الرعاية

القديس غريغوريوس الكبير

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

حول الكتاب

كتاب الرعاية (المعروف باللاتينيةLiber Regulae Pastoralis ) هو أحد أعمال القديس غريغوريوس الكبير الأكثر شهرة. الكتاب عبارة عن رسالة تضمّ عرضاً من أربعة أجزاء يقدم فيها إرشادات جوهرية للكهنة والأساقفة حول كيفية رعاية كنائسهم إنجيلياً وبحكمة وكيفية تدبير حياتهم أخلاقياً. في هذه الرسالة يقدم القديس غريغوريوس رأيه حول مؤهلات الراعي الجيد ومواقفه وخياراته وأنشطته، إذ بحسب تعبيره ، الكهنة هم “أطباء القلب”ـ

الجزء الأول

من غريغوريوس إلى أخيه الجزيل الوقار الأسقف يوحنا

أيها الأخ العزيز، أنت توبّخني باحترام لطيف ومتواضع لأني رغبت بالهرب من أعباء الرعاية بالتخفّي. الآن، خشية أن تظهر هذه الأعباء خفيفة للبعض، أشرح لك، بكتابتي هذا الكتاب، كم أراها مرهِقة، حتى أن مَن لا يملكها لا يسعى بشكل أحمق للحصول عليها، ومَن كان متهوراً للبحث عنها يشعر بالفهم عند حصوله عليها

ينقسم الكتاب إلى اربعة مقالات منفصلة، حتى تصل رسالته إلى فكر القارئ بطريقة منتظمة، خطوة خطوة. إن طبيعة الحالة تتطلب أن المعالجة المتأنية لطريقة مقاربة موقع الناموس الأعلى، وعند بلوغه عن جدارة، كيف ينبغي العيش فيه؛ كيف ينبغي تعليم الآخرين بحياة الاستقامة؛ وكيف تكون الممارسة الملائمة لوظيفة التعليم، وبأي يقظة ينبغي إدراك الضعفات الشخصية في كل يوم. كل هذا ينبغي مناقشته خشية أن ينقص التواضع عند تسلّم السدّة، إذ تتغير طريقة العيش عند قبول الرتبة، والتعليم يعرّي حياة النزاهة، والاختيال يغالي في تقدير التعليم

لهذا السبب، قبل أي أمر آخر، ينبغي أن يلطّف الخوفُ الرغبةَ بالسلطة، وعندما يبلغ إلى هذا الموقع مَن لم يطلبه، فلتزكِّه طريقة حياته. من ثم أيضاً، من الضروري أن تُذاع النزاهة التي تظهِرها طريقة عيش الراعي بالكلمة المحكية. وأخيراً، علي أن أضيف أن اعتبار ضعفنا الذاتي ينبغي أن يغضّ من كل عمل ننجزه، كي لا يفرغه انتفاخ الكبرياء من قيمته في عيني القاضي المتخفي

ولكن لأن هناك الكثيرين ممن تنقصهم الخبرة مثلي وهم لا يعرفون كيف يقيسون قدرتهم، وهم يشتهون أن يعلّموا ما لم يتعلّموه، وهم يقدّرون حِمل السُلطة بطريقة خفيفة تتناسب مع جهلهم للمسؤولية البعيدة المدى، فليكن لهم التبكيت عند بداية هذا الكتاب. إذ في افتقادهم للتدريب وضبط النفس يطلبون أن يبلغوا كرامة المعلّم فعليهم أن يرتدعوا عن المغامرة الرعناء على عتبة خطابنا هذا

الفصل الأول: لا يجازفنّ أحد بتعليم أيّ فنّ إلا إذا كان قد تعلّمه من بعد تفكير عميق

بأي تهور إذاً يضطلع غير الكفوء بالخدمة الرعائية، وقد رأى أن إدارة النفوس هي فن الفنون. إذ مَن هو الذي لا يدرك أن جراح الفكر هي أكثر تخفياً من جراح الجسد الداخلية؟ إلى هذا، بالرغم من أن أولئك الذين لا معرفة عندهم بقدرة العقاقير يترددون في إعطاء ذواتهم صفة أطباء الجسد، إلا إن أناساً يجهلون تماماً الأصول الروحية، لكنهم غالباً لا يخشون من إعلان أنفسهم أطباء للقلب، وعليه بأمر إلهي، أولئك الذين هم الآن في أعلى المراكز التي تتيح لهم إظهار الاحترام للدين، بعضهم يسعى إلى المجد والاحترام من خلال التظهير الخارجي للسلطة في الكنيسة المقدسة. إنهم يتعطشون إلى الظهور كمعلمين ويحرصون على التسلط على الآخرين، وكما تشهد الحقيقة: يُحِبُّونَ الْمُتَّكَأَ الأَوَّلَ فِي الْوَلاَئِمِ، وَالْمَجَالِسَ الأُولَى فِي الْمَجَامِعِ، وَالتَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ (متى 6:23)

هؤلاء الأشخاص هم قطعاً غير مستحقين للقيام بجدارة بما يتعهدون به، أي مهمة الرعاية، لأنهم بلغوا الالتزام بالتواضع بالادعاء فقط؛ إذ، يظهر جلياً أن في هذا الالتزام، ما يزوّده اللسان هو الرطانة الخالصة عندما يتمّ تعلّم أمر فيما قد عُلِّم عكسه. ضد هؤلاء ومَن يشبههم يشتكي الرب بلسان النبي: هُمْ أَقَامُوا مُلُوكًا وَلَيْسَ مِنِّي. أَقَامُوا رُؤَسَاءَ وَأَنَا لَمْ أَعْرِفْ (هوشع 4:8). إنهم يحكمون بانتفاخهم الذاتي وليس بإرادة الحاكم العليّ؛ إنهم لا يتأيدون بالفضائل ولا هم مَدعوون إلهياً، بل هم متحرّقون بجشعهم، يستولون على السلطة العليا بدلاً من تحقيقها

مع هذا فإن القاضي الداخلي يتقدم ويهملهم في آن واحد، لأن الذين يحتملهم بألم، هو يهملهم بحكم إدانتهم. لهذا، هو يقول حتى لبعض الذين يأتون إليه وقد اجترحوا معجزات: اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ! إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! (متى 23:7). إن عدم صلاحية الرعاة هذه يوبخها صوت الحق بلسان النبي: هُمْ رُعَاةٌ لاَ يَعْرِفُونَ الْفَهْمَ (إشعياء 11:56). وأيضاً الرب يشجبهم بقوله: أَهْلُ الشَّرِيعَةِ لَمْ يَعْرِفُونِي (إرمياء 8:2). لهذا، الحق يشتكي لكونه غير معروف عندهم، ويحتجّ لأنه لا يعرف صف الرؤساء الأعلى الذين لا يعرفونه، لأن مَن لا يعرف الأمور التي للرب ينبذه الرب، كما يقول بولس: وَلكِنْ إِنْ يَجْهَلْ أَحَدٌ، فَلْيُجْهَلْ! (1كورنثوس 38:14)

إن عدم صلاحية الرعاة هذه في الحقيقة غالباً ما تتفق مع صحارى الخاضعين لهم. فإن كانوا هم ليس عندهم نور المعرفة بسبب خطئهم نفسه، فإن تابعيهم، بسبب حكم حازم، أيضاً يتخبّطون بجهلهم

لهذا السبب، فإن الحق بشخصه يقول في الإنجيل: هَلْ يَقْدِرُ أَعْمَى أَنْ يَقُودَ أَعْمَى؟ أَمَا يَسْقُطُ الاثْنَانِ فِي حُفْرَةٍ؟ (لوقا 39:6). وبالتالي، فإن كاتب المزامير في كونه نبياً، لا كتعبير عن أمنية، يقول: لِتُظْلِمْ عُيُونُهُمْ عَنِ الْبَصَرِ، وَقَلْقِلْ مُتُونَهُمْ دَائِمًا (مزمور 23:69). فهؤلاء الأشخاص هو العيون الموضوعة في واجهة الكرامة العليا، وقد تعهدوا مسؤولية إظهار الطريق، بينما تابعوهم والمتعلقون بهم فهم المُتون. فعندما تكون العيون معماة يكون المتن منحنياً، إذ عندما يخسر المتقدمون نور المعرفة فعلى الأكيد ينحني التابعون من حَمل ثقل خطاياهم

الفصل الثاني: لا ينبغي أن يحمل مهمة الحكم مَن لم يحقق في طريقة عيشه ما تعلمه بالدرس

إلى هذا، هناك مَن يستقرئون الأصول الروحية باجتهاد حصيف، لكنهم في الحياة يسلكون دائسين على ما استحوذوا عليه بفهمهم. إنهم يهرعون إلى تعليم ما قد تعلّموه، لكن لا بالممارسة، فيدحضون بسلوكهم ما علّموه بالكلمات. بِالنّتِيجَة، عندما يسير الراعي عبر أماكن منحدرة، يبلغ القطيعُ الذي يتبعه الجرفَ. لهذا، يتشكّى الرب بلسان النبي من معرفة الرعاة التافهة بقوله: أنْ تَشْرَبُوا مِنَ الْمِيَاهِ الْعَمِيقَةِ، وَالْبَقِيَّةُ تُكَدِّرُونَهَا بِأَقْدَامِكُمْ؟ وَغَنَمِي تَرْعَى مِنْ دَوْسِ أَقْدَامِكُمْ، وَتَشْرَبُ مِنْ كَدَرِ أَرْجُلِكُمْ! (حزقيال 18:34). الواضح هو أن شرب الرعاة الماء الأكثر صفاءً يكون حين يمزّون بالفهم المناسب جداول الحق، بينما أن يعكروا الماء بأقدامهم هو حين يشوّهون دراسات التأمل المقدس بحياة شريرة

