السنة الحادية عشرة – العدد الرابع – كانون الثاني 2015

السنة الحادية عشرة – العدد الرابع – كانون الثاني 2015

مختارات آبائية

مختارات من أقوال القديس موسى أوبتينا

مختارات من أقوال القديس أنطونيوس أوبتينا

عظة

الحياة برسم التـّفكـّك

الأرشمندريت توما بيطار

حياة روحية

الألم

الميتروبوليت إيرثيوس فلاخوس

أنا والـselfie خاصّتي ونفسي

الأب فاسيلي تودورا

رعائيات

الأحزاب السياسية والكنيسة

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

 هل تضعِف العلمانية الإيمانَ؟

 دراسات كتابية

حول إنجيل الدينونة

مختارات من أقوال القديس موسى أوبتينا

مختارات من أقوال القديس موسى أوبتينا

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

إذا أظهرتَ الرحمة في وقت ما لأحد، فسوف تلقى الرحمة. إذا عاملت أحد المتألّمين بإشفاق (وهذا ليس عملاً عظيماً) فسوف تُعَدّ بين الشهداء. إذا سامحتَ مَن أهانك فلن تُغفَر كلّ خطاياك وحسب، بل سوف تكون ابناً للآب السماوي.

إذا صليّتَ من كلّ قلبك للخلاص، حتّى ولو قليلاً، فسوف تُخَلَّص.

إذا وبّختَ ذاتَك  وشجبتها وأدنتَها أمام الله بسبب خطاياك بضمير مرهَف فسوف تُبرَّر حتى لهذه. إذا حزنت لخطاياك أو بكيتَ أو تنهدتَ، فإن تنهدك لن يخفى عنه وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “إذا نحتَ من أجل خطاياك فسوف يحسب ذلك لخلاصك”.

***

إذا ازداد ضعف روح التقوى فيك، فهذا ليس مفاجئاً لأنّك موجود في دائرة اجتماعية حيث ترى وتسمع في آن واحد كلّ ما هو على تضاد مع هذه الروح، وقلبك يشارك في هذه الأمور سواء عن إرادة أو من غير إرادة. لهذا أنا آسف من أجلك. ولكن يا أخي الصغير عليك ألاّ تهمل نفسَك بشكل كامل. ‘ليك أن تنير روح التقوى بقراءة روحية صغيرة أو بصلاة قصيرة أو بتذكّر الأبدية وتطبيق ما تبقّى من وصايا المسيح. عليك أن تغذي ذاتك وتنمو إلى إنسان كامل، على مقياس قامة ملء المسيح (أفسس 13:4). تذكّر العشار في الإنجيل الذي كان صاحب سلوك معيب وفاسد، لكنّه لم ينقطع عن الذهاب إلى الهيكل مع أن حياته عكس ما يرضي الله بالكامل. وحدث مرة أنّه أرضى الله ببعض كلمات التوبة فترك الهيكل مبرراً على عكس ذاك الفريسي الذي كان يحفظ الناموس بحماسة.

أيها العزيز، لا تخمد الروح بالكلية ولا توهِن ذاتك باللامبالاة وشهوة الجسد وتشتيت الذهن في تخيلات استحواذية، لئلا بعد ذلك تعاني كثيراً كالعبد الكسلان الذي في الإنجيل، الذي خبّأ موهبة النعمة التي حصل عليها في المعمودية والتي لا ينبغي أن تبقى مطمورة وبلا ثمار في نفس المسيحي.

من رسائل القديس أنطونيوس من دير أوبتينا

من رسائل القديس أنطونيوس من دير أوبتينا

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

بالطبع كان الوصول إلى الملكوت أمراً سهلاً لو أنه ممكن بمعدة ملأى، في سرير ناعم من الريش، لكن ما هو مطلوب هو حمل الصليب طول الطريق، لأن الملكوت لا يُبلَغ لمجرد احتمالنا مشكلة أو اثنتين، بل الكثير منها.

بقدر ما تصلّي إلى الله في أوقات الحزن، تستعجل الإحساس بتعزيته اللطيفة.

بغض النظر عن المرارة التي حلّت بك، وبغضّ النظر عن البغض الذي أصابك، قًلْ: “يجب أن أحتمل هذا من أجل يسوع المسيح”، فيصير الأمر أكثر سهولة عندك. لأن اسم يسوع المسيح ذو قوة، به يهدأ البغض، وتختفي الأبالسة. خيباتك أيضاً تهدأ وجبنك يخبت.

لا ينبغي أن تخاف من الكوليرا، بل من الخطايا الجدية، لأن منجل الموت يقطع الإنسان كالعشب حتّى من دون كوليرا. لهذا، ضعْ رجاءك في الرب الإله الذي من دون مشيئته حتّى الطيور لا تموت فكم بالحري الإنسان.

لقد رتّب الرب الإله ترتيباً حسناً لاهتمامه بخلاص نفوسنا، بأنّ لكل إنسان في هذه الحياة صليب يحمله باتّضاع إلى الآب السماوي منذ حداثته، منادياً إليه من أعماق نفسه: “أيها الآب! لتكن مشيئتك في كل شيء، لكن فقط لا تحرمني من ملكوتك السماوي”.

في ما يختص بطلب والدك بألا تتهرّب من تعيينك في الخدمة المدنية، عليك أن تأخذ بعين الاعتبار هذه النصيحة المستحقة الثناء من أبيك وتسير بها، لكن فقط إذا كنت قد قررت بشكل نهائي أن تهب ذاتك للحياة في العالم. على الإنسان أن يقدّم دعوة الله على كل النصائح، بحسب قول داود: “إن سمعتم اليوم صوته فلا تقسّوا قلوبكم” (مزمور 8:94) لأن إلهنا مفعَم بمحبة جنس البشر ورحوم جداً بعدم استحقاقنا وهو يريد أن الكل يخلصوا وإلى معرفة الحق يقبلوا، وهو يدعو الكلّ إلى العشاء الإلهي ليحكموا معه في حكمه الذي لا ينتهي. لكن المدعوين كانوا حمقى جداً وجاحدين حتى أنهم إذ شغل كل واحد نفسه في بعض الأعمال راحوا  جميعاً يرفضون الدعوة، لأنهم شغلوا أنفسهم بسبب أو بآخر متخذين أعذاراً للرفض كاتخاذ زوجة وشراء أرض أو ثور. أما أنتَ أيها الحبيب فليس عندك زوجة ولا أملاك ولا ثور. أنت ما تزال حراً، لهذا، ليس عندك سبب للاعتذار، لذا عليك، بحسب كلمات القديس سمعان اللاهوتي الحديث “لا يكنْ لديك أي رغبة بالاحتفاظ بأي تعلّق بهذا العالم، ولا حتّى بالدوافع الحسنة، إذ لن يكونوا سوى ذرائع تافهة. إذا ما دُعيت أطِعْ فوراً، إذ ما من شيء يرضي الله مثل الاستجابة السريعة”. إن كلمة “مدعو” تشير إلى الدعوة من الله إذ إنه وحده مَن ينير الجنس البشري ويهبه الفهم ويقوده على طريق الخلاص.

