ما بعد الإنسانية

ما بعد الإنسانية

الأب أنطوان ملكي

منذ ظهور الكورونا وتحولها إلى جائحة، أطلق معتنقو نظريات المؤامرة العنان لأفكارهم إذ وجدوا الظرف مؤاتياً لتطبيق رؤياهم. ليس سهلاً التعليق على كل السيناريوهات التي طُرِحَت. وقبل أي نقاش، يجب الإشارة إلى أن التهدئة ضرورية لتصويب المسار. التهدئة الفعلية تقوم على الحقيقة. والحقيقة لا تعني إنكار وجود ضد المسيح وأنه سوف يظهر وسوف يكون هناك حرب معه. تقتضي الحقيقة أن يفهم المسيحي أن المعركة مع ضد المسيح هي معركة المسيح، ونحن منخرطون كجنود للمسيح ولسنا مستقلّين عنه. كلّ مَن يتنطح ويغرق بالسيناريوهات يكون مخدوعاً.ـ

وعليه، قرار متى تكون الحرب ليس متروكاً بيد ضد المسيح، وربّنا لم ينسحب حتى يأخذ مكانه أي أحد، لا من أعدائه ولا من جيشه. لهذا، اليقظة شرطٌ لعبور الزمان الممتد من اللحظة إلى يوم القيامة. واليقظة لا تعني أن يقضي الإنسان وقته يراقب ضد المسيح بل هي أن يراقب نفسه، كما يعلّم القديس بورفيريوس. إن هو راقب نفسه يزرع السلام من حوله أما إذا انشغل بمراقبة ضد المسيح فسوف يدفع المؤمنين إلى الذعر والعيش بانفصام في واقع الحياة الذي لا ينقصه انفصامات. اليقظة ليست حالة فكرية بل روحية نبلغها بالجهاد الروحي في الكنيسة، على ضعفاتها.ـ

ما يهمنا في هذا المقال من نظريات المؤامرة، هي تلك التي ربطت الجائحة بضد المسيح، أما غيرها من النظريات، التي تقع في السياسة والمال، فلن نتطرق إليها. النقطة المركزية في هذه النظرية هي علامة الوحش حيث صارت الشريحة الرقمية العلامة تارة، واللقاح الذي لم يوجَد بعد تارة أخرى، ويخرج مَن يؤكّد أن اللقاح يحمل رقم الوحش المعروف ب666. ويكون الاستنتاج أن على المسيحيين رفض الشريحة ورفض اللقاح. هذا الكلام يعتوره الكثير من قلة الدقّة. من متطلبات النصر في الحروب هو دقة المعلومات وإلا تصير الحرب مع طواحين الهواء فيما العدو يتفرّج و”يشمت”، بحسب تعبير الذهبي الفم.ـ

قبل التطرق إلى الحرب مع ضد المسيح، من الضروري أن نضع الشريحة في مكانها الصحيح. هناك اليوم في العالم اهتمام كبير بالشرائح التي توضَع في جسم الإنسان، منها ما هو لأهداف طبية ومنها ما هو لمجرد البحث العلمي ومنها ما هو أبعد من ذلك. يُنفَق الكثير من المال عالمياً على هذه الأبحاث والدراسات. البعض القليل منها ينجح في التطبيقات الطبية، أما في الحقول الأخرى فعدم الوضوح هو السمة الغالبة. من هذه الشرائح اثنتان، الأولى اقترح بيل غايتس بأن تكون لتحميل اللقاح ضد الكورونا عليها فيمتص الجسد اللقاح وتبقى هي وتكون محمّلة بمعلومات صاحبها الشخصية. هذه العملية يقول مقترحوها أنها تساعد على تحديد مَن أخذ اللقاح، وهنا يبدأ النقاش حول إلزامية اللقاح، وأن اللقاح الذي لم يتوصل إليه أحد بعد هو أيضاً من الشيطان. أما الشريحة الثانية فهي أيضاً بنفس مواصفات الأولى ما عدا أنها ليست معنية باللقاح وسوف تكون إلزامية لكل البشر وتحلّ مكان كل الجوازات والبطاقات، فلا يحتاج الإنسان من ثمّ إلى جواز سفر ولا إلى بطاقة المصرف ولا رخصة السَوق ولا غيرها. إلى هذا تحمل البطاقة كل المعلومات البيومترية التي يحملها اليوم الجواز وغيره من البطاقات. هذه الشريحة هي جزء من مشروع كوني عنوانه الهوية 2020 (ID2020) ويعمل عليه عدد كبير جداً من الشركات العملاقة والصغيرة، وغالبيتها في أوروبا، ومعهم عدد كبير من الجامعات ومراكز الأبحاث والباحثين المنفردين والمموّلين.ـ

الهوية 2020 هي جزء مهيّء لمشروع أكبر يحمله تيار “ما بعد البشرية (transhumanism)”، وفي شقّه التكنولوجي أُطلِق عليه لاحقاً اسم Humanity 2.0، أي النسخة الثانية من البشرية، أو البشرية الجديدة، حيث يأمل المنخرطون فيه إنتاج إنسان هجين بين البشر والآلة. يتّخذ هذا المخلوق المرجو عدة أسماء، الأكثر انتشاراً بينها هو سايبورغ (Cyborg). وقد بدأت بعض الاختبارات على أشخاص من أصحاب الاحتياجات الخاصة حيث تم استبدال الأعضاء المريضة أو الميتة بأجهزة وشرائح. الأعضاء التي نجحوا في تصنيعها في المختبرات هي اليد، الرِجل، الذاكرة اي جزء من الدماغ، البنكرياس، العين، والأذن. وقد وصل البحث حول القلب إلى نقاط متقدمة، لكن لم يُصَر بعد إلى إنتاج قلب اصطناعي.ـ

تضمّ حركة ما بعد البشرية مفكرين وعلماء ومستثمرين من كافة الحقول، كالفلسفة والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والهندسة والطب وغيرها. من مبادئهم وجوب استخدام تقارب التقنيات الجديدة لتغيير الإنسان من عاقل (Homosapien) إلى تكنو إنسان (Technosapien). يعتبر بعض دعاة هذه الحركة أن البشر الحاليين هم نموذج عفا عنه الزمن، ويدافعون عن موقفهم بأن الناس هم أصلاً على طريق ما بعد الإنسان، حيث أنهم يستخدمون التكنولوجيا لتعزيز وتوسيع القدرات البشرية، كالهواتف المحمولة والإنترنت والأطراف الصناعية الطبية وما إلى ذلك. وبالتالي يجادلون بأن ما يدافعون عنه لا يختلف عينيًا عما سبق أن قَبِله البشر على أنه أخلاقي ومقبول. طبعاً، إلى اليوم لم تلقَ هذه الأفكار القبول الذي يضعها على المستوى التطبيقي الشامل مع أن منظومة مقتدرة من الإعلام والسينما والأدب والموسيقى تعمل على التسويق لهذه الأفكار ونشرها. قيمة ميزانيات هذه الأبحاث والنشاطات تفوق ما يحتاجه العالم لحل مشاكل الجوع والأمية، من دون أن ندرِج كلفة تطبيق هذه الأفكار على علوم الحرب وأدواتها.ـ

يتحدث جماعة ما بعد الإنسانية، او الإنسانية الجديدة، عن الخلود وإطالة الحياة وتأخير الشيخوخة، ويعملون على تحقيق هذه الأمور عن طريق التكنولوجيا. حلمهم الأبعد هو الحياة الأبدية على هذه الأرض أو على كوكب آخر. لهذان يمكن اعتبارهم ديناً يعِد بالخلود عن طريق التصاعد والتحول اللذين يحققهما العلم. وكسائر الأديان، يعتبرون مَن يخالفهم الرأي رجعياً ومعادياً للكنولوجيا والتطور.ـ

من المهم التمعّن بما يؤدّي تدخل التكنولوجيا والعلوم في داخل الإنسان أكثر مما يؤثر عليه من خارج. لا يؤمن أتباع الإنسانية الجديدة بأن للإنسان جوهر ينبغي احترامه. نحن المسيحيون نعرف أن داخل الإنسان صورة الله وهي جوهره. بالتالي، التطور يلحِق الضرر بصورة الله التي فينا والتي نتمسّك بها وندافع عنها. الكلام عن الرجل الآلة هو ضرب لهذه الصورة ولقدسية الحياة التي فيها. أن يقبل الناس أنهم جزئياً آلات يقودهم عملياً إلى التخلي عن كل ما نعتقده قدسيةً للجسد، من الحشمة وصولاً إلى الاستباحة الكاملة، وحتى إلى الإجهاض والانتحار والموت الرحيم. إذا كنا نستطيع أن نتصرّف بالآلات على هوانا وحتّى أن نتلفها أو نتخلَص منها أو ندوّرها، فلمَ تكون هذه الآلة البشرية استثناءً؟

يدعو أتباع الإنسانية الجديدة إلى تبني التقنيات التي تهدف إلى تعزيز قدرات الإنسان العقلية والأخلاقية. حجتهم هي أن الإنسان المعزز سوف يكون أكثر سلامية وعدائية لأنه لا ينقصه شيء. هذه التقنيات مبنية على علم النفس وطبّها وهي تطال الأفراد والجماعات. من أشهر هذه التقنيات ما يُعرَف بالهندسة الاجتماعية التي يقوم عليها الكثير من ألاعيب علوم التسويق والدعاية. تضخّ إلينا الشاشات، بكافة أشكالها، كمّاً كبيراً من تطبيقات هذه التقنيات.ـ

طبعاً، لا يقف العالم متفرجاً على جماعات ما بعد الإنسانية ينفذّون مشاريعهم ولا خططهم تسير كما يشتهون. هناك جماعات دينية وأخلاقية كثيرة تناهضهم. وهنا تكمن ضرورة التمييز في كيف يناهضهم الإنسان وأين ومتى؟ مَن يندفع من دون تمييز يستنفد قوته وموارده قبل الأوان.ـ

على سبيل المثال، يتحدّث مناهضو الشريحة عن أنها سوف تكون مدخلاً إلى التحكم بالبشر وتوجيههم. أيعتقد ناشرو هذه التحذيرات بأن الشريحة سوف تكون أكثر فتكاً مما ينتشر حالياً في المجتع من مظاهر ثقافة تغيير المزاج والتحكم بالأفكار، وتقنيات التأمل التصاعدي، وحتى العقاقير التي تعمل على الأعصاب وعلى النفس، والمخدرات؟ أليست هذه كلها أشكال تحكّم بالناس؟ كثيرون يحذّرون من أن اللقاح سوف يتيح لقوى الظلام التحكّم بمَن يأخذه، فهل يعتقدون بأنه سوف يكون أكثر تحكماً من الهاتف الذكي والرسائل المخفية والموسيقى المخدّرة؟

طبعاً هذا الكلام ليس للدفاع عن الشريحة بل لوضعها في مكانها الصحيح. جماعة الإنسانية الجديدة يخططون للانتقال من خارج الإنسان إلى داخله متى استطاعوا. هذا يعني أن الحرب الحقيقية تكون في داخل الإنسان. المؤمن الذي انتصر في داخله، على ذاته أولاً، يكون محصّناً مستعداً لمواجهة ما يأتي من خارجها. يحكي الأخرويون عن أن الناس سوف تهرب كي لا تحمل علامة الوحش وهذا صحيح. لكن مَن الذي سوف يترك بيته وماله ومجتمعه ويهرب؟ وحده غير المتعلّق بما يملك، الذي كنزه في السماء وبالتالي هناك قلبه، الذي لا يشدّه إلى مكانه شيء سوى أن الله وضعه فيه، متى أراده الله أن ينتقل يكون جاهزاً. الاستعداد داخلي وبرنامجه واضحٌ اسمه التوبة. ألفا سنة والكنيسة تعلّم عنه، تصوم وتجاهد من أجله.ـ

