العظة الثالثة على كولوسي 1: 15-18

للقدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم

ترجمة الأب الحارث إبراهيم

من الضروري بالنسبة لي اليوم، أن أدفع الدين الذي قمت بتأجيله أمس، حتّى أتمكّن من تقديمه لعقولكم عندما تكون في جاهزيّتها الكاملة. كما أظهرنا، يتكلّم بولس عن كرامة الابن، فيقول هذه الكلمات: “الذي هو صورة الله غير المنظور”. على صورة مَن ستعتبرونه؟ على صورة الله؟ إذًا، هو بالضبط كالذي يُمثّله. لأنّه إذا كان يقول على صورة إنسان، فأكون قد تكلّمتُ كمجنون. ولكن إذا كان يقول على صورة الله، فابن الله، على صورة الله، يُظهِرُ الشبه الدقيق له. لماذا لم يتمّ إطلاق تسمية “صورة” أو “ابن”، في أي موضع، على ملاك بل أطلق هاتَين التسميتَين على الإنسان؟ لماذا؟ لأنّه في الحالة الأولى، قد يؤدّي تعظيم طبيعتها فعلاً إلى دفع الكثيرين في الوقت الحاضر إلى العقوق؛ لكن في الحالة الأخرى، الطبيعة الحقيرة والدنيا تحفظ من العقوق، ولن تسمح لأيٍّ كان، حتّى لو رغب في ذلك، أن يشكّ في أي شيء من هذا القبيل، ولا تُقلِّل هذه الطبيعة من شأن “الكلمة” إلى هذه الدرجة. لهذا السبب، حيث تكون الحقارة كبيرةً، يؤكّد الكتاب المقدّس الشرف بقوة، ولكن حيث تكون الطبيعة أعلى، فإنه يتمنّع. “صورة غير المنظور” هو نفسه غير منظور أيضًا، وبطريقة مماثلة غير منظور، وإلّا ما كان صورة. لأنَّ الصورة، بقدر ما هي صورة، حتّى عندنا، يجب أن تكون مطابقة تمامًا للأصل، على سبيل المثال، من حيث السمات والشبه. لكن في الحقيقة، عندنا هنا، هذا غير ممكن على الإطلاق؛ لأنَّ فَنَّ الإنسان يفشل في كثير من النواحي، أو بالأحرى يفشل في كلّ النواحي، إذا ما فحصنا بدقّة. لكن حيث الله، لا يوجد خطأ ولا فشل.ـ

ولكن كمخلوق: كيف هو صورة الخالق؟ لأنّه لل يمكن للحصان أن يكون صورة للإنسان. لأنّه إذا لم تكن “الصورة” تعني الشبه الدقيق لغير المنظور، فما الذي يعيق الملائكة أيضًا عن أن يكونوا صورته؟ لأنّهم هم أيضًا غير منظورين؛ ولكن ليس لبعضها البعض. لكنّ الروح غير منظورة، ولكونّها غير منظورة، تكون ببساطة صورة بحسب هذا المنطق، ولكن ليس كما هو والملائكة صورًا.ـ

“بكر كلّ خليقة”. يقول أحدهم: “يا للعجب. إنّه مخلوق”. منذ متى؟ أخبرنى. لأنّه قال “بكر”؟ لاحظ، إنّه لم يقل “أول خليقة” بل “أول مولود = بكر”. وإلاّ يصبح منطقيًّا أن يُطلق عليه أسماء كثيرة، كأن يسمّى أيضًا أخًا “في كلّ شيء” عبرانيين 2: 17، وأن نأخذ منه كينونته كخالق، ونصرّ على أنّه لا يتفوّق علينا لا في الكرامة ولا في أيّ شيء آخر! ومَن هو الفهيم الذي يمكن أن يقول هذا؟ لأنّ كلمة “بكر” ليست معبرةً عن الكرامة والشرف، ولا عن أيّ شيء آخر، وإنّما عن الزمن فقط. ماذا تعني كلمة “بكر”؟ يجيبون: إنّه مخلوق. حسنًا. إذا كان الأمر كذلك، فللكلمة أيضًا معاني مرادفة. إذ من ناحية أخرى، يكون البكر من نفس الجوهر مع مَن وُلِدَ منهم أولاً. وعليه، سيكون الابن البكر لكلّ شيء – لأنّه مكتوب “كلّ خليقة”؛ لذلك، سيكون الله الكلمة هو بكر (المولود الأول) من الحجارة أيضًا، ومنّي. ولكن مرّة أخرى أخبرني: عن ماذا تعلن كلمات “بكر من بين الأموات” كولوسي 1: 18؛ ورومية 8: 29؟ أليس أنّه هو قام أولاً؟ لأنّه لم يَقُل ببساطة “من بين الأموات”، بل “بكر من بين الأموات”، ولا حتّى قال، “إنّه مات أولاً”، لكنّه قام كَبِكْرٍ من بين الأموات. بحيث لا يعلنون أيّ شيء آخر غير هذا، أنّه هو أول ثمر القيامة. بالتأكيد ليس المقصود أيًّا من هذه هنا. [ليس يقصد الرسول بولس أنَّ يسوع بكرٌ لكونه مولودًا من الآب، بل لأنَّ الخليقة به ظهرَت إلى الوجود. وتاليًا هو يُشير إلى أنَّ يسوع هو بداية الخليقة] بعد ذلك ينتقل إلى العقيدة عينها، لكي لا يفتكروا في أنّ وجوده حديث، لأنّه في الأوقات السابقة كان التواصل من خلال الملائكة، ولكنّه الآن من خلاله. لقد أوضح أولاً أنّه لم يكن لديهم قدرة (وإلا لما أنقذهم من سلطان الظلمة، الآية 13)، ثمّ بعد ذلك، يقول هو أيضًا كان قَبلَهم. ويستخدم كدليل على وجوده قَبلَهم، هذه العبارة أنّه “خلقهُم”. لأنّه “فيه”، كما يقول، “خُلِقَ الكلّ”. فماذا يقول هنا أتباع بولس الساموساتي؟ [يعتبر بولس الساموساتي الكلمةَ الإلهيّ والحكمة صفات وليس شخصًا. لذلك فشخص ربّنا ببساطة بشريّ تحت تأثير إلهي.] لقد وضع في المرتبة الأولى “ما في السماوات”، أي ما كان السؤال عنه مطروحًا، ثمّ “ما على الأرض”. ثمّ أردف يقول “ما يُرى وما لا يُرى”. ما لا يُرى، مثل الروح، وكلّ ما خُلِقَ في السماء؛ وما يُرى، مثل الإنسان والشمس والسماء، “سواء كان عروشًا”، مؤكّدًا ما هو مشكوك فيه وتاركًا ما هو معروف. “سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ”. نفهم من كلمَتَي: “سواء” و “أم”، الكلّ. وهكذا بالكلام عن الأشياء الأعظم يُظهِر أنّها تشمل الأقلّ أيضًا. لكنّ الروح ليست من بين “السلاطين”. لقد قال: “الكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ”. يا للعجب، “فيه” (الآية 16 “فِيْهِ خُلِقَ الكُلّ”) تعني “به”، لأنّه إذ قال “فيه” أضاف هنا “به”. ولكن ماذا تعني “له”؟ المعنى هو هذا: الكُلّ يَعتمد عليه من أجل ديمومته. ليس أنّه هو نفسه أخرجهم من العَدَم إلى الوجود فقط، بل هو نفسه يحفظهم الآن، بحيث أنّه لو كانت العناية الإلهيّة نبذتهم، لعادوا إلى العدم من ساعتهم وفنوا. وهو لم يَقل إنّه “يجعلهم يستمرّون”، والتي كانت طريقة أكثر جرأة في الكلام، بل ما هو أكثر دقة: “إنّهم يعتمدون عليه“. أن يكون الاعتماد عليه فقط كافٍ لأن يجعل أيّ شيء مستمرًا ويرتبط به بسرعة. هكذت أيضًا كلمة “بكر”، بمعنى الأساس. لكنّ هذا لا يُظهر المخلوقات أنّها من ذات جوهره، بل أنَّ الكلّ به، وأنّها قائمة فيه. لأنَّ بولس، عندما يقول في مكان آخر: “لَقَدْ وَضَعْتُ الأساس” (1 كورنثوس 3: 10)، لم يكن يتحدّث عن الجوهر، بل عن العمل. ولكي لا تَفتكر به أنّه خادم، يقول إنّه يجعلهم يستمرّون، وهذا لا يَقِلُّ شأنًا عن خلقهم. بالتأكيد، معنا هي حتّى أعظم: إذ بالنسبة للسابق، فإنّ المبادئ تَهدينا، لكن ليس كذلك بالنسبة إلى الأخير، إذ لا يبقى شيئًا منحلاً.ـ

يقول: “الذي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ”. هذا يليق بالله. أين بولس الساموساتي؟ ويقول أيضًا: “وفيهِ يَقُوْمُ الكُلّ”، أي إنّها مخلوقة فيه! يُكرِّر هذه التعبيرات في تسلسل وثيق، وكأنَّ تعاقبها الوثيق يعمل كطرقات سريعة تقتلع العقيدة المُميتة من الجذور. لأنّه حتّى لو أنَّ الإعلان عن مثل هذه الأشياء العظيمة قد تمّ، ينبت بعد فترة طويلة بولس الساموساتي، فكم [سيكون الحال] أعظم، إنْ لم تكن هذه الأشياء قد قيلَت من قَبْلُ؟ يقول: “وفيهِ يَقُوْمُ الكُلّ”، كيف تقوم (تتكوَّن) في مَن لم يكن، لأنَّ ما تمّ في الملائكة تمّ من خلاله؟

“وَهُوَ رَأسُ الجَسَدِ: الكَنيسَةِ”. إذ تحدَّث عن كرامته، يتكلّم بعدها عن حُبّه للإنسان أيضًا. يقول: “هُوَ رَأسُ الجَسَدِ: الكَنيسَةِ”. ولم يقل “[رأس] الملء” [المسكونة هي المقصودة بالملء هنا، مثلما يقول الرسول بولس في 1 كورنثوس 10: 26 “للرب الأرض وملأها τοῦ πληρώματος”]، (بالرغم من أنّ هذا مشارٌ إليه أيضًا)، بدافع من الرغبة في إظهار مودّته الكبيرة لنا، لأنّه وهو فوق، وفوق الكلّ، يربط نفسه مع أولئك الذين أدناه. لأنّه هو الأول في كلّ مكان: هو الأول فوق، والأول في الكنيسة، لأنّه هو الرأس، وهو الأول في القيامة. وفي قوله: “لكي يكون متقدِّمًا في كُلِّ شَيءٍ” (الآية 18)، يكون هو الأول أيضًا في الأجيال. وهذا ما كان بولس يسعى لإظهاره بشكلٍ رئيسيّ. لأنّه إن كان حسنًا أنّه كان قَبل جميع الملائكة، فمن ثمّ تكون النتيجة المواكبة أيضًا أنّه قام بأعمالهم من خلال أمرته لهم. وكم هو رائع حقًا، أنّه أشار إلى أنّه هو الأول في الأجيال اللاحقة. ومع أنّه يدعو آدم، في مكان آخر، أولاً (1 كورنثوس 15: 45): “صار آدَمُ، الإنسانُ الأولُ”، وهو هكذا في الحقيقة، لكنّه هنا يجعل الكنيسة مكان الجنس البشريّ بأكمله، فهو الأول من الكنيس، والأول من الناس بحسب الجسد، كأول الخلق. وعلى هذا، فهو يستخدم هنا كلمة “بكر”.ـ

فما هو معنى “بكر” في هذا الموضع؟ مَن الذي خُلِق أولاً، أو قام قبل الكلّ، كما كان المعنى في الآية السابقة “الذي هو قَبْلَ كُلِّ شيء”. وهنا يستخدم في الواقع كلمة “الثمرة الأولى” قائلاً: “مَن هو الثمرة الأولى، بكر من بين الأموات، لكي يكون هو مُتقدِّمًا في كلّ شيء”. موضحًا أنَّ الباقين هم أيضًا مثله؟ لكن في المقام الأول ليس الثمرة الأولى للخليقة. وهناك، هو صورة الله غير المنظور، ثمّ “بكر”.ـ

الآية 19 و20. لأنَّ الآبَ سُرَّ أنْ يَحُلَّ فيه كُلُّ الملء. وإذ صنع السلام بدم صليبه، لكي يُصالِحَ بِهِ الكُلَّ لنفْسِه، سواء ما كان على الأرض، أم ما في السماوات”.ـ

كلُّ ما للآب، يقول إنّه للابن أيضًا، وذلك بكثافة أكبر، لأنّه قد مات عنّا وأَتْحد نفسه بنا. قال “الثمرة الأولى” كأنّه من الثمر. لم يقل “القيامة”، بل “الثمرة الأولى”، مُظهِرًا أنَّه قدَّسَنا جميعًا، وكأنّه قدَّمَ لنا ذبيحة. يعتبر البعض أنَّ مصطلح “الملء” يشير إلى الله، كما قال يوحنا، “ومِن ملئه كُلّنا أخذنا”. إذًا، أيًّا كان الابن، الابن كُلُّه حَلَّ هناك، وليس نوع من القوى، بل جوهر.ـ

ليس لديه سبب إلا مشيئة الله: لأنَّ هذا هو المغزى من قوله “فيه سُرَّ … ويصالح به الكُلَّ لِنَفْسِه”، خشية أن تعتقد أنّه اتَّخَذ رتبة خادم فقط، قال: “لنفسه” (2 كورنثوس ٥: ١٨). ومع ذلك يقول في مكان آخر، إنّه صالحنا مع الله، كما كتب في رسالته إلى الكورنثيّين [“18ولكنَّ الكلَّ مِنَ الله، الذي صالحَنا لنَفْسِه بيسوع المسيح، وأعطانا خِدمةَ المصالحة، 19أي إنَّ اللهَ كان في المسيح مصالِحًا العالَم لنفسِه، غير حاسِبٍ لهم خطاياهم، وواضعًا فينا كَلِمَةَ المصالحة” (2 كور 5: 18 و19)]. وقال حسناً “به لينهي المصالحة”. لأنّهم كانوا قد تصالحوا بالفعل، بل يقول بالتمام، بحيث لن تكون في عداوة معه في ما بعد. كيف؟ لأنّه ليس أنَّ المصالحة انطلَقَت فحسب، بل أيضًا طريقة المصالحة. “إذ صنع السلام بدم صليبه”. تُظهِر كلمة “مصالحة” أنَّ هناك عداوة، كما تُظهِرُ كلمة “صنع السلام” أنَّ هناك حربًا. “وإذ صنع السلام بدم صليبه، بنفسه، سواء ما كان على الأرض، أم ما في السماوات”. إنَّ المصالحة أمرٌ عظيم حَقًّا، فإن تمّمها بنفسه فهي أيضًا أعظم؛ وأعظم بكثير – كيف بنفسه؟ بدمه. بدمه، ولم يقل بدمه فقط، بل بما هو أعظم، بالصليب. حتّى صارت خمسٌ تدعو للعجب: صالحَنا، مع الله، بنفسه، بالموت، بالصليب. مثير للعجب مرّة أخرى! كيف خلطهم! فلئلا تظنّ إنّه أمرٌ واحد فقط، أو أنَّ الصليب هو شيء في حَدِّ ذاته، قال: “بنفسه”. ما مقدار معرفته أنَّ هذا كان أمرًا عظيمًا. لأنّه ليس بالكلام، بل بإعطاء نفسه للمصالحة، هكذا أبدع الكلّ.ـ