الحياة برسم التـّفكـّك

الحياة برسم التـّفكـّك

الأرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، لا نعرف، تمامًا، عن الحروب والقلاقل الّتي يتحدّث عنها الرّبّ يسوع. هل هي الحروب والقلاقل الّتي حدثت في العام سبعين للميلاد؟! هل هي الحروب والقلاقل والعلامات في الشـّمس والقمر والنّجوم، الّتي تأتي قبل مجيء الرّبّ يسوع؟! لا نعرف، ولا ينبغي لنا أن نهتمّ بمعرفة الأوقات؛ لأنّ تلك السّاعة، الّتي يأتي فيها الرّبّ يسوع، ليست مكشوفة لنا. علينا، بالحريّ، أن نكون مستعدّين، في كلّ حين، لمجيء الرّبّ يسوع. حياتنا، على الأرض، فيها الكثير من الحروب والقلاقل والضّيقات، سواء على صعيد النّاس بعامّة، أم على الصّعيد الشـّخصيّ. كلّ إنسان له حروبه. والحروب، أوّلاً وقبل كلّ شيء، هي حروب الأهواء فينا. ولا نبالغ إذا قلنا إنّ الحروب والقلاقل والعلامات المادّيّة، الّتي تظهر في الشـّمس والقمر، لها علاقة مباشرة بخطايانا، لها علاقة مباشرة بأهوائنا. بكلام آخر، إذا لم نقاوم ما فينا من نزعة إلى الخطيئة، فإنّنا نتسبّب بالأذيّة لأنفسنا وللآخرين. أهواء الإنسان تبثّ، دائمًا، قوّةً سالبة، في العالم. وهذه القوّة السّالبة تتكثّف، بحيث تؤثّر في النّاس، كما تؤثّر في الخليقة جمعاء. الطّريقةُ الّتي يحيا بها النّاس، انحطاطُ الأخلاق بين النّاس، الحروبُ الّتي تندلع بين الأمم، ازديادُ العنف، تأثُّر البيئة بجشع الإنسان… كلّ هذا مردّه أهواء الإنسان وخطيئته. الإنسان الّذي يبثّ السّلام من حوله، هذا يؤثّر في كلّ شيء إيجابًا، بحيث إنّه يجعل نعمة الله تفعل في حياة الآخرين، وفي سائر المخلوقات.

لهذا، لا يظنّنّ أحد منّا أنّ هذه الكوارث والعلامات، الّتي يتكلّم عليها الرّبّ يسوع، هي، بالضّرورة، من الله. الله لا يحتاج إلى هذه العلامات والكوارث ليأتي. هذه كلّها تحدث بسبب تراكم خطايا البشريّة، وكثافة أهوائها؛ فتصبح الحياة معها على الأرض قاسية وصعبة، بحيث لا يبقى هناك تماسك بين العناصر على الأرض، كما لا يبقى هناك تماسك بين البشر، سواء في البيت الواحد، أم في القرية الواحدة، أم في الوطن الواحد، أم في العالم بأسره. الخطيئة تفكّك حياة الإنسان، وتفكّك النّاس في علاقتهم بعضهم ببعضهم الآخر، وتفكّك الطّبيعة. كلُّ ما نعانيه في الطّبيعة، اليوم، انعكاسٌ لِما يحدث في قلب الإنسان. هذا اﻻنحلال الحاصل في قلب الإنسان ينعكس على كلّ شيء في عالم الإنسان. هناك علاقة وثيقة بين الإنسان والإنسان، وبين النّاس والبيئة الّتي يعيشون فيها. البيئة تؤثّر في النّاس، والنّاس يؤثّرون في البيئة. ارتفاعُ الحرارة، مثلاً، في العالم، مردُّه، في الدّرجة الأولى، إلى أنّ خطيئة الإنسان لم تعد تحت الضّبط. الإنسان لم يعد في وارد ضبط خطيئته، وضبط أهوائه! على العكس، صار يعتبر أنّ الخطيئة مسرًى طبيعيّ، في حياته؛ وأنّ الأهواء نفسها، أهواء الإنسان الّتي هي وراء الخطيئة، هي من الله! الإنسان طبّع الخطيئة! جعلها أمرًا طبيعيًّا! جعلها أمرًا عاديًّا! قلّةٌ قليلةٌ، اليوم، تحسّ، بعدُ، أنّ في الكذب شيئًا غير مقبول! الكذب بات عاديًّا جدًّا! بات شيئًا مُطَبَّعًا جدًّا! الإنسان يكذب، اليوم، بسهولة كاملة، ولا يتحرّك ضميره أبدًا، في أكثر الأحيان، لموضوع الكذب، ولا لموضوع اﻻحتيال، أو السّرقة، أو حتّى القتل! ولا شكّ في أنّ وسائل الإعلام، بعرضها المتواصل لتفاصيلِ قتلِ النّاس، وموتِهم، والعنفِ فيما بينهم، تقتل الإحساسَ بأنّ في العنف شيئًا غير مقبول! صرنا نشاهد النّاس يُقتَلون ويُقطَعون، وكأنّنا بإزاء عرض سينمائيّ. وقد صارت قلوبنا لا تتحرّك، في العمق، لهذه المشاهد.

إذًا، خطيئة الإنسان تزداد، وتتكثّف، وتتطبّع؛ والإحساس، في الإنسان، يصير ضامرًا. الإنسان بات يقبل الأمور غير الأخلاقيّة باعتبارها سُنَّةَ الطّبيعة. هذا كلّه يجعل حياة الإنسان تتغيّر في العمق، ويجعل واقعه مأسويًّا جدًّا. الإنسان ينتحر، بكلّ معنى الكلمة! الضّمير يموت، والفضيلة باتت تُعتَبَر ضعفًا! النّاس قلّما يحسّون بأهمّيّة الفضيلة بينهم. هناك تَدَهْورٌ كبير جدًّا في فكر الإنسان، وقلبه، وأخلاقه، وإحساسه. الإنسان، بشكل متزايد، يتحوّل إلى آلة صمّاء! ولا شكّ في أنّ وسائل الإعلام “تلعب” على وجدان البشر، وعلى قلوب النّاس، وتحرّكها على نحو رديء، بحيث تزداد الآليّة في حياة البشر. لكن، تبقى هناك قلّة، يبقى هناك قطيع صغير يحافظ على الأمانة، يحافظ على البركة. كلّ ما نعانيه، اليوم، نعانيه بسبب خطايانا. كلّ ما يحدث هو بسبب خطايانا. لكنّنا نقول إنّ القدّيسين، الّذين يحبّون الله، الّذين يحفظون الأمانة لله، ما زالوا يحفظون العالم من التّفكّك. ومع ذلك، عالمنا ينشدّ إلى التّفكّك، بشكل متزايد. لهذا السّبب، نعاني ما نعانيه. وبإزاء كلّ ما يحدث، الوصيّة هي: “اسهروا، وتضرّعوا، في كلّ حين؛ لكي تستأهلوا أن تنجوا من جميع هذه المزمعة أن تكون، وأن تقفوا بين يدي ابن البشر”. التّدهور بلغ حدًّا لم يعد بإمكان أحد أن يوقفه. العالم كلّه يعرف أنّ هناك أخطارًا حقيقيّة في البيئة، بسبب سوء استعمال الإنسان لها. ومع ذلك، جشع البشريّة لا يشاء أن يقف عند حدّ، ولا يشاء أن يضع حدًّا للتّدهور الحاصل. الإنسان بات مُدمِنًا الخطيئةَ إلى أبعد الحدود! بات مدمنًا أهواءَه دون رقيب! والإنسان المدمن يُؤْثـِر أن يموت ولا يتغيّر. أذكر إنسانًا كان سـِكّيرًا، وقد تأثّر كبدُه جدًّا، وبات مُشرِفًا على الموت. فكانت زوجته تركع قدّامه، وترجوه أن يتوقّف عن شرب الكحول لأجلها ولأجل أولاده. وكانت تقول له: “إذا استمررت على هذه الحال، فإنّك ستموت”، فيجيبها: “لا بأس إن مُتُّ. فَلأمُتْ”! هكذا البشريّة كلّها، اليوم! البشريّة، اليوم، لا تريد أن تتغيّر! البشر معتادون على الملذّات، على التّفلّت، على تعاطي الطّمع، على حبّ المال! البشر مستعدّون لأن يستغلّوا بعضهم بعضًا إلى المنتهى، ولا يشاؤون أن يتوقّفوا عند حدّ، وهم يعرفون أنّ ما يفعلونه سوف يرتدّ عليهم، وهو يرتدّ عليهم الآن! ومع ذلك، لا يريدون أن يتوقّفوا؛ لأنّهم باتوا مدمنين الخطيئة! وتموت إرادتهم، ولا يشاؤون أن يتغيّروا!

