السنة الحادية عشرة – العدد الخامس – شباط 2015

السنة الحادية عشرة – العدد الخامس – شباط 2015

مختارات آبائية

كيف يخلص الإنسان في هذه الأزمنة؟

 دراسات آبائية

القديسان إسحق السرياني وباييسيوس الأثوسي والتفكير الإيجابي

الأب ميخا هيرشي

 عظة

التزام روح الفقر

الأرشمندريت توما بيطار

 حياة روحية

من الصمت إلى السكون

المتقدم في الكهنة جون براك

 الحسد

الميتروبوليت إيرثيوس فلاخوس

الصوم والزمان الحاضر

الأب رافائيل فاراشاك

رعائيات \ عائلة مسيحية

“العرس مكرّماً والمضجع بغير دَنَس”

عن نشرة كنيسة السابق، واشنطن

 النمو المتوقّف: تدمير الذكورة بالحضارة الإباحية

أوكتافيا راتيو

كيف يخلص الإنسان في هذه الأزمنة؟

كيف يخلص الإنسان في هذه الأزمنة؟

اختارها ونقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 هذا سؤال طرحه أحد المسيحيين على القديس برصنوفيوس الكبير في القرن السادس، وعليه قد أجاب: “في أي وقت، إذا قطع الإنسان إرادته في كل شيء واتّخذ قلباً متواضعاً وجعل الموت أمام عينيه، يمكن أن يخلص بنعمة الله، وحيثما كان لا يمتلكه الخوف، لأنّه “نسي ما هو وراء وامتدّ إلى ما هو أمام” (فيليبي 13:3). افعل هكذا وسوف تخلص بالله من دون أي حزن”.

وفي مكان آخر كتب: “أيها الأخ، مَن أراد أن يخلص وهو يتشوّق لأن يكون ابناً لله، فليكتسب الاتضاع والطاعة والامتثال والبساطة. أنت تسأل: “قل لي ما عليّ أن أفعل”. هذا جوابي وأنا كفيل بأنك لن تحترق بشهوات العدو. لأن التواضع سوف يحرق هذه الشهوات كما بالنار، والقلب المستنير بالمسيح سوف يفرح في سلامه الخاص”.

في رسالة مؤرخة في الثاني من كانون الثاني 1911، كتب الشيخ برصنوفيوس الذي في دير أوبتينا، سالكاً على خطى شفيعه: “مَن يخلص؟ مَن يصبر إلى المنتهى يخلص (متى 22:10)”.

أيضاً كتبت الراهبة أيلينا في سيرة هذا الشيخ المعنوَن “ذكريات الشيخ”: “في تلك الرحلة، أثناء أحد أحاديثنا، خلع الشيخ القبعة التي كان يرتديها في قلايته ووضعها علي: “دعيني أرى كيف سوف تبدو طفلتي كراهبة”. أخذت الأمر كمزحة إذ لم يكن عندي أي نية في الرهبنة. وفوق ذلك، في بداية معرفتي الشخصية بالشيخ سألته، إذا كان برأيه، بإمكاني أن أخلص في العالم، لأني لا أستطيع ولن أدخل الدير. أجاب الشيخ: “من الممكن الخلاص في العالم، لكن فقط كوني منتبهة! تخيلي هاوية وفي أسفلها يغلي تيار متدفق. من الماء تخرج بين الحين والآخر وحوش مرعبة تخرج رأسها وتفتح شدقيها واسعاً لتبتلع كل ما يقع في الماء. وأنت تعرفين أن عليك أن تعبري فوق هذه الهاوية، على عارضة قصيرة ورفيعة تمرّ فوقها.

أي رعب هو هذا! قد ينكسر العامود فجأة تحتك وقد يبدأ رأسك بالدوران وتقعين مباشرة بين فكي الوحوش الرهيبة. هل سوف تقطعينها بتأنٍّ؟ بمعونة الله بالطبع كلّ شيء ممكن لكنه مرهب. ثم فجأة يقول لكِ أحدهم: “أنظري إلى اليمين، على بعد خطوتين أو ثلاثة هناك جسر مبني على أساسات مركزة ذات دفاعات حديدية. لماذا تجرّبين الرب؟ لماذا تعرّضين حياتك للخطر؟ أليس العبور على السبيل الأكثر أماناً أكثر بساطة؟ أفهمتِني؟ الهاوية هي بحر الحياة الذي علينا أن نعبره جميعاً. العامود هو طريق العلماني، والجسر، المحمي من كل الجهات الثابت والقوي، هو الدير”.

فأجبتُ عندها: “إذا استحال عليّ الوصول إلى الجسر فبمعونة الله سوف أعبر على العامود.” فوافق الشيخ.

بهذا انتهى النقاش حول الرهبنة في ذلك الحين، وكانت مزحة الشيخ عن القلنسوة قد فاجأتني. لكن ينبغي أن أذكر أن بعد أربع سنوات ونصف صارت المزحة حقيقة.

القديسان إسحق السرياني وباييسيوس الأثوسي والتفكير الإيجابي

القديسان إسحق السرياني وباييسيوس الأثوسي والتفكير الإيجابي

الأب ميخا هيرشي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

ما من أحد كرّس نفسه لاتّباع القديس اسحق السرياني كما فعل القديس الشيخ باييسيوس الذي ضُمّ مؤخّراً إلى سنكسار الكنيسة (في 13 كانون الثاني 2015). فهو لم يحبّ تعاليمه بعمق وحسب بل ما هو أكثر أهمية هو أنّه عاش وجسّد كلّ ما علّم به القديس إسحق.

كتب القديس باييسيوس: “سوف يساعدك القديس إسحق السرياني بشكل عظيم لأنّه يعيننا على أن نفهم معاني الحياة الأكثر عمقاً. إلى هذا، إنه يساعد الرجل المؤمن بالله على إبعاد كل تعقيد، كبيراً كان أم صغيراً. إن بعض الدراسة للقديس إسحق تحوّل النفس بكل الفيتامينات الروحية التي فيها”.

لدى القديس اسحق فيتامين محدد يتحدّث عنه غالباً الشيخ باييسيوس واصفاً إياه بأنه الفيتامين القادر على حفظنا من كافة الأمراض الروحية وتحريرنا من كل العِقَد. هذا الفيتامين الذي يمنحنا إياه القديس إسحق ويكرر ذكره القديس باييسيوس هو التفكير الإيجابي.

التفكير الإيجابي ذو وجهين تماماً كما الوصية العظمى ذات وجهين “أحبب الربّ إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قوتك” والوجه الثاني هو “أحبب قريبك كنفسك”. ولأن للمحبة، كما للصليب الكريم، عارضة عامودية (محبة الله) وعارضة أفقية (محبة القريب)، التفكير الإيجابي ينطبق على أفكارنا عن الله وأفكارنا عن قريبنا.

كتب القديس إسحق: “جدد حياتي بتحوّل الذهن وبالأفكار الإيجابية التي تحركها فيّ أنت بنعمتك”. هذه الصلاة استجيبَت في حياة القديس باييسيوس عندما كان طفلاً وتغيّر فكره بفكرة إيجابية حرّكها الله فيه. لقد وجد ذاته في حزن عميق وراح يشكك بإيمانه لأن أحد الرجال الذين لم يكن في رأسه أي فكرة إيجابية، سخر من القديس لأنه يؤمن بالله وأخبره بأن المسيح كان مجرد إنسان. يخبرنا القديس باييسيوس: “كنت منهكاً فاستلقيت على الأرض لأستريح. فجأة، إذ بفكر إيجابي مفعَم بالامتنان المتجاوب دخل في نفسي البريئة: انتظر لحظة! ألم يكن المسيح ألطف الناس على وجه الأرض؟ لم يجد أحد فيه أي فكر شرير. إذاً، سواء كان هو الله ام لا، لست أهتمّ. فعلى أساس أنه أكثر البشر لطفاً وأنا لم أعرف أفضل منه فسوف أحاول أن أكون مثله وأطيع بشكل مطلَق كل ما يطلبه الكتاب المقدس. سوف أقدّم له حتّى حياتي إذا اقتضت الحاجة لأنه كريم جداً.

كل أفكار الجحود تبخّرت وامتلأت نفسي بفرح عظيم. قوة أفكاري المفعمة بالامتنان أذابت كل الأفكار الملتبسة. عندما بدأت أؤمن بالمسيح وقررت أن أحبه قدر استطاعتي، وبسبب الامتنان المتجاوب اختبرتُ معجزة ختمت فكري الإيجابي بقوة. من ثمّ افتكرتُ: أنا لا أهتمّ من بعد إذا قال لي أحدهم أن الله غير موجود”.

هذه الفكرة كانت عطية من الله ثبّتها القديس اسحق الذي يقول لنا: “تقع الفكرة الجيدة في القلب بعطية إلهية فقط”. الله أعطى هذه المنحة للشاب باييسيوس الذي كان قلبه ممتلئاً بالامتنان والكرامة* إذ بحسب القديس “مَن يحمل عطايا الله إلى إنسان هو قلب متحرك دائماً نحو الشكر”.

يذكرنا القديس باييسيوس بالطبيعة الأفقية للتفكير الإيجابي إذ يكتب: عليك أن تكون أفكارك من ناحية الجميع حسنة”، وأنّ “أساس الحياة الروحية بأكمله هو التفكير بالآخرين ووضع الذات أخيراً، وعدم التفكير بالذات”. على المنوال عينه، القديس إسحق يخبرنا بأن الإنسان يبلغ الطهارة “عندما يعتبر كل البشر أخياراً، وما من رجل يبدو له غير طاهر أو دنس، يكون بالحقيقة طاهر القلب”.

فلنصلِّ، متّبعين تعاليم القديسين إسحق وباييسيوس، إلى الربّ بكلمات القديس نيقولاوس كاباسيلاس “حوّل عين النفس من الأمور الباطلة بحفظك القلب مملوءً بالأفكار الحسنة، حتى لا يترك في أي وقت مكاناً للأفكار الشريرة”

* الكرامة هي ترجمة لكلمة Philotimo اليونانية لكنها لا تعنيها حرفياً. الترجمة الحرفية للكلمة تعني صديق المجد. الكلمة بحسب العديد من المصادر هي أكثر الكلمات اليونانية صعوبة في الترجمة [المترجمٍ]

التزام روح الفقر

التزام روح الفقر

الأرشمندريت توما بيطار*

 يا إخوة، قبل هذا الحدث، الّذي يتكلّم عليه إنجيل اليوم المبارَك، كان الرّبّ يسوع قد أطعم الجموع الّتي تبعته بإصرار، ثلاثة أيّام. وإذ عاين قومٌ – والنّصّ، هنا، يقول النّاس – هذه الآية، قالوا: “هذا هو بالحقيقة النّبيّ الآتي إلى العالم”، ورغبوا في أن يختطفوا يسوع، ليجعلوه ملكًا. لكنّ يسوع عرف قلوبهم، فانصرف من دون أن يفسح في المجال لهم أن يتمّموا قصدهم. الرّومان كانوا، في ذلك الزّمان، يمارسون سياسة القمع تجاه اليهود. وقد جرت محاولات عدّة للاستقلال؛ فكانت ثورات، لكنّها لم تنجح. لكن، في قلب أكثر اليهود، كانت هناك ثورة على الرّومان. وهذا ما جعل اليهود ينظرون إلى يسوع من منظار واقعهم السّياسيّ. قرأوه، بمعنًى من المعاني، قراءة سياسيّة. وهذا أمر بشريّ. كلّ إنسان يحاول أن يقرأ يسوع وفقًا لحاجاته، وفقًا لأفكاره، وفقًا لرغباته… هَمُّ الإنسان، في الدّرجة الأولى، أن يحقّق مراميه، أن يحقّق مقاصده. هذا، طبعًا، يؤكّد أنّ الآيات والعجائب لا تؤدّي، بالضّرورة، إلى الإيمان بالرّبّ يسوع.

