الشفاء وتدبير الله

الشفاء وتدبير الله

الشيخ سمعان كراغيوبولوس

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

إن سر مسحة المرضى هو لشفاء أمراضنا. إذا لم نشفَ، فلسنا بحاجة للشفاء. هذا هو السبب في أننا لم نشفَ. إذا استوعبتَ هذا النقص في الشفاء، تكون قد شفيتَ بالفعل. أنت تعلم بالفعل أن المرض الذي يتباطأ ولا يزول يكون ثميناً

كل ما ينبغي التخلص منه سيزيله الله. كل ما لا ضرورة لبقائه يزيله الله، سواء كان مرضًا أو تأثيرًا شيطانيًا. وأياً كانت الأشياء التي تستمر وتؤذينا، يجب أن نصلي لله. يجب أن نصلي عدة مرات، مرارًا وتكرارًا، يجب أن نصلي ليس فقط من أجل النجاة من أمراض روحنا والتأثيرات الشيطانية بل أيضًا من أجل الخلاص من الأمراض الجسدية

فلنضرع إلى الله من أجل كل شيء مراراً وتكراراً. ليس لأن الله يحتاج أن يسمع صلواتنا بشكل متكرر، بل لأننا بحاجة إلى أن نبرهن سعينا إليه أي إيماننا. يتعلّم الإنسان المعاصر هذه الدروس من التكرار. إذا صليت مرارًا وتكرارًا، وهذا ما تحتاج أن تقوم به، ولم يستجبْ الله صلاتك أو يزيل أمراضك، أدرِكْ هذا: إما أنك لم تظهِر الإيمان كما يريد ويتوقع منك، أو أنه يجب أن يبقى المرض لأنه ضروري لك

إذا فهمت مرضك من منظور الله، فإنك تشعر بشفاء مضاعَف إذا بقي المرض. إذا شفاك الله فإنك تشفى مرة واحدة. إذا استمر المرض، فسوف تشعر بالشفاء مرتين. عندما يحين وقت الشفاء من مرضك وفي الوقت المناسب ستشعر روحك بالشفاء أيضًا. عندما يحدث هذا، سيشفى إنسانك الداخلي، وهو الشخص الذي يعاني من المرض، من جذام الخطيئة

الشيء نفسه ينطبق على جميع الأمراض العقلية وكل ما يؤلمنا من الأشياء الأخرى. إذا نظر الإنسان إلى جميع قضاياه من ضمن العناية الإلهية، فسيشعر بمثل هذا الارتياح، كما لو أن جميع مشاكله قد حُلَّت. لأن في الله يُحَلّ كل شيء

Excerpt from the Book: “Are You in Pain? Looking deeply into the mystery of pain”. Archimandrite Symeon. To Perivoli Tis Panagias. Thessaloniki, Greece, 2016

شعب الله هم نور العالم

شعب الله هم نور العالم

الميتروبوليت يوئيل فرانغاكوس*

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

تخصص كنيستنا أحداً لتحتفل بالآباء الذين شاركوا في المجمع المسكوني الرابع الذي ناقش واختتم بشكل نهائي طبيعتي المسيح. إن المقطع الإنجيلي الذي يُقرأ في الكنائس مكرس لهم وهو من عظة ربنا على الجبل. المسيح، كإله وإنسان، يدعو تلاميذه بنور العالم. دعونا ننظر إلى كلمات المسيح عن كثب

ماذا يعني مثال النور؟

استخدم الرب مثال الملح (متى13:5) والنور لتلاميذه. مثال النور أسمى. بحسب القديس يوحنا الذهبي الفم، عندما يتحدث عن المدينة الواقعة على التل، والتي لا يمكن إخفاؤها، فإنه يعني “طريقة عيش صارمة وحياة نقية”. إنه يدرّبهم ليكونوا مستعدين للمعركة في حياتهم، وأن تكون أعين الجميع معتادة عليهم وليقاتلوا العالم بأسره

لقد أضاء المسيح نور نعمته فينا. مساهمتنا الخاصة هي الحفاظ على هذا الضوء حياً. يجب أن يؤثر سطوع حياتنا على الآخرين. المسيح هو نور مطلق ويقول في الواقع عن نفسه إنه “نور العالم” (يوحنا12:8). ومثله، فإن المؤمنين والقديسين نور وكواكب. يكتب القديس بولس: “لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلًا ظُلْمَةً، وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ. اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُورٍ.” (راجع أفسس 8:5). وفي رسالة أخرى، كتب عن المسيحيين، “تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ. مُتَمَسِّكِينَ بِكَلِمَةِ الْحَيَاةِ” (فيلبي15:2-16)

الكنيسة هي نور العالم

إن الرب هو بالفعل النور الذي يرشد الناس من الضلال إلى الحقيقة، ومن الخطيئة إلى الفضيلة، والذي ينير أذهاننا. يعمل المؤمنون أيضًا عمل المسيح. وكما يقول أحد اللاهوتيين المعاصرين: ليس الخلاص شأناً فردياً ولا يقتصر على دائرة ضيقة من “المختارين”. بالأحرى هو مُقدّم للعالم كله. الخلاص ليس نوعًا من الروحانيات، بل هو نقيض النظام الشيطاني، نظام الظلمة والتحلل

الكنيسة نور العالم. هذا يعني أن لديها مسؤولية عالمية تغطي الكون ويشترك فيها كل واحد منا. نحن لا نحيا لأنفسنا ولا لأي دائرة قومية أو أيديولوجية أو دينية معينة. نحن نعيش من أجل إخواننا وأخواتنا في جميع أنحاء العالم، بغض النظر عن مدى اختلافهم عنا أو مدى معارضتهم لنا. أعطى المسيح لتلاميذه هذه الوصية المهمة: “تَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ” (أعمال الرسل 8:1). علينا أن نرفع نور المسيح في أقاصي الأرض، يشير إشعياء إلى الآب الذي يخاطب المسيا قائلاً: ” قَلِيلٌ أَنْ تَكُونَ لِي عَبْدًا لإِقَامَةِ أَسْبَاطِ يَعْقُوبَ، وَرَدِّ مَحْفُوظِي إِسْرَائِيلَ. فَقَدْ جَعَلْتُكَ نُورًا لِلأُمَمِ لِتَكُونَ خَلاَصِي إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ” (6:49). المسيح هو نور الأمم، ومن خلال المؤمنين تلتزم الكنيسة بنقله إلى أقاصي الأرض. الأشخاص الروحيون الذين يطهّرون أنفسهم باستمرار مجاهدين من أجل محبة الله، والذين يتواضعون في جسدهم بممارسة النسك، والذين يملئون أذهانهم بالنور من خلال الصلاة والدراسة، والذين عرفوا “أسباب الوجود”، وتغلّبوا على كل العواطف الدنيوية، هم القادرون على التبشير بالمسيح ونقل نور الإنجيل، بحسب ما يقول القديس نيكيتاس. هؤلاء هم الأشخاص الذين يخاطبهم المسيح عندما يقول: “أنتم نور العالم” (متى 14:5)

واجبات المؤمنين

في ما يتعلق بنقل رسالة الإنجيل، يقع على عاتق القادة الروحيين في كنيستنا مسؤولية كبيرة، شأنها في ذلك شأن العلمانيين. الأساقفة والكهنة والعلمانيون الذين يعرفون ويعيشون نور الإنجيل، ينقلون خبراتهم للآخرين. من ناحية أخرى، إذا أظهر أولئك المكلّفون بإظهار المصباح تقصيرًا في الإيمان، فتتأجّل بشارة الآخرين، وفي الواقع قد تخسر أرواحهم. إن خطايانا وحياتنا الشخصية غير المقبولة تؤثّر بشكل سلبي على الأشخاص الذين لم يعرفوا المسيح بعد. فلنحرصْ على أن نكون ثابتين في القول والعمل حتى يتّقد نور تعليم الرب الخلاصي باستمرار في جميع أنحاء العالم

* مطران آداسا وبالا وألموبيا، اليونان

كيف نتعامل مع الأزمات بطريقة روحية

كيف نتعامل مع الأزمات بطريقة روحية

أثناسيوس ميتروبوليت ليماسول

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

في الواقع، نحن نواجه بعض الأوقات الصعبة التي تؤثر على الجميع. يبدو أننا جميعًا على متن سفينة – السفينة هي بلدنا الصغير – تبحر في البحار الهائجة دون معرفة أين نحن أو إلى أين نتجه. كلما أصابت بعض المصاعب دولة أو أسرة أو مجتمعًا تكون حقيقية ومؤلمة. ومع ذلك، لا يقدّم المرء عزاءً بقوله أنّ لا شيء يجري. الطريقة الصحيحة هي الاعتراف بأننا نواجه بعض المصاعب والبحث عن طرق للتعامل معها

عندما يواجه وطن أو إنسان مشقةً ويكون مضطرباً يعاني، يكون قلِقاً ويواجه ظروفاً وخيمة، هذا لا يعني أن سبب كل شيء هو الله، لأن الله لا يرغب في جعل الناس يعانون، ولا يتعاون مع الضيق الذي يصيبنا. المشقة والقلق والمعاناة لا تنشأ أبداً من الله بل هي إما بسبب الشيطان أو بسبب أفعالنا

ومع ذلك، بغض النظر عن مصدرها، فإن المهمة الرئيسية هي محاولة التعامل مع الموقف بحكمة واستخدامه للتقدم روحياً، من خلال تحويل المشقة إلى نعمة والظلام العميق إلى نور حقيقي. لا أحد معفى من المشقة، لا الخطأة ولا القديسون، لا الأغنياء ولا الفقراء؛ يجب على الجميع تذوق مرارة الضيقة في وقت ما