لهذا السّبب، عالمنا، من الآن فصاعدًا، سوف نرى أنّه سيتفكّك أكثر فأكثر. العائلة تتفكّك! الإنسان يتفكّك! المجتمعات تتفكّك! القرى تتفكّك!… التّفكّك بات عنوانَ الحياة العامّة والخاصّة. وبإزاء ذلك، ماذا يمكننا أن نفعل؟! نسهر، ونتضرّع، وننتظر خلاص إلهنا. نسعى، ما قدرنا، للمحافظة على استقامة نفوسنا، ومساعدة الآخرين، وتفتيح عيونهم على أهمّيّة مخافة الله، واستقامة القلب. لكن، على الرّغم من كلّ شيء، نجد أنّنا لا نستطيع الكثير. لقد باتت قوى الظّلمة مهيمـِنة على حياة الإنسان، وعلى حياة المجتمعات، إلى درجة أنّ الإنسان بات يرى العالم أمام عينيه ينحلّ، يتدهور، ولا يستطيع الكثير. مَن يصلح نفوس النّاس، اليوم؟! نفوس النّاس “مضروبة” إلى حدّ صار معه الإصلاح غير ممكنٍ كما نشتهي، وكما نتمنّى. حالتنا هي كحالة الشـّعب العبريّ قديمًا. التّدهور، في زمن إرمياء النّبيّ، بلغ حدًّا صار الرّجوع عنه غير ممكنٍ. لكنّ إرمياء بقي يشهد، وبقي يصرخ كلمةَ الله، وكانت النّتيجة أن سُبي الشـّعب إلى بابل. ونحن نُسبى، اليوم، لا إلى مكان، بل إلى الظّلمة العقليّة. في نهاية المطاف، كلّ هذا يُعـِدّ لمجيء المخلّص؛ لأنّ مجيء المخلّص، وفق الكتب، لا يرتبط بالنّهضة الكبرى الّتي تحدث في العالم، بل بالانحطاط الكبير الّذي يحدث. من هنا القول: “متى جاء ابن الإنسان، فهل يجد الإيمان على الأرض؟!” (لو18: 8). آباؤنا دائمًا ما كانوا يتحدّثون عن التّدهور الحاصل، عن اﻻرتداد الكبير عن الله. وهذا نعاينه بأمّ العين، اليوم.

لهذا السّبب، يا إخوة، علينا، نحن الّذين يعرفون الله، أن نسهر، ونتضرّع لأجلنا ولأجل العالم أجمع؛ لأنّنا، بالمحبّة، ملزَمون بالعمل على تخفيف وطأة آلام البشريّة، لا آلام أنفسنا فقط. بعد ذلك، نتوقّع أن يأتي الرّبّ الإله في أيّة لحظة. هذا هو معنى السّهر. قد يأتي الرّبّ الإله بعد قليل، وقد يأتي بعد حين. هذا غير مهمّ. المهمّ أنّ واجبنا ومحبّتنا وإيماننا، بإزاء حالة التّفكّك الحاصلة في العالم، تفرض علينا أن نكون، دائمًا، في وضع المستعـِدّ. في كلّ حال، قد لا يكون الزّمان بعيدًا؛ لأنّ التّدهور، الآن، يحدث بسرعة فائقة. في التّاريخ، كان هناك، دائمًا، تدهور. لكن، في هذا الزّمان، باتت عندنا وسائل تساعد على التّدهور بسرعة هائلة! المهمّ أن نسأل الرّبّ الإله الرّحمةَ من أجل أنفسنا والآخرين. هذا، إن فعلناه، نكون قد حفظنا به الأمانة للرّبّ الإله، وعبّرنا عن التزامنا الآخرين، عن التزامنا العالم، عن التزامنا محبّة الرّبّ يسوع بين النّاس، والرّبّ الإله المعين.

آمين.

* عظة في السّبت 6 شباط 2010، حول لو21: 8-9، 25- 27، 33- 36

 

الألم

الألم

الميتروبوليت إيرثيوس فلاخوس

الألم هو جزء من حياتنا

         من المعروف جيداً أن الألم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحياة الإنسانية. لقد أعلن المسيح لتلاميذه أنهم سيتألمون كثيراً في حياتهم. “في العالم سيكون لكم ضيق” (يو33:16). إننا نجد هذه الحقيقة على مدار الكتاب المقدس وتعليم الآباء القديسين الذين هم خلفاء الرسل القديسين. لقد زار بولس الرسول وبرنابا الرسول لسترة، وأيقونية، وأنطاكية معاً ” يشدِّدان أنفس التلاميذ ويعظانهم أن يثبتوا في الإيمان، وأنه بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت الله”(أع22:14). وشهد بولس الرسول لمسيحيي كورنثوس “مكتئبين في كل شيء، لكن غير متضايقين”(2كو8:4). التعليق المناسب على عبارة “ولكن غير متضايقين” سوف نتناوله فيما بعد في هذا الباب. إننا هنا نؤكد على حقيقة أن الحياة المسيحية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمعاناة والألم.

         لقد مر القديسون بالعديد من الآلام، والتجارب، والصعاب. يقول القديس نيكيتا ستيثاتوس تلميذ القديس سمعان اللاهوتي الحديث: “الحياة الحاضرة مملوءة بالمعاناة والألم بالنسبة للقديسين. إنهم يتألمون من الآخرين، ومن الشياطين”. إننا نجد نفس الشهادة في قول القديس اسحق السرياني: “لأنه من المستحيل عندما نكون عابرين طريق البر ألا نواجه الحزن، وألا يعاني الجسد من المرض والألم، وأن يبقى بغير مساس لو كنا نريد حقاً أن نعيش في الفضيلة”.

         يصر الرسل والقديسون على هذه الحقيقة، لأن العديد من المسيحيين، مثل العديد من معاصرينا، يظنون خطأً أنه طالما نعيش حياة مسيحية فسنكون فرحين طوال الوقت. من المؤكد، كما سوف نرى فيما بعد، أن لدينا فرح وتعزية، لكن هذه التعزية، وهذا الفرح والارتياح يأتي من خلال اختبار الصليب. “أتى الفرح إلى العالم كله من خلال الصليب”. تأتي التجارب أولاً، ثم بعد ذلك الفرح، ونبتهج داخلياً على الرغم من التجارب الخارجية.