على ضوء هذا الواقع، قال الرّبّ يسوع لأولئك الّذين لاحقوه: “الحقّ الحقّ أقول لكم إنّكم تطلبونني، لا لأنّكم رأيتم آيات، بل لأنّكم أكلتم من الخبز وشبعتم”. الإنسان، إذًا، عنده، بصورة تلقائيّة، هذا الميل إلى استغلال الإلهيّات لمراميه الخاصّة. تذكرون أنّ الرّبّ يسوع، بعدما اعتمد على يد يوحنّا المعمدان، أَخرجه الرّوح إلى البرّيّة، حيث صام أربعين يومًا، وجرّبه الرّوح الخبيث بثلاثة أمور: جرّبه بموضوع الطّعام، وبموضوع السّلطة، وبموضوع استغلال ما لله لمرامٍ شخصيّة. بهذا المعنى قال له إبليس أن يلقي بنفسه من أعلى الهيكل: “ألقِ بنفسك إلى تحت، لأنّه مكتوب أنّه يرسل ملائكته ليحفظوك؛ فلا تصدم بحجر رجلك” (متّى4: 6)؛ فقال له الرّبّ يسوع، يومها: “مكتوب أيضًا: لا تجرّب الرّبّ إلهك” (متّى4: 7). بكلام آخر، الرّبّ يسوع يشاء أن يبيّن لنا أنّ الإنسان المؤمن لا يجوز له أن يستغلّ ما لله لمراميه الخاصّة، الشـّخصيّة. هذا، طبعًا، يستدعي أسلوبًا خاصًّا في التّعامل مع الله، وإلاّ فإنّ تعاملنا معه يكون فاسدًا، ولا نجني منه شيئًا. علينا أن نُفرغ أنفسنا من كلّ رغبة في سلطة؛ وعلينا أن نلتزم روح الفقر، مكتفين بما هو ضروريّ لمعيشتنا؛ وعلينا، أيضًا، أن نُلقي بأنفسنا بين يدي الله الحيّ، نُسلم أنفسنا إليه في كلّ ما يخصّنا، في كلّ ما يجري لنا؛ ولا نحاول، لا سيّما في الأوقات الحرجة، أن نستغلّ ما لله لأغراض دهريّة. هذا، طبعًا، يستدعي وعيًا، وجهدًا؛ ويستدعي، في الدّرجة الأولى، استقامة القلب. إذا لم يكن القلب مستقيمًا، فليس باستطاعة الإنسان أن يؤمن، ولا أن يقيم علاقة سليمة مع الله. استقامة القلب تأتي، أوّلاً وأخيرًا، من كون الإنسان لا يطلب شيئًا من عند الله، على الإطلاق. الرّبّ يسوع قال لنا: “اطلبوا ملكوت السّموات وبرّه” (متّى6: 33). ملكوت السّموات هو روح الرّبّ القدّوس. هذا نطلبه، ونسعى لأن يسكن فينا؛ إذ ذاك، نكون في سعي إلى ملكوت السّموات. في ما عدا ذلك، نحن لا نطلب شيئًا، على الإطلاق؛ لأنّ الرّبّ الإله وعدنا بأنّ كلّ شيء نحتاج إليه، في هذا الزّمن، يُعطى لنا من دون أن نطلبه، إن طلبنا الملكوت من كلّ القلب، ومن كلّ النّفس، ومن كلّ القدرة؛ لأنّ الرّبّ الإله، العالم بكلّ شيء، يعرف حاجة الإنسان في معيشته، أكثر ممّا يعرفها الإنسان نفسه. الإنسان، بكلّ أسف، لا يعرف، تمامًا، ما يحتاج إليه، حتّى في مستوى المعيشة. اليوم، مثلاً، نحن نخلط بين حاجات هي بالفعل حاجات، وحاجات وهميّة يلتزمها الإنسان ويطلبها؛ وهو، في الحقيقة، لا يحتاج إليها. هناك أمور كثيرة جدًّا، في حياتنا اليوم، نحن لسنا نحتاج إليها. لنبدأ بملابسنا، مثلاً. إذا نظر الواحد منّا في خزانته، وجد أنّ هناك كمّيّة من الملابس المختلفة، الّتي لا يحتاج إليها، أبدًا؛ وقد تبقى ألبسةٌ في الخزانة سنة بعد سنة، وقد يأكلها العثّ؛ وقد ننسى ما عندنا ولا نستعمله، أبدًا؛ وإذا ما خطر في بالنا أن نستعمله، يكون قد فات الأوان، لأنّه يكون، إذ ذاك، غير مناسب لِما يتماشى وذوق العصر الّذي نكون فيه. هكذا، نكون قد أنفقنا أموالاً، ليست بقليلة، على ما لا نحتاج إليه. لماذا يحتاج الإنسان، مثلاً، إلى الكثير من المفروشات في بيته؟! كثيرون، مثلاً، يقتنون طاولة سفرة ولا يستعملونها، إلاّ ربّما مرّة في السّنة؛ وإذا أرادوا أن يتناولوا الطّعام، فإنّهم يتناولونه في المطبخ. كذلك الأمر بالنّسبة إلى الصّالون! النّاس لا يحتاجون إلى صالونات، بكلّ معنى الكلمة. قد ينفقون أموالاً طائلة على ذلك، هذا إذا حسبنا السّجّاد، واللّوحات، والزّينة… هل يحتاج الإنسان إلى كلّ هذه الأمور؟! ربّما غروره يحتاج إلى هذه الأمور! ربّما لأنّ الحسد يدفعه إلى هذه الأمور! حين نرى أنّ هناك أناسًا يفعلون ذلك، نشعر بأنّنا يجب علينا، نحن أيضًا، أن نفعل هذا الأمر! لكن، هل هذه حاجة، بكلّ معنى الكلمة؟! هل هذه حاجة لا يمكننا أن نعيش من دونها؟! هذا غير صحيح! وحَدِّثْ ولا حرج عن الكثير من المقتنيات الّتي في البيت. أليس بإمكان الإنسان أن يعيش من دون تلفاز، مثلاً؟! طبعًا، صار، اليوم، البرّاد ضرورة. والإنسان رتّب حياته على أساس هذه الضّرورة. لكن، لا ننسينّ أنّ النّاس قَبْلَنا كانوا يعيشون من دون هذه الأمور. في الحقيقة، أذكر أحاديث كنّا نتعاطاها، نحن الشـّبّان، منذ سنوات. كنّا نقول إنّ تعميم الكهرباء على البيوت سوف يخلق للإنسان مجموعة كبيرة من الحاجات الّتي لا يحتاج إليها، والّتي بإمكانه أن يستغني عنها لو أراد. لكن، هل بإمكان أحد، اليوم، أن يقول لإنسان: لماذا لا تستغني عن الكهرباء؟! هذا غير وارد! لماذا لا تستغني عن البرّاد، أو الغسّالة، أو التّلفاز، أو الهاتف، أو الخلويّ؟!… على العكس، أحيانًا كثيرة، نجد أنّ كلّ واحد من أفراد العائلة لديه خلويّ. هذه صارت حاجة، صارت أمرًا ضروريًّا، في الحياة! صار الإنسان لا يستطيع أن يتصوّر العيش من دون هذه الوسائل. لكنّ الأحداث، مثلاً، أثبتت أنّ الإنسان، خلال الحوادث المؤلمة، الّتي جرت في لبنان بين العام 1975 والعام 1990 من القرن العشرين، كان قادرًا على الاستغناء عن الكثير من الأمور، الّتي كان يتعاطاها قبل ذلك، والّتي استمرّ يتعاطاها بعد ذلك! كنّا، لسنوات، نعيش من دون كهرباء، على ضوء الشـّمعة، وكنّا نشكر الله لأنّ لدينا شمعة! وكان حصولنا على “ربطة” من الخبز شأن عظيم! أمور كثيرة لم تكن متوفّرة، وكنّا نعيش من دونها؛ وكانت طبيعة الحياة نفسها تجعلنا نقدّر كلّ شيء، مهما كان بسيطًا، إذا تمكّنّا من اقتنائه وكنّا نحتاج إليه!

إذًا، في الحقيقة، لو أراد الإنسان أن يكون منصـِفًا، وصادقًا مع نفسه، لَكان بإمكانه أن يستغني، على الأقلّ، عن 75 إلى الـ 90 في المئة ممّا هو في حوزته. بسهولة، بإمكان الإنسان، اليوم، إذا اقتنع، وإذا رتّب حياته على أساس هذه القناعة، أن يكتفي بما يتراوح بين الـ 10 والـ 15 في المئة من الإنفاق الّذي ينفقه، ومن الحاجات الّتي يعتبرها حاجات وليست هي كذلك؛ أو ليست كلّها، على الأقلّ. لهذا السّبب، الإنسان، بكلّ أسف، تحوّل إلى آلة استهلاكيّة. وكلّ عقله صار في ما يستهلكه. الاستهلاك، في ذاته، صار هو، إلى حدٍّ بعيد، الحاجة! إذا أردنا، اليوم، أن نحدد ما هو الإنسان، لَقلنا: الإنسان هو، اليوم، حيوان مستهلِك! في الماضي، ربّما قيل: الإنسان هو حيوان مفكِّر. اليوم، ما يسيطر على حياة الإنسان هو الاستهلاك! وعمليًّا، بإمكان الإنسان أن يعيش بالقليل، وينسى أنّه يحتاج إلى شيء آخر. حين كنّا أطفالاً، كانت الوالدة هي الّتي تخيط بعض الملابس، في المناسبات، فقط! وكنّا نشتري حذاءً واحدًا في السّنة، ونكتفي بحذاء آخر لكلّ يوم. أمّا الحذاء الجديد، فكنّا نلبسه يوم الأحد، أو يوم العيد، وكنّا نفرح بكلّ شيء. لم تكن هناك مشكلة، بالنّسبة إلينا، لأنّنا نعيش بطريقة بسيطة. الإنسان، في الحقيقة، يأتي على نفسه بالكثير من الهموم. ليست الحياة نفسها هي الّتي تلقي عليه بهمومها. الإنسان هو الّذي يجلب الهمّ على نفسه. اليوم، يقولون: “ليس بإمكاننا أن ننجب أكثر من ولد أو ولدين، لأنّ الحياة صارت مكلِّفة”. إذا قابلنا بين دخل الإنسان، بعامّة، اليوم، بدخل الإنسان قبل مئة عام؛ لَوجدنا أنّ الإنسان، قبل مئة عام، كان يُعتبَر فقيرًا جدًّا جدًّا. أكثر النّاس كانوا يعملون موسميًّا. لكنّهم كانوا يفرحون بالأمور البسيطة الّتي عندهم. اليوم، عندنا الكثير، ولا نفرح بشيء! تهتزّ نفوسنا لاقتناء بعض الأمور، الّتي نقتنيها ليوم، أو يومين، أو ثلاثة أيّام، أو أسبوعٍ، أو أسبوعين، ثمّ نلقيها جانبًا، ونطلب شيئًا آخر. وهكذا دواليك. اليوم، أصبحت نفوسنا مرتبطة بما نستهلكه، بما نقتنيه جديدًا! والإنسان يلهث وراء القنية؛ ولا يكتفي بشيء، على الإطلاق؛ ولا يفرح بشيء، على الإطلاق، إلاّ عبورًا. ربحنا الاستهلاك، وخسرنا الفرح!