القضية هنا ليست كيفية تجنب المشقة بل كيفية التعامل معها. عندما كان بولس الرسول يتحدث إلى الذين كانوا في حِداد لم يكن يخبرهم أن “الرب سيعفيكم من الحزن والموت” بل “لا تحزنوزا كالذين لا رجاء لهم” (1تسالونيكي 13:4). بعبارة أخرى، كان يخبرهم أنهم سيشعرون بالتأكيد بالحزن وأن السيف سيعبر في قلوبهم (بسبب وفاة أحبائهم)، لكنه كان يحذرهم من أن يصبحوا مثل الآخرين الذين ليس لديهم رجاء. أنتم يا أبناء الكنيسة، يجب عليكم أن تتعاملوا مع هذه المشقة وأن تبحِروا بها بوضع رجائكم الوحيد على الرب يسوع المسيح. لا يوجد أحد آخر ممكن أن نعلّق آمالنا عليه. وكما قال ديونيسيوس سولوموس “ليس من السهل فتح الأبواب حين تضرب الضرورات”

بالطبع يمكن للمرء أن ينظر إلى الوضع الحالي في ضوء مختلف لأنه قد يعلمنا العديد من الدروس. وبالتحديد، نحن مسؤولون أيضًا عن المصاعب التي نواجهها حاليًا لأننا تخلينا عن طريقة التفكير المناسبة وشعرنا بالأمان في الأشياء غير الآمنة، في الأمور الخاطئة والهشة. وستسبب هذه المصاعب بعض الخير على المدى الطويل. ومع ذلك، من الصحيح أن الضربة الأولى تسبب المرارة والألم

ماذا نستطيع ان نفعل الآن؟ أولاً وقبل كل شيء، يجب أن نؤمن بأن الرب هو الذي يحكم كل شيء بينما كل أولئك الذين يعتقدون أنهم يحكمون العالم هم بلا قوة. حتى الشيطان عندما جرّب المسيح وأظهر له كل ثروة العالم ووعد بتسليمه له إذا عَبَدَه، قال يسوع: “اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ” (متى 10:4). هناك أناس يعتقدون أن بإمكانهم النجاح في كل شيء من خلال جهدهم وحدهم. بالطبع إذا كنت في منصب مسؤول يجب أن تفعل كل شيء ممكن إنسانياً من أجل تحقيق أفضل نتيجة ممكنة. ولكن قبل كل شيء، يجب أن تدرك أن من يحكم العالم ومن سيتنازل في النهاية أو لا يتنازل عما يحدث للعالم هو الرب وليس أي إنسان. قد يضع أناس الشر مخططات؛ وقد يتسبب الشيطان وأتباعه في إزعاج الناس، أسَرَاً بأكملها، ومجتمعات ودول بأكملها، وحتى العالم كله؛ ومع ذلك، ليس لديهم قوة ضد ضحيتهم ما لم يسمح الرب بذلك

عندما لم يردّ المسيح على بيلاطس أثناء استجوابه، قال له الأخير: « أَمَا تُكَلِّمُنِي؟ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ لِي سُلْطَانًا أَنْ أَصْلِبَكَ وَسُلْطَانًا أَنْ أُطْلِقَكَ؟” (يوحنا10:19) فأجاب يسوع “لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ سُلْطَانٌ الْبَتَّةَ، لَوْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُعْطِيتَ مِنْ فَوْقُ” (يوحنا 11:19). بعبارة أخرى، “لن يكون لديك أي سلطة عليّ، إذا لم يمنحك الله الإذن للمضي قدمًا فيما أنت على وشك القيام به”. لذلك، علينا أن نكتسب إيمانًا عميقًا لا يتزعزع بأنه لن يحدث أكثر ولا أقل مما يسمح به الله. يجب علينا أيضًا أن ندرك أننا مسؤولون أيضًا عن هذه المصاعب؛ نحن نعاني لأننا كنا جشعين ولا نفكّر وأصدرنا أحكامًا سيئة

ومع ذلك، نحتاج أن نطلب من الرب أن يأتي لإنقاذنا بإرساله لنا العناية الإلهية. كيف نقوم بذلك؟ عندما يقف الإنسان أمام الرب في توبة عميقة، يعترف بسلوكه السيئ وطرقه الشريرة وبأنه كان يعيش حياة تافهة وجاحدة، ويتوب ويأسى، عندئذ يجتذب العناية الإلهية. كل المحن تحدث ليس لأن بعض الناس يتمنون ذلك ويخططون ضدنا ويحرضهم الشيطان وحسب، بل أيضًا لأننا أبعدنا العناية الإلهية بخطايانا وغبائنا. من المعلوم أنه كلما ابتعد الإنسان عن الرب يقترب من عدو خلاصنا وتلحق به كل المصاعب والعواصف لأنه يبقى دون حماية في وجه كل ما يعترضه في حياته

في العهد القديم، كان جميع الأنبياء ورسل الله يؤكدون أن الخطيئة هي سبب كل مشقة. لقد حذّروا من أن المحن تصيب الناس ما لم يتوبوا ويغيّروا طرقهم. ومع ذلك لم يلحظ الناس ذلك. كانوا يعيشون على هواهم، بل كانوا يضطهدون الأنبياء ويرفضونهم ويسخرون منهم، ويطلبون منهم عدم إزعاجهم بأشياء مقلقة. عندما كانت المصاعب تصيبهم، كان الأنبياء يعانون أيضًا مع الناس؛ لهذا السبب يُنظر إليهم على أنهم قديسون عظماء في عيني الرب لأنهم كانوا يعانون مع الناس وكانوا في الطرف المتلقّي لكل عواقب خيانة الشعوب. في نفس الوقت كانوا يحاولون مؤازرتهم وقيادتهم إلى طريق الخلاص

إلى ماذا كان هؤلاء الأنبياء يشيرون؟ ومن المؤكد أنهم لم يقترحوا حلولاً ومخارج دنيوية. كانوا يدافعون عن التوبة والعودة إلى الرب وتغيير طرق الناس وأفكارهم. كانوا يدعون إلى التوبة والعودة إلى حضن الرب الآب لاجتذاب العناية الإلهية؛ حتّى يتحسن الوضع تدريجياً. ما نحتاجه ليس العودة إلى ما كان لدينا من قبل؛ إن لم نغيّر طرقنا فلن ينتج أي جيّد من الوضع برمته. الهدف ليس البقاء على قيد الحياة خلال أزمة مالية وعالمية فحسب، بل تغيير طريقة تفكيرنا وعقولنا، أي التوبة. مَن ينجح بهذا يعني أنه عمل بشكل مناسب على نفسه وحوّل المشقة القائمة إلى صراع روحي. من دون حدوث هذا، فسوف ننسى كل شيء ونعود إلى طرقنا ما أن تعود الأمور حسنة

Source: ‘Paraklisi’ magazine, volume 72, May-June 2013

اليقظة السلبية واليقظة الإيجابية

اليقظة السلبية واليقظة الإيجابية

الأرشمندريت زخريا زخارو

نقلها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

اليقظة السلبية هي عندما نقاوم هجمات الأفكار السيئة. بمجرد ظهورها، نرفع أذهاننا إلى الله قائلين: “يا رب ، لقد جاء أعدائي ، ردّ عني ضدهم”، ونحاول ألا نسمح لأذهاننا بالاستسلام. كان للقديس سوفروني قول مأثور: “لا تُخضِعْ عقلك”، أي لا تستسلم لفكر العدو الذي يهاجمك. اليقظة السلبية هي أن نقول “لا” لكل فكرة سيئة تقترب منا. يخبرنا الأب سوفروني أن كل الأفكار السيئة ستمرّ من خلالنا حتى نقول “لا” لها جميعًا وفي النهاية سيبقى الله وحده. نحن لسنا ساذجين، كما يقول القديس بولس “لسنا جاهلين بأفكار العدو” (2 كورنثوس 2: 11)، نحن نعرفها لكننا لا نقبلها

اليقظة الإيجابية هي كل ما نقوم به لكي نلبس القوة من العلاء حتى نصبح مخيفين للغاية لخصومنا لدرجة أنهم لا يستطيعون الاقتراب منا. إذا كنا نعيش في أتون التوبة هذا، وقلوبنا تحترق بالدموع والرثاء المر، نندب أنفسنا، إذا كانت قلوبنا حارّة ومتحمسة، فببساطة، العدو لا يستطيع الاقتراب فنتمتّع بحريتنا. يقول القديس سمعان اللاهوتي الحديث أنه عندما نقتني قلباً نادماً، لا ترتقي إلى أذهاننا أو شفاهنا أي فكرة من العدو. تغرق الفكرة في الحلق قبل أن تخرج. اليقظة الإيجابية تعني بناء أسوار أورشليم، أي البقاء في أمان هذه الجدران، وبناء حالة روحية قادرة أن تمنحنا القوة لرفض العدو وطرد أي فكرة خاطئة بطرفة عين. هذه الحالة الروحية تصبح قوة داخلية وهي تتشكل بالتوبة. في مثل هذه الحالة، إذا هاجمنا فكر سيء من العدو، نشعر باقتراب تلك الفكرة على أنها متأتية من هوى معين قبل أن يتبلور شكلها. نشعر أن طاقة أجنبية معادية تقترب، وإذا أغلقنا الباب، لا نرى حتى ما إذا كانت فكرة كبرياء أو شائبة أو أي شغف آخر. يقول القديس سوفروني أن هذه علامة على اتحاد العقل والقلب. هذه هي الحالة الطبيعية للإنسان الذي يعيش بحسب وصايا الله. هكذا يشعر الرهبان دائمًا بمقاربة الأفكار قبل أن يروا شكلها الواضح، وهذه يقظة كاملة