أسباب الألم

         يجب علينا أن نوضح أن الألم له أسباب عديدة. إذ يتكلم الآباء القديسون من خبرة يعلِّمون أن الأسباب الرئيسية الثلاثة للألم هي الشيطان، والناس، والطبيعة الإنسانية الساقطة، بكل الأهواء الموجودة في قلوبنا. يكون الألم الآتي من الشيطان مؤلماً جداً، ويختبره أولئك الفاعلين الخير والذين يحاولون حفظ وصايا المسيح. يصف القديس دوروثيئوس حالة من هذا النوع من الألم غير المحتمل قائلاً:

“في إحدى المرات بينما كنت لا أزال عائشاً في الدير، تألمت بحزن شديد غير محتمل، وكنت في حالة من الحزن والكرب لدرجة أنني كنت على وشك الموت. كان هذا الألم بسبب هجمة من الشياطين، وهذا النوع من التجربة أتى بسبب حسدهم. إن هذا الألم شديد جداً، ولكنه قصير، وثقيل، ومظلم، وعديم التعزية والراحة. وما لم تأتِ نعمة الله إلى النفس بسلاسة لن يحتمل أحد هذا الألم”.

         يأتي أيضاً الألم من افتراء الآخرين وقذفهم لنا. عادة ما يستفزنا ذلك لكي نشكو من أن أولئك الذين، على الرغم من أننا عاملناهم بطريقة جيدة، يتصرفون بهذه الطريقة. أحياناً ما يضطهد الناس خدام الله، كما حدث في حالة الأنبياء والرسل القديسين، وبالتالي تسببوا في مشاكل وآلام. يكتب بولس الرسول إلى أهل كورنثوس: ” فإننا لا نريد أن تجهلوا أيها الإخوة من جهة ضيقتنا التي أصابتنا في أسيّا، أننا تثقلنا جداً فوق الطاقة، حتى أيِسنا من الحياة أيضاً ” (2كو8:1).

         ثم يوجد أيضاً الألم الناتج عن طبيعتنا الساقطة والأهواء الموجودة في قلبنا كما ذكرنا من قبل. يكتب الأنبا دوروثيئوس قائلاً أنه من الممكن أن نكون في حالة جيدة وأن نكون في سلام داخلي وهدوء، ثم يقول لنا أخونا شيئاً ما فنثور وننقلب عليه ونتهمه بأنه تسبب في مضايقتنا. “هذا الأمر سخيف وغير منطقي بالمرة. هل الشخص الذي تكلم زرع الهوى داخله؟ العكس صحيح: فقد أظهر المتكلم الهوى الموجود داخل المستمع، بحيث يستطيع الأخير التوبة لو أراد”.

         هكذا تكون هذه هي الأسباب الثلاثة الرئيسية للألم التي تواجهنا في الحياة: الشيطان، والآخرين، وطبيعتنا الساقطة. النوعان الأولان يختبرهما القديسون، على حين أن النوع الثالث عادة ما يصيب أولئك الذين لم يتطهروا من الأهواء بعد. لا يؤثر الألم الناتج عن السببين الأولين على الحالة الداخلية للنفس، وبالتالي يتلقى المتألم نعمة كبيرة بقليل من الصبر. إلا أن السبب الثالث، على كل حال، يستطيع أن يتسبب في حالة رهيبة ما لم نكن حريصين. بالتالي، يوجد نوعان من الألم: خارجي وداخلي.

         من الواضح أن الآباء الروحيين الذين مُنحوا موهبة التمييز يستطيعون تحديد أي نوع من الألم ناتج عن الشيطان، وأيهما ناتج عن الآخرين، وأيهما ينتج عن ذواتنا، وأي منها يكون بحسب مشيئة الله أو بسماح منه. هذا هو السبب الذي يجعل الآباء القديسين قادرين على شفائنا بصورة أكثر كفاءة من الأطباء النفسيين الذين لا يستطيعون التمييز بين هذه الأنواع والذين يرون كل شيء على أنه بسبب حالة الشخص النفسية الضعيفة.

فوائد الألم

          إن الألم والمعاناة ضروريان جداً لأنهما شركة في آلام المسيح. لقد قيل الكثير في التعليم الأرثوذكسي عن التشبه بالمسيح. إلا أن هذا التشبه لا يكون من الخارج، ولا هو أخلاقي، ولكنه سري. ينبغي علينا أن نمر بما مر به المسيح، بما في ذلك التجارب والآلام التي عانى منها. يكتب بولس الرسول قائلاً: “الذي الآن أفرح في آلامي لأجلكم، وأكمِّل نقائص شدائد المسيح في جسمي لأجل جسده، الذي هو الكنيسة “(كو24:1). بحسب تعليق القديس ثيئوفيلاكتس رئيس أساقفة بلغاريا: “هذه العبارة تعني أنه ربما لو أن المسيح كان محتاجاً للألم ، إلا أنه مات قبل أن يدفع كل دين آلامه، بالتالي أنا بولس أدفع دين المسيح هذا وأخضع لهذه الآلام التي كان يتعين على المسيح الخضوع لها من أجلك ومن أجل كل الكنيسة المسيحية”. علم اللاهوت هذا الخاص بشركتنا في آلام وموت المسيح يوضحه بولس الرسول ثانية في إحدى رسائله قائلاً: “حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع لكي تُظهر حياة يسوع أيضاً في جسدنا. لأننا نحن الأحياء نُسلَّم دائماً للموت من أجل يسوع، لكي تظهر حياة يسوع أيضاً في جسدنا المائتِ. إذاً الموت يعمل فينا، ولكن الحياة فيكم ” (2كو4: 10-12).

         تجلب الآلام والتجارب في حياتنا العديد من الفوائد. الألم هو إعلان جديد عن المسيح للإنسان. من خلال الألم يولد كيان جديد. يهيئ الألم الظروف الحقيقية لانفتاحنا على عالم آخر كان مخفياً فيما قبل.

         يتكلم القديس مكسيموس المعترف كثيراً في كتاباته عن الوجود المفيد للألم والمعاناة، أو كما يصفهما، “الآلام غير الإرادية”. بالنسبة للقديس مكسيموس تكون هذه “الآلام غير الإرادية” وسائل قوية للتطهير من “الأهواء الإرادية”. هذا الألم الذي “للآلام غير الإرادية” الناتجة عن التجارب والصعاب يهزم قوة الأهواء. “يجلب كل ألم، سواء كان إرادي أو غير إرادي، الموت للذة الحسية التي هي أم الموت”، بشرط أن يقبله المتألم بفرح. بخلاف احتمال الآلام غير الإرادية بصبر، نستطيع أن نحارب الأهواء الإرادية أيضاً عن طريق الألم الإلهي.

         يكتب نفس القديس قائلاً: “تُرسَل التجارب للبعض لكي يتخلصوا من الخطايا السابقة، ولآخرين لكي يجتث الخطايا المرتكبة في الحاضر، وللبعض الآخر لكي يقتلع مقدماً الخطايا التي قد تُرتكب في المستقبل. تختلف هذه عن التجارب الحاصلة لكي تختبر الناس بنفس الطريقة التي اختُبر بها أيوب”.