إن وصف الرسول بولس لهذه الحرب دقيق جداً: “وَأَمَّا الأَزْمِنَةُ وَالأَوْقَاتُ فَلاَ حَاجَةَ لَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا، لأَنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِالتَّحْقِيقِ أَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ هكَذَا يَجِيءُ… وَأَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَلَسْتُمْ فِي ظُلْمَةٍ… جَمِيعُكُمْ أَبْنَاءُ نُورٍ وَأَبْنَاءُ نَهَارٍ…فَلْنَصْحُ لاَبِسِينَ دِرْعَ الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ، وَخُوذَةً هِيَ رَجَاءُ الْخَلاَصِ” (1تسالونيكي 1:5-8).ـ

إذاً، هناك معركة قادمة. أما كيف وأين فللرب أن يقرر. يخطئ مَن يعتقد أن القرار بيد ضد المسيح. “وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ… إِلاَّ الآبُ” (مرقس 13: 32). لهذا نحارب بالتوبة لا بالنظريات ولا بالسلاح ولا حتّى بالعلم. فليستعدّ كل واحد بالوزنة التي أُعطيها. لسنا كلنا أطباء ولسنا كلنا علماء. فلنأخذ الطب من الطبيب والعلم من العالِم. نظريات المؤامرة هي استجلاب للسياسة إلى الروحيات. لا يجوز أن نخلط السياسة بالإيمان ونتصوّر أننا نقرأ الواحد بالآخر. لا ألعاب الأرقام ولا شؤون الأرض ولا قراءة الإنجيل هوليوودياً تنفع المؤمنين وتثبّتهم وراء سيدهم في التجربة. وحدهم التائبون يرون الفرج “تُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ، لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ” (أعمال 19:3).ـ

ختاماً، باختصار على لسان هامة الرسل: “أَنَّ يَوْمًا وَاحِدًا عِنْدَ الرَّبِّ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَأَلْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ. لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ. وَلكِنْ سَيَأْتِي كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ، يَوْمُ الرَّبِّ، الَّذِي فِيهِ تَزُولُ السَّمَاوَاتُ بِضَجِيجٍ، وَتَنْحَلُّ الْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً، وَتَحْتَرِقُ الأَرْضُ وَالْمَصْنُوعَاتُ الَّتِي فِيهَا. فَبِمَا أَنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَنْحَلُّ، أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ فِي سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى؟ مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الَّذِي بِهِ تَنْحَلُّ السَّمَاوَاتُ مُلْتَهِبَةً، وَالْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً تَذُوبُ. وَلكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ. لِذلِكَ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ أَنْتُمْ مُنْتَظِرُونَ هذِهِ، اجْتَهِدُوا لِتُوجَدُوا عِنْدَهُ بِلاَ دَنَسٍ وَلاَ عَيْبٍ، فِي سَلاَمٍ.” (2بطرس 8:3-14).ـ

Ferrando, Francesca. (2013). “Posthumanism, Transhumanism, Antihumanism, Metahumanism, and New Materialisms: Differences and Relations,” Existenz 8/2 (2013), 26-32. https://www.researchgate.net/publication/304333989_Posthumanism_Transhumanism_Antihumanism_Metahumanism_and_New_Materialisms_Differences_and_Relations

Gallaher, B (2019). “Godmanhood vs Mangodhood: An eastern orthodox response to transhumanism”. Studies in Christian Ethics. http://hdl.handle.net/10871/39217

Somerville, Margaret (2007). “From Homo sapiens to Techno sapiens: Children’s Human Rights to Natural Human Origins”. https://www.ieb-eib.org/en/study/early-life/assisted-reproduction/from-homo-sapiens-to-techno-sapiens-161.html

***

السُّبُل الخمسة للشَّرِكة مع المسيح [1]

الأب إيليا كليوبّا

تعريب عمار عوض

إن الاشتراك بالأسرار الطاهرة، أن نتناول جسد الرب ودمه، هو السِّرُّ الأكثرُ رهبة وصلاحاً وقداسة، لأن المخلص يقول: “من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه” [2].ـ

لكن الشَّرِكة مع المسيح في كنيسته ممكنةٌ، حقًا، عبر خمسة طرق:ـ

الشَّرِكة الأولى والأهم هي تناول جسد الرب ودمه.ـ

الشَّرِكة الثانية، بحسب القديس باسيليوس الكبير، هي الشَّرِكة الروحية عبر طريق الصلاة القلبية الورعة. حتى إن أوقفكَ الكاهن عن المناولة لعدّة أعوام، يمكنك أن تأتي إلى الكنيسة، وأن تَقتبلَ المسيح آلاف المرات في اليوم وأكثر، من خلال طريق آخر، طريق الصلاة. إذا كنتَ تأتي إلى الكنيسة، وتقول الصلاة: “يا ربِّي يسوع المسيح، يا ابن الله، ارحمني أنا الخاطئ”، من كل قلبك، فبعدد المرات التي تتنهد فيها ذاكراً اسم يسوع، تشترك معه كما لو أنك أخذت بالملعقة الأسرار الإلهيّة. هذه هي الشَّرِكة عبر طريق الصلاة القلبية الورعة، والتي من خلالها يمكن للإنسان أن يقتبلَ المسيح مرّات كثيرة في اليوم وليس لمرّة واحدة فقط، كما لو أنه يتناول بالملعقة من الكأس المقدّسة.ـ

السبيل الثالث للشَّرِكة، هو عبر تطبيق وصايا المسيح. قال المخلّص لنا أن نصوم، وأظهر لنا كيف نصوم. قال المخلّص لنا أن نصلّي، وأظهر لنا كيف نُصلّي. أوصى أن نستقبل الغريب، أن نروي ظمأ العطشان، أن نُطعِم الجائع، أن نزورَ المحبوسين، وأن نغفر لمن يخطئ إلينا. عندما نقوم بهذه الوصايا، نقتبلُ المسيح عبرَ تطبيق وصاياه؛ هذا هو السبيل الثالث للشَّرِكة. ومن خلاله، يمكنك أن تدخل في شركة مع المسيح لمرّات كثيرة في اليوم، بعدد المرات التي تطبّق فيها وصايا المسيح. اسمع ما يقوله مكسيموس الإلهي في الفيلوكاليا: “المسيح يختبئ في وصاياه، من يطبّق وصيّةً يقتبِلُ المسيحَ، وليس فقط المسيح، بل كل الثالوث القدّوس”. واسمع ما يقوله الكتاب المقدّس: “من يحبني، وله وصاياي، ويحفظها، أنا والآب إليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً”[3]. يتّضحُ أنه ليس الابن فقط، بل والآبُ أيضاً يأتي. وحيث الآبُ والابنُ، يقتبلُ كلَّ الثالوث القدوس ذاك الذي يعمل وصايا الله، حتى لو كان مُوقفًا، من قبل الكاهن، عن المناولة المقدّسة. أتفهمون؟ هذا هو السبيل الثالث للشَّرِكة، عن طريقِ تطبيقِ وصايا المسيح. ـ

الشَّرِكة الرابعة هي بالسماع. كيف؟ أنا مُوقَفٌ من قبل كاهن لأعوام عن المناولة، لكنني أذهب إلى الكنيسة وأستمع بورعٍ إلى القداس الإلهي؛ الرسالة، والإنجيل، والشيروبيكون، وبواجب الاستئهال، وعِظَة الكاهن. إذا كنتُ أستمع بخشوع لكلمة الرّب، فبعدد المرّات التي آخذُ فيها فهمًا روحيًا بالسماع، أكونُ قد اقتبلتُ المسيح. هذه شَرِكة مع المسيح عبر الأذنين. هذا هو السبيل الرابع للشَّرِكة، ويقول الرسول بشكلٍ واضح: “الإيمان يأتي بالسمع، والسمع عبر كلمة الله” [4]. أنت تقتبل المسيح بالملعقة، وأنا أقتبله بالأذنين، عندما أسمع بورع القدّاس الإلهي، والتراتيل، وعظة الكاهن، أقتبلُ المسيح آلاف المرات دون أن تعرف أنت. إذا لم تتهيأ أنت بشكلٍ جيّد، يمكن أن تكونَ المناولة دينونةً لكَ، أمّا أنا فأمكثُ في الكنيسة بإيمانٍ كذاك الذي للعشار، وأسمعُ الخدمة بورعٍ، وأقتبلُ المسيح عبر الأُذنين. هذه طريقةٌ رابعةٌ في الشركة.ـ

السبيل الخامس للشَّرِكة هو عبر الذكرانيّات، أي الأجزاء التي تُقتطع من أجلنا في القدّاس الإلهي، لذلك لا يُمكننا أن نذكر (في الذبيحة) أولئك المدمنين على الكحول، أو الشتّامين، أو الذين يعيشون في المساكنة، أو الهراطقة، أو القتلة، لأنَّ ذلك الجزء الذي يُقتطع يمثل حضور تلك النفس. هذه الأجزاءُ تُقدَّسُ عند الاستحالة، من خلال استدعاء الرّوح القدس. وفي نهاية الخدمة، بعد أن يوضَع في الكأس جزء الحمل الذي عليه اسم يسوع، يقال: “كمال كأس الإيمان بالروح القدس”[5]، وبعدها توضع الأجزاء التي تُقتطع من أجل المؤمنين في الدم الإلهي، في الكأس المقدّسة [6]، هناك حيث يوجد جسدُ المسيح الحي ودمه. من القربانة الرابعة تُقتطع الأجزاء الخاصة بالأحياءِ، ومن الخامسة الأجزاء الخاصة بالراقدين [7]، وتُوضَع في الكأس المقدّسة. من خلال هذه الأجزاء الصغيرة كحبات الطحين والتي تُروّى بالدم الإلهيِّ في الكأس، تقتبل آلاف النفوس، لا بل الملايين، الشركة الإلهية والمباشرة مع يسوع المسيح بجسده ودمه. إذًا هذه هي الطرق الأربعة للشركة عبر سلوك طريق الأعمال الصالحة، والتي لا تحل مكان الأولى (الشَّرِكة بجسد المسيح ودمه) [8].ـ

[1] العنوان الأصلي للحديث هو “الأنواع الخمسة للشَّرِكة”، ارتأيتُ تعديل العنوان ليكون أكثر وضوحاً للقارئ باللغة العربية.ـ

[2] يو 6: 56 ـ

[3] يو 14: 23ـ

[4] رو 10: 17ـ

[5] في الترجمة العربية المستخدمة نقول: “كمال الروح القدس”.ـ

[6] بحسب تقليد الكنيسة الرومانية، توضع الأجزاء الخاصة بالأحياء والأموات في الكأس المقدسة قبل المناولة، وليس بعدها، مع الاحتفاظ بالحمل دون تقطيع إلى أجزاء صغيرة، ويقوم الكاهن أثناء المناولة باقتطاع أجزاء من الحمل لمناولة المؤمنين.ـ