ولكن ما هي “ما في السماوات”؟ لأنّه بالعقل فعلاً يقول: “ما على الأرض”، لأنَّ أولئك كانوا ممتلئين عداوة، ومتعدِّدي الإنقسامات، وكان كلّ واحد منّا في اختلاف تامّ مع نفسه، ومع الكثيرين، لكن كيف صنع السلام بين “ما في السماوات”؟ هل كانت هناك معركة وحربٌ أيضًا؟ فكيف نصلّي إذًا قائلين: “لِتَكُن مشيئَتُكَ كما في السماء كذلك على الأرض”؟ (متّى 10: 6) ما هو إذن؟ انفصلَت الأرض عن السماء، وأصبح الملائكة أعداءً للناس، لرؤيتهم الربَّ مُهانًا. قال في أفسس 1: 10: “ليجمَعَ كُلَّ شيءٍ في المسيح، ما في السماوات، وما على الأرض”. كيف؟ ما في السماء فعلاً هكذا: لقد نقل الإنسان إلى هناك، لقد أحضر إليهم العدو الذي يكروهنه. لم يكتفِ بصنع السلام بين ما على الأرض، بل أحضر إليهم مَن كان عدوهم وخصمهم. هنا كان السلام عميقًا. فعادت الملائكة للظهور مرة أخرى على الأرض بعد ذلك، لأن ذاك الإنسان عاد فظهر أيضًا في السماء. ويبدو لي أنَّ بولس قد اختُطِفَ بهذا الأمر (2 كورنثوس 12: 2) [“أعرِفُ إنسانًا في المسيح قَبلَ أربع عشرةَ سنةً. أفي الجسد؟ لستُ أعْلَم، أمْ خارج الجسد؟ لستُ أعْلَم. الله يعلَم. اختُطِفَ هذا إلى السماء الثالثة”]، ولكي يُظهِر أنّ الابن أيضًا قد استُقبِلَ هناك. لأنّه في الحقيقة كان السلام في الأرض ذا شِقَّين: مع ما في السماء وفي ما بينهم؛ في حين أنَّ السلام كان في السماء بسيطًا. لأنَّه إذا كانت الملائكة تبتهج بخاطئٍ واحد يتوب، فكم بالأكثر سيبتهجون بكثيرين!ـ

يقول: إذا كانت قوة الله قد عملَت كلّ هذا، لماذا إذن تضعون ثقتكم في الملائكة؟ لأنّهم حتّى الآن كانوا بعيدين جدًّا عن قَبولهم بقربكم، إذْ كانوا أعداءكم الأبديّين، لولا أنّ اللهَ نفسه قد صالحكم معهم. فلماذا تركضون إليهم؟ هل تعرف مدى الكراهية التي كان الملائكة يكنّونها لنا، كم كانت عظيمة، وكيف كانوا ينفرون منّا دائمًا؟ لقد أُرسلوا للانتقام في قضيّة بني إسرائيل، وداود، والصادوميّين، ووادي البكاء. (خروج 23: 20). لكنّهم ليسوا كذلك الآن، بل على العكس من ذلك، رنّموا على الأرض (2 صموئيل 24: 16) بفرح شديد. وهو الذي أحدرهم إلى الناس (تكوين 19: 13)، وأصعد الناس إليهم.ـ

وأصلّي من أجلكم لتلاحظوا المذهل في هذا: لقد أتى بهؤلاء إلى هنا أسفل، ثمّ أصعد الإنسان إليهم، فأصبحت الأرض سماء، لأنَّ تلك السماء كانت على وشك استقبال ما على الأرض. لذلك، نقول عندما نشكر: “المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض سلام، وللناس المسرّة”. يقول: أنظروا، حتّى الناس بدوا سعداء به بعد ذلك. ما هي “المسرّة”؟ (أفسس 2: 14؛ التثنية ٣٢: ٨، السبعينيه) هي المصالحة. لم تَعُد السماء جِدارًا فاصلاً. في البداية كانت الملائكة حسب عدد الأمم، لكنّهم الآن، ليسوا بعدد الأمم، بل بعدد المؤمنين. مِن أين يتّضح هذا؟ إسمع المسيح قائلًا: “أنظروا، لا تَحتَقروا أحد هؤلاء الصغار، لأنّ ملائكتهم ينظرون كلَّ حين وَجْهَ أبي الذي في السماء”. (متّى 18: 10) لأنّ لكلّ مؤمن ملاك. لأنّه حتّى منذ البداية، كان لكلّ مَن اعتُمِدَ ملاكه، كما يقول يعقوب: “الملاك الذي يُطعمني، ويخلّصني منذ شبابي”. (تكوين 48: 15-16)، فإذا كان عندنا ملائكة، فلنكن متيقّظين، كما لو كنّا في حضور معلّمين؛ لأنّه يوجد شيطان أيضًا. لذلك نصلّي، نطلب ملاكَ سلامٍ، وفي كلّ مكان نطلب السلام (لأنّ لا شيء يعادله): يمنح للكنيسة السلام، في الكنائس، في الصلوات، في الطلبات، في التحيات؛ مرّة، ومرّتين، وثلاث مرّات، ومرّات عديدة، حين يقول: “السلام لكم”. لماذا؟ لأنَّ هذا هو أمّ كلّ الصالحات. هذا هو أساس الفرح. لذلك، أمر السيّدُ المسيحُ الرسلَ أنّهم عند دخولهم إلى المنازل يقولون هذا على الفور، باعتباره رمزًا للأشياء الصالحة. فقد قال: “عندما تدخلون إلى منزل، قولوا: السلام لكم”. لأنّه حيثما يكون هذا مطلوبًا، لا نفع من أي شيء آخر. وقال السيّد المسيح لتلاميذه: “السلام أترك معكم، سلامي أعطيكم”. (يوحنا 14: 27) هذا يُمَهِّدُ الطريق للحبّ. والناظر على الكنيسة [المتقدِّم الذي يرأس العبادة ὁπροεστὼς]، لا يقول ببساطة: “السلام لكم”، بل: “السلام لجميعكم”. ماذا لو كان لدينا سلام مع هذا الإنسان، ولكن مع غيره، حرب وقتال؟ ما هو الربح؟ لأنّه هل من الممكن الحفاظ على الصحة، إذا كانت بعض عناصر الجسد في حالة راحة وأخرى في اختلاف، بل فقط عندما تكون كلّها في انتظام جيد، ووئام، وسلام؟ فإن لم تكن كلّها في راحة، ومستمرة في حدودها الصحيحة، ستنقلب كلّها. وعلاوة على ذلك، إنْ لم تكن كلّ الأفكار في أذهاننا في حالة راحة، لن يوجد السلام. السلام هو الخير العظيم، بحيث أنَّ صانعيه ومخرجيه، بمنطق، يُدعَون أبناء الله (متّى 5: 9 و45)؛ لأنَّ ابن الله من أجل هذا السبب جاء على الأرض، ليثبّت السلام في ما في الأرض، وفي تلك التي في السماوات. فإذا كان صانعو السلام هم أبناء الله، فإنَّ صانعي الاضطراب هم أبناء الشيطان.ـ

ماذا تقول؟ هل تثير الإدّعاءات والقتال؟ وهل يسأل أحدهم مَن هو غير سعيد؟ هناك الكثيرون الذين يفرحون بالشر، والذين يمزّقون جسد المسيح، أكثر من طعنة الجند بالحربة، أو من ثقب اليهود له بالمسامير. ذاك كان أقلَّ شرًّا من هذا. أولئك الأعضاء المقطوعين، اتّحدوا مرّة أخرى، لكنّ هؤلاء المفصولين، إذا لم يتمّ توحيدهم هنا، فلن يتمّ توحيدهم أبدًا، بل سيبقون بعيدين عن الملء. عندما تفكّر في شنّ حرب ضدّ أخيك، تصوَّر أنّك تحارب أعضاء المسيح، وتوقّف عن جنونك. ماذا لو كان منبوذًا؟ ماذا لو كان دنيئًا؟ ماذا لو كان معرّضًا للاحتقار؟ هكذا يقول هو: “ليست إرادة أبي أن يهلك أحد هؤلاء الصغار”. (متّى ١٨: ١٤) وأيضًا: “إنَّ ملائكتهم ينظرون دائمًا وجه أبي الذي في السماء”. (متّى 18: 10) الله أصبح عبدًا من أجله ومن أجلك أيضًا، وذُبح، أفأنت تعتبره لا شيء؟ بالتأكيد، أنت بهذا تحارب الله، من خلال إصدارك حُكمًا مخالفًا لحُكمه. عندما يدخل الناظر على الكنيسة، يقول من فوره: “السلام لجميعكم”، وعندما يعظ: “السلام لجميعكم”، وعندما يبارك: “السلام لجميعكم”، وعندما يحَيّي: “السلام لجميعكم”، وعندما تنتهي الذبيحة: “السلام لجميعكم”: وأيضًا في الوسط: “نعمة لكم وسلام”، أفلا يكون ذلك وحشيًا، إذا كنا نسمع أنَّ علينا أن نكون في سلام مرات كثيرة إلى هذا الحدّ، ونكون في حالة من الخلاف مع بعضنا البعض؟ أفلا نكون في حالة حرب مع الذس يعطينا السلام حين نأخذ السلام ونردّه؟ أنت تقول: “ومع روحك”، أترميه خارجًا؟ ويحي! أنَّ استخدامات الكنيسة المهيبة أصبحت مظاهر فقط، وليست حقيقة. وَيحي! أن كلمات سرّ هذا الجيش لا تتعدّى كونها مجرّد كلمات. فإنْ كنت تجهل أيضًا قول المسيح: “السلام لجميعكم”، اسمع ما يعقبه: “وأيّ مدينة أو قرية تدخلونها … عند دخولكم إلى البيت، تحيّونه، فإن كان المنزل مستحقًا، يأتي سلامكم عليه، وإنْ لم يكن مستحقًا، يعود سلامكم إليكم”. (متّى 10: 11 و13) لذلك نحن جهلة، لأنّنا نعتبر هذا مجرّد صورة من الكلمات، ولا نؤيّدها في أذهاننا. فهل أنا أعطي السلام؟ إنّه المسيح الذي يتنازل ليتكلّم بنا. حتّى لو كنّا في جميع الأوقات الأخرى خالين من النعمة، لسنا نخلو منها الآن، من أجلكم. لأنّه إن كانت نعمة الله قد فعَلَت في حمارٍ ورائٍ، من أجل تدبير ومنفعة الإسرائيليّين (عدد 22)، فمن الواضح تمامًا أنّها لن ترفض العمل حتّى فينا، بل من أجل مصلحتكم سوف تحتمل حتّى هذا.ـ

فلا يقل أحدٌ عنّي إنّي خسيس ودنيء ولا أستحق أيّ اعتبار، ويستمعني بهذه الذهنيّة. وإنْ كنتُ أنا هكذا، لكن طريقة الله دائمًا هي هذه: أن تكون حاضرةً مع أمثالي من أجل الكثيرين. ولعلّكم تعرفون هذا، أنّه قَبِل أن يتكلَّم مع قايين من أجل هابيل (تكوين 4)، ومع الشيطان من أجل أيوب (أيوب 1)، ومع فرعون من أجل يوسف (تكوين 41)، ومع نبوخذنصَّر من أجل دانيال (دانيال 2؛ 4)، كما ومع بيلشاصّر من أجل دانيال أيضًا (دانيال 5)، وأعطى إعلانًا للمجوس (متّى 2)، وتنبّأ في قيافا، رغم أنّه قاتل المسيح، ورجل غير مستحق، بسبب استحقاق الكهنوت. (يوحنا ١١: ٤٩) ويقال إنّ هارون لم يُضرب بالجُذام [البرص] لهذا السبب. أخبرني، لماذا، عندما تطاول كلاهما [مريم وهارون أخوَي موسى] بالكلام على موسى، نالت وحدها العقاب؟ (عدد 12) لا تتعجّب: لأنّه، من حيث الكرامة الدنيويّة، إذا تمّ رفع عشرة آلاف دعوى ضدّ إنسان، فلا يُقدَّم للمحاكمة قَبل أن يترك منصبه، حتّى لا يُلام شرف المنصب معه؛ الأمر أهمّ بكثير من جهة المنصب الروحيّ، أيًّا كان شاغله، لأنَّ نعمة الله تعمل فيه، وإلّا فُقِدَ كُلُّ شيء. لكن مَتَى ترك منصبه، سواء توفّي أو حتّى ههنا، حينئذٍ سينال عقابًا أمرّ فعلاً.ـ

أتوسَّل إليكم ألّا تفتكروا أنَّي أتكلَّم هذه الأمور من عندي، بل هي نعمة الله التي تعمل في غير المستحق، ليس من أجلنا، بل من أجلكم. فاسمعوا إذن ما يقوله المسيح: “إذا كان المنزل مستحقًّا، فيأتي سلامكم عليه”. (متّى 10: 13-15) وكيف يصبح مستحقًّا؟ كما يقول: “إذا استقبلوكم” (لوقا 10: 8). أمّا إنْ لم يستقبلوكم، ولم يسمعوا كلامكم، … فإنّي الحقّ أقول لكم: إنّه يكون لأرض سدوم وعمورة في يوم الدينونة حالةً أكثَرَ احتمالاً مِمّا لتلك المدينة”. ما الذي يجعلك تستقبلنا إذن، ولا تسمع ما نقول؟ ما هو المكسب الذي تنتظره منّا، ولا تهتمّ بما نتكلّم به معك؟ هذه الخدمة الرائعة، النافعة لكم ولنا، ستكون شرفًا لنا، إن سمعتمونا. واسمع أيضًا قول بولس: “لم أكُنْ أعرف، أيّها الإخوة، أنّه رئيس كهنة”. (أعمال الرسل ٢٣: ٥) واسمع أيضا قول المسيح: “اعملوا بكل ما يوصونكم به” (متّى ٢٣: ٣)، فالوصية والعمل لا يحقّرانني أنا بل الكهنوت. احتقرني إذًا عندما تراني مُجَرِّدًا من الكهنوت، إذ حينها لن أجرؤ على فرض وصايا. لكن طالما نحن نجلس على هذا العرش، طالما أنَّ لدينا المركز الأول، فلنا الكرامة والقوة كليهما، بالرغم من عدم استحقاقنا. إذا كان لعرش موسى كلّ هذا التوقير، لدرجة أنّهم يطيعونه بسبب المقام، فكم بالأحرى أكثر عرش المسيح، الذي استلمناه بالتسلسل، والذي منه نتكلّم، منذ أن عَهَدَ لنا المسيح بخدمة المصالحة.ـ

يتمتّع السفراء، مهما كان نوعهم، بسبب كرامة السفارة، بشرف كبير. من أجل الوصيّة يذهبون بمفردهم إلى قلب أرض البرابرة، وسط أعداء كثيرين؛ ولأنّ قانون السفارة يتمتّع بقوة هائلة، يكرّمهم الجميع، وينظر الجميع إليهم باحترام، وجميعهم يرسلونهم بأمان. وها نحن الآن تلقينا كلمة سفارة، وقد أتينا من الله، لأنَّ هذه هي كرامة الأسقفيّة. لقد أتينا إليكم بسفارة، طالبين منكم وضع حَدٍّ للحرب، ونحن نقول شروطها؛ غير واعدين بإعطاء مدن، ولا كميات كثيرة من الحبوب، ولا عبيد، ولا ذهب؛ بل ملكوت السماوات، والحياة الأبديّة، والاجتماع إلى المسيح، والصالحات الأخرى، التي لا نستطيع أن نخبركم بها، طالما نحن لا نزال في هذا الجسد، والحياة الحاليّة. إذاً نحن سفراء، ونودّ أن نتمتّع بالشرف، ليس من أجل مصلحتنا الخاصّة، لا سمح الله، لأنّنا نعرف عدم جدواها؛ بل من أجلكم، لكي تسمعوا بجدّية ما نقوله، حتّى تنتفعوا، لكي لا تحضروا للإستماع إلى ما يقال بعدم اكتراث أو لامبالاة. ألا ترون سفراء، وكيف يبجّلهم الجميع؟ نحن سفراء الله إلى الناس. لكن، إن كنت منزعجًا، فمن رئاسة الأسقفيّة، وليس منّا، وليس من هذا الإنسان أو ذاك، بل من الأسقف. لا يَسمعني أحدٌ إلا الكرامة. لنعمل كل شيء إذًا وِفقًا لإرادة الله، حتّى نعيش لمجد الله، ونُحسَب مستحقين الخيرات التي وعد بها أولئك الذين يحبّونه، من خلال النعمة والمحبة، إلخ.ـ

Source. Translated by John A. Broadus. From Nicene and Post-Nicene Fathers, First Series, Vol. 13. Edited by Philip Schaff. (Buffalo, NY: Christian Literature Publishing Co., 1889.) <https://ccel.org/ccel/schaff/npnf113.iv.iv.iii.html> .Revised and edited for New Advent by Kevin Knight. <http://www.newadvent.org/fathers/230303.htm>.

