المسيح قام

المسيح قام، قصة قصيرة

بافلوس نيرفاناس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

قبل سنين كثيرة، كنت أعيّد الفصح والقيامة في أحد جبال البيلوبونيز، لاحظتُ قروياً عجوزاً يحمل شمعة فصحيّة مضاءة ويمدّ يده نحو الأعلى، نحو النجوم التي زينت سماء تلك الليلة القيامية. وكمَن كان يتوجّه إليّ سمعته يتمتم بلطف: “السماوات يا بنيّ تروّضت في هذه الليلة…”
“السماوات تروّضَت”، بهذه الكلمات القليلة حصر ببلاغة ذاك القروي البريء أعمقَ معاني المعجزة المسيحية.
من دون معجزة القيامة المسيحية الأسمى، لبقيَت السماوات (بالنسبة لنفس الشخص البسيط الجبانة، كما لكل نفس بشرية بالإجمال)، مسكناً لإله مرهِب، قاضٍ عادل، لكنه أيضاً لا يتساهل، ولا يرحم عندما يدّعي لنفسه حقاً ما. هكذا كان آلهة كل الأديان الأخرى. لقد تسلّطوا على مخلوقاتهم، غارسين الخوف فيهم. لقد كانوا طغاة مطلَقي السلطة، على مسافة كبيرة من شعوبهم. لم يتآلفوا مع نقائص عابديهم، لم يختبروا الألم الذي عانى منه مؤمنوهم ولم يتعذّبوا عذابهم. لم يتفجّعوا كما فعل مؤمنوهم. كانوا عاجزين عن الحنو والتعاطف والغفران. كيف يمكن لسماوات يسكنها هكذا آلهة ألا تكون “متوحشّة” في أعين الناس الهالكين المرعوبين؟
في تلك الليلة الربيعية الهادئة، فيما كانت شمعة القروي العجوز المضاءة مرفوعة نحو السماء كما للترحيب بالنجوم القائمة اللامعة، بالفعل بدت السماوات أكثر وداعة. لم تعد مقاماً لإله متغرّب عن شعبه، مستقرّ بعيداً في العلى على عرشه المهيب. إنها الآن تأوي إلهاً محبوباً، تذوّق كل العذابات التي قاساها الجنس البشري: لقد ألمّ بكل ظلم العالم، تعرّض لكل أنواع الازدراء، ودفع ثمن كل أشكال العقوق. لقد اضطُهِد، سُخِر به، بُصِق عليه، جُرّ في الشوارع مقيّداً كما لو أنه أسوأ المجرمين، وصُلِب. لقد جاع وعطش ورأى كل رعب الموت. حتّى أنّه رأى نفسه للحظة منسياً من الله الذي كان أباه: “إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟” لم يبقَ أي ألم لم يتذوقه، أي حزن لم يحسّ به، ما من بؤس إلا وتذوّق سمّه. لقد شرب كل أنواع المشروبات المرّة التي قد يشربها إنسان ما في هذا العالم. وفي ليلة كتلك الليلة، هذا الإنسان المتألّم المعذّب صعد إلى السماوات وجلس كليَّ القدرة على عرش الله ليحكم العالم كلّه. كيف للسماوات ألاّ تصير أكثر وداعة؟ الآن، صلاحٌ غيرُ متناهٍ قد ابتلع قبّة السماء.
“لماذا يرتعد الخاطئ بعد الآن؟” هكذا ينبغي أن يكون العجوز قد فكّر في نفسه. “ذاك الذي غفر للزانية وللص، وحتّى للذين صلبوه، هو الآن فوق ويمكنه أن يرى دموع الخاطئ التائب ويغفر له. لمَ قد يحسّ أيّ مريض باليأس؟ إن ذاك الذي شفى الأعمى والمخلّع هو الآن “فوق” ويمكنه أن يشفيه أيضاً. لمَ قد يحسّ الفقير والمظلوم بالاستياء؟ ذاك الذي جاع وعطش هو الآن “فوق” ويتفهّم تماماً بؤسه أيضاً. لمَ قد تهتمّ أيّ أمّ وتقلق على ابنها؟ هناك في السماء، يوجد أمّ حريصة عانَت عذابات الأمومة وهي سوف تتضرّع، نيابة عن تلك الأم، إلى ابنها الذي يضبط الكون بكماله ويضع رحمته عليها. ولمَ يرتعد أي شيخ أبيض الشعر عند ساعة موته؟ فهو، شأن كل نفس أخرى، تنتظره القيامة هناك.
بالفعل، السماوات كانت أكثر وداعة عند ذاك المساء الربيعي. وشمعة العجوز بالفعل ارتفعت كترحيب، وشكر، لتلك النجوم القائمة.
“المسيح قام، يا جدي”.
“إنه إله؛ إنّه السيّد؛ يا بني”.

الراهب والحمقى

الراهب والحمقى

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

 