بالطبع، الخراف تشرب الماء التي عكّرتها هذه الأقدام، عندما لا تتبع الرعايا التوجيه الذي تسمعه، بل فقط تقتفي أثر الأمثلة الشريرة التي تراها. في وقتِ هم متعطشون لما يسمعون إلا أنهم يُضلَّلون بما يجري، فهم يمتصّون الوحل مع ما يتجرعون وكأنهم قد شربوا من ينابيع مياه ملوثة. بالنتيجة، هذا أيضاً كتبه النبي: الكهنة الفاسدون هم فخ خراب لشعبي (أنظر هوشع 1:5 و8:9)

وأيضاً يقول الرب بالنبي عن الكهنة: كَانُوا مَعْثَرَةَ إِثْمٍ لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ (حزقيال 12:44). إذ ما من أحد يسبب الأذى للكنيسة مثل ذاك الذي يتصرّف بشكل شرير بعد أن أحرز لقب قداسة أو درجة قداسة. ما من أحد يحتمل أن ينفّذ هذا الإثم، أو أن يجعل الجرم ذا النتائج البعيدة المدى مثالاً، في حين أن الخاطئ يُشرَّف احتراماً لرتبته. لكن كل مَن لا يستحق سوف يهرب من حمل هذا الذنب العظيم إذا أصغى بأذُن القلب المنتبهة إلى ذاك القول: مَنْ أَعْثَرَ أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ الْمُؤْمِنِينَ بِي فَخَيْرٌ لَهُ أَنْ يُعَلَّقَ فِي عُنُقِهِ حَجَرُ الرَّحَى وَيُغْرَقَ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ (متى 6:18). يرمز حجر الرحى إلى دورة الحياة العالمية المتعِبة ولجة البحر ترمز إلى الدينونة الأخيرة. لهذا، إذا حطّم رجل من لابسي مظهر القداسة الآخرين بالكلمة أو المثال، فمن المؤكد أن الأفضل له لو أن أعماله الأرضية التي قام بها بغطاء دنيوي تضغط عليه حتى الموت، في حين أن رتبته المقدسة قد جعلتها قدوة خاطئة للآخرين؛ فعلى الأكيد عقاب جهنم كان أقل ضراوة عليه لو أنّه سقط بمفرده

الفصل الثالث: عبء السلطة. وجوب تجاهل كل الضيقات والخوف من الرخاء

لقد قلنا الكثير لنظهِر كم هو عظيم عبء السلطة، خوفاً من أن مَن لا يستحقها يدنّس هذه السدّة المقدسة، وباشتهائه المقام يأخذ على عاتقه رفعة شأنٍ تقود إلى الهلاك. لهذا السبب، وباهتمام أبوي يكرر يعقوب هذا النهي: تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ يَا إِخْوَتِي (يعقوب 1:3). لهذا السبب، حتّى الوسيط بين الله والإنسان، وهو الفائق المعرفة والفهم حتى على الأرواح السماوية والذي يسود في السماء منذ الأزل، رفض أن يكون له مملكة أرضية. فقد كُتب: وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكًا، انْصَرَفَ أَيْضًا إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ (يوحنا 15:6). ومَن يقدر أن يمارس سلطاناً أسمى على البشر بشكل خالٍ من الإثم كمثلِ مَن سلطانُه هو على رعايا خَلَقَها بنفسه؟

ولكن كونه أتى بالجسد ليس ليفتدينا بآلامه وحسب بل ليعلّمنا بحياته مقدماً مثالاً للذين يتبعونه، فلم يأتِ كملك بل هو مضى طوعياً ليُعلَّق على الصليب. لقد ترك المجد المُعطى له واختار ألم الميتة المخزية، حتى أن أعضاءه يتعلّمون أن يهربوا من ملذات هذا العالم لا أن يخافوا أهواله، أن يحبوا الضيق من أجل الحق، أن يحجموا عن الرخاء لأنه يستبيح القلب بالمجد الباطل، بينما الضيق يطهّره بالألم. في الأول يصير الفكر مزهواً؛ في الآخر حتى ولو صار مزهواً أحياناً فهو يواضع نفسه. في الواحد ينسى المرء مَن يكون وفي الآخر يُستَرجَع، حتى ولو قسراً وبحكم الظروف، إلى تذكّر مَن يكون. في الواحد، حتى أعماله السابقة الحسنة تتحوّل إلى لا شيء، في الآخر، تُمحى الأخطاء، حتى الطويلة الزمان منها. إنها لَخبرة مشتركة أن في مدرسة الضيقات يُجبَر القلب على تهذيب نفسه؛ أما عندما يبلغ الرجل السيادة العليا فهو يتغيّر على حين غرة وينتفخ بخبرة موقعه الرفيع

فهكذا شاول عندما أدرك بالبداية عدم استحقاقه هرب من شرف المنصب، لكنه عاد وتسلّمه، وانتفخ من الغرور (أنظر 1ملوك 21:10-23). باشتهائه الإكرام أمام الشعب، وتمنّيه ألا يُلام أمامهم، أبعد ذاك الذي مسحه ملكاً (أنظر أيضاً 1ملوك 30:15، 35). وأيضاً داود، الذي كان مرضياً بكل أعماله لحكم ذاك الذي اختاره، ما لبث أن اندفع إلى الكبرياء الجارحة، بعد أن صار عبء التزاماته على عاتقه، وأظهر ذاته قاسياً وحشياً في قتله رجل، كونه كان متهتكاً بضعف في اشتهائه امرأة (أنظر 2 ملوك 2:11). والذي عرف كيف يرثي للأشرار تعلّم بعد ذلك أن يلهث، من دون تأخير أو تردد، نحو قتل حتّى الصالح. في الحقيقة، في البداية لم يكن موافقاً على إسقاط مضطهده الأسير بين يديه، لكن لاحقاً بعد أن خسر جيشه المنهَك، قتل حتّى جنديَّه المخلص. ذنبه في الحقيقة أخرجه بعيداً من عِداد المختارين، لولا أن جلده بالسياط أعاده إلى الصفح

الفصل الرابع: الانشغال بحكم الآخرين يشتت تركيز الفكر

غالباً ما يحدث أنه عندما يحمل رجل عبءَ الحكم، أن قلبه ينشغل بأمور مختلفة، ويصير فكره موزّعاً على اهتمامات كثيرة ويصير مشوشاً، ويجد نفسه غير ملائم لأيّ منها. لهذا السبب يعطي أحد الحكماء تحذيراً متحفظاً بقوله: يَا بُنَيَّ، لاَ تَتَشَاغَلْ بِأَعْمَالٍ كَثِيرَةٍ (ابن سيراخ 10:11)، إذ بالحقيقة لا يستطيع العقل أن يركّز على متابعة أي أمر عندما يكون موزّعاً على الكثير من الأمور. عندما يسمح لنفسه بالتجول في الخارج بسبب الاهتمامات المتطفلة عليه، فإنه يفرغ نفسه من احترام النفس الثابت. إنه يشغل نفسه بوضع الأمور الخارجية في الترتيب، وفي إهماله لذاته فقط، يعرف كيف يفكّر بالعديد من الأمور من دون معرفة نفسه ذاتها. إذ عندما يشغل نفسه أكثر من الضروري بما هو خارجي، يصير كمَن ينشغل برحلة لكنه ينسى مقصده؛ فينتج عن ذلك أنه يتغرّب عن امتحان النفس إلى درجة أن يجهل الأذى الذي يعاني منه، أو أن يعي الأخطاء الكبيرة التي يقع فيها. حزقيا، على سبيل المثال، لم يدرك أنه كان يخطأ عندما عَرَض بيت ذخائره وأطيابه للغرباء الذين أتوا إليه، وبالتالي حلّ عليه غضب القاضي، ولعنة نسله، بسبب ما اعتقد أنه عَمِله بشكل شرعي (2ملوك 12:20-18)

غالباً، عندما يتوفر الكثير من الموارد، وتُنجزَ الأمور التي تجلّها الرعايا لمجرد إنجازها، يرتفع الإدراك بالأفكار، ويتحرّك غضب القاضي الكامل بالرغم من عدم ارتكاب أي عمل سافر. ذاك لأن مَن يقضي هو في الداخل وما يُحكَم عليه أيضاً في الداخل. لذلك، عندما نخالف في القلب لا يعلم الناس ما نحن فيه، لكن القاضي هو شاهد على خطيئتنا. ملك بابل، على سبيل المثال، لم يكن خطؤه الغرور وحسب حين جاء ليلقي كلمات متعجرفة، إذ إنه سمع من فم النبي التوبيخ قبل أن يطلق العنان لغروره (أنظر دانيال 21:4-24). لقد كان قد طهر نفسه من خطيئة الغرور عند إعلانه للشعوب الخاضعة له الإله القدير الذي هو أسخطه (أنظر دانيال 95:3-100). من بعد هذا، مبتهجاً بنجاح قوته ومسروراً بإنجازاته العظيمة، فضّل في زهوه نفسه أولاً على كل الباقين، ومن ثمّ منتفخاً من التفاخر قال: أَلَيْسَتْ هذِهِ بَابِلَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي بَنَيْتُهَا لِبَيْتِ الْمُلْكِ بِقُوَّةِ اقْتِدَارِي، وَلِجَلاَلِ مَجْدِي؟ (دانيال 30:4). هذا الكلام قوبل علناً بعقاب غاضب أججه غروره الخفي

