السنة الحادية عشرة – العدد الثالث – كانون الأول 2014

السنة الحادية عشرة – العدد الثالث – كانون الأول 2014 

مختارات آبائية

مختارات من أقوال القديس نيقولا الصربي

من ثمار القديس فيلاريت موسكو

عظة

الحبّ والحرّيّة – الأرشمندريت توما بيطار

لاهوت

قرار المجمع الأرثوذكسي العام في الفنار غير قانوني – المتقدم في الكهنة أفستاثيوس كولاّس

حياة روحية

الحالات الروحية الداخلية – الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

هل من الجيد حضور التلفزيون؟ – الأب سيرغي سفشنيكوف

صقيع الروح – الخورية سميرة عوض ملكي

قصة

صلاة الصغيرات – إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع – دده، الكورة

مختارات من أقوال القديس نيقولا الصربي

مختارات من أقوال القديس نيقولا الصربي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

لقد أعطى الله البشر كلمة “محبة” لكي يستطيعوا أن يسمّوا علاقتهم به بهذا الاسم. تفقد هذه الكلمة معناها عندما يسيء الناس استعمال هذه الكلمة بالإشارة إلى علاقتهم بالأشياء الأرضية.

إنسَ أعمالك الحسنة بأسرع ما يمكن… لا تسجّل أعمالك الصالحة إذ إذا سجّلتها فسوف تتلاشى قريباً، ولكن إن نسيتها فسوف تُكتَب في الأبدية.

كل ما تخسره باسم الله تحفظه. كل ما تحفظه لمصلحتك تخسره. كل ما تعطيه باسم الله، فسوف تحصل عليه مع فائدة. كل ما تهبه لمجدك وغرورك، ترميه في المياه. كل ما تأخذه من الناس وكأنه من الله يحمل لك الفرح. كل ما تحصل عليه من الناس كما منهم فسوف يحمل إليك الاهتمامات.

كما أن البشر لا يدخلون في حرب ليتمتعوا بالحرب، بل ليخلصوا منها، كذلك نحن لا ندخل هذا العالم لنتمتّع به، بل لنخلص منه. يذهب الناس إلى الحرب من أجل شيء أعظم من الحرب. كذلك نحن ندخل هذه الحياة الوقتية من أجل شيء أعظم: الحياة الأبدية. وكما أ، فكرة العودة إلى المنزل تسبب الفرح للجنود كذلك المسيحيون يتذكرون بشكل ثابت نهاية حياتهم وعودتهم إلى وطن أسلافهم السماوي.

الله والشرير موجودان في قطبين معاكسين. لا يمكن لأحد أن يدير وجهه لله ما لم يدر ظهره للخطيئة. عندما يدير المرء وجهه لله كل سبله تقوده إلى الله. عندما يدير وجهه بعيداً عن الله فكل طرقه تقود إلى الهلاك. في النهاية عندما يرفض الإنسان الله بالقول وبالقلب لا يعود قادراً على عمل أي شيء إلا ما يخدم دماره الكامل، دمار نفسه وجسده.

الكذب، والكذب وحده، يفصلنا عن الله. الأفكار الكاذبة، الكلمات الكاذبة، الأحاسيس الكاذبة، والرغبات الكاذبة، هذه مجمل الأكاذيب التي تقودنا إلى العدم والوهم ورفض الله.

إذا أراد أحد ما أن يكوّن فكرة عن أهرام مصر، فعليه إمّا أن يصدّق أولئك الذين سبق وكانوا بجوار الأهرام، أو عليه أن يقترب منها بنفسه. ما من خيار آخر. على المنوال نفسه يمكن للإنسان أن يكوّن انطباعاً عن الله: عليه أن يثق بأولئك القائمين بالقرب من الله، أو عليه أن يحتمل آلام الاقتراب منه بنفسه.

الحقيقة ليست فكرة، ولا هي كلمة، ولا هي علاقة بين الأشياء، ولا هي قانون. الحقيقة هي شخص. إنها كائن يسمو على كل الكائنات ويهب الحياة للكل. إذا سعيت إلى الحقيقة بمحبة ومن أجل المحبة، فهي سوف تكشف لك نور وجهه بقدر ما تستطيع أن تحتمل من دون أن تحترق.

إذا كنّا نحيك في النهار ونفكّ في الليل فلا شيء يكون محبوكاً. إذا كنّا نبني في النهار ونهدم في الليل، فما من بناء يقوم. إّذا كنّا نصلّي ونصنع الشر أمامه، فالخواء هو المحبوك وما من منزل يُبنى لنفسنا.

إذا صرتَ غنياً، تأمّل إذا ما كنت تقدر أو تعجز عن احتمال الفقر بجدارة. إذا كنت سعيداً، تخيّل كيف يمكنك أن تلاقي البؤس بجدارة. عندما يمدحك الناس، تفكّر كيف يمكنك أن تحتمل الإهانة بجدارة. وخلال كل حياتك فكّر في كيف يمكنك أن تلاقي الموت بشكل يستحق الثناء.

من ثمار القديس فيلاريت موسكو

من ثمار القديس فيلاريت موسكو

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

يفهم بعض الناس كلمة “حرية” القدرة على عمل أي شيء يرغبون به… الناس الذين يسمحون لذواتهم بأن تستعبدها الخطيئة والأهواء والأدران غالباً ما يظهرون متعصبين للحرية الخارجية، وراغبين في مطّ القوانين بقدر الإمكان. لكن إنساناً من هذا النوع، يستعمل الحرية فقط ليثقّل على ذاته بالعبودية الداخلية. الحرية الحقيقية هي القدرة الفاعلة عند الإنسان، غير المُستَعبَد للخطيئة ولا الموخوز من ضميره المُدين، على اختيار الأفضل على ضوء الحقيقة الإلهية وتحقيقه بمعونة قوة الله المنعِمة. هذه هي الحرية التي لا تحصرها سماء ولا أرض.

على كل مسيحي أن يجد لنفسه السبب والحوافز ليتقدّس. إن كنت تسلك من دون جهاد ومن دون رجاء بأن تصير قديساً، فأنت مسيحي بالاسم لا بالجوهر. ولكن من دون قداسة، ما من أحد يرى الربّ أي ما من أحد يبلغ إلى البركة الأبدية. جدير بالثقة القول بأم المسيح أنى إلى العالم ليخلّص الخطأة (1 تيموثاوس 15:1). لكننا نخدع أنفسنا إذا افتكرنا بأننا مخلّصون فيما نحن ثابتون في الخطيئة. المسيح يخلّص الخطأة بمنحهم الوسائل لأن يصيروا قديسين.

الكنيسة مقدسة بالرغم من وجود خطأة فيها. الذين يخطأون ولكن يطهرون أنفسهم بالتوبة الحقيقية، لا يمنعون الكنيسة من أن تكون مقدسة. أما الخطأة غير التائبين فهم يُقطَعون من جسد الكنيسة، سواء بشكل منظور من الرئاسة الكنسية، أو بشكل غير منظور بحكم إلهي. وعلى هذا الأساس تبقى الكنيسة مقدسة.

ما من شيء يضاد الله مثل الكبرياء لأنها تخفي ضمنها تأليه الذات وعدميتها وخطيئتها. لذا، التواضع مقبول عند الله أكثر من أي شيء آخر، حيث الذات تُعتَبَر لا شيء وكل صلاح وإكرام ومجد يُعزى إلى الله وحده. الكبرياء ترفض النعمة لأنها ممتلئة من ذاتها بينما التواضع يقبل النعمة بسهولة لأنه متححر من ذاته ومن كل ما هو مخلوق. طالما نحن نفكر بأننا قادرون على تقديم شيء ما لذواتنا، لا يباشر الله عملَه فينا. التواضع هو ملح الفضيلة. كما يعطي الملح النكهة للطعام، كذلك التواضع يمنح الكمال للفضيلة. من دون ملح، يفسد الطعام بسهولة، ومن دون تواضع تفسد الفضيلة بسهولة بالكبرياء والمجد الباطل ونفاذ الصبر وتهلك. هناك تواضع يكسبه الإنسان بجهاداته: بأن يعرف قصوره ويلوم نفسه على أخطائه وألاّ يسمح لنفسه بأن يدين الآخرين. وهناك تواضع يصل إليه الإنسان بإرشاد من الله من خلال الأمور التي تحدث له: بأن يسمح الله بأن يختبر الإنسان الآلام والإذلال والحرمان.

الشهوة تبدو وكأنها رغبة والرغبة، أي الإرادة التي تمتد ما وراء الإرادة الطبيعية، عاطفية ولا يحكمها القانون والاعتدال. هناك إذن العديد من أشكال الشهوات، مثل العديد من أشكال الخطيئة … لا تقترب الشهوة من الروح بشكلعدو حربي بل بشكل صديق أو خادم لطيف. إنها تقترح بعض أنواع المتعة الجيدة أو الوهمية. ولكن ما هذه سوى خدعة عبرها يسعى الصياد الخبيث جاهداً ليضلّ ويقبض على الروح الفقيرة. تذكّرْ هذا عندما تغريك الشهوة.

