الفرح أحد ثمار الروح

من كتاب ثمار الروح – الفصل الثالث
كالينيكوس مطران بيريا
نقلته عن اليونانية: ماريّــا قبارة

“أما ثمر الروح فهو…،فرح”

 

الفرح أحد ثمار الروح

إنّ “الفرح” ثاني ثمار الروح ويرتبط مباشرة بالثمرة الأولى “ثمرة المحبّة”. فعندما يحبّ الإنسان يفرح. بينما ذاك الذي عنده سمّ الحسد والشرّ لن يختبر مطلقاً الفرح؛ وسيملك قلباً مملوءاً مراً ومرارة. ومن النفس المدنسة سيتولد باستمرار سمّ شرّه، فيجعله قاصراً متمرداً صاحب وجه عابس دوماً. بينما إنسان المحبة ذا القلب الرحب والمزاج الحسن هو إنسان فرح
أحبب الله لأنّ الفكر المحبّ لله غارق في الفرح، فمن يحبّ الآخر يخدمه بفرح، لأنّ محبته بكلّ أشكالها وكلّ تعابيرها تغذّي فرحه، وعندما يعطي محبةً فهو يفرح، وعندما يتقبل محبة من الآخرين يبتهج أيضاً ويفرح. لهذا يذكر بولس الرسول أنّ الفرح يتأتى ويتوقف على المحبة. وينتشر في هذه النفس أريج المحبة وتنمو زهرة الفرح. ويسقي هذه النفس ينبوع الماء الحي من لدن الله وتفلحها النعمة الإلهية، وهذه تنمو أيضاً في كلّ ّالقلوب المتجددة من الروح القدس
يقول بولس الرسول لأهل تسالونيكي لأنهم اقتبلوا كلام الانجيل “بفرح من الروح القدس” (1تسا6:1)، أيّ بالمحبة التي ولّدها الروح القدس في قلوبهم. وقال إلى أهل رومية أن ملكوت الله ليس أكلاً وشرباً بل كشف لهم بأنّه: “برٌ وسلام وفرح في الروح القدس” (رومية17:14)، أيّ البر والسلام والفرح الذي يولده الروح القدس
هذا الفرح هو ثمر الروح القدس، ويقتنيه فقط من يعيش فحوى ومعنى العنصرة، لا يمكن للملحدين أن يفرحوا. فهذا الفرح المسيحي رقيق هادئ لا تشوش فيه، يشبه رقة ونعومة قطرات الندى والتي يداعبها النسيم السماوي، فهو يحلّي ويريح قلب المؤمن، يخفف له صليب الحياة ويقصّر تجاربها، يبعد عنه الألم ويعطيه حيوية في حياته، يجعله يتذوّق على هذه الأرض الغبطة السماوية، ويجعله سعيداً حتى وإن عاش في وادي البكاء.

الفرح الآلي

الروح البشرية عطشى للفرح ومتشوقة له وتريده. الكلّ يطلب الفرح ويسأل عنه. يحارب من أجله بكافة الوسائل الممكنة ويبني أفراحاً مركزية، ينفق الأموال ويخلق صداقات ويطلب التسالي ويرمي نفسه بلاوعي في الملاهي وفي ملذات كثيرة، في حياةٍ من دون حواجز أوقيود أخلاقية، لهدف وتشوق وحيد أن يقتني الفرح ويملئ فراغه الداخلي.
كل هذا لتذوق هذا الصلاح الذي ضاع في مكان ما، غير معروف في مسيرة حياتنا، وهذه الحقيقة مرّة جداً، وخاصة في أيامنا هذه فالفرح نادر الوجود، وفي قلوب كثيرة غائب بالكليّة ومجهول.
هناك الكآبة وضعف الأعصاب؛ فالحضارة التقنية والرفاهية الكثيرة والحياة السهلة لا تقدّم أي فرح. لقد أصبحت الحياة أكثر تعباً ومملة. وللأسف بقدر ما يجدّ الإنسان في إثر الفرح بقدر ما الفرح يهرب منه. فهو يطلبه في ينابيع عكرة، في سبل غير موجودة، يطلبه في الخطيئة، في نقود وأموال غير دائمة، في الشهوات الزائلة وفي المجد الكذّاب، في الملذات الوقتية وفي الارتياح القليل الذي يجده المرء لنفسه. فالمال الخادع والتقنيات والضحك والكذب والتكلّف وعمق الخطيئة وكلّ الأمور الوقتية وأساليب العيش الكثيرة قد قتلت الفرح الحقيقي وأخفته
ارتياح رغباتنا لا تعطي فرحاً حقيقياً مستمراً، بل فرحاً كاذباً فانٍ ومؤذٍ. يتذوق الخطأة الفرح المزيف الذي يخلقونه في الحياة، والذي سرعان ما يتحوّل إلى ملل وضجر، وحزن نفسي. “الشدة والضيق لكلّ امرئ يعمل الشرّ” (رومية9:2)، ألا تصدّق صديقي القارئ أنّ في ضحك وسرور الإنسان الذي يعيش بعيداً عن الله سرور كاذب وخادع، أمّا داخله فتختبئ نفساً مضطربة فارغة؟ تختبئ رواية محزنة فاجعة والتي تثير النفس وتبعدها عن الله
فرح العالم وقتي كاذب ويختلف كثيراً عن الفرح المسيحي. والإنسان الذي يتمتع بالفرح الكاذب الذي للعالم لا يستطيع أن يتذوق الفرح الذي يعطيه الله له. يظهره فقط من عاش حياة الطهارة والنقاء في حياته. الفرح ليس نتيجة محددة يحظى بمعاهدة الحياة، وليس ثمرة الغنى ولا الراحة في الحياة. قالت إحدى السيدات منذ سنوات عديدة هذه الجملة: “أموال زوجي الكثيرة لا تعطيني أيّ فرح” وهذا عندما لم تعد قادرة على إحصاء أموال زوجها اليوناني
الفرح هو حالة داخلية، إنّه نتاج سلام الضمير ووليد الحياة البارّة

المحبة أولى ثمار الروح (2)

من كتاب ثمار الروح – الفصل الثاني
كالينيكوس مطران بيريا
نقلته عن اليونانية: ماريّــا قبارة

المحبّة، أولى ثمار الروح (2)

 