         يشترك القديس غريغوريوس بالاماس في نفس هذا المنظور عندما يقول “تساعد البلايا المؤمن على التخلص من الخطايا، وعلى أن يكون متدرباً ومختبراً، وعلى أن يفهم بؤس هذه الحياة، وعلى أن يرغب بحرارة ويطلب باجتهاد التبني الأبدي كأبناء، والفداء، والحياة الجديدة بحق، والبركة”.

         يقول داود الملك والنبي في أحد مزاميره: “في الضَيق رحَّبت لي ” (مز1:4). يقول القديس نيقوديموس الآثوسي: “كلما كان الشخص أكثر ألماً ومعاناة في العالم الحاضر كلما تسامى عقله فوق الحدود الضيقة لهذا العالم. إنه يتجاوز ارتفاع السموات، ويصل في النهاية إلى مكان فسيح متسع بلا قياس، وبمجرد أن يصل إلى هناك فإنه يبتهج ويجد الراحة في معاينة الله العذبة. حتى قبل انحلال جسده، يعيش حياة مباركة وسعيدة. لقد أشار الرب لذلك عندما قال: “في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم” (يو33:16). ورتل حبقوق في نشيده معلناً عن الراحة التي تنتج عن الألم قائلاً: ” لأستريح في يوم الضيق ” (حب16:3)”.

         من خلال الألم نتذكر الله ونلجأ إليه، وبالتالي تتولد عطية الصلاة الثمينة بشرط أن نواجه الألم بالجدية اللازمة وفي الإطار الموصوف من قِبَل التقليد الأرثوذكسي.

         كان القديسون واعين للفوائد الناجمة عن الألم. ولذلك، كما يقول القديس يوحنا السلمي، كانوا يعطشون للتجارب. يقول نفس القديس أن السمات المميزة لأولئك الذين وصلوا للكمال في الحزن المقدس هو “العطش للإهانة، والاشتياق الإرادي للتجارب اللاإرادية…. طوبى للجياع إلى الألم والعطاش إلى الإهانة لأنهم سيشبعون من الطعام الذي لن يفنى”. لقد اشتهوا الألم لأنه كلما ازداد الألم كلما زادت التعزية. يكتب بولس الرسول قائلاً: “مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح، أبو الرأفة وإله كل تعزية، الذي يعزينا في كل ضيقتِنا، حتى نستطيع أن نعزي الذين هم في كل ضيقة بالتعزية التي نتعزى نحن بها من الله.لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا، كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضاً” (2كو1: 3-5).

التعامل مع الألم

 لقد قلنا فيما سبق أن الأمر الأكثر أهمية ليس وجود الألم من عدمه ولكن إن كنا نتعامل معه بطريقة جيدة أم بطريقة رديئة.

         لو كُنا أصحاء روحياً، فإننا سوف نفعل ما فعله بولس الرسول نفسه وأوصى المسيحيين أن يفعلوه: “وليس ذلك فقط، بل نفتخر أيضاً في الضيقات، عالمين أن الضيق يُنشئ صبراً، والصبر تزكية، والتزكية رجاء، والرجاء لا يُخزي، لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا ” (رو5: 3-5). ينبغي علينا أن نفرح في الرب لأننا حُسِبنا أهلاً لأن نحتمل كل نوع من الألم والشقاء، سواء أتى من الشياطين لأننا نجاهد من أجل الفضيلة، أو أتى من الناس الأشرار لأننا نريد أن نمشي في طريق وصايا الله.

         ينبغي علينا أيضاً أن نأخذ في الاعتبار أننا نستحق ليس فقط الألم الذي يصيبنا، بل ألاماً أكثر وأعظم. هذا جزء من التوبة: “علامة التوبة الحقيقية هي أن نعترف أننا نستحق كل التجارب، الخفية والظاهرة، التي تأتي علينا، بل وأعظم منها” (القديس يوحنا السلمي).تشفي التوبة الألم الناتج عن الضغوط الخارجية والألم.

         أما من جهة الألم الناتج عن آخرين، ينبغي علينا ألا ننقلب على أولئك المتسببين فيه، لكن أن نحتمل الألم بصبر عالمين أن خيراً كثيراً سينتج عن ذلك.

إننا مع الأسف نتصرف مثل الكلب الذي يصفه الأنبا دوروثيئوس قائلاً: “لقد قذفه شخص ما بحجارة فترك الشخص الذي قذفه وذهب ليعض الحجارة. إننا نفعل نفس الشيء، فنحن نترك الله الذي سمح لهذه المصائب أن تقع لكي يطهرنا من خطايانا، وننقلب على قريبنا قائلين: “لماذا قال لي ذلك؟ لماذا فعل بي ذلك؟”. وعلى الرغم من أننا نستطيع الاستفادة من مثل هذه المشاكل، إلا أننا نعمل ضد مصلحتنا متجاهلين حقيقة أن كل شيء يحدث بتدبير الله لأجل خير كل واحد منا”.

         ترتبط إدانة النفس بالتوبة أيضاً. ينبغي على كل واحد منا أن يلوم نفسه، ويؤنب نفسه، ويرى نفسه مستحقاً للألم وأنه المتسبب الوحيد فيه. إننا نتألم داخلياً ونلحق الألم بالآخرين لأننا لا نلوم أنفسنا. أما بالنسبة لرجل الله، فمهما أصابه “سواء أذى، أو إهانة، أو أي نوع من الألم، فإنه يرى نفسه على الفور مستحقاً له ولا يضطرب بالمرة. هل توجد حرية من القلق أعظم من ذلك؟” (أنبا دوروثيئوس).

         يختلف الألم عن الحزن. فالألم الخارجي يختلف عن الاكتئاب الداخلي. الحزن والاكتئاب، اللذان عادة ما يبتلعاننا، يكونان بديلين للحزن المقدس، الذي هو التوبة. إننا نعاني في هذه الأيام كثيراً ليس لأن لدينا تجارب كبيرة أو صغيرة، ولكن لأن التوبة تنقصنا. إننا مهووسون بالشعور بالاكتفاء الذاتي. هذا هو مصدر العديد من الأمراض النفسية بل وحتى الأمراض العضوية.

         ينبغي علينا أن نتذكر باستمرار كلمات الرسول: “مكتئبين في كل شيء، لكن غير متضايقين. متحيرين، لكن غير يائسين. مضطهدين، لكن غير متروكين. مطروحين، لكن غير هالكين ” (2كو4: 8-9).

أنا والـسالفي خاصّتي ونفسي

أنا والـselfie خاصّتي ونفسي

الأب فاسيلي تودورا

نقلتها إلى العربية جولي عطيه

كانت الصورة الذاتيةself-portrait  موجودة منذ نشأة الفن. استُعملت للتعريف بالفنان، حين لم تكن الصور الفوتوغرافية موجودة بعد، أو لإخبار قصّة أحدهم بأسلوب نظري، أو للغوص عميقًا في صراعات الشخص الوجوديّة. حتى أنّ البعض استعملها لأسباب ملتبسة، مثل فنان رسم ذاته بعد تعاطيه مخدّرات متنوّعة. لا تجرّبوا هذا في منازلكم!