[7] يستخدم الكاهن الروماني لتحضير الذبيحة في القداس الإلهي خمس قرابين.ـ

[8] في حال دنو الأجل (الاحتضار) يركز الأب كليوبا على ضرورة المناولة الإلهية كشركة في المسيح لا بديل عنها. ـ

مقاومة الجائحة

أناستاسيوس رئيس أساقفة ألبانيا

نقلها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

إننا جميعاً مذهولون، وكأنه تمّ إعلان حرب عالمية جديدة من عدو غير مرئي، فيروس كورونا. ها نحن نقف جميعًا بشكل مضطرب أمام التغييرات غير المتوقعة، التي أحدثها تفشي هذا الوباء غير المسبوق، في حياة الأغنياء والفقراء، المتعلمين والبسطاء، في الصحة، والاقتصاد، والنقل، ومختلف أشكال الراحة، وفي الاحتفالات.ـ

يتوجب علينا تجنب الذعر والاكتئاب واليأس. مطلوب منا الرصانة والحنكة والاهتمام الدقيق والانضباط تجاه تعليمات الحكومات المسؤولة وتوجيهاتها الصحية. وبالمثل، نحن مدينون بالشكر الجزيل لأولئك المكلفين الحفاظ على النظافة العامة والنظام والمعلومات، وخاصة المتخصصين في الرعاية الصحية الذين هم في طليعة معركة الاهتمام بالمصابين.ـ

لنبقَ داخل منازلنا، ولا نسمح للغضب والصراعات أن تتفاقم، بل لنزرع الإبداع والتصرف السلمي واللطف والتفاهم والمودة والمحبة. كل المؤمنين مدعوون لأن نكثّف صلاتنا حتى لا تطول فترة هذه التجربة، ولشفاء المعذبين بشدة والحد من انتشار الوباء. وأكثر من ذلك، لنصلِّ أن ينير الله الباحثين ليحددوا بسرعة العمليات الوقائية والعلاجية المناسبة.ـ

في المقام الأول، من الضروري تعزيز ثقتنا بالله. الإيمان والمحبة هما أقوى الأسلحة الدفاعية ضد هجوم هذا الفيروس غير المرئي الذي يهدد البشرية. سيخرج شيء جيد في نهاية المطاف من هذه الأزمة ونأمل أن تعيد المجتمعات البشرية دراسة قيمها وأولوياتها.ـ

لذلك يا إخوتي وأخواتي: لا قلق ولا اضطراب! فلنقتنِ شجاعة أكبر وموقفاً متناغماً وطاعة للتعليمات، وقبل كل شيء تضامناً صادقاً. سلام الله ورجاؤه فليقويا صبرنا ومقاومتنا ويجعلاهما يرشداننا لاتخاذ الخيارات والتغييرات المطلوبة في حياتنا بعد هذه الأزمة الخطيرة.ـ

+أناستاسيوس، رئيس أساقفة ألبانياـ

فيروس كورونا والكنيسة

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس، مطران نافباكتوس

نقلها إلى العربية كمال كدر

السؤال 1: ما هو الفيروس التاجي (covid-19)؟

الجواب: إنه فيروس، مثل معظم الفيروسات، يتكون من الحمض النووي الريبي (RNA)، ويستخدم بنية ونواة الحمض النووي للخلايا (DNA) لكي يعمل.

من المعروف أن المعلومات الوراثية من الحمض النووي (DNA)، الموجودة في نواة الخلية، يتم نقلها إلى الحمض النووي الريبي الموجود في السيتوبلازما، ثم يتم تحويلها إلى بروتينات. تعتبر عملية النسخ والاستنساخ نوعاً من الانتقال وهي الأساس المركزي لعلم الأحياء.

ولذلك، فإن التدفق العكسي للمعلومات من (RNA) إلى (DNA) يعطل هذا الأساس المركزي. بكلمات بسيطة، يشبه عمل الفيروس الشخص الخاطف، الذي ليس لديه طائرته الخاصة، ولا يعرف كيف يطير، لكنه يستخدم أدوات الطائرة والطيار لغرضه الخاص.

السؤال 2: لماذا هذا الخوف الهائل من الفيروس التاجي (covid-19)؟

الجواب: هناك العديد من الفيروسات، مثل الإيدز والتهاب الكبد والإنفلونزا والإيبولا والسارس وما إلى ذلك، والتي وجد العلم طرقاً لمواجهتها. عندما اندلعت المشكلة في أوائل التسعينات مع فيروس الإيدز، أصيبت البشرية بالذعر. وفي اليونان تم إنشاء لجنة وطنية للتوعية من الإيدز، والتي أصبحت مركز السيطرة على الأمراض الاستثنائية. في هذه الفترة كنت ممثل كنيسة اليونان، وأنا أتابع، منذ ذلك الحين، القضايا المتعلقة بالعدوى ذات الصلة، حتى أنني كتبت كتابًا بعنوان: الإيدز، طريقة حياة.

أذهل الفيروس التاجي المجتمع العلمي لكن ستتم مواجهته علمياً قريبًا. حتى ذلك الحين يجب أن نكون حذرين ونصلي.

السؤال 3: كيف تبرر الذعر الناجم عن فيروس كورونا؟

الجواب: في الواقع، وبصرف النظر عن الفيروس التاجي (covid-19)، هناك أيضًا فيروس الذعر الذي يتحدث عنه المختصون بالعلوم الإنسانية والاجتماعية وعلماء النفس.ـ

يفسَّر الذعر بما قلته سابقًا، وفي الوقت نفسه يتم تفسيره بالخوف من الموت. الشخص الذي يحب الحياة يريد أن يعيش أطول فترة ممكنة إذ يخشى الموت. هذا هو ذعر الموت المزعوم. ليس هو الحال الآن مع الفيروس التاجي (كورونا)، ولكن الموت يقترب منا دائمًا بطرق متنوعة.ـ

يرتبط الخوف من الموت بكل مرض يقود الإنسان نحو نهاية حياته. يؤكد هايدجر[1] أن الإنسان يعمل بطريقتين، الأولى في ما يسمى بالطريقة اليومية، وهي مرتبطة بالقدرة والسلطة والصحة والنشاط الاجتماعي، أما الأخرى فهو بالطريقة الوجودية، التي ترتبط بحصول المرض و اقتراب الموت.ـ

عندما يدخل الإنسان إلى المستشفى بسبب مرض ما، تبدأ على الفور الأسئلة الوجودية، مثل مسألة معنى الحياة ومعنى الموت. وتُطرح العديد من الأفكار، مثل من هو المسؤول عن الوضع الذي وصلنا إليه، وبالتالي، ينشغلون بما يسمى “اللحظات الحدودية في حياتهم”، والتي تتحدث عنها الفلسفة الوجودية وعلم النفس الوجودي، لهذا السبب لا ينبغي معالجة المرضى جسديًا فحسب، بل كليًا.ـ

السؤال 4: ما هو الموت؟

الجواب: الموت ليس فقط ما يحدث في نهاية الحياة البيولوجية، بل هو قابلية الفساد وقابلية الموت الكامنة في الكائن البيولوجي ككل.ـ

أظهرت البيولوجيا الجزيئية أنه من بين 25000 جينة في الخلية البشرية، منذ اللحظة الأولى لتخصيب الخلية، هناك أيضًا جينات الشيخوخة (الموت) وجينات المرض. فمنذ اللحظة الأولى للحمل البشري، وقبل تمايز الخلايا الجذعية، وقبل نشوء الأنسجة والأعضاء، وقبل تكوين بنية الجنين، فإن هذه الجينات توجد بالفعل. وهذا يعني أن الموت هو “عبء” بيولوجي ونفسي نحمله منذ اللحظة الأولى من تكويننا إلى الأزمات التدريجية التي توصلنا للموت.ـ

السؤال 5: كيف نتعامل مع مشكلة الفيروس التاجي (covid-19)؟

الجواب: تتم الإجابة على عدة مستويات. العلم يقوم بدوره، وأعتقد أنه سيكون لدينا تطورات تبعث على الأمل في هذا المجال. تحاول الدولة بمؤسساتها تقييد انتشار المرض، لأن الفيروس لا يميز بين الإنسان والمواطن. كما تصب وزارات الصحة كل اهتمامها في مسألة تعاملها مع هذا المرض على أنها “مسألة حرب” لأنه عدو داخلي بحق. من ناحية أخرى يجب على المواطن مواجهته على المستوى الشخصي. بالطبع، في هذا الوقت الحرج، يجب علينا احترام وتكريم الأطباء وهيئة التمريض الذين يعملون بكل المسؤولية ووعي وشجاعة.ـ

السؤال 6: كيف نتعامل مع المرضى بشكل خاص والمجتمع بشكل عام في خضم المعاناة الناجمة عن الأسئلة الوجودية؟

الجواب: أكدّتُ سابقاً أن الدولة ومؤسساتها تتخذ القرارات اللازمة لحماية المواطنين. لكن هذا لا يكفي، لأن الإنسان ليس آلة، ولا حتى آلة حية، لكنه كائن ينشغل بمعنى الحياة ومعنى الوجود، يتساءل في كثير من الأحيان لماذا يجب أن يحمي نفسه من المرض إذا كانت الحياة لا معنى لها بالنسبة له. غالبًا ما يعبّر مدمنو المخدرات عن أنفسهم بهذه الطريقة، فعندما ننصحهم بالحذر يجيبون: “لا أريد أن أكون حذراً، لأن الحياة لا معنى لها بالنسبة إلي”.ـ

لذلك، لا يمكن للمرء أن يتعامل مع مثل هذه المواقف إلا من خلال تدابير موجهة إلى جسم الإنسان بشكل مباشر، كما لو كان الإنسان آلة بيولوجية، لكنه أيضاً بحاجة إلى دعم نفسي وروحي. لقد عرفنا هذا بالفعل أثناء مرورنا بالأزمة الاقتصادية[2]، وكان العديد من السياسيين والاقتصاديين يقولون إن الاقتصاد يحتاج أيضًا إلى علم النفس لتتم السيطرة عليه. وهنا أتساءل: إذا كان الاقتصاد يحتاج إلى علم النفس، ألا يحتاج المرض لعلم النفس الوجودي للتعامل معه؟

أكد فيكتور فرانكل[3] على أن البشر يشغلهم “ثالوث مأساوي”، الألم والذنب والموت. لذلك، يجب أن تتفاعل كل أنواع العلوم في معالجة المشكلة التي تنشأ عند الانسان حتى لا يُعتبر المرء مجرد آلة بيولوجية.ـ

السؤال 7: كيف ترى رد فعل الكنيسة على المشكلة التي نشأت اليوم؟

الجواب: أعتقد أن الكنيسة تفاعلت ولا تزال تتفاعل بهدوء واتزانٍ كبيرَين وهذا مرتبط بألفي عام مضت من الخبرة، في حين أن الحكومات لديها من الخبرة حوالي مائتي عام فقط.ـ

وهكذا، تفاعلت البطريركية المسكونية، وكنيسة اليونان، وكنيسة كريت، وكذلك الكنائس الأخرى، بكل مسؤولية وجدية، لأنها تعتبر الإنسان على صورة الله، الإنسان الذي لديه احتياجات بيولوجية، ولكن قبل كل شيء، لديه الاحتياجات النفسية والروحية أيضاً، من ناحية أخرى، فالكنائس لديها الوسائل التي تعالج بها جميع هذه القضايا.ـ