لكن، لو كان الإنسان ليطلب القليل، لَكان لا فقط يفرح أكثر؛ بل، أيضًا، لَكانت علاقته بالآخرين لتكون مختلفة؛ ولَكانت علاقته بالله، أيضًا، لتكون مختلفة. في الدّرجة الأولى، الإنسان يحتاج إلى روح الفقر. وهذا صحيح اليوم، بصورة خاصّة. اليوم، روح الفقر يكاد يكون غائبًا، بصورة شبه كلّيّة، عن حياة النّاس. حتّى الفقراء ليس عندهم، بالضّرورة، روح الفقر! فإنّ نفوسهم تشتهي ألف شأن وشأن! روح الفقر معناه أن يطلب الإنسان ما يحتاج إليه. الرّسول بولس يقول: “إن كان لنا قوت وكسوة، فلنكتفِ بهما” (1تيمو6: 8)! روح الفقر معناه أن يكون الإنسان قانعًا بما عنده! روح الفقر معناه أن يكون مستعدًّا لأن يشترك بما لديه مع الّذين يعانون صعوبات قد لا يعانيها هو، بالضّرورة! إذًا، روح الفقر يستدعي القناعة، والبساطة، والشـّركة. هذا شيء جميل جدًّا. نحن لا نقول، بالضّرورة، إنّ كلّ واحد منّا عليه أن يبقى أسبوعًا من دون طعام! هذا لا يعني، بالضّرورة، أنّ هذا الإنسان يمارس روح الفقر، إذا فعل ذلك. روح الفقر هو حالة، وليس فعلاً يتمّمه الإنسان. الشـّيء الطّريف، مثلاً، أنّ أكثر النّاس، بعد الصّوم، يعودون إلى عاداتهم الغذائيّة السّابقة. بعد أسبوع، أو أسبوعين، أو ثلاثة أسابيع، من انتهاء الصّوم، ينسون أنّهم كانوا في صيام. لكن، ما الغرض من الصّيام؟! الغرض منه هو أن يقتني الإنسان روح الفقر، الّذي ينبغي أن يلازم كلّ واحد منّا، لكي تستقيم علاقته بربّه، وبالآخرين، وبنفسه. إذًا، من دون روح الفقر، عمليًّا، يستحيل على الإنسان أن يؤمن إيمانًا قويمًا! إذا لم يكن يقتني روح الفقر، فلا بدّ له من أن يستغلّ الإلهيّات، بشكل أو بآخر، لغاياته الشـّخصيّة. وأيضًا، إذا قلنا “روح الفقر”، نمدّ الفقر إلى أبعد ممّا هو حسّيّ. المقصود بالفقر هو إفراغ الذّات. الإنسان، مثلاً،  يُفترَض به ألاّ يطلب كرامة لنفسه، وألاّ يسعى لحبّ الظّهور، ولا للمجد الباطل، وألاّ يطلب المقعد الأوّل بين النّاس، ولا سلطةً لنفسه، ولا أن يكون صديقًا للرّؤساء والعظماء… روح الفقر لا يتناول، فقط، ما هو حسّيّ؛ بل ما هو حسّيّ، وما هو نفسيّ، وما هو روحيّ في العمق. روح الفقر، كما يشير الاسم، هو روح. وما دام هو روح، فهو يتناول الإنسان برمّته.

الإنسان، في الحقيقة، إذا سلك في روح الفقر، إذا تروّض على روح الفقر؛ فإنّه يجد، إذ ذاك، أنّ إيمانه بالرّبّ يسوع يصير إيمانًا حيًّا، ولا يبقى إيمانًا نظريًّا، أو فكريًّا، أو أهوائيًّا. الإيمان يصير ضرورة حياة. الإنسان الّذي يلتزم روح الفقر، وقد ألقى بذاته بين يدي الله الحيّ، يجد نفسه في إطار الإيمان الحيّ بيسوع. بغير ذلك، يكون الإنسان انتقائيًّا: يختار ما يناسبه، ويُضفي عليه الصّفات الّتي يريدها، ويسمّي الأشياء بغير أسمائها… وهذا، في العمق، هو السّبب في أنّ الإيمان، بين الّذين يُحسَبون مؤمنين بالرّبّ يسوع المسيح، يتآكل، ويتناقص، بصورة مستديمة. اليوم، بإمكان الإنسان، إذا أراد أن يصدق، أن يسأل بشأن نفسه وبشأن الآخرين: هل نحن مؤمنون، حقًّا، بالرّبّ يسوع؟! ما قيل في الإنجيل الكريم، “متى جاء ابن الإنسان، فهل يجد الإيمان على الأرض؟!” (لو18: 8)، لا شكّ في أنّه ينبغي أن يكون مصدر تأمّل، بالنّسبة إلينا؛ لأنّنا، اليوم، على الصّعيد الشـّخصيّ وعلى الصّعيد العامّ، (وأنا لا أتكلّم على الآخرين، بل على نفسي، أيضًا) نحتاج إلى نسأل أنفسنا: هل نحن، فعلاً، في نطاق الإيمان الحيّ بيسوع؛ أو إنّ إيماننا بات شيئًا نستخدمه، ليكون دعمًا نفسيًّا لنا، وليكون دعمًا طائفيًّا لنا، وليكون دعمًا لقناعة عندنا أنّنا إن آمنّا نقتني الحياة الأبديّة؟!

ما لم نكن في سعي دؤوب، كلّ يوم، لاقتناء روح الفقر؛ فكلّ ما يَرِد على أذهاننا تُطرَح بشأنه علامة استفهام كبيرة. السّؤال يبقى لكلّ واحد منّا: هل نحن مؤمنون، فعلاً، بالرّوح والحقّ؟! هذا جوابه متروك لضمير كلّ واحد منّا.

والسّبح لله دائمًا.

* عظة حول يو6: 14- 27 في السبت 7 أيّار 2011

من الصمت إلى السكون

من الصمت إلى السكون

المتقدم في الكهنة جون براك

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

يظهر أن هناك فجوة لا يمكن تجاوزها بين غنى التقليد الأرثوذكسي المتعلّق بصلاة القلب من جهة، ومن جهة أخرى الصلاة الفقيرة التي هي جزءٌ من خبرتنا الشخصية. صلاة القلب تتطلّب الهدوء (hesychia)، السكون الداخلي العميق، الذي يسمح لنا أن نسمع “صوت الله المُنْخَفِض الخَفِيف”. هل هذا في متناول أيدينا اليوم، في ظروف الإجهاد، والإرهاق والتشتت التي تصبغ حياتنا اليومية؟

أغلب التعليم الهدوئي التقليدي صاغه شيوخ نسّاك ونُقِل إلى رهبان أصغر سنّاً. إنّه تقليد تطوّر في الدير وهَدَفَ أساسًا إلى الحياة الرهبانية. إلا إنّ جذوره تعود إلى العهد الجديد وإلى تعليم يسوع وخبرته. تظهِر الأناجيل يسوع مراراً منفرداً لبعض الوقت لكي يصلّي إلى أبيه سرّاً. من ثمّ يُضَمّ إلى صلاته صلوات الآخرين أي الأشخاص الذين يتوسّلون إمّا إليه أو إلى الله الآب طالبين الرحمة والغفران. يصرخ برطيماوس الأعمى “يا يسوع يا ابن داود ارحمني” (مرقس 47:10). في مثل الفريسي والعشّار (لوقا 9:18)، يصرخ العشّار أو جابي الضرائب من أعماق بؤسه: “يا ربّ، ارحمني أنا الخاطئ”! تدريجياً، هذه الاستغاثات انتهت إلى الصياغة المألوفة لصلاة يسوع: “يا ربّي يسوع المسيح ابن الله ارحمني أنا الخاطئ”.

عبر التاريخ، وربّما بشكلٍ خاص في أيامنا، شكّلت هذه الصلاة أو بعض أشكالها حجر الزاوية للصلاة والعبادة لدى العلمانيين كما لدى الرهبان. الهدوئية، بتعبير آخر، ليست نتاج جدال في القرون الوسطى بين الرهبان الأثوسيين واللاهوتيين اللاتين، كما يرى البعض. إنها تقليد قديم ولكنه حي، بإمكان أيّ كان، مع الإرشاد الروحي المناسب، أن يسعى إلى تبنّي واختبار هذا التقليد كوسيلة أولية لخلق شركة عميقة وشخصية وغير منقطعة مع الله، والحفاظ على هذه الشركة.

يحثّ القديس يوحنا السلمي رهبانه: “فليكن ذكر يسوع مع كل نَفَس، وعندها ستعرفون قيمة السكون”. إذ يستذكر القديس إيسيخيوس الكاهن أقوال القديس يوحنا السلّمي، يضيف: “إجلُد العدو باسم يسوع وكما قال أحد الحكماء: فليلتصق اسم يسوع بنَفَسِك، وعندها سوف تعرف بركات السكون”.

هذه البركات وصفها القديس نيكيتا ستيثاتوس على نحو باهر في رسالة عنوانها “طبيعة الأشياء الداخلية”: “السكون هو حالة الفكر غير المشوش، وهدوء روحٍ حرة وبهيجة، واستقرار القلب الهادئ غير المتموّج في الله، معاينة النور، معرفة أسرار الله، وعي الحكمة بحكم العقل النقي، هاوية التعقل الإلهي، طبيعة العقل، مخاطبة الله، اليقظة التي لا تنام، الصلاة الروحية، الاستراحة التي لا يعكرها شيء في وسط الصعوبات الكبيرة، وبالنهاية، التضامن والاتحاد مع الله”.

إلى أين تقودنا هذه النظرات الخاطفة في التقليد الهدوئي؟ أمن الممكن لنا في هذه الأيام، كرهبان أو كهنة أو علمانيين، أن نكتسب عطية الصلاة غير المنقطعة، وأن  نسبر أعماق “الصلاة النقية” ونتسلّق مرتفعاتها؟

إذا افتكرنا بحياة أناس قديسين كمثل القديس سلوان الأثوسي، أو الأب أرسانيوس (سترالتزوف) في معسكرات العمل السوفياتية، أو ما لا يُحصى من العلمانيين، الرجال والنساء، الذين يمارسون صلاة يسوع ولو بالمناسبات، فالجواب سوف يكون أن الإمكانية واردة إلى حدٍ ما (يحدده الله وحده) أقله بالنسبة إلى الساعين إليها. بالطبع، الوصول إليها بشكلها الأنقى ليس متاحاً للجميع. نحن نعرف أن الكثيرين من القديسين جاهدوا وصلّوا بحرارة من دون أن تُمنح لهم عطية الصلاة التي تتجذر في أعماق القلب. وقلة فقط عرفوا نعمة فرح “الصلاة النقية” الذي لا يوصَف، حيث النوس (العقل الروحي) بذاته يسمو والنفس تقطن بانجذاب صوفي بهيج في شركة كاملة مع الله.

“مَن لم يسمُ على ذاته وعلى كل ما هو خاضع للتعقّل، ولم يبلغ إلى السكن في الصمت الذي يتخطّى التعقّل، لا يمكن أن يكون متحرراً من التبدّل” أي لا يستطيع أن يتمتّع بالسكون الكامل الذي لا ينتهي في الاتحاد المبارك مع الله.

التعقّل هو مَلَكَة النوس التي تسمح له باستيعاب الحقائق الروحية مباشرةً، من دون تلك التي ينبغي تخطيها. عندما يحدث هذا، يبلغ الإنسان إلى اختبار “صوت الصمت المطلَق”، “الصمت الذي يتخطى التعقّل” الذي يؤهّل كامل الكيان لأن تغمره المحبة الإلهية الكاملة التي هي كيان الإله الثالوثي وحياته.

إلى الذين بيننا ممَن لم يبلغوا إلى هذه المرتفعات، هناك رجاء فيّاض  ووعد غزير. أي واحد منّا، إذا اشتهينا هذه الحالة وصليّنا لها من دون انقطاع، يمكن أن يكسب بعض جوانب عطية الصمت التي تؤدّي إلى السكون. وبهذه العطية يقتني أذنين يسمع بهما صوت الله الذي يتحدث إلينا في صمت قلوبنا.

الحســـــــــد

الحســـــــــد

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

          مرض الحسد هو أحد أسوأ أمراض النفس. إنه يسبب عطباً كبيراً لنفس الشخص الحسود، كما أنه يسبب ضيقاً شديداً للآخرين. الشخص الواقع في قبضة الحسد لا يهتمّ لا بالأصدقاء، ولا بالأقارب، ولا بمقدمي الإحسان. عدم السعادة هي السمة المميزة للشخص الحسود. يقول القديس باسيليوس الكبير أن الصعوبة في هذا المرض هو أن الشخص الحسود “لا يستطيع حتّى التعرّف على مرضه، لكنه ينكس رأسه وينحني مضطرباً وينتحب ويفسده الشرّ بالكلية”. في الغالب لا يريد الشخص الحسود أن يعترف بمرضه أو أن يظهر جرح نفسه، وبالتالي يكون بائساً على الدوام.

