نسعى إليه

الأمر الأساسي هنا هو معنى الخلاص. ماذا يعني أن يخلُص الإنسان؟ ما هي الغاية؟ ماهي النقطة؟ لماذا نحن في الكنيسة يوم الأحد؟ لماذا نسمّى مسيحيين أرثوذكسيين؟ لماذا نسعى إلى المسيح؟ وممَّ وكيف نحقق هذه الغاية؟

بالنسبة للكثيرين، المسيحية ليست سوى أيديولوجيا، يتبنّى فيها الإنسان وجهات نظر معينة وأفكاراً معينة، وهي تحسّن حياتنا هنا وتكسبنا مكانًا في الملكوت بعد رحيلنا. الناس، إذ يرفضون الطبيعة الحقيقية لحالة الإنسان الساقطة، لا يحتاجون للخلاص منها. ومع ذلك، حتى بين المسيحيين المؤمنين حقاً، يُعتقد أن المعتقدات الصحيحة وحدها تكفي، كما لو أنها غاية في حد ذاتها أو أن الاعتراف بها هو اعتراف بالحقيقة التي هي إيماننا. نحن ندرك حقيقة من هو الله وما هو العالم كما لو أن إدراك هذه الحقيقة يساوي التغيير الوجودي أو يساوي الخلاص نفسه. ليس هذا هو الحال

إن الوصايا أعطيَت لوضعها موضع التنفيذ على غرار إعطاء الدواء لنتناوله ونتحسن فيتمّ الشفاء. يجب علينا وضعها موضع التنفيذ. يجب أن نعيش بحسبها. عندما ننتقل إلى إطار أو مجال آخر في الحياة، حيث يكون الخُلُق الأرثوذكسي حاضراً يصبح ملموساً. إن المحبة وشكر الله من قلب متواضع يرضى التسخّر ميلاً إضافياً من أجل أخيه أو إعطاء لا ثوبه بل رداءه أيضًا، يعني أنه قد تحرر من خوف هذا العالم وعبوديته وأشيائه

الانتقال إلى نطاق التمجيد (القديس باييسيوس الأثوسي)

كمثال على هذا، نسمع القديس باييسيوس الأثوسي يحكي كثيراً عن محبة الشرف. هذا ما يقول: ” إن غايتنا هي العيش بطريقة أرثوذكسية، وليس التحدث أو الكتابة عن الطريقة الأرثوذكسية وحسب. أولئك الذين لديهم محبة الشرف (فيلوتيمو)، لأنهم يتنقلون في مدى التمجيد السماوي، يقبلون تجاربهم بسرور، وكذلك بركاتهم ويمجدون الله عليها. وهكذا، فإنهم يتلقون بركات الله باستمرار من كل شيء وينصهرون إلى الأبد من الامتنان لله الذي يعبرون عنه بكل الطرق الروحية الممكنة كأبناء لله”

هذه هي حالة مَن بلغ التمجيد على كل شيء وأي شيء. لا شكّ في ان هذا جانب من اكتساب الخُلُق الأرثوذكسي. ويتابع: “للأسف في أيامنا ، تضاعفت الكلمات والكتب وتضاءلت الخبرات بسبب الروح الدنيوية التي تسعى إلى جميع وسائل الراحة وتتجنّب كل الجهود الجسدية وتؤثر على الناس بشكل كبير.”

يجد معظمنا الراحة في القراءة الكثيرة بمقابل القليل من التنفيذ أو عدمه. نحن ببساطة نتعجب من رياضيي المسيح القديسين دون أن ندرك كم جاهدوا لأننا لم نكدّ إلى درجة اختبار كدحهم وفهمه أو لمحبهتم وللجهاد بسبب مححبتنا للشرف أو لتقليدهم

لدينا العديد من الأمثلة عبر تاريخ الكنيسة كما في أيامنا عن الذين قاموا بذلك فناضلوا وكدحوا وخاطروا من أجل المسيح فمن ثمّ اقتنوا هذه النعم السماوية واكتسبوا الخُلُق الأرثوذكسي

الإيمان وعدم الخوف (القديس جون شانغهاي وسان فرنسيسكو)

القديس جون (ماكسيموفيتش) شنغهاي وسان فرنسيسكو هو أحد أعظم الأمثلة في الخمسين أو الستين سنة الماضية من تاريخ الكنيسة. أريد أن أقرأ من تدوينٍ حديث عبر الإنترنت يروي حدثًا رائعًا في حياة هذا القديس ويعلّمنا موقف الشخص الذي اكتسب الخُلُق الأرثوذكسي

في بعض الأحياء الفقيرة في شنغهاي كان يحدث أن تلتهم الكلاب أطفالاً حديثي الولادة تم رميهم في القمامة. إذ أُعلن هذا الأمر في الصحف، طلب الأسقف جون من السيدة شاخماتوفا أن تذهب وتشتري زجاجتين من الفودكا الصينية فتراجعت مرتعبة. وقد ازداد رعبها عندما طلب منها مرافقته إلى تلك الأحياء الفقيرة حيث كان من المعروف حدوث جرائم قتل كثيرة. الأسقف الشاب، بشجاعته المعهودة، أصرّ على الذهاب إلى هناك والسير عبر الأزقة المظلمة في أسوأ حي. تتذكر السيدة الرعب الذي سيطر على قلبها إذ سارا في ظلام الليل ولم يصادفا سوى المخمورين والأشخاص المشبوهين والكلاب والقطط المزمجرة. كانت تمسك الزجاجات بيديها وتتبعه بخوف. وفجأة سمع صوت دمدمة رجل مخمور يجلس في مدخل مظلم وأنين خافت لطفل من صندوق قمامة قريب

إذ اسرع الأسقف نحو الصراخ، هدر السكّير محذراً. فتوجّه الأسقف إلى السيدة شاخماتوفا وقال: “أعطني زجاجة”. رفع الأسقف الزجاجةَ بيد وأشار إلى القمامة باليد الأخرى المباركة، ومن دون الكلمات أوصل رسالة الصفقة المقترحة. انتهت الزجاجة في يد السكير وأنقذت السيدة شاخماتوفا الطفل. يُذكَر أنه في تلك الليلة عاد إلى دار الأيتام مع طفلين تحت ذراعيه. ولكن هذه الشجاعة لم تُقتنَ من دون صراع داخلي عميق. وهذا الخط الأخير هو المفتاح: بدون صراع داخلي عميق

هذا ما كان يتحدث عنه القديس بايسيوس. هذا الصراع الداخلي العميق تسبقه كل أعمال الفضيلة العظيمة. هذا الصراع الداخلي العميق هو حالة وأسلوب حياة. هذا النضال الداخلي العميق هو ما يتعيّن علينا جميعاً أن ندفع بأنفسنا عبره إذا أردنا أن نحرز تقدماً في اكتساب الخُلُق الأرثوذكسي، أي الطريقة الأرثوذكسية لأن نكون في المسيح

تجلي الإنسان بالكامل (مثال الشيخ أفرام أريزونا)

إن اقتناء الخلق الأرثوذكسي يكون ظاهراً. ليست النتيجة الأعمال الصالحة أو السلوك الأخلاقي أو الأفكار المستنيرة وحسْب. ليس أن يكون الإنسان شخصاً صالحاً بل أكثر من ذلك بكثير. هو ليس اقتناء بعض الفضائل أو الكثير منها بل بالأحرى هو اقتناء الروح القدس نفسه والنعمة والقوى من الله التي تعيد ولادة الإنسان وتجعله قديساً بالكامل وليس أحد أوجهه وحسب

لدينا مثال في أيامنا، شيخ عظيم رقد منذ فترة قصيرة، وهو الشيخ أفرام الفيلوثاوي الأريزوني. إن الذين كانت لهم بركة لقائه في هذه الحياة يشهدون بأن الانطباع الذي تركه ليس من طريقته الرائعة بالكلام ولا أفكاره اللامعة ولا كونه معلماً متميزاً أو إدارياً أو لامعاً في بعض الأمور. إن ما يصنع الانطباع هو كل ما يتعلّق به، فالرجل قد تقدّس بكليّته: طريقة تكلّمه، مشيته، جلسته، ومنظره. كل ما له علاقة به يخلق الانطباع بأنه لم يكتسب بعض الفضائل وحسب بل اقتنى الروح القدس والروح اتخذه مسكناً فصار هذا الرجل من الله. فعليه كل شيء كان عطراً ناعماً، عيناه وطريقة نظره وكلماته، كلها تحكي عن الملكوت