الخطيئة هي مرض أُدخِلَت إلى الطبيعة البشرية. الانطباع الخاطئ واللذة الضارة يتركان أثراً في النفس والجسد، يصبح أكثر عمقاً مع تكرار السلوكات الخاطئة والذي تشكّل ميلاً للعمل الخاطئ ونوعاً من العطش إلى الخطيئة. ولذلك، كما يحرق أحياناً طبيب الجسد القروح التي أصابت الجسم، أو يفصلها بالحديد، بنفس الطريقة يستخدم طبيبُ النفوس أدوات المحَن لكي ينتزع جذور الخطايا ويمحو آثارها، وبنار المعاناة يحرق العدوى النزوع نحو المُتَع الخاطئة.

الحبّ والحرّيّة

الحبّ والحرّيّة

الأرشمندريت توما بيطار

الرّبّ يسوع يوصي تلاميذه، ولا يأمرهم. بين الوصيّة والأمر فرق شاسع. في الوصيّة هناك عشراء، هناك صداقة، هناك مودّة، هناك محبّة، هناك قربى. الأب، عادة، يوصي أولاده. الرّجل الشـّيخ يوصي الفتية، الرّجل الحكيم يوصي مَن هم أقلّ حكمةً منه… أمّا الأمر، فيصدر عن صاحب سلطان. والرّبّ يسوع، على الرّغم من أنّه صاحب سلطان، لا يأمر، ولا يشاء أن يأمر؛ لأنّه جاء لا ليُخدَم، بل ليَخدِم (مر10: 45). لم يأتِ كرئيس، بل جاء كخادم للجميع. وهو لا يشاء أن يعطي الانطباع أنّه كالرّؤساء، في هذا الدّهر، الّذين يأمرون، وكلمتهم تكون قاطعة من جهة النّاس. الرّبّ يسوع ينعطف على تلاميذه؛ ومن ثمّ، ينعطف علينا، ليوصينا بالوصيّة الوحيدة، وصيّة المحبّة: “أوصيكم أن يحبّ بعضكم بعضًا”. الحقيقة أنّ محبّة الله لنا ومحبّتنا لله تظهران من خلال محبّتنا بعضنا لبعضنا الآخر. مَن لا يحبّ أخاه، فلا يكون محبًّا لله، ولا يعكس محبّة الله له. وهذه المحبّة علينا أن نتعاطاها في العالم الّذي لا يحبّ، ولا يعرف أن يحبّ. على العكس، في العالم، هناك مصالح، وليست هناك محبّة. لذلك، الّذين لا يسلكون وفق منطق العالم، أي منطق المصلحة، والمداهنة، والرّياء، والكذب… فإنّ العالم يُبغضهم. العالم لا يمكنه أن يستوعب محبّة الله، ولا أن يقبلها. محبّة الله تنكر العالم، لأنّ العالم الّذي تكلّم عليه الرّبّ يسوع، هنا، ليس العالم الّذي خلقه الله. العالم الّذي خلقه الله عالم مُبارَك. الخليقة تساوي العالم. لكن، هنا، العالم يساوي الخطيئة، الّتي أضحت متمثِّلة في المجتمع بشكل مؤسّسة، وأصبحت خطيئة منظَّمَة. لذلك، أركان العالم هي، بالضّبط، أركان الخطيئة، أوّلاً وأخيرًا. العالم يحبّ خاصّته الّذين، عمليًّا، يحبّون ذواتهم، ويحبّون الخطيئة. في عالم كهذا، لا مكان، في الحقيقة، للوصيّة الإلهيّة؛ ومن ثمّ، لا مكان للمحبّة الأصيلة.

“أنتم لستم من العالم، أنا اخترتكم من العالم. لأجل هذا يبغضكم العالم”. نحن ننتمي إلى عالم آخر، وعلينا أن ندرك أنّنا لا ننتمي إلى هذا العالم. وإذا رأى النّاس، في هذا العالم، أنّنا مختلفون عنهم، فهذا لا يجوز أن يكون سببًا لكي نكون مثلهم، لكي نعمل أعمالهم، لكي نفكّر كما يفكّرون! نحن مختلفون عن العالم، لا بالضّرورة لأنّنا بشر قدّيسون، بل لأنّ علينا أن نكون قدّيسين. نحن ننتمي إلى الله، ننتمي إلى قداسة الله. لذلك، ننتمي إلى فكر آخر، ننتمي إلى طريقة أخرى، في الحياة. لهذا، نحن ننتمي إلى الملكوت على الأرض. طبعًا، هذا يستلزم أن يُحاذر كلٌّ منّا اقتبال فكر العالم، وطريقته، وخبراته. هذه علينا أن نجتنبها في كلّ الأحوال. لا يمكن الإنسان أن يكون محبًّا للعالم ومحبًّا لله، في آن. تعلمون القول الإلهيّ: “محبّة العالم عداوة لله” (يع4: 4)، و”لا تحبّوا العالم ولا الأشياء الّتي في العالم، لأنّ محبّة العالم عداوة لله” (1يو2: 15). إذا أردنا أن نتبيّن هذا الاختلاف بيننا، نحن الّذين ينتمون إلى ملكوت الله، وبين العالم؛ فبإمكاننا أن نأخذ أمثلة عديدة. مثلاً، العالم يعتبر أنّ الكذب أمر مقبول، إذا كان ينفع مصلحة الإنسان والمجتمع. كذلك الأمر، الأمانة، في العالم، ليست مطلوبة. المطلوب هو أن يسعى كلّ إنسان لمصلحته ومصلحة جماعته، وحتّى لمصلحة وطنه. هذه ليست أمانة، أبدًا! الأمانة أن يكون الإنسان أمينًا للقيم، للمبادئ، للوصيّة الإلهيّة الّتي أسلمنا إيّاها الرّبّ يسوع. في العالم، مثلاً، الزّنى أمر عاديّ جدًّا! لا بل هو شيء مرغوب فيه، ويُعتبَر مرتبطًا بالطّبيعة! هذا ليس، أبدًا، ما نفكّر فيه، أو ما نقبله… بإمكان الإنسان أن يسترسل في الحديث عن أركان العالم الّتي تختلف، تمامًا، عن أركان ملكوت السّموات، وعن أركان الكنيسة. لهذا السّبب، لا يمكننا، أبدًا، أن نجعل حياتنا من طينة هذا العالم. نحن من طينة مختلفة! نحن نقرأ في غير كتاب! نحن نقرأ في كتاب الله، وننتمي إلى جسد المسيح! هذا علينا أن نحافظ عليه، دائمًا، في هذا العالم! ليس المطلوب أن نخرج من هذا العالم، إنّما أن نحافظ على أنفسنا، بنعمة الله، في هذا العالم. نحن في هذا العالم، لكنّنا لسنا من هذا العالم. طبعًا، هذا ليس بالأمر السّهل، أبدًا؛ لأنّ الإنسان لا بدّ له من أن يشعر، إذا ما سلك في هذا المسار، بأنّه غريب! ولا بدّ للآخرين، أيضًا، من أن ينزعجوا منه، لأنّه مختلف عنهم. لكن، هذا، بالضّبط، هو الواقع المستمَدّ من الوصيّة الّتي أسلمنا إيّاها الرّبّ يسوع؛ ونحن، بكلّ بساطة، أبناء الملكوت على الأرض! نحن ننتمي إلى مملكة أخرى، وإلى ذهنيّة أخرى، وإلى مفاهيم أخرى. كلّ هذا يجب أن يجعلنا، لا أمناء فقط لله؛ إنّما، أيضًا، نسلك بفرح وسرور في ما أوصانا به الرّبّ الإله؛ إذ ذاك، نحقّق هويّتنا. نحن لنا هويّة مختلفة! الرّبّ يسوع، هنا، يقول إنّه قد أعطانا نفسه مثلاً. هو في العالم قد اضطُهد. فإذا كنّا نحن له، فعلينا أن نتوقّع أن نُضطَهَد نحن أيضًا: “إن كانوا قد اضطهدوني، فسيضطهدونكم أنتم أيضًا، وإن كانوا قد حفظوا كلامي، فسيحفظون كلامكم أيضًا”.