فالقاضي الصارم يرى أولاً بشكل غير منظور ما يوبخه لاحقاً بالعقوبة المعلَنة. ولهذا أيضاً، حوّله القاضي إلى حيوان غير عاقل، عزله عن المجتمع البشري، وربطه بوحوش الحقل مجرداً من فكره الصحيح حتى بحكم صارم وعادل وبشكل جلي يخسر منزلته كرجل، وهو الذي قدّر نفسه فوق كل البشر

لذلك، عندما نعرض هذه الأمثلة، فليس لتقبيح الرتبة نفسها، ولكن لتحصين القلب الضعيف ضد الطمع. لن يكون لدينا إلا الفائق التأهّل لهذه الرتبة، للمغامرة لانتزاع الحكم الأعلى، ولن يكون لدينا رجال يتعثرون على أرض واضحة، فيما يتطلعون لوضع أقدامهم على الهاوية

يتبع

التعليم الديني المطوّل

لكنيسة الله الشرقية الأرثوذكسية الجامعة

المعروف أيضاً بتعليم

القديس فيلاريت درودزوف موسكو

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

هذا التعليم راجعه وأقرّه المجمع المقدس (الروسي) ونشره ليتمّ استعماله للتعليم في المدارس كما ولكل المسيحيين الأرثوذكسيين (موسكو، المطبعة المجمعية، 1830)

مدخل إلى التعليم الديني الأرثوذكسي

تعليمات أولية

ـ1ـ ما هو التعليم الديني الأرثوذكسي؟

التعليم الديني الأرثوذكسي هو تعليم عن الإيمان المسيحي الأرثوذكسي، ينبغي تعليمه لكل مسيحي، لتأهيله لأن يرضي الرب ويخلّص نفسه

ـ2ـ ما معنى كلمة تعليم ديني (Catechism)؟

إنها كلمة يونانية ، تعني التعليم، أو التوجيه الشفهي، وقد كانت قيد الاستعمال منذ زمان الرسل للإشارة إلى أن التعليم الأساسي في الإيمان الأرثوذكسي ضروري لكل مسيحي (لوقا 4:1، أعمال 25:18)

ـ3ـ ما هو الضروري لإرضاء الله وخلاص النفس؟

في المقام الأول، معرفة الإله الحقيقي والإيمان الصحيح به؛ في المقام الثاني، حياةٌ وفقًا للإيمان، وأعمال صالحة

ـ4ـ لماذا الإيمان ضروري في المقام الأول؟

لأنه، كما تشهد الكلمة الإلهية، من دون الإيمان يستحيل إرضاء الله (عبرانيين 6:6)

ـ5ـ لماذا يجب أن تكون الحياة وفقًا للإيمان، والأعمال الصالحة منفصلة عن هذا الإيمان؟

لأنه، كما تشهد الكلمة الإلهية، فإن الإيمان بدون أعمال ميت (يعقوب 20:2)

ـ6ـ ما هو الإيمان؟

بحسب تعريف القديس بولس، الإيمان هو الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى (عبرانيين 1:11) ؛ وهذا يعني، الثقة في الغيب كما لو كان قد شوهد، بينما الثقة في ما يؤمل وينتظر كما لو كان حاضرًا

ـ7ـ ما هو الفرق بين المعرفة والإيمان؟

تعمل المعرفة على أشياء مرئية ومفهومة. الإيمان يعمل على الأشياء غير المرئية وحتى غير المفهومة. تستند المعرفة إلى الخبرة وإلى فحص موضوعها؛ لكن يستند الإيمان إلى تصديق شهادة الحقيقة. المعرفة تنتمي بشكل صحيح إلى العقل، رغم أنها قد تعمل أيضًا على القلب؛ ينتمي الإيمان أساسًا إلى القلب، على الرغم من أنه ينتقل عبر العقل

ـ8ـ لماذا الإيمان ضروري للتعليم الديني وليس المعرفة فقط؟

لأن الهدف الرئيسي من هذا التعليم هو أن الله غير مرئي وغير مفهوم، وأن حكمة الله مخبأة في لغز؛ وبالتالي، أجزاء كثيرة من هذا التعليم لا يمكن قبولها بالمعرفة، ولكن قد يتم تلقيها بالإيمان. الإيمان، كما يقول القديس كيرلس الأورشليمي، هو العين التي تنير ضمير كل إنسان؛ إنه يعطي الرجل المعرفة. لأنه، كما يقول النبي، إذا لم تصدقوا فلن تفهموا (إشعياء 9:7)

ـ9ـ هل يمكن الاستفاضة في توضيح ضرورة الإيمان؟

القديس كيرلس يوضح ذلك: الإيمان ليس شيئًا عظيمًا فقط بيننا نحن الذين سمعوا باسم المسيح؛ لكن كل شيء يجري في العالم، حتى من البشر الذين لا صلة لهم بالكنيسة، يتمّ بالإيمان. الزراعة تأسست على الإيمان. لأن من لا يؤمن بأن عليه أن يجمع من ثمار الأرض لا يأخذ على عاتقه أعمال الزراعة. البحارة يقودهم الإيمان عندما يسلّمون مصيرهم إلى لوح طفيف، ويفضّلون المياه غير المستقرة على الأرض الأكثر استقرارًا. إنهم لا يسلّمون أنفسهم لتوقعات غامضة، ولا يحتفظون لأنفسهم إلا بالإيمان الذي يثقون به أكثر من أي مرساة. (العظة الخامسة)

حول الإعلان الإلهي

ـ10ـ من أين تُستمّد عقيدة الإيمان الأرثوذكسي؟

من الإعلان الإلهي

ـ11ـ ماذا يُقصَد بعبارة الإعلان الإلهي؟

هي ما أعلنه الله بذاته للبشر، لكي يؤمنوا به عن حق وللخلاص ولكي يمجّدوه كما يليق

ـ12ـ هل أعطى الله هذا الإعلان لكل البشر؟

لقد أعطاه للجميع، لكونه ضروري للجميع على السواء وقادر على جلب الخلاص للجميع. لكن، لكون البشر ليسوا جميعاً مؤهّلين لتلقّي الإعلان مباشرة من الله، فقد اعتمد على أشخاص محددين كمذيعين لإعلانه، ليبلّغوه إلى كل الذين يرغبون بتلقّيه

ـ13ـ لماذا ليس جميع البشر مؤهّلين لتلقّي الإعلان مباشرة من الله؟

بسبب تلوثهم الآثم وضعفهم في الجسد والنفس معاً

ـ14ـ مَن هم مذيعو الإعلان الإلهي؟

آدم، نوح، موسى وغيرهم من الأنبياء تلقّوا وكرزوا ببدايات الإعلان الإلهي؛ لكن ابن الله المتجسّد، ربنا يسوع المسيح، هو مَن أنزل الإعلان إلى الأرض بملئه وكماله، ونشرَه في كل العالم بتلاميذه ورسله

يقول الرسول بولس في بداية الرسالة إلى العبرانيين: “اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ”(عبرانيين1:1-2)

والرسول نفسه يكتب ما يلي في الرسالة إلى الكورنثيين: ” بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا، الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ… فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ. (1كورنثوس 7:2-8، 10).