نعِم دير سيخاستريا، وأديرة أخرى في أنحاء رومانيا، بفترة من السلام النسبي والنمو الروحي. في ذلك الوقت الوجيز لم تكن هذه الأديار تتعرّض كثيراً لهجمات السلطات المدنية الملحدة التي كانت تجتاح البلاد. على أي حال، تبيّن لاحقاً أنّ ذاك كان الهدوء الذي يسبق العاصفة لأن هجوماً رهيباً شيطانيّاً على كنيسة المسيح كان يلوح في الأفق. لقد توحّدت جهود الإلحاد والهرطقة الآتية من أوساط متعددة لضرب الأرثوذكسيّة. لم يكن هذا الأمر جديداً على الكنيسة لأنّه، خلال سِنِي الأرثوذكسيّة الألفين، لم تَحِد عين الشرّير بل كل ما كان يقوم به هو أن يزيد أو يقلل من هجماته على الكنيسة الرسوليّة. لقد عانت الكنيسة باستمرار من نوع أو أكثر من الهجوم والاضطهاد. دائماً كانت تُضطهَد، ولكنها كانت في أمان بين يدي الله من خلال صلوات القدّيسين، فبقيت حيّة ومنتصرة، واستمرّت بكونها فُلك خلاصنا.
في سنة 1957 شعر الأب كليوبا، مسبقاً، بالهجمة الكبيرة المقبلة: كان عليه التوجه من باسكاني إلى باكو بالقطار، فوجد نفسه في إحدى المقطورات مع مفكرين عصريين وضباط من الجيش. كان هؤلاء الرجال قد لُقِّنوا بأن الكنيسة لم تكن سوى نظام من الأساطير. ومن هم فيها، خاصة الكهنة، يجب أن يُشتَموا عند كل فرصة. كما كان سيحدث في التجربة الأعظم التي ستأتي لاحقاً،إذ أثبتب خبرة الأب كليوبا في القطار أن أبواب الجحيم لن تقوى على وداعة المسيح وقوّته.
عندما وجد الشيخ نفسه برفقة هؤلاء المجاهرين بإلحادهم في ذلك المكان، لم يَخَف، بل فكّر في نفسه ببساطة : “راهب في مقصورة قطار مع ضباط عسكريين! أي نوع من الحوار ممكن أن يكون بيننا؟” فقرّر البقاء صامتاً وبدأ بالصلاة الداخليّة حتى تمضي الساعتان اللتان تستغرقهما الرحلة.
لم يستطع أحدهم مقاومة فرصة الهزء بالكنيسة، فقال للآخرين: “أوه، أُنظروا! لن تحدث أيّة مشكلة للقطار طالما أن البوبا (الأب في الرومانية) راكب فيه”. فال هذا بمنتهى السخرية، فقد كانت هناك خرافة شائعة في ذلك الوقت، قد روّج لها الشيوعيّون بالطبع، بأنّه إذا ما اجتاز كاهن فناء بيتك فستأتي المشاكل حتماً. فهم الأب كليوبا بأنهم كانوا يحاولون الحصول على ردّة فعل من قبله، لذا بقي صامتاً. لكن الرجل استمر: “اسمعوا! بما أنه يوجد كاهن هنا، ألن يكون من الطريف أن نجعله يروي تلك القصّة عن الله؟ إنهم يحبّون أن يخبروا بأن أحد الرجال الغريبيّ الأطوار قد خلق السماء والأرض والنجوم إضافة إلى الجبال والمحيطات”.
لم يصدّق الأب كليوبا أذنيه عندما سمع ذلك التجديف: إن الرجل يتكلّم عن الله كرجل غريب الأطوار. رغم ذلك بقي صامتاً، وقال في نفسه: “دعهم وشأنهم. إنهم ضباط في الجيش يحبون الضحك والمزاح. ماذا يمكن أن أقول لهم؟”.
لكن عندئذ جاء واحد منهم وجلس مياشرة مقابل الأب كليوبا في تلك المقصورة الصغيرة وسأله من أين هو. لم يشأ الشيخ الإفصاح عن أنه من سيهاستريا، لذا قال بأنه من أحد الأديار التي قرب نيمتس.
“من أنت: أكاهن أم بروفسور أم أستاذ؟” سأل الرجل. لو كان قد تكشّف للرجال أن هذا هو الأب كليوبا الذي من سيهاستريا لكانوا قد عرفوه من اسمه. إلاّ أن الأب كليوبا أجاب بتواضعه المعهود: “لست سوى راهب بسيط عليه أن يسافر الآن إلى باكو”
“إسمع! قال الرجل “هؤلاء لديهم الحشرية ليسمعوك تخبرنا شيئاً عن الله. كيف هو الأمر مع الله؟ كتابكم المقدّس يقول بأن الله صنع السماء والأرض وكلّ العالم، لكن لدينا أفكار أخرى عن هذا الموضوع”
أجاب كليوبا: “أرجو أن تعذروني. إنني راهب بسيط، ولكن حتى ولو بدأت بإخباركم عن الله، فإن هذا القطار سيدور حول العالم ثلاث مرات، ولن أكون قد انتهيت، لأن هناك الكثير لأقوله.”
قال ضاحكاً: “ها سمعتم ما قاله الكاهن؟ هيّا، نريد أن نعرف. إنك راهب ونحن ضبّاط، وكلنا ذاهبون إلى باكو. هيا، كيف حدث الأمر يا أبتِ؟”
قبل أن يبدأ بالكلام، وقف الأب كليوبا ورسم إشارة الصليب. من البديهي أن الآخرين لم يقوموا بالشيء نفسه. “إنها مشكلتهم” فكّر الشيخ في نفسه وهو يلاحظ عدم احترامهم للصلاة واستخفافهم بها.
وقف أحدهم وهو برتبة رائد، وسأل: “أنظر أيها الأب، علي أن أخبرك شيئاً. أليس أمراً منافياً للعقل أن يتوقع منا الإيمان بشيء لا يُرى؟ أنت تقول بأن الله موجود، لكن هل رآه أحدٌ؟ إنه من الجنون أن يؤمن أحدهم بشيء لا يُرى.”
“أيها السادة، أولاً، أريد أن تؤكدوا لي بأننا سنناقش باحترام، كون هذه المسألة غايةً في الجدّية”، أجاب الأب كليوبا.
“طبعاً، أيها الأب” قال مستهزئاً، “لمَ لا؟ إذا شعر أحدهم بالإنزعاج، تكون مشكلته!”.
بدأ الأب كليوبا الكلام بحكمته الكبيرة: “أرى أنّكم رجال أذكياء، إلاّ انني بسيط جدّاً. رغم ذلك سوف أبدأ، كما قلتم، بـ”القصة” عن الله كما نفهمها نحن. أنظروا أيها السادة، علي القول بأنكم، كلكم في هذه المقطورة، حمقى”.
“هل سمعتم ذلك، لقد نعتنا الكاهن بالحمقى”
“بالطبع! وإذا ما وجدتم بأنني مخطئ في هذا الموقف، فعندما نصل إلى أول محطة سلموني للبوليس. لكن أولاً سوف أريكم لماذا قلت أنكم حمقى”
سألوا: “من الغباء المطلَق أن يؤمن أن يؤمن أحدهم بما لا يراه. من الذي رأى الله؟”
توجه الأب كليوبا في حديثه إلى الآخرين في المقطورة قائلاً: “أسمعتم أنه قال بأنه من الجنون الإيمان بما لا يُرى؟ حسناً، قبل كل شيء، يقول الروح القدس في المزامير في أول المزمورين 13 و52” قال الجاهل (أو الأحمق) في قلبه ليس إله “ألم تقولوا أنه من الغباء الإيمان بما لا يُرى؟”
“نعم، هذا ما قلته”.
“حسناً، سوف أخبركم بأكم أنتم الحمقى. أنتم جميعاً أغبياء. وسوف أخبركم بأنه لي كامل الحق بقول هذا. لم أرَ عقل أيّ إنسان مطلقاً! لذا، وبحسب ما صرّحتم به بأنكم لا تستطيعون الإيمان بما هو غير منظور، أفلا يكون، حينها، من الجهل والغباء بالنسبة لي أن أؤمن بأن لكم عقلاً طالما أنني لم أره؟”
“حسناً سجّلوا نقطة للكاهن” قال أحدهم.