         سوف نتناول باختصار هذا الموضوع المهمّ الذي هو، كما ذكرت، خطيئة بشعة تصيب المجتمع، حتى مجتمع المؤمنين. يوجد حسد في العالم وحسد في الكنيسة، حسد بين عامة الناس وحسد بين الإكليروس، حسد شخصي وحسد عام.

 1- ما هو الحسد

          الحسد هو بصورة رئيسية الحزن من سعادة القريب والفرح لتعاسته. يشير القديس باسيليوس قائلاً أن الحسد هو “غذاء المرض وألم إضافي للشخص الحسود”. عادة ما يكون الشخص الحسود قلقاً ومغلوباً بحزن لا يحتمل، ليس لأن أمراً سيئاً أصابه، لكن لأن أمراً سعيداً حدث لقريبه الإنسان. إنه لا يلتفت إلى بركاته الشخصية، ولا يشكر الله على الخيرات الممنوحة له كل يوم. لكنه بدلاً من ذلك، يتعذب بسعادة أخيه. إنه حزين لأن أخاه سعيد ويمتلك أشياء أكثر منه.

         الحسد هو جرح خطير، لأنه لا يوجد أي هوى آخر “يحطم نفوس الناس بهذه الدرجة”. إنه مرض خطير لأنه يولد من جذر كل الأهواء، أي من الكبرياء. يشير القديس ثالاسيوس إلى أن السمة المميزة لتقدير الذات هي الرياء والكذب، على حين أن السمة المميزة للكبرياء هي الوقاحة والحسد. بالتالي عندما نكون مغلوبين من الحسد، يكون من المؤكد أننا واقعون في قبضة أمه، أي الكبرياء. قد نبدو متواضعين، لكن كوننا حسودين فنحن متكبرون.

         يوجد أيضاً ارتباط قوي بين الحسد ومحبة المديح. إننا عادة ما نغار من الآخرين لأنهم يُمدحون بينما لا نُمدَح نحن. يقول القديس مرقس الناسك أنه أمر مميز أن الشخص الذي يمتدح شخصاً ما على شيء ما وينتقد شخصاً آخر على نفس الشيء يكون بلا شك مغلوباً بهوى الكبرياء والحسد. عادة ما يحاول مثل هذا الشخص أن يخفي الحسد في قلبه بتقديم المديح. هذا الأمر مميّز للخبث الذي يظهر به هوى الحسد نفسه. قد يسكن هوى الحسد خفية داخل أولئك الذين يمدحون الآخرين باستمرار.

2- كيف يظهر الحسد نفسه

          عادة ما يفحص الشخص الحسود حياة الآخرين ويحاول مقارنة حياته الخاصة بحياتهم.وهو عندما يدرك أن أخاه متفوق عليه، فإنه يَدَع هوى الحسد الرهيب يظهر ذاته. عادة ما تكون أول علامة على الهوى هي الاكتئاب، والضيق، والبؤس. “لا يفارق الحزن والقنوط الشخص الحسود أبداً”. تصبح المميزات البدنية والروحية للآخرين مصدراً للحزن والكآبة، بل وحتى ممتلكاتهم المادية تزعجه. يكون الشخص المصاب بالاكتئاب “مثل رجل عريان يُجرح من كل أحد”. إنه يتأذى بشدة بجرح نافذ. “تخترق كل هذه الجراح والإصابات أعماق قلبه” (القديس باسيليوس الكبير).

         عادة ما تجول عينا الشخص الحسود في كل مكان. إنه يراقب بعناية مستمرة لكي يجد أسساً يبني عليها اتهاماً. فهو يلاحظ كيف يتكلم الآخر ويتصرف. إنه مستعد دائماً لعمل تعليقات عليه، خصوصاً أمام الآخرين، بهدف التقليل من شأنه والزهو بنفسه في نفس الوقت. عندما يُمدح ضحية الشخص الحسود فإنه يكون مستعداً للاعتراض. إنه مستعد لقول: “قد يكون ذلك صحيحاً إلا أن …..”، ثم بعد ذلك يظهر الجوانب الخفية المحتملة في حياة الشخص الآخر مع نية واضحة لإهانته.

         يعطي أيضاً القديس باسيليوس الكبير وصفاً فصيحاً للمظهر الخارجي للشخص الحسود. إنها حقيقة أن أهواء النفس عادة ما تظهر نفسها في الجسد أيضاً طالما أنه يوجد ارتباط وثيق بين النفس والجسد. يقول القديس باسيليوس أن الأشخاص الحسودين معروفون جيداً من تعبيرات وجوههم. “تكون نظرتهم حادة كئيبة، ووجههم معبس، وجبينهم مقطب، ونفسهم مضطربة بهذا الهوى. وهم ليس لديهم مواصفات للحكم على ما هو صائب”. لا يجد الأشخاص الحسودون أي شيء جيد أو يستحق المديح في الآخرين. إنهم مثل الطيور المفترسة التي تطير فوق المروج الخضراء باحثة عن جثث الحيوانات، أو مثل الذباب الذي يترك ما هو نظيف ويتجه نحو ما هو ملوث. يرى الأشخاص الحسودون في الآخرين ما هو قبيح فقط، ويبحثون باجتهاد عن أسباب لانتقادهم، على حين أنهم في نفس الوقت يتغاضون عن الجوانب الجيدة في حياتهم.

         عادة ما يُظهر الغضب نفسه من خلال البؤس والحزن الذي يحرق قلب الشخص الحسود، وهو عادة ما يخفي ذاته خلال الجسد أيضاً. إنه يعبر عن نفسه أيضاً من خلال تصيد الأخطاء ويظهر ذاته من خلال استعدادنا لإدانة ولوم الآخرين. قد يكون هوى الحسد مختفياً بعناية وراء الحزن والميل للنقد. إنه مختفي أيضاً وراء مدح الآخرين.

 3- نتائج الحسد

          للحسد نتائج مروعة. قد نكون مبطئين في إدراك وجود هذا الهوى فينا. إنه قد يحزننا بنفس المقدار الذي تسببه باقي الأهواء، لكنه يشوه كل كياننا الروحي. نستطيع سرد قائمة نتائجه الأليمة.

         الحسد هو علامة على الحياة الجسدانية. إننا عادة ما نفكر في الحياة الحسية الجسدية على أنها تخص بعض الخطايا الجسدية التي نهتم بها كثيراً متغافلين عن الخطايا الأخرى. على كل حال، يعني أي هوى يتسبب في أن نفقد نعمة الله أننا جسدانيون في أذهاننا. أعمال الجسد هي عكس ثمار الروح القدس. يسرد القديس بولس أعمال الجسد ذاكراً الحسد أيضاً: “وأعمال الجسد ظاهرة التي هي زنا، عهارة، دعارة، نجاسة، دعارة، عبادة أوثان، سحر، عداوة، خصام، غيرة، سخط، تحزب، شقاق، بدعة، حسد، قتل، سكر، بطر، وأمثال هذه”(غل5: 19-21). يشدد القديس غريغوريوس السينائي على نفس النقطة قائلاً: “يكون المأخوذون تماماً بطرق الجسد، والمملوئون بمحبة الذات عبيداً للذة الحسية والباطل على الدوام. يكون الحسد أيضاً متأصلاً فيهم”.

         يكون كل أولئك المستعبدين للانغماس في الملذات وتقدير الذات، المتأصل فيهم الحسد، جسدانيين. من الواضح أن الروح القدس غائب عنهم.

         يكون الشخص الحسود أعمى روحياً. تكون عينا نفسه، أي النوس، عمياء ولا تستطيع تمييز الجيد من الرديء. إنها لا تستطيع حتى إدراك نعمة الله. النوس هو عين النفس التي ترى بها مجد الله. فإذا كانت هذه العين عمياء، فإننا نكون غير قادرين على معاينة الله لدرجة أن نكون أمواتاً. يقول القديس باسيليوس ببراعة: “يعمي الرب النوسَ الحسود لأنه يكون ممتعضاً من خيرات قريبه”.

         ينتهي الحال بالشخص المغلوب من الحسد بعدم الإيمان. ألم تكن هذه حالة اليهود المعاصرين للمسيح الذين أعماهم الحسد فأنكروه وبالتالي فقدوا إيمانهم؟ عادة ما يكون للحسد هذا التأثير على نفس المرء ويقوده لفقدان إيمانه. يقول القديس نيكيتا ستيثاتوس: “نقص الإيمان هو شر، وهو أسوأ مواليد البخل الشرير والحسد”. لو كان نقص الإيمان شراً بهذا الحجم، فلا بد أن يكون الحسد الذي يلده أسوأ بكثير. يضل الشخص الحسود بسبب هوى الحسد “ويقولون بافتراء أن الجيد رديء، مسمّين إياه ثمرة الخداع. إنه لا يقبل أمور الروح ولا يؤمن بها، وبسبب نقص إيمانه لا يستطيع أن يرى أو يعرف الله” (القديس غريغوريوس السينائي).

         يظهر الشخص الحسود، بسبب حسده، أنه لا يقتني المحبة. من يقتني المحبة يكون قادراً على تمييز البار من خلال العلامات المميزة المتنوعة، لكنه في نفس الوقت يشارك محبته مع كل أحد بدون تمييز. لا يستطيع الحسود أن يحب، ولا يريد ذلك. لا تشتهي المحبة الشر لأي أحد. “الذي يحسد أخاه، ويمتعض من سمعته الحسنة، ويفسد اسمه الحسن بتعليقات ساخرة” يكون غريباً عن المحبة ومذنباً أمام دينونة الله (القديس مكسيموس).

          الشخص الحسود يدمر أيضاً مقتنياته. يقول القديس باسيليوس أنه تماماً مثلما ترتد السهام المطلقة من القوس إلى الرامي لو ارتطمت بشيء صلب، هكذا أعمال الشخص الحسود “تتسبب في إصابته” دون أن تؤذي الشخص المحسود. يذبل الشخص الحسود باستمرار بسبب الحسد. “إنه يدمر نفسه إذ يأكله الأسى”. مثلما تفنى النحلة بمجرد أن تقرص شخصاً ما، هكذا هوى الحسد يدمر الشخص الحسود. مثلما يدمر الصدأ الحديد أول كل شيء، هكذا يأكل الحسد الشخص الذي يأويه. يقال أن الأفاعي السامة تولد بأن تلتهم جدار بطن الأم من الداخل، وبنفس الطريقة “يحرق الحسد النفس التي تحمله”.

         إننا نجد نفس التعليم عن أن الشخص الحسود يدمره الحسد في كل كتابات آباء الكنيسة. أستطيع أن أنوه مثلاً للقديس نيكيتا ستيثاتوس الذي يقول أن الشخص الحسود “يحترق بالغيرة من أولئك الذين تلقوا نعمة الروح في صورة حكمة ومعرفة إلهية”. يذوب الشخص الحسود مثل الشمعة، لكن بدون أن يعطي ضوءاً لآخرين، لكنه على العكس يظلمهم بخبثه الشخصي.

         هوى الحسد يتسبب أيضاً في إيذاء الأشخاص الموجه إليهم. إنه يتسبب في أذى كبير، وخصوصاً لو كان ضحيته لا يمتلك القدرة والشجاعة الروحية للتعامل مع الموقف.

         ابتعد الإنسان عن الله وترك مصدر الحياة بسبب حسد إبليس. المعلم الأول للحسد كان الشيطان نفسه. لقد كان غيوراً من محبة الله الكبيرة للإنسان، ولأنه كان غير قادر على أن يتكلم ضد الله، اشتكى ضد خليقته الذي هو الإنسان. من خلال عمله ضد الإنسان، أصبح إبليس، واستمر، عدواً في حرب ضد الله (القديس باسيليوس الكبير). يعلِّم القديس مكسيموس أن الشيطان حثّ الإنسان على كسر وصية الله “بسبب حسده لله ولنا”. لقد حسد الله ولم يرد “أن تظهر قدرته المؤلهة للإنسان الأكثر مجداً”. لقد حسد الإنسان ولم يرده أن يكتسب الشركة مع الله.