محبّة القريب

للمحبّة فرعان، الفرع الأول هو محبّة الله والثاني محبّة القريب. فذاك الذي يحبّ الله يحبّ أبناء الله أيضاً. فلا نستطيع أن نحبّ الله ولا نبالي لمخلوقات الله العاقلة.
الفرع الأول للمحبّة مرتبط بالآخر ارتباطاً جذرياً، ولا يكون الأول دون الآخر، فمحبّة الله جذر محبّة القريب ونبعه واندفاعه “لأنّ المحبّة هي من الله” (1يو7:4) كما يقول تلميذ المحبّة. وإذا كنّا نتحدث ونقول أنّنا نحبّ الله بينما نكره أخانا فنحن نقول الأكاذيب، لأنّه كيف يمكننا ألاّ نحبّ أخانا من هو على صورة الله، وابنه، والذي نراه كلّ يوم، بينما نحبّ الله من لا نراه بأعيننا الجسديّة “إن قال أحدٌ إنّي أحبّ الله وأبغض أخاه فهو كاذب، لأنّ من لا يحبّ أخاه الذي أبصره كيف يقدر أن يحبّ الله الذي لم يبصره” (1يو20:4). إن أحببنا بعضنا بعضاً وطبّقنا محبة الله فعلياً نثبت أننا أبناء الله، أمّا من لا يحبّ أخاه فهو ليس ابناً لله بل غريباً عنه “بهذا أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس كل من لا يفعل البرّ فليس من الله وكذا من لا يحبّ أخاه” (1يو10:3).
هذا الذي لا يحبّ أخاه ليس ابناً لله، لأّنه ينقض وصية الله التي فُرضت علينا أن يحبّ الواحد الآخر ” لأنّ هذا الخبر الذي سمعتموه من البدء أن يحبّ بعضنا بعضاً” (1يو11:3). وما هو معروف أن وصيّة العهد القديم الأساسية ومن بعد محبّة الله هي محبّة القريب “تحبّ قريبك كنفسك” (مت39:22)، وصارت “الوصيّة العامة” التي لم يعرفها العالم المسيحي قبل المسيح، فقد سادَ الكره قبل المسيح وانتشر الانتقام والخصام والوحشيّة. فقد كانت المحبّة مخصصة للأقارب والأصدقاء فقط ضمن العائلة الواحدة، فلم تحتضن المحبّة البشر عامّة كأبناء لله. ولكن عندما جاء المخلّص إلى الأرض وجسّد المحبّة نشر عطر شذاها الذكي، وكان أول من أعطى مثالاً عظيماً للمحبّة بتبيانه لنا محبته لأعدائه “لكن الله بيّن محبّته لنا لأنّه ونحن بعد خطأة مات المسيح لأجلنا” (رو8:5)، ولن يوجد أسمى وأعلى من هكذا محبّة “ليس لأحدٍ حبٌّ أعظم من هذا” (يو13:15)، وطبّق الرب وصية المحبة وضمَّ الأرض كلّها إليه بتسمير يديه على الصليب، وقبل آلامه الخلاصية بقليل قال لتلاميذه هذا: “وصيّة جديدة أن أعطيكم أن تحبّوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم أنا تحبّون أنتم أيضاً بعضكم بعضاً” (يو34:13)، ويدرك الآخرون أنّكم خاصيتي إن كانت المحبّة بينكم “وبهذا يعرف الجميع أنّكم تلاميذي إن كان لكم حبٌ بعض لبعض” (يو35:13)، “وبهذا أوصيكم حتى تحبّوا بعضكم بعضاً” (يو17:15).
فهل من الممكن أن نحبّ الله عندما ننقض وصيته الأساسية؟ كلا بالتأكيد، فلدينا إجبار بـ”اسلكوا في المحبّة كما أحبّنا المسيح وأسلم نفسه لأجلنا قرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة” (أف2:5). وإن طبقنا وصيّة المحبّة نظهر مرضيين أمام المسيح مخلصنا، متشبهين به وحافظين وصيته الأساسية التي تستند عليها كلّ الوصايا الأخرى “المحبّة هي تكميل الناموس” (رو10:13). تبدو محبّـتنا لله في محبتنا للقريب وبحسب رسول المحبّة: “لنا هذه الوصية منه أن من يحبّ الله يحبّ أخاه أيضاً” (1يو21:4). فالمحبّة التي نقدّمها للآخرين كأنّنا نقدّمها لله وهي لائقة ومرضية لديه. “بما أنّكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم” (مت40:25). نجد محبة الله حركة مستمرة داخلية نبيلة في محبّة القريب، وهذه المحبة المسيحية تجاه القريب تبرهن مركزية الله، وتظهر محبّة نقيّة صادقة ولا تعرف تمايزاً بين البشر ومراكزهم وعلاقاتهم الاجتماعية.
تنمو المحبّة المسيحيّة في النفوس المتحدّة بالله؛ والمتجددة من محبّة الله، فهي زهرة المسك الطيبة التي تزرع وتسقي داخلنا نعمة الروح القدس لهذا تراها هادئة جوّادة سخيّة لا تنضب مطلقاً، وترى الإنسانيّة فقيرة أمامها ومستسلمة.

الآخرون ليسوا غرباء

تنظر المحبّة المسيحيّة للجميع بعطف وحنان وأيضاً للغرباء، ولا تعتبر أحداً غريباً عنها بل تعرف أنّ الجميع بشرٌ وأنّهم أولاد الآب السماوي الواحد، وهم أيضاً إخوتنا، فالله أبونا المشترك “هذه أبّوة الله المشتركة تخلق بيننا وبين الآخرين قرابة حميمية ورباط دائم”.وفوق هذا الآخر ليس غريباً عنّا بل أخونا ولذا محبتنا له يجب أن تكون طبيعية، فنشعر بمحبته كمحبتنا وفرحه فرحنا وحزنه حزننا، وأن نملّكه قلوبنا ونحبّه محبّة فائقة.
والآخرون الذين يؤمنون بالمسيح هم أعضاء في جسد المسيح، ويكوّنون جسداً واحداً في المسيح، وكلّ واحد عضو في الآخر “نحن في كثرتنا جسدٌ واحد في المسيح لأنّنا أعضاء بعضنا لبعض” (رو5:12) هذا ما يعلّمه القديس بولس الرسول؛ فهل من المنطق أنّ عضواً واحداً من هذا الجسد أن يكون مختلفاً عن الآخر؟ “فإذا تألّم عضو تألمت معه سائر الأعضاء” (1كور26:12). عضو الجسد الواحد الذي لا يشترك بألم الجسد الواحد فاسدٌ ميت نتن، لهذا فعلى المسيحي أن يشعر بألم الآخر كألمه الشخصي، والمسيحي من لا ينجح بإعطاء محبّة وميلاً للقريب ميت روحي، وليس من الممكن أن يكون عضواً حياً في جسد المسيح بل ميتاً ومندثراً وغير نافع.