إن هذا مثال في زماننا عن كل ما عبر به كل القديسين من التطهر والاستنارة والتمجيد وما صاروا إليه. إنه خاصية القديس وهو أبعد بكثير مما يقوله الكثيرون اليوم. فكثيرون يتحدثون عن القديسين اليوم وأخشى لكثرة هذا الكلام أن نصل إلى تسمية البعض بقديسين وممَجَدين دون أن ينطبق عليهم هذا الوصف. فتحت تأثير الأخلاقية والنظرة القانونية والتديّن سوف نخطئ بتمييز القداسة عن ما هو من هذا العالم. لننتبه إذاً. الأمر ليس مجرد أن يصير الإنسان لامعاً او أخلاقياً أو شخصاً صالحاً. الأمر هو في تحوّل كامل، تجلٍّ وإعادة ولادة لكل وجه من أوجه الشخص البشري

يكفيني أن أراكم (القديس أنطونيوس الكبير)

قبل أن ننهي هذه الحلقة، أريد أن أقرأ لكم كشهادة أخرى على موضوعنا، من حياة القديس أنطونيوس فنختم بشهادته كما بدأنا معه

يرِد في كتاب أخبار الشيوخ، اي أقوال الآباء، أن ثلاثة من الآباء كانت لهم العادة أن يزوروا القديس أنطونيوس سنوياً. وكان اثنان منهم يسألان أسئلة عن الأفكار المشوِّشة وخلاص النفوس فيما الثالث صامت دوماً لم يسال يوماً سؤالاً وبعد وقت طويل، قال له الأبّا أنطونيوس “ما لك، من زمن طويل أنت تأتي من مسافة بعيدة، ولا تسأل سؤالاً واحداًّ!”فأجابه قائلاً: “يكفيني أن أراك أيها الأب”

ثمرة الصليب: قصور العقلانية الكامل

هذه هي ثمرة الصليب، إنها قوة الصلب، صلب العقل والأهواء الذي يغيّر فلا تعود الكلمات ضرورية. تأمّل الرجل القديس ببساطة يغيّر الذين ينظرون إليه. هذا ما قاله القديس سارافيم ساروفسكي: “اكتسب الروح القدس وآلاف من حولك سوف يخلصون”. أمام المسيح وكل القديسين تصمت كل الكلمات. تتوقف كل النقاشات. وتقصّر العقلانية بالكامل. من جهة أخرى، إن لم يتحقق الخُلُق الأرثوذكسي، اي طريقة الكينونة في المسيح، لا يمكن الثبات في المركز فينشأ التطرف، وتظلم الطريق الملوكية ويسقط نظرنا نحو الأرض

الخلاصة: “متى ارتفعت عن الأرض

ما من شيء يحلّ مكان الخُلُق الأرثوذكسي. إنه الخاصية المميزة للمسيحيين الحقيقيين. إنه يفوق كل الأعداء قوةً، وكل المناهضين، وكمغناطيس يجتذب الكل إلى ذاته، بحسب كلمات السيد”متى ارتفعتُ عن الأرض جذبتُ الكل إليّ”

الجهاد في الصلاة: دليل عملي مختصر

الجهاد في الصلاة: دليل عملي مختصر

المتقدم في الكهنة باسيل تيدورا

نقلتها إلى العربية اسرة التراث الأرثوذكسي

إذا سألت أيّ شخص في الكنيسة عن الصلاة فمن المرجّح أن يستخدم توصيفًا مثل: تجربة ممتعة، محادثة مع الله، ارتباط بالمطلَق، أو غيرها من المصطلحات العامة الإيجابية بطبيعتها. لكن الأمور تختلف عندما يطرح الأب المعرّف نفس السؤال أثناء الاعتراف. فعلى الأرجح سوف يسمع الكثير عن ضيق الوقت، فقدان التركيز، التَلَكُّؤ والمغالبة بشكل عام. والحقيقة أن الكلام عن الصلاة أسهل من القيام بها

أحد الأسباب الرئيسية لجهادنا في الصلاة هو أننا نتوقّع منها تجربة مختلفة عمّا نحصل عليه بالفعل في معظم الحالات. عند قراءة كتب مثل “سائح روسي على طريق الرب” أو “الفيلوكاليا”، قد نكوّن انطباعاً خاطئاً عن ماهية الصلاة، على الأقل في البداية، لأننا ننسى أن التجارب الرائعة الموصوفة في هذه الكتب تخص أشخاصًا ناضلوا بكل معنى الكلمة مع الصلاة طوال حياتهم. نحن نتوقع جميعًا وقتًا مبهجًا نفرح فيه بالرب بينما تُنقل أرواحنا إلى السماء الثالثة. حسنًا ، هذا لا يحدث لغالبيتنا

يسوع المسيح نفسه صلّى أثناء وجوده على الأرض، ولم تكن كل فترات صلاته كالتنزّه في الحديقة. لنأخذ مثلاً الصلاة في بستان الجثسمانية: “وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ” (لوقا44:22). لقد كان هناك ألم في صلاته، لكن فيما كان يصارع في الصلاة صارت صلاته أكثر عمقًا إذ كانت صادرةً من أعماق طبيعته البشرية فيما هو يصرخ طلباً للمعونة والنجاة

الأمر نفسه ينطبق علينا: فنحن نميل إلى الصلاة بجدية أكبر عندما نعاني. ففي المعاناة نصلّي بصدق ولا يبقى مكان للصلاة العرضية التي لا هدف حقيقي وراءها. المشكلة هي كيف نحوّل هذه اللحظات النادرة من الصلاة الصادقة إلى روتين صلاة اليومي؟

السبب الذي يجعلنا نصلي بأمانة في المعاناة هو أن لدينا هدفًا قوياً نرغب بتحقيقه بكل كياننا. ألا ينبغي أن تكون لدينا نفس الرغبة في الأشياء التي نتلوها تلقائيًا في صلاة الصباح أو صلاة المساء؟ ألا ينبغي أن نصلي من أجل خلاص أرواحنا بنفس القوة التي بها نصلي من أجل صحة أجسادنا؟ بالطبع، لكن بالنسبة للكثيرين منا الروح مجردة ونظرية بينما الجسد ملموس ومادّي. نحن نتأثر بما نتلقّى بحواسنا أكثر من تأثرنا بما وُعِدنا به في الكتاب المقدس

ما لا شكّ فيه أن الصلاة هي من أصعب الممارسات النسكية لأنها تتطلب مزيجاً من الإيمان والمثابرة والصبر يصعب تحقيقه. تتطلب الصلاة جهداً فكرياً لا يمكن تخطيه. لا يمكننا أن نبلغ إلى معاينة الله والاشتراك في النور غير المخلوق في أول ساعة صلاة بل هذا يتحقق إلى جانب الفضائل المسيحية الأخرى، حتى تتطهّر النفوس من الخطيئة وتصبح نورًا ويزداد احتمال وصولها إلى الرب

فكيف نتعلم إذاً كيف نصلي؟ سأل أحد المبدئين أباً من الصحراء “أبّا كيف أصلي؟” أجاب الأب: صلِّ والصلاة ستعلّمك كل شيء”. بالطبع هذه الإجابة العميقة لن ترضي بعض إخوتنا المسيحيين المعاصرين، لذا هاك بعض التوجيهات للمبتدئين

الخطوة الأولى والضرورية هي إنشاء روتين يومي بسيط. لم يستقيم العذر المعتاد “لأنني مشغول جدًا”، عندما يكون معدل مشاهدة التلفزيون 4 ساعات يوميًا. بلوغ الاتساق هو الهدف الأكثر أهمية

الإحماء الروحي: قراءة من الكتاب المقدس، كتابات الآباء القديسين عن الصلاة، الفضائل والتوبة هي كلها مكونات أساسية لزيادة الشهية للصلاة

خلق جو صلاة: أيقونات، شمعة مضاءة، بخور ، مسابح صلاة، كلها تساهم في تسامي الحواس والتركيز على المملكة الداخلية. في الإيمان الأرثوذكسي، يجب أن تشمل الصلاة الروح والجسد معاً. الركوع أو الوقوف، إحناء الرأس، رفع اليدين، والسجود هي الوسائل التي يشارك بها جسمنا بنشاط في الصلاة