         كان قايين أول تلميذ لإبليس في هوى الحسد. “لقد كان أول تلميذ للشيطان لأنه تعلم منه الحسد والقتل” ووصل إلى قتل أخيه هابيل البار (القديس باسيليوس الكبير).

         فيما بعد كان شاول مدفوعاً بالحسد فانقلب على داوود الذي أحسن إليه. فبينما كان داوود يسلّي شاول لكي ينقذه من الجنون، طلب شاول أن يقتله. لقد أصبح داوود طريداً وطارده شاول لكي يقتله. لأي سبب؟ لأن داوود كان يفعل الخير لشاول باستمرار وبالتالي أثار حسده. كما يقول القديس باسيليوس: الحسد “هو نوع من العداوة صعب جداً في التعامل معه”. تثير أعمال الصلاح الشخص الحسود أكثر. تهدأ الكلاب عند إطعامها، وتروض الأسود عندما يُعتنى بها، “إلا أن الحسود يصبح أكثر شراسة عندما يُعامل حسناً”. تجعله الأعمال الصالحة أكثر غضباً.

         يحلل القديس مكسيموس المعترف حالة شاول الذي اضطهد داوود على الرغم من معاملته الحسنة له. إنه يقول أن مَن يكره شخصاً ما ويذمّه حسداً لأنه يتفوق عليه في جهاد الفضيلة ولأنه أغنى منه في المعرفة الروحية، يكون مصروعاً بروح شرير كما كان شاول. إن ما يغضبه بالأكثر هو أنه لا يستطيع قتل من أحسن إليه. وتماماً مثلما نفى شاول ابنه المحبوب يوناثان، هكذا الشخص الحسود يطرد عنه “التعقل الفطري الذي لضميره” لأنه يوبخه على بغضته الخاطئة ويعطي بياناً حقيقياً عن إنجازات الشخص الآخر.

         بالمِثل، من خلال الحسد، بيع يوسف للمصريين من قِبَل إخوته وصار عبداً. يقول القديس باسيليوس: “هنا نتعجب من بشاعة المرض!”. لو كانت أحلام يوسف حقيقية، فمن كان يستطيع منعها من أن تتحقق؟ لو كانت أوهاماً خاطئة فلماذا الحسد؟ الأشياء التي فعلوها لإيقاف النبوة أعدت الطريق لتحقيقها. يشير تعليق القديس باسيليوس هذا إلى أن الحسد لا معنى له. في أغلب الأحيان عندما نغار من إخوتنا فإننا في الواقع نعد لهم، دون أن ندرك ذلك أو نريده، طريق مجدهم وخزينا.

         معاصرو المسيح أسلموه إلى بيلاطس حسداً. يقول القديس متى الإنجيلي عن بيلاطس: “لأنه علم أنهم أسلموه حسداً” (مت18:27). لقد كانوا يغارون منه لأنه صنع معجزات، وعمل الخير للناس بطرق عديدة متنوعة. فرح وخلاص الآخرين جلبا الحزن والقنوط للشخص الحسود. لقد وصل الحسد لدرجة ارتكاب أعظم جريمة في التاريخ بقتل المسيح. يكون الحسد ميالاً باستمرار للقتل. السبب الجذري للقتل هو الحسد، والقتل هو ثمرة الحسد. يكتب القديس غريغوريوس بالاماس عن هذا الموضوع قائلاً: “…الحسد يميل للقتل. لقد تسبب في أول جريمة قتل ومؤخراً في ذبح الله”.

         إذ يفكر القديس ثالاسيوس في اليهود الذين دعوا المسيح بعلزبول لأنهم افترضوا أنه صنع المعجزات بقوة الشيطان ينصح قائلاً: “أنظر إلى اليهود ولاحظ نفسك بعناية؛ إذ أن اليهود أعماهم الحسد وتعاملوا مع ربهم وإلههم خطئاً على أنه بعلزبول”.

4- كيف يُشفى هوى الحسد

          لا توجد فائدة من مجرد وصف خطورة هوى الحسد ما لم نتابع ونناقش كيفية الشفاء منه. إلا أنه ينبغي علينا أن نعترف أن العلاج صعب لأن الشخص الحسود “لا يطلب الطبيب من أجل مرضه ولا يستطيع أن يجد أي دواء يستطيع أن يشفي الهوى”. حتى عندما يُسأل، فإنه لا يريد الاعتراف “أنا حسود وممتعض. حُسنُ حظ قريبي يضايقني وفرح أخي يجعلني أنتحب. لا أستطيع تحمل رؤية بركات الآخرين وأعتبر أن صحة قريبي وسعادته هي تعاستي” (القديس باسيليوس الكبير).

مع ذلك نستطيع تحديد بعض العلاجات.

         إننا نحتاج لإظهار محبة خاص تجاه أولئك الذين نشعر أننا ميالون داخلياً لأن نحسدهم. ينبغي علينا أن نحبهم أكثر وأن نمدحهم بكل قلوبنا. ينبغي علينا على الأخص أن نصلي من أجل الهوى، ولكن أن نصلي أيضاً لأجل الذين نشعر من جهتهم بالحسد.

         ينبغي أن ننظر لكل شيء يقتنيه أخونا على أنه عطية من نعمة الله. إن الله هو واهب كل العطايا. من يستطيع كف النبع عن أن يدفق المياه؟ كل مواهب الروح والجسد يمنحها الله. لو تكلمنا ضد أخينا، فإننا نظهر أنفسنا كأعداء لله ومقاومين له. بالإضافة إلى ذلك، لا ينبغي علينا أن نعتبر أن الأموال والمقتنيات والخيرات المادية بوجه عام هي الأشياء الحسنة الوحيدة. إنها أدوات لتقودنا للفضيلة. يقول القديس باسيليوس: “لا يستطيع أحد أن يسد نبعاً جارياً، وعندما تسطع الشمس لا يغطي أحد عينيه”.

         يكون الإرشاد الروحي من قِبَل كاهن خبير في المنهج الأرثوذكسي للعلاج مطلوباً. إننا نستطيع، من خلال الوسائل المتاحة له ومن خلال توجيهاته، أن نتحرر من هوى الحسد المدمر وأن نحيا حياة مسيحية صالحة.

         السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو ماذا ينبغي أن نفعل عندما يكون شخص ما غيراناً منا وعندما نكون ضحايا لحسد الآخرين؟

         قبل كل شيء نحتاج أن نظهر الصبر والاحتمال. ينبغي علينا أن نفرح لأن هذه التجربة وقعت علينا وأن نطلب من الله الصبر والاحتمال. من يحتمل هذه التجربة بفرح يتلقى تعزية من الله ويكتب التواضع المقدس. من الجدير بالذكر أن هذا النوع من الصبر عادة ما يوجد في أولاد الله الأكثر شجاعة الذين اقتنوا ثباتاً وشجاعة روحية. كل من يحتمل حسد أخيه بصبر سوف ينال إكليل شهادة.

         التوصية الثانية من التعليم الآبائي هي أنه ينبغي علينا أن نتجنب العيش مع، أو في نفس المكان الذي يعيش فيه الذين يحسدوننا لأن ضرراً كبيراً قد يحدث. مكتوب في سفر الأمثال: “لا تأكل مع رجل حسود ولا تشتهِ أطايبه. إنه يأكل ويشرب كمن سيبتلع شعراً. ولا تدعُه ليأكل خبزك معك لأنه سيتقيأه ويخرب كلماتك الحلوة ” (أم23: 6-8 عن الترجمة السبعينية). يقول القديس باسيليوس مشيراً لهذه المسألة أنه تماماً مثلما نحاول أن نبقي المواد القابلة للاشتعال بعيدة عن النار، هكذا ينبغي علينا أن نبتعد عن الصداقات مع الأشخاص الحسودين لأنه “تماماً مثلما تكون الآفة الحمراء مرضاً خاصاً بالقمح، هكذا يكون الحسد مرضاً يصيب الصداقة”.

         نصح الأنبا بيمن شخصاً قائلاً: “لا تحيا في مكان موجود فيه من يغار منك لأنك لن تتقدم”.

         بوجه عام، عندما نقتني نعمة الله داخلنا وعندما نكون في حالة روحية جيدة، فعندئذ لا تستطيع سهام الحسود أن تصيبنا ولا أن تضرنا. إلا أنه عندما لا تكون نفوسنا قوية وعندما نضطرب بسهولة ينبغي علينا، بمحبة ومن أجل المحبة، أن نقطع صداقتنا مع الشخص الحسود وأن نكف عن مصاحبته. بالطبع، لا يعني ذلك أنه ينبغي علينا أن نكف عن الصلاة من أجله أو عن الاهتمام بحياته. إننا نساعده ببساطة لكي نمنعه من إتيان أمر سيء.

         هوى الحسد خطير. وكما شرحنا من قبل، يكون الحسد ضاراً جداً للناس. إنه في الواقع يظهر وجود العديد من الأهواء داخلنا وتولد منه أهواء أخرى. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي أن الحسد هو أكثر الخطايا ظلماً، لكنه أيضاً أكثرها عدلاً. إنه ظالم لأنه يهاجم البريء، لكنه عادل لأنه يهاجم أيضاً أصحاب المقتنيات والمذنبين. إننا نحتاج لبذل مجهود لكي نحرر أنفسنا من هذه الرذيلة الخبيثة.

         يحثنا القديس باسيليوس قائلاً: “يا إخوتي دعونا نفلت من هذا المرض الذي يعلِّم العداوة لله، والذي هو أم القتل، والذي يفسد الطبيعة، ويتغاضى عن الصداقة، والذي هو أكثر البلايا حماقة”. “دعونا نهرب من هذه الرذيلة غير المحتملة. إنه درس نتعلمه من الحية، واختراع للشياطين، وعقبة ضد التكريس، والطريق للجحيم، وخسارة الملكوت”.

الصوم والزمان الحاضر

الصوم والزمان الحاضر

الأب رافائيل فاراشاك

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

“هذه الأشياء هزّت عقول الشعب العادي لأشهُر كثيرة، في حين كانت المخاوف الأولى ما تزال على حالها والطاعون لم يكن قد تراجع. لكن علي ألا أنسى أن الغالبية الساحقة من السكان تصرفوا بطريقة أخرى. الدولة شجعت تقواهم، وحددت الصلوات العامّة وأيام الصوم والانكسار، والاعتراف العلني بالخطيئة وتوسّل رحمة الله لردّ الحكم الرهيب المسلّط على رؤوسهم؛ والحماس الذي به تبنّى الناس المناسبة على اختلاف معتقداتهم؛ كيف زحفوا جماعات إلى الكنائس والاجتماعات وضاقت بهم حتّى الكنائس الكبيرة التي وصلوا إلى خارج أبوابها. كانت الصلوات تُقام يومياً صباحاً ومساءاً في الكثير من الكنائس، وفي النهارات كانت الصلوات الشخصية؛ وكان الناس يحضرونها كلها بتقوى غير معهودة. الكثير من العائلات حفظت الصوم العائلي… بكلمة، هؤلاء الناس الذين كانوا جديين ومتدينين التزموا بطريقة مسيحية فعلاً عمل التوبة والاتضاع، كما ينبغي أن يكون الشعب المسيحي”.

الفقرة أعلاه ليست وصفاً تاريخياً لإحدى الكوارث الرهيبة التي كانت تعصف بانتظام بالقسطنطينية الأرثوذكسية في الحقبة البيزنطية؛ ولا هي من سجل أحداث روسي من العصور الوسطى حول كارثة أصابت موسكو أو إحدى المدن الروسية القديمة في تلك الفترة. على العكس، هذا الاقتباس مأخوذ من قصة “يوميات سنة الطاعون” لدانيال ديفو، كاتب روبنسون كروزو. تاريخ كتابة الفقرة أعلاه هو سنة 1722 عن الانتشار الواسع للطاعون الدبلي الي جرى سنة 1665. من المهم الإشارة هنا إلى أن ديفو لم يكن أرثوذكسياً ولا كاثوليكياً، بل كان بروتستانتياً معارضاً؛ وفي الوقت نفسه، الغالبية الساحقة من الإنكليز الذين عانوا من هذا الطاعون لم يكونوا أرثوذكسيين ولا كاثوليكيين بل أنكليكانيين. بغض النظر عن كل آثار الإصلاح البروتستانتي في أوروبا الغربية ما زال ظاهراً بوضوح وجود التقوى، الصوم والصلاة والتوبة، التي تشبه ما عند الأرثوذكس اليوم.