في أيامنا، تخطّى فنّ الصورة الذاتية استعماله في حقل الفن، فدخل إلى عالم التواصل الاجتماعي، مؤدّيًا إلى ظهور كلمة جديدة في معجم أوكسفورد 2013: الـselfie. وفيما أنا أكتب هذه الكلمة، أرى أنّها ليست موجودة بعد ضمن قاموس التدقيق في برنامجي. هذا حتى الآن، فالـselfie أصبحت في كلّ مكان. ولقد دفعت مواقع التصوير الاجتماعي، مثل انستغرام، هذه الظاهرة إلى مستوى أكثر تقدّمًا. فالجميع يلتقط الـselfie، بمن فيهم العائلة الملكيّة والرئيس، حتى أنّه وصلتنا selfie لراكبٍ بعد أن تمّ إخلائه من طائرة تحطّمت في المحيط.

فلماذا انضمّ الكلّ إلى موجة جنون الـselfie؟ في الواقع، تولّت بعض الأبحاث العلمية المثيرة للاهتمام دراسة ذلك. ومن بين الأمور التي استنتجتها أنّ “السبب الأساس لوجود السلفي هو نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، فهي لم توجد من أجل الاستهلاك الشخصي لملتقطها”. بالحقيقة، ليست الـselfie على ارتباط بفنّ التصوير، فالكثير منها يُلتقط بأسلوب سيّئ جدًّا. لكنّ هدفها الرئيس هو مشاركة أمر ما مع العالم. “كنت هناك في هذا الوقت والمكان الممتعَين”، “قمت بهذا العمل المجنون”، “كنت متواجدًا مع هذا الشخص المهم”، و”أريد أن يعرف أصدقائي في هذه اللحظة”.

تنشرنا الـselfie في الوقت والمكان المناسبين. لا تعنيها حقيقة الشخص، بل أن نروّج لذاتنا المثالية. نريد أن يدرك الجميع فورًا أنّنا أشخاص جميلون ومثيرون للاهتمام، وأنّ لدينا الكثير من الأصدقاء المعجبين بنا. والـselfie هي اختراع أسهم فيه اثنان: حاجتنا لإعادة تكوين صورتنا الذاتية، ومواقع التواصل الاجتماعي التي تمنح الوسيلة لنشرها في محيطنا. لا تسيئوا فهمي، مواقع التواصل الاجتماعي جيّدة. فأنا أستعملها يوميًّا للتواصل مع جماعة المؤمنين ومع أسرتي وأصدقائي. لكن عندما يُساء استعمالها، تميل إلى الحلول مكان الحياة الاجتماعية الحقيقية عند البعض، والتي تكون غائبة، فتصبح وسيلة لـ”بيع” أنفسنا للعالم. من خلال الـselfie، نقدّم دليلاً يلائم ادعاءاتنا بإعادة بناء الذات.

يعلّم آباء الكنيسة عن وجود صورة ومثال الله في كلّ شخص. الصورة مُنحت لنا، فكلّنا مخلوقون على صورة الله، لكننا مدعوون إلى العمل على المثال، أي إلى أن نملأ الصورة بالمادّة. فالصورة الخالية من المثال هي مثل “نحاس يطنّ أو صنج يرنّ” (1 كو 13: 1). ويمكن لحياتنا أن تمتلئ بالمعنى فقط إن امتلأت من المسيح، كلمة الله.

عندما نقلق بشأن مظهرنا الخارجي أو انتمائنا الاجتماعي المثالي، نميل إلى نسيان شخصنا الداخلي، أي ذاتنا غير المرئية والحقيقية. يمكننا الاختباء من العالم خلف selfie مصنوعة بتأنٍّ، لكن لا يمكننا أن نخدع الله، “لانّه ليس خفيّ لا يظهر ولا مكتوم لا يعلم ويعلن” (لوقا 8: 17).

خلال زيارة مؤخّرة إلى جبل آثوس، لاحظت عدم وجود مرايا في الأديرة. هذا يؤكّد أنّ كل ما يهمّ هو ليس كيف نرى انعكاس نفسنا في المرآة، أو في رأي الآخرين. ما يهمّ هو كيف نحن في عيني الله. والأيقونات الأرثوذكسية هي مكان مناسب لفهم ذلك. نرى في الأيقونات منظورًا معاكسًا، وهو أنّها تمثّل في الواقع كيف يرى الله العالم لا كيف نرى نحن الله. فهو ينظر إلى كلّ واحد منا، خطأة كما نحن، ويختار أن يرانا كأيقونات ومشاريع قدّيسين.

هذا أفضل selfie يمكننا العمل عليه، أن نصل إلى شبه الله، أن نحاول أن نكون بجانب المسيح في كلّ يوم، وأن نرتبط بدائرته الاجتماعية، أي الكنيسة، حتى نصل إلى القول، مثل الرسول بولس: “مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ. فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي” (غلا 2: 20).

الأحزاب السياسية والكنيسة

الأحزاب السياسية والكنيسة

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

إن عمل الكنيسة وهدفها يختلفان عن عمل الدولة والأحزاب وهدفها. الأحزاب ضرورية في المجتمع الديموقراطي وإلا فإن حكم الأقلية والديكتاتورية يسيطران. الاختلاف السياسي والإيديولوجي بين الأحزاب يخدم المجتمع إذ بهذه الطريقة يمكن للمواطنين أن يختاروا الحزب الذي يعبّر عن نظرتهم في البرلمان. مبدأ “الكلمات تناظر الكلمات” هو الصفة المميزة للديموقراطية والمجتمع البشري وكل الأنظمة الإيديولوجية.

لكن الكنيسة تعمل بشكل مختلف. ما من اختلافات عقائدية فيها ولا هي تسعى إلى تجميع الأصوات من الناس، لا ينبغي أن تلقي كلمات سياسية أو حزبية، ولا ينبغي أن تتدخل في المواجهات السياسية مستعملة لغة لاهوتية للتسييس وتربط نفسها بالفصائل الحزبية.

إلى هذا، يمكن إيجاد أعضاء الكنيسة في كل التشكيلات الحزبية وبالطبع الكنيسة تتبنّى كل الشعوب، ومن بينهم قد يكون هناك قديسون فعليون أو ممكنون. لغة الكنيسة فدائية ولاهوتية وتركّز على المدينة العلوية وتعبّر عن العبارة الرسولية: “مدينتنا في السماء”. بشكل طبيعي، يحاول أعضاء الكنيسة نقل هذه المواطنية الأخروية إلى المشهد التاريخي، لكن بطريقة أخرى ليتورجية وروحية ومقدِّسة للإنسان والتاريخ.

عندما يعمل رعاة الكنيسة بهذه الطريقة يكسبون احترام المجتمع والسياسيين المنتمين إلى كل الأحزاب. من الأمور ذات المعنى أنّ الإكليريكيين (اليونانيين) الذين عملوا خلال الحرب الأهلية على الانسجام وفي أعمال الخير من دون أن يلزموا أنفسهم بأي إيديولوجيا كسبوا محبة المجتمع واحترامه.