تحديد توقعات معقولة. في مجتمع يتمتع بالإشباع الفوري على أساس يومي قد ينخدع المرء بسهولة بالإجابة التي يحصل عليها في الصلاة. لقد فقد معظم الناس الصبر بانتظار استجابة الله، فيهجرون الصلاة بعد محاولتين “فاشلتين”. إن تعلُّم قبول مشيئة الله هو الحل لهذه المشكلة. هذا الموضوع موجود في الصلوات الأرثوذكسية النموذجية كما هو الحال على سبيل المثال في الصلاة التالية الموجهة إلى والدة الإله: أنتِ فرح كل المغمومين، ونصيرة المظلومين، وقوت البائسين، وعزاء الغرباء، وعكاز العميان، وافتقاد السقماء، وسترٌ وعضدٌ للمقهورين ومعونة الأيتام. فيا من هي أم الإله العلي نتوسل إليك يا طاهرة، فأسرعي في نجاة عبيدك. آمين

عدم البحث عن تجارب صوفية. معظم الآباء يحذرون المبتدئين من الرؤى والتجارب غير العادية التي قد يكون لها أصل مشكوك فيه. أخبار آباء البرية غنية بالقصص عن رهبان شباب خدعهم الشيطان الذي استدرجهم إلى لقاءات صوفية كاذبة. إن قبول هذه اللقاءات لا يجذب سوى الكبرياء والشعور الزائف بالإنجاز. الصلاة ليست منافسة إنها شأنٌ جديّ بيننا وبين الله

لا يمكن للصلاة أن توجد في فراغ، بمعزل عن الأشياء الأخرى الضرورية لحياة التقوى. يجب ربط الصلاة بالتوبة والتواضع والرحمة والصوم. فقط في هذه الشركة المقدسة تزدهر الصلاة وتملأ حياتنا برائحة الروح القدس الرائعة. “كل ما تحملته بدافع الحكمة سيؤتي ثماره لك وقت الصلاة” (من اقوال الآباء القديسين)

في النهاية، الصلاة هي لقاء مع الله وبناء علاقة شخصية تحتاج إلى الرعاية والمثابرة. كلما تواصلنا أكثر كلما اقتربنا من الشخص الآخر وصارت المحادثة أكثر إفادة في كل مرة. الصلاة هي محادثة مباشرة مع الله، أي أن يكون المرء دائمًا مع الله، أي أن تكون روحه متحدة به وعقله ملتصقاً به. يصير الإنسان واحداً مع الملائكة ويتحد بهم في التسبيح الدائم والاشتياق إلى الله (القديس سمعان التسالونيكي)

Source: Gladsome Light Dialogues – An Orthodox Blog

الشفاء وتدبير الله

الشفاء وتدبير الله

الشيخ سمعان كراغيوبولوس

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

إن سر مسحة المرضى هو لشفاء أمراضنا. إذا لم نشفَ، فلسنا بحاجة للشفاء. هذا هو السبب في أننا لم نشفَ. إذا استوعبتَ هذا النقص في الشفاء، تكون قد شفيتَ بالفعل. أنت تعلم بالفعل أن المرض الذي يتباطأ ولا يزول يكون ثميناً

كل ما ينبغي التخلص منه سيزيله الله. كل ما لا ضرورة لبقائه يزيله الله، سواء كان مرضًا أو تأثيرًا شيطانيًا. وأياً كانت الأشياء التي تستمر وتؤذينا، يجب أن نصلي لله. يجب أن نصلي عدة مرات، مرارًا وتكرارًا، يجب أن نصلي ليس فقط من أجل النجاة من أمراض روحنا والتأثيرات الشيطانية بل أيضًا من أجل الخلاص من الأمراض الجسدية

فلنضرع إلى الله من أجل كل شيء مراراً وتكراراً. ليس لأن الله يحتاج أن يسمع صلواتنا بشكل متكرر، بل لأننا بحاجة إلى أن نبرهن سعينا إليه أي إيماننا. يتعلّم الإنسان المعاصر هذه الدروس من التكرار. إذا صليت مرارًا وتكرارًا، وهذا ما تحتاج أن تقوم به، ولم يستجبْ الله صلاتك أو يزيل أمراضك، أدرِكْ هذا: إما أنك لم تظهِر الإيمان كما يريد ويتوقع منك، أو أنه يجب أن يبقى المرض لأنه ضروري لك

إذا فهمت مرضك من منظور الله، فإنك تشعر بشفاء مضاعَف إذا بقي المرض. إذا شفاك الله فإنك تشفى مرة واحدة. إذا استمر المرض، فسوف تشعر بالشفاء مرتين. عندما يحين وقت الشفاء من مرضك وفي الوقت المناسب ستشعر روحك بالشفاء أيضًا. عندما يحدث هذا، سيشفى إنسانك الداخلي، وهو الشخص الذي يعاني من المرض، من جذام الخطيئة

الشيء نفسه ينطبق على جميع الأمراض العقلية وكل ما يؤلمنا من الأشياء الأخرى. إذا نظر الإنسان إلى جميع قضاياه من ضمن العناية الإلهية، فسيشعر بمثل هذا الارتياح، كما لو أن جميع مشاكله قد حُلَّت. لأن في الله يُحَلّ كل شيء

Excerpt from the Book: “Are You in Pain? Looking deeply into the mystery of pain”. Archimandrite Symeon. To Perivoli Tis Panagias. Thessaloniki, Greece, 2016

شعب الله هم نور العالم

شعب الله هم نور العالم

الميتروبوليت يوئيل فرانغاكوس*

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

تخصص كنيستنا أحداً لتحتفل بالآباء الذين شاركوا في المجمع المسكوني الرابع الذي ناقش واختتم بشكل نهائي طبيعتي المسيح. إن المقطع الإنجيلي الذي يُقرأ في الكنائس مكرس لهم وهو من عظة ربنا على الجبل. المسيح، كإله وإنسان، يدعو تلاميذه بنور العالم. دعونا ننظر إلى كلمات المسيح عن كثب

ماذا يعني مثال النور؟

استخدم الرب مثال الملح (متى13:5) والنور لتلاميذه. مثال النور أسمى. بحسب القديس يوحنا الذهبي الفم، عندما يتحدث عن المدينة الواقعة على التل، والتي لا يمكن إخفاؤها، فإنه يعني “طريقة عيش صارمة وحياة نقية”. إنه يدرّبهم ليكونوا مستعدين للمعركة في حياتهم، وأن تكون أعين الجميع معتادة عليهم وليقاتلوا العالم بأسره

لقد أضاء المسيح نور نعمته فينا. مساهمتنا الخاصة هي الحفاظ على هذا الضوء حياً. يجب أن يؤثر سطوع حياتنا على الآخرين. المسيح هو نور مطلق ويقول في الواقع عن نفسه إنه “نور العالم” (يوحنا12:8). ومثله، فإن المؤمنين والقديسين نور وكواكب. يكتب القديس بولس: “لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلًا ظُلْمَةً، وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ. اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُورٍ.” (راجع أفسس 8:5). وفي رسالة أخرى، كتب عن المسيحيين، “تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ. مُتَمَسِّكِينَ بِكَلِمَةِ الْحَيَاةِ” (فيلبي15:2-16)

الكنيسة هي نور العالم

إن الرب هو بالفعل النور الذي يرشد الناس من الضلال إلى الحقيقة، ومن الخطيئة إلى الفضيلة، والذي ينير أذهاننا. يعمل المؤمنون أيضًا عمل المسيح. وكما يقول أحد اللاهوتيين المعاصرين: ليس الخلاص شأناً فردياً ولا يقتصر على دائرة ضيقة من “المختارين”. بالأحرى هو مُقدّم للعالم كله. الخلاص ليس نوعًا من الروحانيات، بل هو نقيض النظام الشيطاني، نظام الظلمة والتحلل

الكنيسة نور العالم. هذا يعني أن لديها مسؤولية عالمية تغطي الكون ويشترك فيها كل واحد منا. نحن لا نحيا لأنفسنا ولا لأي دائرة قومية أو أيديولوجية أو دينية معينة. نحن نعيش من أجل إخواننا وأخواتنا في جميع أنحاء العالم، بغض النظر عن مدى اختلافهم عنا أو مدى معارضتهم لنا. أعطى المسيح لتلاميذه هذه الوصية المهمة: “تَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ” (أعمال الرسل 8:1). علينا أن نرفع نور المسيح في أقاصي الأرض، يشير إشعياء إلى الآب الذي يخاطب المسيا قائلاً: ” قَلِيلٌ أَنْ تَكُونَ لِي عَبْدًا لإِقَامَةِ أَسْبَاطِ يَعْقُوبَ، وَرَدِّ مَحْفُوظِي إِسْرَائِيلَ. فَقَدْ جَعَلْتُكَ نُورًا لِلأُمَمِ لِتَكُونَ خَلاَصِي إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ” (6:49). المسيح هو نور الأمم، ومن خلال المؤمنين تلتزم الكنيسة بنقله إلى أقاصي الأرض. الأشخاص الروحيون الذين يطهّرون أنفسهم باستمرار مجاهدين من أجل محبة الله، والذين يتواضعون في جسدهم بممارسة النسك، والذين يملئون أذهانهم بالنور من خلال الصلاة والدراسة، والذين عرفوا “أسباب الوجود”، وتغلّبوا على كل العواطف الدنيوية، هم القادرون على التبشير بالمسيح ونقل نور الإنجيل، بحسب ما يقول القديس نيكيتاس. هؤلاء هم الأشخاص الذين يخاطبهم المسيح عندما يقول: “أنتم نور العالم” (متى 14:5)