آباء البرية في مصر في القرن الرابع كانوا يصلّون باستمرار وبشكل ثابت كي يُعطوا روح التوبة، لأنهم علموا أنها ستحميهم وتجعلهم مخيفين لأعدائهم. الجهاد هو كيفية تعرية كل فكر وكل شكل نسبي من الوجود. ومع ذلك، هذا هو الجزء الأول والأقل أهمية بالنسبة لنا: نحن لا نحاول فقط تعرية الإنسان القديم من مشاعره وشهواته، بل بشكل خاص أن نلبَس الجديد أي الإنسان السماوي المتجدد، بنعمة الله غير الفاسدة والتي تبني لنا مسكنًا في السماء. نحن نبني هذه الحالة من القوة الداخلية ضد العدو من خلال علاقتنا مع الإله الشخصي، الذي هو بالنسبة لنا الأبدية والفردوس. كما يقول الرسول، فإن حياتنا مستترة في شخص المسيح (راجع كولوسي 3 ، 3). أعظم فضيلة بالنسبة لنا هي التواضع الذي يحفظ المحبة التي هي علاقتنا مع الله الشخصي

مخافة الله هي تقواه ومحبته

مخافة الله هي تقواه ومحبته

الميتروبوليت أثناسيوس مطران ليماسول

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

الكنيسة لا تعارض الجسد البشري. لهذا حرص الآباء على عدم إتلاف أجسادهم بجهودهم النسكية. لقد حاولوا إخضاعها للروح القدس ووصايا الله، حتى لا يسعوا وراء ملذات وهفوات الجسد، لكنهم لم يقبلوا أبدًا إتلاف أجسادهم. في الأدب الآبائي، هناك مقولة مفادها “إننا لا نذبح الجسد، لكننا نذبح الأهواء”. إنها الخطيئة والأهواء التي تقتل وليس الجسد الذي هو هيكل الله. وإذا بدا، في بعض الأحيان، أن القديسين يظهرون قاسين وبلا رحمة في معاملتهم للجسد، فلم يكن الهدف قتل الجسد، بل كما قلنا قتل الخطيئة والأهواء. لأن أجسادهم كانت أسرى الخطيئة والأهواء التي جابهوها بهذه الطريقة. لم تسمح الكنيسة للناس بقتل أو تشويه أجسادهم سعياً وراء بعض الفضيلة. وإلى جانب ذلك، في جو الكنيسة، علينا أيضًا أن نتعلم كيف نتغلب على الاختلاف بين الجنسين. بعبارة أخرى، يجب أن نتعلم أن ننظر للآخرين ليس من منظور جنسي أو جسدي، بل باعتبارهم صورًا لله، كإخوتنا وأخواتنا، كأشخاص مخلوقين للتقديس والتمجيد. إذا رأيناهم في هذا الضوء، فلن ننظر إليهم بطريقة خاطئة، بل بطريقة مقدسة وفاضلة. هذه هي نظرة الكنيسة إلى الجسد البشري

يقول الله في العهد القديم: “أسكن بينهم وأسير معهم وفيهم وأكون إلههم”. يتكلم الله شخصيًا، قبل المسيح بآلاف السنين، ويقول إنه سيصنع شعبًا خاصًا به. لا يوجد عرقية في الكنيسة. لهذا نحن نعمل جميعًا معًا، بغض النظر عن الأصل العرقي، ودون أن يعني هذا بطبيعة الحال تجاهلَ وطننا وأمتنا. لكننا في الكنيسة نتجاوز هذا. لذا، في الكنيسة هناك شعب جديد، أمة جديدة. إن الأشخاص الذين قال الروح القدس منذ آلاف السنين أن الله يسير في وسطهم ويكون إلههم هم في الواقع أمة المسيحيين. نحن شعب جديد ولا نعتمد على الأصول العرقية. ولهذا يقول النبي إشعياء: “فاخرجوا من وسطهم واعتزلوا يقول الرب ولا تمسوا نجسًا”. هذا في الواقع يردده القديس بولس، نقلاً عن إشعياء

يقول الله أنه سيقبلنا وسيصبح أبانا وسنكون أبناءه وبناته. بهذه الطريقة، يحثنا الله على فصل أنفسنا، ليس عن الآخرين، بل عن الخطيئة، أي عن النظرة الدنيوية. عندما يخبرنا أن نترك العالم وألا نحبه، فهو لا يقصد إخواننا من البشر، ولكن الطريقة الدهرية للنظر إلى الأشياء، أي الخطيئة. الذين يريدون أن يتبعوا المسيح لا يمكنهم فقط أن يفعلوا ما يفعله الآخرون وحسب. لكي تتبعوا المسيح، يجب أن يخبركم قلبكم بذلك وعليكم أن تتركوا وراءكم النظرة الدنيوية. عليكم قطع كل اتصال مع الخطيئة. عندئذٍ يصبح الله أباكم وتصبحون أبناءه وبناته. هذا معطى مطلق، لأنه عندما يقول الله شيئًا ما فإنه يكون مختوماً ومحققاً من صحته ومكرراً على مدار القرون. الله لا يترك أحداً. لماذا إذن نحن جبناء وكسالى؟ لدينا وعد الله. لذلك فلنتّخذ الخطوة الأولى: أن نخالف طريقة التفكير القائمة والدهرية، وبعد ذلك سيصبح الله أبانا ونحن أبناءه وبناته

يتابع القديس بولس قائلاً: ” فإذ لنا هذه المواعيد أيها الأحباء لِنُطهِّر ذواتنا من كلِّ دنس الجسد والرُّوح مكمِّلينَ القداسةَ في خوف الله”. أي يجب أن نطهّر أنفسنا من كل خطيئة تُرتكب سواء في الجسد أو الفكر أو الروح، وأن نعيش حياة مقدسة في مخافة الله. خوف الله ليس خوفًا نفسيًا، بل هو وعي لمحبته ورهبة نشعر بها في نفوسنا تجاهه عندما نتأمّل عظمة قداسته وطهارته. عندما نعاين هذه القداسة وندرك مَن ينبغي أن نكون ومَن نحن، ونخاف على انقطاع علاقتنا به، يكون هذا هو خوف الله. خوف الله بطريقة نفسية معناه غياب المحبة الحقّة. يقول القديس يوحنا أن المحبة الكاملة تطرد الخوف. يقول القديس أنطونيوس: “أنا لا أخاف الله لأني أحبه”. لذا فإن مخافة الله هي تبجيله ومحبته. إذا كنتُ أحبُّ الله أكون حريصاً على ألا أفقد هذه المحبة، ويزداد هذا الحرص بقدر ما تزداد هذه المحبة

تنقية القلب

تنقية القلب

المتروبوليت أثناسيوس ليماسول

نقلتها إلى العربية الخورية جولي عطية عيسى

منذ الرابع من آذار 2020، يجري صاحب السيادة المتروبوليت أثناسيوس ليماسول مناقشات أسبوعيّة مع المؤمنين، مفسّرًا الكتاب المقدّس، ومطّلعًا على حاجاتهم، ومجيبًا على تساؤلاتهم

كنّا قد وصلنا إلى الفصل السابع من رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس. في بداية الفصل، يقول الرسول ما يلي: “فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ فلنُطَهِّرْ أنفُسنا مِنْ كُلِّ ما يدَنّسُ الْجَسَدَ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ بِمَخافَةِ اللهِ” (2 كور 7: 1). ثمّ يتكلّم الرسول بولس على الأحزان التي كان على الكورنثيّين أن يقاسوها. من المفيد جدًّا لنا أن نسمع اليوم هذا الكلام، لأنّنا نرى بذلك أنّ المسيحيّين الأوائل واجهوا هم أيضًا مصاعب الحياة والتجارب والخطايا، وأنّ حياتهم لم تكن ملائكيّة. ولكن ما يهمّ هو أنّهم تعاملوا مع ذلك روحيًّا: من خلال التوبة، ومن خلال جهاد تصحيح الذات

يقول الرسول بولس في الفصل السابق إنّ جسدنا هو هيكل الروح القدس، وإنّ الله يسكن في الإنسان. وبما أنّ جسدنا هو هيكلٌ كهذا، فعلينا أن ننتبه لئلاّ ندنّس جسد الله، كما نفعل مثلاً مع أيّ بناءٍ كنسيّ: فنحن نعتبر الكنيسة مكانًا مقدّسًا ولا نفكّر مجرّد تفكيرٍ بارتكاب أيّ فعلٍ دنيءٍ فيها. يجب أن ينطبق الأمر نفسه على جسدنا، وعلى نفسنا، وعلى وجودنا برمّته، الذي هو هيكل الله. ” فَإِنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ” (2 كور 6: 16). يدعونا الله إلى أن نرفض الخطيئة والشرّ وكلّ تجربة لكي نصير بحقٍّ شعب الله، ولكي يصير الربّ أبانا ونحن أبناءه وبناته (راجع 2 كور 6: 18).