السؤال 8: ما هي الخبرة الطويلة للكنيسة التي تتحدث عنها؟

الجواب: كما تعلمون، ظهرت على مر القرون العديد من الأمراض، ولم يكن العلم متطوراً كما هو اليوم. أما الكنيسة فكانت تتخذ دائمًا التدابير اللازمة للتعامل مع الأمراض الجسدية، وأيضًا لتلبية الاحتياجات الروحية لكل شخص.ـ

نأخذ، على سبيل المثال، مرض الجذام[4]. فقد كان مرضًا فظيعًا، ولم يكن له علاج لقرون عديدة وكان معديًا، لذلك كانوا يفصلون المرضى عن المجتمع ويضعونهم في الحجر الصحي بعيدين عن المجتمع.ـ

اهتمّ آباء الكنيسة بشكل خاص ليس فقط في علاج المرض، بل وأيضًا في علاج المريض الذي كان صلب اهتمامهم. فقد أوجد القديس باسيليوس الكبير مكاناً خاصاً لمرضى الجذام. وفي حين كان هذا المرض معديًا، إلا أنه كان يحتضنهم بنفسه ليُظهر لهم الحب.ـ

أعتقد أن ما وراء الفيروس التاجي وأي فيروس هو إنسان يعاني من مشاكله الوجودية والروحية وأسئلته عن الأبدية، ولهذا لم أرتبك بسبب فيروس العنصرية الاجتماعية أو فيروس الذعر الذي يحصل. لقد أكد كارل جاسبر[5] على أن البشر بشكل عام، وخاصة المرضى، بحاجة إلى “اتصال وجودي فعلي”.ـ

السؤال 9: في الآونة الأخيرة، كثُرتْ الأحاديث عن مسألة تقييد وإيقاف الخدمات الكنسية، وبشكل خاص عن موضوع الاشتراك بالمناولة المقدسة، فما هو رأيك؟

الجواب: بادئ ذي بدء، أودّ أن أقول أن الكنيسة تعمل بطريقة متناسقة. لدينا “قيادة كنسية” وهي المجمع المقدس، برئاسة غبطة رئيس أساقفة أثينا وكل اليونان ييرونيموس، وأعتقد أنه يعالج القضية بمسؤولية وجدية. هم الذين يجب أن نستمع إليهم في المقام الأول كأساقفة ورجال دين، فالكنيسة ليست هيئة غير منظمة، بل لديها مؤسسات تتخذ موقفًا بشأن القضايا الناشئة.ـ

لقد قلت سابقاً أن الكنيسة لديها خبرة كبيرة على مدى ألفي عام في التعامل مع هذه القضايا. وهكذا أوصت بأن نستمع للمتخصصين ومؤسسات الدولة التي تتعامل مع هذه القضية، وقررت تعليق نشاطها الرعوي، ونصحت بالحجر الصحي للمسنين والمرضى في منازلهم، ولكنها، وبطرق أخرى مختلفة، تركت النافذة مفتوحة للبشر للتواصل مع الله.ـ

وكما نحتاج إلى تهوية منازلنا، أي فتح النوافذ لتحديث الهواء والسماح بدخول أشعة الشمس، كذلك تكون الكنيسة كالنافذة في حياتنا، تنعش هواءها المصاب، وتساعد على رؤية أبعد وتسمح لشمس أخرى بدخول حياتنا، مما سيقتل الجراثيم والفيروسات الروحية.ـ

فيما يتعلق بالمناولة المقدسة، تتمتع الكنيسة أيضاً بقدر كبير من الخبرة على مدى زمن طويل. فكما هو الحال في التخصصات العلمية، حيث يتم التأكيد على القيمة العظيمة للببليوغرافيا أي المصادر المراجع المستعملة، كذلك لدى الكنيسة “ببليوغرافيا” خاصة بها، والتي تقول أنه في المناولة المقدسة، يُعطى المسيح الذي هو الحياة الأبدية والشافي أمراضنا الروحية، وأحيانًا الأمراض الجسدية، لا يمكن إجبار الكنيسة على إنكار هويتها.ـ

السؤال 10: كيف ترى رأي بعض الذين يوصون بعدم القدوم إلى الكنيسة ويحذرون من مساهمة القدسات الإلهية خوفًا من انتقال الفيروس التاجي؟

الجواب: توصي الكنيسة دائمًا أن من يريد أن يتناول بأن يفعل ذلك في ظل ثلاث شروط يُعبَّر عنها في العبارة “بخوف الله وإيمانٍ ومحبة تقدَّموا”. فكل فعل في الكنيسة بحاجة إلى تهيئة بمعنى آخر أن يتم ضمن قواعد روحية معينة. برأيي الشخصي رأيت أنه في السنوات الأخيرة بات الكثيرون يعيشون بدون هذه القواعد والشروط الروحية مثل التوبة والاعتراف والصوم، وقد أزعجني ذلك. لهذا، أحث المؤمنين على عدم المناولة بدون تهيئة ضمن تلك القواعد والشروط الكنسية الضرورية.ـ

لكن، كما قلت سابقًا، يناول الكهنة المرضى من دون الاعتقاد أنهم ينقلون الأمراض إلى باقي الناس أو أنهم أنفسهم سيصابون بالأمراض. ومن الأمثلة الجديرة بالذكر الكنائس المقامة في المستشفيات، حيث يتناول فيها المرضى والأصحاء وجميع أعضاء الكنيسة من نفس جسد ودم الرب يسوع المسيح، على الرغم من مختلف الفيروسات والجراثيم الموجودة حولها.ـ

وقد لاحظنا أيضًا، ما أثنى عليه الجميع حتى الآن، كيف عمل الكهنة ومساعدوهم في المصحات والمستشفيات الحاوية العديد من الأمراض المعدية وغيرها من الأماكن، ولذلك لا أفهم ما تغير منذ ذلك الحين.ـ

السؤال 11: هناك من يجادل بأن الهلع والخوف من المناولة المقدسة لا علاقة له بإيمان الإنسان المسيحي. ماذا تقول عن ذلك؟

الجواب: تتعلق كل القضايا في حياتنا وطريقة تعاملنا معها بإيمان الشخص وتظهر مدى الإيمان الحقيقي بالله. المحبة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالإيمان، فلا يوجد محبة بدون إيمان أو إيمان بدون محبة. لكن الكنيسة تتعامل مع كل القضايا بطريقة رعائية، وبالطبع فإن التوبة هي عنصر من عناصر الروحانية الأرثوذكسية.ـ

السؤال 12: ما هي وجهة نظركم النهائية بشأن القضية التي أثيرت؟

الجواب: أعتقد أن الهدوء والحكمة والجدّية ضرورية، وسيجد كل شيء طريقه. وأعتبر أن فيروس الذعر وما يسمى “بجنون العظمة” أسوأ من الفيروس التاجي. سيتخذ المجمع المقدس القرارات المناسبة مع تطورات هذه القضية، لكننا بعد الاحتياطات اللازمة، نحتاج إلى الثقة بالعناية الإلهية.ـ

* مقابلة بتاريخ 14-3-2020

[1] مارتن هايدغر: فيلسُوف أَلَمَّانِي. ولد في أواخر القرن التاسع عشر. وجّه اهتمامه الفلسفي إلى مشكلات الوجود والتقنية والحرية والحقيقة.ـ

[2] هي أزمة مالية عصفت بالاقتصاد اليوناني منذ عام 2010مـ

[3] فيكتور إميل فرانكل: طبيب أعصاب وطبيب نفسي نمساوي. هو أحد مؤسسي شكل من أشكال العلاج النفسي الوجودي. يصف في كتابه الشهير الانسان يبحث عن المعنى تجربته كسجين في معسكرات الاعتقال النازية، والتي قادته إلى اكتشاف المعنى في كل أشكال الوجود، حتى في الأشكال الأشد قسوة، وبالتالي إلى اكتشاف دافع للاستمرار بالحياة. أصبح فرانكل شخصية أساسية في مجال العلاج النفسي الوجودي، ومصدر إلهام كبير لعلماء النفس الإنسانيين.ـ

[4] الجذام أو ما يعرف بمرض “هانسن” هو مرض يسبب تقرحات جلدية حادة ومشوهة، وتلف الأعصاب في الذراعين والساقين ومناطق الجلد حول الجسم، وهو مرض معدي ـ

[5] كارل تيودور جاسبر: فيلسوف ألماني وبروفيسور في الطب النفسي. ينتمي إلى التيار المؤمن في الفلسفة الوجودية. فضّل كارل جاسبر خط الوسط الذي يجمع بين العقل والإيمان، والعلم والدين في قضايا مناقشة العلاقة بين العلم والإيمان، أو الفلسفة والدين.ـ

في هذه الأيام الصعبة

كاهن في كنيسة اليونان الأرثوذكسية

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

كل ما يتعلق بالحياة الروحية، أياً كان ما نختبره داخل الكنيسة، يمكن التعامل معه بطريقتين: الأولى هي عدم إشراك القلب في أي منها على الإطلاق. كل شيء رسمي، نظري ومنطقي. يبقى القلب غير ملموس أبدًا، القلب غير مَعني أبدًا بكل ما يحدث في الحياة الروحية. بعبارة أخرى، يبعد الناس قلبَهم عن قصد عن ما يجري وبهذه الطريقة يمكنهم الشعور بأنهم، في الأساس، يتحكمون بالأشياء. هذا فخ عظيم، لأنه عندما نكتشف أن قلوبنا خارج الأشياء، ندرك أننا أيضًا في الخارج، وأننا لسنا جزءًا من حياة الكنيسة، من حياة الروح.ـ

والطريقة الأخرى هي أن ترى قلبك مشاركاً في الأشياء، ما يعني أن لكل ما يحدث خارجيًا تداعيات داخلية، في القلب. بعبارة أخرى، كل ما يحدث خارجيًا، بالحقيقة سواء في الكنيسة، في عبادة الكنيسة، أو شخصيًا في جهاد كل واحد منا، يجب أن يُنظر إليه على أنه يتسلل إلى وجودنا، إلى قلبنا، شاملاً قلبنا، ملزماً لنا على أساس شخصي. فمن ثم يكتسب كل شيء إحساسًا شخصيًا، وظيفة شخصية، كل شيء حقيقي الآن، كل شيء يؤثر على الشخص، وكل شيء يعكس ماهية ما نختبره.ـ

الانتقال من الرسمي إلى الجوهري، أي الانتقال من منطق الأشياء إلى فهم شخصي، إلى حياة القلب، ليس بالأمر السهل على الإطلاق. علينا أن نواضع ذواتنا. وحدهم المتواضعون لديهم حياة في القلب. الفخورون يقيّمون كل شيء منطقيًا، مسنودين كما هم بالغطرسة. ولكن عندما نتواضع، يصبح كل شيء فينا حقيقة. يصبح للقلب الآن خبرات، ويبدأ بتكوين المشاعر والعواطف الروحية، ويبدأ كل شيء في حياتنا في أن يصبح حقيقة. ثم، وللمرة الأولى، نكتشف أن لدينا حياة شخصية، وحياة روحية، وحياة روحية شخصية. علاوة على ذلك، يكتسب شخص الله اهتمامنا على المستوى الشخصي، ليس على المستوى الداخلي النفعي، بل على المستوى الشخصي.ـ