رسالة إلى والدته

الأرشمندريت نيكن من دير أوبتينا

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

المسيح بيننا، أمّي الغالية

أطلب لك بحرارة السلامَ والفرح بالرب وأطلب صلواتك المقدسة وبركتك الوالدية

ماذا أكتب عن نفسي؟ أنا حيّ وبحال جيد، ولا احتياجات محددة عندي، أحصل على كل ما أحتاجه، أعمل قليلاً كأمين سرّ، ومنشغل بأمور مختلفة في الدير وبالغالب أمور تتعلّق بحياة الشركة بشكل عام: أرتّل مع الجوقة، وفي النهاية، أخدم واقفاً أمام مذبح الرب المقدّس

بالنسبة لحياتي الداخلية، قلايتي ونفسي، لا يستطيع أي كان أن يعرف ذلك. قلايتي طولها خمس ياردات وعرضها ثلاثة ونصف. هذه القلاية أعزّ عندي من كل البيوت والقاعات الفاخرة

أما عن الحياة المشتركة، فهذا أمر معقد لكنه في الوقت نفسه بسيط. معقّد لأن من الصعب أن نضع على الورق كيف تحول الدير السابق بالإضافة إلى كل ما نعمل ونختبر. لكنه بسيط لأنه إن لم يبنِ الرب البيت باطلاً يتعب البناؤون كما يقول المزمور (1:126). نعم على المرء، مدفوعاً بالفطرة السليمة، أن يتخذ التدابير الممكنة التي لا تخالف الروح المسيحية والحياة الرهبانية. لكن في اتخاذها عليه أن ينتظر النجاح بالكامل من يد الله

يقول التيه البشري: سوف نعمل، سوف نحقق، ونروح نبني برج بابل، نطلب من الله حساباً عن أعماله، نرغب في أن يكون الكون بتصرّفنا، نحلم بالعروش فوق الغمام، لكن ما من شيء أو أحد يخضع لنا، ويثبُت عجز الإنسان بجلاء كامل في الخبرة المرّة. وإذ قد لاحظتُ هذه الخبرة في تاريخ الأيام القديمة الغابرة كما في الأزمنة الحديثة، استنتجتُ أن طرق تدبير الله هي بالنسبة لنا كاكتشاف الماضي، لا نستطيع فهمها ولهذا علينا أن نستسلم بكل تواضع إلى مشيئة الله

من ثم ثانياً، لا يستطيع أي شيء أو أيٌّ كان أن يؤذي إنساناً إن لم يؤذِ هو نفسَه. وعلى العكس، إن لم يتحاشَ الإنسان الخطيئة فإن ألف وسيلةِ خلاص لن تسعِفَه. وبالتالي فإن الشر الوحيد هو الخطيئة: يهوذا سقط بحضور المخلّص، لكن لوط البارّ خلُص فيما كان يعيش في سدوم. هذه الأفكار ومثلها تأتي إلى رأسي أثناء تعلّمي من قراءة الآباء القديسين وعندما أتطلع فكرياً إلى ما يحيط بي

ماذا سوف يحدث؟ كيف سوف يحدث؟ متى سوف يحدث؟ إن حدث كذا وكذا إلى أين ينبغي أن يميل المرء؟ إن جرى كذا وكذا أين سوف يجد المرء القوة الروحية والتعزية؟ أيها الرب السيد! ويتملّك النفسَ ارتباك عاتٍ عندما تتمنين أن تري مسبقاً كل ما هو في فكرك، أن تلجي إلى سر المستقبل المجهول ولكن المرعِب. يُرهَق الفكر، والخطط والأساليب التي اجترحها هي وهم طفولي وحلم جذاب. يستفيق الرجل وقد اختفى كل شيء بعيداً بالواقع القاسي وكل مخططات الإنسان قد تدمّرت. أين هو الرجاء؟ إن رجاءنا هو في الله

الربّ رجائي وملجئي. في تسليمي ذاتي وكل شيء آخر لمشيئة الله، تتحقق مشيئة الله فيّ، وهي دوماً حسنة وكاملة. إذا كنتُ لله فالرب يدافع عني ويعزّيني. إذا أرسِل إلي بعض التجارب لخيري، فليكن الرب مباركاً لأنه رتّب لخلاصي. حتى في وسط الأحزان الرب قادر على أن يمنح التعزية العظيمة والمجيدة… هكذا أفكّر وهكذا أشعر وهكذا أراقب وأؤمن

لا تفتكري من هذا أني اختبرتُ الكثير من الأحزان والتجارب. لا، يبدو لي أنني لم أرَ اي حزن بعد. إذا كنتُ قد عبرتُ في بعض الأمور التي بدت لي من نظرة سطحية أنها محزنة، فإنها لم تسبب لي أي ألم كبير في القلب ولا سببت لي أي حزن وبالتالي أنا لا أسمّيها أحزان. لكني لا أغلق عيني عن ما يجري ولا عن المستقبل كما لتجهيز نفسي للتجربة، لكي أستطيع أن اقول بكلمات المزمور: هيأت نفسي ولم أرتبك

ـ…ولكن، من دون أي شك، لن يحصل شيء إلا بإرادة الله سواء لي أو لنا جميعاً، ولهذا أنا هادئ. وعندما تكون نفس الإنسان هادئة ماذا يطلب أكثر؟

لقد عدت لتوي من السهرانية وها أنا أنهي هذه الرسالة التي بدأتها قبل السهرانية. يا للسعادة يا إلهي! أي كلمات رائعة تُعلَن لنا في الكنيسة؟ يشعر الإنسان حسياً بالسلام والسكون وروح القداسة في الكنيسة. ينتهي القداس والكل يرجع إلى بيته، وأنا خرجت من الكنيسة

إنها ليلة مدهشة مع برد خفيف. القمر بشعاعاته الفضية يخضل زاويتنا الصغيرة الهادئة. ذهبت إلى مدافن الشيوخ الراقدين، سجدت لهم، وطلبت معونتهم في الصلاة ولهم طلبت من الرب الغبطة الأبدية في الملكوت. هذه المدافن تقول الكثير لعقلنا وقلبنا. من هذه التدوينات الباردة يأتي نَفَسٌ من الدفء. أمام نظرة فكري العقلية تنتصب هناك الصور الرائعة لعمالقة الروح الراقدين

خلال هذه الأيام تذكرت الأب برصنوفيوس مرات كثيرة. تذكرت كلماته والإرشاد الذي أعطاني إياه مرة، وربما اكثر. لقد قال لي: “يحثنا الرسول: “جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟” (2كورنثوس 5:13)، ويتابع: “لاحظ ما يقول الرسول نفسه: قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ، وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ” (2تيموثاوس 7:4-8). نعم إن حفظ الإيمان وصونه لأمر عظيم. لهذا أقول لكم أيضاً: “امتحنوا أنفسكم إذا أنتم في الإيمان. إن حفظتم الإيمان فيمكنكم أن ترجوا الرجاء الحسن بحصتكم”ـ

عندما قال لي الشيخ السابق رقاده كل هذا، وقد تكلّم حسناً وبحماس، وكما أذكر كان الوقت مساءً، وعلى ضوء هادئ من قنديل على شكل أيقونة في قلايته العزيزة الدافئة، أحسست أنه كان يقول شيئاً رائعاً سامياً وروحياً. تمسّك فكري وقلبي بكلماته بشوق. لقد سمعتُ هذه الاقتباسات من الرسول قبلاً لكنها لم تحرّك فيّ هذا التفاعل ولا هذا الانطباع

لقد بدا لي أن “حفظ الإيمان” كان شيئاً مختلفاً. أنا أؤمن، وبطريقة أرثوذكسية، وليس لديّ أي شكوك في ما يتعلّق بالإيمان. لكن هنا شعرت بأن في هذا الاقتباس شيء عظيم، وفي الحقيقة أنه عظيم بالرغم من كل التجارب وكل خبرات الحياة وكل الأشياء المخيّبة، الحفاظ على الإيمان المقدس في قلب الإنسان غير منطفئ، وغير منطفئ حتى إلى الموت، إذ يُقال: لقد أتممت السعي، أي أن قد عشت كل الحياة الأرضية، وقد انتهت، قطعت ما كان عليّ قطعه، أنا الآن على حدود الحياة الأرضية، خلف القبر حياة أخرى سوف تبدأ، وهي الحياة التي تمّت تهيئتها لي بالإيمان الذي حفظته. لقد أتممتُ السعي وحفظت الإيمان. وقد أعطاني شيخي الرائع كعهد منه عليّ بأن أتفحّص نفسي بين الحين والآخر في حقائق الإيمان الأرثوذكسي حتى لا أكون عن غير انتباه قد انحرفت عنها. لقد نصحني، من بين جملة أشياء، أن أقرأ التعليم الأرثوذكسي للميتروبوليت فيلاريت وبأن أتآلف مع اعتراف الإيمان الأرثوذكسي لبطاركة الشرق

الآن، عندما اهتزّت أسس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، رأيت قيمة تعليم الشيخ هذا. الآن، يبدو أن وقت الامتحان قد أتى لنرى إن كنا في الإيمان أم لا. الآن على المرء أن يعرف أن مَن يستطيع الحفاظ على الإيمان هو مَن يؤمن بحرارة وبإخلاص والذي عنده الله أغلى من كل شيء، وهذا يثبت فقط عندما يحفظ نفسه عن كل خطيئة ومَن يحافظ على حياته الأخلاقية. أيها الرب، احفظني بالإيمان بنعمتك

إن فكرة أن الإيمان يُحفَظ فقط بالحياة الأخلاقية الحسنة ليست فكرتي؛ إنها تعليم الكتاب المقدس والآباء القديسين. هذا ما يقوله الكتاب المقدس بحسب القديس يوحنا 19:3-21: “إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّئاتِ يُبْغِضُ النُّورَ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى النُّورِ لِئَلاَّ تُوَبَّخَ أَعْمَالُهُ. وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ، لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللهِ مَعْمُولَةٌ”ـ

المسيح يسمّي نفسه هنا النور. إنه يحاول أن يقنع يهود زمانه بترك طلب المجد من بعضهم البعض، فيما يعملون ما يعجز عن عمله إنسان الإيمان “كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تُؤْمِنُوا وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مَجْدًا بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَالْمَجْدُ الَّذِي مِنَ الإِلهِ الْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ؟” (يوحنا 44:5)

ويشير الأسقف إغناطيوس بريانشانينوف حول هذه الكلمات الإنجيلية قائلاً بأن هوى المجد الباطل، كغيره من الأهواء، يقضي على الإيمان في القلب البشري: “مثلها، إنه يجعل القلب البشري عاجزاً عن الإيمان بالمسيح والاعتراف بالمسيح…” لهذا أنا أنشد صلواتكم بحرارة لأن يحفظني الرب من كل شر، أي من الخطيئة بكل أشكالها، ومن ثمّ لن يقدر أي ظرف خارجي على إيذائي

لقد رغبت فقط بأن أخبركِ بأني حيّ وبخير وبأني ملتُ إلى كتابة هذه الرسالة أكثر من نيتي ذلك. في كتابتي، بالكاد كنت ألحق بأفكاري وأدوّن ما تمليه لي. كل هذا فاض من قلمي بشكل غير إرادي، وهو يعكس قناعاتي العميقة

فليحفظنا الرب جميعاً. إني أطلب صلوات الجميع، وأنا على حسب قدراتي الواهنة، سوف أذكر الجميع في صلواتي. سامحيني

نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله الآب وشركة الروح القدس لتكن معكم جميعاً. آمين

ـ 15-16 تشرين الثاني 1922. دير أوبتينا. إنها الساعة الثانية ليلاً

أقوال آبائية مختارة لزمن الكورونا

إعداد أسرة التراث الأرثوذكسي

القديس اسحق السرياني

لا يُعتَبَر حكيماً مَن يحكم فكرَه الخوف بسبب الأمور الدنيوية

القديس سلوان الأثوسي

أخبرني أحد الرهبان أنه عندما كان مريضاً جداً سمع أمه تقول لأبيه ’كم يعاني طفلنا! أنا مستعدة أن أقدّم نفسي بفرح لأقطّع إرَباً إن كان هذا يخفف ألمه’. هكذا هي محبة الله لشعبه. إنه يشفق على الناس كثيراً حتّى أنه يريد أن يتألّم عنهم، كمِثل أمهم، لا بل وأكثر. لكن ما من أحد يفهم هذه المحبة العظيمة من دون نعمة الروح القدس

القديس يوستينوس بوبوفيتش

إذا كنتَ تتألّم من أجل إيمانك بالمسيح فإن سيَر القديسين تعزّيك وتشجعّك وتجعلك باسلاً وتعطيك أجنحة، وتتحوّل شدائدك إلى فرح. إذا كنتَ في أي نوع من أنواع التجارب فإن سيَر القديسين تساعدك على تخطيها الآن وإلى الأبد. إذا كنتَ في خطر من أعداء الخلاص غير المنظورين فإن سيَر القديسين تسلحّك بسلاح الله الكامل فتسحقهم الآن وعلى مدى حياتك وإلى الأبد. إذا كنتَ في وسط أعداء منظورين ومضطهدي كنيسة المسيح، فإن سيَر القديسين تمنحك شجاعة المعترِف وقوته، فتعترف بلا خوف بالإله الواحد الحقيقي وسيد كل العالم، يسوع المسيح، وتقف ببسالة من أجل حقيقة إنجيله حتى الموت، أي موت، وسوف تشعر بأنك أقوى من كل موت، وأعتى من كل أعداء المسيح المنظورين

القديس باسيليوس الكبير

عندما تجلس لتأكل صَلِّ. عندما تأكل خبزاً أشكره لأنه كريم جداً معك. إذا شربتَ خمراً، تذكرْه هو مَن أعطاك الخمر لتمتعك وإراحتك في المرض. عندما تلبس، اشكره على جودِه في تأمين الثياب لك. عندما تنظر إلى السماء وجمال النجوم، ارمِ بنفسك عند قدمي الله واعبده إذ بحكمته رتّب كل الأشياء بهذه الطريقة. على المنوال عينه، عندما تغرب الشمس وعندما تشرق، عندما تكون نائماً أو صاحياً، أعطِ شكراً لله، الذي خلق كل الأشياء ورتّبَها لخيرك، لكي تعرف خالقها وتحبه وتسبّحه

القديس نيقولا فاليميروفيتش

وحده الأحمق يعتبر أن الألم شر. الإنسان الحساس يعرف أن الألم ليس شراً بل مجرد ظهور للشرّ ودواء منه. الخطيئة وحدها في الإنسان هي الشر الحقيقي، ولا شرّ خارج الخطيئة. كل الأمور الأخرى التي يسمّيها الإنسان شراً ليست كذلك، بل هذ دواء مرّ للشفاء من الشرّ. بقدر ما يزداد مرض الإنسان تزداد مرارة الدواء الي يصفه له الطبيب، حتى أنه في بعض الأوقات، يبدو للمريض أن الدواء أسوأ من المرض نفسه! وهكذا أيضاً يبدو للخاطئ: الألم أصعب وأمرّ من الخطيئة التي ارتُكبَت. لكن هذا هو مجرد وهم، خديعة قوية للذات. ما من ألم في العالم قريب من الخطيئة بالقساوة والبطش. كل الآلام التي يحتملها الناس والأمم ليست سوى الشفاء الغزير الذي تمنحه الرحمة الأبدية للبشر والأمم لتخلّصهم من الموت الأبدي. كل خطيئة، مهما كانت صغيرة، تجلب الموت بشكل حتمي إذا لم تسمح الرحمة ببعض الألم لكي يصحو الناس من سكرة الخطيئة؛ لأن الشفاء الذي يأتي عِبر الألم آتٍ من القوة الممتلئة نعمة، قوة الروح القدس المحيي

داود النبي

لا تخش من خوف الليل ، ولا من سهم يطير فى النهار … يسقط عن يسارك ألوف، وعن يمينك ربوات وأما إليك فلا يقتربون. (مزمور 5:91-7)

القديس برصنوفيوس الكبير

عندما تكون مع الله، لا تخشَ شيئاً، بل ارمِ على الله همَّك، وهو يهتمّ بك. آمِنْ بلا شكّ، والله يساعدك بحسب رحمته

القديس يوحنا الذهبي الفم

لو لم نكن ميالين بشغف إلى المال والمجد الباطل، لما كنا نخاف الموت ولا الفقر. لما كنا نعرف العداوة ولا الكراهية، ولا كنا نتألّم من أحزاننا أو أحزان الآخرين