ويكتب الإنجيلي يوحنا في إنجيله: ” اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ.” (18:1)

ويسوع المسيح نفسه يقول: ” كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ.” (متى 27:11)

ـ15ـ ألا يستطيع الإنسان من ثمّ أن يمتلك أي معرفة لله من دون إعلان خاص منه؟

قد يحصّل الإنسان بعض المعرفة لله من معاينة الأشياء التي خلقها لكن هذه المعرفة غير كاملة ولا كافية ولا يمكن أن تخدم إلا للتهيئة للإيمان، أو كمساعدة نحو معرفة الله من إعلانه

“لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ.” (رومية 20:1)

“وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ، وَحَتَمَ بِالأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ، لِكَيْ يَطْلُبُوا اللهَ لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيدًا. لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ.” (أعمال 26:17-28)

في ما يتعلّق بالإيمان بالله، فيسبقه فكرة أن الله كائن، وهي فكرة نكوّنها من الأشياء المخلوقة. عند دراسة خلق العالم بِانْتِباه، ندرك أن الله حكيم وقوي وصالح؛ كما أننا ندرك أيضًاً صفاته غير المرئية. عِبر هذه الوسائل، نُقاد إلى الاعتراف به على أنه الحاكم العليّ. إذ نرى أن الله هو خالق العالم كله، ونحن جزء من العالم، فهذا يعني أن الله هو خالقنا أيضًا. على هذه المعرفة يتبع الإيمان، وعلى الإيمان العبادة. (القديس باسيليوس الكبير، الرسالة 232)

حول التقليد الشريف والكتاب المقدّس

ـ16ـ كيف ينتشر الإعلان الإلهي بين البشر ويُحفَظ في الكنيسة الحقيقية؟

عبر قناتين: التقليد الشريف والكتاب المقدّس

ـ17ـ ماذا يُقصد بالتقليد الشريف؟

إن التقليد الشريف هو إسم يشير إلى عقيدة الإيمان، ناموس الله، الأسرار، والطقوس كما تسلّمها المؤمنون الحقيقيون ومتعبّدو الله بالكلمة والمثال الواحد من الآخر، ومن جيل إلى جيل

ـ18ـ هل يوجد أي مستودع للتقليد الشريف؟

إن المؤمنين جميعاً متّحدين في تقليد الإيمان الشريف، جمعياً وبالتتابع، بمشيثئة الله يؤلّفون الكنيسة، وهي المستودع الأكيد للتقليد الشريف أو كما يعبّر القديس بولس “كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ.” (1 تيموثاوس 15:3)

وهكذا يكتب القديس إيرينايوس: يجب ألا نطلب الحقيقة من بين أمور أخرى نطلبها من الكنيسة؛ لأن فيها، كما في خزانة كنز غني، وضع الرسل في ملئها كلّ ما يتعلق بالحقيقة، حتى كل مَن يسعى يتمكن من الحصول منها على طعام الحياة. إنها باب الحياة

(ضد الهراطقة، lib. iii. c. 4.)

ـ19ـ ما الذي نسمّيه الكتاب المقدس؟

بعض الكتب المكتوبة بالروح القدس عبر البشر المتقدّسين بالله، المسمّين أنبياء ورسل. هذه الكتب تُسمّى على نحو مشترك الإنجيل

ـ20ـ ماذا تعني كلمة إنجيل؟

إنها كلمة يونانية، وتعني الكتب. يشير الاسم إلى الكتب المقدسة تستحق الاهتمام أكثر من غيرها

ـ21ـ أيّ هو الأقدم: التقليد الشريف أو الكتاب المقدس؟

أقدم وأول وسيلة لنشر الإعلان الإلهي هو التقليد الشريف. منذ آدم إلى موسى لم يكن هناك كتب مقدسة. ربنا يسوع المسيح نفسه أوصَل عقيدته الإلهية ووصاياه إلى رسله بالكلمة والمثال، وليس بالكتابة. الطريقة نفسها اتّبعها الرسل الذين في البداية نشروا الإيمان في كل اتجاه وأسسوا كنيسة المسيح. ضرورة التقليد تتضح أكثر من هنا، حيث لا يمكن إتاحة الكتب إلا لجزء صغير من الجنس البشري، ولكن التقليد هو للجميع

ـ22ـ لماذا إذاً ومتى أعطي الكتاب المقدس؟

لهذه الغاية، حتى يُحفَظ الإعلان الإلهي وبشكل دقيق وثابت. في الكتاب المقدس نقرأ كلمات الأنبياء والرسل بشكل دقيق وكأننا عشنا معهم وسمعناهم، مع أن آخر الكتب الكقدسة كُتِب قبل ألف وعدة مئات من زمننا

ـ23ـ أعلينا أن نتبع التقليد الشريف حتى ولو عندنا الكتاب المقدس؟

علينا أن نتبع التقليد الشريف الذي يتوافق مع الإعلان الإلهي والكتاب المقدس، كما علّمنا إياه الكتاب المقدس. يكتب الرسول بولس: “فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا (2تسالونيكي 15:2)

ـ24ـ لمَ التقليد ضروري حتّى إلى اليوم؟

كمرشد إلى الفهم الصحيح للكتاب المقدس، للخدمة الصحيحة للطقوس، وللحفاظ على الطقوس المقدسة والخِدَم في نقاوة تأسيسها الأصيلة

عن هذا يتحدّث القديس باسيليوس الكبير: “بعض العقائد والوصايا التي تحتفظ بها الكنيسة موجودة لدينا كتعليمات مكتوبة. لكن البعض تلقيناه من التقليد الرسولي، عن طريق التسلسل سرياً. فلكلٍّ من الأول والثاني نفس القوة في التقوى، وهذا لا يعارضه كلّ مَن كان لديه معرفة قليلة جدًا بفرائض الكنيسة؛ لأننا إن كنا نتجرأ على رفض العادات غير المكتوبة، كما لو أنها ليست ذات أهمية كبيرة، فكأننا بلا إكتراث نقبّح الإنجيل، حتى في أهم النقاط، أو بالأحرى نجعل تعليم الرسل مجرّد اسم فارغ. فلنذكر أولاً، على سبيل المثال، العادة الأكثر شيوعًا لدى المسيحيين الأوائل، وهي أن على الذين يؤمنون باسم ربنا يسوع المسيح أن يميزوا أنفسهم بعلامة الصليب: مَن الذي علم هذا بالكتابة؟ التوجّه نحو الشرق في الصلاة، أي كتاب عندنا يقول ذلك؟ كلمات استدعاء الروح القدس لتحوّل الخبز في القداس ولكأس البركة، مَن من القديسين ترك لنا هذا كتابةً؟ وكأننا غير راضين عن تلك الكلمات التي سجلها الرسول أو الإنجيل، ولكن قبل وبعدها نتلو صلوات أخرى أيضًا، نعتبر أنها ذات قوة كبيرة للسر، مع أننا تلقيناها من التعليم غير المكتوب. استناداً على المنوال نفسه، إلى أي كتاب مقدّس نحن نبارك الماء للمعمودية، والزيت للمسحة، والشخص المعتمد نفسه؟ أليس استناداً إلى تقليد صامت وسرّي؟ ماذا أكثر من ذلك؟ إن ممارسة مسحة الزيت نفسها، أي كلمة مكتوبة عندنا عنها؟ من أين أتى قانون التغطيس ثلاثاً؟ وما تبقى من طقوس المعمودية وطرد الشيطان وملائكته؟ من أي كتاب مقدس مأخوذة هذه؟ أليست كلها من هذا التعليم الخاص وغير المنشور الذي حفظه الآباء بعيداً عن الفضول والبحث المدنِّس، كوننا تعلمنا أولاً الحفاظ على قداسة الأسرار بصمت؟ فكيف كان من المناسب نشر عقيدة هذه الأمور كتابةً، والتي قد لا يطّلع عليها غير المعتمدين؟ 

يتبع

طريق الخلاص

من باتيريكون آباء أوبتينا

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

القديس أناتولي أوبتينا

من دون الشتاء لا ربيع، ومن دون الربيع لا صيف. هكذا ايضاً هو الأمر في الحياة الروحية: بعض التعزية، ومن ثم قليل من الحزن، وهكذا شيئاً فشيئاً تتكوّن طريق الإنسان إلى الخلاص

القديس نيكن أوبتينا

لو كان باستطاعة الإنسان تعليم طرق الرب، أي تعليم كيف نحيا لنخلص، لكان اللاهوتيون المتعلّمون أول المخلَّصين. لكن في الحقيقة، لا تجري الأمور على هذا المنوال، اي أن كثيرين من العالِمين لا يسيرون على درب الرب… لكن ما المطلوب من المرء ليتعلّم طرق الرب؟ من الضروري أن يكون الإنسان حليماً، متواضعاً، ومن ثم يعلّمه الرب كيف يسلك دربه. إن معرفة هذا الأمر ضرورية جداً في الزمان الحالي حيث ندرة المرشدين ساطعة. واضع نفسَك بمعونة الله، كُن حليماً، لا تضمر أي شر نحو إخوتك وهيئ نفسك لتقبّل التعليم الإلهي من خلال الحياة الوديعة الصالحة والرب نفسه سوف يعلّمك طرقه.

إذا كان كل ما تقوم به هو انتظار الظروف الملائمة لخلاصك، فلن تباشر بالسلوك في الحياة التي ترضي الله.

عندما يتعلّم إنسان اللعب بالكمان، فالأصوات التي يصدرها في البداية تكون غير ممتعة، خاطئة وحادّة… لكن تدريجياً يكتسب اتقانها، ويبدأ بتعلّم العزف، وتصير الأصوات أكثر انضباطاً، وفي النهاية تخرج الأصوات الناعمة الجميلة في موسيقى بهية. الواحد ينجح في هذا سريعاً، الآخر يأخذ وقتاً اطول، بينما الأخير بالرغم من كل الجهود لا يتحسن اداؤه، فكل صوت يخرج مخالفاً لما يرغب به. الحاجة هي للصبر. والأمر هو على هذا المنوال في الحياة الروحية. يريد الإنسان امراً ما، لكنه يقوم بالحقيقة بشيء مختلف كلياً عمّا يريده. عقله يريد شيئاً بينما حواسه تطلب شيئاً آخراً. والإنسان يرى ويحس بألم بأن هذا كله خطأ، فيفهم أن ما يقوم به ليس جيداً وأن الأمور ليست على ما ينبغي أن تكونه، فيفقد حماسته إذ يرى أنه لا ينجح في جهاده ضد أهوائه وأن حياته الروحية لا تتحسن. لكن لا؛ لا ينبغي بالمرء أن يصير قانطاً. علينا الاحتمال… علينا أن نلزِم ذواتنا بصبر على أن نتمم كل برٍّ من أجل الرب، وبجديّة نرصد أحاسيسنا وأفكارنا وأعمالنا، ونطلب معونة الرب إلهنا ونبلغ حالة من التواضع وندرك بأننا لا ننجح بشيء بأعمالنا من دون المعونة الإلهية. وعندما يتهيأ في النهاية إناء النفس والجسد، عندما تنضبط أوتار إنشاده بكل طرق التواضع والصبر والتقوى… يأتي الوقت وتُسمَع أغنية رائعة، ويتدفق صوت الحياة الروحية العذب، وكثيرون يرون ويجزعون وينتظرون الرب، لأن هذا الغناء الذي لا يُوصَف يأتي كنتيجة لاتحادنا بالربّ.