واجبات المؤمنين

في ما يتعلق بنقل رسالة الإنجيل، يقع على عاتق القادة الروحيين في كنيستنا مسؤولية كبيرة، شأنها في ذلك شأن العلمانيين. الأساقفة والكهنة والعلمانيون الذين يعرفون ويعيشون نور الإنجيل، ينقلون خبراتهم للآخرين. من ناحية أخرى، إذا أظهر أولئك المكلّفون بإظهار المصباح تقصيرًا في الإيمان، فتتأجّل بشارة الآخرين، وفي الواقع قد تخسر أرواحهم. إن خطايانا وحياتنا الشخصية غير المقبولة تؤثّر بشكل سلبي على الأشخاص الذين لم يعرفوا المسيح بعد. فلنحرصْ على أن نكون ثابتين في القول والعمل حتى يتّقد نور تعليم الرب الخلاصي باستمرار في جميع أنحاء العالم

* مطران آداسا وبالا وألموبيا، اليونان

كيف نتعامل مع الأزمات بطريقة روحية

كيف نتعامل مع الأزمات بطريقة روحية

أثناسيوس ميتروبوليت ليماسول

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

في الواقع، نحن نواجه بعض الأوقات الصعبة التي تؤثر على الجميع. يبدو أننا جميعًا على متن سفينة – السفينة هي بلدنا الصغير – تبحر في البحار الهائجة دون معرفة أين نحن أو إلى أين نتجه. كلما أصابت بعض المصاعب دولة أو أسرة أو مجتمعًا تكون حقيقية ومؤلمة. ومع ذلك، لا يقدّم المرء عزاءً بقوله أنّ لا شيء يجري. الطريقة الصحيحة هي الاعتراف بأننا نواجه بعض المصاعب والبحث عن طرق للتعامل معها

عندما يواجه وطن أو إنسان مشقةً ويكون مضطرباً يعاني، يكون قلِقاً ويواجه ظروفاً وخيمة، هذا لا يعني أن سبب كل شيء هو الله، لأن الله لا يرغب في جعل الناس يعانون، ولا يتعاون مع الضيق الذي يصيبنا. المشقة والقلق والمعاناة لا تنشأ أبداً من الله بل هي إما بسبب الشيطان أو بسبب أفعالنا

ومع ذلك، بغض النظر عن مصدرها، فإن المهمة الرئيسية هي محاولة التعامل مع الموقف بحكمة واستخدامه للتقدم روحياً، من خلال تحويل المشقة إلى نعمة والظلام العميق إلى نور حقيقي. لا أحد معفى من المشقة، لا الخطأة ولا القديسون، لا الأغنياء ولا الفقراء؛ يجب على الجميع تذوق مرارة الضيقة في وقت ما

القضية هنا ليست كيفية تجنب المشقة بل كيفية التعامل معها. عندما كان بولس الرسول يتحدث إلى الذين كانوا في حِداد لم يكن يخبرهم أن “الرب سيعفيكم من الحزن والموت” بل “لا تحزنوزا كالذين لا رجاء لهم” (1تسالونيكي 13:4). بعبارة أخرى، كان يخبرهم أنهم سيشعرون بالتأكيد بالحزن وأن السيف سيعبر في قلوبهم (بسبب وفاة أحبائهم)، لكنه كان يحذرهم من أن يصبحوا مثل الآخرين الذين ليس لديهم رجاء. أنتم يا أبناء الكنيسة، يجب عليكم أن تتعاملوا مع هذه المشقة وأن تبحِروا بها بوضع رجائكم الوحيد على الرب يسوع المسيح. لا يوجد أحد آخر ممكن أن نعلّق آمالنا عليه. وكما قال ديونيسيوس سولوموس “ليس من السهل فتح الأبواب حين تضرب الضرورات”

بالطبع يمكن للمرء أن ينظر إلى الوضع الحالي في ضوء مختلف لأنه قد يعلمنا العديد من الدروس. وبالتحديد، نحن مسؤولون أيضًا عن المصاعب التي نواجهها حاليًا لأننا تخلينا عن طريقة التفكير المناسبة وشعرنا بالأمان في الأشياء غير الآمنة، في الأمور الخاطئة والهشة. وستسبب هذه المصاعب بعض الخير على المدى الطويل. ومع ذلك، من الصحيح أن الضربة الأولى تسبب المرارة والألم

ماذا نستطيع ان نفعل الآن؟ أولاً وقبل كل شيء، يجب أن نؤمن بأن الرب هو الذي يحكم كل شيء بينما كل أولئك الذين يعتقدون أنهم يحكمون العالم هم بلا قوة. حتى الشيطان عندما جرّب المسيح وأظهر له كل ثروة العالم ووعد بتسليمه له إذا عَبَدَه، قال يسوع: “اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ” (متى 10:4). هناك أناس يعتقدون أن بإمكانهم النجاح في كل شيء من خلال جهدهم وحدهم. بالطبع إذا كنت في منصب مسؤول يجب أن تفعل كل شيء ممكن إنسانياً من أجل تحقيق أفضل نتيجة ممكنة. ولكن قبل كل شيء، يجب أن تدرك أن من يحكم العالم ومن سيتنازل في النهاية أو لا يتنازل عما يحدث للعالم هو الرب وليس أي إنسان. قد يضع أناس الشر مخططات؛ وقد يتسبب الشيطان وأتباعه في إزعاج الناس، أسَرَاً بأكملها، ومجتمعات ودول بأكملها، وحتى العالم كله؛ ومع ذلك، ليس لديهم قوة ضد ضحيتهم ما لم يسمح الرب بذلك

عندما لم يردّ المسيح على بيلاطس أثناء استجوابه، قال له الأخير: « أَمَا تُكَلِّمُنِي؟ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ لِي سُلْطَانًا أَنْ أَصْلِبَكَ وَسُلْطَانًا أَنْ أُطْلِقَكَ؟” (يوحنا10:19) فأجاب يسوع “لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ سُلْطَانٌ الْبَتَّةَ، لَوْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُعْطِيتَ مِنْ فَوْقُ” (يوحنا 11:19). بعبارة أخرى، “لن يكون لديك أي سلطة عليّ، إذا لم يمنحك الله الإذن للمضي قدمًا فيما أنت على وشك القيام به”. لذلك، علينا أن نكتسب إيمانًا عميقًا لا يتزعزع بأنه لن يحدث أكثر ولا أقل مما يسمح به الله. يجب علينا أيضًا أن ندرك أننا مسؤولون أيضًا عن هذه المصاعب؛ نحن نعاني لأننا كنا جشعين ولا نفكّر وأصدرنا أحكامًا سيئة

ومع ذلك، نحتاج أن نطلب من الرب أن يأتي لإنقاذنا بإرساله لنا العناية الإلهية. كيف نقوم بذلك؟ عندما يقف الإنسان أمام الرب في توبة عميقة، يعترف بسلوكه السيئ وطرقه الشريرة وبأنه كان يعيش حياة تافهة وجاحدة، ويتوب ويأسى، عندئذ يجتذب العناية الإلهية. كل المحن تحدث ليس لأن بعض الناس يتمنون ذلك ويخططون ضدنا ويحرضهم الشيطان وحسب، بل أيضًا لأننا أبعدنا العناية الإلهية بخطايانا وغبائنا. من المعلوم أنه كلما ابتعد الإنسان عن الرب يقترب من عدو خلاصنا وتلحق به كل المصاعب والعواصف لأنه يبقى دون حماية في وجه كل ما يعترضه في حياته