الآخرون قطعة منّا

الآخرون إخوتنا وأعضاء في الجسد الواحد-هم ونحن- بل هم جزءٌ من نفوسنا، ليسوا “آخرين” بل هم “نحن”. هذه الفكرة تسّهل علينا أن نفهم بشكل أفضل كُنْه المحبّة واتساعها، وهي تشرح جملة ربّنا يسوع “كنفسك”، “أحبب قريبك كنفسك”، وتعني أن أشعر بالآخر وأن أحسّ به كأنّه جزءٌ منّي، ومن نفسي؛ فالمحبّة لا تعني أن أُعطي الآخر إحساناً لكي أُنزل عن عاتقي مسؤولية أو أن يرتاح ضميري بأنّي عملت واجبي. بل تعني أن أتألم مع الآخر وألاّ أتمكّن أن آكل إن علمت أنّ الآخر جائع، وألاّ أستطيع أن أتذوّق وأتحسس دفئاً عندما أعلم أنّ الآخر لا مأوى له، وألاّ أنال هدوء البال إن كان الآخر يعوي من الألم.
المحبّة تعني الاهتمام بالآخر والقلق عليه، كما أهتم بنفسي وأقلق عليها. لهذا لا تسكن المحبّة في قلوب أنانية محبّة لذواتها؛ فالمحبّة تعني إخلاء ذواتنا، تعني حناناً وعطفاً على الآخر. فمن هو بجوارنا أحياناً كثيرة لا يكون بحاجة إلى مساعدتنا الماديّة بل يريد محبتنا، يريد اهتمامنا به، وأن يشعر بدفء قلوبنا نحوه عندما ننتبه عليه ونفكّر به. مرات كثيرة لا يهمّنا الآخرون بل نريد نحن أن نحبّ فقط وهذا يكفينا ويريحنا، فالتفكير بأنّ الآخر يحبّنا بصدقٍ يريح نفوسنا ويملؤنا شعوراً بالراحة ويخلق في نفوسنا بهجةً وفرحاً. هذه المشاعر علينا أن نقدّمها أيضاً للآخرين كما نحن نأخذها إن أردنا أن نكون أناس المحبّة، فقط أن نحبّهم بصدقٍ وأن نملكهم قلوبنا عندئذٍ نقدّم لهم عطية كبيرة وهدية من أجمل ما يكون، ونهب لهم المساعدة المرجّوة فيتعزّوا في الحياة ولا يشعروا بأنّهم لوحدهم فيها.
يقاسي الإنسان العصري من نقص العطف والحنان، فقد انتشرت اليوم أعمال الرحمة بكثرة بالإضافة إلى المؤسسات الإنسانيّة. فالإصلاح الاجتماعي اليوم معلّم من الدرجة الأولى ولكن ينقصه ويغيب عنه العطف والحنان، وهذا ما يطلبه عصرنا المنهك. فالمتألم والأرملة واليتيم المحروم من إرث الحياة، كلّ منهم يريد عطفاً وحناناً. الكثير يستطيع أن يقدّم لهم خبزاً للحياة ولكنّ قلّة من يعطي محبّة حقيقية الشيء الثمين الذي يطلبوه
لا يشبع الطعام الفاخر ولا تدفئ الملابس الباهظة الفقير أخونا إن لم يرافقها شفقة ومحبّة؛ فمن السهل على جيوبنا أن تعطي الفقير مالاً على أن تعطيه محبة وعطفاً؛ فالحنان والعطف يكلّفان كثيراً، عملتهما غالية وتقديمهما صعبٌ جداً. كم شدّد الرسول بولس في رسالته إلى رومية على المحبّة التي تتطلّب حناناً من الواحد للآخر! “ليوّد بعضكم بعضاً بمحبّة أخويّة” (رو10:12)
الأخ الجيّد يقدّم لأخيه محبّة أخوي’ة صادقة صافية نقيّة؛ فالحنان النقي الذي تقدّمه الأم لابنها، والعطف الذي يخرج من النفس الصالحة ومن القلب النبيل والضمير المستنير ومن الإنسان الروحي ليست مشاعر سقيمة مريضة بل مشاعر سامية مرضيّة لله.

المحبّة تتطلب تعباً

المحبّة المسيحية ليست بالأمر السهل بل تتطلّب تعباً وتضحية، تتطلّب جهاداً من أجل الآخر واهتماماً ورعاية. فإن أردت أن تكون إنسان المحبّة ستضحي من راحتك ساعات كثيرة، ولا تعمل الذي يروق لك ويريحك بل ما يريح الآخرين ويسعدهم. فلتقف إلى جانب أحدٍ ما من بحاجة لاهتمامك تحتاج تعباً وتضحية، ولكي ترشد شخصاً شارداً عن طريق الله تحتاج تعباً أكثر وتضحية روحية كافية، ولكي تتحمّل شريكاً شرساً أوزوجاً حادّ الطِباع أو جاراً وقحاًوتظهر محبّة إنسانيّة عليك بتقدّيم قدرٍ من التعب والتضحية. ولكي تخدم شخصاً عليك أن تصعد معه سلالم كثيرة لتجد له عملاً، ولكي تقدّم بكرم من مالك وأملاكك لتوقف وجع الآخر يحتاج كلّ هذا لتعبٍ وتضحية.
المحبّة تقدمة مستمرة، فعل تضحية. أمّا نحن فننتظر تقدمات من الآخرين لنتمتّع بانشراح نفسي وسعادة ولا نحاول تقديم محبتنا لأي شخص كان بحاجة إليها، يقول “راؤول فوليرو”: “التعاسة الكبيرة ألاّ نكون نافعين لأحدٍ”.

المحبّة طيبة لا متناهية

المحبّة طيبة لا متناهية، صلاح دون حدود. فمن يحبّ يراه الجميع بعين حسنة ” المحبّة لا تظن السوء” (1كور5:13)، ولا يفكرّ بالسوء تجاه أخيه ولا يشكّ فيه ولا ينظر إليه بدونية ولا يفرح مطلقاً عندما يمرّ الآخر بضيقة ما أو خسارة أو أنّه يتعثر في مكان ويسقط “المحبّة لا تفرح بالإثم”، ولا أن يغار منه ويحسد نجاحه “المحبّة لا تحسد” (1كور6:13، 4).
إنسان المحبّة يحبّ كلّ الناس ولا يفرّق بينهم ولا يقيس نفسه بهم ويعلو عليهم، بل يراهم بنظرة واحدة ويعطي الكلّ طيبة لا متناهية ويكون للكلّ كريماً ومحترماً ولديه حسن استعداد لخدمتهم وأن يكون متسامحاً ونافعاً لهم ولا يتعامل مع أحدٍ بقساوة وفظاظة “المحبّة لا تقبّح”
تشبه المحبّة نهراً لا حدود له يسقي ويندّي في طرقه كلّ الأماكن التي يمرّ فيها دون تمييز. وهكذا المحبّة تعمل ولا تعرف ما هي الكراهية والحسد والانتقام، بل تنسى الشرّ وتسامح الذي فعله الآخرون بسهولة، تعرف الصبر والاحتمال على سوء طباع الآخرين وتظفر بكلّ شيء، لا تجرح ولا تمسّ ولا تهين أحداً، لا تحتقر أو تستهين بالأخ الآخر أو تؤذيه، وإن وقعت المحبّة في مكانة رئاسة ما لا تضغط أو تضيّق على مرؤوسيها.
المحبّة لا تقطر سمّاً ولا تضرّ أو تؤذي بل تنثر بسمتها وطيبتها في كلّ مكان.