ليس الهدف من عرض هذا المقطع تقديم درس في تاريخ الحضارة الغربية، بالرغم من وجوده، بل بالأحرى برهان وجود تقوى تتضمن الصلاة والصوم في الأوساط البروتستانتية إلى عصور قريبة. مع أن هذا يشير في الوقت عينه إلى أن هذه التقوى تناقصت حتى أنها، كتقوى ناشطة، اندثرت مؤخراً بتأثير من العلمانية. فعلى مستوى المجتمع، يمكن القول أن هذه التقوى انطفأت وهذا ما يمكن أن نعاينه سواء بالزيارة أو من التلفزيون أو الإنترنت أو الشبكات الاجتماعية. وقد نبدو سذّجاً إذا افترضنا أن هذا التأثير الاجتماعي لم يبلغ إلينا بشكل عميق، حتى لو افترضنا أننا نسلك في أوساط أرثوذكسية صافية. من السهل أن نشعر بأننا سمكة صغيرة تسبح بعكس التيار في المحيط الكبير (الواقع أن هذا ينطبق على الملتزمين مسيحياً في كل مكان: المترجم)

مع دخول الصوم، أحد أهم الأسئلة هو: كيف نصوم فيما الأمر يبدو مستحيلاً في ظروف حياة المؤمن الحالية: إذا كان تلميذاً في المدرسة، أو موظفاً، أو عضواً في عائلة غير ملتزمة، أو يعاني من السكّري أو من مرض مزمن؟ كيف يمكن الالتزام بقوانين الصوم المتعلّقة بالطعام فيما نسلك حياتنا اليومية؟

النقطة الأولى التي ينبغي حفظها في البال هي أن الصوم يبقى ملزِماً ما لم يكن ذلك مستحيلاً لأسباب صحية. نسمع اليوم كثيرين يتكلّمون عن أنهم بسبب ظروفهم، كالمدرسة والوظيفة، لا يصومون عن بعض المآكل بل أنّ الصوم “الروحي” عن بعض الأهواء كالغضب والشهوة وغيرها كافٍ. بهذا ننسى أنه بالنسبة للآباء الذين نتبعهم نحن في صومنا، الصوم ومحاربة الأهواء يسيران يداً بيد. إذا أردنا فعلاً أن نقضي على أهوائنا علينا أن نمتنع جسدياً عن بعض المآكل. هذه طريقة روحية صحيحة جرى ممارستها واختبارها لألفي سنة في الكنيسة. إنّ تخطي الأهواء والصلاة العميقة هي من ثمارها الأكيدة. إلى هذا، الصوم هو وسيلة بها نقدّم موسماً مقدساً للمسيح تهيئاً لعيد الفصح العظيم الآتي.

ثانياً، علينا أن نحدد مع كاهننا وأبينا الروحي كيف نمارس هذا الصوم. في الكثير من الظروف، كالمدرسة والوظيفة، لا يمكننا أن نتحكّم كلياً بما نأكل. مع هذا، يمكننا بمعية الأب الروحي أن نطبّق المبدأ الروحي: كل ما هو باستطاعتنا التخلي عنه هو تقدمة للرب. وهكذا مثلاً، قد لا يجد التلميذ شيئاً يأكله في كافتيريا المدرسة إذا التزم بشروط الصوم بدقّة، وقد لا يكون هذا ممكناً لأكثر من أربعين يوماً، لكن لا بد أنه ممكن الامتناع عن اللحم وأغلب البياض والحلويات الفاخرة والاكتفاء بأشياء بسيطة. هذا مع الحفاظ على إمكانية حمل الطعام الصيامي من البيت.

الأصعب هو التحكّم بالأكل في البيت إذا كان المؤمن هو الوحيد الصائم. لا ينبغي إلزام الآخرين على التغيير أو إدانتهم، إذ مع القليل من التسامح من العائلة (حيث هو موجود وحيث الصوم لا يعرّض الصائم إلى شيء من الاضطهاد أو السخرية: المترجم) قد يبقى الصوم ممكناً بالامتناع عن اللحم أو بعض الأشياء الأخرى. المهم أن لا يتحوّل الصوم ضمن العائلة إلى مجال للتباهي وجذب الانتباه أو لتسعير خلافات وجدالات لا حاجة لها ولا ترضي الله. تلافي المواقف الدفاعية من جهة الصائم وقبول أن ما يقوم به الآخرون يختلف عن ما نقوم به نحن يبقي على مساحة للمؤمن ليصوم ضمن العائلة.

أخيراً، الأوضاع الصحية تؤثّر على القدرة على الصوم. بتوجيه الأب الروحي ينبغي الانتباه. علينا أن نقوم بالجهد الذي تتطلبه الفترة الصيامية وألا نبحث عن أعذار تبرر امتناعنا عن التضحية التي هي جزء أساسي من الصوم. في هذا، التوازن الدقيق والتمييز مطلوبان حتّى لا نصل إلى الطرف الآخر الذي هو استهتار أحمق. أفضل قانون هو سلوك الطريق المَلَكية: تلافي التطرف، الكسل وتبرير الذات من جهة، والحرفية وجلد الذات من جهة أخرى.

بالصوم اللائق والجهد الذي يتضمنه نهيء ذواتنا للقاء المسيح القائم. علينا أن نكون جديين في ذلك ونتعاطى مع قوانين الصوم التي وضعتها الكنيسة على أنها المثال. ينبغي الحفاظ على الاعتدال والتوازن بمشورة الأب الروحي ومن خلال الصلاة، لتحديد الطريقة المثلى للصيام. إذا قمنا بذلك، حتّى ولو لم تكن كلّ ظروفنا الخارجية بيدنا، نتمتّع بصوم نافع ونستحق أن نصافح المسيح في الفصح المنير.

العرس مكرّماً والمضجع بغير دَنَس

“العرس مكرّماً والمضجع بغير دَنَس”

عن نشرة كنيسة السابق، واشنطن

نقلته إلى العربية جولي عطية

نواجه في بعض الأحيان الرأي القائل إنّ أيّة علاقة بين الجنسين هي إمّا خطيئة وإمّا ضعف مسموح ومغفور. والأفلاطونية والأدب الرهباني النسكي أضافا الكثير، بحسب فهم الكنيسة، إلى ما يخصّ هذا الموضوع. كما نجد في تاريخ الكنيسة هرطقات رفضت الزواج، ونرى أصداء لهذه الآراء في الأدب اللاهوتي الأخلاقي المعاصر… كتب الرسول بولس إلى الكورنثيين قائلاً: “أم لستم تعلمون أنّ جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله… فمجّدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله” (1 كورنثوس 6: 19-20).

بتجسّده، قدّس المسيح الجسد، وبحضوره الشخصي، قدّس الزواج. والجدير بالملاحظة أنّ أول معجزة للمسيح تمّت في عرس قانا الجليل. وهؤلاء الذين يدينون الزواج خلقوا أسطورة تقول إنّ عروسَي قانا الجليل بقيا متبتّلين، لكن لا وجود إطلاقًا لهذه الأسطورة في الكتاب المقدس. يدعو الرسول بولس بوضوح الذين يمنعون الزواج بالكاذبين وبالموسومة ضمائرهم (انظر تيموثاوس 4: 2-3).

ولقد أدينت هرطقة رفض الزواج في قوانين الرسل القديسين. يقول القانون 51: “أيّ أسقف أو كاهن أو شماس أو أي شخص آخر من السلك الكهنوتي يمتنع عن الزواج واللحم والخمر ليس تنسكاً بل لأنه يشمئز منها ويعتبرها نجسة وقد نسي أنّ الله قد خلق كل الأشياء حسنة جداً، وأنّه خلق الإنسن ذكراً وأنثى، فهو بمسلكه هذا يجدف على عمل الخليقة، فليُصلح أمره أو فليسقط ويُطرَد من الكنيسة، وبمثل ذلك يعاقَب العامي أيضاً”. ويعلن القانون الخامس: “لا يجوز لأسقف أو كاهن أو شماس أن يصرف عنه امرأته (يطلقها) بحجّة الورع. فإن أبعدها فليُقطَع من الشركة وإن أصرّ على غيّه فليسقط”.

ويقول القانون الأوّل من مجمع غنغرة: “إن كل مَن يطعن في الزواج ويحتقر المرأة المؤمنة التقيّة لأنها تنام مع زوجها ويزعم أنها لا تستطيع أن تدخل إلى الملكوت، فليكن مُبسَلاً (أي فليُطرح خارج الكنيسة)”. إضافةً إلى ذلك، نجد في القانونين 10 و14: “إذا تركت امرأة زوجها وصممت على أن تبرح سكنه لأنها تكره الزواج وتحتقره فلتكن مبسلة، وأي شخص من حافظي البتولية لأجل الرب ينظر إلى المتزوجين بعين الاحتقار والكبرياء فليكن مُبسلاً”.

بحسب آباء مجمع غنغرة، نحن المسيحيّين ” نعجَب بفضيلة البتولية بتواضع ونكرّم العفة… ونثني على هجر المراكز والوظائف العالمية عندما يتمّ ذلك بوداعة على أننا في الوقت نفسه نكرّم المساكنة الزوجية المحتشمة” (القانون 21).

نستطيع الاستشهاد بمقتطفات عديدة أخرى من قوانين مماثلة، لكنّ تلك المذكورة تبيّن أنّ الكنيسة لطالما أظهرت توقيرًا للزواج المكرّم، ودافعت عن قدسيّته بوجه الهراطقة وأولئك الذين يسيئون تقديره، متّخذةً إجراءات قانونية شديدة ضدّهم. بذكره لمثل أكيلا وبريسكلا، دعانا القديس يوحنا الذهبي الفم “إلى عدم إدانة الزواج وعدم اعتباره عائقًا أو تأخيرًا في طريق الفضيلة: اتخاذ زوجة، تربية أولاد، إدارة المنزل، وامتهان صنعة” [1]. كان أكيلا وبريسكيلا زوجين يحترفان مهنة حرة (صناعة الخيم)، لكن أظهرا محبّة للحكمة أعظم من تلك التي لدى عديدين يعيشون في الأديار.

بحسب تعليم الكنيسة الأرثوذكسية، فقط عبر الزواج في الكنيسة يتّحد شخصان فعليًّا، بالروح والنفس والجسد. وعلاقة الزوج بالزوجة هي الوحيدة التي تتم مقارنتها بعلاقة المسيح بالكنيسة (أفسس 5: 23، 25).

وقدسيّة الزواج، كما حدّدتها أناجيل الرسل، تشمل أيضًا العلاقات الحميمة بين الزوج والزوجة، بين هذين الشخصين اللذين يكمّلان ويحبان بعضهما بعضًا: “ويكون الاثنان جسدًا واحدًا”. يمكن لهذا الحدث الأكثر سرّية في حياة الزوجين أن يكون مقدّسًا إن كان ثمرة كمال انسجامهما الروحي والعقلي وتناغمهما الجسدي. هذه خطوة مميّزة في العلاقة المتبادلة. ويمكننا أحيانًا الملاحظة أنّ عينَي العروسين تبرق فيهما ومضات الحب والسعادة. ولهذا نشكر الله، متذكّرين أنّ “كلّ الأشياء حسنة بشكل فائق، وأنّ الله خلق الإنسان ذكرًا وأنثى” (القانون الواحد والخمسين من قوانين الرسل).