إذًا، تقول بداية الإصحاح السابع: “فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِدُ…”. إنّ الذي يَعِدُ هو الله نفسه. يَعِدُ بأنّه سيكون أبانا ونحن سنكون أبناءه عندما نرفض الخطيئة وكلّ ما يدنّس وجودنا. وإذا وعد الله بشيء، فهو لا يكذب مطلقًا. مواعد الله تتحقق؛ هو ليس مثلنا نحن الذين نَعِدُ عادةً بالقمر ولا نستطيع حتّى أن نفي نصفه. إذًا، الجهاد الذي نصنعه فيه ترقّب الحياة الأبديّة

عندما ننال موعدًا من الله، لا يمكننا دائمًا أن نفهمه. نحن نرتجي عادةً من الله شيئًا يكون ضمن نطاق إدراكنا وفهمنا. ولكن، كلّ ما نتلقّاه من الله هو بالحقيقة أكبر وأوسع بكثير ممّا يمكننا تخيّله. مواعد الله تعمل مثل التوازن. في الجهة الأولى من الميزان لدينا ثقل أعمالنا الروحيّة وصبرنا ورجاؤنا – والجميع لديهم شيءٌ ما. وفي الجهة الثانية لدينا مواعد الله. النتيجة ليست فقط توازنًا، بل إنّ مواعد الله تبطل مصاعب حياتنا هذه. الله غير مدرَك. من المستحيل أن نفهم ونقتبل بحقٍّ أيّ شيء نتلقّاه من الله. الله غنيّ. هو ليس مثلنا نحن الذين لدينا مقاييسنا الخاصّة وقيودنا الخاصّة. الله فيّاضٌ بالرحمة؛ محبّته لامتناهية ولا يمكن لمخلوقٍ أن يحتويها كلّها. الإنسان الذي يشعر بمحبّة الله يصعب عليه وصفها لأنّها تفوق الوصف

أتذكّر كيف أنّ القدّيس باييسيوس أخبرني ذات مرّةٍ عن رؤيته للقدّيسة أوفيميّة. كان ذلك في الصوم الكبير، كما نحن الآن (في وقت هذا الحديث)، في الأسبوع الثاني منه. ظهرتْ له في الصباح في قلاية الصليب المكرّم في كابسالا، وبقيت معه طول النهار. وصفتْ له القدّيسة أوفيميّة حياتها كلّها، لأنّ الشيخ لم يكن يعرف سيرتها. كان قد سمع عن قدّيسةٍ تُدعى أوفيميّة، ولكنّه لم يعلم أيّ شيءٍ عنها. أخبرته أنّها كانت شابةً تعيش في القرن الرابع في مدينة خلقيدونية، وكان عليها أن تقاسي أمرّ التعذيبات من أجل المسيح. وبينما كانت تخبره عن ذلك، رأى الشيخ حياتها كلّها أمامه، مثل فيلمٍ على التلفاز. ثمّ عندما وصلت إلى عذاباتها، خاف القدّيس باييسيوس ممّا رأى وسألها قائلاً: “كيف استطعتِ احتمال هذه العذابات كلّها؟” لقد كانت شابّةً صغيرة، والعذابات كانت بأكثر وحشيّة يمكن تصوّرها. فأجابته القدّيسة قائلةً: “يروندا، لو علمتُ أيّ مجدٍ سينال الشهداء في السماء من أجل عذاباتهم، لكنتُ جاهدتُ لكي أتعذّب أكثر، لأنّ ذلك كلّه وقتيٌّ ولكنّ مجد الله أبديّ”

دائمًا ما يقول لنا الرسل والآباء القدّيسون أنّه إذا احتملنا تجربةً ما من أجل محبّة المسيح، علينا أن ندرك أنّ مكافأة المسيح ستكون أعظم بكثير. ويجب أن نسعى من أجل نيل المكافأة من الربّ والشركة الأبديّة معه. نعم، قد يبدو الأمر وكأنّنا نخدم مصلحتنا إن طلبنا مكافأة، ولكنّنا أناسٌ ضعفاء في النهاية، ونحتاج ببساطةٍ إلى أن نرى أفق أفعالنا – هكذا هي طبيعتنا. أفق الحياة الأبديّة هو الموعد الذي أعطانا إيّاه الله. إذًا، عندما نمرّ بأوقات صعبة، يجب أن نتذكّر مواعد الله؛ يجب أن نتفكّر بصعودنا إلى الملكوت السماويّ، بأنّ حياتنا لا تنتهي بمضي هذه السنوات القليلة التي أُعطيت لنا لنعيشها هنا على الأرض، بل سوف تستمرّ في الملكوت الأبديّ. حينئذٍ، سنتمكّن من تخطّي أيّة صعوبة نواجهها، أكان على الصعيد الشخصيّ أم الاجتماعيّ أم العامّ، مثل الخطر الناتج عن فيروسات متنوّعة، أو تعدّي الأعداء على أمننا وراحة بالنا. بالطبع، نحن أناس، والقلق على حياتنا داخليٌّ فينا. ولكن مَن يستطيع أن يضمن لنا سلامتنا؟ مَن يستطيع أن يجزم لنا أنّنا لن نصاب بالكورونا؟ الله وحده يمكنه أن يمنح العالم الأمان. عندما يهب الإنسان حياته لله ويقول: “سيهتمّ الله بكلّ شيء”، سيشعر حينئذٍ بسلام النفس. هذا ما اعتاد أجدادنا على قوله، وكانوا أناسًا سلاميّين. دائمًا ما كانوا يقولون: “سيهتمّ الله”، وكانوا يؤمنون بما يقولون. وكانوا في الوقت عينه مستعدّين ليقاسوا أيّ أمرٍ يحدث في حياتهم، ممتلئين إيمانًا بأنّ الله يرى حياتنا كلّها. وحتّى عندما يأتي الموت، أي أسوأ شيء يمكن أن يحدث لإنسان، فهو لن يكون مرعبًا لأنّ الله قد غلبه

نحن نختبر غلبة المسيح على الموت كلّ يومٍ في الكنيسة. لقد دُمّر الموت بموت يسوع المسيح. وإذا كان لنا رجاءٌ في المسيح القائم، سوف نغلب الموت والفساد والمخاوف وعدم الأمان… لقد وعدنا المسيح بأن يكون معنا إلى الأبد. هو لا يطلب منّا سوى شيئًا واحدًا: أن ننقّي ذواتنا من الخطيئة. فكيف نفعل ذلك؟

طبعًا بواسطة الجهاد الذي علينا كلّنا أن نفعله: جهاد التنقية من الأهواء، جهاد الصوم، والصلاة، والمطالعة الروحيّة، والاعتراف، والاشتراك في أسرار الكنيسة، وعمل الإحسان، ومن خلال أيّ جهادٍ روحيّ ضمن طاقة الإنسان. كلّنا لدينا ضعفاتنا الخاصّة بالطبع، ولا يمكننا التغلّب على خطايانا كلّها. إنّ خلاصنا لا يشتمل على خبرةٍ بلا خطيئة، بل على توبة. يجب أن نتعلّم أن نتوب عن خطايانا وضعفاتنا. إذًا، من خلال التوبة والصلاة، ننال نعمة الله، وتصير التوبة سبب خلاص الإنسان. في النهاية، ليست الحياة التي بلا خطيئة هي التي ستخلّصنا (لا أحد منّا يعيش حياته كلّها من دون أخطاء أو خطايا). سوف نرتكب الأخطاء ونقترف الخطايا، كلّ ذلك بسبب ضعفنا. عندما نمارس جهاد محاربة الخطيئة، سندرك أنّنا لا نستطيع أن نتغلّب على كلّ شيء. وعندما نشعر بضعفنا وعدم قدرتنا على غلبة الخطيئة، سوف نحتاج إلى أن نتوب بصدق. التوبة دليلٌ على التواضع. الإنسان المتواضع تائبٌ دائمًا، ولكنّ الإنسان المتكبّر ليس تائبًا مطلقًا، لأنّ لديه فكرة مضخّمة عن نفسه، ولا يشعر بالحاجة إلى التوبة أمام الله

الصوم الكبير الذي نحن فيه الآن هو الزمن الأجمل، المملوء بالتوبة والتواضع. إذا سمعتم صلوات الصوم التي تُقرأ يوميًّا في الكنيسة، سترون أنّها مملوءةٌ بصرخة التوبة والتواضع، التي لا تقود الإنسان نحو ظلام اليأس والقنوط، بل تمنحه شجاعةً، ورجاءً، وصبرًا، ومخرجًا، ونورًا في نهاية النفق، الذي ليس سوى محبّة الله وحضوره في حياتنا

إذًا، يقول بولس الرسول: “فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ فلنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ ما يدَنّسُ الْجَسَدَ وَالرُّوحِ”. يبدو هنا وكأنّه يفصل بين الخطيئة الجسديّة والروحيّة. في الواقع، لا فرق بينهما لأنّ الإنسان حين يخطأ، يخطأ بجسده ونفسه معًا. ولكن من أجل أن ندرك كلّ وجوه الخطيئة، يفصل الرسول بينها، ويسمّيها دنس الجسد والروح. ثمّة خطايا جسديّة، أي تلك التي يقترفها الجسد، والتي نعرفها كلّنا جيّدًا ونحاربها. ولكنّ الإنسان بكليّته يخلص. على سبيل المثال، نقول إنّنا نصوم، إنّنا نمتنع عن الطعام. إنّ صومًا جسديًّا كهذا له أثرٌ مفيدٌ بلا شكّ على نفسنا أيضًا لأنّ الإنسان هو وحدة نفسٍ وجسد. إنه شيءٌ أن تتناول حساءً خفيفًا، وشيءٌ آخر أن تتناول شيش كباب. ثمّة فرق بينهما. كذلك، ثمّة فرقٌ بين الإنسان الذي يصوم وذلك الذي لا يصوم، بين الإنسان اليقظ الذي يصلّي وذلك الذي ينام عشر ساعات. كلّ حركةٍ للنفس أو الجسد لها أثرٌ على الآخر. مثلاً، تذكُّر الإساءات والحقد هو هوى روحيّ، ولكنّه يؤثّر أيضًا على الجسد. ينعكس تذكّر الإساءات على جسد الإنسان كلّه، على سلوكه، على مظهره. أمّا هيئة الإنسان النقيّ والتقيّ، فتختلف كليًّا. تنطبع تقواه على وجهه. انظروا إلى القدّيسين كم وجوههم جميلة