القديس أمبروسيوس أوبتينا

علينا ألا ننسى في زمن التعقيدات هذا أنه حتّى الأطفال متأذّون روحياً من ما يسمعون ويرون. بالنتيجة، التنقية مطلوبة وهي لا تتحقق إلا بالألم الجسدي… يجب أن تفهمي أن النعمة الفردوسية لا تُمنَح لأحد من دون ألم

القديس مكاريوس أوبتينا

أخبر المريض أنه حتى ولو كان رجاؤه وإيمانه قويين، عليه ألا يزدري بمساعدة الطبيب. الله هو خالق كل الناس وكل الأشياء: لا المريض فقط بل والطبيب ايضاً، وحكمة الطبيب والنباتات الطبية وقوتها الشفائية

الرعاية – 2

القديس غريغوريوس الكبير

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

حول الكتاب

كتاب الرعاية (المعروف باللاتينيةLiber Regulae Pastoralis ) هو أحد أعمال القديس غريغوريوس الكبير الأكثر شهرة. الكتاب عبارة عن رسالة تضمّ عرضاً من أربعة أجزاء يقدم فيها إرشادات جوهرية للكهنة والأساقفة حول كيفية رعاية كنائسهم إنجيلياً وبحكمة وكيفية تدبير حياتهم أخلاقياً. في هذه الرسالة يقدم القديس غريغوريوس رأيه حول مؤهلات الراعي الجيد ومواقفه وخياراته وأنشطته، إذ بحسب تعبيره ، الكهنة هم “أطباء القلب”ـ

الفصل الخامس

حول أن الذين في موقع السلطة العليا يمكن أن يستفيد الآخرون بمثال فضائلهم، لكنهم يفرّون منها من أجل سلامهم

يوجد موهوبون بدرجة عالية من الفضائل ويُعظّمون بمواهب عظيمة لتدريب الآخرين؛ رجال لم تتلطخ غيرتهم للعفة، أقوياء في عفّتهم، مفعَمون بمواسم المعرفة، متواضعون في صبرهم الطويل المعاناة، منتصبون في ثبات السلطة، متلطّفون في نعمة السماحة المُحِبّة، صارمون وغير منثنين في العدل. في الواقع، عندما يرفضون حمل السلطة العليا عندما يُدعَون إلى ذلك، يحرمون أنفسهم، في غالبية الحالات، من المواهب التي تلقّوها لا من أجلهم فقط بل ومن أجل الآخرين أيضًا

عندما يهتم هؤلاء بمصلحتهم الشخصية، وليس بمصلحة الآخرين، فإنهم يفقدون هذه المزايا إذا ما رغبوا بالاحتفاظ بها لأنفسهم. ولهذا قال الحقّ لتلاميذه: “لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَل. وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجًا وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ” (متى 14:5-15). ولهذا السبب قال لبطرس: “يا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟” وعندما أجاب بطرس مباشرة بأنه يحبه قال له: “ارْعَ غَنَمِي”. إذا كانت الرعاية شهادة على المحبة، فإن صاحب فيض الفضائل إذا رفض إطعام قطيع الله، يُدان بفقدان محبة الراعي العُلوي. لذلك ، يقول بولس: “إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ، فَالْجَمِيعُ إِذًا مَاتُوا. وَهُوَ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ كَيْ يَعِيشَ الأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لاَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِلَّذِي مَاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَامَ.” (2كورنثوس 14:5). وهكذا يقول موسى أن الأخ الباقي يجب أن يأخذ زوجة شقيقه الذي مات بدون أطفال، وأن يربّى الأطفال باسم أخيه؛ “فَإِنْ أَصَرَّ وَقَالَ: لاَ أَرْضَى أَنْ أَتَّخِذَهَا. تَتَقَدَّمُ امْرَأَةُ أَخِيهِ إِلَيْهِ أَمَامَ أَعْيُنِ الشُّيُوخِ، وَتَخْلَعُ نَعْلَهُ مِنْ رِجْلِهِ، وَتَبْصُقُ فِي وَجْهِهِ، وَتُصَرِّحُ وَتَقُولُ: هكَذَا يُفْعَلُ بِالرَّجُلِ الَّذِي لاَ يَبْنِي بَيْتَ أَخِيهِ. فَيُدْعَى اسْمُهُ فِي إِسْرَائِيلَ «بَيْتَ مَخْلُوعِ النَّعْلِ»” (تثنية 8:25-10)

الآن، الأخ المتوفى هو الذي قال بعد مجد القيامة: “اذهب قل لإخوتي” (متى 10:28)؛ لأنه مات بدون أبناء ولم يملأ بعد عدد المختارين. مطلوب من الأخ الباقي أن يأخذ الإمرأة لأن من الأفضل أن يُسنَد الاهتمام بالكنيسة المقدسة إلى ذاك القادر على قيادتها أيضاً. إذا أثبت عدم رغبته، فالمرأة تبصق في وجهه، لأن كل مَن لا يهتمّ بعون الآخرين بالمواهب التي تسلّمها، فهو مستهجَن من الكنيسة أيضاً لما عنده من حسنات، وكما هو مذكور، فهي تبصق في وجهه وتخلع نعله من رِجل واحدة، حتى يُدعى بيته بيت مخلوع النعل، لأنه مكتوب “… حَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ” (أفسس 15:6)

إذن، إذا كنا نحرص على إخوتنا وعلى أنفسنا، فإننا نحمي كل قدم بحذاء. لكن الرجل الذي يفكّر فقط بمصلحته، متجاهلاً مصلحة إخوته، ويخسر الحذاء بعار ، كما من قدم واحدة

وهناك الذين مُنِحوا مواهب عظيمة، كما ذكرنا، في حرصهم على السعي إلى التأمّل فقط، يرفضون أن يكونوا في خدمة الإخوة بالوعظ؛ إنهم يحبون الانسحاب بهدوء راغبين في أن يكونوا وحدهم للتأمل. إذا حُكم عليهم من خلال سلوكهم بشكل صارم، فهم بالتأكيد مذنبون بما يتناسب مع الخدمة العامة التي كانوا قادرين على تحملها. في الواقع، ما هو الموقف الفكري الذي يتكشّف في مَن باستطاعته أن يؤدي خيراً عاماً واضحًا في قيامه بمهمته، ولكنه يفضل خصوصيته على منفعة الآخرين، مع أنه يرى الابن الوحيد للآب العلوي قد جاء من حضن أبيه إلى وسطنا لكي ينفع الكثيرين؟

الفصل السادس

الرجال الذين يفرّون من عبء الرئاسة تواضعاً، يكونون متواضعين حقًا عندما لا يقاومون الأحكام الإلهية

هناك بعض الذين يهربون من هذا العبء بسبب التواضع فقط: إنهم لا يرغبون في أن يكونوا مفضَّلين على الذين يعتقدون أنهم أقل شأناً منهم. إن تواضعهم أصيل حقًا في نظر الله، شريطة أن يكون مصحوبًا بالفضائل الأخرى وألا يكونوا عنيدين في رفض تولّي ما هو مطلوب القيام به بشكل نافع. لأن الذي يفهم أن حكم الإرادة العليا له هي أن يتسلّم القيادة ومع هذا يرفض فهو ليس متواضعاً حقاً. لكن عندما يُفرَض عليه القضاء الأعلى وطالما أنه منعَم عليه بهذه المواهب التي بها ينفع الآخرين، عليه نزولاً عند رغبة الله ومن دون علة المكابرة، أن يهرب منها في قلبه ويطيع بالرغم من أن الطاعة هي على عكس ميله

الفصل السابع

كما يحدث، فإن بعض الرجال الجديرين بالثناء يرغبون بمهمة الوعظ، وآخرون ممن هم على نفس القدْر يُدفَعون إليها مكرَهين

في بعض الأحيان، على الرغم من ذلك، هناك مَن يرغب بشكل جدير بالثناء بمهمة الوعظ، في حين أن آخرين لا يقلون عنه مقاماً يُدفعون إليه بالإكراه. نرى هذا بوضوح عندما ننظر إلى حالة اثنين من الأنبياء، أحدهما قدّم نفسه تلقائيًا لمهمة الدعوة، بينما الآخر عارض خوفاً. على سبيل المثال، عندما سأل الرب من يجب أن يرسل، قدّم أشعياء نفسه من تلقاء ذاته، قائلاً: «هأَنَذَا أَرْسِلْنِي» إرمياء، من ناحية أخرى، أُرسِل لكنه كان متردداً بتواضع في أن يكون مُلزماً بالذهاب، قائلا: «آهِ، يَا سَيِّدُ الرَّبُّ، إِنِّي لاَ أَعْرِفُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لأَنِّي وَلَدٌ»ـ

لاحظوا كيف أعطى هذان الشخصان كلامًا مختلفًا خارجيًا، مع أنه لم يخرج من نبعَين متعاكسين من المحبة. فهناك مبدأان للمحبة، أحدهما مبني على محبة الله، والآخر على محبة الأخ. فإشعياء، إذ رغب بالحياة الفعّالة في مهمة الوعظ، تحرّك برغبته في أن ينفع إخوته. أما إرمياء، فكان يتشوّق بغيرة إلى محبة خالقه، لكن في الحياة التأملية. فاعترض على إرساله. إذاً ما رغب به الأول مشكوراً انكمش عنه الآخر محموداً. الأول خاف أنه بالتعليم قد يخسر منفعة التأمل الهادئ؛ الآخر خشي أنه من دون التعليم قد يتأذّى بغياب العمل الشاق

الآن، علينا أن نتأمّل بتأنٍّ في هذا في كلتا الحالتين: إن الذي احتج لم يقاوم كلياً، والذي رغب في أن يكون مرسَلاً، رأى نفسه متطهراً توقّعاً بجمرة من المذبح (أنظر أشعياء 6:6). مَن لم يتطهّر لا ينبغي أن يجرؤ على القيام بالخدم المقدسة؛ والذي تطهّر بنعم سماوية، عليه ألا يقاوم بفخر تحت ستار التواضع

بما أنه من الصعب للغاية إدراك أن الشخص قد تطهّر، فمن الأسلم رفض مهمة الوعظ، ومع ذلك، كما قلنا، قد لا تُرفَض عن قصد عند إدراك أن وجوب القيام بها هو من الإرادة السماوية. لقد تمم موسى كلا الالتزامين بشكل مثير للإعجاب، فهو قد أطاع رغم عدم رغبته في قبول مشيئة الجمهور الكبير العليا. فهو ربما كان ليفتخر إن تولّى قيادة عدد لا يحصى من الناس دون خوف، ومن جديد، كان ليفتخر، لو أنه رفض إطاعة أمر الخالق. لكنه في الحالتين كان متواضعاً وفي الحالتين مطيعاً، سواء في عدم إرادته أن يتقدم على الشعب عندما نظر إلى نفسه فقط، وعندما وافق متكلاً على قوة الذي أمره

إذاً، من هذه الأمثلة، فليفهم المندفعون كم يكون ذنبهم عظيماً إذا كانوا محرّكين برغبات ذاتية ولا يحجِمون عن التقدم على الآخرين، وإذ يرون أن الرجال القديسين يخشون أن يقبلوا قيادة الشعب حين يأمر الرب بذلك. موسى ارتعد مع أن الرب أصر عليه ليتقدّم؛ ومع هذا فإن رجلاً ضعيفاً يسعى إلى عبء هذه المسؤولية، ووارد جداً أنه يسقط تحت هذا العبء، مستعد أن يكون مغموراً بوضع كتفيه تحت أحمال الآخرين! إنه يعجز عن حمل أعماله، فيما هو يزيد من العبء الذي يحمله

الفصل الثامن

في ما يختصّ بالذين يطلبون الأوليّة ويستنسبون قول الرسول لخدمة طمعهم

الآن، وكما يحدث دائماً، إن الذين يسعون إلى الأوليّة يطلبون الدعم لطمعهم، فيستغلّون قول الرسول: “إِنِ ابْتَغَى أَحَدٌ الأُسْقُفِيَّةَ، فَيَشْتَهِي عَمَلاً صَالِحًا” (1تيموثايوس 3:1). ولكن، فيما يمدح هذا الابتغاء، للحين يحصر مديحه بإضافة سبب للنظر شزراً مضيفاً: “يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ” (2:1). وإذ يتابع معدداً الفضائل الضرورية، يشرح معنى “بلا لوم”. لذا هو يقبَل الرغبة لكنه يحذّر هؤلاء الأشخاص بهذه القاعدة وكأنه يقول: “إنني أثني على ما تطلبون، لكن تعرّفوا أولاً على ما تطلبون، خشية أن بتجاهلكم تأخذون الأمور على قياس لياقتكم، فتصبحون أكثر استحقاقاً للوم والإهانة، في كونكم تسرعون لأن تظهروا للجميع على قمة الشرف”

المعلم الكبير في فن القيادة يحث تابعيه بالموافقة على رغبتهم، لكنه يردعهم بالخوف، حتى يلجم مَن يسمعه عن الفخر، وبالثناء على المهمة المنشودة يؤهلهم لشكل الحياة المطلوب. مع هذا، علينا أن نلاحظ أن هذا قد قيل في وقت كان فيه المتقدم على الشعب، كائناً مَن كان، هو الأول في أخذه إلى تعذيبات الشهادة. إذاً، كان السعي إلى الأسقفية جديراً بالثناء من حيث أن الحاصل على القيادة كان بلا شك تنتظره أقسى العذابات. لهذا السبب، مهمة الأسقف توصَف بأنها عمل صالح عندما يُقال: مَن يشتهي الأسقفية يشتهِ عملاً صالحاً. بالمقابل فإن الرجل يشهد ضد نفسه إذا كان يشتهي مركز الأسقف، اي مجد ذلك الشرف، وليس خدمة العمل الصالح. فالرجل لا يفشل كلياً في محبة المركز وحسب، بل هو يكون جاهلاً له إذا كان يشتهي المركز الأعلى ويفرح لخضوع الآخرين في ثنايا افكاره، ويفرح لسماع المديح ويحس أن قلبه يموج من الشرف ويسعد في سعة رغده. إذاً، ما يسعى إليه هو الربح العالمي تحت غطاء ذاك النوع من الشرف، بينما الكسب العالمي ينبغي أن يكون قد أتلِف وعندما يفتكر العقل في أن يلتقط أعلى حالات التواضع لكي يقوّم كبرياءه، فهو يغيّر الطبيعة الداخلية لما كان مشتهىً خارجياً

الفصل التاسع

إن فكر الذين يسعون إلى التقدّم، بالغالب سوف يغري ذاته بمواعيد خيالية بإتمام أعمال حسنة

بالإجمال، إن الذين يبتغون السلطة الرعائية يقدّمون لذواتهم بعض العمل الحسن أيضاً، ومع أن لديهم هذه الرغبات بتحريك من الكبرياء، إلا أنهم يشغلون أنفسهم بفكر أنهم سوف يقومون بأعمال عظيمة. لكن المحرّك المخبّأ في الداخل هو شيء وما يجري على سطح فكرهم الواعي هو شيء آخر. هذا لأن الفكر غالباً ما يكذب على نفسه في ما يختص بنفسه، ويجعل نفسه يؤمن بأنه يحب العمل الحَسَن فيما هو فعلياً لا يحبه، وبأنه لا يتمنى المجد الدنيوي فيما هو بالواقع يتمناه. إن التشوق إلى مركز القيادة يثير الخوف أثناء السعي إليه لكنه يتحوّل طيشاً بعد الحصول عليه

في السعي إلى المركز، يكون العقل في ارتياعٍ من أنه لن يحصل عليه، لكن عندما يصل المركز فجأة، يفتكر العقل أن ما تحقق هو حق. فمن ثمّ، عندما يبدأ العقل بالتمتع، بطريقة دنيوية، بمركز الحظوة الذي حصل عليه، فهو ينسى بسهولة كل الأفكار الروحية التي كانت لديه قبلاً. وعندما يبدأ الفكر بالانحراف بشكل غير منتظم، ينبغي توجيهه بدقة للعودة إلى نشاطاته السابقة؛ وإذا تفكرّ الانسان بما عمله حين كان خاضعاً للسلطة فهو، كمتقدّم، يعرف مباشرة ما إذا كان يستطيع أن يعمل ما اقترح عمله، لأن الانسان عاجز إلى حد ما عن تعلّم التواضع فيما هو في موقع الوجاهة، إن لم يكن قد امتنع عن التصرف بكبرياء عندما كان في موضع الخضوع. إنه لا يعرف كيف يهرب من المديح عندما يفيض، إذا كان قد صبا إليه حين لم يكن يُمتَدَح. هو على الأكيد يعجز عن التغلب على طمعه عندما يتمّ تقديمه لدعم الكثيرين، إذا كانت موارده لا تكفي لدعم ذاته وحده. لهذا، فليكتشف كل واحد من حياته السابقة أي نوع من الرجال هو، إلا إذا كانت أفكاره تخدعه في تعطشه إلى الرئاسة