في الكنيسة الأولى، كان العروسان يمضيان أول أسبوع لزواجهما كأخ وأخت، وهما يضعان على رأسيهما أكاليل الكنيسة. ويهدف ذلك إلى أن يكون الزواج عفيفًا، وأن يسود أساس روحي صلاتي عليه، وأن ينفتح الزوجين الشابين على بعضهما البعض بفطنة ومراعاة للآخر. فقط في اليوم الثامن بعد رفع الأكاليل، يتحوّلان إلى أشكال أخرى من العلاقة. هذا كان يدفعهما إلى إعطاء قيمة أعمق لكلّ الخطوات التي تنمّي الانسجام والحب في الحياة الزوجيّة.

حاليًّا، تُرفع الأكاليل عند انتهاء خدمة الزواج المقدّس، مع قراءة صلاة رفع الأكاليل في اليوم الثامن، وهي صلاة احتفظت بعنوانها القديم. لم يعد مطلوب من العروسين أن يحفظا قانون العفة خلال الأسبوع الأول من الزواج.

تتطلّب العلاقات الزوجية صبرًا ورقة وبراعة هائلة وتفاهمًا مشتركًا. لا ينبغي أن تتعرّض المرأة للصدمة، بل أن تفرح بتجلّي شخصية زوجها وطباعه، وبحبه لها وحبها له.

والتزام العفة، إن لم يكن لمدة أسبوع، فأقلّه لمدة يومين أو ثلاثة بعد الإكليل، يشكّل عربونًا لعفّة الزواج، فهو يسمح للزوجين بأن يفهما بتأنٍّ هذا السرّ الذي يحصل، وأن يريا في هذا الحدث الجديد خطوة في تطوّر اتحادهما الزوجي. وفي الوقت الذي لا داعي فيه للاستعجال في هذا الأمر، لا ينبغي أن نؤجّله إلى عتبة صوم قريب، إلاّ إذا وُجد سبب استثنائي لهذا التأخير. كما أنّه من الأفضل أن لا يتم الزواج في عشية صوم، أي في النهار الأخير الذي يُسمح فيه بإتمام خدمة الزواج، بل أن يكون بعد الصوم، أو أقلّه أسبوعين أو ثلاثة قبل بدئه. هذا طبعًا ليس قرارًا كنسيًّا، إنما مجرّد توصية وأُمنية موجّهة لمن يستعدون للزواج. عمومًا، لا يستطيع المرء أن يعطي إرشادات مطلقة وعمومية بالنسبة للعلاقات الزوجية الحميمة، ما عدا ما كتبه الرسول بولس: “ليس للمرأة تسلّط على جسدها بل للرجل. وكذلك الرجل أيضًا ليس له تسلّط على جسده بل للمرأة” (1 كورنثوس 7: 4). يجب أن يتذكّر الزوج الجزء الثاني من هذه القاعدة، ولا يبتغي فقط الإشباع بحسب الجزء الأول. فمن الأفضل أن يعطي المبادرة للزوجة، على أن لا يسمح للإكراه العقلي أو الجسدي بأن يلقي ظلّه عليها.

بتكريم الزواج والمضجع الزوجي (“العرس مكرّماً والمضجع بغير دنس” – من الطلبة الكبرى خلال خدمة الخطبة)، تعلّم الكنيسة السلام والاعتدال في العلاقات الزوجيّة. فقبل الأكل، يقرأ المسيحي الأرثوذكسي صلاة، وإذا وجد كاهنٌ، يطلب: “يا رب بارك مأكل عبيدك ومشربهم”. وبالمقابل تدين الكنيسة الشراهة والثمالة بمثابة خطيئة. بالمثل، بينما تكرّم الكنيسة الزواج، تدين جعل الزوجين من العلاقات الجسدية نقطة تركيزهم الوحيدة واهتمامهم المشترك. عندما يطغى الجنس في الزواج، يصبح مكانَ اختباءٍ للانحراف. عندما يطلب رجلٌ جسد زوجته بعد تجادله معها، أو عندما يقيم علاقة جسدية معها لمجرّد التسلّط على جسدها، تُقترفُ الخطيئة الجنسيّة ضمن الزواج أيضًا.

يكتب القديس إقليمس الاسكندري عن الزوجين المسيحيين قائلاً: “على الرجل أن يحجم عن الشهوانية… [في هذه الأمور]، يجب أن يكون هناك حدود واعتدال”. إنّ غياب الزهد واستبدال الحب بالشهوانية يعيقان الزوجين عن إدراك كلّ واحد بالكامل لتركيب الآخر، أي إدراك الأجزاء الثلاثة التي تشكّل الشخص. الزهد والاعتدال أساسيّين في الزواج. أمّا الرهبان فمطلوب منهم الامتناع الكامل. أنا محظوظ لأنّ “كلّ الأشياء تحلّ لي لكن ليس كلّ الأشياء توافق. كل الأشياء تحلّ لي لكن لا يتسلّط عليّ شيء” (1 كورنثوس 6: 12). إنّ فترة صوم تعلّم المرء أن يسيطر على حواسّه وعلى جسده، إذ تقتضي امتناعًا مؤقتًا عن الحميمية الزوجية… خلال هذه الفترة، يجب أن يمتلئ المسيحي من “الفرح في الله”، فرح تنصاع له أشكال الفرح الأخرى كلّها.

فقط الاعتدال والزهد والانسجام الروحي والعاطفي/الجسدي للزوجين والطبيعة الشاملة لحبهما، يجعلون لحظة الاتحاد الجسدي مقدّسًا ومفرحًا، فيصبح شكل التعبير عن حبهما المتبادل وعن انسجامهما الكامل، والرمز الأعمق لهما. يكتب الرسول بولس قائلاً: ” لا يسلب أحدكم الاخر إلا أن يكون على موافقة إلى حين لكي تتفرغوا للصوم والصلاة ثم تجتمعوا أيضًا معًا لكي لا يجربكم الشيطان لسبب عدم نزاهتكم” (1 كورنثوس 7: 5).

تثمينًا لـ”زواج مكرّم” ولـ”مضجع طاهر”، تدين الكنيسة العلاقات الجنسية قبل الزواج وخارجه، معتبرةً إياها خطيئة مميتة. يكتب القديس باسيليوس الكبير: “لا تُعَدّ الفحشاء زواجًا، ولا بداية زواج” (القانون 26). تبعًا لقوانين الكنيسة، من كان له علاقات قبل الزواج، حتى مع خطيبته، لا يمكنه أن يصبح كاهنًا (القانون 69).

ما هو “مقبول” عند غير المؤمن، لا مهرب من عواقبه بالنسبة للمسيحي: من أُعطيَ الكثير، يُطلَب منه الكثير. وهؤلاء الذين لا يستطيعون التزام العفة قبل الزواج، عادة لا يستطيعون احتواء أنفسهم ضمن الزواج أيضًا. يمكن لهرطوقي سابق أن يصبح كاهنًا، لكن لا يمكن للمسيحي الأرثوذكسي الذي اقترف خطيئة الزنا أو ساكن خليلة أو تزوّج مرتين أن يُرسم كاهنًا (حتى بعد رقاد زوجته الأولى) (القانون 17 من قوانين الرسل، القانون 12 للقديس باسيليوس).

يجب أن يزيل الشباب الأرثوذكسي من فكرهم حتى احتمال العلاقات قبل الزواج. هذا ينطبق أيضًا على من يتحضّرون لزواج ثانٍ. نكرّر بتشديد: العلاقات قبل الزواج، حتى مع زوجة المرء المستقبلية، تشبه محاولة القيام بخدمة القداس من دون امتلاك نعمة الكهنوت. تسمّى الأولى زنًا والأخرى انتهاكًا. ومقارنة كهذه صائبة لأنّ اتحاد الزوج بالزوجة يشبه اتحاد المسيح بالكنيسة. وتبدو هذه المقارنة مزعجة للأذن فقط لأننا صرنا كلّنا معتادين جدًّا على واقعة العلاقات قبل الزواج، لكن في السابق لم يكن يُصادَف هذا الانتهاك السابق ذكره.

وعلى البتول، كما تتطلّب طبيعتها، أن تنتبه وأن تحفظ نقاوة علاقاتها قبل الزواج. ففي هذه المسألة، لا “تدبير” أو “تنازل”.

نحن نعترف بالزواج الأمين والمكرّم لغير المؤمنين، وإذا أرادوا اعتناق الإيمان والانتماء إلى الكنيسة، فنحن نكلّلهم بمحبة بأكاليل الزواج. وإذا كانا مخلصين أحدهما للآخر فلا خطيئة تُنسب لهما. لكننا نوجّه كلامنا لمن يُدعون أعضاءً في الكنيسة الأرثوذكسية، والذين، عبر علاقاتهم قبل الزواج، يرفضون نعمة الله، ويقعون في خطيئة مزدوجة: خطيئة الزنا وخطيئة إنكار نعمة الله.

إنّ العهد الجديد، الذي أنشأه يسوع المسيح، بدّل العلاقة بين الله والإنسان، وبذلك بدّل العلاقات المتبادلة بين البشر، وأولّها وبالأخص تلك التي بين الزوج والزوجة. يجب أن نتذكر ذلك عند قراءة العهد القديم وعند التأمل بالحياة العائلية في العالم الخارجي. على زواجنا المسيحي أن يكون زواج العهد الجديد.

“وإله السلام نفسه يقدّسكم بالتمام ولتحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة بلا لوم عند مجيء ربنا يسوع المسيح. أمينٌ هو الذي يدعوكم الذي سيفعل أيضًا” (1 تسالونيكي 5: 23-24).

كونوا جريئين ويقظين. وبعد دخولكم في الزواج واتحادكم “في جسد واحد”، “مبنيّين – كحجارة حية – بيتًا روحيًّا (1 بطرس 2: 5)، كونوا هيكلاً واحدًا مزدوجًا لإلهنا.

[1] St. John Chrysostom; Homily 1 on the words “Kiss Priscilla and Aquila and the others”. Talks on various points of Divine Scripture Vol. 2, p. 41.

النمو المتوقّف: تدمير الذكورة بالحضارة الإباحية

النمو المتوقّف: تدمير الذكورة بالحضارة الإباحية

أوكتافيا راتيو*

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

عالم الإباحيات المعاصر هو قوة ينبغي أخذها بالحسبان: استهلاك المواد الإباحية لم يكن يوماً في عمر الإنترنت أعلى مما هو اليوم، مع محتوى أكثر تصويرية وأكثر عنفاً من قبل. تجتذب المواد الإباحية ما يقارب الأربعين مليون مستعمل يومياً، سبعون بالمئة منهم من الذكور والباقي من الإناث، بما مجموعه يقارب الأربعين بالمئة من الحركة المرورعلى الإنترنت. وبحسب إحصاء صادر عن مؤسسة وايترسبون سنة 2010 بعنوان “الكلفة الاجتماعية للإباحية”: بيان النتائج والتوصيات، 66 بالمئة من الرجال بين الثامنة عشرة والرابعة والثلاثين يزورون مواقع إباحية شهرياً، ويُقَدَّر أن ما بين أربعين وخمسين بالمئة من زائري المواقع الإباحية العاديين لا بدّ وأن تظهر عليهم علامات الإدمان الجنسي.

الرجال يشاهدون الإباحيات أكثر من النساء: يظهر من مسح جرى في 2007 على عينة من طلاب الكليات في أميركا أن سبعين بالمئة من الإناث لم يشاهدن أي إنتاج إباحي، بينما عدد الذكور الذين لم يشاهدوا شيئاً لا يتخطى الأربعة عشرة بالمئة. وعليه فإن صناعة الإباحيات ضخمة: 4 مليارات يتمّ صرفها سنوياً على أفلام الفيديو الإباحية، وهو مبلغ يزيد عمّا يُصرَف على ألعاب كرة القدم والبايسبول وكرة السلة مجتمعة. بكلام بسيط: إن حضارتنا فائقة الجنسانية (oversexed) لقد أصبحت قابلة للإباحية على ما تشير الكاتبة باميلا بول في 2005. ما معنى هذا ولمَ علينا أن نهتم؟

بالإضافة إلى غزارة الحجج الدينية ضد الإباحية، يُلحَظ في التداول تزايداً للأصوات العلمانية التي توجّه الانتقادات إلى التحطيم الذي تسببه الإباحية للعلاقات بين الناس. كتبت نعومي وولف المدافعة عن حقوق المرأة: “في معظم التاريخ البشري، كانت الصور الشهوانية انعكاسات أو احتفالات أو بدائل لنساء عاريات. للمرة الأولى في التاريخ، حلّت مكان قوة الصور وجاذبيتها نساء حقيقيات عاريات، ما هنّ إلا إباحية سيئة”. بالواقع يمكن الجزم بأن الإباحية هي معضلة استناداً إلى حجج لا ترضي الأخلاق وحسب بل أيضاً البيولوجيا الأساسية للإنسان.