توسّع الأب كليوبا في حجته قائلاً: “كيف يمكنني الإيمان بأنّ لكم عقلا إذا لم أكن قد رأيته؟ لم أرَ عقلكم أو عقلي. كيف هو لونه؟ هل هو أبيض، أسود، أحمر، أخضر؟ ما هو شكله: مربع، مثلث، خماسي الأضلاع؟ أخبروني أيها السادة. أخبروني كيف يبدو. هل هو ذو رقائق أم قاسٍ؟ إذا كنتم تستطيعون ان تبينوا لي هذه الخصائص الفيزيائية عن العقل، فلسوف أقول بأن لديكم عقلاً. أما إذا لم تقدروا على تبيان ذلك، فإن ذلك يعني، وبحسب ما صرحتم به، بأن ليس لكم عقل”.
عند هذه النقطة بدأ الرجال باتهام بعضهم البعض بعدم صياغة نقاطهم في كلمات أخرى، وصار ينعت كلٌ منهم الآخر “بالأبله”. فبدأ يدركون أنهم يقابلون نداً لهم في شخص هذا “البوبا” البسيط.
تابع الأب كليوبا قائلاً: “إذاً سوف نتابع مُقِرّين بأن لكل واحد عقلاً. أليس كذلك؟ نحن نوافق على ذلك، حتى ولو لم نستطع رؤية العقل. دعونا ننتقل إلى نقطة أخرى: هل رأيتم الحياة؟ من سبق له أن رأى الحياة في الإنسان؟ هل سيقول أحد بأنّ شخصاً ما مَيْت عندما يكون من الواضح أنه حي؟ ومع ذلك، هل تستطيعون رؤية الحياة الحقيقية؟”
“حسناً، لا، ليس ذلك بالإمكان”، قالوا مقرّين.
“لكن الحياة، أبتِ، شيء جلي”.
“عظيم” أجاب الأب كليوبا “من خلال تجلياتها نستطيع أن نصدّق أن الحياة موجودة حتى ولو لم نستطع، بالحقيقة، رؤية الشيء الذي نسمّيه الحياة. هكذا الأمر مع الله”.
ثم بدأ الأب كليوبا بتعليمهم حول الحقائق المتعلقة بالنفس مدركاً أنه، بذلك، قد طرق موضوع اللاهوت الحقيقي: “ما هو تجلي الله في هذا العالم؟ هل لديكم مخيلة؟ هل تشعرون بالغضب؟ هل رأيتم الغضب؟ هل لديكم أفكار؟ هل رأيتم الأفكار من قبل؟ هل لكم رغبات؟ إنكم جميعاً تملكون هذه الأمور لأنها حقائق عن النفس تتضمن خصائص فطرية”.
“كلكم لديكم، في أجسادكم، إمكانية النمو، فهل سبق ورأيتم النمو؟ هل تعرفون كيف يكون نموكم؟ بالإضافة لذلك، لديكم قوى النفس كالتفكير والاختيار واتخاذ القرارات والحزن والفرح، لكن هل رأيتم، مرة، هذه الأشياء المتعلقة بالنفس؟
“تخبرنا الكتب المقدسة بأن الإنسان هو على صورة الله ومثاله. ليس هذا بحسب الشكل الخارجي، بل بحسب الروحي. أنظروا كم تملك النفس من قوى. لم تروا الغضب أو العقلانيّة أو الرغبة أو الفرح أو الحزن أو المخيلة أو الإرادة أو الحياة أو حتى العقل، ورغم ذلك فإنها، جميعاً، موجودة. حتى الفلسفة الوثنية تُعَلِّم بأن كل ما ذكرناه يتعلّق بالنفس. لكن، هل قد رأتهم، مرّة، النفس؟”
“هذه نقطتنا بالضبط” أعلن الرجال، “لا يمكن أن تُرى لأنها لا توجد”.
“كيف تقولون هذا؟” سأل الأب كليوبا، “إذا لم يكن لكم نفس، فلن يكون بإمكانكم حتى مخاطبتي. لن يكون بإمكانكم أن تطرفوا بأجفانكم بدون الله إذا لم يكن فيكم حياة. كل وظائف النفس: الحياة، الفكر، الإرادة، المنطق، الغضب، الفرح، كل شيء هو غير منظور، وكل هذه الوظائف التي هي على صورة الله ومثاله غير منظورة لأن الله غير منظور. إلا أن الإنسان هو نموذج وصورة الله على الأرض، خاصة من ناحية حصائص النفس أي الفكر والكلمة والروح.”
“هل قد رايتم، مرة، الكلام؟ أو الروح التي بها تتكلمون؟ أنظروا كم يوجد من الوظائف غير المنظورة في نفسكم. لم تروها ابداً، لكنكم تعلمون أنها موجودة”.
بدأ أحد الرجال يتيقن بأنه ليس هناك من طريقة يستطيعون بها أن يخرجوا ظافرين في هذا النقاش: “همم! كان من الأفضل لو بقينا صامتين! ربما يكون هذا الرجل مدير معهد اللاهوت أو أي شيء آخر”.
ثم قرّر أحدهم، وهو طبيب، بأنه يستطيع الحصول على الأفضل من هذا الراهب البسيط، “أبت، لننتقل من هنا ونترك الآخرين وشأنهم. اسمع، إنني رائد وطبيب. لقد أجريت عمليات لا عدّ لها، وأعلم كل ما في داخل الإنسان بما أنني جراح منذ أكثر من ثلاثين سنة، لكنني لم أرَ النفس. فكيف يمكنني أن أؤمن أنها موجودة داخل الإنسان إذا لم أصادفها خلال كل هذه العمليات الجراحيّة؟” حينها، وجّه الأب كليوبا كل انتباهه نحو الطبيب: “أنت طبيب ولا تؤمن بوجود النفس من خلال إجرائك لكل هذه العمليات الجراحيّة؟”
“هذا صحيح”
“ولكن، هل تؤمن أنت والأطباء الآخرون بأن العذاب موجود في العالم؟”
كان الطبيب قد وقع أسير الأب كليوبا.
“بالطبع إنه موجود يا أبت”
أطرق الأب كليوبا هنيهة ثم قال: “أنا لا أؤمن أن العذاب موجود. من الغباء أن يكون لك إيمان بشيء كهذا يا سيّدي لأنني لا أقدر أن أرى ما تسمّيه عذاباً أو ألماً”
“آه، لكنه حتماً موجود” قال الطبيب بإصرار.
“عندما تجرح أحدهم بمبضعك ويصرخ، أو عندما يعاني وهو في قبضة الموت، فهل تكون قد رأيت الألم؟”
“ليس الألم شيئاً تستطيع أن تراه” أجاب الطبيب
“ولكنك تريد أن ترى النفس؟ الألم واحد من وظائف الجسد، إنه طبيعي بالنسبة للإنسان، وهو مندمج مع هذه المظاهر التي تتعلق بالنفس. فكما أنك لا تستطيع رؤية الألم فإنك، أيضاً، لا تستطيع أن ترى النفس. من الذي قذ رأى الألم؟ لكن الكلّ يعلم أن الألم موجود”
بدأ رفاق الطبيب يسخرون منه ” لقد أخرسك الكاهن، أليس كذلك؟”
أحد الضباط الذي تمنى لو لم تبدأ تلك المناقشة قال للآخرين: “لقد صادفنا شخصاً سيِّئاً هنا”.
لكن آخراً كان قد بدأ يرى شعاعاً من النور الحقيقي قال: “إنتظروا يا شباب. إنه شيء من الحسن أن نسمعه. بمقدورنا القول للآخرين بأننا قد تعلمنا من الكاهن. إستمر با أبت، أخبرنا بالمزيد”
إلا أن أحدهم قال للأب كليوبا قبل أن يتسنّى له البدء: “نحن نعلم با أبتِ بأن الكنيسة قد جابهت العلم باستمرار. لقد أطلق الروس، بنجاح، الإنسان إلى الفضاء. لقد دار يوري غاغارين حول الأرض ثلاث مرات وحَطّ بأمان”
“ما علاقة هذا بما قلناه؟” سأل الأب كليوبا: “لم أبرهن أية نقطة مما ذكرت”.
“إنها ثمار وبرهان غلبة العلم على الدين” قال الضابط، “انك اليرهان بأن الكنيسة هي ضد العلم وذلك بقولك بأنها قدمت البرهان على لا شيء. إنكم جميعاً مثل الحمقى الذين وفقوا ضد غاليليه.”