هل تضعِف العلمانية الإيمانَ؟

هل تضعِف العلمانية الإيمانَ؟

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

نحن نعيش في عالم متزايد العلمانية، فماذا يترتب على هذا الأمر؟

تُحدد العلمانية في القواميس بأنها ” عَدَمُ المُبَالاةِ بالدِّينِ أو الاعْتِبَاراتِ الدِّينِيَّة” (الاعتقاد بوجوب عدم استناد الأخلاق على الإيمان بالله واستبعاد وجود حالة مستقبلية) [قاموس المعاني]. هذا يعني أن العلمانية تتعلّق بأخلاقية قائمة على أسلوب حياتي من دون الله وأن الدولة العلمانية هي الدولة التي يُفصَل فيها الدين ومناقشة الأمور الأخلاقية. فهل هذا ممكن؟

يستند النهج العلماني على سوء فهم لطبيعة الدين. طريقة عيشنا تتعلّق بإيماننا. يخبرنا إيماننا عن الغرض من كلّ أفعالنا، ولماذا نُعطى الحياة ومن ثمّ الموت. إنه جزء أساسي من نظرتنا إلى العالم الذي يسمح لنا بتفسير كلّ شيء نشعر به. الدين هو أمر أساسي لجميع الناس. حتى لو كنا لا نفهم ما هو ديننا، لا يزال لدينا وجهة نظر العالم الديني في داخلنا. إن إيماننا هو ما يعطي معنى لحياتنا.

إن محاولة إخراج الدين من الخطاب العام والأنشطة العامة محكومة بالفشل إذ من غير الممكن فصل معتقداتنا عن الحياة، ولا حياتنا بعد الموت عن أعمالنا أو عن أيّ مناقشة للقضايا الأخلاقية.

واقع العالم هو أن هناك العديد من الآراء العالمية القائمة على أساس اختلاف النظم العقائدية. كلّ مَن يقول بإمكانية بناء مجتمع قائم على وجهة نظر غير المتدينين في حياتنا العامة ويعد بالسماح بممارسة الدين بشكل منعزل، لا يفهم أنهم يطلبون منا بناء مجتمع مستند إلى فكرتهم حول الدين، أي مجتمع إلحادي . إنهم يفترضون أن الدين ليس في الحقيقة مهماً في حياتنا، ويمكن إنزاله إلى جزء صغير من حياتنا. العلمانية تعني وجهة النظر التي تدّعي بأنها أكبر من كل الأديان الأخرى. إنها شكل آخر من أشكال الدين يدعى العلمانية. ما من دين يعلّمنا أن نحفظ معتقداتنا منفصلة عن حياتنا العامة. ليست العلمانية سوى مجرد وسيلة للملحدين ليسوّقوا نظرتهم للعالم.

إذا أردنا المزيد من المعنى في مجتمعنا علينا أن نقيم حواراً صادقاً حول اعتقاداتنا الشخصية ونسعى إلى طرق لتضمينها في فعاليات اجتماعية بغض النظر عن حجم التغيير. هناك الكثير من القضايا التي يستحيل التوافق عليها. هل يتوقّع أحد من مجتمع تعددي يحترم الحرية الدينية أن يوافق على الإجهاض؟ الأمر هنا يتعلّق بفهمنا لقدسية الحياة وتأثير خياراتنا في هذا الإطار على وضعنا بعد الموت. هل يستطيع الذين يعتبرون التخلّص من الجنين قتلاً أن يؤثّروا على الذين يعتقدون بجواز قتل الجنين؟  أيجوز ترك هذه الخيارات لكل فرد ليقرر على أساس معتقده؟ أنا، كمسيحي، عليّ أن أقاتل لحماية الذين لم يولَدوا بعد على أساس إيماني وليس على أسس أخلاقية منطقية خالية من الله.

قد نتساءل هنا، أيمكن أن نحكَم بالوصايا العشرة أو بالشريعة؟ كيف نحلّ هذا الأمر؟ في مجتمع حرّ علينا بأن نسمح لكل واحد بأن يمارس أخلاقياته على أساس معتقده بعد مناقشة هذه الأخلاقيات، وإلا فإن ممارستنا لا تحترم حرية المعتقد… لا ينبغي أن يكون هناك مكان أو ملتقى نُمنَع فيه من التعبير عن ديننا ومعتقداته لكونه جزء مما نحن عليه. إن وضع القيود هو محاولة لتهميش إيماننا.

الأفضل هو الاعتراف بالتعددية في المجال العام والسماح للحرية الفردية بأن تسيطر طالما أنها لا تقيّد الأعمال القائمة على معتقد شخص آخر. نحن نقوم بخيارات على أساس إيماننا في كل يوم. كأرثوذكسيين، نحن نمتحن أعمالنا ونطلب المغفرة عن كل اللحظات التي لم نتبع خلالها تعاليم ربنا وإلهنا يسوع المسيح. نحن نعرف أننا عاجزون عن السلوك بحسب ما تقتضيه ولكننا نعلم أيضاً أن علينا أن نجاهد من أجل كمال سلوكنا الأخلاقي. إن مفتاح العيش كمسيحي هو القدرة على السعي بحرية إلى الإيمان والسلوك على أساس ما علّمنا يسوع. هذا قد يعني أننا بحاجة إلى الصلاة قبل بعض الأعمال، أو قد نحتاج إلى أيقونات أو “رموز دينية” في مكان عملنا. يتعلّم المسيحيون أن يقبلوا أصحاب المعتقدات الأخرى بالرغم من اختلافهم عنهم.

علينا أن نصدّق إيماننا كما ينبغي، وأن نثق بقوة الله، حتّى إذا سلكنا بحسب هذه الحقائق التي تعلّمناها فسوف نؤثّر على الآخرين ونأتي بهم إلى الحق بمعونته. هذا ما حصل في الأزمنة الأولى للمسيحية. بالإيمان الحارّ أعانهم الروح القدس، فإيمانهم كان عظيماً وكانوا على استعداد للوقوف ثابتين في إيمانهم حتّى عندما تضارب مع معايير المجتمع الروماني أو ضد مشيئة الإمبراطور الشرس وما عنى الموت أو التعذيب.

علينا توقّع أن نُضطَهَد كما يخبرنا الإنجيل، لكن علينا أيضاً أن نعرف أننا لكي نتّحد بالله ينبغي أن نتّضع، وبنظرنا إلى طبيعتنا الخاطئة نرى صورة الله الموجودة في كلّ الآخرين الذين لا يشاركوننا إيماننا. لا ينبغي أن نتعامل مع الآخرين بطريقة تجعلهم يخطئون.

إذاً ما هو الجواب؟ لا يستطيع المسيحي أن يقبل إخراج الدين من الشأن العام، كون دينه جزء أساسي منه. علينا أن نعمل على تشجيع الحوار في المجتمع حتى يشمل كل الاختلافات المتعلّقة بحقوق كل واحد منا. علينا أن نسمح لكل شخص بأن يعبّر عن إيمانه في المنتديات العامة. لا ينبغي التنازل عن حق التعبير بإسم العلمانية. إذا تقهقرنا في الشهادة لإيماننا بيسوع المسيح والتعبير عن هذا الإيمان في المجال العام نكون تراجعنا عن الحق والالتزام بمَن نحن وبما نؤمن. إذا ثبتنا فإن إيماننا سوف ينمو بدل أن يضعف. إذا استسلمنا للعلمانية فسوف ننتهي إلى ضعضعة إيماننا والخضوع للنسبية حيث يُنظَر إلى كل المعتقدات على أنها متساوية في الصحة، وبالتالي سوف نفقد القوة والنعمة للاتحاد بالله. إذا ثبتنا على إيماننا فسون نكسب نعمة الله ونربح قدرتنا على عيش الحياة التي علّمنا. وفي ثباتنا هذا، نؤثّر بالآخرين ليأتوا إلى الحق الذي نحن عنده. لكن أولاً ينبغي ألا نسمح بتهميش إيماننا بالأفكار الحسنة النيّة التي يحملها أولئك الذين يعتقدون بأنّ النهج الملحد العقلاني يتفوّق على النهج الذي يزاوج بين العقلانية والإيمان.