طبعًا، هناك أناس، في هذا العالم، يحافظون على الأمانة لله. ليس كلّ النّاس، في نهاية المطاف، يتعاطَون بعداوة مع الله. هناك، أيضًا، أناس “لم يحنوا ركبة لبعل” (رو11: 4)، الله عارف بهم، وهؤلاء سيسمعون الكلمة ويحفظونها. يسوع جاء وكلّم العالم بالحقّ. وكلّ الّذين كانت فيهم نفحة الحقّ، هؤلاء سمعوا وحفظوا. أمّا الّذين لم يشاؤوا أن يسمعوا، فالكلام الّذي كلّمهم به الرّبّ يسوع يكون دينونة لهم، يكون خطيئة لهم: “لو لم آتِ وأكلّمهم لم تكن لهم خطيئة”! كلمة الرّبّ يسوع إمّا تبرّرنا، أو تجعلنا خطأة. لهذا، علينا أن نتعاطى مع الكلمة الإلهيّة بالكثير من الجدّيّة والرّصانة، لأنّها هي الّتي تبرّرنا، وهي الّتي تديننا. ثمّ إنّ مَن يُبغض التّلاميذ يُبغض الرّبّ يسوع؛ ويبغض، أيضًا، الآب السّماويّ. الرّبّ يسوع عمل كلّ ما يمكن أن يُعمل لكي يُخرج النّاس من الخطيئة الّتي يتمرّغون فيها، في العالم. هو شفى المرضى، وطهّر البرص، وأقام الموتى، وطرد الشـّياطين، وعلّم الوصيّة: “لو لم أكن قد عملتُ بينهم أعمالاً لم يعملها آخر، لم تكن لهم خطيئة”! الرّبّ يسوع عمل ويعمل، في الحقيقة، كلّ ما نحن في حاجة إليه للخلاص. لكن، إذا كان الإنسان لا يشاء أن يسمع، ولا يشاء أن يقبل، ويعاند، ويتمسّك برأيه وأهوائه؛ فإنّه، إذ ذاك، يجعل خطيئةً على رأسه. الحقيقة أنّ الإنسان الّذي يحبّ نفسه يُبغض الرّبّ يسوع المسيح بلا سبب، ولا يحتاج إلى سبب، أبدًا، لكي يدخل في عداوة مع الله. السّبب هو أنّ قلبه ليس نقيًّا، هو أنّه لا يشاء أن يسمع الكلمة، لا يشاء أن يقبلها لأنّها تزعجه، لأنّها تناقض أهواءه، تناقض رغباته… مشكلة الإنسان الأساسيّة أنّه يريد أن يعيش على هواه! كثيرون، في الحقيقة، يفضّلون التّفلّت، لأنّه يجعلهم يشعرون بأنّهم أحرار. طبعًا، وصيّة المسيح تقيّد الإنسان، لكنّها تقيّده إلى الحرّيّة، لا إلى العبوديّة، أبدًا. إنسان الخطيئة يتصوّر أنّ الحرّيّة معناها أن يفعل الإنسان ما يشاء. طبعًا، هذا يجعل الإنسان يسقط في الخطيئة. ومَن يسقط في الخطيئة، يفقد حرّيّته، ويصير عبدًا لها. أمّا الرّبّ يسوع، فإذ يعطينا وصيّته، يعطينا، في الحقيقة، فرصة للحرّيّة الحقّ، الّتي هي أن يعرف الإنسان أن يقيّد نفسه بوصيّة الله، لأنّها تفتح له أبواب الحرّيّة الحقّ المرتبطة بالحبّ، وإن كانت، في الظّاهر، تقيّد الإنسان. الإنسان الّذي لا يقتبل وصيّة الحبّ لا يمكنه أن يكون حرًّا، بل يكون عبدًا لنفسه وللخطيئة. لذلك، بوصيّة الحبّ وحدها يصير الإنسان حرًّا بمعنى الكلمة.

إذًا، الحرّيّة، تحديدًا، هي أن يكون الإنسان حرًّا من هواه، حرًّا من عبادته لنفسه، حرًّا من مشيئته الخاصّة. إذ ذاك، يكون الإنسان حرًّا. أمّا الحرّيّة المطلقة، أي أن يصنع الإنسان ما شاء ومتى شاء، فهذه ليست حرّيّة، هذه خدعة من خـِدع الشـّيطان الّذي يوهمنا بأنّنا، إذا فعلنا ما نشاء، إذا فعلنا ما نرغب فيه، نصير أحرارًا. هذا كذب! بالنّسبة إلى الله، إذا أردتَ أن تصير حرًّا، فعليك أن تحبّ، عليك أن تتعلّم كيف تخرج من نفسك، كيف تخرج من أهوائك. إذ ذاك، متى فعلتَ ذلك، تصير حرًّا بمعنى الكلمة. إذًا، الإنسان الّذي يحبّ العالم، أي الّذي يحبّ نفسه وإرادته وأهواءه، هذا يُبغض الرّبّ يسوع المسيح بلا سبب! الرّبّ الإله يعطيه كلّ الأسباب حتّى يتحرّر، حتّى يتنقّى، حتّى يتقدّس، حتّى يحبّ، لكنّه (أي الإنسان) لا يشاء لأنّه يفضّل أهواءه على كلّ شيء آخر. والرّبّ يسوع يعطينا المعزّي لكي يشهد لِما قاله إلى الأبد. إذًا، نحن، كلّ يوم، نتلقّى شهادة الرّوح القدس عن الآب السّماويّ، وعن الرّبّ يسوع الّذي أعطانا وصيّة المحبّة. المطلوب أن نكون متعاونين مع الرّوح القدس، وأن نشهد معه، لأنّ المفترَض بنا أن نكون قد تمرّسنا بالحرّيّة الحقّ والمحبّة الحقّ: “أنتم أيضًا تشهدون لأنّكم معي منذ الابتداء. قد كلّمتكم بهذا لكي لا تشكّوا”، إذ تكون هناك، دائمًا، أسباب للشـّكّ بالرّبّ يسوع. لكنّ الرّبّ يسوع أعطانا، أوّلاً، الوصيّة، ثمّ أعطانا القيامة ختمًا للحقيقة، لكي لا نشكّ فيما بعد. إنّما علينا أن نكون واقعيّين، وأن نفهم أنّ العالم سوف يُخرجنا من المجامع، أي إنّه لن يقبلنا في وسطه، بل سيضايقنا، سيزعجنا، سيتسبّب لنا بآلام كثيرة، وسوف تأتي “ساعة يظنّ فيها كلّ مَن يقتلكم أنّه يقدّم عبادة لله”!

إذًا، نحن قطيع مُباع، عمليًّا، للموت من أجل الحقّ، للموت من أجل الوصيّة، للموت من أجل الله! العالم لا يمكنه إلاّ أن يضطهدنا، لأنّه حامل الخطيئة، والخطيئة حاملة لروح الشـّيطان، والشـّيطان يحاول، بكلّ الطّرق، من خلال عملائه، من خلال نَفَسه، من خلال تعليمه، أن يُفسد علينا الوصيّة الّتي أسلمنا إيّاها الرّبّ يسوع. لكن، علينا أن نتوقّع الأسوأ، إذا ما سلكنا بأمانة من جهة الله. “سوف تأتي ساعة يظنّ فيها كلّ مَن يقتلكم أنّه يقدّم عبادة لله”! هذا منتهى العمى! حين يصل الإنسان إلى حدّ يضطهد فيه مَن هم لله باسم الله، فإنّ الحسّ فيه، إذ ذاك، يكون قد مات، ويصير لا يرى أبدًا، ولا يميّز أبدًا بين ما هو للحقّ وما هو للباطل. كلّ هذا لا بدّ من أن يأتي علينا. لكن، “مَن يصبر إلى المنتهى، فهذا يخلص” (متّى10: 22). علينا أن نتمسّك بالأمانة، في كلّ حين؛ والرّبّ الإله يعطينا، في نهاية المطاف، أن ننتصر: “كلّ الأمم أحاطوا بي، وباسم الرّبّ قهرتهم” (مز117: 10).

آمين.

* عظة حول يو15: 17- 27، 16: 1- 2 في السّبت 24 نيسان 2010

قرار المجمع الأرثوذكسي العام في الفنار غير قانوني

قرار المجمع الأرثوذكسي العام في الفنار حول بطريركية أورشليم

كنتيجة لعمل ضخم غير قانوني

المتقدم في الكهنة أفستاثيوس كولاّس

جرت في القدس أحداث مؤلمة، وما زالت مستمرة، وقد لطّخت قدسية الرسالة الكونية للكنيسة الأرثوذكسية وما زالت تشكّل وصمة عار عليها. وهذا لأن فرائض الرسل القديسين والمجامع المسكونية والمحلية وتلك التي من الآباء القديسين، والتي هي بلا لبس وذات موثوقية، لم تُحفَظ بأمانة، ولا هي محفوظة الآن.

كل الذين تكلّموا وكتبوا وما زالوا يتكلّمون ويكتبون عن هذه الأحداث هم إما غرباء عن أحكام الدستور الكنسي الموحى بها من الله أو هم بعيدون عنها. أعني بالدستور الشرع الكنسي، أي هذه البوصلة السماوية للأرثوذكسية التي يضمن الإدارة الداخلية والنظام في الكنائس الأرثوذكسية كما العلاقات في ما بينها.

كلّ المتكلمين والكتّاب إمّا يسلّطون الضوء على هذه الأحداث بما يتناسب ونواياهم الخاصة أو ما هو أكثر عمقاً من الأهداف المخبأة، أو يتفحصونها من زوايا تفسر القانون حرفياً أو على أساس أجندات سياسية؛ وبالنتيجة هم يجعلون الأمور أكثر تعقيداً. وبعد هذه الأمور، كان متوقّعاً من المجمع الأرثوذكسي العام في الفنار أن يحلّ الانحرافات الشرعية الخطيرة التي جرت وما زالت قائمة في القدس، مطبقاً بأمانة وبشكل طبيعي القوانين المقدسة الموحى بها من الله. ولكن، هل هذا ما جرى أم أن الأمور ازدادت تعقيداً؟ لِنرَ.