في تلك اللحظة كان ذلك “الراهب الراعي البسيط” الذي من سيهاستريا على وشك أن يخجل أولئك القوم المتعلمين “دعوني أشرح هذه الأمور قليلاً. إذا ما ابتعدت نحلة عن قفيرها وطارت حول الحقل الذي يوجد فيه هذا القفير، فهل تستطيع تلك النحلة الافتراض أنها تعرف كل شيء عن هذه العالم؟ بالطبع لا. وهذا بالضبط ما يفعله الإنسان. لقد خرج من قفيره ودار حول الحقل الذي يعيش فيه وهو الآن يظن أنه قد قام بشيء مميز. البعوضة التي تتنقل من أصبع إلى أخرى تنجز أكثر مما فعله الإنسان بعلمه في الشرق والغرب. “لكن انتظروا قليلاً، هناك المزيد لأقوله. أكنتم تعتبرون هذا الكلام جميلاً أو مرّاً أو حلواً، فإني أريد أن أكمل شرحي بقدر الإمكان قبل أن نصل إلى باكو. أيها السادة، هل تستطيعون تمييز الدب الأكبر والدب الأصغر والنجم القطبي في الليل؟”
“طبعاً”
“يخبرنا علم القلك، في التقدم الذي أحرزه، بأن على الضوء المسير 1300 سنة ضوئية من أول الدب الأكبر حتى يصل إلى آخره. بما أن الضوء ينتقل 300،000 كلم بالثانية، فهل تتخيلون كم من المسافة توجد بين أول نجم في الدب الأكبر وآخر نجم؟، أو من أول نجم حتى البريبالوس”
“وما هو البريبالوس؟” سأل الرجال وهم مأخوذون بالكلية بما قاله الأب كليوبا.
“إنه نجم غاية في الصغر يكمن هناك. ما أرمي إليه هو: أخبروني، كم هي المسافة بين طرفي الدب الأكبر؟”
“هذا أمر مثير” قال الرجال متسائلين: “من الذي اكتشف كل هذا؟”
“عالم فلك من القرن الماضي يدعى كميلفلاماريون. لقد قرأت هذه الإكتشافات في كتاب عنوانه “الله والطبيعة”. لكن دعونا نتسمر الآن في موضوعنا: هل لاحظتم، مرة، نجماً يبدو وكأنه يرقص، تماماً عند هبوط الليل وبدء ظهور النجوم؟ أنه ألفا سانتورا. يقول علم الفلك بأنه أقرب نجم إلى مجموعتنا الشمسية، ورغم ذلك يلزمنا مليون سنة ضوئية للوصول إلى هذا النجم. والآن، أنظروا، يا سادتي، إلى كلّ هذه الصور والمقاييس وأخبروني عن الإنجاز العظيم الذي حققه يوري غاغارين”
“حسناً، بالحقيقة أنه ليس سوى نقطة في بحر” قالوا معترفين.
“إن محيط الأرض يقارب ال36،000 كلم. هل يقارن بملايين السنوات الضوئية التي تقع بين أقرب نجم وأرضنا؟”
“بما أننا تكلمنا عن كل هذا فدعونا ننتقل إلى موضوع أكثر خطورة في نقاشنا. لم يُظهر الله أعماله في الأشياء العظيمة فقط بل في الدقيقة أيضاً وذلك بحسب القديس نيقوديموس الآثوسي. تخيلوا أن خرم الإبرة يحوي ثمانية ساكستيلون ذرة. هذا رقم ضخم. عندما نكتب الساكستيليون فإننا ندون رقماً يتبعه 21 صفراً. فمن أراد إحصاء الذرات في خرم الإنرة عليه أن يبدأ العد بما يفوق المليون عدداً في الثانية، ولسوف يلزمه 250 سنة حتى ينتهي. أخبروني، إذاً، هل تقارن عظمة العلم بحقيقة أن الله قد وضع هذا العدد من الذرات في فسحة هي خرم الإبرة!”
“دعونا نتابع في أمر أكثر إعجازاً. يوجد 16 بليون إيون على رأس الإبرة. لقد أعلن كميل فلاماريون هذه الحقائق جاذباً انتباه معاصريه من الملحدين كونهم ارادوا خلق كائن حي. هذه المحاولات هي عقيمة لأن الله وحده يستطيع خق الحياة. كم تظنون يبلغ حجم هذه الأيونات؟ إذا كان لديكم عدسة مكبرة تستطيع جعل البرغوث يبدو بحجم مدينة سياهلو، فتظلون عاجزين عن مشاهدة الإيون. ولكن رغم صغر هذه الأيونات فهي حيّة”.
“تردد فلامريون عن الإفصاح أن الله موجود في كل جسم أو نبتة لأن ذلك كان يُعتبر هرطقةٌ تسمى الحلولية! لكنني سأضع الأمر على هذا النحو: إن الله موجود في كل خلائقه كونه جعل الحياة في كل ما هو موجود، وحتى في أصغر الكائنات المجهرية”.
“أيضاً علينا الإنتباه ألا نبدو حلوليين (الحلولية مذهب يقول بأن الله والطبيعة شيء واحد، وبأن الكون المادي والإنسان ليسا إلا مظاهر للذات الإلهية.)، لذا فإننا لا نقول بأن الله هو روح الطبيعة. نحن نقول بكلمات القديس بولس الرسول بأن الله موجود لأن به كل الأشياء توجد”
أيقن الأب كليوبا أنهم قد بدأوا للتو نقاشهم، لكن كان عليه أن ينهيه لأنهم كانوا قد بدأوا يقتربون من محطة باكو. لذا قال لهم: “يجب أن تفهموا، أيها الإخوة، إنه لا يمكنكم أن تطرقوا بأجفانكم بدون الله”.
“لماذا؟ أبت؟” سألوا بأسلوب أقل عدائية من قبل، وفيه صدق لمعرفة الحقيقة.
“الحياة منحة من الله المانح الحياة. فإذا مُتُّم لا يمكنكم أن تطرفوا عيناً”. كان قد مضى النقاش أكثر من ساعتين. إضافة إلى النقاط المذكورة سابقاً، فقد استشهد الأب كليوبا بشكل واسع بكتابات القديسَين يوحنا الدمشقي وباسيليوس الكبير. في ترجّلهم من القطار، كان الرجال آسفين لتركهم الأب كليوبا. قام العديد منهم بمعانقته، آخرون قدموا له بعض الفاكهة والحلوى. إلاّ أن الظاهرة الأكثر تأثيراً كانت أن العديد منهم أعطاه لوائح بأسماء أشخاص لذكرهم في الذبيحة. هؤلاء الرجال، الذين كانوا قد إدّعوا أنه لا وجود لله، أصبحوا الآن يسألون الشيخ أن يصلي من أجلهم ومن أجل أحبّائهم.
“أبتِ، نريد مراسلتك. لكن أخبرنا من أنت: لا بد وأنك استاذ أو مدير لكليّة اللاهوت.”
“لقد أخبرتكم أنني لست سوى راعٍ بسيط في دير. إذا ما أردتم أن تسمعوا أموراً عظبمة ورائعة فما عليكم إلاّ أن تقابلوا أسقفاً ورئيس دير. حينها ستكونون مبهورين بروعة الأشياء التي سيخبرونكم عنها. لست سوى راعٍ وراهب غير متعلم، لكن الأساقفة قد تلقّوا علوماً فأضحوا يعرفون كيف يتكلمون ويفسرون”
اقتنع الرجال. “ما قيمة حياتنا؟ لسنا سوى حمقى! إنظروا إلى ما أخبرنا به هذا الراهب”
لقد أظهرت تلك المناقشة التي قام بها الأب كليوبا في القطار بأنه، بالرغم من أن قوى الظلام تسعى لدحر الكنيسة وتدميرها، إلا أن أبواب الجحيم لن تقوى عليها. ذلك النقاش الذي دام ساعتين بين العسكريين المفكرين والراهب – الراعي البسيط الذي من سيهاستريا كان، بمعنى ما، صورة للشعب الروماني تحت التسلّط الشيوعي وللغلبة على ذلك الطغيان. لقد جرت تلك المناقشة سنة 1957، لكن الكنيسة الرومانية والشعب كانوا قد تحملوا تجارب رهيبة قبل أن يُرفع عنهم، في النهاية، نير الإلحاد.
إن الاضطهاد المذكور آنفاً، والذي كان يلوح في الأفق، كان على وشك أن يُشَنّ ضد خدّام المسيح.