كل شيء له صدى فينا. هذا هو المكان الذي سنرى فيه مدى وجود الله في حياتنا، حيث سنرى مدى انفتاحنا على روح الله، أو مدى ترسّخ مخاوفنا وانعدام أماننا ومنطقنا البشري في داخلنا. سنرى مقدار المساحة المتاحة لوجود الله فينا، إلى أي مدى نشعر بخطايانا، ومدى عمق هذه الخطيئة فينا كعائق لعلاقتنا مع الله وإلى أي مدى تعرّض حياتُنا الشخصية وجودَ الله فينا. ثم يأخذ كل شيء بعدًا شخصيًا. فالألم والتوبة هما مسألة شخصية جداً وحقيقية جداً.ـ

إن الصلاة هي شيء حقيقي لأنها تضمّ صرخة الروح إلى الله، ولكنْ الصرخة الصادقة التي تنبع من داخل الإنسان، وليس من فكره. كل شيء حقيقي الآن. نعيش الآن حقيقتنا الخاصة أمام الله. لكن هذا سبقته مرحلة طويلة وصلنا خلالها إلى التواضع، حتى نستطيع أن نسمع قلوبنا بأنفسنا، حتى نكون نحن بأنفسنا على اتصال بقلبنا.ـ

أقول كل هذا حتى نفهم أن أيامنا هذه صعبة إلى حدٍ ما، من الناحية الخارجية، لأننا تحت ضغط ظروف خارجية. إنه وقت مناسب لكل منا لأن يعرف مدى نشاط شخصيته وعملها في حياته الشخصية، ومدى نشاط هويته وعملها شخصيًا، وقلبه شخصيًا، ومدى تأثره شخصيًا بعلاقته بالله، ومدى قدرته أن يجاهد من خلالها مع مخاوفه وصعوباته، وإلى أي مدى يمكنه، بالإيمان والمحبة والثقة بالله، ضبطَ الأفكار المعادية التي تنشأ ضده. إلى أي مدى كل هذه الأشياء حقيقية في حياته.ـ

ألم يحن الوقت لنرى كيف هي حياتنا الروحية نحن المسيحيين؟ كم من الإيمان الحقيقي بالله لدينا؟ إلى أي درجة يتلاشى الخوف في مواجهة الإيمان؟ ما مدى صدقنا تجاه الله؟ كيف نعيش تجربة الله داخل أنفسنا؟ إلى أي مدى يشعر كل واحد منا بخطيئته كعائق ويتألم ويبكي عليها؟ إلى أي مدى نشعر بوجود الله كقوة؟ في كثير من الأحيان يكون من الصعب تَرْك وجودنا بين يديه. كل هذا يبرهن مَن نحن حقًا.ـ

عندما تأتي علينا مثل هذه التجارب، عندما تأتي الأشياء التي تكيّف الضغط على الوجود البشري، إنها فرصة لنا جميعًا لمعرفة من نحن حقًا تجاه الله. من نحن حقًا عندما نواجه ضميرنا. من نحن عندما نواجه وجودنا. الآن، إنها فرصة لنا أن نرى مدى قوة الإيمان في صلاتنا. كم هي حقيقية. إلى أي مدى تنفتح على الله فعلياً. مدى اعتمادها على الثقة. كم تشعر بالراحة أمام الله، حتى ولو كان في الخارج معارك وضغوط. إنها فرصة لكل واحد منا أن يرى ما نريده حقًا داخلنا. كيف تبدو شخصيتنا. كيف هي حياتنا الشخصية تجاه الله.ـ

لدينا فرصة عظيمة الآن. لماذا؟ لأننا غالبًا ما نقرأ في سِيَر القديسين عن أعمالهم وجهاداتهم وصعوباتهم وإنجازاتهم والحلول التي وجدوها للضغوط التي تعرّضوا لها. ولكن في كثير من الأحيان نفهم هذه الأشياء عاطفيًا ومنطقيًا وليس واقعياً ووجوديًا. يأتي وقت في حياتنا عندما تطرق حقيقة الحياة بابنا وتريد أن تعرف ما قمنا به حتى الآن. ماذا حققنا؟ من نحن حقاً؟ من نحن في ذاتنا؟ أي ثقل أخلاقي لدينا في حياتنا الروحية؟ـ

لقد شعرت اليوم بحدّةٍ مدى أهمية استغلال مثل هذه اللحظات. ليس لطرد الخوف، ولكن لنرى ولنشعر بأنفسنا مكشوفين، حقيقيين، عراة أمام وجه حقيقة الله.ـ

الأشياء التي تضغط علينا تأتي وتروح. ستأتي، ولكن بعد ذلك ستمضي، كما تفعل الأشياء. لكن علينا أن نستفيد من كل هذا. يجب أن نكون جزءًا من حقيقة الله وهذا يجب أن يصبح حقيقتنا. ببساطة، يجب أن نحارب كل ما هو مريض فينا، ضعيف، أجوف ومنافق. أولاً، يجب محاربة هذه. وهذه تُحارَب في ظلمة زنزانتنا العميقة. إنه هناك حيث يمكن محاربتها. هذا هو المكان الذي ترى فيه من أنت حقًا.ـ

أصلّي من كل قلبي أن نخرج مستفيدين إلى حد كبير من صروف الدهر هذه التي يعاني منها بلدنا والعالم بأسره، أكثر تواضعًا أمام الله، أكثر حقيقة أمام الله وأمام ضميرنا. وسيهتم الله بكل ما تبقى. على أي حال، هو وعد بذلك. من ثمّ نجد السلام حقًا: عندما نستسلم بأمانة لقصد الله ولحضوره.ـ

أصلي من كل قلبي أن تكون هذه الأيام مثمرة لنا جميعاً.ـ

* تسجيل لعظة في القداس السابق تقديسه في 11 آذار 2020.ـ

Source: https://pemptousia.com/2020/03/on-these-difficult-times/

انتبه لنفسك!

الأرشمندريت نيكن كوتسيذيس

نقلتها إلى العربية اسرة التراث الأرثوذكسي

إن وحدة النفس والفكر هي ما يجعل وجودنا البشري خاصاً. لم يكن هناك يوماً أي إنسان مثلك تماماً، ولن يكون هناك أبداً. كل واحد منا فريد وغير قابل للتقليد عبر تاريخ الجنس البشري بأكمله.ـ

طبعاً هناك مَن يثير فكرة أن أحداً ليس قابلاً للاستبدال، وهذا خطأ. إذا كنا نقصد العمل فلا نحكي عن استبدال بل عن تعاقب. في العمل، يمكن استبدال الناس، أما في وجودنا الخاص فهناك لا يمكن استبدالنا.ـ

لهذا السبب بالذات يحكي المسيح في الإنجيل عن قيمة نفسنا: “لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟” (متى 26:16).ـ

كتذكير يُعيننا في وضع نفسنا في المكان المناسب بحسب مشيئة الله، لننظر ماذا يقول القديس باسيليوس الكبير في تفسيره لقول العهد القديم: “احْتَرِزْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَ قَلْبِكَ كَلاَمٌ لَئِيمٌ” (تثنية 9:15): انتبه لنفسك لا لأشيائك ولا لما هو حولك. نحن نفس وفكر. جسدنا وأحاسيسه ملك لنا. ما حولنا هو المال، الفنون، وكل ما تبقى من مكوّنات الحياة. لذا انتبه على أن يبقى كل تلوّث الخطيئة بعيداً عن نفسك وبالمقابل زيّنها بكل فضيلة.ـ

انتبه لنفسك حتى تستطيع أن تميّز صحة نفسك من مرضها بسبب الخطيئة. هل الخطيئة عظيمة وثقيلة؟ أنت تحتاج إلى الاعتراف والصوم والتوبة. إذا كانت المخالفة صغيرة فيجب أن تكون التوبة على نفس القياس.ـ

انتبه لنفسك عندما يكون كل شيء في حياتك يسير على ما يرام وجميلاً، لأن في هذا خطر أن تتكبّر وتزهو. ردد دائماً ما قاله العشار: “يا رب ارحمني أنا الخاطئ”. انتبه لنفسك عندما لا تسير الحياة حسناً معك، إذ عندها تكون في خطر اليأس والقنوط الروحي. تذكّر أنت مخلوق على صورة الله فلديك قدرة روحية لا كالآخرين. لذا قل “ربي أعنّي”.ـ

لننتبه لنفوسنا حتى نمتلئ من فرح ربنا يسوع المسيح وسلامه.ـ

المناولة بين العلم ووهمه

الأب أنطوان ملكي

لم يعرف المسيحيون طريقةً للمناولة منذ إنشاء الكنيسة إلى منتصف القرن التاسع عشر، إلا الكأس المشتركة. تعددت استعمالات هذه الكأس: فالأرثوذكس والشرقيون يناولون منها بالملعقة، الكاثوليك يغمّسون القربان فيها، ومجموعات كبيرة من الأنكليكان والبروتستانت يشربون منها بالتداول. مع انتصاف القرن التاسع عشر، عرف العالم نظرية الجراثيم، وقد كانت غالبية الميتات في ذلك الحين بسبب الأمراض المُعدية، فاشتهرت هذه النظرية وانتشرت حتى وصلت إلى الكنائس. بدأت الأسئلة تُطرَح حول صوابية المناولة من الكأس المشتركة خاصةً حيث تواجد أصحاب الغايات. ففي أميركا مثلاً، أخذ الأمر بعداً آخراً لأن في غالبية الكنائس الكاثوليكية والأنكليكانية والبروتستانتية كان على السود أن ينتظروا إلى أن ينتهي الكاهن من مناولة البيض. لهذا انضمّ المطالبون بالمساواة إلى المطالبين بإلغاء الكأس المشتركة. ولم يكن هذا الأمر قد انتهى في أيام مارتن لوثر كينغ الذي وصف الساعة الحادية عشرة من يوم الأحد على أنها قمة العزل في المسيحية الأميركية. النتيجة كانت أن المناولة صارت في أقداح فردية، أي لكل متناوِلٍ قدح.ـ

لم تتأثر الكنيسة الأرثوذكسية بهذه التغيرات بل بقيت المناولة كما كانت لألفي سنة. من بعد التغيير في الغرب، صارت تظهر في الكنيسة بعض الأصوات المنادية باستبدال الملعقة والكأس لكنها لم تصل إلى حد التأثير على الكنيسة بشكل أدّى إلى مناقشتها في أي من مجامع الكنائس. في الربع قرن الأخير، عرف العالم يعرف عدة موجات صنفتها وكالة الصحة العالمية كأوبئة، تقريباً كل سنتين: انفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير وغيرها من عائلةال(H) والإيبولا والسارس. في القرن العشرين عرف العالم موجات قاتلة كثيرة من الرشح الإسباني الذي حصد خمسين مليون إنسان، والملاريا التي حصدت الملايين، والسل والآيدز وغيرها.ـ