أ) لقد انعقد المجمع الأرثوذكسي العام لكي يدرس رؤساء الكنائس الأرثوذكسية الأمور في أورشليم أمّ الكنائس ويجدوا حلاً قانونياً يؤدي إلى الاستقرار. ولكن الأمر انتهَى غير قانوني بشكل واسع، حتى لا أقول بشكل منحرف أو همجي بالنسبة للقوانين المقدسة.

لقد طلبوا من رأس كنيسة أرثوذكسية (بطريرك) وأحد الأعضاء المتدارسين أن يستقيل، بالرغم من أنه كان من المفترض بهم أن يكونوا عارفين بأن القوانين الكنسية لا تتيح ولا تسمح باستقالة إكليريكي، بحسب قرار المجمع المسكوني الثالث الذي لا لبس فيه بأن “ليس من المستحسن أن يقدم الأساقفة استقالتهم لأنهم إذا كانوا مستحقين لهذه الخدمة فليواظبوا عليها بدون استعفاء. أما إذا كانوا غير مستحقين فتخلّيهم عن الوظيفة الأسقفية لا يكون بالاستعفاء بل بعد صدور الحكم عليهم لزلات ارتكبوها” (من تعليق البيذاليون على رسالة المجمع المسكوني الثالث إلى مجمع بمفيلية، ش.ك.، ص. 354).

إن رؤساء الكنائس الأرثوذكسية سعوا بشكل غير قانوني بالكليّة (بالحقيقة 8 مقابل سبعة)، وعلى ما يبدو بخفةٍ، إلى أن يقيل نفسه بطريرك أورشليم ورأس أمّ الكنائس. هذا أمر لا يمكن قبوله على ضوء القوانين الإلهية المقدسة. أرى أن هذا القرار من الفنار يقارب حدود المحاكمة المعيبة في “المجمع اللصوصي”.

ب) لقد أخذوا قراراً بحذف أحد الأعضاء المتدارسين من الذبتيخا! أي تفلّت من القوانين، وأي إهمال وأي تطاول! لا يُحذَف إكليريكي من الذبتيخا الأرثوذكسية إلا عندما يسقط في هرطقة أو عندما يُقطَع بعدل بسبب أخطاء اساسية وشرعية قد تمّ إثباتها.

ج) لقد استدعوا إستنارة الروح القدس، على الرغم من أنهم قد تفادوها بالفعل، وقبل المداولة لإيجاد حل، توصلوا إلى قرار بذبح بطريرك القدس ذي السيادة وهو عضو من أعضاء ذلك المجمع الأرثوذكسي العام المنقوص.

ج) انحاز المجمع بشكل غير قانوني بالكامل إلى جانب المتآمرين واتفق معهم، ومن دون أي إثبات، تحول ضد “الأول”، وأظهر لامبالاة التامة تجاه الشرائع السماوية والمقدسة والقرارات الكنسية، التي كان ينبغي بالمجمع أن يأخذها بالاعتبار، لا سيما في ضوء المسألة القائمة. ونتيجة لذلك، تفاقمت المشكلة في القدس، مع تطورات مأساوية ومن دون رادع.

د) إن استشهاد المجمع بالقديس غريغوريوس اللاهوتي لم يكن مناسباً. ففي زمن القديس غريغوريوس، نشأت مشكلة قانونية خطيرة سعى إلى تجاوزها. وكما أكد هو أنه تمّ انتخابه أسقفاً لساسيما لكنه لم يزرها أبداً. وهذا أدى به الوقوع في خطأ قانوني ثانٍ أكثر خطورة. لذا انسحب إلى حياة النسك (Threskeftiki kai Ethiki Encyclopedia, Vol. IV, pp. 712-716). ونتيجة لذلك، فإن قرار المجمع الأرثوذكسي العام فاقد للصلاحية بشكل يصعب علاجه! ويمكن لإيريناوس، في رأيي المتواضع (كمواطن يوناني)، اللجوء إلى القضاء اليوناني (مجلس الدولة)، ضد القرار الإداري / المرسوم الصادر عن المجمع الأرثوذكسي العام، إذ إن صلاحية القوانين السماوية والمقدسة والتطبيق الأمين لها في علاقة كنيسة اليونان المستقلّة بالفنار، معترف بها نهائيا في الدستور الحالي للدولة اليونانية (المادة 3).

السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحالة هو: ماذا لو تمّ تطبيق الأوامر الموحى بها من الله في القوانين المقدسة بدقة وسط كل هذه الضجة من الإفصاحات؟ إن كلّ ما يقولون أنه تمّ وكيفية وقوعه، هو خارج حدود القانون الكنسي الساري المفعول للكنيسة الأرثوذكسية. لهذا السبب، وقد وصلت الأمور إلى هذه الحدود المؤلمة، وسبب ذلك يكمن في مجمع بطريركية أورشليم، وأكثر من ذلك أيضاً في الأعمال غير القانونية التي قام بها الآخرون برئاسة البطريرك المسكوني في الفنار.

وعليه، في ما يتعلّق بالشرع الكنسي

أ) من جهة بطريركية القدس

1) بحسب القوانين المقدّسة، الإكليريكيون المنتَخَبون والمُسامون والمثبّتون مثل إيرينيوس، يخدمون كإكليريكيين مدى الحياة ولا يُسمَح باستقالتهم إلا في حالات العجز الجسدي والعقلي المثبَت، “لأنهم إذا كانوا مستحقين لهذه الخدمة فليواظبوا عليها بدون استعفاء. أما إذا كانوا غير مستحقين فتخلّيهم عن الوظيفة الأسقفية لا يكون بالاستعفاء بل بعد صدور الحكم عليهم لزلات ارتكبوها” (رسالة المجمع المسكوني الثالث إلى مجمع بمفيلية).

2) كلّ مَن ينتخِب إكليريكياً من ثمّ “نقض موافقته وتوقيعه يحرَم بحكمه الخاص من شرف رتبته” (القانون الثالث عشر من مجمع قرطاجة، ش.ك.، ص. 668).

3) إن المؤامرة على إكليريكي في الكنيسة، وبالواقع على أسقف – بطريرك، تُوصَف إكليسيولوجياً بأنها “مكيدة” وعقابها التجريد (القانون 18 من المجمع المسكوني الرابع، ش.ك. ص. 424، والقانون 34 من المجمع المسكوني السادس، ش.ك. ص. 568).

4) إن رفض ذكر البطريرك أول الإكليروس والأسقف هو بمثابة “إقامة مذبح آخر” وعقوبة هذه الوقاحة هي التجريد (القانون 31 من قوانين الرسل، ش.ك. ص. 856، والقانون الرابع عشر من المجمع المسكوني الأول \ الثاني). إذاً مما أشير إليه، وبشكل خاطف بعض الشيء، في ما يتعلّق بظروف إيرينيوس بطريرك أورشليم، فإن القوانين المقدسة تشير بشكل صريح إلى “أعمال بسبب حزازة شخصية أو خصومة أو كراهية” (القانون الخامس من المجمع المسكوني الأول، ش.ك. ص. 54، والقانون 14 من مجمع سرديقية، ش.ك. ص. 637)

ب) من جهة الفنار والأساقفة الآخرين

ما يختصّ بالفنار والذين تصرّفوا معه في قضية البطريرك إيرينيوس

1) إنهم مذنبون بتهمة ارتكاب “التدخّل” في كنيسة مستقلّة أخرى هي بطريركية أورشليم أم الكنائس

2) لقد ساووا أنفسهم بالمتآمرين على إيرينيوس وأدانوا البطريرك صاحب السيادة “بإستخفاف”.

3) وإذ كان القرار متّخذاً سلفاً، استدعوه، وكأنه أحد أجرائهم، والأمر الشائن هو أنهم سعوا إلى أن يستقيل، أي أن يجرّد نفسه، وهذا مناقض بشكل كامل للقوانين المقدّسة

4) وعقب كل هذه السخافات، ما كان الهدف من عقد مجمع على هذا المستوى، فيما بالحقيقة لا حاجة لمجمع على الإطلاق، إذ إن القرار على حساب إيريناوس كان متّخذاً بالفعل، بانتهاك صارخ للقوانين المقدسة؟

اقتراح

برأيي المتواضع، فإن القرار الصحيح والشرعي الذي كان بإمكان هذا المجمع اتخاذه، وإن لم يكن كافياً، كان اختيار “مندوب” مقبولٍ وإرساله إلى بطريركية القدس للمزيد من الإجراءات والترتيبات الكنسية، وبهذا كان الأمر كله تحوّل قانونياً، وفيه حل نهائي من شأنه أن يكون مقبولاً من جميع الأطراف المتنازعة، لأن إيجاد حل لهذه المشكلة هو في القدس ولا يمكن أن يوجد خارج أو فوق المراسيم الجلية والموثوقة الموحى بها من الله والشرائع العابرة الزمن المقدسة لكنيستنا الأرثوذكسية البوصلة السماوية.

فلتكن نصائح الرسل، لا بل تحذيراتهم، إلى الأساقفة لا لبس فيها وموثوقة: “لتكن هذه الأمور المتعلّقة بالقوانين عليكم منّا. وإذا أطعتموها سوف تخلصون ويكون معكم سلام، ولكن إن لم تنضبطوا فسوف تؤنَّبون وتكون حرب طويلة في ما بينكم، مقدّمين العقاب المناسب على عدم طاعتكم”.