القديس أمبروسيوس أوبتينا

إن بداية خلاصنا تكمن في تخلينا عن أهوائنا ومفاهيمنا، وتحقيقنا لما يريد الله.

إن أحكام الإنسان أمر وأحكام الله أمر آخر. يقول الرب بنبيه: لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، هكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ (أشعياء 9:55). بحسب الفكر البشري، تبدو طريق الخلاص سهلة هادئة وسلامية، بينما بحسِّ الكتاب المقدّس، فإنها محزنة كربة وضيقة (متى 14:7). “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا” (متى 34:10)، لكي أفصل بين محبي الله والباذخين، والمتواضعين عن محبي العالم. وكحقيقة، فإن خلاصنا بحسب القديس بطرس الدمشقي يكمن بين الخوف والرجاء، حتى لا نكون متكلين على ذواتنا ولا نيأس، بل بإيمان صالح ورجاء برحمة الله ومعونته قد نسلك في حياة باحترام لوصايا الله. أنتم تسعون إلى حالة للنفس على الأرض سلامية بالكامل، يحثّكم على ذلك مَن يجربنا عن جهة اليسار أي عن الجهة المقابِلة. وبالإضافة إلى ذلك، أنتم تعتقدون بذلك بسبب قلة خبرتكم الروحية، لأن هذه الحالة هي شيء ينتمي إلى الزمان الآتي، بينما في العالم فسيكون لكم ضيق (يوحنا 33:16) كما قال الرب لتلاميذه وللجميع من بعدهم.

لديك نقطة ضعف معينة: أنت تخرج عن طريق الرب البسيطة إلى العديد من المسارات المختلفة، في حين أن الكتاب المقدس والتجربة نفسها يثبتان أنّ من الضروري تبسيط طريقة الحياة الإنجيلية، والجمع بين الوصايا الأصغر والفضائل في الأكبر. يقول كاتب المزامير الإلهي: كل طرق الرب رحمة وحق (مزمور 10:24)… من هنا وصاعداً فلنضع أساساً ثابتاً ولا نحيدنّ عن طريق المسيح إلى تفاصيل متنوعة، بل فلنجمعنّ معاً كل الأمور المهمة في واحد: أن نحب الرب بكل نفسنا ونكون في سلام ووقار مع الجميع، غير مفتكرين بسوء أو بشك في أيٍّ كان.

إرشادات للشباب الأرثوذكسي في الحياة الروحية

القديس الشيخ دانيال الكاتوناكي

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

الرسالة التالية هي رد على رسالتين كتبهما أخَوان إلى القديس الأثوسي يطلبان الإرشاد في حياتهما الروحية. الهدف الأولي للشيخ دانيال كان تشجيعهما على الابتعاد عن الرذيلة وعلى محبة الفضيلة المرضِية لله.

إلى الأخوين المحبوبين قسطنطين ويوحنا

أصلي من أجلكما من كل نفسي

استلمت رسالتيكما مؤخراً، بفرح عظيم، وقد قرأتهما بحماس كبير وانتباه. من واجبي أن أجيب عليكما وأرشدكما كما يليق. لهذا، سوف أوجّه ردّي إليكما سوية بما أنكما أخوان محبان لله وتتقاسمان الحاجة الروحية نفسها إلى الاسترشاد والتربية. لهذا أنتما ملزمان لا بالسؤال وحسب بل أيضاً بالإصغاء لما قاله الآباء.

صحيح أنني حزنت عند قراءتي في الرسالتين أنكما كنتما مهمِلَين في التزامكما ووقعتما في الكثير من الحماقات الصبيانية. لكنني كنت فائق الفرح بأنكما عدتما إلى التوبة وطلبتما أن أوجّهكما إلى طريق تأخذانها للتوبة، لكي تحصلا على رحمة الله الفائق الصلاح، الذي أحزنتماه بسوء سلوككما الصبياني.

ليس من الغريب الإساءة إلى الله والابتعاد عن طريق وصاياه المستقيم؛ كل الطبيعة البشرية تنزلق بسهولة وغالباً ما تقع في الخطيئة. ومع ذلك، فإن البقاء في الشر هو خطأ فادح، ويجب علينا أن نكون منتبهين للغاية إذ الويل لنا إذا وُجِدنا بلا توبة عند مغادرتنا.

من بين الطرق المتعددة التي يستعملها الشيطان، عدو الإنسان ومُفسِد نفوسنا، لخداع الذين يطبّقون المسيحية الأرثوذكسية بشكل صحيح، وبخاصة الشباب، هي في تقديم فخ آخر استطاع من خلاله خداع الكثير من الشباب وأخذهم نحو الهلاك الكامل.

يعرض الشر أولاً هذا الفخ تحت غطاء ظاهرُه صالح وودّي ما يجعله يبدو مغريًا للشباب، حاثّاً إياهم على الحرية والضحك والمزاح والإيماءات والبزه في الكلام، وفي النهاية على تعاطي الكحول بشكل سيء. هذه جميعها لا تبدو كارثية للعالم، ولكنها تتميز كوسيلة “للحرية” تحت الرعاية السياسية والذكية. وهكذا إذ يتأقلمون مع العادات السيئة يصيرون ممتلئين بالأهواء ويسخر منهم الشياطين والناس معاً. إن ظلاً سميكاً يغطي الفخ وبتبريرات مجرّدة يبدو أن كل هذه هي خطايا صغيرة جداً وبعد مرور هذا الزمن سوف يتم تداركها كلها، ففي النهاية هذه الأمور وحدهم النساك والرهبان يستطيعون تلافيها.

لو أنهم يستطيعون سبر غور المنزلَق الذي تجلبه هذه الادعاءات، لأرادوا أن يبتعدوا عن هذه الادعاءات والذرائع التي ترافقها كما عن أفعى مميتة. إن غاية الشيطان المغوي هي أولاً في أن يزرع في الشاب كل هذه الخطايا الصغيرة، وهكذا بالتالي يشلّ حواسه محرضاً إياه على الهذر والصور القبيحة والمزاح والسكر التي جميعها تلِد الأهواء كافة.

أتوسل إليكم أن تسألوا بانتباه أحد الأصدقاء المتحمسين الخليعين غير التائبين لأن يخبر كم كيف اقتيد إلى هذه الأهواء الفاحشة. في جوابه سوف تتعلمان أن سبب الأهواء الرئيسي وبدايتها كانا نتيجة بدايته الأولى في عدم الاهتمام وإهمال الأسباب المذكورة أعلاه. كما أن الأهواء الجسدية تأتي من إهمال الأمور الصغيرة، كذلك ايضاً في المجال الروحي: من الحماقة الصبيانية يأتي المرء إلى مستوى عدم التوبة وفقدان الرجاء.

صحيح أن الرب يسوع المسيح، إذ يرى انحراف الطبيعة البشرية، يستقبل الخاطئ العائد بذراعين مفتوحين. في الوقت عينه يقول: “انتبهوا وصلوا إذ لا تعرفون اليوم ولا الساعة حين يأتي ابن الإنسان”. إنه يحثّنا على أن نكون دوماً مستعدين وأن يكون في مصباحنا زيت التوبة حتى لا نُترَك خارج الخدر كالعذارى الجاهلات. صحيح أن التوبة موجودة عندما يكون الشاب طاهراً يتحاشى الصحبة السيئة والسكر، فإذا انحرف قليلاً تأتي التوبة سريعاً لتمحو خطايا الشباب. بينما من خلال العادات السيئة يصير الجسد عبداً للخطيئة وتصير التوبة صعبة وقليلون جداً هم القادرون على التحرر من فخاخ العدو المعقدة.

إذ قد عرفتما هذه الأمور أيها الحبيبين قسطنطين ويوحنا، فمن هذه اللحظة وكرمى الله، اخضعا لما يهدئ حواسكما وليس للمزاح ولا النكات ولا السكر ولا الرفقة السيئة التي منها يضيع خوف الله وتقعان في أسر شيطان محبة الذات والتهتك. بل بالأحرى اختارا الحياة الفاضلة بحسب الله، متمثّلين بأبيكما الروحي في كل شيء. إنه الوحيد الذي سوف ينشئكما في حالة ترضي الله ويظهِركما مستقبلاً كمواطنَين سماويين.