غالباً جداً، عندما يحصل على مركز القيادة، تفتر ممارسة الأعمال الصالحة، على الرغم من أنها قد سبق الحفاظ عليها عندما كانت الحياة غير مشوشة، إذ حتّى البحار غير المتمرس يستطيع قيادة سفينة في بحر هادئ، لكن في بحر تقحمه الأنواء حتّى البحار المتمرّس يضطرب كثيراً. وبالواقع، ما هي السلطة في موقع الرئاسة غير عاصفة في الفكر، فيما سفينة القلب في اهتزاز دائم من عواصف الأفكار، وهي مُقادَة بلا هوادة إلى الأمام وإلى الوراء، إلى أن تقف على الصخور المجابهة من خلال فيض مفاجئ من الكلمات والأعمال؟ كيف إذاً يمكن القيام بأي عمل في وسط هذه المخاطر، كيف يمكن التمسك بعمل إن لم يكن المتقدم الآتي إلى القيادة بالإلزام فائضاً بالفضيلة، والذي تنقصه الفضيلة يتراجع عن الوصول إليها حتى تحت الضغط؟ إذا تردد الأخير كلياً فلينتبه أنه لا يخفي في منديلٍ المواهب التي تلقاها، وإلا سوف يُحاكم على أنه أخفاها. إن إخفاء المواهب في المنديل هو بالطبع وضعُها في حالة من عدم الحركة. مع هذا، في حال أن أحداً يريد أن يتسلّط على الرغم من عدم ملاءمته، فلينتبه ألا يُعامَل بمثال عمله السيء، يصير كالفريسيين عثرةً للمجاهدين لأن يدخلوا الملكوت. هؤلاء، بحسب كلمات السيد “لا يدخلون ولا يتركون الآخرين يدخلون”. عليه أيضاً أن يعتبر أنه كرئيس مختار هو يتبنّى قضية الشعب لذا هو يأتي كطبيب لإنسان مريض. من ثمّ، إذا في ممارسته بقيت الآلام تصارع فيه، فبأي وقاحة هو يسرع ليشفي المصاب فيما القروح تغطي وجهه؟

التعليم الديني المطوّل – 2

لكنيسة الله الشرقية الأرثوذكسية الجامعة

المعروف أيضاً بتعليم القديس فيلاريت درودزوف موسكو

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

هذا التعليم راجعه وأقرّه المجمع المقدس (الروسي) ونشره ليتمّ استعماله للتعليم في المدارس كما ولكل المسيحيين الأرثوذكسيين (موسكو، المطبعة المجمعية، 1830)

عن الكتاب المقدس بوجه الخصوص ـ

ـ25ـ متى تمّت كتابة الكتب المقدسة؟

في أوقات مختلفة: بعضها قبل ولادة المسيح ، والبعض الآخر بعدهاـ

ـ26ـ أليس لكل من قسمي الكتب المقدسة أسماءه الخاصة؟

نعم لكل منهما أسماؤه. الكتب التي كُتبَت قبل ميلاد المسيح تُدعى كتب العهد القديم، بينما يُطلق على التي كُتبت بعد الميلاد كتب العهد الجديد

ـ27ـ ما هما العهدان القديم والجديد؟

بعبارة أخرى، عهدا الله، القديم والجديد، مع البشر

ـ28ـ مما يتكوّن العهد القديم؟

من أن الله وعد البشر بمخلص إلهي وأعدّهم لاستقباله

ـ29ـ كيف أعدّ الله البشر لاستقبال المخلّص؟

بالكشف التدريجي، بالنبوءات والنماذج

ـ30ـ مما يتألّف العهد الجديد؟

من أن الله أعطى البشر مخلصاً إلهياً، ابنه المولود الوحيد يسوع المسيح

ـ31ـ كم هي كتب العهد القديم؟

القديسون كيرللس الأورشليمي وأثناسيوس الكبير ويوحنا الدمشقي يحصون اثنين وعشرين، متفقين بذلك مع اليهود الذين يحصونها كذلك في اللغة العبرية

(Athanas. Ep. xxxix. De Test.; J. Damasc. Theol. lib. iv. c. 17)

ـ32ـ لمَ علينا أن نحافظ على تعداد العبرانيين؟

لأنهم اسْتُؤْمِنُوا عَلَى أَقْوَالِ اللهِ” (روما 2:3) كما يقول الرسول بولس، فالكتب المقدسة تسلّمتها كنيسة العهد الجديد من كنيسة العهد القديم العبرانية

ـ33ـ كيف رقّم القديسان كيرللس وأثناسيوس كتب العهد القديم؟

على النحو التالي: 1، كتاب التكوين ؛ 2، الخروج ؛ 3، اللاويين ؛ 4، كتاب العدد؛ 5، تثنية. 6، يشوع بن نون ؛ 7، القضاة، ومعه، كملحق، كتاب راعوث ؛ 8، الملوك الأول والثاني، كجزئين لكتاب واحد (يُعرَف أيضاً بصموئيل: المترجم) ؛ 9، والملوك الثالث والرابع. 10، أخبار الأيام الأول والثاني. 11، والكتاب الأول من عزرا، والثاني، أو، كما هو الحال في اليونانية، وكتاب نحميا ؛ 12، استير. 13، أيوب ؛ 14 المزامير. 15 امثال سليمان. 16، الجامعة، وهو كذلك لسليمان ؛ 17، نشيد الأنشاد لسليمان أيضاً. 18، النبي أشعياء ؛ 19 ارميا. 20 حزقيال. 21 دانيال. 22، الأنبياء الاثني عشر

ـ34ـ لماذا لا يُلحَظ في تعداد كتب العهد القديم هذا كتاب حكمة ابن سيراخ ، وبعض الآخرين؟

لأنها غير موجودة في العبرية

ـ35ـ كيف نعتبر هذه الكتب المذكورة أعلاه؟

يقول القديس أثناسيوس الكبير أنه قد تم تعيينها من الآباء ليقرأها الموعوظون الذين يستعدون للقبول في الكنيسة

ـ36ـ هل هناك أي تقسيم لكتب العهد القديم يمكنك من خلالها تقديم سرد أكثر وضوحاً لمحتوياتها؟

يمكن تقسيمها إلى الأقسام الأربعة التالية:ـ

كتب الناموس، والتي تشكّل أساس العهد القديم

الكتب التاريخية وتحتوي بشكل أساسي تاريخ الجماعة

العقائد، وتحتوي على عقيدة الدين

النبوية، التي تضمّ النبوءات، أو تنبؤات بالأشياء المستقبلية، وخاصة عن يسوع المسيح

ـ37ـ ما هي كتب الناموس؟

الكتب الخمسة التي كتبها موسى: التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، والتثنية. يسوع المسيح نفسه يعطي هذه الكتب الاسم الشامل ’ناموس موسى’ (أنظر لوقا 44:24)

ـ38ـ على وجه الخصوص، ماذا يرِد في سفر التكوين؟

رواية خلق العالم والإنسان وبعده تاريخ ومراسيم الدين في العصور الأولى للبشرية

ـ39ـ ما الذي يرِد في الكتب الأربعة الأخرى لموسى؟

تاريخ المعتَقَد في زمن النبي موسى، والشريعة المعطاة من الله من خلاله

ـ40ـ أيٌّ هي الكتب التاريخية في العهد القديم؟

كتب يشوع بن نون، القضاة، راعوث، الملوك، الأخبار، كتاب عزرا، وكتاب نحميا وإستير

ـ41ـ أي منها هي العقائدية؟

كتب ايوب والمزامير وكتب سليمان

ـ42ـ أية خصوصية ينبغي أن نلاحظها لكتاب المزامير؟

يحتوي هذا الكتاب، بالإضافة إلى العقيدة، تلميحات لتاريخه والعديد من نبوءات المسيح المخلّص. إنه دليل مثالي للصلاة والمديح، وعلى هذا الأساس يُستخدَم باستمرار في الخدم الكنسية

ـ43ـ ما هي الكتب النبوية؟

كتب الأنبياء: إشعياء، أرميا، حزقيال، دانيال، والاثني عشر الآخرين

ـ44ـ كم هي كتب العهد الجديد؟

سبعٌ وعشرون

ـ45ـ هل من بينها كتب تردّ على الناموس، أو تشكّل أساس العهد الجديد؟

نعم. الإنجيل، الذي يتكوّن من أربعة كتب للإنجيليين متى، مرقس، لوقا، ويوحنا

ـ46ـ ماذا تعني كلمة إنجيل؟

هو نفس كلمة Evangely اليونانية، وتعني الخبر الحسن أو البهيج

ـ47ـ ما هو الخبر الحسن في الكتب المسماة الإنجيل؟

إنه الخبر عن ألوهية ربنا يسوع المسيح، عن مجيئه وحياته على الأرض، عن معجزاته وعقيدة الخلاص، وأخيراً عن موته على الصليب، قيامته المجيدة، وصعوده إلى السماء

ـ48ـ لماذا تسمى هذه الكتب الإنجيل؟

لأنه لا يمكن للإنسان أن يكون خبر أفضل أو أكثر بهجة من هذه، عن المخلص الإلهي والخلاص الأبدي. لنفس السبب، قراءة الإنجيل في الكنيسة مسبوقة دائماً ومُرافقة بالإعلان البهِج المجد لك، يا رب المجد لك

ـ49ـ هل بين كتب العهد الجديد كتب تاريخية؟

نعم، واحد: كتاب أعمال الرسل القديسين

ـ50ـ عمَّ يحكي؟

عن نزول الروح القدس على الرسل وتوسّع كنيسة المسيح من خلالهم

ـ51ـ ما هو الرسول؟

كلمة تعني حامل الرسالة. إنه الاسم الذي يطلق على تلاميذ ربنا يسوع المسيح الذين أرسلهم للتبشير بالإنجيل

ـ52ـ ما هي كتب العهد الجديد العقائدية؟

الرسائل السبع العامة: وهي واحدة من الرسول يعقوب، واثنتان من بطرس، وثلاثة من يوحنا وواحدة من يهوذا؛ وأربع عشر رسالة لبولس الرسول: وهي واحدة للرومانيين، واثنتان إلى أهل كورنثوس، وواحدة إلى أهل غلاطية، وواحدة إلى أفسس، وواحدة إلى أهل فيلبي، وواحدة إلى أهل كولوسي، واثنتان إلى أهل تسالونيكي، وواحدة إلى تيموثاوس، وأخرى إلى تيطس، وواحدة إلى فليمون، وواحدة إلى العبرانيين

ـ53ـ أبينَ كتب العهد الجديد كتب نبوية؟

نعم إنه كتاب الرؤيا

ـ54ـ ماذا تعني هذه كلمة الرؤيا؟

إنها من اليونانية Apocalypse

ـ55ـ ما هي محتويات هذا الكتاب؟

تمثيل سري لمستقبل الكنيسة المسيحية، وكل العالم

ـ56ـ ما هي القواعد التي يجب مراعاتها في قراءة الكتاب المقدس؟

أولاً ، يجب أن نقرأه بإخلاص ككلمة الله والصلاة لفهمه بشكل صحيح؛ ثانياً، يجب أن نقرأه برغبة صافية في تعلّم الإيمان، والحثّ على الأعمال الصالحة؛ ثالثًا، يجب علينا أن نفهمه ونقبله بما يتوافق مع تفسير الكنيسة الأرثوذكسية والآباء القديسين

ـ57ـ عندما تقدّم الكنيسة عقيدة الوحي الإلهي والكتاب المقدس للناس لأول مرة، ما هي العلامات التي تقدمها على أنه حقاً كلمة الله؟

العلامات على أنه كلمة الله هي ما يلي:ـ

ـ1ـ سمو العقيدة ما يشهد على استحالة أن يكون اختراعاً بشرياً

ـ2ـ طهارة الإيمان ما يدلّ على أنه من فكر الله الكلي الطهارة

ـ3ـ النبوءات

ـ4ـ المعجزات

ـ5ـ تأثير العقيدة القوي على قلوب الناس بما يتخطى الكلّ ما عدا القوة الإلهية

ـ58ـ كيف تكون النبوءات علامات وحي حقيقي من الله؟

لنأخذ مثلاً : عندما تنبأ النبي أشعياء عن ولادة المخلص المسيح من عذراء، وهي شيء لم يكن ممكناً أن يتخيّله العقل الطبيعي، وعندما ولد ربنا يسوع المسيح بعد هذه النبوة بمئات من السنوات من مريم العذراء الفائقة الطهارة، كان من المستحيل عدم رؤية أن النبوة كانت كلمة الكلي المعرفة، وإتمامها هو عمل الله العظيم. ولهذا السبب أيضًا، يقدم متى الإنجيلي القديس هذه النبوءة عندما يروي عن ميلاد المسيح: “وَهذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: «هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا.” (متى 22:1-23)

ـ59ـ ما هي المعجزات؟

أعمال لا يمكن إتمامها بأي قوة أو فن بشري، بل فقط بقوة الله الفائقة: مثلاً إقامة الأموات

ـ60ـ كيف تعمل المعجزات كإشارة إلى أن الكلمة المنطوقة هي من الله؟

من يصنع المعجزات الحقيقية يعمل بقوة الله. وبالتالي فهو من الله ومشارك في الروح الإلهي. لكن هذا الانتماء يعني قول الحقيقة الخالصة فقط؛ وهكذا، عندما يتكلّم مثل هذا الرجل باسم الله، نحن على يقين من أن بفمه يتكلّم حقًا كلمة الله

على هذا الأساس ، يجترح ربنا يسوع المسيح نفسه المعجزات كشهادة قوية على رسالته الإلهية: “الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي.” (يوحنا 36:5)

ـ61ـ أين يمكن أن نرى بشكل خاص التأثير العظيم لعقيدة المسيح؟

من هذا: الرسل الاثنا عشر، المختارين من بين الفقراء والناس غير المتعلمين، من الطبقة الدنيا، تغلبوا بهذا الإيمان وأخضعوا للمسيح الأقوياء والحكماء والأغنياء والملوك وممالكهم

الرعاية

القديس غريغوريوس الكبير

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

حول الكتاب

كتاب الرعاية (المعروف باللاتينيةLiber Regulae Pastoralis ) هو أحد أعمال القديس غريغوريوس الكبير الأكثر شهرة. الكتاب عبارة عن رسالة تضمّ عرضاً من أربعة أجزاء يقدم فيها إرشادات جوهرية للكهنة والأساقفة حول كيفية رعاية كنائسهم إنجيلياً وبحكمة وكيفية تدبير حياتهم أخلاقياً. في هذه الرسالة يقدم القديس غريغوريوس رأيه حول مؤهلات الراعي الجيد ومواقفه وخياراته وأنشطته، إذ بحسب تعبيره ، الكهنة هم “أطباء القلب”ـ

الجزء الأول

من غريغوريوس إلى أخيه الجزيل الوقار الأسقف يوحنا

أيها الأخ العزيز، أنت توبّخني باحترام لطيف ومتواضع لأني رغبت بالهرب من أعباء الرعاية بالتخفّي. الآن، خشية أن تظهر هذه الأعباء خفيفة للبعض، أشرح لك، بكتابتي هذا الكتاب، كم أراها مرهِقة، حتى أن مَن لا يملكها لا يسعى بشكل أحمق للحصول عليها، ومَن كان متهوراً للبحث عنها يشعر بالفهم عند حصوله عليها