المحبة أولى ثمار الروح

من كتاب ثمار الروح – الفصل الثاني
كالينيكوس مطران بيريا
نقلته عن اليونانية: ماريّــا قبارة

المحبة، أولى ثمار الروح

 

ثمرة المحبة

إنّ ما يجدّد الإنسان روحياً أولاً المحبة كمال الفضائل. فهي زهرة النُبل لنفس الإنسان. إنّها الفضيلة التي تجعله يماثل الله لأنّ “الله محبة” (1يو8:4). المحبة عذوبة حياة الإنسان، وبلسم المأساة الدنيوية ودواء القلب الموجوع.
إنّها الوسيلة لجعل ميل الشخص إنسانيّ. فهي سلاح السلام الذي يجتثّ كلّ أمر صعب. هي الطريقة الفريدة التي تجعل الأمر ميسّراً فيكون الأفراد متوافقين منسجمين بها. المحبة هي الدواء الشافي الذي يجففّ دموعنا، ويحلّي بالنعمة نفوسنا، ويهدّئ قلوبنا ويؤنس مزاجنا الموحش.
تملأ المحبة بالنعمة نفوسنا العالمية وتحولّ أرضنا إلى قطعة فردوسيّة. فما هو الفردوس إن لم يكن بشركة المحبة؟ فعندما تقدّم المحبة تشعر بلذّة روحيّة لا توصف، وإن تلقى محبة من قريبك فأنت تتذوّق بلسمها. فالإنسان دوماً رابح بإعطائه المحبة أو تلقيه إيّاها. فإن أحببت، تلين نفسك، وإن أحبوك تهدأ روحك وتسكن. فالمحبة تضفي في داخلك شعوراً من السعادة والراحة، فهي التربة التي تنمو بانتظام. وهي الفضيلة التي تجمّل حياتنا. فمن دون المحبة نختنق ونغرق، ونصير عصبيي المزاج وكثيريّ الظنون. فالنفس التي لا تحبّ فقيرة جدباء، يابسة وعاقرة، موحشة وغريبة عن “الله المحبة”.
المحبة أعظم فضيلة للحياة، وهدية خالقنا الثمينة. إنّها الثمرة الأولى التي تنمو في النفس ويندّيها نسيم الروح القدس. “إذا أحبّ بعضكم بعضاً، عرف الناس جميعاً أنّكم تلاميذي” (يو35:13). إنّ المعرفة الحقيقية ونهضة نفوسنا لا تكون إلاّ بالمحبة “لأنّ المحبة من الله وكلّ محبّ مولود لله وعارف بالله”، “فلنحبّ بعضنا بعضاً” (1يو7:4).
لهذا يجب على المؤمن أن يحاول اقتناء فضيلة المحبة. “اسعوا إلى المحبة” (1كور1:14). وتثمر كلّ أموره وتتأتى بختم المحبة. “لتكن أموركم كلّها بمحبّة” (1كور14:16). فلنعش بمزيد من المحبة التي هي الحلقة التي تشدّ وتربط كلّ الفضائل بجملتها برزمة واحدة. “البسوا فوق ذلك كلّه ثوب المحبة فإنّها رباط الكمال” (كول14:3).
يقول القدّيس باسيليوس الكبير إنّ: “الثمرة الأولى الفضلى للروح القدس…….هي المحبة”. فيضع القديس بولس الرسول بحسب القديس باسيليوس الكبير المحبة أساساً لسلّم الثمار الروحية.

محبّة الله

محبة الله أولاً

يجب أن توجّه محبتنا أولاً إلى الله الذي هو نبع كلّ كمال “أحبب الربّ إلهك”(تث20:11). إلى الله الذي تنبع من لدنه كلّ محبة “لأنّ المحبة من الله” (1يو7:4). إلى الله لأنّه أبانا، أبانا السماوي الذي أحبّنا منذ الدهور “ومحبة أبدية أحببتك” (إرميا3:31). “فإنّنا نحبّ لأنّه أحبّنا قبل أن نحبّه” (1يو19:4). الذي اقتبل أن يعتبرنا أبناءه “انظروا أي محبّة خصّنا بها الآب لندعى أبناء الله” (1يو1:3). والذي قدّم ابنه الوحيد كفارة عنّا وعن خطايانا “وإنّما عرفنا المحبة بأن ذاك قد بذل نفسه في سبيلنا. فعلينا نحن أيضاً أن نبذل نفوسنا في سبيل إخوتنا” (1يو16:3). وأيضاً يقول تلميذ المحبة في (1يو10:4): ” وما تقوم عليه المحبة هو أنّه لسنا نحن أحببنا الله بل هو أحبّنا فأرسل ابنه كفّارة لخطايانا”.
أيّ طفل ذو كرامة لا يحبّ أباه العطوف؟ فكيف يمكننا نحن أن لا نحبّ الله- الآب، الذي اقتنينا منه كل ما هو حسن جداً؟ “فكلّ عطيةّ صالحة وكلّ هبة كاملة تنزل من علُ من عند أبي الأنوار” (يع17:1). وكيف نستطيع أن لا نحبّ الله الذي هو خالقنا الكليّ الصلاح، الذي جهّزنا بالمواهب الإلهية، بالعقل والإدراك والمشيئة والسلطة والنفس الخالدة، وسلّطنا على كلّ الخليقة؟. “ألإنسان أبرُّ من الله أم الرجل أطهر من خالقه؟” (أيوب17:4). أي ما الذي يؤهّل الإنسان، الذي أنت مجّدته وأعطيته كامل الرعاية والاهتمام؟، “أنقصته قليلاً عن الملائكة، بالمجد والبهاء كللّته، سلّطته على أعمال يديك، جعلت كلّ شيء تحت قدميه” (مز5:8-6). وكما يتساءل الحكيم سليمان عن هذا الأمر العظيم الذي تمّ في خليقة الله والذي دعاه “إنساناً”، يسمّيه هو “الإنسان العظيم” في (أمثال 6:10).
أنستطيع نحن إذاً الذين حصلنا على المواهب الغنيّة من الخالق- أبينا، خالق السماء والأرض، الساكن في الأعالي أن لا نحبّ خالقنا الكليّ القدرة؟. بالحقيقة كم شحيحٌ حبّنا لله! وعاقرٌ قلبنا من العواطف النبيلة تجاه خالقنا المُحسن!. ليس فقط حبٌ شحيح بل أيضاً هناك أناس يكرهون الله ويهينوه. فهؤلاء البشر للأسف كما نعرف، هم عميان روحياً، هذا إن كنّا نعتبرهم بشراً!