لكي تقطعا طريق الرب بثبات عليكما أن:

تظهِرا طاعة عظيمة وثقة وقبولاً نحو أبيكما الروحي، كاشفَين له الحقيقة دائماً.

امتنعا كلياً عن الثرثرة والمزاح، لأنه كما ذكرنا، حيث الثرثرة يختفي خوف الله.

فليكن لكما وقت في كل مساء للصلاة التي يحددها أبوكما الروحي.

عندما تكونان في الكنيسة، ركزا كلياً على القداس الإلهي لكي تدخل نعمة الروح القدس إلى قلبكما.

احفظا من دون تقصير كل الأصوام التي حددتها الكنيسة ولا تتشبها بطرق جيل اليوم المفسدة

بقدر الإمكان، تلافيا الخمر وبخاصة المشروبات الكحولية التي تثير أهواء الجسد

عندما يتوفر وقت حر اقضياه في قراءة كتب الآباء.

انتبها من بعض الآباء الروحيين الذين يدّعون تعليمكما الفضائل والتوبة لكنهم يدخِلون الشهوانية باستبعادهم الأصوام وصرف الشباب عن النسك والاعتدال وقراءة النصوص اللآبائية، ويتكلمون ضد الحياة الرهبانية. لا فائدة من ذكر الأذى الذي يجلبه هذا للشبان، لأني رأيت كثيرين انخدعوا بهذه النصائح فصاروا فرائس للجهل.

فليكن فيكما توقير عظيم وخاصة لسيدتنا والدة الإله التي سوف تقودكما دوماً على طريق خلاصكما.

في الختام، أقبلّكما ببر

الراهب دانيال الكاتوناكي

كاتوناكيا، الجبل المقدس، 19 حزيران 1902

orthodoxyouthresources.com/2019/06/counsels-in-spiritual-life-for-orthodox.html

كيف نقرأ الكتاب المقدّس؟

الشيخ إميليانوس سيمونوبترا

نقلتها إلى العربية الخورية جولي عطية عيسى

حين يقرّر أحدهم أن يدرس الكتاب المقدّس بطريقةٍ غير فعّالة وعقليّة، يخلق الكراهية والخلافات. لماذا؟ لأنّ المقاربة العقليّة للكتاب المقدّس لا تساعدنا على أن نلتفت إلى خطايانا ونفكّر فيها، بل تجعلنا نركّز على مشاكل ومفاهيم مرتبطةٍ بدراسة الكتاب، فتتحرّك قدراتنا المنطقيّة والعقليّة من دون أيّ هدفٍ حقيقيّ. “المعرفة” بحدّ ذاتها لا تضيف شيئًا، بل على العكس، تشجّع الفرد على التثقّف وتنمية رؤيته الخاصّة للأمور؛ تنمّي اكتفاءه الذاتيّ بآرائه الشخصيّة، فيسعى إلى تبريرها وفرضها على الآخرين. هذا النوع من المقاربة للكتاب يضعك فجأةً في صراعٍ مع الآخرين؛ فهو يجعل مشيئتك وآراءك تتعارض مع مشيئتهم وآرائهم، ما يدفعك إلى الاختلاف معهم ومجادلتهم ومعاداة إخوتكَ. عندما تملؤني آرائي الخاصّة حول الأشياء، أصبحُ غير قادرٍ على اقتبال أيّ شيءٍ من الله.

إنّ الطريقة الصحيحة هي أن نقرأ الكتاب المقدّس ببساطة، وأن نسمح لله بأن يقول لنا ما يريد أن يقول لنا. أن تقرأ الكتاب المقدّس بهدف جمع المعلومات شيءٌ، وأن تقرأه لأنّك تريد أن تقتني محتواه الحقيقيّ، أي الروح القدس، شيءٌ آخر. هذا النوع من المعرفة هو حياة الله (يو 17: 3)، هو دخول الله إلى حياتنا وبسط يديه عليها؛ هو نزول الله وسكناه بيننا. يمكننا أن نميّز إذا ما كانت دراستنا للكتاب المقدّس أصيلةً أم لا، استنادًا إلى كميّة الدموع التي نذرفها خلال دراستنا. بالطبع، بإمكاني أن أقرأ الكتاب المقدّس من دون ذرفٍ للدموع ومن دون إحساسٍ قويّ بخطايايَ، ولكن مع رجاءٍ بأنّ نعمة الله ستخترق قلبي القاسي عبر قراءتي للكتاب المقدّس. إذًا، اقرأ الكتاب لكن لا تنسَ خطاياك، ولا تحوّل الكتاب إلى موضوعٍ للبحث العقليّ، لأنّه سيتوقّف حينها عن أن يكون كلام الله، وستبدأ باعتباره أمرًا بشريًّا. يجب أن يكون معيار دراستك كالتالي: ينبغي أن تجلب قراءتك للكتاب المقدّس السلام إلى قلبك، والشركة مع الله، ومحبّة الأقرباء، والوعي لخطيئتك، أي أن تدرك كم أنّك غير مستحقّ وغير مستعدّ للوقوف أمام الله.

* من كتاب “حول الأنبا أشعيا”

الشيخ أفرام الفيلوثايوي

إعداد أسرة التراث الأرثوذكسي

من رسائل الشيخ أفرام الفيلوثايوي

<أتوسّل إليكم يا ابنائي، بمحبة الله، ألاّ تنقطعوا عن صلاة مسيحنا، ولا للحظة. يجب أن تتمتم شفاهكم اسم يسوع بشكل مستمر، وهو الاسم الذي يدمّر الشيطان وكل ألاعيبه. نادوا المسيح بلا انقطاع وه سوف يهبّ بإخلاص إلى مساعدتنا. كما أنه يستحيل أن نمسك بمكواة أو حتى الاقتراب منها وهي حمراء حامية، الأمر نفسه يحدث مع نفْس مَن يقول صلاة يسوع بحرارة. الشياطين لا تقترب منه، وكيف لها أن تجروء؟ لأنهم إن اقتربوا منها، سوف يحترقون بالنار الإلهية التي في الإسم الإلهي. كلّ مَن يصلي يستنير وكلّ مَن لا يصلّي يظلِم. الصلاة هي مزوّد النور الإلهي. لهذا كل مَن يصلّي حسناً يصير مُشِعاً، وروح الله يسكن فيه.

إذا اقترب منا القنوط أو اللامبالاة أو الفتور وما شابه.، فلنصلِّ بخوف وألم ويقظة نوسية عظيمة وسوف نختبر مباشرة معجزة التعزية والفرح بنعمة الله. لا يستطيع المرء الذي يصلّي أن يحمل أي ضغينة نحو أي كان او أن يرفض الغفران له عن أي خطأ كان. الكل سوف يصير رماداً عند اقترابه من نار صلاة يسوع. إذاً يا أولادي، جاهدوا في صلاة مسيحنا الخلاصية والفدائية حتى تتألّقوا وتتقدسوا؟. أيضاً صلوا من أجلي أنا الخاطئ البطال حتى يكون الرب رحوماً على فيض خطاياي، كما على هفواتي التي لا تُحصى؟>

مَن هو الشيخ

وُلِد في فولوس من أعمال اليونان سنة 1927 باسم يوحنا موراييتيس. وصل إلى جبل أثوس في 1947 حيث التقى الشيخ أرسانيوس الذي أعلن أن السابق المجيد قد ظهر للشيخ يوسف (القديس يوسف الهدوئي) في الليلة السابقة وقال له “أنا أجلب إليك حَمَلاً. ضمّه إلى حظيرتك”.

بقي في طاعة الشيخ يوسف الهدوئي إلى حين رقاده سنة 1959 ومنه تعلّم فنّ الخلاص. من ثم صار الشيخ أفرام متقدماً على مجموعة من ثمانية رهبان نَمَت حتى صاروا أربعين في أقل من عقد من الزمن. في 1973، طلب من مجلس الجبل أن ينتقل مع أخويته إلى دير فيلوثايو لتعود الحياة إلى الجماعة المجاهدة هناك. من ثمّ كرر الأمر لملء أديار كسيروبوتامو وكونستامونيتو وكاراكاللو. كما طُلب منه ملء اللافرا الكبير لكنه اعتذر، وبقي الأب الروحي للأديار الأربعة. استعفى من رئاسة دير الفيلوثايو في 1990 وانتقل إلى أميركا حيث أسس بسرعة كبيرة شبكة من الأديار استجابة لطلب المؤمنين ودعوات الرؤساء المحليين. بلغ عدد الأديار التي أسسها في الولايات المتحدة وكندا 17.

عُرف الشيخ أفرام في كل العالم كحامل للتقليد الآبائي الهدوئي وناقل له. النكهة الأثوسية الصارمة التي زرعتها أدياره في أميركا أثارت الكثير من الجدل. يفهم المتابع لوقائع هذا الجدل، أن سببه لم يكن صرامة المثال الأثوسي بل دهرية المجتمع الأميركي، وعلى رأس محاربيه بعض الإكليروس والجمعيات المعادين للرهبنة (وهم موجودون في كل الكنائس وفي كل الأزمنة). بلغ الأمر أن سمّي أبناؤه الروحيين بالأفراميين، واتّهم بمعاداة السامية، وبأنه ضد الزواج ومعادٍ للرعايا ووصفه البعض بأنه غورو. أما محاربوه من اللاهوتيين فاستندوا إلى أنه يعلّم عن المحطات الجمركية ليعتبروه رواقياً. كل هذا قابله الشيخ افرام بالصمت ما ضاعف أعداد أبنائه الروحيين وأعداد المؤمنين الذين يقصدون أدياره للاسترشاد، وبخاصة دير القديس أنطونيوس في أريزونا حيث كان يعيش هو، وحيث رقد بالرب في الثامن من كانون الأول 2019.