ينقسم الكتاب إلى اربعة مقالات منفصلة، حتى تصل رسالته إلى فكر القارئ بطريقة منتظمة، خطوة خطوة. إن طبيعة الحالة تتطلب أن المعالجة المتأنية لطريقة مقاربة موقع الناموس الأعلى، وعند بلوغه عن جدارة، كيف ينبغي العيش فيه؛ كيف ينبغي تعليم الآخرين بحياة الاستقامة؛ وكيف تكون الممارسة الملائمة لوظيفة التعليم، وبأي يقظة ينبغي إدراك الضعفات الشخصية في كل يوم. كل هذا ينبغي مناقشته خشية أن ينقص التواضع عند تسلّم السدّة، إذ تتغير طريقة العيش عند قبول الرتبة، والتعليم يعرّي حياة النزاهة، والاختيال يغالي في تقدير التعليم

لهذا السبب، قبل أي أمر آخر، ينبغي أن يلطّف الخوفُ الرغبةَ بالسلطة، وعندما يبلغ إلى هذا الموقع مَن لم يطلبه، فلتزكِّه طريقة حياته. من ثم أيضاً، من الضروري أن تُذاع النزاهة التي تظهِرها طريقة عيش الراعي بالكلمة المحكية. وأخيراً، علي أن أضيف أن اعتبار ضعفنا الذاتي ينبغي أن يغضّ من كل عمل ننجزه، كي لا يفرغه انتفاخ الكبرياء من قيمته في عيني القاضي المتخفي

ولكن لأن هناك الكثيرين ممن تنقصهم الخبرة مثلي وهم لا يعرفون كيف يقيسون قدرتهم، وهم يشتهون أن يعلّموا ما لم يتعلّموه، وهم يقدّرون حِمل السُلطة بطريقة خفيفة تتناسب مع جهلهم للمسؤولية البعيدة المدى، فليكن لهم التبكيت عند بداية هذا الكتاب. إذ في افتقادهم للتدريب وضبط النفس يطلبون أن يبلغوا كرامة المعلّم فعليهم أن يرتدعوا عن المغامرة الرعناء على عتبة خطابنا هذا

الفصل الأول: لا يجازفنّ أحد بتعليم أيّ فنّ إلا إذا كان قد تعلّمه من بعد تفكير عميق

بأي تهور إذاً يضطلع غير الكفوء بالخدمة الرعائية، وقد رأى أن إدارة النفوس هي فن الفنون. إذ مَن هو الذي لا يدرك أن جراح الفكر هي أكثر تخفياً من جراح الجسد الداخلية؟ إلى هذا، بالرغم من أن أولئك الذين لا معرفة عندهم بقدرة العقاقير يترددون في إعطاء ذواتهم صفة أطباء الجسد، إلا إن أناساً يجهلون تماماً الأصول الروحية، لكنهم غالباً لا يخشون من إعلان أنفسهم أطباء للقلب، وعليه بأمر إلهي، أولئك الذين هم الآن في أعلى المراكز التي تتيح لهم إظهار الاحترام للدين، بعضهم يسعى إلى المجد والاحترام من خلال التظهير الخارجي للسلطة في الكنيسة المقدسة. إنهم يتعطشون إلى الظهور كمعلمين ويحرصون على التسلط على الآخرين، وكما تشهد الحقيقة: يُحِبُّونَ الْمُتَّكَأَ الأَوَّلَ فِي الْوَلاَئِمِ، وَالْمَجَالِسَ الأُولَى فِي الْمَجَامِعِ، وَالتَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ (متى 6:23)

هؤلاء الأشخاص هم قطعاً غير مستحقين للقيام بجدارة بما يتعهدون به، أي مهمة الرعاية، لأنهم بلغوا الالتزام بالتواضع بالادعاء فقط؛ إذ، يظهر جلياً أن في هذا الالتزام، ما يزوّده اللسان هو الرطانة الخالصة عندما يتمّ تعلّم أمر فيما قد عُلِّم عكسه. ضد هؤلاء ومَن يشبههم يشتكي الرب بلسان النبي: هُمْ أَقَامُوا مُلُوكًا وَلَيْسَ مِنِّي. أَقَامُوا رُؤَسَاءَ وَأَنَا لَمْ أَعْرِفْ (هوشع 4:8). إنهم يحكمون بانتفاخهم الذاتي وليس بإرادة الحاكم العليّ؛ إنهم لا يتأيدون بالفضائل ولا هم مَدعوون إلهياً، بل هم متحرّقون بجشعهم، يستولون على السلطة العليا بدلاً من تحقيقها

مع هذا فإن القاضي الداخلي يتقدم ويهملهم في آن واحد، لأن الذين يحتملهم بألم، هو يهملهم بحكم إدانتهم. لهذا، هو يقول حتى لبعض الذين يأتون إليه وقد اجترحوا معجزات: اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ! إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! (متى 23:7). إن عدم صلاحية الرعاة هذه يوبخها صوت الحق بلسان النبي: هُمْ رُعَاةٌ لاَ يَعْرِفُونَ الْفَهْمَ (إشعياء 11:56). وأيضاً الرب يشجبهم بقوله: أَهْلُ الشَّرِيعَةِ لَمْ يَعْرِفُونِي (إرمياء 8:2). لهذا، الحق يشتكي لكونه غير معروف عندهم، ويحتجّ لأنه لا يعرف صف الرؤساء الأعلى الذين لا يعرفونه، لأن مَن لا يعرف الأمور التي للرب ينبذه الرب، كما يقول بولس: وَلكِنْ إِنْ يَجْهَلْ أَحَدٌ، فَلْيُجْهَلْ! (1كورنثوس 38:14)

إن عدم صلاحية الرعاة هذه في الحقيقة غالباً ما تتفق مع صحارى الخاضعين لهم. فإن كانوا هم ليس عندهم نور المعرفة بسبب خطئهم نفسه، فإن تابعيهم، بسبب حكم حازم، أيضاً يتخبّطون بجهلهم

لهذا السبب، فإن الحق بشخصه يقول في الإنجيل: هَلْ يَقْدِرُ أَعْمَى أَنْ يَقُودَ أَعْمَى؟ أَمَا يَسْقُطُ الاثْنَانِ فِي حُفْرَةٍ؟ (لوقا 39:6). وبالتالي، فإن كاتب المزامير في كونه نبياً، لا كتعبير عن أمنية، يقول: لِتُظْلِمْ عُيُونُهُمْ عَنِ الْبَصَرِ، وَقَلْقِلْ مُتُونَهُمْ دَائِمًا (مزمور 23:69). فهؤلاء الأشخاص هو العيون الموضوعة في واجهة الكرامة العليا، وقد تعهدوا مسؤولية إظهار الطريق، بينما تابعوهم والمتعلقون بهم فهم المُتون. فعندما تكون العيون معماة يكون المتن منحنياً، إذ عندما يخسر المتقدمون نور المعرفة فعلى الأكيد ينحني التابعون من حَمل ثقل خطاياهم

الفصل الثاني: لا ينبغي أن يحمل مهمة الحكم مَن لم يحقق في طريقة عيشه ما تعلمه بالدرس

إلى هذا، هناك مَن يستقرئون الأصول الروحية باجتهاد حصيف، لكنهم في الحياة يسلكون دائسين على ما استحوذوا عليه بفهمهم. إنهم يهرعون إلى تعليم ما قد تعلّموه، لكن لا بالممارسة، فيدحضون بسلوكهم ما علّموه بالكلمات. بِالنّتِيجَة، عندما يسير الراعي عبر أماكن منحدرة، يبلغ القطيعُ الذي يتبعه الجرفَ. لهذا، يتشكّى الرب بلسان النبي من معرفة الرعاة التافهة بقوله: أنْ تَشْرَبُوا مِنَ الْمِيَاهِ الْعَمِيقَةِ، وَالْبَقِيَّةُ تُكَدِّرُونَهَا بِأَقْدَامِكُمْ؟ وَغَنَمِي تَرْعَى مِنْ دَوْسِ أَقْدَامِكُمْ، وَتَشْرَبُ مِنْ كَدَرِ أَرْجُلِكُمْ! (حزقيال 18:34). الواضح هو أن شرب الرعاة الماء الأكثر صفاءً يكون حين يمزّون بالفهم المناسب جداول الحق، بينما أن يعكروا الماء بأقدامهم هو حين يشوّهون دراسات التأمل المقدس بحياة شريرة

بالطبع، الخراف تشرب الماء التي عكّرتها هذه الأقدام، عندما لا تتبع الرعايا التوجيه الذي تسمعه، بل فقط تقتفي أثر الأمثلة الشريرة التي تراها. في وقتِ هم متعطشون لما يسمعون إلا أنهم يُضلَّلون بما يجري، فهم يمتصّون الوحل مع ما يتجرعون وكأنهم قد شربوا من ينابيع مياه ملوثة. بالنتيجة، هذا أيضاً كتبه النبي: الكهنة الفاسدون هم فخ خراب لشعبي (أنظر هوشع 1:5 و8:9)

وأيضاً يقول الرب بالنبي عن الكهنة: كَانُوا مَعْثَرَةَ إِثْمٍ لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ (حزقيال 12:44). إذ ما من أحد يسبب الأذى للكنيسة مثل ذاك الذي يتصرّف بشكل شرير بعد أن أحرز لقب قداسة أو درجة قداسة. ما من أحد يحتمل أن ينفّذ هذا الإثم، أو أن يجعل الجرم ذا النتائج البعيدة المدى مثالاً، في حين أن الخاطئ يُشرَّف احتراماً لرتبته. لكن كل مَن لا يستحق سوف يهرب من حمل هذا الذنب العظيم إذا أصغى بأذُن القلب المنتبهة إلى ذاك القول: مَنْ أَعْثَرَ أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ الْمُؤْمِنِينَ بِي فَخَيْرٌ لَهُ أَنْ يُعَلَّقَ فِي عُنُقِهِ حَجَرُ الرَّحَى وَيُغْرَقَ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ (متى 6:18). يرمز حجر الرحى إلى دورة الحياة العالمية المتعِبة ولجة البحر ترمز إلى الدينونة الأخيرة. لهذا، إذا حطّم رجل من لابسي مظهر القداسة الآخرين بالكلمة أو المثال، فمن المؤكد أن الأفضل له لو أن أعماله الأرضية التي قام بها بغطاء دنيوي تضغط عليه حتى الموت، في حين أن رتبته المقدسة قد جعلتها قدوة خاطئة للآخرين؛ فعلى الأكيد عقاب جهنم كان أقل ضراوة عليه لو أنّه سقط بمفرده

الفصل الثالث: عبء السلطة. وجوب تجاهل كل الضيقات والخوف من الرخاء

لقد قلنا الكثير لنظهِر كم هو عظيم عبء السلطة، خوفاً من أن مَن لا يستحقها يدنّس هذه السدّة المقدسة، وباشتهائه المقام يأخذ على عاتقه رفعة شأنٍ تقود إلى الهلاك. لهذا السبب، وباهتمام أبوي يكرر يعقوب هذا النهي: تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ يَا إِخْوَتِي (يعقوب 1:3). لهذا السبب، حتّى الوسيط بين الله والإنسان، وهو الفائق المعرفة والفهم حتى على الأرواح السماوية والذي يسود في السماء منذ الأزل، رفض أن يكون له مملكة أرضية. فقد كُتب: وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكًا، انْصَرَفَ أَيْضًا إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ (يوحنا 15:6). ومَن يقدر أن يمارس سلطاناً أسمى على البشر بشكل خالٍ من الإثم كمثلِ مَن سلطانُه هو على رعايا خَلَقَها بنفسه؟

ولكن كونه أتى بالجسد ليس ليفتدينا بآلامه وحسب بل ليعلّمنا بحياته مقدماً مثالاً للذين يتبعونه، فلم يأتِ كملك بل هو مضى طوعياً ليُعلَّق على الصليب. لقد ترك المجد المُعطى له واختار ألم الميتة المخزية، حتى أن أعضاءه يتعلّمون أن يهربوا من ملذات هذا العالم لا أن يخافوا أهواله، أن يحبوا الضيق من أجل الحق، أن يحجموا عن الرخاء لأنه يستبيح القلب بالمجد الباطل، بينما الضيق يطهّره بالألم. في الأول يصير الفكر مزهواً؛ في الآخر حتى ولو صار مزهواً أحياناً فهو يواضع نفسه. في الواحد ينسى المرء مَن يكون وفي الآخر يُستَرجَع، حتى ولو قسراً وبحكم الظروف، إلى تذكّر مَن يكون. في الواحد، حتى أعماله السابقة الحسنة تتحوّل إلى لا شيء، في الآخر، تُمحى الأخطاء، حتى الطويلة الزمان منها. إنها لَخبرة مشتركة أن في مدرسة الضيقات يُجبَر القلب على تهذيب نفسه؛ أما عندما يبلغ الرجل السيادة العليا فهو يتغيّر على حين غرة وينتفخ بخبرة موقعه الرفيع

فهكذا شاول عندما أدرك بالبداية عدم استحقاقه هرب من شرف المنصب، لكنه عاد وتسلّمه، وانتفخ من الغرور (أنظر 1ملوك 21:10-23). باشتهائه الإكرام أمام الشعب، وتمنّيه ألا يُلام أمامهم، أبعد ذاك الذي مسحه ملكاً (أنظر أيضاً 1ملوك 30:15، 35). وأيضاً داود، الذي كان مرضياً بكل أعماله لحكم ذاك الذي اختاره، ما لبث أن اندفع إلى الكبرياء الجارحة، بعد أن صار عبء التزاماته على عاتقه، وأظهر ذاته قاسياً وحشياً في قتله رجل، كونه كان متهتكاً بضعف في اشتهائه امرأة (أنظر 2 ملوك 2:11). والذي عرف كيف يرثي للأشرار تعلّم بعد ذلك أن يلهث، من دون تأخير أو تردد، نحو قتل حتّى الصالح. في الحقيقة، في البداية لم يكن موافقاً على إسقاط مضطهده الأسير بين يديه، لكن لاحقاً بعد أن خسر جيشه المنهَك، قتل حتّى جنديَّه المخلص. ذنبه في الحقيقة أخرجه بعيداً من عِداد المختارين، لولا أن جلده بالسياط أعاده إلى الصفح

الفصل الرابع: الانشغال بحكم الآخرين يشتت تركيز الفكر

غالباً ما يحدث أنه عندما يحمل رجل عبءَ الحكم، أن قلبه ينشغل بأمور مختلفة، ويصير فكره موزّعاً على اهتمامات كثيرة ويصير مشوشاً، ويجد نفسه غير ملائم لأيّ منها. لهذا السبب يعطي أحد الحكماء تحذيراً متحفظاً بقوله: يَا بُنَيَّ، لاَ تَتَشَاغَلْ بِأَعْمَالٍ كَثِيرَةٍ (ابن سيراخ 10:11)، إذ بالحقيقة لا يستطيع العقل أن يركّز على متابعة أي أمر عندما يكون موزّعاً على الكثير من الأمور. عندما يسمح لنفسه بالتجول في الخارج بسبب الاهتمامات المتطفلة عليه، فإنه يفرغ نفسه من احترام النفس الثابت. إنه يشغل نفسه بوضع الأمور الخارجية في الترتيب، وفي إهماله لذاته فقط، يعرف كيف يفكّر بالعديد من الأمور من دون معرفة نفسه ذاتها. إذ عندما يشغل نفسه أكثر من الضروري بما هو خارجي، يصير كمَن ينشغل برحلة لكنه ينسى مقصده؛ فينتج عن ذلك أنه يتغرّب عن امتحان النفس إلى درجة أن يجهل الأذى الذي يعاني منه، أو أن يعي الأخطاء الكبيرة التي يقع فيها. حزقيا، على سبيل المثال، لم يدرك أنه كان يخطأ عندما عَرَض بيت ذخائره وأطيابه للغرباء الذين أتوا إليه، وبالتالي حلّ عليه غضب القاضي، ولعنة نسله، بسبب ما اعتقد أنه عَمِله بشكل شرعي (2ملوك 12:20-18)