عن مدوّنة http://orthodoxwayoflife.blogspot.com/

حول إنجيل الدينونة

 حول إنجيل الدينونة

 

يعطي يسوع في هذا النصّ الإنجيليّ صورة عمّا سيحدث يوم الدينونة الأخير. وكيف سيجلس هو على العرش “ويجمع إليه كلّ الأمم فيميّز بعضهم عن بعض كما يميّز الراعي الخراف من الجداء”. ثلاثة حقائق أساسيّة تخرج من هذا النصّ، وتستحق منا التأمّل بها عميقاً. الأولى هي حقيقة يوم الدينونة، والثانية شمولية ذلك اليوم ومسكونيته، وأخيراً إن المحبّة هي معيار الدينونة. دينونة الله هي مبدأ إنسانـيّ عامّ بحسب الضمير أوّلاً. فإنّ عدالة الله ومحبّته تَعِد بتصحيح الأمور المعوجة في هذه الحياة. وهو سيعوض للمظلوم وسوف يدين كلاً بحسب أعماله.

  الدينونة في المفهوم المسيحيّ ليست عقاباً ينـزله الله بمَن أساءوا إليه، بل إنّها اللحظة التي يُقيم فيها الله العدالة ويكشف عن الأعمال الحقيقيّة التي هي تدين كلّ إنسان. وتترافق تعاليم الكتاب عن هذه الدينونة بلوحات مرعبة وصور مهوّلة، وذلك رغبةً بالتشديد على السهر من جهة وعلى تصوير مقدار العذاب الذي سيلحق بالمهملين.

       شامل هو حكم الربّ يوم يدين “الأمم”، كما يقول الربّ يسوع في النصّ الإنجيليّ الذي سمعناه. لأنّه سيجمع كلّ الأمم وليس أتباع دين دون آخر أو أبناء أمة دون سواها… الله هو أب الناس أجمعين بالرغم من اختلاف ألوانهم وأديانهم، وليس إله سواه. إنّه العادل الوحيد والأخير وهذا لا شك فيه، لكن السؤال هو هل عند الله محاباة للوجوه؟ وكيف سيدين من هم خارج ديننا (الأمم آنذاك أمام سامعي يسوع)؟ ما هو المعيار المشترك يا ترى الذي سيأخذ الربّ به دون أن يظلم أحداً بل ليقيم العدل؟

       لا شيء مشترك في حياة كلّ البشر سوى “المحبّة”! يختلف الناس بالدين، ويختلفون بالأعراق والجغرافيا والظروف والحضارات واللغات… كلّ شيء بين الناس مختلف، الأمر الوحيد المشترك بين كلّ الناس هو إنسانيّتهم أي محبّتهم وعمل الخير. لذلك يوضح يسوع أنّ الدينونة ستقوم على أساس “الأعمال” وليس على اعتبار آخر حتّى ولا الدين! هكذا عندما يفرز الخراف عن الجداء ويفصلهم عن يمينه وعن يساره لا يسأل عن أي معيار غير الأعمال الحقيقيّة، وهذه المحبّة العمليّة. وعلى هذا الأساس فقط يمكن ليوم الدينونة أن يكون شمولياً.

       عندما تكون المحبّة هي معيار الدينونة، هذا يعني الكثير وخاصّة عندما يوحّد الديان ذاتَه بذوي الحاجات، فكل ما فعلتموه بهؤلاء “الصغار” (الضعاف) تكونون قد فعلتموه “بي”! هنا يريد السيّد أن يوضح تماماً ما ردّده يوحنا الحبيب أنّه لا يمكننا أن نحبّ الله الذي لا نراه إذا كنا لا نحبّ القريب الذي نراه. الدين كعلاقة حبّ وعبادة لله لا تقوم مباشرة بين المخلوق والخالق! إنّما يثبت الإنسان محبّته لغير المخلوق حين يعتني بخليقته! إنّ محبتنا العمليّة للقريب هي التي تبني المحبّة مع الله، أو العكس إنّ إهمالنا للقريب هو الذي يحدّد دينونتنا. هذا هو خطر “التقوى” الخارجيّة، حين نكثر من “العبادات” نحو الخالق ونهمل خدمة الناس. هذا هو التدين الهابط.

       تحديد المحبّة معياراً للدينونة يريد به يسوع أن يشدّد على حقيقة، أنّ عدالة الله ترى مسؤوليّة مشتركة بين البشر، وسوف تدين على أساس حياة الشركة وليس حياة الفرد. لا تقبل العدالة الإلهيّة جواباً كـ”هل أنا مسؤول عن أخي؟” نعم أنا مسؤول عن أخي إن كنت أؤمن بوجود الله ويوم الدينونة العادل. عدالة الله سوف تحكم في مدى نجاحنا بهذه المسؤوليّة وليس على أي مقياس آخر.

       تأخذ محبّة القريب طابعاً دينياً وليس اجتماعياً. إن مسؤوليتنا نحو القريب ليست في حيّز “الإحسان” إنّما في صلب “الإيمان” وهي معياره. ليس الدين مسألة فرديّة بين فرد وإلهه. الإيمان المسيحيّ مسألة شركويّة. السؤال يوم الدينونة ليس عمّا فعلنا مع الله، فهذا لا معيار له إلاّ بعض المظاهر! السؤال سيكون ماذا طبّقنا من الدين مع الآخر. هذه الوصيّة الجديدة التي شدّد يسوع أنّه جاء بها ويوصينا أن نحياها ليعرف الناس أنّنا تلاميذه. وهي أن الدين هو وصايا نحو الآخر وما نريده مع الله نبرهنه من خلال القريب.

       الشركة مع الآخر ليست درجة مثاليّة في الدين بل هي جوهره؛ وغيابها لا يعني نقصان فضيلة ما فيه بل يعني تماماً غيابه كليّاً. نعم سَنُدان يوماً، فلنسهر! وسنُدان جميعنا فلا دين ولا عرق ولا أي انتماء إنّما فقط الأعمال! سنُسأل آنذاك حصراً عمّا إذا كنّا قد عملنا من أجل محو وجه الأمم عن وجه الأرض! هكذا نتحضّر للصوم، أوّلاً بالسهر لأن الزمان قصير! وثانياً التركيز على أنّ غاية أيّة ممارسة كما هو الصوم القادم، هي فعل المحبّة أنّنا لا نعبد الله إلا بخدمة أولاده البشر، وأن لا تديّن دون تقدمة ولا دين ليس من أجل الآخر.

 * بتصرف عن موقع أبرشية حلب

السنة الحادية عشرة – العدد الثالث – كانون الأول 2014

السنة الحادية عشرة – العدد الثالث – كانون الأول 2014 

مختارات آبائية

مختارات من أقوال القديس نيقولا الصربي

من ثمار القديس فيلاريت موسكو

عظة

الحبّ والحرّيّة – الأرشمندريت توما بيطار

لاهوت

قرار المجمع الأرثوذكسي العام في الفنار غير قانوني – المتقدم في الكهنة أفستاثيوس كولاّس

حياة روحية

الحالات الروحية الداخلية – الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

هل من الجيد حضور التلفزيون؟ – الأب سيرغي سفشنيكوف

صقيع الروح – الخورية سميرة عوض ملكي

قصة

صلاة الصغيرات – إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع – دده، الكورة