أتذكّر عندما جاءت إلى الجبل المقدّس مجموعةٌ من الأساتذة من تسالونيكي، كانوا سبعة أو ثمانية. كان اثنان منهم مؤمنَين، وهما اللذان نظّما الرحلة، بينما كان الآخرون للأسف غير مؤمنين بالله. وبعد أن كان هؤلاء ينظرون إلى الرهبان طول الوقت، قالوا: “إنّ حياة الراهب تستحقّ الاحترام طبعًا؛ ولكن هل فعلاً يختلفون عنّا نحن الذين لا نحيا حياةً مسيحيّة؟” أجاب أحد الأساتذة المنظّمين قائلاً: “لا أعلم إن كنتم قادرين على الاستيعاب، ولكن انظروا إلى وجوهكم وإلى وجوه الرهبان – كيف تبدون وكيف يبدون. ألا ترون حقًّا الفرق؟ ما يشعّ منّا يختلف كليًّا عمّا يشعّ من هؤلاء الناس”. وبالفعل، أنا أيضًا لاحظتُ ذلك حينئذٍ. إذا نظرتم إلى وجوه المسيحيّين الذي يجاهدون روحيًّا، سوف ترون فيها نوعًا من السلام الداخليّ الخاصّ. أمّا الإنسان المتكبّر والغاشّ والشرّير والمحبّ المال، فهيئته تختلف كليًّا. طبعًا يجب ألاّ ندين أحدًا من خلال مظهره، ولكن غالبًا ما يبثّ وجهنا حقيقتنا كلّها

عندما يجاهد الإنسان روحيًّا، يتقدّس وجوده كلّه، النفس والجسد على حدّ سواء، لأنّ الإنسان وحدة نفسيّة-جسديّة. لا يمكننا أن نقسم الإنسان ونقول هنا تنتهي النفس وهنا يبدأ الجسد. كلاّ، خذوا الخبز مثلاً. لكي تصنعوا الخبز، عليكم أن تمزجوا الطحين بالماء وتصنعوا العجينة. ثمّ حين نكون قد خبزنا الخبز، لن نستطيع بعد أن نميّز بين الماء والطحين. هما كلٌّ واحدٌ الآن. ينطبق الأمر نفسه على الجسد والنفس البشريّين. ما دام الإنسان حيًّا، يكون وحدة نفسٍ وجسدٍ لا تنفصل؛ ولهذا يكون الموت عدوّ البشريّة، إذ إنّه يدمّر هذه الوحدة. يموت الجسد وترحل النفس إلى حيث تعيش النفوس. إلاّ أنّ المسيح سوف يبيد الموت وسيقوم الإنسان من جديد. سيقوم الجسد وحده لأنّ النفس لا تموت. حينئذٍ، ستتّحد النفس والجسد من جديد. وسيصير الجسد غير فاسدٍ مثل جسد المسيح بعد قيامته. وسوف يستعيد الإنسان وحدته النفسيّة-الجسديّة

إنّ تدنيس النفس والجسد هو أيّة خطيئة يقترفها الجسد أو النفس. لنجاهد إذًا بمخافة الله من أجل تقديس نفوسنا وأجسادنا. القداسة عملٌ روحيّ. كلّ شيء يظنّ الإنسان أنّه يفعله من أجل الله، هو في الحقيقة يفعله من أجل نفسه. على سبيل المثال، نقول: “أصوم محبّةً بالمسيح”، “أعمل الإحسان من أجل المسيح”، “أذهب إلى الكنيسة من أجل المسيح”. إنّ المسيح لا يحتاج إلى هذا كلّه. إذا لم نَصُم اليوم، بماذا يؤثّر ذلك على الربّ؟ أو ماذا سينال الله حين نصنع الإحسان؟ في الحقيقة، نحن الذين سنستفيد من جرّاء أعمالنا الروحيّة، سننال بركة، سنقدّس ذواتنا. أمّا الربّ فلن ينال شيئًا من ذلك. إنّنا نجاهد من أجل أن نكون مع المسيح. نسعى لكي ننقّي ذواتنا من أجل أن نصير المكان الذي يمكن للربّ أن يأتي ويسكن فيه. يجب فقط أن نفعل كلّ هذه الجهادات بمخافة الله، لكي نحصل على النقاء الداخليّ

ما معنى “بمخافة الله”؟ غالبًا ما نقول ذلك في الكنيسة، أو نصف شخصًا بأنّه يملك مخافة الله. يجب أن نفهم أنّ مخافة الله هذه لا تشبه مطلقًا خوفنا النفسيّ، مثلاً حين نخاف من الكلاب أو القطط أو الطائرات أو الأتراك أو الكورونا. نحن لا نخاف على هذا النحو. عندما تدعو الكنيسة قائلةً: “بمخافة الله، وبإيمانٍ ومحبةٍ تقدّموا…”، لا تعني أنّنا يجب أن نصاب فورًا بالخوف والقلق، ونبدأ بالارتجاف رعبًا. مخافة الله تعني شعورنا بالإجلال، بالمهابة المقدّسة، أي الشعور بأنّ الله قدّوس، وبأنّه أبونا ويحبّنا، وبأنّه الأقدس والأثمن في العالم. وحين يشعر الإنسان بالمهابة والمحبّة والإجلال في قلبه، هذه كلّها مجتمعة تكون مخافة الله

إنّ مخافة الله أساسيّة لبناء علاقةٍ مع الله. هذا هو العمل الأهمّ في حياتنا. كيف نبني هذه العلاقة؟ من خلال حفظ الوصايا، من خلال التوبة عن خطايانا والندم عمّا فعلنا، وذلك عبر الجهاد اليوميّ، وعبر الاشتراك في الأسرار الكنسيّة المقدّسة التي هي عنصرٌ ضروريٌّ في الحياة في المسيح. بالطبع، يجب أن يفعل كلّ إنسانٍ ذلك بحسب قدرته. ثمّ بجهادنا بمخافة الله، نقتني النعمة الإلهيّة في قلوبنا

عندما كنتُ رئيس دير ماخيراس، منذ قرابة الثلاثين سنة، ذهبنا إلى مؤتمر في جورجيا نظّمته الكنيسة الأرثوذكسيّة الجورجيّة. كانت في بداية استعادتها لنشاطها بعد سنواتٍ من الاضطهاد. كلّ شيء كان مدمّرًا. وعندما هبطنا في المطار في تبيليسي، لم أصدّق أنّه مطار. بدا وكأنّنا هبطنا في حقلٍ مفتوح: كان هناك قمحٌ ينمو وأبقار ترعى في أرجائه. وكان مبنى المطار عبارة عن غرفةٍ صغيرةٍ واحدة، فيها خزانةٌ خشبيّةٌ كُتب عليها “السوق الحرّة”، حيث كانوا يعرضون للبيع جرار المربّى وغيرها من المعلّبات! كانت الحالة صعبةً جدًّا في جورجيا في ذلك الحين. وكانت الكنيسة في تراجع. كانت الكثير من الكنائس مدمَّرة، ما يشبه كثيرًا ما نراه اليوم في الأراضي القبرصيّة التي يحتلّها الأتراك. ذهبنا نهار الأحد إلى الخدمة التي يترأّسها البطريرك. إنّ البطريرك الجورجي رجلٌ قدّيس، ما زال حيًّا ولكنّه متقدّمٌ في السنّ. بحسب التقليد، يرتدي البطريرك حلّته الكهنوتيّة خلال الخدمة في وسط الكنيسة. ويساعده الشمامسة ومساعدو الشمامسة. كنتُ واقفًا هناك أراقب الاحتفال متسائلاً: “لمَ كلّ هذا؟” (مَن كان يعلم أنّ الأمر نفسه سوف يحصل لي لاحقًا (كمطران)؟). سمع أفكاري كاهنٌ راهبٌ كان يقف بقربي وقال لي:ـ

“أترى كيف يُلبسون البطريرك؟”

أجبته قائلاً: “نعم”

“أتعلم لمَ يلبسونه كذلك؟”

“لا فكرة لديّ. ألا يمكنه أن يرتدي حلّته بنفسه؟”

“أسبقَ لك أن رأيتَ كيف تجري العمليّة الجراحيّة؟”

” لم يسبق لي أن كنتُ في عملية، ولكنّني رأيتُ واحدةً على التلفاز حين كنتُ صغيرًا”