غالباً، عندما يتوفر الكثير من الموارد، وتُنجزَ الأمور التي تجلّها الرعايا لمجرد إنجازها، يرتفع الإدراك بالأفكار، ويتحرّك غضب القاضي الكامل بالرغم من عدم ارتكاب أي عمل سافر. ذاك لأن مَن يقضي هو في الداخل وما يُحكَم عليه أيضاً في الداخل. لذلك، عندما نخالف في القلب لا يعلم الناس ما نحن فيه، لكن القاضي هو شاهد على خطيئتنا. ملك بابل، على سبيل المثال، لم يكن خطؤه الغرور وحسب حين جاء ليلقي كلمات متعجرفة، إذ إنه سمع من فم النبي التوبيخ قبل أن يطلق العنان لغروره (أنظر دانيال 21:4-24). لقد كان قد طهر نفسه من خطيئة الغرور عند إعلانه للشعوب الخاضعة له الإله القدير الذي هو أسخطه (أنظر دانيال 95:3-100). من بعد هذا، مبتهجاً بنجاح قوته ومسروراً بإنجازاته العظيمة، فضّل في زهوه نفسه أولاً على كل الباقين، ومن ثمّ منتفخاً من التفاخر قال: أَلَيْسَتْ هذِهِ بَابِلَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي بَنَيْتُهَا لِبَيْتِ الْمُلْكِ بِقُوَّةِ اقْتِدَارِي، وَلِجَلاَلِ مَجْدِي؟ (دانيال 30:4). هذا الكلام قوبل علناً بعقاب غاضب أججه غروره الخفي

فالقاضي الصارم يرى أولاً بشكل غير منظور ما يوبخه لاحقاً بالعقوبة المعلَنة. ولهذا أيضاً، حوّله القاضي إلى حيوان غير عاقل، عزله عن المجتمع البشري، وربطه بوحوش الحقل مجرداً من فكره الصحيح حتى بحكم صارم وعادل وبشكل جلي يخسر منزلته كرجل، وهو الذي قدّر نفسه فوق كل البشر

لذلك، عندما نعرض هذه الأمثلة، فليس لتقبيح الرتبة نفسها، ولكن لتحصين القلب الضعيف ضد الطمع. لن يكون لدينا إلا الفائق التأهّل لهذه الرتبة، للمغامرة لانتزاع الحكم الأعلى، ولن يكون لدينا رجال يتعثرون على أرض واضحة، فيما يتطلعون لوضع أقدامهم على الهاوية

يتبع

التعليم الديني المطوّل

لكنيسة الله الشرقية الأرثوذكسية الجامعة

المعروف أيضاً بتعليم

القديس فيلاريت درودزوف موسكو

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

هذا التعليم راجعه وأقرّه المجمع المقدس (الروسي) ونشره ليتمّ استعماله للتعليم في المدارس كما ولكل المسيحيين الأرثوذكسيين (موسكو، المطبعة المجمعية، 1830)

مدخل إلى التعليم الديني الأرثوذكسي

تعليمات أولية

ـ1ـ ما هو التعليم الديني الأرثوذكسي؟

التعليم الديني الأرثوذكسي هو تعليم عن الإيمان المسيحي الأرثوذكسي، ينبغي تعليمه لكل مسيحي، لتأهيله لأن يرضي الرب ويخلّص نفسه

ـ2ـ ما معنى كلمة تعليم ديني (Catechism)؟

إنها كلمة يونانية ، تعني التعليم، أو التوجيه الشفهي، وقد كانت قيد الاستعمال منذ زمان الرسل للإشارة إلى أن التعليم الأساسي في الإيمان الأرثوذكسي ضروري لكل مسيحي (لوقا 4:1، أعمال 25:18)

ـ3ـ ما هو الضروري لإرضاء الله وخلاص النفس؟

في المقام الأول، معرفة الإله الحقيقي والإيمان الصحيح به؛ في المقام الثاني، حياةٌ وفقًا للإيمان، وأعمال صالحة

ـ4ـ لماذا الإيمان ضروري في المقام الأول؟

لأنه، كما تشهد الكلمة الإلهية، من دون الإيمان يستحيل إرضاء الله (عبرانيين 6:6)

ـ5ـ لماذا يجب أن تكون الحياة وفقًا للإيمان، والأعمال الصالحة منفصلة عن هذا الإيمان؟

لأنه، كما تشهد الكلمة الإلهية، فإن الإيمان بدون أعمال ميت (يعقوب 20:2)

ـ6ـ ما هو الإيمان؟

بحسب تعريف القديس بولس، الإيمان هو الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى (عبرانيين 1:11) ؛ وهذا يعني، الثقة في الغيب كما لو كان قد شوهد، بينما الثقة في ما يؤمل وينتظر كما لو كان حاضرًا

ـ7ـ ما هو الفرق بين المعرفة والإيمان؟

تعمل المعرفة على أشياء مرئية ومفهومة. الإيمان يعمل على الأشياء غير المرئية وحتى غير المفهومة. تستند المعرفة إلى الخبرة وإلى فحص موضوعها؛ لكن يستند الإيمان إلى تصديق شهادة الحقيقة. المعرفة تنتمي بشكل صحيح إلى العقل، رغم أنها قد تعمل أيضًا على القلب؛ ينتمي الإيمان أساسًا إلى القلب، على الرغم من أنه ينتقل عبر العقل

ـ8ـ لماذا الإيمان ضروري للتعليم الديني وليس المعرفة فقط؟

لأن الهدف الرئيسي من هذا التعليم هو أن الله غير مرئي وغير مفهوم، وأن حكمة الله مخبأة في لغز؛ وبالتالي، أجزاء كثيرة من هذا التعليم لا يمكن قبولها بالمعرفة، ولكن قد يتم تلقيها بالإيمان. الإيمان، كما يقول القديس كيرلس الأورشليمي، هو العين التي تنير ضمير كل إنسان؛ إنه يعطي الرجل المعرفة. لأنه، كما يقول النبي، إذا لم تصدقوا فلن تفهموا (إشعياء 9:7)

ـ9ـ هل يمكن الاستفاضة في توضيح ضرورة الإيمان؟

القديس كيرلس يوضح ذلك: الإيمان ليس شيئًا عظيمًا فقط بيننا نحن الذين سمعوا باسم المسيح؛ لكن كل شيء يجري في العالم، حتى من البشر الذين لا صلة لهم بالكنيسة، يتمّ بالإيمان. الزراعة تأسست على الإيمان. لأن من لا يؤمن بأن عليه أن يجمع من ثمار الأرض لا يأخذ على عاتقه أعمال الزراعة. البحارة يقودهم الإيمان عندما يسلّمون مصيرهم إلى لوح طفيف، ويفضّلون المياه غير المستقرة على الأرض الأكثر استقرارًا. إنهم لا يسلّمون أنفسهم لتوقعات غامضة، ولا يحتفظون لأنفسهم إلا بالإيمان الذي يثقون به أكثر من أي مرساة. (العظة الخامسة)

حول الإعلان الإلهي

ـ10ـ من أين تُستمّد عقيدة الإيمان الأرثوذكسي؟

من الإعلان الإلهي

ـ11ـ ماذا يُقصَد بعبارة الإعلان الإلهي؟

هي ما أعلنه الله بذاته للبشر، لكي يؤمنوا به عن حق وللخلاص ولكي يمجّدوه كما يليق

ـ12ـ هل أعطى الله هذا الإعلان لكل البشر؟

لقد أعطاه للجميع، لكونه ضروري للجميع على السواء وقادر على جلب الخلاص للجميع. لكن، لكون البشر ليسوا جميعاً مؤهّلين لتلقّي الإعلان مباشرة من الله، فقد اعتمد على أشخاص محددين كمذيعين لإعلانه، ليبلّغوه إلى كل الذين يرغبون بتلقّيه

ـ13ـ لماذا ليس جميع البشر مؤهّلين لتلقّي الإعلان مباشرة من الله؟

بسبب تلوثهم الآثم وضعفهم في الجسد والنفس معاً

ـ14ـ مَن هم مذيعو الإعلان الإلهي؟

آدم، نوح، موسى وغيرهم من الأنبياء تلقّوا وكرزوا ببدايات الإعلان الإلهي؛ لكن ابن الله المتجسّد، ربنا يسوع المسيح، هو مَن أنزل الإعلان إلى الأرض بملئه وكماله، ونشرَه في كل العالم بتلاميذه ورسله

يقول الرسول بولس في بداية الرسالة إلى العبرانيين: “اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ”(عبرانيين1:1-2)

والرسول نفسه يكتب ما يلي في الرسالة إلى الكورنثيين: ” بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا، الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ… فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ. (1كورنثوس 7:2-8، 10).

ويكتب الإنجيلي يوحنا في إنجيله: ” اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ.” (18:1)

ويسوع المسيح نفسه يقول: ” كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ.” (متى 27:11)

ـ15ـ ألا يستطيع الإنسان من ثمّ أن يمتلك أي معرفة لله من دون إعلان خاص منه؟

قد يحصّل الإنسان بعض المعرفة لله من معاينة الأشياء التي خلقها لكن هذه المعرفة غير كاملة ولا كافية ولا يمكن أن تخدم إلا للتهيئة للإيمان، أو كمساعدة نحو معرفة الله من إعلانه

“لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ.” (رومية 20:1)

“وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ، وَحَتَمَ بِالأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ، لِكَيْ يَطْلُبُوا اللهَ لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيدًا. لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ.” (أعمال 26:17-28)

في ما يتعلّق بالإيمان بالله، فيسبقه فكرة أن الله كائن، وهي فكرة نكوّنها من الأشياء المخلوقة. عند دراسة خلق العالم بِانْتِباه، ندرك أن الله حكيم وقوي وصالح؛ كما أننا ندرك أيضًاً صفاته غير المرئية. عِبر هذه الوسائل، نُقاد إلى الاعتراف به على أنه الحاكم العليّ. إذ نرى أن الله هو خالق العالم كله، ونحن جزء من العالم، فهذا يعني أن الله هو خالقنا أيضًا. على هذه المعرفة يتبع الإيمان، وعلى الإيمان العبادة. (القديس باسيليوس الكبير، الرسالة 232)

حول التقليد الشريف والكتاب المقدّس

ـ16ـ كيف ينتشر الإعلان الإلهي بين البشر ويُحفَظ في الكنيسة الحقيقية؟

عبر قناتين: التقليد الشريف والكتاب المقدّس

ـ17ـ ماذا يُقصد بالتقليد الشريف؟

إن التقليد الشريف هو إسم يشير إلى عقيدة الإيمان، ناموس الله، الأسرار، والطقوس كما تسلّمها المؤمنون الحقيقيون ومتعبّدو الله بالكلمة والمثال الواحد من الآخر، ومن جيل إلى جيل

ـ18ـ هل يوجد أي مستودع للتقليد الشريف؟

إن المؤمنين جميعاً متّحدين في تقليد الإيمان الشريف، جمعياً وبالتتابع، بمشيثئة الله يؤلّفون الكنيسة، وهي المستودع الأكيد للتقليد الشريف أو كما يعبّر القديس بولس “كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ.” (1 تيموثاوس 15:3)

وهكذا يكتب القديس إيرينايوس: يجب ألا نطلب الحقيقة من بين أمور أخرى نطلبها من الكنيسة؛ لأن فيها، كما في خزانة كنز غني، وضع الرسل في ملئها كلّ ما يتعلق بالحقيقة، حتى كل مَن يسعى يتمكن من الحصول منها على طعام الحياة. إنها باب الحياة

(ضد الهراطقة، lib. iii. c. 4.)

ـ19ـ ما الذي نسمّيه الكتاب المقدس؟

بعض الكتب المكتوبة بالروح القدس عبر البشر المتقدّسين بالله، المسمّين أنبياء ورسل. هذه الكتب تُسمّى على نحو مشترك الإنجيل

ـ20ـ ماذا تعني كلمة إنجيل؟

إنها كلمة يونانية، وتعني الكتب. يشير الاسم إلى الكتب المقدسة تستحق الاهتمام أكثر من غيرها

ـ21ـ أيّ هو الأقدم: التقليد الشريف أو الكتاب المقدس؟

أقدم وأول وسيلة لنشر الإعلان الإلهي هو التقليد الشريف. منذ آدم إلى موسى لم يكن هناك كتب مقدسة. ربنا يسوع المسيح نفسه أوصَل عقيدته الإلهية ووصاياه إلى رسله بالكلمة والمثال، وليس بالكتابة. الطريقة نفسها اتّبعها الرسل الذين في البداية نشروا الإيمان في كل اتجاه وأسسوا كنيسة المسيح. ضرورة التقليد تتضح أكثر من هنا، حيث لا يمكن إتاحة الكتب إلا لجزء صغير من الجنس البشري، ولكن التقليد هو للجميع

ـ22ـ لماذا إذاً ومتى أعطي الكتاب المقدس؟

لهذه الغاية، حتى يُحفَظ الإعلان الإلهي وبشكل دقيق وثابت. في الكتاب المقدس نقرأ كلمات الأنبياء والرسل بشكل دقيق وكأننا عشنا معهم وسمعناهم، مع أن آخر الكتب الكقدسة كُتِب قبل ألف وعدة مئات من زمننا

ـ23ـ أعلينا أن نتبع التقليد الشريف حتى ولو عندنا الكتاب المقدس؟

علينا أن نتبع التقليد الشريف الذي يتوافق مع الإعلان الإلهي والكتاب المقدس، كما علّمنا إياه الكتاب المقدس. يكتب الرسول بولس: “فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا (2تسالونيكي 15:2)

ـ24ـ لمَ التقليد ضروري حتّى إلى اليوم؟

كمرشد إلى الفهم الصحيح للكتاب المقدس، للخدمة الصحيحة للطقوس، وللحفاظ على الطقوس المقدسة والخِدَم في نقاوة تأسيسها الأصيلة

عن هذا يتحدّث القديس باسيليوس الكبير: “بعض العقائد والوصايا التي تحتفظ بها الكنيسة موجودة لدينا كتعليمات مكتوبة. لكن البعض تلقيناه من التقليد الرسولي، عن طريق التسلسل سرياً. فلكلٍّ من الأول والثاني نفس القوة في التقوى، وهذا لا يعارضه كلّ مَن كان لديه معرفة قليلة جدًا بفرائض الكنيسة؛ لأننا إن كنا نتجرأ على رفض العادات غير المكتوبة، كما لو أنها ليست ذات أهمية كبيرة، فكأننا بلا إكتراث نقبّح الإنجيل، حتى في أهم النقاط، أو بالأحرى نجعل تعليم الرسل مجرّد اسم فارغ. فلنذكر أولاً، على سبيل المثال، العادة الأكثر شيوعًا لدى المسيحيين الأوائل، وهي أن على الذين يؤمنون باسم ربنا يسوع المسيح أن يميزوا أنفسهم بعلامة الصليب: مَن الذي علم هذا بالكتابة؟ التوجّه نحو الشرق في الصلاة، أي كتاب عندنا يقول ذلك؟ كلمات استدعاء الروح القدس لتحوّل الخبز في القداس ولكأس البركة، مَن من القديسين ترك لنا هذا كتابةً؟ وكأننا غير راضين عن تلك الكلمات التي سجلها الرسول أو الإنجيل، ولكن قبل وبعدها نتلو صلوات أخرى أيضًا، نعتبر أنها ذات قوة كبيرة للسر، مع أننا تلقيناها من التعليم غير المكتوب. استناداً على المنوال نفسه، إلى أي كتاب مقدّس نحن نبارك الماء للمعمودية، والزيت للمسحة، والشخص المعتمد نفسه؟ أليس استناداً إلى تقليد صامت وسرّي؟ ماذا أكثر من ذلك؟ إن ممارسة مسحة الزيت نفسها، أي كلمة مكتوبة عندنا عنها؟ من أين أتى قانون التغطيس ثلاثاً؟ وما تبقى من طقوس المعمودية وطرد الشيطان وملائكته؟ من أي كتاب مقدس مأخوذة هذه؟ أليست كلها من هذا التعليم الخاص وغير المنشور الذي حفظه الآباء بعيداً عن الفضول والبحث المدنِّس، كوننا تعلمنا أولاً الحفاظ على قداسة الأسرار بصمت؟ فكيف كان من المناسب نشر عقيدة هذه الأمور كتابةً، والتي قد لا يطّلع عليها غير المعتمدين؟ 

يتبع

طريق الخلاص

من باتيريكون آباء أوبتينا

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

القديس أناتولي أوبتينا

من دون الشتاء لا ربيع، ومن دون الربيع لا صيف. هكذا ايضاً هو الأمر في الحياة الروحية: بعض التعزية، ومن ثم قليل من الحزن، وهكذا شيئاً فشيئاً تتكوّن طريق الإنسان إلى الخلاص

القديس نيكن أوبتينا

لو كان باستطاعة الإنسان تعليم طرق الرب، أي تعليم كيف نحيا لنخلص، لكان اللاهوتيون المتعلّمون أول المخلَّصين. لكن في الحقيقة، لا تجري الأمور على هذا المنوال، اي أن كثيرين من العالِمين لا يسيرون على درب الرب… لكن ما المطلوب من المرء ليتعلّم طرق الرب؟ من الضروري أن يكون الإنسان حليماً، متواضعاً، ومن ثم يعلّمه الرب كيف يسلك دربه. إن معرفة هذا الأمر ضرورية جداً في الزمان الحالي حيث ندرة المرشدين ساطعة. واضع نفسَك بمعونة الله، كُن حليماً، لا تضمر أي شر نحو إخوتك وهيئ نفسك لتقبّل التعليم الإلهي من خلال الحياة الوديعة الصالحة والرب نفسه سوف يعلّمك طرقه.