ترك الشيخ أفرام أثراً كبيراً في كل الكنيسة في العالم. في جبل أثوس هو أحيا أربعة أديار أي خمس أديار الجبل. في أميركا، كثيرون من كل الكنائس والجنسيات يطلبون الاسترشاد والاعتراف في الأديار التي أسسها والتي تذكر اسمه في كل يوم. له كتابات وتسجيلات كثيرة ومنها ما نُقل إلى العربية. فليكن ذكره مؤبداً وليشفع فينا.

قديسون معاصرون

الشيخ موسى الأثوسي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

عن حق أو لا، فالأزمنة التي نعيش فيها عرضة للانتقاد لأسباب عديدة. ومع ذلك، على الرغم من صعوبتها بالتأكيد، ففيها كنوز مخفية، وقد أنتجت قديسين منهم صغارًا ومنهم عظماء. بصرف النظر عن القديسين المعترَف بهم رسمياً، فقد كان هناك أيضا قديسين مخفيين طوال القرن العشرين.

البارة ميثوذيا من كيمولوس (+1908)، القديس يوحنا كرونشتادت (+1908)، آفثيميوس أسقف زيلا (+1921)، بروكوبيوس أسقف أيكونيوم (+1922)، غريغوريوس اسقف سيدونية (+1922)، أمبروسيوس أسقف موسخونيسيا (+1922)، خريسوستوموس اسقف إزمير (+1922)، البار أناتولي الشاب، شيخ دير أوبتينا الرائع (+1922)، وسحابة من الأبرار والشهداء الجدد في روسيا وجورجيا وآستونيا وبولندا وأجزاء أخرى من أوروبا وآسيا وأميركا.

أيضاً في القرن العشرين عندنا القديسون: أرسانيوس الكبادوكي (+1924)، نيكولاوس بلاناس من أثينا (+1932)، سلوان الأثوسي (+1938)، البار سابا في كاليمنوس (+1948)، البار جاورجيوس كارسليذس من ذراما (+1959)، الأرشمندريت أنثيموس فايانوس من خيوس (+1960)، يوحنا ماكسيموفيتش العجائبي رئيس أساقفة شانغهاي وسان فرانسيسكو (+1966)، الأرشمندريت الصربي يوستينوس بوبوفيتش (+1979)، والشهيد فيلومانوس الأورشليمي (+1979).

بعض الشيوخ أيضاً ذاع صيت قداستهم وحياتهم الفائقة الفضيلة: الأرشمندريت ييرونيموس السيمونوبتريتي (+1957)، يوسف الهدوئي قاطن الكهف (+1959)، أمفيلوخيوس ماكريس الرئيس السابق لدير باتموس، فيلوثايوس زرفاكوس رئيس دير لونغوفاردا في باروس (+1980)، يعقوب تساليكيس رئيس دير البار داود في آفيا (+1991)، الشيخ بورفيريوس الكافسوكاليفي الرائي (+1995)، الشيخ الحكيم صوفروني سخاروف (+1993)، الراهب المعروف باييسيوس الأثوسي الذي كان ممتلئاً من النعمة (+1994)، أفرام الكاتوناكي المكرّس بالكلية للطاعة والصلاة (+1998) وغيرهم.

حياة الرهبنة المقدسة تتحدانا وتدعونا إلى موقف بطولي ومزيد من التقشف والبساطة والعفّة والتواضع. نحن ملزَمون بالحفاظ على روح الرهبنة الأرثوذكسية دون مغالطة، نابضةً بالحياة ونقية مهما كان الثمن علينا. نحن مدعوون إلى التدرّب على صبر الأجيال السابقة من الشيوخ.

إن روعة كنيستنا هي في أنها تواصِل إنتاج القديسين حتى يومنا هذا. سيحتاج العالم إلى قداسة أكبر بكثير في القرن الحادي والعشرين. اعتاد الشيخ بايسيوس الأثوسي أن يقول إنه ببساطة لم يكن مسموحًا لنا بالفشل في الحفاظ على الرهبنة كما هي. القداسة ليست حلماً منسياً ولا أملاً باطلاً. إن “الحياة الصالحة”، والدهرية، والتراخي تعيق نمو شجرة القداسة. روح التمتع السائدة اليوم، التسرّع، العمل بلا جهد ولا كدح، والاستهتار تحرم القداسة.

القداسة هي غرض الحياة. القداسة هي الأمنية الرئيسية. إن التقرّب من القداسة يجلب السلام والفرح والرصانة والصبر وضبط النفس وهبة النعمة. إن قائمة القديسين الجدد تنمو في القرن الحادي والعشرين. أحيانًا تكون القداسة مخفية حيث لا تتوقعها، في المدن والقرى، وليس فقط في الجبل المقدس. الرهبنة تزدهر اليوم. يحدونا الأمل في أن تستمر في إنتاج القديسين سالكة طريق التقليد. اعتاد القديس ستيليانوس الأثوسي أن يقول مستنداً على تجربته الخاصة: “الرب يحبنا حتى التخمة، وبالصلاة يجعلنا مستحقين للتحدث معه والتوبة وتمجيده. لا أستطيع أن أصف كم يحبنا الرب. بالروح القدس يتمّ التعرف على هذه المحبة وروح الشخص المصلّي تتعرّف على الروح القدس …

الشيخ دانيال الكاتوناكي (1846-1929)

الشيخ موسى الأثوسي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

كان الشيخ دانيال من سميرنا زهرة مقدسة عطرة من إيونيا أرض الشهداء. جلب عطره الفرح للكثيرين، عندما زُرع في حديقة السيدة، إلى جانب ثمار فضائله. هو نجل أبوين شديدي الإخلاص، درس الكتاب المقدس والفيلوكاليا، وتخرج بامتياز من مدرسة سميرنا الإنجيلية. بعد سجوده في الأديرة والكنائس في البيلوبونيز وجزر بحر إيجة، وبناءً على طلب البارّ أرسانيوس (1800-1877) في باروس ، دخل دير القديس بندلايمون في جبل أثوس.

تميزت فترة اختباره بطاعته الثابتة والطوعية. عند سيامته سُمّي دانيال بدلاً من ديميتريوس. سرعان ما عُرِف لمهاراته وأصبح أمينًا للدير الذي كان يضم 250 راهبًا. بسبب الاختلافات بين اليونان والروس، قَبِل النفي الذي أحزنه وأغمّه. استضافه دير القديسة أناستاسيا في فاسيليكا في خالكيديكي لمدة ستة أشهر، وهناك كان مصدر فائدة للآباء. ثم عاش في دير فاتوبيذي خمس سنوات، حيث شفي من مرض إلتهاب الكلىى الشديد. لقد أحب والدة الإله كثيراً طوال حياته. أخيرًا ، ذهب إلى كاتوناكيا الرائعة. هناك أسس منسكاً للآباء الأثينيين الموقرين. بعد سنوات قليلة، جمع أخوية صغيرة. لقد أرشدهم بالفيلوكاليا التي درسها وحفظها بثبات.

ساعدته فضيلته وحكمته وصلواته وتواضعه ودراسته وتجربته في تحديد المغالطات وتصحيح أولئك الواقعين في الضلالة وعلاج الذين يضربهم الشيطان وإعادة مؤيدي ماكراكيس إلى طريق الآباء القديسين. أتباع ماكراكيس آمنوا بالتركيب الثلاثي للإنسان.

لقد ساعد الرهبان الواقعين في تجارب شديدة وكانوا ممتنين له. المرضى والمكتئبون والحزانى والمحبَطون والمضطربون وجدوا العزاء والأمل في كلماته ورسائله. حتّى أنه هو نفسه ترك منسكه من أجل المصالحة بين الإخوة.

رسائله غنية إلى الرهبان والراهبات والإكليروس من كل الدرجات والمعلمين والأشخاص الذين يعانون من صعوبات مختلفة. كان على علاقة روحية بالمؤلف ألكساندروس مورايتيدس، المعروف لاحقًا باسم الراهب أندرونيكوس، الذي وصفه بأنه “ليس جباراً متعدد الأغراض ومتعدد الألوان، بل راهب كثير التعب”، يقدّم كحلوى “كلمات تقطّر الحلاوة السماوية”. وقال أيضًا: “عندما جئت إلى الجبل المقدس، ظننت أنني لمست الله، لكن عندما قابلت الشيخ دانيال، أدركت كم هو بعيد عني”.

نشأت بين الشيخ دانيال القديس نكتاريوس (1846-1920) معرفة هامة وصداقة ومراسلات. كتب القديس له بكل تواضع عن راهباته: “هذه الرسالة، التي يمليها التطبيق العملي والنظري(theoria)، هي بالنسبة لهن، كونهن محرومات من هذا التعليم الحي، فرحة روحية ودعم روحي حقيقي”.