هذه الأشياء قالتها في حينه رابطة الإكليروس في اليونان على لسان أمينها العام وممثلها في الشؤون القانونية الشرعية، وقد طلبت الرابطة حواراً بنيّة طيبة، لكن أحداً لم يتجرأ على اتّخاذ موقف بدعم إيرينيوس الذي ظُلِم، حتى يتمّ تلافي هذا القرار غير القانوني من المجمع الناقص في الفنار، وكل الذين وقفوا إلى جانبه، وحتى يُصار إلى تطبيق النظام القانوني وما يوازيه في الممارسة والذي يكشف البعد الأعمق للحياة الإكليسيولوجية.

* * *

  • النص الأصلي باليونانية

Πρεσβύτερος ΕΥΣΤΑΘΙΟΣ ΚΟΛΛΑΣ: «αντικανονικότητα ολκής για τα Ιεροσόλυμα η απόφαση της “Πανορθοδόξου Συνόδου” στο Φανάρι» .Ιερή Πλεκτάνη. http://ieriplektani.blogspot.gr/2014/12/blog-post_15.html, Δευτέρα, 15 Δεκεμβρίου 2014

  • المتقدم في الكهنة أفستاثيوس كولاّس هو الرئيس السابق لرابطة الكهنة في اليونان.

  • نصوص القوانين مأخوذة من ش.ك.: “مجموعة الشرع الكنسي”، جمع وترجمة وتنسيق الأرشمندريت حنانيا الياس كساب، منشورات النور 1985

الحالات الروحية الداخلية

الحالات الروحية الداخلية

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

          الحياة الروحية لغز. إنها رحلة يواجه فيها المسافر العديد من العوائق والغرائب، ومعرفة كل هذه المشاكل هي علم. لا يوجد علم أعظم من معرفة كل الطرق التي ينبغي علينا إتباعها، ولكن ينبغي علينا أيضاً معرفة الوسائل التي يجب استعمالها بهدف الوصول لوجهتنا.

         قديسو الله هم الخبراء الأكثر علماً بهذه الرحلة. إنهم معتادون بدون خطأ على كل الصعاب، ويوصون بالطرق المتنوعة للتغلب عليها. الآباء الروحيون، الذين يشفون نفوس الآتين إليهم، يكونون أيضاً في موضع العارفين، بقدر الإمكان، بهذه الرحلة الشاقة لأجل خلاص نفس الإنسان.

         من أسبابب الصعاب الخطيرة التي تواجه المسيحيين في حياتهم الروحية الاكتفاء الذاتي واليأس. على عكس ذلك، تكون الشجاعة من أعظم وأهم الأسلحة للتخلص من يأس العالم الذي يغلبنا في رحلتنا الروحية. إنني ألاحظ أن الناس اليوم يعانون في هذه الجوانب الثلاثة: إنهم يمتلكون الاثنين الأولين (الاكتفاء الذاتي واليأس) ولكنهم يفتقرون للثالث (الشجاعة).

1- الاكتفاء الذاتي

         يعني الاكتفاء بالذات أن يكون المرء قادراً على توفير احتياجاته الخاصة. قد يعني الاكتفاء الاقتصادي. يُستعمل هذا المصطلح في الكتاب المقدس للتعبير عن ضرورة أن نمتلك الوسائل المالية اللازمة بحيث لا نثقل على الآخرين، وبحيث نكون قادرين على إعطاء المحتاجين مما يتبقى (2كو8:9). إلا أن بالإضافة إلى ذلك، الاكتفاء الذاتي يعني النظر لمواهبنا الشخصية على أنها ذاتية ومستقلة عن الله وخدمة أعمال الخير، واستغلالها لمصلحتنا. في المصطلحات المعاصرة، يشير الاكتفاء الذاتي إلى حالة للذهن نبالغ فيها في تقدير مواهبنا الروحية وفضائلنا حيث نراها على أنها متميزة بتفرد، ونذهب لما هو أبعد من ذلك فنظن أننا كاملون، وبالتالي لا نكون محتاجين لنمو آخر. هذا المعنى، الذي هو كوننا كاملين، عادة ما يوصف في أيامنا هذه على أنه اكتفاء ذاتي.

         للأسف، يعاني أغلبنا، نحن المسيحيون المعاصرون، من ذلك. فلدينا الشعور بكمالنا الروحي الخاص بنا. إننا لا نشعر أننا نحتاج للنمو أو التطور في حياتنا الروحية. على عكس ذلك، نظن أن الآخرين، بخلافنا، لديهم العديد من الضعفات، وبذلك نعيش مثل الفريسيين. إنني أعتبر أن خطر الاكتفاء الذاتي هذا، والذي يكون مصحوباً باحتقار الآخرين هو أحد أكبر المخاطر في عصرنا هذا.

         هذا النوع من الاكتفاء الذاتي هو وهم كبير. يصف القديس فيلوثيوس السينائي هذه الحالة التي واجهها لدى أناس عصره بمَن فيهم الرهبان فيقول أن العديد من الرهبان “ليسوا واعين بخداع النوس” الناتج عن تأثير الشياطين. فلكونهم غير مدربين وساذجين، ينشغلون بالحياة العملية دون الالتفات للنوس، ليس لديهم خبرة بنقاوة القلب، وهم جاهلون بظلمة أهوائهم. مثل هؤلاء الرهبان “ينظرون لهذه الخطايا المرتكبة على أنها مجرد هفوات. لا يأخذون بالحسبان الهزائم والانتصارات التي تحدث في ساحة الفكر”.

         العديد من المسيحيين والرهبان يهتمون فقط بالفضيلة العملية وليس بالتقدم نحو معاينة الله. إنهم يحاولون تطهير قدرة النفس على الرؤية دون الاهتمام بما يخص الحياة الداخلية، ودون الحنين الشديد لله أو لمعرفته. إنهم غير مهتمين بالصلاة العقلية أو الحياة الداخلية. بالتالي لا يعرفون أبداً الفقر الروحي الذي هو أول تطويبات المسيح. إنهم لا يظهرون علامة على التوبة التي هي شرط لا غنى عنه للروح الأرثوذكسية، إذ من خلال التوبة تدخل نعمة المسيح القلب.

         عندما نقابل مثل أولئك الناس فإننا عادة ما نجد أنفسنا في مأزق رهيب. هل يتعيّن علينا أن نتركهم في هذه الحالة (التي هي مرض للنفس سوف يؤدي بالتأكيد إلى موتها وتبلدها) أم ينبغي علينا أن نحاول تحطيم هذه الصورة الجيدة التي لديهم عن أنفسهم؟ هذ الأمر يمّثل إشكالية كبيرة إذ أحياناً عندما يتهشم قناع الشخص عن اكتفائه الذاتي، إذا لم يكن مسنوداً بنعمة الله، يسقط في يأس عميق قد يسبب له أذى كبير. هنا تكون الرعاية الكهنوتية الساهرة مطلوبة بشدة. أعتقد أن هذه النقطة تشكّل صليب الأب الروحي. فصليبه يتكوّن من معرفة كيفية تمييز الاكتفاء الذاتي الروحي، وكيفية تحطيمه، وكيفية التعامل مع الشخص بمجرد أن يسقط عنه مظهر التقوى.

 

2- اليأس

         يصيب اليأس العديد من الناس في هذه الأيام. يقسِّم القديس يوحنا السلمي اليأس إلى فئتين. أحدهما هو اليأس الناتج عن “كثير من الخطايا، وضمير مثقل، وحزن لا يحتمل”. ينتج الآخر عن “العُجب والخيال، عندما يعتبر المرء نفسه غير مستحق لخطيئة سقط فيها”. يقود النوع الأول من اليأس للتبلّد. أما في النوع الثاني، يكمل الشخص جهاده الروحي النسكي في يأس، مما يشكل تناقضاً كما يقول القديس يوحنا السلمي. يسقط الشخص المتكبر جداً والذي لديه أفكار عظيمة عن نفسه في النوع الثاني من اليأس، لأنه بعد ارتكاب خطيئة لا يستطيع تصديق أنه فعل ما فعله. يقول القديس يوحنا السلمي أن العُجب واليأس متناقضان مثل العرس والجنازة، ولكن عندما تعمل الشياطين من الممكن أن نرى الاثنين معاً: “كنتيجة للتشويش الناتج عن الشياطين من الممكن رؤية الاثنين معاً بآن واحد”.

         هكذا يأتي اليأس من الخلاص من الشياطين. يعلِّم أيضاً القديس يوحنا السلمي أنه لا ينبغي علينا الالتفات إلى الأحلام الخاصة بالعذابات التي تأتي من الشياطين. ينبغي علينا أن نصدّق فقط تلك الأحلام التي تعلّمنا عن الجحيم والدينونة “لكن لو أصابك اليأس، عندئذ تكون مثل هذه الأحلام أيضاً من الشياطين”.