في العهد القديم، كان جميع الأنبياء ورسل الله يؤكدون أن الخطيئة هي سبب كل مشقة. لقد حذّروا من أن المحن تصيب الناس ما لم يتوبوا ويغيّروا طرقهم. ومع ذلك لم يلحظ الناس ذلك. كانوا يعيشون على هواهم، بل كانوا يضطهدون الأنبياء ويرفضونهم ويسخرون منهم، ويطلبون منهم عدم إزعاجهم بأشياء مقلقة. عندما كانت المصاعب تصيبهم، كان الأنبياء يعانون أيضًا مع الناس؛ لهذا السبب يُنظر إليهم على أنهم قديسون عظماء في عيني الرب لأنهم كانوا يعانون مع الناس وكانوا في الطرف المتلقّي لكل عواقب خيانة الشعوب. في نفس الوقت كانوا يحاولون مؤازرتهم وقيادتهم إلى طريق الخلاص

إلى ماذا كان هؤلاء الأنبياء يشيرون؟ ومن المؤكد أنهم لم يقترحوا حلولاً ومخارج دنيوية. كانوا يدافعون عن التوبة والعودة إلى الرب وتغيير طرق الناس وأفكارهم. كانوا يدعون إلى التوبة والعودة إلى حضن الرب الآب لاجتذاب العناية الإلهية؛ حتّى يتحسن الوضع تدريجياً. ما نحتاجه ليس العودة إلى ما كان لدينا من قبل؛ إن لم نغيّر طرقنا فلن ينتج أي جيّد من الوضع برمته. الهدف ليس البقاء على قيد الحياة خلال أزمة مالية وعالمية فحسب، بل تغيير طريقة تفكيرنا وعقولنا، أي التوبة. مَن ينجح بهذا يعني أنه عمل بشكل مناسب على نفسه وحوّل المشقة القائمة إلى صراع روحي. من دون حدوث هذا، فسوف ننسى كل شيء ونعود إلى طرقنا ما أن تعود الأمور حسنة

Source: ‘Paraklisi’ magazine, volume 72, May-June 2013

اليقظة السلبية واليقظة الإيجابية

اليقظة السلبية واليقظة الإيجابية

الأرشمندريت زخريا زخارو

نقلها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

اليقظة السلبية هي عندما نقاوم هجمات الأفكار السيئة. بمجرد ظهورها، نرفع أذهاننا إلى الله قائلين: “يا رب ، لقد جاء أعدائي ، ردّ عني ضدهم”، ونحاول ألا نسمح لأذهاننا بالاستسلام. كان للقديس سوفروني قول مأثور: “لا تُخضِعْ عقلك”، أي لا تستسلم لفكر العدو الذي يهاجمك. اليقظة السلبية هي أن نقول “لا” لكل فكرة سيئة تقترب منا. يخبرنا الأب سوفروني أن كل الأفكار السيئة ستمرّ من خلالنا حتى نقول “لا” لها جميعًا وفي النهاية سيبقى الله وحده. نحن لسنا ساذجين، كما يقول القديس بولس “لسنا جاهلين بأفكار العدو” (2 كورنثوس 2: 11)، نحن نعرفها لكننا لا نقبلها

اليقظة الإيجابية هي كل ما نقوم به لكي نلبس القوة من العلاء حتى نصبح مخيفين للغاية لخصومنا لدرجة أنهم لا يستطيعون الاقتراب منا. إذا كنا نعيش في أتون التوبة هذا، وقلوبنا تحترق بالدموع والرثاء المر، نندب أنفسنا، إذا كانت قلوبنا حارّة ومتحمسة، فببساطة، العدو لا يستطيع الاقتراب فنتمتّع بحريتنا. يقول القديس سمعان اللاهوتي الحديث أنه عندما نقتني قلباً نادماً، لا ترتقي إلى أذهاننا أو شفاهنا أي فكرة من العدو. تغرق الفكرة في الحلق قبل أن تخرج. اليقظة الإيجابية تعني بناء أسوار أورشليم، أي البقاء في أمان هذه الجدران، وبناء حالة روحية قادرة أن تمنحنا القوة لرفض العدو وطرد أي فكرة خاطئة بطرفة عين. هذه الحالة الروحية تصبح قوة داخلية وهي تتشكل بالتوبة. في مثل هذه الحالة، إذا هاجمنا فكر سيء من العدو، نشعر باقتراب تلك الفكرة على أنها متأتية من هوى معين قبل أن يتبلور شكلها. نشعر أن طاقة أجنبية معادية تقترب، وإذا أغلقنا الباب، لا نرى حتى ما إذا كانت فكرة كبرياء أو شائبة أو أي شغف آخر. يقول القديس سوفروني أن هذه علامة على اتحاد العقل والقلب. هذه هي الحالة الطبيعية للإنسان الذي يعيش بحسب وصايا الله. هكذا يشعر الرهبان دائمًا بمقاربة الأفكار قبل أن يروا شكلها الواضح، وهذه يقظة كاملة

آباء البرية في مصر في القرن الرابع كانوا يصلّون باستمرار وبشكل ثابت كي يُعطوا روح التوبة، لأنهم علموا أنها ستحميهم وتجعلهم مخيفين لأعدائهم. الجهاد هو كيفية تعرية كل فكر وكل شكل نسبي من الوجود. ومع ذلك، هذا هو الجزء الأول والأقل أهمية بالنسبة لنا: نحن لا نحاول فقط تعرية الإنسان القديم من مشاعره وشهواته، بل بشكل خاص أن نلبَس الجديد أي الإنسان السماوي المتجدد، بنعمة الله غير الفاسدة والتي تبني لنا مسكنًا في السماء. نحن نبني هذه الحالة من القوة الداخلية ضد العدو من خلال علاقتنا مع الإله الشخصي، الذي هو بالنسبة لنا الأبدية والفردوس. كما يقول الرسول، فإن حياتنا مستترة في شخص المسيح (راجع كولوسي 3 ، 3). أعظم فضيلة بالنسبة لنا هي التواضع الذي يحفظ المحبة التي هي علاقتنا مع الله الشخصي

مخافة الله هي تقواه ومحبته

مخافة الله هي تقواه ومحبته

الميتروبوليت أثناسيوس مطران ليماسول

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

الكنيسة لا تعارض الجسد البشري. لهذا حرص الآباء على عدم إتلاف أجسادهم بجهودهم النسكية. لقد حاولوا إخضاعها للروح القدس ووصايا الله، حتى لا يسعوا وراء ملذات وهفوات الجسد، لكنهم لم يقبلوا أبدًا إتلاف أجسادهم. في الأدب الآبائي، هناك مقولة مفادها “إننا لا نذبح الجسد، لكننا نذبح الأهواء”. إنها الخطيئة والأهواء التي تقتل وليس الجسد الذي هو هيكل الله. وإذا بدا، في بعض الأحيان، أن القديسين يظهرون قاسين وبلا رحمة في معاملتهم للجسد، فلم يكن الهدف قتل الجسد، بل كما قلنا قتل الخطيئة والأهواء. لأن أجسادهم كانت أسرى الخطيئة والأهواء التي جابهوها بهذه الطريقة. لم تسمح الكنيسة للناس بقتل أو تشويه أجسادهم سعياً وراء بعض الفضيلة. وإلى جانب ذلك، في جو الكنيسة، علينا أيضًا أن نتعلم كيف نتغلب على الاختلاف بين الجنسين. بعبارة أخرى، يجب أن نتعلم أن ننظر للآخرين ليس من منظور جنسي أو جسدي، بل باعتبارهم صورًا لله، كإخوتنا وأخواتنا، كأشخاص مخلوقين للتقديس والتمجيد. إذا رأيناهم في هذا الضوء، فلن ننظر إليهم بطريقة خاطئة، بل بطريقة مقدسة وفاضلة. هذه هي نظرة الكنيسة إلى الجسد البشري

يقول الله في العهد القديم: “أسكن بينهم وأسير معهم وفيهم وأكون إلههم”. يتكلم الله شخصيًا، قبل المسيح بآلاف السنين، ويقول إنه سيصنع شعبًا خاصًا به. لا يوجد عرقية في الكنيسة. لهذا نحن نعمل جميعًا معًا، بغض النظر عن الأصل العرقي، ودون أن يعني هذا بطبيعة الحال تجاهلَ وطننا وأمتنا. لكننا في الكنيسة نتجاوز هذا. لذا، في الكنيسة هناك شعب جديد، أمة جديدة. إن الأشخاص الذين قال الروح القدس منذ آلاف السنين أن الله يسير في وسطهم ويكون إلههم هم في الواقع أمة المسيحيين. نحن شعب جديد ولا نعتمد على الأصول العرقية. ولهذا يقول النبي إشعياء: “فاخرجوا من وسطهم واعتزلوا يقول الرب ولا تمسوا نجسًا”. هذا في الواقع يردده القديس بولس، نقلاً عن إشعياء