من كلّ القلب

وليس فقط علينا أن نحبّ الله بهذه السهولة، بل وأيضاً أن نحبّه من كلّ قلوبنا ونفوسنا “أحبب الرب إلهك من كلّ قلبك، ومن كلّ نفسك، ومن كلّ فكرك ومن كلّ قدرتك” (مر30:12) هذا ما تقوله الوصيّة الإلهية. “من كلّ قلوبنا” يعني أنّه عليك أن تحبّ الرب من كلّ قدرة النفس الداخليّة التي تحصد المشاعر. “من كلّ النفس” تعني من كلّ إرادتنا. “من كلّ الفكر” تعني من كلّ الذهن. “من كل قدرتك” تعني من كلّ قدرة الإنسان الداخليّة والخارجيّة أي النفسيّة والجسديّة.
يريد الله محبتنا، يريد أن يكون هو سيّد نفوسنا “يا بنيّ أعطني قلبك”. يريد أن نكون بكليتنا عطاءً لله ليكون هو ملك نفوسنا العالمية، لكي لا تتهشّم قلوبنا من رغبة ومحبة هذا العالم. “أما تعلمون أن محبة العالم عداوة الله” (يع4:4).
هذه المحبة الحارة والتامة تجاه الربّ، كانت عند القدّيسين الذين أرضوا الربّ، فالملايين منهم استشهدوا بالإيمان، احتملوا الأحزان والعذابات وأرهقوا دماءهم في سبيل محبّة المسيح. إحصاءات لا تعدّ من البشر، نساءً ورجالاً، الذين انتصروا على الحسد، وتحرروا من سِحر وفتنة هذه الحياة الوقتية “ليجعلوا المسيح محور قلوبهم”. مثل هذه المحبة نحو الربّ امتلكها القدّيس اغناطيوس المتوشح بالله، الذي بادر بفرح نحو الشهادة، مع عريس قلبه الملتهب بالمحبة. “لا أغار أبداً من العالم المنظور واللامنظور، فقط أريد أن أظفر في قلبي المسيح، فلتأتِ عليّ عذابات الشهداء، ما يكفيني فقط أن أنال مسيحي، فأنا أطلبه فوق كلّ الموجودات ليقيمني معه”. يسمى القديس اغناطيوس المتوشح بالله “المولود” فهو سيولد في غبطة وحياة جديدة في الحياة الأبدية. كان يقول بفرح:”ولادتي تقترب” . لم يخف من العذابات ولا من الموت الذي سبب له الفرح لأنّ به سيكون قريباً من الرب الذي اشتهاه قلبه وعشقه بشدة. ولهذا كان يخبر الكثيرين من حوله أن لا يعيقوه عن موت الشهادة “لا تعيقوني يا إخوتي، لا تعيقوني عمّا أطلبه”. هذا الموت الذي سيضمن له الحياة الحقيقية بدلاً من هذه الحياة الوقتية، فهنالك في السماء سيكون إنساناً حقاً. هذا هو مقياس “من كلّ القلب” محبة الله. المحبة الكليّة من دون حدود ودون أيّ مصلحة وخوف.
“من كلّ القلب” تعني المحبة الكاملة التي توجّه إلى الله فقط، ومنها ستنبع كلّ محبة أخرى، محبة جوّادة تجاه الأهل، ومحبة عظمى نحو الأطفال. أمّا محبة الله فهي لا تقبل المزايدة عليها “لأنّي أنا الربّ إلهك إله غيور” (تث9:5).

عطش الله

عندما تنمو في النفس هذه المحبة التامة تجاه الله، عندئذٍ يشتاق الإنسان ويعطش إلى الله، فيشتهي الله وحده. لا أحد غير الله يمكن أن يريحه. فهو الذي يستحوذ تفكيره، ويكون سرور قلبه ولذة نفسه الوحيدة. وحينها يجتثّ بشكر كلّ ما هو دنيوي وفاسد وباطل من حياته وينتصر على قوة الجسد ويقاوم الشهوات “فما من أحد يجنَّد يشغل نفسه بأمور الحياة” (2تيم4:2)، يشتهي فقط أن يصعد دوماً إلى العلاء، وأن يكون حراً ومستقلاً عن كل ّمحبة عالمية، حينها يستطيع أن يتغلب على صعوبات ويوميات الحياة الحاضرة، ولن يجرف من “الشهوات الخادعة” (أفسس22:4) في هذا الدهر.
لن يهتم بالأمور الزمنية الوقتية، اهتمامه هو الله. ورغبته الوحيدة هي كيف يرضيه، عندئذٍ “كلّ شيء خسراناً من أجل المعرفة السامية، معرفة يسوع المسيح” (فيلي8:3). يتذكر دوماً الله ويبتهج به. يركض إليه عطشاناً كما يركض الأيل إلى ينابيع المياه “عطشت نفسي إلى الله إلى الإله الحيّ”(مز2:41). فالله هو مركز أفكاره، وبهجة حياته التي لا توصف، وسموّ نفسه، فهو مخلصه الحلو ، وحبيبه العروس (نشيد الأناشيد 13:5-16).

نبع القوة

أيضاً المحبة نحو الله ليست شعوراً عاطفياً. إنّما قوة فائقة الوصف تحرّك ما بداخل الإنسان. إنّها قوة تنظّم حياته وتوجهه مباشرة إلى أعماله وتروّي أحلامه. تظهر بالطاعة الكليّة لمشيئة الله. الإنسان الذي يحبّ الله لا يعيش كما يريد هو بل كما يريد الله. ناموس الله ووصاياه مرشد وبوصلة حياته. “الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبنّي، والذي يحبنّي يحبّه أبي وأنا أحبّه وأظهر له ذاتي” (يو21:14). ويحاول دوماً أن يعيش كما يريد الله. لهذا يجاهد بصدقٍ ضدّ أهوائه وزلاته، ضدّ إنسانه القديم. ويبتر كل رباط للخطيئة الضالة.، وينظر أن يمتثل دوماً لمشيئة الله ويتقدم في الفضيلة والكمال. تتملكه نعمة الله وتجدّد قلبه، حينها ينسجم مع كلام الرب ويصير مسكناً للثالوث القدّوس. “إن أحبني أحدٌ يحفظ كلامي ويحبّه أبي وإليه تأتي وعنده تصنع منزلاً” (يو23:14). فيصير الغنسان مستنيراً بالله ويكشف له الله ذاته “أُظهر له ذاتي” (يو21:14). فهو الذي يسنده ويقوّيه، يصعده إلى السماء ويمنحه الإمكانية أن يتلمّس في الحياة الحاضرة ندى الفردوس. عندئذٍ يشعر ذاك الإنسان بحلاوة داخلية لاتوصف وبحضور الرب قربه. ويحسّ بنسيم سماوي يطفي على قلبه، ويدرك أنّه لا يوجد حلاوة أو جمال أو قداسة أو قوة أو علّو أو غبطة تفوق محبّة الله.
فيا لسعادة الإنسان المغبوط آنذاك! وكم يشعر بالراحة والغبطة!. فلا هوى يزعجه ولا رباط يحجزه ولاخوف يستولي عليه. لايجذبه سِحر العالم ولا يفتنه الجسد وروح الموضة. فالحزن لا يغلبه وتجارب الحياة لا تخيفه والقلق لا يتملكّه لأنّه يعرف أنّ “آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا” (رو18:8). وينشد قلبه “أنا لحبيبي وحبيبي لي” (نشيد الأنشاد 3:6).
إن لم تكن جاهزاً أن تعمل كلّ شيء بنعمة الربّ، وأن تقدّم له كلّ تضحية وتسلّم نفسك لمشيئة “حبيبك”، فلست مستحقاً أن تدعى “عشيق الله”.