معنى الخصام والمصالحة

مختارات من معنى الخصام والمصالحة

الأرشمندريت سيرافيم الكسييف

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

 

لقد تمّ لي أن أستبين ماهيّة النضال المعيب المستميت: الرجل الذي يحمل حقداً في صدره يخفي حيّة في قلبه. تعلمون، أيها القراء الأعزاء، من تجربتكم الخاصة، كم تكون نفسكم مُثقلة عندما تتخاصمون مع أحدهم. يكون الأمر كما لو أن جبلاً يدفعكم بثقله للأسفل. تعجزون عن التنفس بسهولة وحرية. تشعرون أنكم مقيّدون، لا بل وأسوأ من ذلك، لأن الأسير الذي يكون جسده مقيّداً تكون روحه حرّة. أما في حالتكم، فإن الروح تكون مقيّدة بسلاسل الخصام الشيطانية، فيكون الجسد ضعيفاً بسبب ذلك. من يتخاصم مع جاره يكون عبداً للشيطان. هل هناك عبيد سعداء؟ إذا كان العصفور المسجون في قفص سعيداً، فإن البؤساء المقيّدين في الخطيئة يكونون سعداء مثله. كلا، لا يزهر أي فرح بين أعشاب الخطيئة، وحتى أقل من ذلك بين أشواك الحقد والخصام. عندما تكُنّ الضغينة لأخيك، فإن السلام لا يسكن قلبك.
من ناحية أخرى، كم تشعر روحك بالنور إذا ما تصالحت مع عدوّك! فإنك سترغب، كما العصفور المُحرّر من القفص، أن تطير الى السماء لشدّة فرحك. إنك تسرّ بالمصالحة أكثر مما لو وجدت كنزاً. بالتأكيد، فإنك قد وجدت ما هو أثمن من الكنوز. إنك قد وجدت المحبة وتغلّبت على عدوّك محوّلاً إياه من خصم الى أخ. يعبّر الناس البسطاء عن ذلك بشكل جيّد: “الخصام عمل الشيطان”. هذا هو سبب جلبِه الظلام إلى النفس ليوقعها في الغم والعذاب كما لو أنها في الجحيم. إن نعمة الله التي تجلب السلام والفرح للقلب، تهرب من الحاقد. إذا كان “الخصام عمل الشيطان” فالمصالحة عمل الله. من أثمن عطايا الله السلام. عندما توجد المصالحة فإن الظلام يتلاشى من نفوس مَن كانوا لا يزالون في الحقد ويستقرّ هناك سلام الله، نور الله وفرح الله. إن نعمة الله تحلّ على من وجدوا المصالحة، وهم يشعرون كما لو أنهم في الفردوس.

إليكم نموذجا حياة من روسيا. خَدم في إحدى القرى كاهن كان دائم الشجار مع قارئ الكنيسة. لم يكن القارئ قد أنهى دراسته اللاهوتيّة، لذا لم يستطع أن يصير كاهناً، فكان حلمه أن يصبح، على الأقل شماساً. لسوء الحظ، لم يكن بإمكانه الاعتماد على دعم الكاهن الذي يكرهه ويتشاجر معه بفظاظة. في إحدى المرّات تشاجر الكاهن والقارئ خلال إحدى الخدم. فعلا صوت الكاهن ولم يتراجع القارئ بل ردّ عليه بكلمات مُهينة. غضب الكاهن وهمَّ بضرب القارئ بالمبخرة. فقام الأخير برمي الكتب على الكاهن، وانتهى بهما الأمر الى العراك بكل معنى الكلمة والناس في اضطراب وغمّ. انتشر خبر عراك الكاهن والقارئ في هيكل الله في كلّ القرية، ونُقل الأمر الى الأسقف في المدينة. كان ذلك الأسقف رجلاً بالغ الحكمة. فأرسل في طلب الكاهن والقارئ للإستفسار منهما واكتشاف الشخص المُلام. نادى على الكاهن أولاً وسأله:
– أخبرني كيف حدث الأمر. إعترفْ بالحقيقة بكلّ صدق.
راح الكاهن الخائف يبرر نفسه
– أيها السيّد القديس، كنت أقوم بالخدمة في الكنيسة وطلبت من القارئ أن يقرأ ببطء أكثر، لكنه هاجمني بإهانات وبدأ برمي كتب الخِدم عليّ، حتى أنّه لكمني بقبضته. ففتّشت على المبخرة لأدافع عن نفسي، لكنني لم أفعل له أي شيء.
– إذاً فهو المُلام؟ سأل الأسقف.
– نعم أيها السيّد القديس، إنّ اللوم يقع عليه.
– إذاً فهو الذي بدأ بالعراك؟
– نعم أيها الأسقف، هو من بدأ بالعراك.
– إذاً فأنت شهيد. أيها الرجل المسكين كم عانيت مع هذا القارئ الحاقد ولم تشتكِ أبداًّ! هذا ما فكّرت به كمكافأة تعوّض عليك: سوف أُرفِّعُك، غداً، الى رتبة المتقدِّم في الكهنة. هل سمعت يا بنيّ، وكن جاهزاً غداً.
تأثّر الكاهن بخطورة الأمر غير المتوقّع فقال: “لكن، أيُها الأسقف، لستُ مستحقاً أن أكون متقدّماً في الكهنة. إنني مذنب بسبب العراك، ويبدو أن ذنبي أكبر من ذنب القارئ، فأنا من بدأ بالعراك.”
– إذاً، لديك ضمير حي؟ المجد لله، المجد لله!
قالها الأسقف بفرح وتابع: “لذلك، فأنت مستحقّ كلياً درجة المتقدّم في الكهنة”.
بدأ الكاهن بالبكاء، شعوراً منه بالندم.
ثم أرسل الأسقف في طلب القارئ. دخل هذا الأخير مُضطرباً فرأى الكاهن يبكي والأسقف غير متجهم بل مبتسماً كأب. سأله الأسقف:
– ماذا تقول، من بدأ الشجار؟
– لم يكن أنا، بل الكاهن
قال القارئ الخائف مبرراً نفسه.
– لقد قال الكاهن الشيء نفسه بأنه هو المُلام. هذا يعني أنك بريء لأنك تحمّلت، كما يفعل الشهداء، مضايقات وإهانات الكاهن لمدّة طويلة. لقد قررت رسامتك شماساً في الغد، ها أنت جاهز؟
لقد كان القارئ يتوقّع عقاباً، لكنّه الآن يتلقّى عرضاً برفعه لرتبة الشموسية وهو ما كان يحلم به منذ زمن. إلا أن نفسه كانت مضطربة. لم يكن يشعر بأنه مستعد للشموسية بسبب خلافه مع الكاهن. فجأة… انطرح على قدميّ الأسقف قائلاً، من خلال دموعه: “أيها السيّد القديس، لستُ مستحقاً أن أكون شماساً. إن اللوم يقع عليّ أكثر من الكاهن”.
فما كان من الأسقف إلا أن أنهضه عن الأرض واحتضنه قائلاً: “لقد أصبحت الآن أكثر استحقاقاً لأنّك تُبتَ كما تاب الكاهن. لهذا السبب بالضبط سأقوم برسامته متقدّماً في الكهنة أما أنت فشماساً. سلّما على بعضكما”.
تعانق مَن كانا عدوّين سابقاً طالبَين الغفران كلٌّ من الآخر بندم عميق. وفي اليوم التالي، خلال القداس الإلهي، قام الأسقف بمكافأة كلّ منهما بالرتبة التي وعده بها، ثم أرسلهما بسلام الى قريتهما.
عادا مُتصالحَين مسرورَين وذلك أمام دهشة كل أهل القرية. ومن ذلك اليوم عاشا كما يعيش الإخوة الحقيقيون دون أن يتخاصما أبداً.