         يجلب هذا اليأس الشيطاني دينونتنا. “كما لا يستطيع الميت المشي، هكذا لا يمكن للشخص اليائس أن يخلص”. إن الشخص الذي لا يؤمن بحنان الله ورحمته، والذي يصبح خائر القوة يقتل نفسه. “الذي ييأس يكون كمن ينتحر”. يحثّنا القديسون على ألا نفقد الرجاء حتى آخر نفس في حياتنا: “لا ينبغي علينا أن نيأس حتى آخر نفس” (يوحنا السلمي).

         لقد أكّدنا بالفعل أن العديد من الناس في هذه الأيام لا يريدون سماع التوبيخات الشافية حتى من أبيهم الروحي، وإذا وُبِخوا فإنهم يسقطون في يأس عميق.  قد يقرأ البعض سيرة حياة القديسين وتعاليمهم ويشعرون باليأس معتقدين أنهم لم ينجزوا شيئاً. يكون ذلك صحيحاً من أحدى وجهات النظر. فآجلاً أم عاجلاً لا بدّ وأن تتحطم “واجهة” القداسة والاحترام، وعندئذ يتعين علينا إعادة بناء بيت النفس. ينبغي علينا أن نتوقف عن العيش في أحلام وخيالات. عالم الخيال يكون مصدر العديد من تشوّهات النفس والمشاكل الداخلية. ينبغي إماتة هذا النوع من الوهم.

         يتكلم العديد من القديسين عن اليأس المقدّس، الذي يختلف عن يأس العالم. ينبغي علينا أن نتوقف عن تصديق صورتنا عن أنفسنا التي هي مصدر تشوهات خطيرة. إلا أنه بالإضافة إلى موهبة اليأس المقدس العظيمة، ينبغي علينا أن ننمّي الرجاء في الرب. ينبغي علينا أن نصدق بؤسنا وعدم نفعنا، إلا أنه ينبغي علينا في نفس الوقت أن نؤمن بحب الله العظيم، ومحبته للبشر، ورحمته.

         تنمو الصلوات بهذه الطريقة. ثم، بحسب قوة صلواتنا وبحسب نمونا في التوبة، يعطينا الله بركته. إذا سمع شخص ما عن إنجازات القديسين الفائقة للطبيعة أو فضائلهم الغريبة ويئس من نفسه كشخص فإنه يكون “الأقل عقلانية”. إن أي مسيحي مستبصر، ودارس لسيَر القديسين إما أن يبدأ في تقليدهم بشجاعة، أو يكتسب، من خلال التواضع، إدانة النفس ويدرك ضعفه ويلوم نفسه (القديس يوحنا السلمي).

         بالتالي يوجد يأس على المستوى البشري، الذي هو عمل الشياطين وهو يصيبنا بالشلل، ويوجد يأس مقدس متولد عن نعمة الله ويقودنا للصلاة وطلب رحمة الله. إن العلامة المميزة للأول هي الخمول والتبلد، وعلامة الثاني هي الصلاة والرجاء في الرب.

3- الشجاعة

         على الرغم من أن الآباء القديسين يشجبون الاكتفاء الذاتي في الحياة الروحية، إلا أنهم يؤكدون على ضرورة اليأس المقدس الذي هو خليط من فقدان الرجاء المبني على وعينا بذواتنا، ومن الرجاء العظيم في الله. إنهم يعطون أيضاً أهمية كبرى لفضيلة الشجاعة، التي تمكّن الشخص من تحمل الحرارة الحارقة الناجمة عن الوعي بالدينونة والجحيم. مَن يقتني فضيلة الشجاعة تلك هو وحده القادر على التغلب على هذه التجربة العظيمة عندما يواجهها في مسيرته الروحية. يستطيع المرء أن يقف على حافة الجحيم حاملاً الرجاء في محبة الله من خلال الشجاعة، حتى لو كان في النار مع لهيب الجحيم. يحرق هذا اللهيب الأهواء، لكن الشجاعة الروحية تجعله يلجأ إلى الله ويطلب رحمته وبركته.

         الشجاعة هي إطار شجاع للذهن مع رجاء كامل في الله. مثل هذه الشجاعة الروحية لا تقدّر بثمن. يحثنا القديس يوحنا السلمي قائلاً: “اقتنِ كل الشجاعة وسوف تجد الله كمعلم لك في الصلاة”. يموت النوس كنتيجة للخطايا والأهواء، والنفس الشجاعة وحدها هي التي تستطيع إعادته للحياة. “تقيم النفس الشجاعة النوس المائت”. يتحرر الشخص الشجاع من تأثير الشيطان ويشفي نوسه. “انتبه لكي تكون متواضعاً وشجاعاً، وعندئذ سوف تهرب نفسك من تأثير الشياطين”(القديس نيلّس الناسك).

         الشجاعة الروحية هي عطية من الله، لكنها تنمو أيضاً بواسطة الإنسان. مثل كل الفضائل، تكون الشجاعة تناغماً بين الإنسان والله. بحسب القديس إيسيخيوس الكاهن توجد أربع فضائل رئيسية تشكل كل الحياة الروحية وهي الحذر، والحكمة، والاستقامة، والشجاعة. مهمة الحذر هي أن يحثّ القدرة الحسية “لكي تنخرط في حرب داخلية وإدانة الذات”. مهمة الحكمة هي أن تدفع القدرة العاقلة نحو اليقظة ومعاينة الله الروحية. مهمة الاستقامة هي توجيه قدرة النفس الراغبة نحو الفضيلة والله. في النهاية، تكون مهمة الشجاعة هي أن تحكم الخمس حواس بحيث لا تتدنس لا ذاتنا الداخلية ولا الخارجية، ولا قلبنا ولا جسدنا. يظهر جهاد الإنسان لكي يحفظ حواسه طاهرة خوفاً من أن يتدنس الجسد والقلب شجاعة روحية، بل أنه حتى ينميها أكثر. بالإضافة إلى ذلك، بحسب إيليا الكاهن، للنفس الشجاعة مصباحان هما العمل، والثايوريا (الفضيلة العملية، ومعاينة الله) وبالتالي توفي بالتزاماتها.

         حتى بعد ارتكاب الخطيئة، على الرغم من أن شجاعتنا قد تكون فشلت في مرحلة مبكرة فسقطنا في الخطيئة، نحتاج الشجاعة الروحية ثانية. ينبغي علينا أن نلجأ لله بالتمام، ونُلهَم بنعمته ومحبته. هذه التوبة هي “ابنة الرجاء والتخلي عن اليأس” بحسب القديس يوحنا السلمي. إنه يكتب قائلاً: “التوبة هي ارتياب دائم في راحة الجسد. التوبة هي فكر إدانة الذات، واعتناء بالذات خالٍ من رعاية الذات. التوبة هي ابنة الرجاء والتخلي عن اليأس. التائب محكوم عليه غير مخزي. هذه التوبة العميقة، التي تنشط بواسطة الروح القدس، هي ابنة الرجاء والتخلي عن الخزي. يشعر التائب بأنه رجل محكوم عليه، لكن بدون خزي. إنه مدان متحرر من الخزي”.

         بعد الخطيئة، تلجأ النفس الشجاعة لله ثانية وتطلب الشفاء. سأل أخ الأنبا بيمن: “لو سقطت في خطيئة يوبخني ضميري ويتهمني قائلاً: لماذا سقطت؟”. فأجاب القديس قائلاً: “في اللحظة التي يضل فيها الشخص، لو قال “أخطأت” تكف الخطيئة في الحال”. من أجل ذلك، بحسب نفس القديس، “إذا كنا شجعاناً يرحمنا الله”.

         الخلاصة هي أنه ينبغي علينا أن نحرر ذواتنا من الاكتفاء بالذات، الذي يبقي علينا في حالة دائمة من المرض والموت الروحي وجهل ذواتنا الحقيقية. ينبغي علينا أن نسأل الله أن يعطينا معرفة بذواتنا، وأن يعلن لنا جراحات نفوسنا. لو شعرنا باليأس بعد هذا الإعلان، ينبغي علينا أن نلجأ لله بشجاعة ونطلب رحمته. سوف تعطينا هذه الشجاعة الروحية القوة لكي نعبر هذا الطريق الصعب المؤدّي إلى اختبار رحمة الله ومحبته.

هل من الجيد حضور التلفزيون؟

هل من الجيد حضور التلفزيون؟

الأب سيرغي سفشنيكوف

في هذه الأيام، معظم الناس يستهلكون الكثير من محتوى وسائل الإعلام المختلفة، من البرامج التلفزيونية والأفلام والموسيقى والكتب والمجلات والإنترنت، وربما بعض الأشكال الأخرى من وسائل الإعلام التي يلمّ بها المراهقون فقط. معظم الناس يدركون أن بعض المحتويات، كالمواد الإباحية مثلاً، لا تتوافق مع الإيمان المسيحي، حتى لو لم يكونوا يعرفون السبب بالتحديد. ولكن في العديد من الحالات الأخرى، قد يكون من الصعب تحديد ما إذا كان أحد الأفلام أو الأغنيات مناسب أو لا، أو ما إذا كان متوافقاً مع الإيمان المسيحي. آمل أن تكون النقاط التالية مفيدة في هذا الشأن.