في كل مرة كان العالم يواجه هذا النوع من الأمراض كانت ترتفع أصوات من داخل الكنيسة الأرثوذكسية تتساءل حول صحة المناولة بالملعقة الواحدة من الكأس الواحد، لتنتهي منادية إلى ضرورة تغيير هذه الطريقة استناداً إلى ضرورة مواكبة العصر والتكيّف مع العلوم الحديثة وغيرها. وكانت تمضي هذه الموجات وتخفت هذه الأصوات وكأنها لم تكن، ليس لأنها أصوات غير مسموعة ولا لأن الكنيسة الأرثوذكسية حقل سلطة الإكليروس ولا لأن التقليديين يسيطرون على الكنيسة. السبب المنطقي والعلمي الوحيد الذي يجعل هذه الأصوات نحاساً يطن هو أنها لم تثبت علمياً، أي أنه وخلال كل هذه الموجات الوبائية وقبلها الكثير مما عرفته الكنيسة في الألفي سنة الماضية، لم يُسجَّل أي حالة انتقال لعدوى بالمناولة لا إلى علماني ولا إلى كاهن، مع التأكيد على أن الإكليريكيين أكثر عرضة من العلمانيين بحكم أنهم “يتلمذون” الكأس بعد القداس. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الكهنة يختبرون في كل قداس، حتى في أصغر الرعايا، حالات عديدة تثير التساؤل “العلمي”. ولو أن الكهنة يقعون في تجربة التعاطي مع ما يعاينون بمنطق المجهر، لأُغلِقَت الكنائس من زمان.ـ

لكن الواضح هو أن ما تطرحه الكورونا اليوم أوسع بكثير مما سبق الإشارة إليه. فالكنيسة اليوم عرضة لضغوط خارجية قوية من الحكومات التي تريد تلافي الأسوأ وبالتالي تعتبر أن الكنائس كتجمعات قد تكون مكاناً مناسباً لانتقال العدوى وانتشار المرض. هذا الكلام يصعب رفضه بالعقل العلمي، ولهذا أعلنت بعض الكنائس توقفها عن إقامة الخدَم العامة لفترات مختلفة. طبعاً بمقابل هذا الكلام هناك موقف في الكنيسة يرفض التوقف عن إقامة الخدم التي هي عمل الكنيسة وهويتها. من هنا اختلفت المواقف بين مرجع وآخر في كنيسة وأخرى، لكن ما ينبغي التنبيه إليه هو أن الخطر في التجمع والازدحام وليس في المناولة. من هنا أن موقفاً ثالثاً برز في بعض الكنائس بأن الحضور أصلاً اختياري، كما عبّر رئيس اساقفة اليونان بقوله أننا لا نحفظ سجلات حضور في الكنيسة، وفي دعوة بطريرك الكرج إلى تكثيف الصلوات. والفكر نفسه يظهر في موقف كنيسة أنطاكية التي عبّرت في بيانها: “يقيم الكاهن في الرعايا الصلوات والقداديس بمشاركة المرتّل وخادم الكنيسة، دون ما يمنع مشاركة أيٍ من المؤمنين”.ـ

يدّعي أبناء الكنيسة المطالِبون باستبدال الملعقة أو الكأس بأن كلامهم علمي. تتلخّص حججهم بأن على الكنيسة أن تغيّر مواكبة للعصر، وأن الخبز والخمر بعد تحولهما لا يفقدان طبيعتهما الأصلية ويبقيا مادة قابلة لنقل المرض، وأن التغيير ضروري لكسر التسلط التاريخي للإكليروس، وأن التغيير ممكن لأن الملعقة والكأس ليسا منزَلين… إذا قُبِل هذا الكلام على أنه علمي، لا بدّ من أن نسأل عن المنهجية العلمية. لا يكون الكلام علمياً لمجرد أنه يتبع تركيبة منطقية، بل يكون علمياً إذا اقترن بالوقائع والبراهين المستندة إلى الاختبار المتكرر. لم نصل إلى دراسة واحدة تحدّثت عن انتقال عدوى من الكأس المشتركة، عند أي من الطوائف المسيحية. في المقابل، ممكن توثيق ما لا يقلّ عن دزينة من المقالات التي تقول أن لا إثبات علمياً على انتقال أي عدوى في الكأس المشتركة، وكلها أوراق علمية صادرة إما في مجلات محكمة أو في مؤتمرات مختصّة. لم يؤدِّ البحث عن مقالات تقول عكس ذلك إلى أي نتيجة. يوجد عدد من المقالات التي تشكك بانتقال العدوى في الكأس أو الملعقة، لكنها ليست من أصحاب اختصاص، وللأسف أن غالبيتها للاهوطيين (عبارة لاهوطي هي تسمية أطلقها الميتروبوليت بولس المغيّب مطران حلب على الكتّاب اللاهوتيين حين يخرجون عن تقليد الكنيسة، وكان يحذّر طلاب اللاهوت من تحويل اللاهوت إلى لهط، واللهط في تاج العروس هو “ما يُسمع ولا يُعتقد ولا يُكذّب”، أي الكلام الذي لا معنى له).ـ

في الختام، عندما شفى الرب مخلع كفرناحوم قال له “مغفورة لك خطاياك”، أما “قم واحمل سريرك وامشِ” فجاءت “على البَيعة” كما نقول في العامية. غفران الخطايا هو العمل الإلهي، المعجزة، أما المشي فهو عمل مواكب. وتعليم الكنيسة الأرثوذكسية يقول أننا في كل قداس نشهد معجزة تحوّل الخبز والخمر إلى جسد الرب يسوع، سواء احتفظت المادة بخصائصها أو لا، وبغض النظر عن مادة الكأس والملعقة، وحتّى عن حاملهما ومدى طهارته أو تسلطه. لهذا نحن نؤمن بأن عدم نقل العدوى يأتينا “على البَيعة”. مَن يرى غير ذلك فليأتِنا ببراهين أو فليبقَ نحاساً يطنّ إلى أن يتوب أو يتعب أو يموت.ـ

التقاء الإيمان المسيحي بالكورونا: ازدهار الإيمان بالوحدة والسكون والألم

آريك هايد

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

بالنسبة لبعض المسيحيين، هذه الأفكار قديمة وربما بلا معنى. الشعور الشعبي الذي يطلقه الكثيرون اليوم هو أن المسيحية هي انتصار مستمر في معركة لم نخضها أبدًا، معركة لم نكن بحاجة لخوضها أبدًا، لأن المسيح دفع ثمن المعاناة عنّا. مهمتنا هي ببساطة أن نستلقي في النِعَم ونحاول ألا نسمَن.ـ

إنها لفكرة جذابة، خاصة بعد مرور عقود من السلام والازدهار دون أي تقطّع خطير: لا أوبئة، لا حرب وطنية، لا انهيارات في سوق الأسهم، لا مجاعة واسعة النطاق، وما إلى ذلك. بشكل عام (باستثناء قضايا الصحة الشخصية) أكثر ما يُقلق المرء في مكان كالولايات المتحدة الأمريكية هو الحفاظ على الرفاهية. ففي هذه الثقافة، دليل البرَكَة ليس مَن يستطيع أن يتحمل المعاناة أكثر، بل من يستطيع أن يتجنب قدراً أكبر من المعاناة.ـ

ليس من النادر سماع المسيحيين يلومون الصعوبات على نقصِ الإيمان. غالبًا ما يشيرون إلى المسيح على أنه المثال النهائي للحياة التي تعيش بوفرة وصحة – فهو يعِد بأن “يعطي الحياة، وتكون حياة أوفر”. لذلك، إذا كانت حياة المرء مليئة بالمشاكل، لا بدّ أن هذا بسبب نقص الإيمان.ـ

إذا لم تُوضع هذه العقلية في سياق أكثر اكتمالًا، فهي تستدعي إنكارًا بعيد المدى أو جهلًا تامًا لما يعنيه المسيح بقوله “احمل صليبك واتبعني” مع الوعود الإضافية بالمحاكمات والاضطهاد من أجل العيش ببِرّ.ـ

بالنسبة للكثيرين منا، الفيروس التاجي هو أول لقاء واجهنا فيه تهديدًا وجوديًا فوريًا وعالميًا؛ تهديد كبير بما يكفي للكشف عن الضعف الفعلي للبشرية. يكتشف الكثيرون لأول مرة أن الموت والمصيبة أمران ممكنان بالرغم من أن المسيح عانى عنّا. هذا أمر محزن بالنظر إلى أن المسيحيين يجب أن يكونوا الأكثر معرفة بالحياة الحقيقية، مع الطبيعة الحقيقية لوجودنا في العالم.ـ

في كثير من الأحيان يسمع المرء الملحدين يسخرون من المسيحية على أنها عكاز الضعفاء، وراحة المحدودين فكرياً. وأن المسيحيين يؤمنون بالقصص الخيالية ويعيشون في واقع بديل وهمي. إذا أزلنا قلب المسيحية الحقيقي يصير هذا الاستهزاء صحيحاً تماماً. إذا كان المرء يعتقد أن المسيحية هي إنقاذ من المعاناة ويقظة أخلاقية، أو حفل كوكتيل روحي أبدي، أو مجرد تبديل حراس في صباح يوم أحد، فهو بالحقيقة يؤمن بالقصص الخيالية. لقد كانت المسيحية ودائماً طريق الوحدة والسكون والخبرة والمعاناة – بأفضل طريقة ممكنة.ـ

الاعتزال ـ

عندما نعود إلى سيرة إبراهيم ورحلته من أرضه، إلى موسى والأربعين سنة في الصحراء، إلى إيليا وأليشع واعتزالهما النسكي على جبل الكرمل، إلى يوحنا المعمدان وعيشه على الجراد والعسل في البرية، أو أي عدد من الآباء القديسين وحياتهم في النسك، نكتشف بسرعة أن الاعتزال والإيمان هما أخوان بالدم من البداية إلى النهاية.ـ

وضع المسيح معايير الاعتزال ليس فقط خلال تجربته، بل في حياته اليومية العادية، إذ كان يقضي كل المساءات وحيداً في الصلاة. نتذكر أنه قبل آلامه مباشرة صلّى وحيداً لساعات عديدة، فيما كان انتظار تلاميذه الأكثر ورعاً وصلابة طويلاً. عندما عجز تلاميذه عن طرد الشياطين علّمهم المسيح “أن هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم”.ـ

إن المؤمن الذي لا إلفة له مع الاعتزال قد لا يجد الإيمان الأصيل الذي اختبره قطيع المسيح عبر الأجيال. إن حالة العالم اليوم تقدّم إلى حد كبير فرصة إلزامية لهذا اللقاء، لكن على المرء أن يستعمله طوعياً ويتلافى صرف النظر الشائع عندما يبدأ الضجر الذي يصعب تلافيه.ـ

السكون ـ

السكون وأخته التوأم اليقظة هو نتيجة الاعتزال بالشكل الصحيح. السكون، كما يحدده التقليد الأرثوذكسي، هو الحالة الداخلية من “الهدوء أو الطمأنينة العقلية والتركيز الذي ينشأ بالتلازم ويتعمق مع ممارسة الصلاة النقية وحفظ القلب والفكر. إنه ليس الصمت وحسب، بل هو موقف من الإصغاء لله والانفتاح عليه” (الفيلوكاليا).ـ

إن السكون واليقظة حاسمان جداً حتّى أن المسيح نفسه برهن ضرورتهما خلال تجربته في البرية. على خلاف آدم الذي استعمل اعتزاله بشكل يفتقر للحكمة، المسيح استعمله لينمّي السكون ما سمح له أن يغلب كل تجارب الشيطان. لم يستدعِ المسيح قوى فائقة من فوق، بل بالأحرى هو احتمل كل الخدع الشيطانية باليقظة الساهرة والصلاة.ـ