إليكم مثلاً آخر من روسيا.
كان كاهن وشماس إحدى الكنائس يكرهان للغاية أحدهما الآخر وكانا دائما المخاصمة. لا يجب أن تفاجأوا، أيها الأخوة والأخوات، بأنه من الممكن أيضاً أن يتخاصموا أحياناً. إنهم يذودون عن القلعة الروحيّة – أي الكنيسة – فكثيراً ما يقوم الشيطان بشنّ حربه عليهم. عاش الكاهن والشماس في نزاع لفترة طويلة، مما جعل هذا الخصام، في النهاية، يصل الى حد عدم تحمّل أحدهما النظر الى الآخر. لقد تسمّمت حياتهما. لم يستطع الكاهن، في نهاية الأمر، أن يتحمّل العيش على هذا النحو، فلجأ الى ناسك قدّيس طلباً للمشورة. أخبر الناسك كلّ شيء، كيف يختلف والشماس حول أبسط الأمور وكيف أن كرههما لبعضهما كان ينمو يومياً، كيف أن الشماس، رغم كونه في رتبة أقل من الكاهن، لا يحترم هذا الأخير الذي لم يعد يستطيع تحمله أكثر من ذلك، لذا فقد قرر ترك الرعية. سأل الكاهن: “بماذا تنصحني؟”
أعطى الناسكُ الكاهنَ أفضلَ وأصعب مشورة: “إلزم الصمت وتحلَّ بالصبر. تحمّل كلّ شيء باستمرار، والرب سوف يُساعدك على تغيير خصمك والتغلب عليه”. قرر الكاهن تجريب هذه النصيحة كفرصة أخيرة.
عندما عاد الى رعيّته، صدف أنّه كان عليه إقامة إحدى الخدم مع الشماس. خلال الخدمة، طلب من الشماس بلطف: “ناولني الصليب”.
– “خذه بنفسك”. أجاب الشماس بنزق وتابع: “لستُ خادمك”.
لم ينبس الكاهن ببنت شفة بل ذهب وجلب الصليب. كان الشماس متفاجئاً من أن الأمر لم يتطوّر الى الشتم والإهانات كما يحدث عادة. في المرة التالية، عندما كان على الإثنين أن يخدما معاً، قام الشماس بتعنيف الكاهن لسبب ما، إلا أن الأخير تحمّل كلّ شيء بصبر. استمرّ ذلك لفترة. كان الكاهن يتحمّل بهدوء الى أن بدأ الشماس ينتبه لتصرّفاته حتى أصبح يخجل مما يقوم به.
“كم أنا سيّئ” فكّر في نفسه “أنا أتنمر على الكاهن الذي هو أعلى رتبة مني. لكنه لا يعنفني بل يتحمل كل ما يبدر مني. سأذهب إليه طالباً الصفح.”
كم كان الكاهن الصبور متفاجئاً ومُتأثراً عندما رأى الشماس آتياً الى بيته ساجداً أمامه وطالباً منه المُسامحة بدموع. تعانق الإثنان وتصالحا. وبقدر ما كان يكره أحدهما الآخر سابقاً، أحبّ أحدهما الآخر بعد ذلك.
هكذا تكون ثمار الغفران المُتبادل.

الأرملة أناستاسيّا

انستاسيا الأرملة

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

 