من ثمار الروح – 1

من كتاب ثمار الروح – الفصل الأول
كالينيكوس مطران بيريه
نقلته عن اليونانية: ماريّــا قبارة

 

“أما ثمر الروح، فهو محبـَّة فرح سلام طول أناة لطف صـلاح إيمان، وداعة تعفف” (غلا22:5-23)

انعكاس ثمر الروح في أعمال الجسد

يثمر قلب الإنسان نوعين من الثمار. النوع الأول ثمار صالحة، أمّا النوع الثاني فثمار الحمأة. يذكر القديس بولس الرسول برسالته إلى غلاطية هذين النوعين؛ النوع الصالح هو الثّمر الذي يُنتج أفضل قوى الإنسان الروحية بنعمة واستنارة الروح القدس. أمّا النوع الآخر فهو أعمال الجسد؛ الشرور المختلفة التي تنمو في قلب الإنسان عندما نغيب عنه نعمة واستنارة الروح القدس، وعندما يعيش مُقاداً بحسب ميله وشهواته وأهوائه؛ وهذه الأعمال هي أدنى قيمة من الإنسان وممتلئة نتانة خانقة.
تقدّم أقوال الرسول بولس أعمال الجسد بالشكل التالي: “زنى، نجاسة دعارة، عبادة الأوثان سِحِر عداوة خصام غيرة سخط تحزّب شقاق بدع، حسد سكر بَطر وغيرها” (غلا19:5-21). يقول الرسول بولس إنّ كلّ هذه الشرور ومثلها هي الأعمال التي يجرفنا إليها ميلنا الجسدي الفاسد، وهي أعمال كريهة، والإنسان الذي يقدم على أعمال كهذه له نهاية مخيفة. على عكس هذه الثمار التي تنتج ثمار نتانة الجسد، ثمر الروح تنتج الثمار العليا النبيلة والمؤلهة والسماويّة، وتهب طيب أريج بامتياز؛ فهذا الثمر هو الفضائل التي تحلّي النفس البشرية وتعمل فيها لتجعلها متلألئة ولامعة من العظمة الإلهية “أما ثمر الروح، فهو محبة فرح سلام طول أناة لطف صلاح إيمان، وداعة تعفف” (غلا22:5-23). يعترف بولس الرسول في الآية (17) بأنّ في قلب الإنسان حرباً قوية، “الجسد يشتهي ضدّ الروح، والروح ضدّ الجسد، وهذا يقاوم أحدهما الآخر” ومن أجل خير الإنسان يجب أن تكون الغلبة في هذا الصراع للروح. لكن هذا لن يحصل من دون اشتراك إرادة الإنسان الحرّة، ومن دون المحاولة والجهاد. لذلك من الضروري لكي نستطيع أن نثمر روحياً ونتجنّب نتانة أعمال الجسد أن نتعمّق في معرفة أنفسنا وأن نرى ميول وأهواء قلوبنا، وأن نعي ما يجب أن نفعله ليستطيع الروح من تغيير قلوبنا.

حول ميول الإنسان الشريرة

لم يبقَ الإنسان في الحالة التي كان عليها عندما جُبل بيديّ خالقه. آنذاك كان “حسناً جداً”، كان طاهراً نقيّاً من كلّ ميل شرير. كان في حالة البراءة واللاهوى، ولكنّ الشيطان أغواه وللحال استعمل إرادته الحرّة التي خصّه بها الله استعمالاً سيئاً. فكسر وتعدّى وصية خالقه، ومعروف للجميع قصة وخطيئة الجبّلة الأولى. وكنتيجة لذلك العصيان فقدَ براءته التي كانت عنده ودخل في نفسه الشرّ والمكر والخباثة. كلّ تلك البذور السماويّة للفضائل التي كانت عنده بذرها الله في نفسه بهدف، وبإرادته الحرّة واختياره كان عليه أن ينمّيها ويزيدها والتي كانت مدعاةً للعجب!. ولكن الآن صارت بذرة جديدة في نفسه، البذرة التي صنعها سمُّ عصيانه، وهكذا تحوّل ميل الفضيلة والصلاح ميلاً للشرّ؛ وانعطف قلبُ الإنسان منذ ذلك الحين بشكل أكبر إلى الشرّ ضدّ الخير. وكما يقول موييلاس: “حالة البراءة وعدم الشرّ… تبدّلت إلى حالة الخطيئة”. والإنسان المجبول؛ على “صورة الله” تشوّهت وفسدت “حسب الصورة”.
تلك المخالفة كانت ذات نتيجة مؤلمة لكلّ الجنس البشري. جرفت الجنس البشري بكليته، ونحن الآن نتحمّل نتائجه. وهاك البعض منها: جرّدت الإنسان وحرمته من نعمة الله وقلبت ميوله الصالحة، وورث منذ ذلك الحين الميل والاتجاه السيء، بينما كان الإنسان قبل العصيان يميل إلى الخير، ولكنّه الآن يرضى أكثر بالشرّ ويشكره.
“فتنسّم الرب رائحة الرضا. وقال الرب في قلبه لا أعود ألعن الأرض أيضاً من أجل الإنسان لأنّ تصوُّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته” (تك21:8)، أيّ تشّوه العالم النفسي، واتجهت الميول الصالحة لقلب الإنسان إلى الاتجاه الخاطئ (تك5:6).
بينما الإله لكونه صالحاً خلق كلّ شيء بأعمال حسنة، أمّا المخلوق فقد انقلب إلى الإثم بإرادته الخاصة. يقول القدّيس بولس الرسول: “الحالة الطبيعية فسدت، وأصبح ذهن (الإنسان) جسدياً” (كول18:2)، وبواسطة المعمودية المقدسة تحررّنا من الخطيئة الجديّة ومن قدرة الخطيئة، وتوّقف الميل نحو الشرّ أن يكون خطيئة لكنّه بقي كإرث فينا.
لم يتركنا الله من دون مساعد في هذا الجرف الذي أوقعنا أنفسنا به بالمعصية، فبادر من فيض المحبة ليخلّص جبلته. فأرسل ابنه الوحيد إلى هنا؛ إلى الأرض، وأصبح الرب لعنة كي يحررّنا من اللعنة “ولكنّ الله بيّن محبته لنا لأنّه ونحن بعد خطاة مات المسيح من أجلنا” (رو8:5).
بواسطة تجسّد الرب الإله وذبيحته انمحى سلطان الخطيئة، “فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد” (رو3:8). أيّ أنّ الله كي يبيد الخطيئة أرسل ابنه بالجسد والذي شابه جسدنا، لكن ليس جسد الخطيئة، وهكذا حكم وحلّ الخطيئة بواسطة جسد ابنه، الذي وإن كان منزهاً عن الخطأ تحمّل نتائج الخطيئة مسلماً نفسه للموت.
بإيماننا بالمسيح المخلّص وبالمعموديّة انمحى وتلاشى من فوقنا جسد الخطيئة، لكن بقيت داخلنا الشهوة والانعطاف إلى الخطيئة. وبالمعمودية المسيحيّة الهوى والانعطاف هذين هما غير مؤديين، ولكن يكوّنان دفعاً مستمراً للشرّ، محركاً داخلياً دائماً لقلبنا نحو الخطيئة، لذلك نحن معرضون في كلّ لحظة للتهلكة. إن لم نقاوم هذه الأهواء سنستعبد للخطيئة، يتعلّق هذا الأمر بالأكثر بإرادتنا، وتُمنح لنا بوفرة مساعدة من الله، لكن هذا متعلق بنا وبيدنا نستعملها أو نحتقرها ونرذلها، وعندئذٍ لن يقتحم الله حريتنا.
إنّ عبوديتنا للميول الشريرة تتوقف على إرادتنا أو نتغلب عليها. كما أنّ على الإرادة يتوقف إثمارنا الثمار الروحيّة أو عقمنا تجاهها. إنّ دور الإرادة الحرّة كبير لهذا نحمل مسؤوليات عن إثمارنا أو عن عدمه.