“عندما يُجري الطبيب عمليةً صعبة، حيث من الممكن أن تكون أيّة حركةٍ من قبله مميتة، لا يجول في غرفة العمليات باحثًا عن مبضعٍ وإبرٍ وغيرها من الأدوات. هو فقط يرفع يده ويجب أن يفهم معاونوه ما الذي يحتاجه، أو في أقصى الحالات قد يقول رقم الأداة. يجب أن يركّز الطبيب كليًّا على العمليّة. والأمر نفسه ينطبق على الكاهن أو الأسقف حين يقيم القدّاس الإلهي – يجب ألاّ يتشتّت بما سيرتدي أو بأيّ شيء آخر. ولهذا يدعى الشمامسة شمامسة (المعنى في اليونانية “خادم” أو “معاون”)، إذ إنّهم يخدمون الأسقف ويساعدونه، حتّى يتمكّن من تكريس نفسه بالكليّة للصلاة والقداس الإلهي من دون تشتّت

يقول بولس الرسول نفسه لنا: “تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ” (في 2: 12). ويعني ذلك أنّ علينا أن نتمّ خلاصنا، وعلاقتنا بالله، وعملنا الروحيّ كلّه بخوفٍ وارتجاف. لا نفعلنّه بعجلةٍ أو تهاون، ولا كنوعٍ من النشاط الجانبيّ، بل بوصفه أهمّ أمرٍ في حياتنا. على سبيل المثال، عندما نقود سيّارة، نثبّت عينينا على الطريق، ولكن ما إن نبدأ بالنظر إلى جانب الطريق حتّى يحصل حادث. يجدر بنا أن نسلك طريق الله على النحو ذاته، مرتقين إلى القداسة بمخافة الله

حقيقة الله: أهمية اكتشاف الله شخصياً

حقيقة الله: أهمية اكتشاف الله شخصياً

الشيخ تريفن

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

قبل بضع سنوات، وصلت إلى الدير امرأة تجرّ معها ابنها البالغ من العمر ثلاثة عشر عامًا تقريبًا. كانت مستاءة لأن ابنها أعلن أنه ملحد وكانت تخشى أنه في خطر التعرض للعقاب الأبدي. جلستُ مع الصبي وقلت له أن على كل واحد منا أن يتعرّف على حقيقة الله بنفسه. قلت له إن الشك في وجود الله هو جزء من بناء علاقة شخصية معه. إذا مررنا ببساطة عبر الأفكار دون البحث عن علاقة حقيقية، فقد نكون أيضًا ملحدين. عرفتُ في شبابي جهاداً روحياً عظيماً، إذ كنت أسعى لملء الفراغ الذي شعرت به في قلبي

يجابه معظم الشباب أسئلة حول الأمور الأبدية. إنه جزء من بناء العلاقات. مثل الشاب الصغير الذي زارنا مع والدته، قد عانيتُ من الشك. الفرق الوحيد هو أن جهادي جرى خلال أيام دراستي الجامعية. لقد كانت فترة زمنية كنت فيها ممتلئاً من القلق بشأن المستقبل، وخائفاً من اتخاذ قرارات خاطئة

لعلمي أهمية الصدق، أخبرت الأم أن تسمح لابنها باستكشاف حقيقة الله بنفسه. كان من الأفضل له أن يشكك في وجود الله من أن يدّعي الإيمان ببساطة. في الوقت نفسه، أخبرت الصبي أنه بحاجة إلى مرافقة عائلته إلى الكنيسة لأن من المهم أن يطيع والديه ويدعم أخاه الأصغر. بعد كل شيء، لا يخبر أحد والديه أنه لن يذهب إلى المدرسة لمجرد أنه لا يرى أن دراسته مهمة

إن الإله الذي رفضه هذا الصبي كان الصورة الخاطئة عن الله التي لطالما رفضتُها. الله الذي توصّلت إلى معرفته شخصياً ليس الإله الذي رفضته في شبابي. الله المتجلّي في يسوع المسيح هو الواحد الذي اختبرتُه شخصياً والذي سعى إليّ أولاً. إذا أردنا علاقة شخصية مع المسيح علينا أن نكون منفتحين وصادقين ولا نخاف من أن نسأل. يريدنا الربّ أن نكون حقيقيين معه. كمثل العلاقة الصحيحة التي يراها الإنسان في النجاح المستمر والناجح، كذلك العلاقة مع الله يجب أن تقوم أولاً وقبل كل شيء على الصدق والحقيقة. المحبة والثقة تأتيان مع الوقت والتجربة. علاقتنا مع الله هي شيء يتكوّن مع الوقت، كمثل كل العلاقات الحسنة ينتهي بحسّ من السلام

هذا هو السلام والفرح اللذين أريد أن أنقلهما للشباب. علاقتي الشخصية مع المسيح هي شيء أريد مشاركته، وليس فقط مع الشباب الأرثوذكسي. أعلم أن الله موجود لأنني اختبرت محبته الكبيرة بطريقة شخصية، وهذا اليقين لحقيقة الله هو الذي يقودني للتواصل مع محبة المسيح. هؤلاء الأفراد الذين ألتقي بهم في الحياة اليومية، مثلي، يحتاجون إلى اكتشاف الله بأنفسهم، والبناء على علاقة بدأت منذ الحَبَل بهم

انتظروا المسيح لا ضدّه

انتظروا المسيح لا ضدّه

الأرشمندريت نكتاريوس موروزوف

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

لن تجدوا في الكنيسة مؤمناً واعياً واحداً لا يعرف أن العالم الذي نعيش فيه لن يدوم إلى الأبد، ولم يقرأ رؤيا القديس يوحنا الإنجيلي ولا فكرة لديه عن الأحداث التي ستسبق نهاية التاريخ البشري على الأرض والمجيء الثاني المجيد لربنا يسوع المسيح. ومع ذلك، هناك جزء من الجماعة الكنسية لا يتذكر أن نهاية العالم ستأتي وحسْب بل يترقبّها بلهفة

لا شك في أننا مدعوون إلى الاهتمام ليس فقط بما يحدث في قلوبنا بل وبما يحدث في العالم من حولنا. بحسب المخلّص، يجب أن نميّز علامات الأزمنة (متى 16: 3). وكما كتب القديس أغناطيوس (بريانشانينوف)، من الضروري تمييز روح الزمن واستشعارها حتى لا نستسلم لتأثيرها المعادي للمسيحية، وللبقاء أحراراً من تأثيرها المعادي للمسيحية قدر الإمكان. لكن أود أن أذكّر بشيء آخر مهم: كونوا أناساً تسيطرون على ذواتكم وعقلانيين، حافظين دعوة الرسول بولس: “ثُمَّ نَسْأَلُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ… أنْ لاَ تَتَزَعْزَعُوا سَرِيعًا عَنْ ذِهْنِكُمْ، وَلاَ تَرْتَاعُوا، لاَ بِرُوحٍ وَلاَ بِكَلِمَةٍ وَلاَ بِرِسَالَةٍ كَأَنَّهَا مِنَّا: أَيْ أَنَّ يَوْمَ الْمَسِيحِ قَدْ حَضَرَ” (2تسالونيكي 1:2-2)

لا يزال معظمنا يتذكر جيدًا “العاصفة” التي “احتدمت” منذ وقت ليس ببعيد: لا في “فنجان شاي” ولكن في مساحات شاسعة من روسيا. كان الأمر يتعلق بأرقام تعريف دافعي الضرائب على أنها “ختم ضد المسيح”. تحطمت الكثير من الرماح حول هذه المسألة. كم عدد “الشهداء” و”المعترفين” الذين ظهروا وهم يناضلون ضد رئاسات الدولة والكنيسة! وأي قدرٍ من الحماقة تجلّى! مجلدات قيلَت عن مفهوم “ما قبل الختم” [أي ختم مبدئي مع عدد الوحش كما يرد في كتاب الرؤيا]. في الوقت الذي هدأت فيه الأهواء، لم يبقَ إلا مصطلح “المقاتلين ضد أرقام التعريف الضريبي” (أي مجموعة من الأشخاص الذين يبدون كأنهم في الكنيسة ولكنهم ليسوا فيها بشكل كامل)

والآن اندلعت “عاصفة” جديدة حول فكرة حقن الرقائق في البشر، والإشعاع، وتطعيم الناس من خلال “زرع الرقاقات” و”معسكر الاعتقال الإلكتروني”، كما يتكهن البعض، حيث جميعنا سيكون محكوماً علينا بالدمار. هذا الوضع، على الرغم من أن وباء الكورونا أثاره، إلا إنه كان يختمر لفترة طويلة

سأكون صريحًا: أنا متأكد من أن إمكانية زراعة الرقائق في الناس حقيقية، لذا فإن هذه الزراعة على المستوى العالمي هي مسألة وقت ومواصفات فنية. أنا متشكك جدًا بشأن التطعيم العالمي، ومدى ملاءمته وسلامته، خاصة وأن العديد من التطعيمات، وفقًا للعديد من الخبراء، هي وهم أو خيال، أو، بعبارة أدق، انخداع. يبدو “معسكر الاعتقال الإلكتروني” كتهديد، ولكن تم بناؤه تقريبًا من نواح كثيرة

ولكن هذا ليس المهمّ. المهمّ هو أنني لا أريد أن أعيش في رعب في وجه كل هذا. أريد فقط أن أعيش حياة مسيحية، دون خوف من أي شيء ودون أن أموت قبل موتي. كالعديد من الكهنة الآخرين، عليّ أن أجيب كل يوم على العديد من الأسئلة، مثل: “ماذا يجب أن نفعل إذا حدث ذلك قريبًا؟ إنه يحدث بالفعل الآن!” أجيب الناس ولكن قبل كل شيء أجيب نفسي