حكم الامبراطور نيكيفوروس القسطنطيني من سنة ١٠٧٨حتى ١٠٨١. وقد قرر بناء كاتدرائية تكون شبيهة بكنيسة أيّا صوفيا (الحكمة المقدسة). عند انتهاء البناء، دعا بطاركة أورشليم والإسكندرية والقسطنطينية لتكريس الكنيسة الجديدة التي بناها. أعلن عن التكريس قبل الموعد بعدة أشهر ليتيح للجميع الوقت للوصول إلى القسطنطينية العظيمة في الوقت المحدد. لا ننسى أنه لم تكن هناك سيارات أو طائرات أو قطارات في ذلك الوقت. كان على كل شخص السفر في عربات تجرها ثيران أو أحصنة أو حمير ومن يأتي من مسافات بعيدة يتحتم عليه عبور البحر بالسفينة.
عندما أصبحت كاتدرائية نيكيفوروس جاهزة للتكريس كان هناك ثلاثة بطاركة وأربعون ميتروبوليتاً وآلاف الكهنة باعتبار أنها كانت كاتدرائية امبراطورية. تقاطرت إلى المدينة آلاف العربات بسبب كثرة عدد المؤمنين الآتين من الجوار. كان كل واحد يحمل معه شيئاً للكاتدرائية: سجاد، براميل نبيذ، زيت، طحين، شموع…الخ. كان كل واحد يرغب بتقديم شيء.
في ذلك الحين كانت أرملة تدعى انستاسيا تحيا في القسطنطنية. قضت خمسين سنة في الإيمان مترددة بانتظام إلى الكنيسة لتصلي للرب . كانت تعيش في ضاحية المدينة في نفس الحي الذي كان على عربات ومقطورات المسافرين المرور به للوصول إلى الكنيسة الجديدة. أنستاسيّا كانت فقيرة للغاية وبيتها كناية عن كوخ ولم يكن لديها لا مال أو زيت أو طحين ولا شيء تقدر أن تقدمه للكنيسة الجديدة. فقررت تقديم القليل من العشب للثيران التي تجرّ العربات، ذلك لأنها لا تملك سوى منجل صغير ومذراة.
كانت الأرملة فقيرة مادياً لكن غنية في إيمانها. خلال أشهر الشتاء كانت تغزل الكتان والصوف لسكان المدينة وفي الصيف كانت تتناول منجلها وتلتقط فضلات الحصاد من الحقول بعد مغادرة الحصادين ثم تجمع الحنطة في بطانية وتضربه لاستخراج قدر قليل من الطحين لتسد حاجتها. رغم فقرها، كانت ذات قلب شكور. هذا ما كان يدور في رأسها عند مشاهدتها الثيران تجرّ الأحمال الثقيلة من البضائع لاجل احتفالات الكنيسة الجديدة: “لا مال عندي أو سجاد أو زيت…لا شيء. لكنني أستطيع تقديم القليل من العشب للحيوانات”. مع ذلك، كانت خائفة لأنها لا تملك أرضاً، فمن أين تستطيع جلب العشب دون أن تقوم بأي أمر خاطئ.
تناولت كيساً كبيراً وتوجهت نحو الحقول. راحت تقطع الكثير من نبات بريّ يسمى العكرش وهي حذرة من إتلاف المحاصيل الأخرى، وتضعه في كيسها وهي تحدث نفسها: “سوف أعطي الثيران القليل من العشب حتى ولو لم يكن من أرضي”. توجهت بكيس العشب نحو المنطقة الواقعة قرب الكنيسة وهي تحمل عكازاً، وكان يجتمع العديد من الناس. وجدت زوجاً من الثيران قد انتهى لتوّه من أكل قليل من العلف. كانا يتطلعان حولهما منتظرين مزيداً من الأكل. فهما لا يزالان جائعين لكنهما لم يستطيعا الوصول إلى أي طعام. فتحت أنستاسيّا كيسها ووضعته أمام الثورين قائلة: “أيها الرب تقبّل هذا المقدار القليل من العشب وسامحني لانني لا أملك ما أقدمه للكنيسة في يوم تكريسها. فحتى هذا العشب ليس من أرضي”. وكانت تبكي عند تفوهها بهذه الكلمات. وبعد ان انتهى الثوران من الأكل دخلت الكنيسة لحضور التكريس.
ما شاهدته في الكنيسة أذهلها: عديد الناس والزينة الغنية للهيكل الجديد. كانت الكنيسة قد هيئت كعروس في يوم عرسها مع كل هذه الزخارف وأصبحت جاهزة للتكريس الذي سيتم في الغد. توجهت أنستاسيّا إلى أيقونة في آخر الكنيسة حيث تقف النساء عادة. هناك ركعت المرأة الفقيرة العجوز، وجهها مملؤ بتجاعيد السنين، على رأسها وشاح عتيق، نعلاها على أشد ما يكونان في الفقر، ترتدي ثوباً بالياً. ركعت مصلية إلى الله: “سامحني يا رب لعدم تقديمي أيَ شيء للكنيسة، فأنا لا أملك شيئاً. الإمبراطور هو ملك على الارض وسيكون عظيماً في السماء أما أنا ففي غاية الفقر ولا مال لدي ولا شيء أقدمه”. وانهمرت دموعها حتى الأرض.
ثم ما لبث الإمبراطور، محفوفاً بحاشيته وخدامه، أن دخل الكنيسة. أشار رئيس وزرائه، المدعو بطرس، إلى اللوحة التذكارية لافتاً انتباه الإمبراطور إليها. ففي الكنائس والأديرة لوحات تذكارية توضع فوق أبوابها لكونها تُعتبر معالم تاريخية. كانت اللوحة عبارة عن قطعة من الرخام كتب عليها بماء الذهب ما يلي: “لمجد الثالوث الأقدس، الآب والابن والروح القدس، شُيدت هذه الكنيسة المقدسة ومُوِّلَت من قبلي أنا الإمبراطور نيكيفوروس”. استحسن الإمبراطور راضياً عن طريقة تنفيذ النقش، فهو الذي أمر بذلك.
وهكذا دخل الامبراطور ترافقه الامبراطورة وجموع الضباط بمختلف رتبهم إلى الكنيسة لمشاهدة التحضيرات لحدث التكريس العظيم الذي سيجري في اليوم التالي. كل شيء كان مرتباً: الجداريات الرائعة، الأيقونات المذهبة، أغطية رائعة لحاملات الايقونات، ستائر أبواب الهيكل المقدسة، الإنجيل الشريف… كلّ شيء كان في مكانه بالتمام.
في الوقت الذي كان فيه أصحاب المقامات الرفيعة يتفقدون كل شيء في الكنيسة، كانت الأرملة العجوز أنستاسيّا، التي قد قدمت حزمة عشب للثيران، تبكي أمام الأيقونات في آخر الكنيسة. خلال صلاتها، قام ملاك الرب بتغيير الكتابة على اللوحة التذكارية. فأصبح النص، الذي أنجز بأجمل من السابق، يقرأ: “لمجد الثالوث القدوس الآب والابن والروح القدس تمّ إنشاء هذه الكنيسة المقدسة وتجهيزها من قبلي أنا الأرملة أنستاسيّا”.
شاهد الناس الذين كانوا في المؤخرة ما حصل وتجمدوا من الخوف. لقد قرأوا، سابقاً وبوضوح، اسم الامبراطور على الشاهدة. كان الناس في كل مكان، فلا سقالات في الكنيسة لكي يتسنى لأحدهم الوصول إلى اللوحة وتغيير الكتابة. لذا لم يكن أحد قادراً على تفسير ما حصل. قرأ الناس الكتابة ثم بدأ الكلام فيما بينهم.
-“ماذا…ماذا يعني هذا الامر؟”
-“ماذا هناك؟”
-“انظروا منذ برهة وجيزة عندما دخل الامبراطور كان اسمه على اللوحة”.
-“ماذا سيقول الامبراطور عندما يشاهد هذا؟”
كان الحاضرون يخشون من إطلاع الإمبراطور، لذا قاموا باستدعاء رئيس الوزراء بطرس وأروه الكتابة.