الاستعمال الخاطئ للحريّة

إنّ قلبنا له ميل وانعطاف إلى الشهوات بقوة كبيرة، لكن قوّة إرادتنا ونعمة الروح القدس هي أكبر. ونحن نستعمل دوماً مشيئتنا الحرّة استعمالاً خاطئاً، ولها نتائج مدمّرة في حياتنا.
أُعطيت لنا نعمة الله في ساعة معموديتنا وقد أخذنا فيها نعمة الروح القدس. لكن نحن بإرادتنا السيئة نحتقر مرات كثيرة نعمة الله هذه في حياتنا، ونستسلم من دون أي حاجز إلى إرضاء ميولنا الشريرة، لذلك تزداد حياة الخطيئة داخلنا، ولا نقاوم ميولنا الشريرة بل نتركها حرّة لتتأجج وتشوش ما بداخلنا. وهكذا نصل إلى درجة تصبح معها هذه الميول خطايا معتادة. وعندما تتأصل هذه الخطايا بشكل اعتيادي داخلنا تصير مفسدة للنفس. هذا الهوى الخاطئ هو بالضبط حالة متأصلة من الإثم واستعباد النفس له. لكن عندما يُستعبد الإنسان لعاداته السيئة المعتادة والأهواء الخاطئة، عندها يعيش ويعمل أعمال الجسد التي تحدث عنها القديس بولس في الآية (19-20-21)، قبل أن يتحدث عن ثمار الروح التي ذكرناها في السابق.
حالة الإنسان الذي يعمل أعمال الجسد مخيفة فمن يعمل هذه الأعمال من المستحيل أن يرضي الله. “الذين يحيون في الجسد لا يستطيعون إرضاء الله” (رو8:8). ويصير عدوّ الله من يعيش مستعبداً لرغباته الشريرة “لأنّ نزوع الجسد عداوة الله” (رو7:8)، ولا يصير فقط عدواً بل ينفصل بشكل نهائي عن الله ويحكم عليه بالموت الروحي “الجسد ينزع إلى الموت” (رو4:8).
بعد تعداد أعمال الجسد “الذين يعملون هذه الأعمال لا يرثون ملكوت الله” (غلا21:5). كلّ هذه الأعمال المخيفة تحدث مع الإنسان عندما يستخدم حريته أيّ إرادته الحرّة استخداماً سيئاً، ويقصي عنه نعمة الروح القدس. يقول القديس مكاريوس المصري: “لأنّك تكون عارياً من قوة الروح تصير عبداً ذليلاً للأهواء”، ليشدد عل الحالة المخيفة للإنسان الذي يحرم بإرادته السيئة من نعمة الروح القدس. هكذا إنسان لا يستطيع أن يثمر ثمار الروح وإنّما فقط أعمال الجسد لأنّ “الإنسان القديم” يتسلط عليه.
إذاً أعمال الجسد هي إنتاجنا الخاص بشكل حصري فينا. تنمو داخلنا كلّما تساهلت إرادتنا وخضعت. فالاستعمال الخاطئ لمشيئتنا أصبح خاطئاً لهذا فأمامنا مسؤولية أمام الله عنها. ويقول القدّيس إيكومينيوس شارحاً آية القدّيس بولس “الأعمال الشريرة تنبع منّا فقط لذلك فأعمال الجسد إنّما هي منحطة ثقيلة”. ولنا مسؤولية أمام الله عنها. وتزايدها يعود إلى تخاذلنا أمام الميول السيئة أي الاستعمال السيء لإرادتنا الحرّة. إذا أردنا أن نستعمل نعمة الله بشكل مفيد، فبالنعمة هذه سننتصر على الشهوات الشريرة.