يقول الله أنه سيقبلنا وسيصبح أبانا وسنكون أبناءه وبناته. بهذه الطريقة، يحثنا الله على فصل أنفسنا، ليس عن الآخرين، بل عن الخطيئة، أي عن النظرة الدنيوية. عندما يخبرنا أن نترك العالم وألا نحبه، فهو لا يقصد إخواننا من البشر، ولكن الطريقة الدهرية للنظر إلى الأشياء، أي الخطيئة. الذين يريدون أن يتبعوا المسيح لا يمكنهم فقط أن يفعلوا ما يفعله الآخرون وحسب. لكي تتبعوا المسيح، يجب أن يخبركم قلبكم بذلك وعليكم أن تتركوا وراءكم النظرة الدنيوية. عليكم قطع كل اتصال مع الخطيئة. عندئذٍ يصبح الله أباكم وتصبحون أبناءه وبناته. هذا معطى مطلق، لأنه عندما يقول الله شيئًا ما فإنه يكون مختوماً ومحققاً من صحته ومكرراً على مدار القرون. الله لا يترك أحداً. لماذا إذن نحن جبناء وكسالى؟ لدينا وعد الله. لذلك فلنتّخذ الخطوة الأولى: أن نخالف طريقة التفكير القائمة والدهرية، وبعد ذلك سيصبح الله أبانا ونحن أبناءه وبناته

يتابع القديس بولس قائلاً: ” فإذ لنا هذه المواعيد أيها الأحباء لِنُطهِّر ذواتنا من كلِّ دنس الجسد والرُّوح مكمِّلينَ القداسةَ في خوف الله”. أي يجب أن نطهّر أنفسنا من كل خطيئة تُرتكب سواء في الجسد أو الفكر أو الروح، وأن نعيش حياة مقدسة في مخافة الله. خوف الله ليس خوفًا نفسيًا، بل هو وعي لمحبته ورهبة نشعر بها في نفوسنا تجاهه عندما نتأمّل عظمة قداسته وطهارته. عندما نعاين هذه القداسة وندرك مَن ينبغي أن نكون ومَن نحن، ونخاف على انقطاع علاقتنا به، يكون هذا هو خوف الله. خوف الله بطريقة نفسية معناه غياب المحبة الحقّة. يقول القديس يوحنا أن المحبة الكاملة تطرد الخوف. يقول القديس أنطونيوس: “أنا لا أخاف الله لأني أحبه”. لذا فإن مخافة الله هي تبجيله ومحبته. إذا كنتُ أحبُّ الله أكون حريصاً على ألا أفقد هذه المحبة، ويزداد هذا الحرص بقدر ما تزداد هذه المحبة

تنقية القلب

تنقية القلب

المتروبوليت أثناسيوس ليماسول

نقلتها إلى العربية الخورية جولي عطية عيسى

منذ الرابع من آذار 2020، يجري صاحب السيادة المتروبوليت أثناسيوس ليماسول مناقشات أسبوعيّة مع المؤمنين، مفسّرًا الكتاب المقدّس، ومطّلعًا على حاجاتهم، ومجيبًا على تساؤلاتهم

كنّا قد وصلنا إلى الفصل السابع من رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس. في بداية الفصل، يقول الرسول ما يلي: “فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ فلنُطَهِّرْ أنفُسنا مِنْ كُلِّ ما يدَنّسُ الْجَسَدَ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ بِمَخافَةِ اللهِ” (2 كور 7: 1). ثمّ يتكلّم الرسول بولس على الأحزان التي كان على الكورنثيّين أن يقاسوها. من المفيد جدًّا لنا أن نسمع اليوم هذا الكلام، لأنّنا نرى بذلك أنّ المسيحيّين الأوائل واجهوا هم أيضًا مصاعب الحياة والتجارب والخطايا، وأنّ حياتهم لم تكن ملائكيّة. ولكن ما يهمّ هو أنّهم تعاملوا مع ذلك روحيًّا: من خلال التوبة، ومن خلال جهاد تصحيح الذات

يقول الرسول بولس في الفصل السابق إنّ جسدنا هو هيكل الروح القدس، وإنّ الله يسكن في الإنسان. وبما أنّ جسدنا هو هيكلٌ كهذا، فعلينا أن ننتبه لئلاّ ندنّس جسد الله، كما نفعل مثلاً مع أيّ بناءٍ كنسيّ: فنحن نعتبر الكنيسة مكانًا مقدّسًا ولا نفكّر مجرّد تفكيرٍ بارتكاب أيّ فعلٍ دنيءٍ فيها. يجب أن ينطبق الأمر نفسه على جسدنا، وعلى نفسنا، وعلى وجودنا برمّته، الذي هو هيكل الله. ” فَإِنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ” (2 كور 6: 16). يدعونا الله إلى أن نرفض الخطيئة والشرّ وكلّ تجربة لكي نصير بحقٍّ شعب الله، ولكي يصير الربّ أبانا ونحن أبناءه وبناته (راجع 2 كور 6: 18).

إذًا، تقول بداية الإصحاح السابع: “فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِدُ…”. إنّ الذي يَعِدُ هو الله نفسه. يَعِدُ بأنّه سيكون أبانا ونحن سنكون أبناءه عندما نرفض الخطيئة وكلّ ما يدنّس وجودنا. وإذا وعد الله بشيء، فهو لا يكذب مطلقًا. مواعد الله تتحقق؛ هو ليس مثلنا نحن الذين نَعِدُ عادةً بالقمر ولا نستطيع حتّى أن نفي نصفه. إذًا، الجهاد الذي نصنعه فيه ترقّب الحياة الأبديّة

عندما ننال موعدًا من الله، لا يمكننا دائمًا أن نفهمه. نحن نرتجي عادةً من الله شيئًا يكون ضمن نطاق إدراكنا وفهمنا. ولكن، كلّ ما نتلقّاه من الله هو بالحقيقة أكبر وأوسع بكثير ممّا يمكننا تخيّله. مواعد الله تعمل مثل التوازن. في الجهة الأولى من الميزان لدينا ثقل أعمالنا الروحيّة وصبرنا ورجاؤنا – والجميع لديهم شيءٌ ما. وفي الجهة الثانية لدينا مواعد الله. النتيجة ليست فقط توازنًا، بل إنّ مواعد الله تبطل مصاعب حياتنا هذه. الله غير مدرَك. من المستحيل أن نفهم ونقتبل بحقٍّ أيّ شيء نتلقّاه من الله. الله غنيّ. هو ليس مثلنا نحن الذين لدينا مقاييسنا الخاصّة وقيودنا الخاصّة. الله فيّاضٌ بالرحمة؛ محبّته لامتناهية ولا يمكن لمخلوقٍ أن يحتويها كلّها. الإنسان الذي يشعر بمحبّة الله يصعب عليه وصفها لأنّها تفوق الوصف

أتذكّر كيف أنّ القدّيس باييسيوس أخبرني ذات مرّةٍ عن رؤيته للقدّيسة أوفيميّة. كان ذلك في الصوم الكبير، كما نحن الآن (في وقت هذا الحديث)، في الأسبوع الثاني منه. ظهرتْ له في الصباح في قلاية الصليب المكرّم في كابسالا، وبقيت معه طول النهار. وصفتْ له القدّيسة أوفيميّة حياتها كلّها، لأنّ الشيخ لم يكن يعرف سيرتها. كان قد سمع عن قدّيسةٍ تُدعى أوفيميّة، ولكنّه لم يعلم أيّ شيءٍ عنها. أخبرته أنّها كانت شابةً تعيش في القرن الرابع في مدينة خلقيدونية، وكان عليها أن تقاسي أمرّ التعذيبات من أجل المسيح. وبينما كانت تخبره عن ذلك، رأى الشيخ حياتها كلّها أمامه، مثل فيلمٍ على التلفاز. ثمّ عندما وصلت إلى عذاباتها، خاف القدّيس باييسيوس ممّا رأى وسألها قائلاً: “كيف استطعتِ احتمال هذه العذابات كلّها؟” لقد كانت شابّةً صغيرة، والعذابات كانت بأكثر وحشيّة يمكن تصوّرها. فأجابته القدّيسة قائلةً: “يروندا، لو علمتُ أيّ مجدٍ سينال الشهداء في السماء من أجل عذاباتهم، لكنتُ جاهدتُ لكي أتعذّب أكثر، لأنّ ذلك كلّه وقتيٌّ ولكنّ مجد الله أبديّ”