ينتشر اليوم شعار “أنت تعيش مرة واحدة (YOLO: you only live once)”. بطريقة أو بأخرى، أصبح هذا الشعار بمثابة ترخيص للناس للقيام بأشياء يترددون عن القيام بها إذا ما افتكروا بحكمة. ولكن هذه العبارة الجذابة يجب أن تذكّرنا بحقيقة أن الوقت الذي لدينا في هذه الحياة الدنيوية محدود. نحن نادراً ما نهتمّ لقيمة هذا الوقت. فعلى نطاق أصغر، نحن جميعاً نفهم ما معنى أن يكون لدينا مهمة كبيرة بينما الوقت المُعطى لإنهائها قليل جداً. نحن جميعاً نفهم معنى العمل ضمن مهلة محددة. الأمر نفسه ينطبق على حياتنا إذ يوجد لها موعد أخير هو موتنا الجسدي. أمّا المهمة فهي حقاً عظيمة: الاستعداد للحياة مع الله. وهذا يعني ضرورة أن تساعدنا أولوياتنا على إكمال هذه المهمة العظيمة.

فكّر الآن في مقدار الوقت الذي يمكن أن تنفقه في مشاهدة البرامج التلفزيونية غير المجدية، والأفلام التي تثير الحواس آنياً ومن ثمّ لا تترك لكَ ما يستحق إضاعة ساعتين ونصف من أجله، أو تصفّح حياة الناس الآخرين على وسائل الاعلام الاجتماعية، بدلاً من أن تعيش حياتك. إذا كنت تنفق ساعة واحدة فقط كلّ يوم على هذا (وكثيرون يقضون أكثر بكثير!)، فإن مجموع ما تفقده يبلغ يوماً شبه كامل في الشهر، أو أسبوعاً كاملاً من كلّ عام. قد لا يبدو ذلك كثيراً، ولكنه يصل إلى عام كامل ببلوغك الخمسين من العمر: سنة كاملة ضائعة بالكلية! إذا أعطيَ لك عاماً كاملاً للقيام بكل ما تريد، فهل كنت تقضيه في مجرّد الجلوس على الأريكة ومشاهدة التلفزيون والإعراب عن الإعجاب (like) بمشاركات الآخرين على فيسبوك؟ لذا هذه هي المشكلة الأولى: التلفزيون يضيّع الكثير من الوقت الذي من الأفضل قضاؤه في عيش الحياة التي منحها الله لنا لغرض محدد: لنتعلم أن نكون معه.

أنت ما تأكل (You Are What You Eat)

نحن غالباً ما نتمتّع بالكثير من الحس السليم نحو ما نأكل: إذا كان الشيء طازجاً وصحياً نأكله، أمّا إذا كان فاسداً أو ساماً فنبتعد عنه. ونحن نعلم أننا بأكلنا ما هو فاسد أو سامّ نمرض وقد نموت. لماذا إذاً لا يكون لدينا الحسّ السليم نفسه في ما يختصّ بأذهاننا؟ لماذا نسمح لأشياء سامة بأن تدخل إلى عقولنا؟ ما نتركه يدخل إلى عقولنا عبر الأعين والآذان قد يكون أكثر خطراً من الطعام الفاسد. قد يضرّ الطعام الفاسد بأجسادنا فقط بينما التلفزيون السيء بإمكانه أن يفسد عقولنا ونفوسنا؟ حسناً، أمن الموافق أن نتفرّج على شيء “قليل السوء”؟ أمن الموافق أن نأكل طعاماً قليل الفساد؟ لا نفعل ذلك. لا نخاطر بأن نمرض. لمَ لا نطبّق الحكمة نفسها عندما يتعلّق الأمر بعقولنا؟ عندما ترى شيئاً لا يمكنك إلا أن تراه. قد تخرِج ما في معدتك لكن ذهنك لا يتطهر بسهولة.

الكثير من العروض والأفلام لم تُنتَج لمنفعتنا بل هدفها جمع المال للذين أنتجوها والذين قد يلجئون إلى كافة الطرق والأهواء الخاطئة لكي يحفظوا انتباهنا. هناك سبب لتحوّل العروض بشكل ثابت نحو المزيد من الجنس والعنف: لأن الجنس والعنف يشدّان الناس ويسيطران على انتباههم. لكنهما فوق هذا يغلغلان الخطيئة في عقولنا. هذه الخطيئة بشكل أفكار وذكريات تبقى في عقولنا لوقت طويل بعد انتهاء العرض وتدفن نفسها عميقاً في كياننا. في هذا نرى أننا “لسنا نصارع فقط العادات السيئة والتلفزيون الإباحي ومختلف ضعفات أجسادنا. نحن نصارع أيضاً أرواح الشر وعلينا أن نتعامل بجدية مع الملائكة الساقطين ومع هذا الصراع”. إن تأثير وسائل الإعلام على عقولنا هائل. الناس بالغالب على استعداد للإيمان بكذبة لمجرد أنهم رأوها على التلفزيون، ويصيرون معتادين على الخطيئة وفاقدي الحس من ناحيتها لأن “الجميع” في الأفلام يقوم بها، أو قد يشترون شيئاً لم يخطر وجوده ببالهم لكن أحد الإعلانات أخبرهم أنهم يستحقونه وينبغي امتلاكه.

ما العمل؟

  1. كمسيحيين، هدفنا الرئيسي هو العيش مع المسيح. فلنضع قانوناً بأن نعطي حياتنا الروحية نفس المقدار من الوقت الذي نعطيه للتسلية. لهذه الحياة الروحية أساليب تعبير مختلفة: الصلاة، قراءة الكتاب المقدس، الاشتراك بالخدم الكنسية، أو مساعدة الآخرين ودعمهم. لكن المهم أنك في سن الخمسين لا يكون ما قد أمضيته أمام شاشة التلفزيون سنة كاملة بل بالمقابل قد قضيت هذه السنة عاملاً على علاقتك بالله.

  2. احفظْ نفسك كما تحفظ معدتك. انتبه لما تدخِل إلى فكرك بقدر ما تنتبه إلى ما تدخِل إلى جسدك، لا بل انتبه أكثر من ذلك لأن نفسك على المحك. تذكّر قول الرسول بولس: “كُلُّ مَا هُوَ حَقٌّ، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ، إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ، فَفِي هذِهِ افْتَكِرُوا.” (فيليبي 8:4).

  3. جرّب الأيام من دون تكنولوجيا. لربما، مرة في الأسبوع أو مرة في الشهر، حاول أن تطفئ تلفزيونك وهاتفك وحاسوبك وكل الأجهزة الأخرى وانخرط في العالم الذي خلقه الله بشكل فائق الجمال. أفضل الأوقات للحد من إلهاءات التكنولوجيا وتضييع الوقت هي فترات الأصوام. في اللغة الروسية، كلمة “صوم” هي في الوقت نفسه “حماية”. كُن على أهبة الاستعداد، احرسْ نفسك من أولئك الذين يريدون أن يستغلّوا ضعفات طبيعتك لكسبهم الشخصي ومن الشياطين الذين يريدونك أن تكون ممتلئاً بالقذارة مثلهم.

صقيع الروح

صقيع الروح *

الخورية سميرة عوض ملكي

عكف الإنسان منذ آلاف السنين على مراقبة سير القرص المنير العجيب الذي يضيء الأرض ويدفئها. ونظر إليه بإعجاب ومحبة وخشية وصلّى له كإله. وفهم أن الشمس هي مصدر كل حياة وحرارة وطاقة له ولأولاده وأنه لولاها لما كان هو ولا الحيوان ولا النبات. لهذا كانت الشمس موضوع عبادة في الحضارات القديمة. ومنهم الرومان الوثنيون الذين كانوا يحتفلون يوم 25 كانون الأول بعيد “الشمس التي لا تُقهَر”، تزامناً مع الحساب القديم لموعد الانقلاب الشتوي. فقامت الكنيسة بتعميد هذا العيد وإعطائه صبغة مسيحية جديدة واسماً جديداً هو “عيد ميلاد ربّ الشمس”. وقد ذكرت كتابات آباء الكنيسة ومنذ مرحلة مبكرة أنّ المسيح هو “شمس البِرّ”، كما تنبّأ ملاخي (2:4). ولعلّ أبرز هذه الكتابات في مقارنة المسيح بالشمس هي كتابات الذهبي الفم الذي اعتبر أن “الشمس التي لا تُقهَر هي شمس البِرّ وشمس العدل، أي يسوع المسيح”. ويضيف القديس أمبروسيوس “أن المسيح هو شمسنا الجديدة”. وهذه المقارنة توجَد في العديد من طروباريات الأعياد (دخول السيد إلى الهيكل، ميلاد السيدة، ميلاد السيد) وفي الكتابات الليتورجية أيضاً.