ثمار الإنسان الروحيّة

إنّ أعمال الجسد تتولّد بنفسها في داخلنا، أما ثمار الروح فتتوّلد من معاضدة إرادتنا مع نعمة الروح القدس، “أعمالنا الصالحة تتأتى من الاجتهاد، وأيضاً بقوة من العلى” يقول القدّيس إيكومينيوس.
إذاً ثمر الروح هو مجموعات روحية، تظهر في حياتنا بالأعمال الصالحة، وتكوّن معرفة واضحة للثمار الروحية، فلكي تثمر أنفسنا روحياً من الضروري أن يسود الروح في قلوبنا. لكن هذه الحالة العميقة لسيادة الروح داخلنا هي انتزاع أهواء خطايانا وضعف قوى الشرّ داخلنا. أيّ أنّه يصير معسكر حرب، فلكي ينتصر ويسود أحدهما يجب أن يُنتصر ويساد عليه من الآخر. لا يستطيع الروح أن يسود في حياتنا عندما نعيش حياة الجسد، إنّه لمستحيل اجتماع فضيلة حقيقية مع شرّ وخيم، وكي ينتصر الروح يجب أن تنزع الأهواء والعادات السيئة ليبقى أرضاً حرّة تنمو فيها حياته الروحية وينتج ثمار الروح. وفي هذه الحالة نتحرر من رباط أهواء الخطايا وبمساعدة الروح القدس نستطيع أن نحقق هذا الأمر. يقول القدّيس مكاريوس المصري: “الأهواء المستترة والخفيّة هي كائنات صعب التحرر منها ويضبطها بشكلٍ خفي الروح القدس، لأنّها متجذّرة ومتأصلة في النفس”. ويبيّن لنا النبي داوود شعرياً هذا الأمر “من الخطايا المستترة أبرئني” (مز12:19). فبواسطة الابتهالات الكثيرة والإيمان والميل الكامل نحو الله، وبمؤازرة الروح تعضد قوانا، “وإلاّ فكلّ ما نملكه يعاندنا ويكبّل قلوبنا في الحبس” (القديس مكاريوس المصري). فلكي نتحرر من أهواء الخطايا التي تجذّرت في قلوبنا يجب أن نسأل بالصلاة الحارّة مساعدة الله ومؤازرة الروح القدس في محاولتنا هذه وأن نجاهد أن نملك يقظة دائمة في قلوبنا.
تلعب إرادتنا الحرّة دوراً أساسياً في تخليص نفوسنا من الأهواء وفي نموّ الفضيلة داخلنا. فلا إصلاح ولا نموّ في الفضيلة من دون إرادتنا ومحاولتنا الخاصّة. لا يقتحم الله أبداً إرادتنا ومشيئتنا الحرّة. هذا الخالق هو نفسه من زوّدنا بالمشيئة الحرّة لذا لا يقتحمها.طبعاً يريد خلاصنا وكمالنا الروحي. وينادينا دوماً بكلمته الإلهية وينبّهنا لكي ننفض عنّا قيود أهواء الخطايا من قلوبنا. وهو جاهزٌ ليساعدنا ويقوينا ضدّها. ما يبقى هو أن نريد نحن ذلك، يريد هو أن نخطو الخطوة الأولى؛ أن نقدّم إرادتنا ورضانا ليعطينا هو مباشرة “99” خطوة، ويتبع ذلك الكمال فينا.
“إذا أراد الإنسان أن يعطي الرغبة فقط لمشيئة الله، فالله يجتثّ الأهواء والأفكار الشريرة من الإنسان، وبعد أن ينقّيه يغرس فيه ثمار الروح القدس التي هي المحبة والفرح والسلام وطول الأناة والصلاح، والأعمال الطاهرة والإيمان والطهارة والعفّة”. إذاً، إرادتنا هي ضرورية لنقاء نفوسنا بالروح القدس من أهواء وفساد النفس التي عشعشت فينا، ومن أجل تقدّمنا الروحي والأخلاقي وكمالنا وإثمارنا بالروح القدس. إنّ الروح القدس لا يحابي، بحيث يعطي للبعض مواهبه وللآخرين لا يعطي. بل يرى كلّ البشر بنفس عين المحبة “الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحقّ يقبلون” (1 تي4:2). لكن يريد رغبتنا الخاصّة فهو لا يفرض نعمته عندما نصدّها نحن ونمنعها. يجب أن تُساهم إرادتنا لكي تعمل عجائب الروح القدس فينا فتبدّل عقمنا وقلبنا العديم الثمر إلى أرض صالحة مثمرة.
من دون أي مساعدة لنا من العُلى؛ لا نستطيع وحدنا أن نثمر روحياً. فقوانا من دون نعمة الله هي فقيرة، فمن الخطأ أن نعتمد في إصلاح أنفسنا وكمالنا على كياننا الشخصي، وقد أوضح لنا الرب عن هذا الأمر في الرمز المجازي للكرمة: “أنا الكرمة وأنتم الأغصان، الذي يثبت فيَّ وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير. لأنّكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً” (يو5:15). وهناك حاجة أن نبقى قرب الرب، نتحّد معه كما يتحّد الغصن بالكرمة لننتج ثمار الصالحات “كما أنّ الغصن لا يقدر أن يأتي بثمر من ذاته إن لم يثبت في الكرمة كذلك أنتم أيضاً إن لم تثبتوا فيَّ” (يو4:15).
تحررنا من أعمال الجسد وإثمارنا الثمار الروحية هو عمل يساهم فيه عاملان، الأول، محاولتنا وإرادتنا الخاصة، والثاني، نعمة الله التي هي نعمة الروح القدس تمنح لنفوسنا. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: “كذلك نحن أيضاً لنقنع أنفسنا، فلو اهتممنا ملايين المرات لا نستطيع أن نحقق شيئاً إلاّ إذا استمدّينا القوة الإلهية من العُلى، أيّ إن لم نحصل على المؤازرة من هناك لن نستطيع أن نحقق ما يجب علينا تحقيقه. هكذا أيضاً لن نستأهل العلويات إن لم نستمد منه هو نفسه. لذلك علينا أن نهتمّ لتنـزل علينا عنايته من لدنه. لكيما بسعينا الخاص ومحبة الله للبشر تسكن فينا كلّ يوم أمور الفضيلة ونتذوّق كثيراً النعمة العلوية”. وفي حديث القدّيس باسيليوس الكبير عن تغيير قلوبنا من الدنيويات إلى الروحيات شدّد على ضرورة إرادتنا وحضور الروح القدس وتمام الأعجوبة: “إنّ هذا التجديد والانتقال من الحياة الأرضية الخاضعة للأهواء إلى السلوك السماوي الصائر إلينا من الروح القدس بمعجزة فائقة الطبيعة يقود إليها نفوسنا”.
ويشدّد القدّيس مكاريوس المصري لذات الحقيقة ويقول: “الذي ينغمس في فضائل قوة الروح الصالح إنّما هو كحجر يسقط في البحر وينغمر كلّه في الماء. بنفس الطريقة الذين يسيرون ويتمثلون فضائل الروح غير المتحوّلة فيهم تظهر عليهم ثمارهم في كلّ شيء، فهم كاملون من الداخل لأنّهم تنقّوا بالروح فلا يصدر عنهم أيّ فعل سيّء ولكن دوماً تشعّ منهم ثمار الروح. هذه هي إنجازات الكمال الإلهي”.