أولاً وقبل كل شيء، علينا أن نفهم أن هذا لم يحدث بعد. صحيح، هناك ظروف مواتية للغاية لحدوث ذلك، ولكن لا أحد يعرف ما إذا كان سيحدث الآن أم لا. لذا لا يستحق الأمر الصراخ طلباً للمساعدة في الوقت الحالي، وإلا فإننا سوف نجعل الجميع يضحكون ومن ثم لن يصدقنا أحد. دعونا نلقي نظرة على التاريخ: إنها فرصة رائعة لمقارنة أحداث الماضي مع ما نشهده الآن. وسنرى أن العالم شهد مرات عديدة أحداثًا جعلت الناس يعتقدون أنهم كانوا آخر العالم، أي أنهم غرقوا في حالة “نهاية العالم الآن”. الكوارث الطبيعية والأوبئة (بما في ذلك تلك الأكثر خطورة بكثير من الكوفيد 19، وانهيار العالم القديم وولادة عالم جديد، والحروب الدموية، وأخيراً، أفظعها – الحرب العالمية الثانية التي عطلت حياة عشرات الملايين من الناس. يبدو أن يوم القيامة كان في متناول اليد… ولكن لا، لم تأتِ نهاية هذه الأرض بعد ولم يتم استبدالها بأرض جديدة

مما لا شك فيه أن العصر الحديث يختلف جوهريًا عن الماضي القريب، ناهيكم عن الماضي البعيد. لقد خطت التكنولوجيا خطوات رائعة إلى الأمام. تعمل تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا الحيوية على إعادة تشكيل الواقع الاقتصادي والسياسي أمام أعيننا. يتغير البشر بسرعة أكبر، ومع ذلك يظلون بشرًا. هذا يجلب فرصًا جديدة لضد المسيح المستقبلي وفريقه الذي يشبهه بالتفكير، ويشرح الآليات التي سيحقق من خلالها النتائج التي نقرأ عنها في سفر الرؤيا، بمثابة توضيح لهذا الكتاب

لكننا ما زلنا لا نستطيع أن نقول أن ضد المسيح سيأتي غدًا أو حتى بعد غد. يمكننا فقط أن نقول أننا اليوم اقتربنا من هذه النقطة وقد تكون قريبة جدًا الآن. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا في الأمر؟ لماذا يجب أن يؤدي إدراكنا لهذا الواقع إلى إثارة الارتباك وتسريع الذعر؟ لماذا هذه الفكرة بأنّ علينا أن نتوقف عن فعل كل شيء فوراً ونكرّس طاقتنا بالكامل لمقاومة بيل غيتس وأبراج جيل الاتصالات الخامس في جميع أنحاء العالم؟ من أين يأتي هذا الخوف الذي يشلّ إرادتنا ويتحوّل إلى عدوانية ثم إلى ذهول عقيم؟

المجد لله أن هذه ليست حالة معظم الناس في الكنيسة. لكن المشكلة هي أن التهويل مُعْدٍ، وممثليه نشطون وصاخبون، ويقلقون راحة بال بعضهم البعض ومَن حولهم. بالنظر إليهم من الخارج، يتكوّن لدى الناس انطباع قوي بأن هذا هو حال جميع المسيحيين. ونحن المسيحيون بالفعل نصاب بفيروس الخوف واليأس هذا تدريجياً. عند نقطةٍ ما سوف نجد أنه يتأكلنا من الداخل

إلى هذا، أريد أن أذكّر الآخرين ونفسي بأن علينا أن نعيش اليوم بغض النظر عن كيف نتخيّل غدَنا، بشعاً وثقيلاً ومرهقاً أو واعداً وباهراً. هذا الغد لم يأتِ بعد، فيما اليوم موجود بكل حاجاته وعمله، مع الحاجة إلى اتخاذ القرارات وتنفيذ الأعمال ومجابهة الصعوبات واحتمال الأحزان بشجاعة وتقديم الشكر لله من أجل كل هذا، كما من أجل الأفراح الوفيرة. لطالما كانت كلمات المسيح التالية صائبة وسوف تبقى: “يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ” (متى 34:6)

لا تنتظروا ضد المسيح، ولا تهيؤوا لمجيئه. بالمقابل انتظروا الربّ وتعلّموا أن تحيوا معه هنا وفي هذه اللحظة. هذا الخوف والألم والتشوّش يشيرون إلى كم نحن بعيدون عن الرب الآن وكم أن شَبَهَنا بتلاميذه ضعيف! وإلا لما كان هناك هذا الخوف

وإذا كان علينا أن نشغل أنفسنا بالأحداث الجارية و”علامات الأزمنة” التي تهددنا وتشوّشنا، فالأحرى إزالة كل ما يمنعنا من أن نكون مع المسيح ويقف في طريقنا إليه؛ علينا أن نفتح قلوبنا له ونتركه في أعماقها. وبعد ذلك سيعلّمنا هو نفسه ما ينبغي فعله ويرينا كيف نجتاز العديد من المحاكمات القاسية دون أي ضرر على أرواحنا

إن هذا بمقدورنا. فهو شيء يعتمد علينا. أما ما تبقّى فوهْمٌ وخيال مثل “اللقاح العجيب”. إنه الخديعة نفسها

العنف والتقوى

العنف والتقوى

الأب أنطوان ملكي

أوردت شبكة بي بي سي خبراً في 18 حزيران تحت عنوان “الكاهن الذي ينكر الفيروس التاجي الأب سيرجي رومانوف يستولي على دير روسي”. وفي التفاصيل أن الكاهن المذكور أوقفته الكنيسة الروسية عن الوعظ ومن ثمّ عن تعليق صليبه لأنه كان يحرّض الشعب على عدم طاعة السلطات الكنسية والمدنية، اقتناعاً منه بأن لا وجود للكورونا وأنها جائحة مفتَعَلة. أثناء جلسة محاكمته انسحب من القاعة ومضى واحتلّ الدير الذي انسحبت منه الرئيسة وبعض الراهبات، وقد رافقته مجموعات مسلحة. لاحقاً أوقِف الكاهن مع أنه شدد على أنه لن يترك الدير وأن على الكنيسة في حال أرادت ذلك أن تقصفه لأنه اختير للتعليم. هو يخضع الآن للمحاكمة في الكنيسة والدولة

ما أهمية هذه الحادثة؟ إنها مثال واضح على أن التطرف يؤدّي إلى أعمال تتنافى كلياً مع الغيرة التي قد تكون المحرّك الأول للعنف. فوق هذا، العنف يلفت النظر إلى أن بين جنون العظمة والغيرة خيط رفيع من السهل انقطاعه. غياب اليقظة الروحية الفعلية يسهّل العبور من الغيرة إلى الغرور، والغرور يستسهل اللجوء إلى العنف

هل هذه الحادثة وحيدة من نوعها؟ قطعاً لا ولا يهمنا هنا من الموضوع إلا ما ارتبط منه بتأثير جائحة الكورونا على المؤمنين وفي بلادنا تحديداً. منذ بداية الجائحة، رأينا أشكالاً مختلفة من العنف. على سبيل المثال هدد أحد مطارنة الموارنة باستدعاء القوى الأمنية ضد مَن يفتح كنيسته من كهنته. هذا عنف. دعا أحد المرتعبين من الكورونا إلى تحويل أحد رؤساء الأديار الذين لم يغلقوا أديارهم إلى القضاء. طالبت إحدى الجمعيات بمحاكمة الكهنة الذين لم يلتزموا توصية المجمع بحصر الخدم بالكاهن والمرتّل والخادم. كتب أحد الذين وجدوا في الكورونا فرصة للانقلاب على عدد من الأمور في الكنيسة أن مطران طرابلس الذي لم يوصِ بإغلاق الكنائس جزئياً إلا متأخراً هو مجرم وحمّله مسؤولية كل الإصابات التي سوف تنتج عن إجرامه، والتي لم يظهر منها شيء إلى الآن. اتّصل أحد “المتنوّرين” بكاهن رعيته وهدده برفع دعوى ضده لأنّه يناول بالملعقة المشتركة كعادته. ألزم أحد رؤساء البلديات كاهن رعيته على إغلاق الكنيسة ثم تراجع. تحمل كل هذه الحوادث، التي لا شك أن هناك الكثير غيرها، عنفاً حرّكه الخوف من الكورونا، أو مواقف سابقة رأت في الكورونا فرصة لعرض ما لدى أصحابها

هذا عنف اليسار قابله عنف اليمين على المقلب الآخر، من نوع عنف الكاهن سيرجي رومانوف. العظات التي لم تخلُ من الحدّة في تحدي الدولة والرئاسة الكنسية هي عنف حتى ولو كان محرّكها الغيرة. اتّخذ البعض حادثة طرد التجار من الهيكل ليسمح لنفسه باعتبار مَن لا يماشيه تاجراً أو مارقاً أو عميلاً لضد المسيح. انتشر الكلام عن ارتباط الرئاسات بضد المسيح. هذا كلام كبير ما من كلام آخر يضاهيه في إسعاد ضد المسيح. أن يهاجم كاهن مطرانه وجهاً لوجه مكيلاً الكلام غير اللائق للمطران والمجمع هو عنف ثابت، لا بل هو جرم