دائمًا ما يقول لنا الرسل والآباء القدّيسون أنّه إذا احتملنا تجربةً ما من أجل محبّة المسيح، علينا أن ندرك أنّ مكافأة المسيح ستكون أعظم بكثير. ويجب أن نسعى من أجل نيل المكافأة من الربّ والشركة الأبديّة معه. نعم، قد يبدو الأمر وكأنّنا نخدم مصلحتنا إن طلبنا مكافأة، ولكنّنا أناسٌ ضعفاء في النهاية، ونحتاج ببساطةٍ إلى أن نرى أفق أفعالنا – هكذا هي طبيعتنا. أفق الحياة الأبديّة هو الموعد الذي أعطانا إيّاه الله. إذًا، عندما نمرّ بأوقات صعبة، يجب أن نتذكّر مواعد الله؛ يجب أن نتفكّر بصعودنا إلى الملكوت السماويّ، بأنّ حياتنا لا تنتهي بمضي هذه السنوات القليلة التي أُعطيت لنا لنعيشها هنا على الأرض، بل سوف تستمرّ في الملكوت الأبديّ. حينئذٍ، سنتمكّن من تخطّي أيّة صعوبة نواجهها، أكان على الصعيد الشخصيّ أم الاجتماعيّ أم العامّ، مثل الخطر الناتج عن فيروسات متنوّعة، أو تعدّي الأعداء على أمننا وراحة بالنا. بالطبع، نحن أناس، والقلق على حياتنا داخليٌّ فينا. ولكن مَن يستطيع أن يضمن لنا سلامتنا؟ مَن يستطيع أن يجزم لنا أنّنا لن نصاب بالكورونا؟ الله وحده يمكنه أن يمنح العالم الأمان. عندما يهب الإنسان حياته لله ويقول: “سيهتمّ الله بكلّ شيء”، سيشعر حينئذٍ بسلام النفس. هذا ما اعتاد أجدادنا على قوله، وكانوا أناسًا سلاميّين. دائمًا ما كانوا يقولون: “سيهتمّ الله”، وكانوا يؤمنون بما يقولون. وكانوا في الوقت عينه مستعدّين ليقاسوا أيّ أمرٍ يحدث في حياتهم، ممتلئين إيمانًا بأنّ الله يرى حياتنا كلّها. وحتّى عندما يأتي الموت، أي أسوأ شيء يمكن أن يحدث لإنسان، فهو لن يكون مرعبًا لأنّ الله قد غلبه

نحن نختبر غلبة المسيح على الموت كلّ يومٍ في الكنيسة. لقد دُمّر الموت بموت يسوع المسيح. وإذا كان لنا رجاءٌ في المسيح القائم، سوف نغلب الموت والفساد والمخاوف وعدم الأمان… لقد وعدنا المسيح بأن يكون معنا إلى الأبد. هو لا يطلب منّا سوى شيئًا واحدًا: أن ننقّي ذواتنا من الخطيئة. فكيف نفعل ذلك؟

طبعًا بواسطة الجهاد الذي علينا كلّنا أن نفعله: جهاد التنقية من الأهواء، جهاد الصوم، والصلاة، والمطالعة الروحيّة، والاعتراف، والاشتراك في أسرار الكنيسة، وعمل الإحسان، ومن خلال أيّ جهادٍ روحيّ ضمن طاقة الإنسان. كلّنا لدينا ضعفاتنا الخاصّة بالطبع، ولا يمكننا التغلّب على خطايانا كلّها. إنّ خلاصنا لا يشتمل على خبرةٍ بلا خطيئة، بل على توبة. يجب أن نتعلّم أن نتوب عن خطايانا وضعفاتنا. إذًا، من خلال التوبة والصلاة، ننال نعمة الله، وتصير التوبة سبب خلاص الإنسان. في النهاية، ليست الحياة التي بلا خطيئة هي التي ستخلّصنا (لا أحد منّا يعيش حياته كلّها من دون أخطاء أو خطايا). سوف نرتكب الأخطاء ونقترف الخطايا، كلّ ذلك بسبب ضعفنا. عندما نمارس جهاد محاربة الخطيئة، سندرك أنّنا لا نستطيع أن نتغلّب على كلّ شيء. وعندما نشعر بضعفنا وعدم قدرتنا على غلبة الخطيئة، سوف نحتاج إلى أن نتوب بصدق. التوبة دليلٌ على التواضع. الإنسان المتواضع تائبٌ دائمًا، ولكنّ الإنسان المتكبّر ليس تائبًا مطلقًا، لأنّ لديه فكرة مضخّمة عن نفسه، ولا يشعر بالحاجة إلى التوبة أمام الله

الصوم الكبير الذي نحن فيه الآن هو الزمن الأجمل، المملوء بالتوبة والتواضع. إذا سمعتم صلوات الصوم التي تُقرأ يوميًّا في الكنيسة، سترون أنّها مملوءةٌ بصرخة التوبة والتواضع، التي لا تقود الإنسان نحو ظلام اليأس والقنوط، بل تمنحه شجاعةً، ورجاءً، وصبرًا، ومخرجًا، ونورًا في نهاية النفق، الذي ليس سوى محبّة الله وحضوره في حياتنا

إذًا، يقول بولس الرسول: “فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ فلنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ ما يدَنّسُ الْجَسَدَ وَالرُّوحِ”. يبدو هنا وكأنّه يفصل بين الخطيئة الجسديّة والروحيّة. في الواقع، لا فرق بينهما لأنّ الإنسان حين يخطأ، يخطأ بجسده ونفسه معًا. ولكن من أجل أن ندرك كلّ وجوه الخطيئة، يفصل الرسول بينها، ويسمّيها دنس الجسد والروح. ثمّة خطايا جسديّة، أي تلك التي يقترفها الجسد، والتي نعرفها كلّنا جيّدًا ونحاربها. ولكنّ الإنسان بكليّته يخلص. على سبيل المثال، نقول إنّنا نصوم، إنّنا نمتنع عن الطعام. إنّ صومًا جسديًّا كهذا له أثرٌ مفيدٌ بلا شكّ على نفسنا أيضًا لأنّ الإنسان هو وحدة نفسٍ وجسد. إنه شيءٌ أن تتناول حساءً خفيفًا، وشيءٌ آخر أن تتناول شيش كباب. ثمّة فرق بينهما. كذلك، ثمّة فرقٌ بين الإنسان الذي يصوم وذلك الذي لا يصوم، بين الإنسان اليقظ الذي يصلّي وذلك الذي ينام عشر ساعات. كلّ حركةٍ للنفس أو الجسد لها أثرٌ على الآخر. مثلاً، تذكُّر الإساءات والحقد هو هوى روحيّ، ولكنّه يؤثّر أيضًا على الجسد. ينعكس تذكّر الإساءات على جسد الإنسان كلّه، على سلوكه، على مظهره. أمّا هيئة الإنسان النقيّ والتقيّ، فتختلف كليًّا. تنطبع تقواه على وجهه. انظروا إلى القدّيسين كم وجوههم جميلة

أتذكّر عندما جاءت إلى الجبل المقدّس مجموعةٌ من الأساتذة من تسالونيكي، كانوا سبعة أو ثمانية. كان اثنان منهم مؤمنَين، وهما اللذان نظّما الرحلة، بينما كان الآخرون للأسف غير مؤمنين بالله. وبعد أن كان هؤلاء ينظرون إلى الرهبان طول الوقت، قالوا: “إنّ حياة الراهب تستحقّ الاحترام طبعًا؛ ولكن هل فعلاً يختلفون عنّا نحن الذين لا نحيا حياةً مسيحيّة؟” أجاب أحد الأساتذة المنظّمين قائلاً: “لا أعلم إن كنتم قادرين على الاستيعاب، ولكن انظروا إلى وجوهكم وإلى وجوه الرهبان – كيف تبدون وكيف يبدون. ألا ترون حقًّا الفرق؟ ما يشعّ منّا يختلف كليًّا عمّا يشعّ من هؤلاء الناس”. وبالفعل، أنا أيضًا لاحظتُ ذلك حينئذٍ. إذا نظرتم إلى وجوه المسيحيّين الذي يجاهدون روحيًّا، سوف ترون فيها نوعًا من السلام الداخليّ الخاصّ. أمّا الإنسان المتكبّر والغاشّ والشرّير والمحبّ المال، فهيئته تختلف كليًّا. طبعًا يجب ألاّ ندين أحدًا من خلال مظهره، ولكن غالبًا ما يبثّ وجهنا حقيقتنا كلّها