فبماذا تفي هذه المقارنة موضوعنا عن صقيع الروح ؟

 إذا كانت الشمس تمنح الحرارة والدفء لكلّ ما هو مادي، وتحصنه ضد البرودة والصقيع، بالتالي ضد الامراض فكم بالحري يكون دفء إله الشمس والسماء والأرض وملئهما. فكما يعرّض غياب الشمس الجسم للصقيع، هكذا يعرّض غياب المسيح الروح للصقيع. لقد قيل عن الرب “إلهنا نار آكلة” (عبرانيين 29:12)، ومن يسكن فيه روح الله لا بدّ أن يكون مشتعلاً بهذه النار المقدسة. فإن ابتعد عن هذه النار أو عن شعاع المسيح أُصيب بالفتور الروحي، الذي متى طالت مدته يزداد قوة ويتحوّل إلى برودة فصقيع روحي ويصير الإنسان جثة هامدة في الكنيسة ومرتعاً للاهواء.

يقول أحد الأمثال الإنكليزية: “البيت الذي تدخله الشمس لا يدخله الطبيب”. ما يعني أن الشمس تحمي البيت وتمنحه مناعة لمقاومة الأمراض. هكذا أيضاً الرب يسوع المسيح شمسنا يمنع دخول الأهواء إلى قلوبنا ويدفئنا بمحبته اللامتناهية. وكما يملأ النهر الوديان المنخفضة هكذا يملأ الربّ يسوع قلوب المؤمنين المنكسرة بالتوبة والمنسحقة والمتواضعة بالروح القدس. فينتج منه فرح القلب وسلام الفكر اللذان لا بد لهما من ان ينعكسا على  على الآخرين. ولكي يفيض شعاع الرب ونار الروح فينا، علينا أن نزيل من أمامه كل معطّل لجريانه وفيضانه. مع اقتراب عيد الميلاد، فلنحرص على أن لا نطيل الجلوس في الظلّ فنخسر دفء الشمس الآتي إلينا من علو السماء، ولنوجّه وجوهنا نحو أشعة شمسه فلا نعود نرى الظل ولا يميتنا صقيع الروح، ففي المغارة توجد شمس مضيئة تشع على الصالحين والاشرار.

* عن نشرة الكرمة

صلاة الصغيرات

صلاة الصغيرات

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع، دده – الكورة

 إنّهنّ أربع فتيات في عمر الورود، إذ لم تتجاوز أعمارهنّ الثانية عشرة، ومع هذا عرفن السجن والألم كمجرمين كبار يهدّدون أمن البلاد. ففي صباح أحد الأيّام، دخلت المدرّسة الصفّ وهي تزمجر متهدّدة: “من منكم يؤمن بالله؟”. ولمّا لم تجد ردًّا على سؤالها هذا، غضبت جدًّا، وراحت تتوعّد التلاميذ بأنّهم إن لم يجيبوا على سؤالها فسوف تشكوهم إلى مديرة المدرسة لتأخذ في حقّهم العقوبات اللاّزمة.

- هيّا، أجيبوني، أيّها التلاميذ الجهلاء، من منكم يعبد الله؟

- أنا، أيّتها الآنسة.

- أنت، يا أديل؟ أنت؟ كيف تؤمنين بمن لا وجود له.

- نعم، أؤمن بأنّ الله موجود، وأؤمن بأنّ يسوع المسيح هو المخلّص الحقيقيّ.

وقبل أن تجيب المدرّسة وقفت إلى جانب أديل ثلاث فتيات تطفح وجوههنّ بالبراءة  والوداعة، وقلن بصوت تملأه الثقة والإيمان الوطيد: “ونحن، أيضًا، نؤمن بالله، لا بل إنّنا نصلّي مساء كلّ يوم: أؤمن بإله واحد…”. وهنا شرعت الفتيات الصغيرات يتلين دستور الإيمان: أؤمن بإله واحد آب ضابط الكلّ… وكانت المفاجأة غير المتوقَّعة لهذه المعلّمة أن بدأ الصفّ بجملته يتلو أؤمن بإله واحد آب… فوضعت المدرّسة يديها على أذنيها، وهي تصرخ: “كفى، كفى، لا أريد أن أسمع هذا منكم أيّها البؤساء”. ثمّ ما لبثت أن خرجت من الصفّ باتّجاه غرفة المديرة.

وبعد دقائق معدودة، أتت المديرة تصحبها المعلّمة وقد اصفرّ وجهها وشحب. فالتفتت المديرة وقالت بلطف شديد:

- يا أولادي، أنتم تعرفون بأنّ عقوبات فظيعة تنتظر من يعترف بإيمانه بالله، وأنتم أولاد صغار لا تستطيعون تحمّل العذابات. هذا بالإضافة إلى أنّه لا وجود حقيقيّ لهذا الإله الذي تؤمنون به، فحديث جدّاتكم وأمّهاتكم ما هو إلاّ قصص أطفال وأوهام كأيّ قصّة ترويها الأمّ لطفلها قبل أن ينام، أليس كذلك؟

- (لا جواب)

- والآن، يا أديل، أما زلت مصرّة على رأيك مع رفيقاتك؟

-  أجابت الصغيرات بصوت واحد: نعم، نعم.

-  ألا تخشين العذاب؟

- (بثبات): كلا، كلا.

 – سوف أرسل أسماءكنّ إلى السلطات العليا، وسوف يرسلوكنّ إلى السجن.

-  هذا لا يهمّنا.

حارت المديرة أمام ثبات هؤلاء الصغيرات، وخرجت من الصفّ وهي ترتجف، فهي لا تريد أن تسيء إلى هؤلاء الصغار، ولكنّها، في الوقت نفسه، لا تستطيع أن تبقى لا مبالية أمام إعلانهنّ، وإلاّ تنال أفظع العقوبات. وبعد أسبوع عرفت مديرة المدرسة بأنّ الفتيات الصغيرات نُفين وسُجنّ. وبعد أيّام قلائل، تسلّمت المديرةَ ظرفًا مُعَنونًا باسمها، ففضّته، وأخذت تقرأ:

 حضرة المديرة المحترمة

إنّنا نكتب إليك من غرفة سجننا المظلمة والباردة جدًّا، ولكنّ النور الإلهيّ يضيئنا ومحبّة يسوع الصغير تدفئنا. إنّ رائحة الغرفة كريهة جدًّا بسبب القاذورات الكثيرة الموجودة فيها، ولكنّ هذا لا يهمّ، فنقاوة قلوبنا تعوّض لنا عن هذه الأوساخ. إنّنا نركع، مساء كلّ يوم، على الأرض الباردة أمام أسرّتنا المهترئة القديمة، ونرفع أيدينا إلى العلاء ونصلّي:

يا ربّ، بارك نومنا، فلقد أغمض النهار عينيه، وأغمض التعب عيوننا،

جفّت مشاعرنا، وفارقتنا قوّتنا.

نشكرك، يا ربّ، على جميع النِعم التي أعطيتنا إيّاها اليوم. نشكرك على الصحّة والقوّة، وعلى الرجاء الذي زرعته في قلوبنا. نشكرك على هذه المعاناة، والكراهية والإهمال، التي سمحت لنا أن نتذوّقها. إنّنا نحتاج إلى طبيب، وإلى من يعزّينا، إلى أب يحتضننا، لكنّنا نعلم، يا يسوع، أنّك الطبيب والمعزّي والأب العظيم الحنون. يا يسوع، ربّنا، لقد كنت، دائمًا، معنا. إنّنا نشتاق إليك، نشتاق أن نتّحد بك. فيا يسوع، تعال إلينا، شجّعنا على تحمّل العذاب، عزّينا لنتقوّى.

يا يسوع، من وسط عذاب اليأس، ومن شفاه جمّدها البردُ نصرخ إليك،

فاقبل صلواتنا وتضحيتنا، واقبل دموع أهالينا وامسحها لهم بمحبّتك.

اقبل حزننا ذبيحة محبّة لك. وامنحنا شجاعة الشهداء وقوّتهم.

يا يسوع، افتقد الذين هم بعيدًا عنك، الذين يضطهدونك. وبارك، معلّمتنا ومديرتنا اللتين لا تعرفانك، عرّفْهما ذاتك، ليحبّاك ويؤمنا بك. بارك، يا يسوع، من نحبّهم ويكرهوننا، وكلّ من يعاني من أجل الحقّ، فأنت الرجاء الذي لا ينطفئ، والمحبّة التي لا تعرف حدودًا، آمين.

 تلميذاتكِ اللواتي يحببنكِ ويحترمنكِ ويصلّينَ لك في الربّ يسوع

أديل، ليوني، فالا، ليفوتا

 

السنة الحادية عشرة – العدد الثاني – تشرين الثاني 2014

السنة الحادية عشرة – العدد الثاني – تشرين الثاني 2014

مختارات آبائية

سقطة الإنسان

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

الأخلاق والتكنولوجيا

القديس نيقولاي فيليميروفيتش

عظة

بالنـّعمة يصير الإنسان مسكنًا للسّماء

الأرشمندريت توما بيطار

أبطال روحيون

القديس بورفيريوس الكافسوكاليفي، شفيع العلم والتكنولوجيا

خريستودولوس بروتاباس

لاهوت

أهمية الآباء القديسين في اللاهوت الأرثوذكسي

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

حياة روحية

موقف الشكر

الأب تداوس هاردنبروك

افتداء الوقت والزمان الشرير

الأب أنطوان ملكي

قصتان ميلاديتان

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع – دده، الكورة