الخبرةـ

الإيمان المسيحي ليس مجرد مجموعة عقائد أو قوائم تدقيق موضوعية في الأرثوذكسية والابتداع ولا هو علم روحي. الإيمان هو الدخول، الاشتراك، “المشاركة في الطبيعة الإلهية” (2بطرس 5:1). وهناك طريقة واحدة للمشاركة في طبيعة الله، وهي الحضور. لا يستطيع الإنسان أن يشترك في الله من خلال تأملات وحسب، ولا بتحليل مفاهيم مجردة عن الله، ولا بتركيز الفكر في الماضي أو المستقبل. إن المشاركة ممكنة فقط في خبرة الحاضر. هل سمع أحد أن إنساناً امتلأت معدته من فكرة السندويش، أو دفئ من مفهوم النار؟ تماماً كما النَفَس يؤخَذ في الآن، المشاركة في الله تتطلب نوعاً من الحضور الذي لا يمنحه سوى الاعتزال والسكون.ـ

الألم ـ

قد يكون الألم أحد أوجه الإيمان المُساء فهمها بشكل كبير. كيف يتصرف المسيحي المعاصر المتكيّف مع التسلط العلمي على الطبيعة والإشباع الفوري، مع إيمان لا يُعلي الألم المتأتي عن السلوك الصالح وحسب، بل ويشجعه؟ هنا يوجد خياران: أ) إنكار الألم وتطوير عقيدة تعِد بالعكس، أو ب) تثمينه كوسيلة للخلاص. الفكرة الأخيرة هي بعيدة عن حيّز القبول اليوم وكثيرون يعتبرونها دليلاً على الاختلال العقلي.ـ

لكن من دون هذه النظرة الصحيحة للألم يضيع الإيمان. فهم الرسول بطرس أن المؤمن يكمل ويثبت ويتقوى إذ “يتألّم يسيراً” (1بطرس 10:5)؛ وأن إيمانه يتأصّل ويصير “أثمن من الذهب” لأنه حزن “يسيراً بتجارب متنوعة” (1بطرس 10:6-11). آمن بطرس بأن على المرء أن يفرح “كما اشتركتم في آلام المسيح” كدليل على أن “روح المجد والله يحل عليكم” (1بطرس 12:4-14).ـ

الرسول بولس تباهى بأنه لا يفتخر إلا بأنه يعرف المسيح “وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ”، “الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ” (فيليبي 8:3-10). وبالطبع في العبرانيين يعلّم أن المسيح نفسه تكمّل بالآلام (10:2). ما هذا إلا مثال بسيط عن التعليم الكتابي عن الألم، وبعد الكتاب هناك فعلياً تعليم وأمثلة لا تنتهي من الآباء القديسين.ـ

إذا فكّر المرء بالأمر كرياضة، مَن يستطيع أن يقلل من ضرورة الألم؟ كل رياضيٍ يحتمل التمرين القاسي، والضغط، وامتحان العضلات والتقرّح الناتج؟ يفهم الرياضي أنه بقدر ما يفتت العضلة ويبنيها، ثم يعيد تفتيتها وبناءها مجدداً، ومجدداً، يصير أكثر قوة، وبالتالي تزداد فرص ربح الجائزة. إن الألم الذي يحتمله خلال بناء الجسد مفهوم على أنه إنتاج للقوة عند الرياضي الجدّي. وهذا بالطبع سبب استعمال الرسول بولس للرياضيين كتمثيل للحياة الروحية.ـ

من جديد، جرثومة الكورونا ألزمت العالم بحالة من الاعتزال. يمكن أن يكون الاعتزال مرعِباً ويرافقه عذابات طبيعية، وإلا لما كنا نستعمل الاعتزال لمعاقبة المجرمين، لكن تحويل العزلة إلى وحدة هو تعديل بسيط بالمقاربة. وبما أن الكثير من الإيمان لا يمكن الوصول إليه من دون الوحدة، فإن هذا التعديل يمكن أن يؤدي إلى انبعاث رائع عند الكثيرين من ابناء الله.ـ

تعاطي الأرثوذكسي مع الكورونا

إعداد أسرة التراث الأرثوذكسي

يقبع البشر اليوم تحت الخوف من الكورونا، وبخاصة ضعاف المناعة منهم. البعض يعيش أشكال مختلفة من القلق، كإنهاء العام الدراسي أو تزايد عدد المحتاجين أو انهيار الأسواق وتوقفها أو ازدياد أعداد العاطلين عن العمل أو المشاكل المتزايدة الناشئة عن الإغلاق القسري للأعمال. وآخرون مشغولون بأمور دون ذلك كتأمين المواد الحياتية وغيرها. ولكن مهما كانت درجة الخوف أو القلق ومصدرها، فالجميع يتفقون على أن العالم لم يعد كما كان قبل شهرين.ـ

فأمام التجربة التي رمتنا فيها الكورونا ماذا يُفتَرَض بنا، كمؤمنين أرثوذكسيين، أن نعمل؟ أن نفكر؟ من أجمل الإجابات على هذه الأسئلة قولٌ لأحد الآباء متوجهاً إلى رعيته بأن إيماننا أعطي لنا من الله ليقوينا خلال الأوقات الصعبة في حياتنا.ـ

كل القوانين الروحية التي نلتزم بها خلال الصوم بالتحديد، وخلال حياتنا، تهدف إلى تأصيلنا في محبتنا لله وإيماننا به لمواجهة لحظات كالتي نمرّ بها الآن. نحن نصوم لننقّص من محبتنا لذواتنا ونزيد من محبتنا لله. نحن نزيد صلواتنا وخدمنا الكنسية لنزيد إيماننا. نحن نساعد المحتاجين لنقوي محبتنا لبعضنا البعض. وفي قيامنا بكل هذه الأعمال، نتعلّم أن نركّز حياتنا حول الله، وحول ما جاء ليحققه هنا وما يقوم به يومياً من أجلنا.ـ

هذا الإيمان هو بمثابة منارة وسط ضباب الحياة السميك. إنه يبقى ثابتاً ومستقراً. الإيمان أهّل رجالاً ونساءً كثيرين أن يثبتوا عبر التعذيبات التي تعرّضوا لها. إنه ما جعل الجنس البشري يصمد عبر كل الأوبئة والحوائج التي في أوقات مختلفة سيطرت على الكون وأمسكت الجميع في الخوف. إن هذا الإيمان هو ما سوف يسمح مجدداً لكل واحد منا في الأسابيع المقبلة أن يرى بوضوح ويثبّت الآخرين العاجزين عن أن يروا ما فوق هذا الضباب السميك الذي نزل على العالم. خلال هذا الوقت من التشوش والغموض، حيث انقلبت حياة الكثيرين، لا بدّ من تقديم بعض الأفكار والتوجيهات لنفكّر فيها فيما نعبر هذه الأيام.ـ

أولاً، لا يحتاج المؤمن إلى متابعة الأخبار أربعاً وعشرين ساعة على سبعة أيام، لأن التخمة بالمعلومات تؤذي العالم أكثر من الوباء نفسه. نعم، ضروري أن نعرف ونتثقّف لكن من الضروري أن ننتبه لئلا يتحوّل الوباء إلى هوس، وهو أمر خطر على النفوس لكنه قابل للتحقق بسرعة. على المؤمن أن يكتفي بأن يعرف المستجدات مرة أو اثنين في اليوم. من بعدها يطفئ التلفزيون وكل تطبيق قد ينقل إليه الأخبار. فليستمع للترتيل، ويقرأ الكتاب المقدس، ويغذّي فكره بالأمور الإلهية.ـ

من الضروري أن لا ننسى أن الذعر يأتي من ضعف الإيمان بالله وبمحبته لنا. الاستعداد والجهوزية والانتباه ضرورية لكن لا ينبغي أن يكون للذعر مكان في قلب المسيحي. متى أحس بشيء من الذعر فليجرِ إلى زاوية الأيقونات (إن وجدَت) ويؤدّي سجدة أمام أيقونة السيد ويسأله الغوث وقوة الإيمان الضرورية للتغلب على الخوف واليأس.ـ

ثانياً، على المؤمن أن يحفظ هدوءه من أجل غيره وخاصةً غير المؤمنين. هنا يأتي تعليم القديس سارافيم ساروفسكي: “اكتسب روح السلام وسوف يخلص ألف من حولك”. عندما نصلي، في الكنيسة أو فردياً، فلنحرص على ان تبقى فكرة الكورونا خارجاً. ففي الصلاة نحن ندخل سرياً إلى ملكوت السماوات حيث لا يوجد جراثيم. لتبقى اهتمامات المرض وكل المخاوف خارجاً في العالم حيث تنتمي.ـ

ثالثاً، القداس الإلهي هو ما ينبغي على المؤمن الحفاظ عليه بكل قواه خاصةً أمام التجارب التي يطرحها عليه الكلام عن انتقال الأمراض وكأن ما في الكأس المشتركة هو مجرد مادة.ـ

رابعاً، على المؤمن أن يتوقع اضطهادات. فإيمانه سوف يخضع للتجربة خلال الجائحة. كما أنه سوف يكون هناك اضطهاد من مصدرين: الخارج والداخل. اضطهاد الخارج ينفذه الذين لا يعرفون قوة القداس وضرورة سر الشكر مع أن بعضهم قد يكون من الذين ينادون ببنوتهم للكنيسة. أما اضطهاد الداخل فيأتي من الشكوك التي يزرعها المعاند في ما يمارسه المؤمن.ـ

من الأمور الجوهرية التي ركّز عليها المضطهدون من داخل الكنيسة هي المناولة في زمن الكورونا. السبب الرئيسي لطرح السؤال هو الخوف من انتقال العدوى. التقليديون يقولون أن لا مكان للعدوى أو للتلوث أن يعبر في الكأس المقدسة أو أن تحمله الملعقة المشتركة، ويعزون ذلك إلى أسباب مختلفة بعضها مقنع بحسب منطق القرن الحادي والعشرين وبعضها لا. الليبراليون يصرون على أن الكأس وما فيها جميعاً قابلة لنقل الجراثيم لأنها بالرغم من استعمالها التقديسي إلا أنها تبقى على طبيعتها، وهي ليست السر بل أدوات للسر، وبالتالي لا مانع من إيجاد بدائل تراعي المتطلبات الصحية في ظل الوباء المتفشي.ـ

من هنا أن التطرق إلى هذا ليس سهلاً. فمن جهة، غالبية البشر المعاصرين أضعف من أن يتقبّلوا قول التقليد من دون مناقشة وتشكيك وعثرة. هذه الغالبية تعاني مع إيمانها البسيط بسبب تدخل العقل لديها، وهي تعرف معاناتها الروحية.ـ

في التقليد هناك دلالات كثيرة على استحالة أن تكون المناولة مصدر مرض. الكثيرون من الكهنة المتنقلين يخدمون في أماكن لا تستوفي شروط النظافة والصحة كالسجون حيث يختلط حامل السلّ مع مريض الإيدز مع مَن يعاني من أمراض موسمية وأمراض اللثة والفم وغيرهم. يعجز الكهنة بعد عدة سنوات من الخدمة عن إحصاء عدد المرات التي تناولوا فيها من بعدِ أناس يحملون مختلف أنواع الجراثيم في أفواههم. مع هذا، في الماضي لم يكن أحد يستسهل التشكيك بالكأس المقدسة كما يجري الآن، والواقع أن هذه مسألة تواجه الكنيسة الأرثوذكسية من قبل انتشار الوباء الأخير.ـ