قرأ بطرس النص وقال:” انها أعجوبة! لا بأس بهذا. سوف أخبر الإمبراطور”.
أصغى الامبراطور إلى بطرس. يا للمنظر: الإمبراطور والإمبراطورة بتاجيهما الذهبي المتوجين على رأسيهما ووشاحيهما الملكي، يحيط بهما الجنود.
-يا صاحب الجلالة، أرجو ان تأتي للحظة إلى الردهة.
أتى الامبراطور ونظر إلى اللوحة بتعجب.
-لكننا عندما وصلنا إلى الكنيسة كانت كانت هناك لوحتي.
-أنا أعلم هذا يا صاحب الجلالة. الكلّ يعرفون ذلك. لكن انظرْ الآن ما كتب هناك.
-آه، يا لي من خاطئ! إنها معجزة عظيمة! ليس بمقدار أحد أن يفعل ذلك سوى الله نفسه. إنها عجيبة رائعة. لقد خسرت الكنيسة لانني صنعتها بكبريائي الذاتية. والآن قد مُنحت لأرملة!.
ما كان من الإمبراطور إلاّ أن نادى رؤساء أعوانه قائلا: لن يتم تكريس هذه الكنيسة حتى نجد الأرملة. وعندما نجدها سنقوم بالتكريس على اسمها لأنّها أعظم مني أمام الله”. ثم أعطى أوامره للتفتيش في كل الامبراطورية عن الأرملة أنستاسيّا.
أصبحت الآن مشيئة الله كشف هذا السر بسرعة. وقد تمّ ذلك عن طريق أرملة اخرى بنفس سن أنستاسيّا المباركة. كانت هذه المرأة بين الحشد لكنها لم تنتبه لوجود أنستاسيّا.
في خضم الاضطراب الذي كان يحدث في مدخل الكنيسة، سألت الأرملة: ماذا يجري؟
وعندما أخبرها أحدهم أنهم يبحثون عن أرملة اسمها أنستاسيّا قالت: “أنا أعرف أنستاسيّا. فهي تعيش في طرف المدينة”.
-“ماذا؟ هل تعريفينها! تعالي إلى الأمبرطور”.
أخبرت المرأة العجوز الامبرطور اين تعيش الأرملة أنستاسيّا، فأرسل بسرعة مساعديه لاجادها واصطحابها إلى الكنيسة.
توجّه المساعدون على أحصنتهم إلى طرف مدينة القسطنطنية لكي يجدوا أنستاسيّا ويصطحبوها إلى الإمبراطور. عند وصولهم إلى حيث أرشدتهم العجوز، وجدوا بعض الأولاد يلعبون، فسألوهم: هل تعلمون، يا أولاد، اين تقيم أرملة اسمها أنستاسيّا؟
فأرشدهم أحد الأولاد الذي يكبر الباقين سناً: تعيش أنستاسيّا هناك، قرب الحديقة.
توجّه الرجال إلى البيت حيث الحديقة. فماذا وجدوا على باب أنستاسيّا؟ لا قفل، لا مزلاج، ولا مقبض. عندما لا يكون لأحدهم أيّ شيء يملكه فهو لا يخاف من اللصوص. كان الباب مغلقاً ومربوطا إلى مسمار بحبل رفيع. كان من الواضح أن المرأة ليست في البيت وكانت ممتلكاتها القليلة على مرأى من الجميع، لم يكن هناك ما يستحق السرقة. لقد ذهبت إلى الكنيسة لحضور خدمة التكريس.
قال خدّام الإمبراطور للأولاد: العجوز أنستاسيّا ليست في المنزل.
“لا لقد غادرت أنستاسيّا، ومعها قبضة من العشب إلى المزرعة”. أجاب الأولاد، غير عالمين أنها ذهبت إلى الكنيسة. عاد الضباط والرجال الآخرون أدراجهم ليقدموا للأمبراطور تقريرهم: “يا صاحب الجلالة لقد ذهبنا ووجدنا المنزل الصغير في طرف المدينة. كان هناك بعض الأولاد يلعبون، فقالوا بأن أنستاسيّا هنا، بين هذه الجموع، في مكان ما”.
سمع أحد الذين يعرفون أنستاسيّا ما جرى فقال بأنها هنا في الكنيسة: “انها تصلّي للمخلّص”.
“إذا كانت في الكنيسة، قولوا لها ألاّ تخاف. بما أنها لم تقابلني قط”. قال الامبراطور. “أرسلوا بعض النساء الكبيرات في السن ليقولوا لها بأنه، في يوم تكريس الكنيسة، سوف يمنح الامبراطور بقرة هدية لكل النسوة المسنّات.”
تنفيذاً لأوامر الأمبراطور، وجدت النسوة العجوز أنستاسيّا وجئن بها إلى أمام الأمبراطور الذي قال: “لا تخافي يا أنستاسيّا، لقد وُجدتِ أهلاً لنعمة إلهيّة. ما الذي قدّمته هذا الصباح لتكريس الكنيسة؟”
– لم أجلب شيئاً، صاحب الجلالة، لأنني فقيرة للغاية”. لم تعتبر قبضة العشب التي قدمتها للثيران نوعاً من التقدمة.
– أرجو أن تمعني التفكير، أيتها العزيزة أنستاسيّا. لا بد وأنك قدمت هدية كبيرة لأنّ كنيستي قد مُنحت لك.
– لم أجلب أية هدية لأنه لا مال لدي. لا أملك شيئاً. كل ما لدي هو منجل ومذراة. أحيك، خلال الشتاء، الصوف للناس، وفي الصيف أستعمل المنجل لجمع ما خلفه الحصادون ورائهم، وهكذا أجمع القليل من الطحين. لا شيء لديّ إلى جانب ذلك.
– إنها كنيسة إمبراطورية، فقد أنفقت ثروة من ذهبي وفضتي لإنشائها. لكن، انظري إلى الكتابة التي تقول أن الكنيسة أُنشئت من قبل أنستاسيّا! ماذا قدمت لهذه الكنيسة؟
– لم أقدّم شيئاً سوى قبضة من العشب لزوج من الثيران.
– لا تخافي يا أنستاسيّا. إن الله هو الذي كتب هذه الكتابة، لا أنتِ. الله نفسه كتب بأن هذه الكنيسة إنما هي كنيستك.
كانت الكتابة على اللوحة ما يلي: “لمجد الثالثوث القدوس الآب والابن والروح القدس، أنشئت هذه الكنيسة المقدسة وجُهزت من قبلي أنا الأرملة أنستاسيّا”. كان على الرجال أن يقرئوا الكتابة كونها أُميّة.
– أرأيتِ، أيتها المرأة العزيزة، لقد قلتِ بأنك لم تجلبي أي شيء، لكن تذكري بأنك قدمت قبضة من العشب.
– لقد فعلتُ ذلك، لكنها ليست تقدمة حقيقة مني، لأنني قلعت الأعشاب من حقل لا أملكه.
– اسمعي يا أنستاسيّا، إن قبضة العشب تلك هي أثمن من كلّ ما قدمتُ أنا من كنوز. لاحظي أن ملاك الرب قد وضع الكنيسة باسمك وستبقى كذلك للأبد. سوف نكرس الكنيسة بمعية كل هؤلاء البطاركة، وبوجود كل هذه الأبهة والاحتفالات كما كنا قد خطّطنا، إلا أن الكنيسة ستكون لأنستاسيّا للأبد. ستكرّس على اسمك طالما أنّ الملاك قد كتب هذا في السماء وعلى الأرض.
صُعقت الأرملة البائسة وهتفت: يا للعجيبة.
عندما ماتت المباركة أنستاسيّا القسطنطينية، دفنها الأمبراطور تحت الهيكل وقد كتب فوق قبرها: “هنا، في الكنيسة التي منحها إياها الله بشكل عجائبي، ترقد الأرملة أنستاسيّا”.
إن قبضة من العشب قُدِّمَت باسم الرب بقلب متخشع متواضع قد تجاوزت بما لا يقاس ثروة الامبراطور نيكيفوروس، هذا ما يشاؤه الله.
يقول القديس إفرام: “لا يفتش الله على كمية التقدمات التي تقوم بها، بل على القلب الذي به تقدم هذه التقدمات”. مهما صغرت تقدمتكم، قدموها بأقصى ما تستطيعون من تواضع وانسحاق قلب. هذه هي الصدقة الحقيقية.