أين المشكلة؟ إنها في التقوى. غالباً ما نحكي عن الإيمان والعقل وننسى التقوى. تقليدنا مليء بالقصص التي تحكي عن التقوى كحافظة للإيمان حين يخونه العقل. لكن التقوى قد تنقلب تقوية فترفض العقل وتجرح الإيمان. انحراف الغرب قد يكون بدأ مع العقل، لكنه ما كان ليبلغ الحدة التي هو عليها لولا التقوية. التقوية تتحكّم بظهورات مريم وتضع كلاماً في أفواه القديسين وتقرّب المجيء الثاني وتبعده وأسوأ ما فيها أنها تجعل الإدانة أمراً سهلاً وبالتالي تحوّل العنف شهادة. من الجهة الأخرى، غياب التقوى يجعل الكتاب المقدّس مجرد أدب، والأيقونات مجرّد فن، والجسد والدم مجرد خبز وخمر قابلَين لحمل المرض والموت، والآباء مجرّد أدباء، وحتى يسوع يصير إنساناً قابلاً للأهواء والتسييس. التقوى هي التي تصنع الاعتدال بين الإيمان والعقل وغيابها يطيح بالإثنين معاً

عن نهاية الأزمنة

عن نهاية الأزمنة

الأب سيرافيم روز

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

أول ما ينبغي اقتناؤه للتفسير الصحيح لعلامات الأزمنة هو معرفة الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، لا بالطريقة التي يبدو بها وحسب، بل وفقًا للطريقة التي فسرته بها الكنيسة؛ معرفة كتابات الآباء القديسين؛ معرفة تاريخ الكنيسة؛ والإلمام بمختلف أنواع البدع والأخطاء التي هاجمت فهم الكنيسة الحقيقي للعقيدة، وخاصة في الماضي. إذا لم يكن لدينا أساس في مصادر مثل هذه، فسوف نجد أنفسنا مرتبكين وغير مستعدين. فبالضبط ما يخبرنا به ربنا: كونوا على أهبة، كونوا مستعدين. ما لم يكن لدينا هذه المعرفة الأساسية، فإننا لن نكون مستعدين وسنسيء تفسير علامات الأزمنة…ـ

أهم ما يكتسبه المرء من خلال الكتابات الأرثوذكسية الأساسية هو فضيلةٌ تسمى التمييز. عندما نلتقي ظاهرتين يبدو أنهما متطابقتان أو متشابهتان تمامًا مع بعضهما البعض، فإن فضيلة التمييز تسمح لنا برؤية أي هي الصحيحة وأي هي الباطلة: أي تحمل روح المسيح وأي قد تحمل روح ضد المسيح.ـ

إن طبيعة ضد المسيح، الذي سيصبح آخر حاكم عالمي عظيم وآخر معادٍ للمسيح، أنه ليس ضد للمسيح وحسب. “ضد” لا تعني “معادياً” وحسب، بل أيضًا “أنه يقلّده ويدّعي مكانه”. ضد المسيح، كما يقول جميع الآباء القديسين في كتاباتهم عنه، هو الشخص الذي يقلّد المسيح، أي يحاول خداع الناس بالنظر، كما لو كان المسيح قد عاد إلى الأرض. لذلك، مَن كان فهمه للمسيحية ضبابياً أو يقرأ الكتاب المقدس بالاستناد إلى افكاره وحسب، وآراء المرء قد تأتي من الجو الذي ليس مسيحيًا بل معادٍ للمسيحية، فعندئذ سيصل إلى استنتاجات ضد المسيحية. عند رؤية شخص ضد المسيح، قد ينخدع الإنسان إلى الاعتقاد بأنه المسيح.ـ

يمكننا أن نعطي عدداً من الأمثلة عن كيفية عمل فضيلة التمييز على فهم بعض الظواهر المعقدة قليلاً. إحدى هذه الظواهر هي الحركة المواهبية (الكاريزماتيك)… إذا نظرتم بعمق إلى ما يقولونه في هذه الحركة… ترون أن ما يسمّونه إحياءً روحياً وحياةً روحية هو في الواقع ما وصفه الآباء الجدد مثل الأسقف إغناتيوس بريانشانينوف بعناية بأنه خداع، أي نوع من حمّى الدم مما يجعلهم يبدون كما لو كان روحانيين في حين أنهم حقاً لا يدركون الحقيقة الروحية على الإطلاق. في الواقع، إنهم مختلفون عن الحياة المسيحية الحقيقية التي تنعكس في هذه الكتب الأرثوذكسية الأساسية اختلاف السماء من الأرض…ـ

مرة أخرى، يمكنكم أن تروا كيف يمكِّنُنا التمييزُ في تقييم الظواهر الأخرى التي قد لا تكون متطابقة مع الظاهرة الأرثوذكسية، بل هي أشياء جديدة. عندما تنظرون إليها لأول مرة، تتساءلون عن ماهية كل شيء. هذه هي سمة الموضات الفكرية: شيء ما ينطلق في الجو، يمسك به الجميع لأن الوقت مؤاتٍ، وبعد ذلك يبدأ الجميع في الحديث عنه ويصير موضة العصر. لا أحد يعرف كيف. كل ما في الأمر أن الجميع كانوا على استعداد لذلك، وفجأة ذكره أحدهم فبدأ في الانتشار في كل مكان.ـ

وهكذا، عودة إلى النقطة الأولى: نحن نراقب علامات الأزمنة من أجل التعرّف على المسيح عندما يأتي، حيث أنه كان هناك العديد من المسحاء الكذبة، وسيأتي المزيد من الكذابين، وفي النهاية سيأتي شخص يُدعى ضد المسيح. سيوحّد المسيح الدجّال كل الذين خُدعوا باعتقادهم أنه المسيح، وهذا سيشمل كل الذين فشِل تفسيرهم للمسيحية. في كثير من الأوقات يحدث أن تنظروا إلى بعض الأشخاص الذين يعترفون بالمسيحية، ويبدو أن العديد من أفكارهم صحيحة، أي أنهم يتكلّمون بحسب الكتاب المقدس. ثم تنظرون هنا وهناك، فترون خطأ من هناك، وخطأ من هناك…ـ

علامة أخرى من أعراض عصرنا هي العلامة التالية المذكورة في هذا الفصل من متى: أن محبة الكثيرين تبرد. يبدو أن هذه خاصية محددة في عصرنا، إلى درجة أكبر بكثير من أي وقت في التاريخ الماضي. يمكن للمرء أن يرى هذا في ما يُسمّى العدمية. يرتكب الناس جرائم بدون سبب معين، لا من أجل الربح ولكن فقط من أجل التشويق لأنهم لا يملكون الله بداخلهم. في مختلف الأماكن الآن، يمكن للمرء أن يرى غياب العلاقات الإنسانية الطبيعية في العائلات، والتي تنتج أناساً باردين. هذا النوع من الناس، في المجتمع الشمولي، يُستخدم كسائقين عبيد، يعملون في معسكرات الاعتقال وما إلى ذلك…ـ

كل علامات الأزمنة سلبية للغاية. إنها علامات على أن العالم ينهار، وأن نهاية العالم قريبة وأن ضد المسيح على وشك القدوم. من السهل جدًا النظر إلى كل علامات الأزمنة السلبيّة هذه والدخول في مثل هذه الحالة المزاجية التي لا نبحث فيها إلا عن الأشياء السلبية. في الواقع، يمكن للمرء أن يطور شخصية كاملة، أي نوعاً سلبياً من الشخصية، بناءً على ذلك. عندما يأتي أي خبر جديد، يقول أحدهم “نعم، بالطبع ، هذا ما هو عليه، وسيزداد الأمر سوءًا.” يأتي الأمر التالي ويقول أحدهم ، “نعم، نعم، من الواضح أن هذا ما سيحدث، والآن سيكون أسوأ من ذلك.” كل ما يحدث يُمظَر إليه على أنه مجرد تحقيق سلبي للأوقات الرهيبة.ـ

صحيح أن علينا أن نكون على دراية بهذه الأشياء وألا نكون متفائلين من غير داعٍ بشأن الأحداث المعاصرة، لأن الأخبار في عصرنا نادراً ما تكون جيدة. ولكن في الوقت نفسه، علينا أن نضع في اعتبارنا الغرض الكامل من مشاهدتنا لعلامات الأزمنة. نحن نراقبها ليس فقط حتى نعرف متى سيأتي ضد المسيح. هذا شيء ثانوي. نحن نراقب علامات الأزمنة حتى نعرف متى سيأتي المسيح. هذا شيء أساسي يجب أن نضعه في الاعتبار حتى لا نغرق في الحزن والاكتئاب أو الاعتزال بعد أن نخزّن الطعام من أجل الكارثة العظيمة. هذا ليس من الحكمة. علينا أن نكون مسيحيين أكثر، أي أن نفكّر بالآخرين، محاولين مساعدة الآخرين. إذا كنا أنفسنا باردين ومكتئبين ومتشائمين، فنحن نشارك في هذا البرودة، وهي علامة على النهاية. علينا أن نكون دافئين وأن نساعد بعضنا البعض. هذه هي علامة المسيحية.ـ

إذا نظرتم إلى التاريخ (في الواقع، هذا سبب وجيه آخر لقراءة تاريخ الكنيسة)، فسترون أنه طوال تاريخ البشرية بأكمله، في كل أنحاء العهد القديم والعهد الجديد وجميع الممالك المسيحية بعد ذلك، وإذا نظرتم إلى العالم الوثني، فالقصة نفسها: هناك معاناة مستمرة. حيث يكون المسيحيون هناك محاكمات واضطهاد، ومن خلال كل هذا بلغ المسيحيون ملكوت السماء. لذلك، عندما يأتي وقت الاضطهاد، من المفترض أن نفرح…ـ

***