عندما يجاهد الإنسان روحيًّا، يتقدّس وجوده كلّه، النفس والجسد على حدّ سواء، لأنّ الإنسان وحدة نفسيّة-جسديّة. لا يمكننا أن نقسم الإنسان ونقول هنا تنتهي النفس وهنا يبدأ الجسد. كلاّ، خذوا الخبز مثلاً. لكي تصنعوا الخبز، عليكم أن تمزجوا الطحين بالماء وتصنعوا العجينة. ثمّ حين نكون قد خبزنا الخبز، لن نستطيع بعد أن نميّز بين الماء والطحين. هما كلٌّ واحدٌ الآن. ينطبق الأمر نفسه على الجسد والنفس البشريّين. ما دام الإنسان حيًّا، يكون وحدة نفسٍ وجسدٍ لا تنفصل؛ ولهذا يكون الموت عدوّ البشريّة، إذ إنّه يدمّر هذه الوحدة. يموت الجسد وترحل النفس إلى حيث تعيش النفوس. إلاّ أنّ المسيح سوف يبيد الموت وسيقوم الإنسان من جديد. سيقوم الجسد وحده لأنّ النفس لا تموت. حينئذٍ، ستتّحد النفس والجسد من جديد. وسيصير الجسد غير فاسدٍ مثل جسد المسيح بعد قيامته. وسوف يستعيد الإنسان وحدته النفسيّة-الجسديّة

إنّ تدنيس النفس والجسد هو أيّة خطيئة يقترفها الجسد أو النفس. لنجاهد إذًا بمخافة الله من أجل تقديس نفوسنا وأجسادنا. القداسة عملٌ روحيّ. كلّ شيء يظنّ الإنسان أنّه يفعله من أجل الله، هو في الحقيقة يفعله من أجل نفسه. على سبيل المثال، نقول: “أصوم محبّةً بالمسيح”، “أعمل الإحسان من أجل المسيح”، “أذهب إلى الكنيسة من أجل المسيح”. إنّ المسيح لا يحتاج إلى هذا كلّه. إذا لم نَصُم اليوم، بماذا يؤثّر ذلك على الربّ؟ أو ماذا سينال الله حين نصنع الإحسان؟ في الحقيقة، نحن الذين سنستفيد من جرّاء أعمالنا الروحيّة، سننال بركة، سنقدّس ذواتنا. أمّا الربّ فلن ينال شيئًا من ذلك. إنّنا نجاهد من أجل أن نكون مع المسيح. نسعى لكي ننقّي ذواتنا من أجل أن نصير المكان الذي يمكن للربّ أن يأتي ويسكن فيه. يجب فقط أن نفعل كلّ هذه الجهادات بمخافة الله، لكي نحصل على النقاء الداخليّ

ما معنى “بمخافة الله”؟ غالبًا ما نقول ذلك في الكنيسة، أو نصف شخصًا بأنّه يملك مخافة الله. يجب أن نفهم أنّ مخافة الله هذه لا تشبه مطلقًا خوفنا النفسيّ، مثلاً حين نخاف من الكلاب أو القطط أو الطائرات أو الأتراك أو الكورونا. نحن لا نخاف على هذا النحو. عندما تدعو الكنيسة قائلةً: “بمخافة الله، وبإيمانٍ ومحبةٍ تقدّموا…”، لا تعني أنّنا يجب أن نصاب فورًا بالخوف والقلق، ونبدأ بالارتجاف رعبًا. مخافة الله تعني شعورنا بالإجلال، بالمهابة المقدّسة، أي الشعور بأنّ الله قدّوس، وبأنّه أبونا ويحبّنا، وبأنّه الأقدس والأثمن في العالم. وحين يشعر الإنسان بالمهابة والمحبّة والإجلال في قلبه، هذه كلّها مجتمعة تكون مخافة الله

إنّ مخافة الله أساسيّة لبناء علاقةٍ مع الله. هذا هو العمل الأهمّ في حياتنا. كيف نبني هذه العلاقة؟ من خلال حفظ الوصايا، من خلال التوبة عن خطايانا والندم عمّا فعلنا، وذلك عبر الجهاد اليوميّ، وعبر الاشتراك في الأسرار الكنسيّة المقدّسة التي هي عنصرٌ ضروريٌّ في الحياة في المسيح. بالطبع، يجب أن يفعل كلّ إنسانٍ ذلك بحسب قدرته. ثمّ بجهادنا بمخافة الله، نقتني النعمة الإلهيّة في قلوبنا

عندما كنتُ رئيس دير ماخيراس، منذ قرابة الثلاثين سنة، ذهبنا إلى مؤتمر في جورجيا نظّمته الكنيسة الأرثوذكسيّة الجورجيّة. كانت في بداية استعادتها لنشاطها بعد سنواتٍ من الاضطهاد. كلّ شيء كان مدمّرًا. وعندما هبطنا في المطار في تبيليسي، لم أصدّق أنّه مطار. بدا وكأنّنا هبطنا في حقلٍ مفتوح: كان هناك قمحٌ ينمو وأبقار ترعى في أرجائه. وكان مبنى المطار عبارة عن غرفةٍ صغيرةٍ واحدة، فيها خزانةٌ خشبيّةٌ كُتب عليها “السوق الحرّة”، حيث كانوا يعرضون للبيع جرار المربّى وغيرها من المعلّبات! كانت الحالة صعبةً جدًّا في جورجيا في ذلك الحين. وكانت الكنيسة في تراجع. كانت الكثير من الكنائس مدمَّرة، ما يشبه كثيرًا ما نراه اليوم في الأراضي القبرصيّة التي يحتلّها الأتراك. ذهبنا نهار الأحد إلى الخدمة التي يترأّسها البطريرك. إنّ البطريرك الجورجي رجلٌ قدّيس، ما زال حيًّا ولكنّه متقدّمٌ في السنّ. بحسب التقليد، يرتدي البطريرك حلّته الكهنوتيّة خلال الخدمة في وسط الكنيسة. ويساعده الشمامسة ومساعدو الشمامسة. كنتُ واقفًا هناك أراقب الاحتفال متسائلاً: “لمَ كلّ هذا؟” (مَن كان يعلم أنّ الأمر نفسه سوف يحصل لي لاحقًا (كمطران)؟). سمع أفكاري كاهنٌ راهبٌ كان يقف بقربي وقال لي:ـ

“أترى كيف يُلبسون البطريرك؟”

أجبته قائلاً: “نعم”

“أتعلم لمَ يلبسونه كذلك؟”

“لا فكرة لديّ. ألا يمكنه أن يرتدي حلّته بنفسه؟”

“أسبقَ لك أن رأيتَ كيف تجري العمليّة الجراحيّة؟”

” لم يسبق لي أن كنتُ في عملية، ولكنّني رأيتُ واحدةً على التلفاز حين كنتُ صغيرًا”

“عندما يُجري الطبيب عمليةً صعبة، حيث من الممكن أن تكون أيّة حركةٍ من قبله مميتة، لا يجول في غرفة العمليات باحثًا عن مبضعٍ وإبرٍ وغيرها من الأدوات. هو فقط يرفع يده ويجب أن يفهم معاونوه ما الذي يحتاجه، أو في أقصى الحالات قد يقول رقم الأداة. يجب أن يركّز الطبيب كليًّا على العمليّة. والأمر نفسه ينطبق على الكاهن أو الأسقف حين يقيم القدّاس الإلهي – يجب ألاّ يتشتّت بما سيرتدي أو بأيّ شيء آخر. ولهذا يدعى الشمامسة شمامسة (المعنى في اليونانية “خادم” أو “معاون”)، إذ إنّهم يخدمون الأسقف ويساعدونه، حتّى يتمكّن من تكريس نفسه بالكليّة للصلاة والقداس الإلهي من دون تشتّت

يقول بولس الرسول نفسه لنا: “تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ” (في 2: 12). ويعني ذلك أنّ علينا أن نتمّ خلاصنا، وعلاقتنا بالله، وعملنا الروحيّ كلّه بخوفٍ وارتجاف. لا نفعلنّه بعجلةٍ أو تهاون، ولا كنوعٍ من النشاط الجانبيّ، بل بوصفه أهمّ أمرٍ في حياتنا. على سبيل المثال، عندما نقود سيّارة، نثبّت عينينا على الطريق، ولكن ما إن نبدأ بالنظر إلى جانب الطريق حتّى يحصل حادث. يجدر بنا أن نسلك طريق الله على النحو ذاته، مرتقين إلى القداسة بمخافة الله