بالإضافة إلى رسائله الكثيرة، فإن ثمار حكمته هي ما يقرب من سبعين عملاً حول المسائل الروحية الخطيرة، وخاصةً الروحية ذات التركيبة المعادية للهراطقة. على مدار خمسين عامًا في كاتوناكيا مع كلماته وكتاباته وشروحاته، اشاد بيتًا نبيهاً (famous) للفضيلة ورسم الأيقونات والكتابة والموسيقى والضيافة. كان بابه مفتوحًا دائمًا للجميع كي يجدوا الراحة. لقد صار طبيباً ومرشدًا ومحررًا للأشخاص المتألمين أو الواقعين في الخطأ أو المضطربين أو الواقعين في الضيق. تعب للحفاظ على يقظته طوال الليل لكتابة الرسائل والدراسة لدعم إخوته وتنويرهم.

كانت أعظم سعادة في حياته عندما غادر الأرض في يوم عيد ميلاد والدة الإله المحبوبة. بعد القداس الإلهي والمسحة بالزيت المقدس، ارتسم الفرح بوضوح على وجهه. ختم حياته بمحبته الحارة لوالدة الإله، والتي هي سمة من سمات جميع الأثوسيين الأبرار. ما لا شك فيه أن الشيخ دانيال كان دليلاً مستنيراً وصاحب تمييز بكلماته وأعماله، “ممتلئاً من الروح القدس”. فلتكن صلواته معنا.

إن جمجمته محفوظة بتوقير في علبة خشبية وقد اكتسب لوناً أصفراً بنياً. لقد تبركنا به في الذكرى الثمانين لرقاده المبارك (2009).

الجهاد الروحي

الأب جاورجيوس كابسانيس، رئيس دير غريغوريو

نقلها إلى العربية بول ملكي

سؤال: كيف يمكن أن يتحرر الإنسان المؤمن من الإنسان القديم الساقط؟

جواب: نشعر جميعنا أننا نحمل آثار الإنسان القديم. مميزاته هي محبة النفس حباً أنانياً مريضاً. بالنسبة لنا، محبة الذات هي أن نحب الله والآخرين بصدق وعدم أنانية. من محبة الذات المريض تولَد الأهواء. لا يمكننا أن نرتبط بعدم أنانية بالناس الآخرين والأشياء كوننا ملتهبين بالأهواء. علاقاتنا تصبح ملتهبة بالأهواء وأنانية، وتمنعنا من أن نحب ونتمتع بالناس الآخرين والأشياء الأخرى في العالم. هذا يؤدي في النهاية إلى الوحدة، الفراغ، إلى مأزق.

إذاً، عندما نقول “الإنسان القديم”، نعني الأنانية المريضة، التي نعاني منها جميعنا، بشكلٍ أو بآخر. كيف يمكننا أن نخلص من هذا المرض الروحي الثقيل الذي يسمم كل وجودنا؟

وحده الإنسان الحرّ من هذا المرض يمكنه أن يشفينا. شخصٌ جديد فقط يمكنه أن يمنحنا الفرصة لتجاوز الإنسان القديم، لنصبح متجددين – أشخاصاً جدداً. نعلم جميعنا أن هذا الإنسان هو مخلصنا المسيح، الذي، كإله وإنسان، كما ورد في الكتاب المقدس “لم يفعل خطيئة، ولا وجد في فمه مكر”. بسبب محبته اللامتناهية لنا، قدّم يسوع المسيح نفسه لنا كي نتمكن من الاتحاد به، وبهذه الطريقة، أن نحظى بحياته الجديدة منقولةً لنا.

نحن نولد بالمسيح، واندماجنا بجسده يتم من خلال المعمودية المقدسة والميرون والمناولة المقدسة. كل المسيحيين الذين يشتركون في حياة المسيح، ضمن جسده الذي هو الكنيسة، قد تلقّوا، من خلال نعمة الروح القدس، بذور الحياة الجديدة. ولكن، يجب عليهم المجاهدة ليتطهروا أكثر من الأهواء، وأن يتزينوا بالفضائل.

بكل بساطة، كلما أفرغ الناس أنفسهم من كبريائهم، كلما امتلأوا من المحبة الحقيقية ومن نعمة الله. بقدر ما يُقَيّد الإنسان القديم، ينمو الإنسان الجديد. هذا العبور من الإنسان القديم إلى الإنسان الجديد ليس سهلاً، لأن الأهواء متجذرة بعمق فينا وليست سهلة الإقتلاع. اننا بحاجة إلى جهاد مستمر ومطول لكي نتطهر من الأهواء. هذا هو جهاد التوبة. علينا أن نتوب كل يوم عن طريقة حياتنا القديمة، التي هي إثمنا، خبثنا، أنانيتنا، وعدم قدرتنا على محبة الله أبينا والناس الآخرين بشكلٍ تام. وكل يوم نحن مدعوون إلى الجهاد من أجل المحبة، التواضع، الإعتراف النقي، ضبط النفس، الإستقامة، التسامح والصلاة.

بهذه الطريقة، تبدأ تدريجياً ولادة روحية جديدة في داخلنا: ولادة الإنسان الجديد المبارك بنعمة الله. ولكن، وكما أن كل ولادةٍ مترافقة بالآلام، كذلك الولادة الروحية تستلزم آلام التوبة. عندما نصلب الإنسان القديم، نتألم. ولكن هذا هو الوقت الذي فيه يقوم إنساننا الجديد في داخلنا. نحن نصلَب مع المسيح، لكي نقوم معه من بين الأموات.

إذاً، بصبرنا وجهادنا اليومي للتوبة، سنخلص من الإنسان القديم الساقط، ونتجلّى كشخصٍ جديد. هذا حصل في سير قديسينا، الذين من خلال سيرهم العجيبة يظهرون لنا الطريق.

مختارات في تربية الأطفال

مجموعة من آباء الكنيسة القديسين

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

القديس البار يوحنا كرونشتادت

أيها الأولياء والمعلمون، احفظوا أطفالكم متحررين من النزوات، لأنه إن لم تفعلوا ذلك، فسيتجاهلون قريبًا قيمة محبتكم، ويلوثون قلوبهم بالكراهية، ويفقدون المحبة الحارة الصادقة والدفء في وقت مبكر جدًا. عندما يكبرون، سوف يتذمرون منكم بمرارة بسبب تدليلهم أكثر من اللازم ورضوخكم لأهوائهم. النزوات هي جراثيم فساد القلب، تآكل القلب، العثة التي تفسد المحبة، بذرة الغضب، ورجس أمام الرب.

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذا انطبع التعليم الحسن على نفس غير ناضجة، فلن يتمكن أحد من محوه عندما تصبح تلك النفس ناضجة وغير مرنة، كما يحدث غالبًا مع ختم الشمع. هنا مخلوق خائف ومرتعب من مظهرك وكلمتك، ومن كل ما تفعله. استخدم قوتك عليه لفعل ما هو جيد. سوف تكون أول من يستمتع بثمار جهدك إذا ربّيت ابنًا صالحًا، وبعد ذلك سيفرح الله به أيضًا. أنت تفعل ذلك من أجل ذاتك.

القديس نيلس السينائي

ينبغي على الراغبين في تربية أطفالهم بجدية أن ينشئوهم في التقشف والمصاعب بحيث يتمتع الأطفال بثمار عملهم في النهاية، بعد أن يتميزوا في الدراسات والسلوك.

القديس إغناطيوس بريانشانينوف

إعلم أن حياتك تهمّ ابنتك كثيراً أكثر من اي شيء آخر تذكره

القديس تيخن الزادونسكي

يجب أن لا تستخدم العقوبات القاسية، كما يأمر الرسول أيضًا، “أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ لِئَلاَّ يَفْشَلُوا” (كولوسي 21:3). جِدوا الطريق الوسط، كما هو مذكور أعلاه.

القديس فيلاريت موسكو

صحيح أن الأساليب الحديثة في التنشئة تجعل الأطفال أكثر ميلًا إلى المعاندة. غالبًا ما أُفاجأ برؤية كم في سلوك الأطفال من الغطرسة والطيش بحضور آبائهم ، في حين يبدو الوالدان مترددين للغاية في لمسهم.

القديس مكاريوس أوبتينا

في الواقع، من الصعب الحفاظ على الشاب سالماً من سيل الحرية الذي غطى وجه الأرض وأغرق العقل البشري، المظلم بسبب عدم الإيمان، في مياهه القذرة. ازرعوا بذور الإيمان الأرثوذكسي في قلوب أطفالكم بمساعدة الله. اسقوا تلك البذور بخوف الله الذي يؤدي إلى المحبة باتّباع وصايا الرب. إن بذور التقوى المزروعة في تربة قلوبهم الشابة سوف على الأرجح تثمر ثمار القداسة والإيمان الأرثوذكسي القوي.

القديس ثيوفانس الناسك

كلمة المحبة لا تزعج أبدًا. الكلمة المتعجرفة لا تثمر. يجب أن تصلي طوال اليوم وطوال الليل لكي يجعل الرب أطفالك يتجنبون الأخطار. الله رحيم!