إذا كان كل ما تقوم به هو انتظار الظروف الملائمة لخلاصك، فلن تباشر بالسلوك في الحياة التي ترضي الله.

عندما يتعلّم إنسان اللعب بالكمان، فالأصوات التي يصدرها في البداية تكون غير ممتعة، خاطئة وحادّة… لكن تدريجياً يكتسب اتقانها، ويبدأ بتعلّم العزف، وتصير الأصوات أكثر انضباطاً، وفي النهاية تخرج الأصوات الناعمة الجميلة في موسيقى بهية. الواحد ينجح في هذا سريعاً، الآخر يأخذ وقتاً اطول، بينما الأخير بالرغم من كل الجهود لا يتحسن اداؤه، فكل صوت يخرج مخالفاً لما يرغب به. الحاجة هي للصبر. والأمر هو على هذا المنوال في الحياة الروحية. يريد الإنسان امراً ما، لكنه يقوم بالحقيقة بشيء مختلف كلياً عمّا يريده. عقله يريد شيئاً بينما حواسه تطلب شيئاً آخراً. والإنسان يرى ويحس بألم بأن هذا كله خطأ، فيفهم أن ما يقوم به ليس جيداً وأن الأمور ليست على ما ينبغي أن تكونه، فيفقد حماسته إذ يرى أنه لا ينجح في جهاده ضد أهوائه وأن حياته الروحية لا تتحسن. لكن لا؛ لا ينبغي بالمرء أن يصير قانطاً. علينا الاحتمال… علينا أن نلزِم ذواتنا بصبر على أن نتمم كل برٍّ من أجل الرب، وبجديّة نرصد أحاسيسنا وأفكارنا وأعمالنا، ونطلب معونة الرب إلهنا ونبلغ حالة من التواضع وندرك بأننا لا ننجح بشيء بأعمالنا من دون المعونة الإلهية. وعندما يتهيأ في النهاية إناء النفس والجسد، عندما تنضبط أوتار إنشاده بكل طرق التواضع والصبر والتقوى… يأتي الوقت وتُسمَع أغنية رائعة، ويتدفق صوت الحياة الروحية العذب، وكثيرون يرون ويجزعون وينتظرون الرب، لأن هذا الغناء الذي لا يُوصَف يأتي كنتيجة لاتحادنا بالربّ.

القديس أمبروسيوس أوبتينا

إن بداية خلاصنا تكمن في تخلينا عن أهوائنا ومفاهيمنا، وتحقيقنا لما يريد الله.

إن أحكام الإنسان أمر وأحكام الله أمر آخر. يقول الرب بنبيه: لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، هكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ (أشعياء 9:55). بحسب الفكر البشري، تبدو طريق الخلاص سهلة هادئة وسلامية، بينما بحسِّ الكتاب المقدّس، فإنها محزنة كربة وضيقة (متى 14:7). “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا” (متى 34:10)، لكي أفصل بين محبي الله والباذخين، والمتواضعين عن محبي العالم. وكحقيقة، فإن خلاصنا بحسب القديس بطرس الدمشقي يكمن بين الخوف والرجاء، حتى لا نكون متكلين على ذواتنا ولا نيأس، بل بإيمان صالح ورجاء برحمة الله ومعونته قد نسلك في حياة باحترام لوصايا الله. أنتم تسعون إلى حالة للنفس على الأرض سلامية بالكامل، يحثّكم على ذلك مَن يجربنا عن جهة اليسار أي عن الجهة المقابِلة. وبالإضافة إلى ذلك، أنتم تعتقدون بذلك بسبب قلة خبرتكم الروحية، لأن هذه الحالة هي شيء ينتمي إلى الزمان الآتي، بينما في العالم فسيكون لكم ضيق (يوحنا 33:16) كما قال الرب لتلاميذه وللجميع من بعدهم.

لديك نقطة ضعف معينة: أنت تخرج عن طريق الرب البسيطة إلى العديد من المسارات المختلفة، في حين أن الكتاب المقدس والتجربة نفسها يثبتان أنّ من الضروري تبسيط طريقة الحياة الإنجيلية، والجمع بين الوصايا الأصغر والفضائل في الأكبر. يقول كاتب المزامير الإلهي: كل طرق الرب رحمة وحق (مزمور 10:24)… من هنا وصاعداً فلنضع أساساً ثابتاً ولا نحيدنّ عن طريق المسيح إلى تفاصيل متنوعة، بل فلنجمعنّ معاً كل الأمور المهمة في واحد: أن نحب الرب بكل نفسنا ونكون في سلام ووقار مع الجميع، غير مفتكرين بسوء أو بشك في أيٍّ كان.

إرشادات للشباب الأرثوذكسي في الحياة الروحية

القديس الشيخ دانيال الكاتوناكي

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

الرسالة التالية هي رد على رسالتين كتبهما أخَوان إلى القديس الأثوسي يطلبان الإرشاد في حياتهما الروحية. الهدف الأولي للشيخ دانيال كان تشجيعهما على الابتعاد عن الرذيلة وعلى محبة الفضيلة المرضِية لله.

إلى الأخوين المحبوبين قسطنطين ويوحنا

أصلي من أجلكما من كل نفسي

استلمت رسالتيكما مؤخراً، بفرح عظيم، وقد قرأتهما بحماس كبير وانتباه. من واجبي أن أجيب عليكما وأرشدكما كما يليق. لهذا، سوف أوجّه ردّي إليكما سوية بما أنكما أخوان محبان لله وتتقاسمان الحاجة الروحية نفسها إلى الاسترشاد والتربية. لهذا أنتما ملزمان لا بالسؤال وحسب بل أيضاً بالإصغاء لما قاله الآباء.

صحيح أنني حزنت عند قراءتي في الرسالتين أنكما كنتما مهمِلَين في التزامكما ووقعتما في الكثير من الحماقات الصبيانية. لكنني كنت فائق الفرح بأنكما عدتما إلى التوبة وطلبتما أن أوجّهكما إلى طريق تأخذانها للتوبة، لكي تحصلا على رحمة الله الفائق الصلاح، الذي أحزنتماه بسوء سلوككما الصبياني.

ليس من الغريب الإساءة إلى الله والابتعاد عن طريق وصاياه المستقيم؛ كل الطبيعة البشرية تنزلق بسهولة وغالباً ما تقع في الخطيئة. ومع ذلك، فإن البقاء في الشر هو خطأ فادح، ويجب علينا أن نكون منتبهين للغاية إذ الويل لنا إذا وُجِدنا بلا توبة عند مغادرتنا.

من بين الطرق المتعددة التي يستعملها الشيطان، عدو الإنسان ومُفسِد نفوسنا، لخداع الذين يطبّقون المسيحية الأرثوذكسية بشكل صحيح، وبخاصة الشباب، هي في تقديم فخ آخر استطاع من خلاله خداع الكثير من الشباب وأخذهم نحو الهلاك الكامل.

يعرض الشر أولاً هذا الفخ تحت غطاء ظاهرُه صالح وودّي ما يجعله يبدو مغريًا للشباب، حاثّاً إياهم على الحرية والضحك والمزاح والإيماءات والبزه في الكلام، وفي النهاية على تعاطي الكحول بشكل سيء. هذه جميعها لا تبدو كارثية للعالم، ولكنها تتميز كوسيلة “للحرية” تحت الرعاية السياسية والذكية. وهكذا إذ يتأقلمون مع العادات السيئة يصيرون ممتلئين بالأهواء ويسخر منهم الشياطين والناس معاً. إن ظلاً سميكاً يغطي الفخ وبتبريرات مجرّدة يبدو أن كل هذه هي خطايا صغيرة جداً وبعد مرور هذا الزمن سوف يتم تداركها كلها، ففي النهاية هذه الأمور وحدهم النساك والرهبان يستطيعون تلافيها.

لو أنهم يستطيعون سبر غور المنزلَق الذي تجلبه هذه الادعاءات، لأرادوا أن يبتعدوا عن هذه الادعاءات والذرائع التي ترافقها كما عن أفعى مميتة. إن غاية الشيطان المغوي هي أولاً في أن يزرع في الشاب كل هذه الخطايا الصغيرة، وهكذا بالتالي يشلّ حواسه محرضاً إياه على الهذر والصور القبيحة والمزاح والسكر التي جميعها تلِد الأهواء كافة.

أتوسل إليكم أن تسألوا بانتباه أحد الأصدقاء المتحمسين الخليعين غير التائبين لأن يخبر كم كيف اقتيد إلى هذه الأهواء الفاحشة. في جوابه سوف تتعلمان أن سبب الأهواء الرئيسي وبدايتها كانا نتيجة بدايته الأولى في عدم الاهتمام وإهمال الأسباب المذكورة أعلاه. كما أن الأهواء الجسدية تأتي من إهمال الأمور الصغيرة، كذلك ايضاً في المجال الروحي: من الحماقة الصبيانية يأتي المرء إلى مستوى عدم التوبة وفقدان الرجاء.

صحيح أن الرب يسوع المسيح، إذ يرى انحراف الطبيعة البشرية، يستقبل الخاطئ العائد بذراعين مفتوحين. في الوقت عينه يقول: “انتبهوا وصلوا إذ لا تعرفون اليوم ولا الساعة حين يأتي ابن الإنسان”. إنه يحثّنا على أن نكون دوماً مستعدين وأن يكون في مصباحنا زيت التوبة حتى لا نُترَك خارج الخدر كالعذارى الجاهلات. صحيح أن التوبة موجودة عندما يكون الشاب طاهراً يتحاشى الصحبة السيئة والسكر، فإذا انحرف قليلاً تأتي التوبة سريعاً لتمحو خطايا الشباب. بينما من خلال العادات السيئة يصير الجسد عبداً للخطيئة وتصير التوبة صعبة وقليلون جداً هم القادرون على التحرر من فخاخ العدو المعقدة.

إذ قد عرفتما هذه الأمور أيها الحبيبين قسطنطين ويوحنا، فمن هذه اللحظة وكرمى الله، اخضعا لما يهدئ حواسكما وليس للمزاح ولا النكات ولا السكر ولا الرفقة السيئة التي منها يضيع خوف الله وتقعان في أسر شيطان محبة الذات والتهتك. بل بالأحرى اختارا الحياة الفاضلة بحسب الله، متمثّلين بأبيكما الروحي في كل شيء. إنه الوحيد الذي سوف ينشئكما في حالة ترضي الله ويظهِركما مستقبلاً كمواطنَين سماويين.

لكي تقطعا طريق الرب بثبات عليكما أن:

تظهِرا طاعة عظيمة وثقة وقبولاً نحو أبيكما الروحي، كاشفَين له الحقيقة دائماً.

امتنعا كلياً عن الثرثرة والمزاح، لأنه كما ذكرنا، حيث الثرثرة يختفي خوف الله.

فليكن لكما وقت في كل مساء للصلاة التي يحددها أبوكما الروحي.

عندما تكونان في الكنيسة، ركزا كلياً على القداس الإلهي لكي تدخل نعمة الروح القدس إلى قلبكما.

احفظا من دون تقصير كل الأصوام التي حددتها الكنيسة ولا تتشبها بطرق جيل اليوم المفسدة

بقدر الإمكان، تلافيا الخمر وبخاصة المشروبات الكحولية التي تثير أهواء الجسد

عندما يتوفر وقت حر اقضياه في قراءة كتب الآباء.

انتبها من بعض الآباء الروحيين الذين يدّعون تعليمكما الفضائل والتوبة لكنهم يدخِلون الشهوانية باستبعادهم الأصوام وصرف الشباب عن النسك والاعتدال وقراءة النصوص اللآبائية، ويتكلمون ضد الحياة الرهبانية. لا فائدة من ذكر الأذى الذي يجلبه هذا للشبان، لأني رأيت كثيرين انخدعوا بهذه النصائح فصاروا فرائس للجهل.

فليكن فيكما توقير عظيم وخاصة لسيدتنا والدة الإله التي سوف تقودكما دوماً على طريق خلاصكما.

في الختام، أقبلّكما ببر

الراهب دانيال الكاتوناكي

كاتوناكيا، الجبل المقدس، 19 حزيران 1902

orthodoxyouthresources.com/2019/06/counsels-in-spiritual-life-for-orthodox.html

كيف نقرأ الكتاب المقدّس؟

الشيخ إميليانوس سيمونوبترا

نقلتها إلى العربية الخورية جولي عطية عيسى

حين يقرّر أحدهم أن يدرس الكتاب المقدّس بطريقةٍ غير فعّالة وعقليّة، يخلق الكراهية والخلافات. لماذا؟ لأنّ المقاربة العقليّة للكتاب المقدّس لا تساعدنا على أن نلتفت إلى خطايانا ونفكّر فيها، بل تجعلنا نركّز على مشاكل ومفاهيم مرتبطةٍ بدراسة الكتاب، فتتحرّك قدراتنا المنطقيّة والعقليّة من دون أيّ هدفٍ حقيقيّ. “المعرفة” بحدّ ذاتها لا تضيف شيئًا، بل على العكس، تشجّع الفرد على التثقّف وتنمية رؤيته الخاصّة للأمور؛ تنمّي اكتفاءه الذاتيّ بآرائه الشخصيّة، فيسعى إلى تبريرها وفرضها على الآخرين. هذا النوع من المقاربة للكتاب يضعك فجأةً في صراعٍ مع الآخرين؛ فهو يجعل مشيئتك وآراءك تتعارض مع مشيئتهم وآرائهم، ما يدفعك إلى الاختلاف معهم ومجادلتهم ومعاداة إخوتكَ. عندما تملؤني آرائي الخاصّة حول الأشياء، أصبحُ غير قادرٍ على اقتبال أيّ شيءٍ من الله.

إنّ الطريقة الصحيحة هي أن نقرأ الكتاب المقدّس ببساطة، وأن نسمح لله بأن يقول لنا ما يريد أن يقول لنا. أن تقرأ الكتاب المقدّس بهدف جمع المعلومات شيءٌ، وأن تقرأه لأنّك تريد أن تقتني محتواه الحقيقيّ، أي الروح القدس، شيءٌ آخر. هذا النوع من المعرفة هو حياة الله (يو 17: 3)، هو دخول الله إلى حياتنا وبسط يديه عليها؛ هو نزول الله وسكناه بيننا. يمكننا أن نميّز إذا ما كانت دراستنا للكتاب المقدّس أصيلةً أم لا، استنادًا إلى كميّة الدموع التي نذرفها خلال دراستنا. بالطبع، بإمكاني أن أقرأ الكتاب المقدّس من دون ذرفٍ للدموع ومن دون إحساسٍ قويّ بخطايايَ، ولكن مع رجاءٍ بأنّ نعمة الله ستخترق قلبي القاسي عبر قراءتي للكتاب المقدّس. إذًا، اقرأ الكتاب لكن لا تنسَ خطاياك، ولا تحوّل الكتاب إلى موضوعٍ للبحث العقليّ، لأنّه سيتوقّف حينها عن أن يكون كلام الله، وستبدأ باعتباره أمرًا بشريًّا. يجب أن يكون معيار دراستك كالتالي: ينبغي أن تجلب قراءتك للكتاب المقدّس السلام إلى قلبك، والشركة مع الله، ومحبّة الأقرباء، والوعي لخطيئتك، أي أن تدرك كم أنّك غير مستحقّ وغير مستعدّ للوقوف أمام الله.

* من كتاب “حول الأنبا أشعيا”