في تاريخ الشعب المؤمن، في كنائس روسيا واليونان وصربيا وحتى في بلادنا، قصص عديدة عن رفض الشعب للتطاول على المناولة سواء من الكهنة أو من غيرهم، حتى أن بعض الوقائع تحكي عن عنف شعبي ضد المتطاولين، أو أقله فرز لهم من الجماعة. اليوم نجد العكس، فهناك “متعلّمون ومثقّفون” يمزّقون الكهنة الذين يناولون، وهم في كبريائهم يستعينون بالإعلام ضد كنيستهم وكهنتهم محولين الكهنة الملتزمين بإقامة القداديس ومناولة الشعب المؤمن إلى مجرمين في أعين الدولة والمجتمع. وفي كل هذا، يدّعون الغيرة على الكنيسة، ولا يترددون بالتباهي بأن همهم هو الإنسان، وكأن الكنيسة لا تهتمّ به بل هي في عالم آخر، ولكن بعض متفوهيهم واضحون بأنهم يرون في القداديس والمناولة مسرحاً يمارس فيه الكهنة “سلطتهم”، وبالتالي ينبغي تجريدهم من هذه السلطة.ـ

هنا السؤال، كما عبّر عنه العديد من رؤساء الكهنة في كل أصقاع الأرض، ماذا يبقى من هوية الكنيسة إذا امتنعت عن إقامة القداديس؟ يمكن القول بحرية ضمير أن إيمان الإنسان المعاصر تضعضع، إذ خسر بساطته مع التقدم التكنولوجي والقيَم التي كرّسها. من أوجه هذه الضعضعة تطور “علوم” النفس، ولهذا كان لا بدّ من تجريد المناولة من قدرتها على شفاء الجسد حتى يتبعها تجريدها من القدرة على شفاء النفس، وتكفّ الكنيسة عن أن تكون بيت الشفاء. وعندها ما الحاجة للمناولة وحتى للكنيسة نفسها؟ـ

إن الوضع القائم صعب لكنه ليس جديداً على الكنيسة. سوف تنتهي أزمة الكورونا وتنتهي معها هذه التجارب، ويعود المشككون إلى حيث أتوا. يصف القديس اغناطيوس المتوشح بالله محاربي المناولة المعاصرين في رسالته إلى الإزميريين إذ يوصيهم: “اعتبروا مَن يحمل فكرة مخالفة لنعمة يسوع المسيح التي حلّت علينا مضاداً لفكر الله… يبتعد عن الصلاة وسرّ الشكر حتى لا يقرّ بأن سر الشكر هو جسد مخلصنا يسوع المسيح، الجسد الذي تألّم من أجل خطايانا والذي اقامه الله بصلاحه. أولئك الذين يرفضون عطية الله يموتون في مجادلاتهم” (2:6-1:7). هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم.ـ

الكورونا وبرج بابل

الأب أنطوان ملكي

تبدأ الكنيسة الأرثوذكسية الأسبوعَ الرابع من الصوم بالسجود للصليب المقدس، وهي بذلك تشدد على أن الصليب في وسط الأرض كما هو في وسط الصوم. في صلاة المساء من يوم الخميس في هذا الأسبوع، بعد أن ترتل الكنيسة “إذ قد استحقينا أن نشاهد صليبك المقدس ونصافحه بفرح”، تقرأ قصة برج بابل من كتاب التكوين (1:10-9).ـ

في هذه القصة، نتعلّم كيف انتشر الجنس البشري على وجه الأرض. لأن البشر، في كبريائهم، رغبوا ببناء برج طويل يصل إلى السماء، لكن الله بلبل ألسنتهم. إن هذه الرواية هي نقطة تحول عظيم في تاريخ البشر الذين بعد الطوفان مالوا عن الله وسعوا إلى تمجيد جهودهم الخاصة، متناسين السلام الداخلي الذي منحهم إياه الله بعد الطوفان. لهذا يفهم المسيحي أن تنوّع لغات البشر هو رحمة كبيرة من الله، إذ منعهم من التكاتف معًا من أجل الشر، وعلّمهم التواضع. من هنا أن ارتفاع الصليب بدلاً من البرج هو لتذكير الإنسان بأن علاج الطرد من الجنة هو بهذا الصليب، وليس بأي أمر آخر.ـ

العديد من آباء الكنيسة حكوا عن برج بابل منذ القديس أفرام السرياني إلى اليوم. القديس يوحنا الروماني[1] الراقد حديثاً في 1960، يحدّثنا بكلام نفهمه جيداً لأنه من عصرنا. للقديس رسالة بعنوان “برج بابل اليوم” من كتاب سيرته يقول فيها:ـ

“بعد الطوفان ابتعد الناس مجدداً عن الله، ولأنهم ابتعدوا صاروا مجدداً يتوقّعون طوفاناً. لهذا قرروا بناء برج بابل أو القلعة البابلية. وقد شاؤوا أن يبنوها أعلى من الغمام حتى لا تعود المياه مصدر تهديد لهم. وبسبب هذه العتاهة بعثر الله ألسنتهم وما عادوا قادرين على إتمامه.ـ

الناس في هذا العصر ليسوا أفضل من ناس ذاك الزمان. اليوم، الجميع يعرفون أنهم ابتعدوا عن الله، وهم يتوقّعون عقاباً من السماء. ولكنهم بدلاً من اختيار فلك الخلاص، أي الكنيسة، بالإيمان القويم والتوبة، وبدلاً من السعي إلى الله، هم متسمّمون بالحضارة يبنون من جديد برجاً لأنفسهم كما في بابل قديماً. إن ’برج بابل’ زماننا ليس بناءً من حجر وقرميد، بل هو السباق المحموم إلى الاختراعات.ـ

يقول الناس أن اختراع السيارات والأسلحة جعل حياة الإنسان أكثر سهولةً وضَمِن أمانها، أي حفظه. ولكن كم هو خاطئ هذا الرأي! في النهاية، واضح جداً أن على قَدْر تحديث العالم وزيادة الاختراعات ازداد الشر وصارت حياة الإنسان أكثر مرارة ومحفوفة بالمخاطر. لم يكن الناس يوماً ملتاعين من القلق واليأس كما في أيامنا، عندما ازدادت الحضارة.ـ

وكما ترون، إن هذه الحضارة الزائدة بأزيائها الجديدة، علّمت الناس بأن يتجولوا عراة، أي أنها قضَت على الحياء فيهم. لقد علّمت الناس أن يكفّوا عن البحث عن الله أي أنها أخمدت الإيمان المقدس. لقد علّمت الجكام أن يخدعوا الشعب بِمَكر، وأن يستعبدوهم بشكل أكثر لا إنسانية من أيام فراعنة مصر. بتعبير آخر، إن العطش إلى الحضارة قمع الحقيقة وحرية الناس. إن الحضارة الكاذبة علّمت الناس كيف يخترعون، أي اختلقت الأسلحة الأكثر رعباً لمسح الناس وبالتالي أطاحت بالمحبة خارجاً من العالم.ـ

العلم الحديث أتاح للإنسان أن يطير في الهواء ويسافر على الماء في قلاع عائمة. العلم أعطى الإنسان جناحي طير ورِجلين من حديد لكي يندفع على طريق الباطل ولكنه سدّ عليه طريق الصلاة. لقد بنى العلم الحديث أبنية عملاقة على طريق الكنيسة فيما عبّد بالأسفلت طريق المعصية ورشّها بالزهور. بفضل سرعة السيارات قصرَت المسافات بين البلدان وتقاربت آذان الناس بالهواتف والراديو. الفنون الحديثة دللت الأجساد وقرّبتها لكنها أبعدت الله عن القلوب. العقل تقدّم لكن القلب بَرَد. العلوم أخصبَت لكن الإيمان يعاني الخسران. حضارة اليوم قصّرَت ثياب الناس وقصّت ذقونهم وشعرهم ومن ثم مَحَت الأديار عن وجه الأرض.ـ

وهكذا باختصار، هذا الخطر أي الحضارة أو التقدم، لا يترك لكل المولودين على الأرض ما يتباهون به: كما لم يكن من قبل أبداً، هذه الحضارة غمرت الأرض بالدموع، وسّعت المقابر في الحروب بشكل مرعب، فرشت الأفق بدخان المحركات، وملأت السماء بطيور عملاقة ذوات مناقير معدنية، جاهزة لتبخير العالم. ولكي تكسب وقتاً لإنجاز “برج بابل”، أي الاختراعات العلمية، فإن مقاولي البلدان المسمّنة يدعون دائماً إلى مؤتمرات سلام. لكن الله، إذ رأى حنكتهم، شوّش عقولهم كما شوّش الألسنة البابلية، فلن يكونوا قادرين بعد الآن على فهم بعضهم البعض”[2].ـ

بحسب نظرة القديس يوحنا الروماني، كل اختراع يزيد برج بابل ارتفاعاً. رقد القديس قبل أن يصل العالم إلى الدور العليا من البرج. لم يتسنَّ له أن يقرأ عن حرب النجوم، الاستنساخ، الرجال الآليين، أشباه الناس (humanoids)، الهندسة الجينية، البشرية المعززة (Augmented Humanity)، وهب الأعضاء، والأنثروبولوجيا الرقمية (digital anthropology). رحل قبل أن يأتي التواصل الاجتماعي وحتى قبل الإنترنت ولم يرَ الناس يتباهون بأنهم جعلوا العالم قرية صغيرة تشدّها الألياف الضوئية كما تغطيها شبكة طيران تصل إلى كل مكان.ـ

لم يعِش قديسنا أيضاً ليتعرّف على الكورونا. على تلك الجرثومة التي عطّلت شركات الطيران وأعادت القرية الصغيرة دولاً تغلق حدودها على بعضها، حتى أن بعضها يتخلى عن أبنائه ولا يسمح لهم بالعودة إليه. مجتمعات تضطر إلى اختيار مَن يموت. اقتصادات الدول تهتز، وشركات ضخمة وعالمية تصرِف موظفيها. برج بابل مهدد لأن الذين بنوه يتبادلون التهم والتشكيك في مَن هو الذي أنتج الجرثومة. الطب الذي تنطّح بأنه صار قريباً من تركيب إنسان جديد، يقف مشتتاً أمام جرثومة صغيرة. كمية المعلومات التي ترد يصعب حصرها خاصة مع الكم الكبير من التناقضات التي فيها.ـ

برج بابل مهدد لأن اللغة الواحدة التي سعت إليها البشرية في العلوم ليست لغة الله، بل لغة العقل والمنطق والبحث والمنهجيات والنفعية والتجارة. أُلِّه العقل وأُلِّه العلم وأُلِّه الإنسان إلا الإله الحقيقي بات مُبعَداً، منسياً أو مستغلّاً. برج بابل قد لا توقعه الكورونا، لكنها تدعو العالم ليعيد النظر بأولوياته وحججه ومشاريعه. إنها مرحلة. ونحن واثقون أن في النهاية الله يقوم ويحكم في الأرض لأنه يملك جميع الأمم.ـ

[1] القديس من رومانيا مولود 1913 بدأ حياته الرهبانية في دير نيمتس في رومانيا ثم انتقل إلى دير القديس جاورجيوس الخوزيبي في فلسطين حيث بقي إلى حين رقد في 1960. كان راهباً صارماً وأباً روحياً منّ الله عليه بعدة فضائل. علم مسبقاً بموعد رحيله. في 1980 كُشف قبره فوُجِد جسده غير متحلل. في 1992 أعلنت الكنيسة الرومانية قداسته. له قصائد ورسائل عديدة.ـ

[2] Orthodox Life, Vol. 34, No. 5 (September-October 1984), pages 16-30. Translated from the Romanian by Borislav P. Svrakov.