الإباحية التي يطلقون عليها اليوم اسم “المخدر الجديد” هي إلى حد كبير مسألة جسدية متجذرة في التعقيد البيولوجي لبنيتنا الجنسية، بحسب عالِم الأعصاب ويليام ستراذرز في كتابه الصادر عام 2009 “ناشط للحميمية: كيف تخطف الإباحية عقل الذكر”. الإباحية تضحّي بالعلاقات مع النساء الحقيقيات من أجل جاذبية صورة امرأة على شاشة أو نمط متماثل لما يسمّيه ستراذرز “استهلاك السمّ الجنسي الذي يصبح جزءاً من نسيج العقل”. تتفاقم هذه التأثيرات حين تستجيب البنية العصبية الخاصة بالذكور إلى تشييء جسد المرأة المتفشي في الإباحية.

من وجهة النظر البيولوجية، العروض الإباحية تغير بشكل رئيسي طريقة نظر دماغنا إلى الآخرين: فالدماغ يلتقط الإشارات ذات الصلة الجنسية التي تنشّط الإثارة مع سلسلة من الأحداث التي تعمّق المسارات العصبية لتشكيل العادة. في كل مرة يتكرر فيها نموذج جنسي غير صحي يتآكل هذا المسار عصبياً وعاطفياً حتى يتحوّل إلى حوض. فعندما يستخدم الذكر البالغ الإباحية يبدأ بالإعداد لتكوين عادة عصبية تولّد ترابطاً قوياً بين الصور والإثارة والإطلاق الجنسي. وإذ يتكرر تنشيطها معاً، فإن هذه الكوكبة من المحفزات البيئية تقوّي هذا الثلم العصبي الذي يجعل الإباحية ممتعة بالمعنى البيولوجي.

من ثمّ يولّد دماغ الذَكَر بشكل متزايد هرمون التستوستيرون لكي يضاعف الرغبة الجنسية. إذا كانت مشاهدة الأعمال الإباحية تتكرر فيمكن أن يُنظَر إلى الدماغ على أنه في حالة دائمة من الاستعداد لتفسير أي شيء على أنه محفّز للتخيّل الجنسي (سواء كان عملاً إباحياً أو فتاة ارتفعت تنورتها على مقاعد الصف). يترتّب على هذه النتائج العصبية الحيوية تكاليف كبيرة بشكل مذهل وخاصةً عند الرجال بما فيها: انجذاب أقل من الإناث إلى الذكور الذين يستخدمون الإباحية، عدم كفاءة جنسية وعدم رضا في الحياة الفعلية، ارتفاع نسبة الإحباط، قلة حساسية على العنف، والتعوّد المتزايد على أشكال متطرفة من الإباحية.

هذه الأكلاف تتضمّن الموضوع الأوسع وهو أن الإباحية تعيق تكوّن الذكورة والهوية الجنسية الصحية لدى البالغين من الذكور الذين هم المستمعلين الأكثر تأثراً بالمواد الإباحية. هذه المخاطر تتضخّم عند إضافة التشوّش الثقافي حول المعنى الفعلي للرجولة كما الغياب المقلِق للنماذج الذكورية من خلال البنى الأسرية المقطّعة والعزلة الاجتماعية الحديثة الناتجة عن التكنولوجيا. كل هذه الأمور تترك الذكر البالغ وحيداً بشكل أساسي في محاولته أن يكوّن نموذجاً عن الذكورة الأصيلة. ينمو هذا الحس الذكوري بشكل مثالي من الآباء والصور الأبوية. لكنه يتعرّض للتعطيل من دون تحديات متكررة وبنّاءة، وبالتالي هناك خطر في أن يتحوّل في أفضل الأحوال إلى الفتور وفي أسوئها إلى التشويه. الشكل الأكثر خبثاً لهذه الذكورة المشوّهة يأتي في إغراء الإباحيات، التي يقول ستاثرز بأنها “ترهن العالم الذهني الرجل” وتعيقه من بلوغ أفضل ما يمكنه أن يكون عليه كرجل. بالنتيجة، لدينا اليوم تطورٌ أجيالي متوقف عند ذكور شبان لا يتخطّون عاطفياً المراحل الصبيانية.

إلى هذا، وبشكل متكرر، قامت ثقافتنا بمضاءلة جانب هام من الرجولة، وهو حاجة الرجل إلى الإلفة، بإساءة تفسيرها على أنها أنثوية. علينا أن نتفحّص هذا الوجه المساء فهمه من التركيبة الذكورية استناداً إلى الأنثروبولوجيا العلائقية، لمعرفة كيفية مساهمته في طريقة تواصل الشبان بعضهم ببعضز فهذا التواصل يساهم في تشكيل معنى الهوية الذكورية الخاص بهم والذي به يقدّمون أنفسهم للعالم.

أريك أريكسون، عالم نفس تنموي من القرن العشرين معروف بنظريته حول النمو النفس-اجتماعي، في عمل عنوانه “شباب وأزمة” سنة 1968، قدّم بنيةً مفيدة لبحث المراهق عن الهوية. فيقول أريكسون أن المراهقين في بحثهم عن الشعور بالاستمرارية عليهم تثبيت أصنام ومُثُل دائمة كأوصياء على هوية نهائية. للتغلب على عدم التيقن في هذه المرحلة يبحث المراهقون عن رجال وأفكار ليؤمنوا بها، ما يعني رجالاً وأفكاراً تستحق أن يثبت المرء نفسه مستحقاً للثقة في خدمتها. وهكذا فإن نظرية الشخصية عند أريكسون تطرح أن الصراع الأساسي الذي يواجه المراهق هو الالتباس بين الهوية والدور. بالحقيقة، النمو الناجح للهوية في المراهَقَة يهيء للمعركة المصيرية التالية في مرحلة الشباب بين الإلفة والعزلة.

إذا لم يُقَدَّم للمراهق أمثلة جذابة عن الهوية الإيجابية فخيار الهوية السلبية يصير جذاباً. يؤكّد أريكسون أن هوية السلبية تقوم بشكل معاكس على كل التماثلات والأدوار التي، في مراحل حساسة من النمو، تمّ تقديمها على أنها غير مرغوب بها أو خطرة ولكن الأكثر حقيقية.

أؤمن أن مفهوم الهوية السلبية هذا يشمل الهوية المكتَسَبة من خلال خبرة مشاهدة الإباحيات، إذ إن كل دخول إلى عالم الإباحية يزيد من تعزيز، في دماغ الذكر، فكرة أن هذا هو العالم الحقيقي وأن النساء في هذه الصور وهذه الأفلام هنّ نساء حقيقيات. الإحساس العابر بالجِدّة والسيطرة خلال هذه الخبرة يرجعان إلى أن هذه  المهارب الافتراضية تصير جزءً فعلياً من الحقيقة والهوية عند المراهق. بالنهاية، ككائنات ذوات جسد تُترجَم أفكارنا إلى أفعال عندما تتكرر بالقدر الكافي لتصير عادات نفهم من خلالها ذواتنا ونشكّل هوياتنا التي نقدّمها للآخرين.

إن مناقشة أريكسون للصعوبة التي يعاني منها المراهقون في خلق الهوية والحفاظ عليها حلقات تقرع بشكل أكثر صدقاً اليوم أكثر من يوم كتبها، مع الأخذ بعين الاعتبار غياب منظومة الدعم الثقافي والاجتماعي السليم للمراهق الذكر أو الشاب البالغ. فمثلاً، الصعوبات الحتمية في الإبحار في علاقات، قد لا تستحق الجهد، مع قريناته في المدرسة لا تُقارَن مع ما يتطلّب الوصول المستمر والحر والمجهول إلى نساء المواد الإباحية. فحين يقارن الالتزامات المترتبة من العلاقات في العالم الفعلي بالتحرر من المساءلة في العالم الافتراضي، فيما هو يصارع إحساس عدم الأمان في المراهقة، فلن يكون مفاجئاً جداً أن يفضّل عالم الإنترنت الخيالي. بالنهاية، أليس هو المسيطِر؟ قد يكون وحيداً ولكن على الأقل هو يغيّر اللقطة مع كل نقرة من دون جهد يُذكَر. يتابع أريكسون حتى إلى القول بأن الشاب غير المتأكّد من هويته يطرح نفسه في أعمال حميمية فاسقة من دون انصهار صحيح أو تخلٍ حقيقي عن الذات. ما يتبقّى هو تحوّل الشاب إلى سريع العطب في العالم الحقيقي مع النساء الحقيقيات.

يحثّنا عمل إريكسون على النظر في مسار المراهقة الكامل وكيفية تسميم الإباحية الحديثة لعملية التنمية الصحية للهوية خلالها، وخاصة بالنسبة للذكور الشباب. إن الالتزامات الأيديولوجية القوية التي يجب أن يقدمها المجتمع إلى الشباب في شكل التقاليد المستمرة هي اليوم إما غائبة أو مفرَغة من معناها في ثقافة فردية وانفعالية عاطفياً. إن الإبحار في الخواء الناتج عِبر عالم الإباحية الذي يسبب العزلة له آثار وخيمة على الشاب المراهِق، الذي تحفزه عزلته على الانسحاب من التفاعلات الاجتماعية والالتزامات اللازمة لتطوير هويته الذكورية علائقياً. يجب علينا أن ندعو إلى ثقافة متجددة من شأنها أن تخفف من جهادات الشباب عن طريق  تقديم بديل لقصة “الحياة الجيدة” من حيث صلتها بالشخص الذي يُعتَقَد أنه عقلاني وإرادي وعاطفي وعلائقي في نهاية المطاف.

هذه النظرة للطبيعة والحضارة البشريتين عكستها إحدى شركات برامج المساءلة الإلكترونية (اسمها Covenant Eyes) بدأت العمل سنة 2000 على مبدأ أن التغير السلوكي المتعلق بحضور الإباحيات ينتج عن المساءلة ضمن العلاقة أكثر منه من استعمال برامج الفلترة السطحية. فبدل استعمال عقلية الفلترة التي تمنع الوصول إلى المواقع الإباحية فإن الشركة تجعل المستعملين مسؤولين عن تاريخهم الإلكتروني بربطهم بشركاء هم بالغلب أفراد العائلة أو أصدقاء مقربين بمنحهم إمكانية الوصول إلى نشاطات المستعمِل على الإنترنت. فالمساءلة من دون فلترة، بحسب هذا المنطق، تسمح لنا باختيار الفضيلة بحرية وطوعياً، وبهذا تضرب جذر المشكلة، بينما الفلترة من دون مساءلة هي ببساطة “سجن أمان” أو حلّ إسعافات أولية واهٍ بالكاد يدوم[1]. إن شركات من هذا النوع تساهم في تجديد ثقافتنا وموقعنا في هذه الثقافة لأتها تعمل على أنثروبولوجيا تحترم استقلالية الفرد ضمن الإطار الأوسع للعلاقات مع العائلة والأصدقاء والجماعات. إن مبادرات مثل هذه يمكن أن تكون فعّالة في مساعدة المبتَلين بالإباحية وخاصةً الذكور في عمر الشباب الذين يلتمسون الحرية والعلاقات مع الآخرين في آن واحد.

أرغب هنا في أن أتوسّع في الحجج التي أوردتها سابقاً في تأمل ختامي. نحن نعيش في حضارة “إستباحية” تضغط علينا عند كل مفصل لاختيار ملذات العصر الآنية. بالتجاوب مع هذه التجارب نخاطر بتشويه انتظام إرادتنا مع ما هو حسن وحقيقي وجميل. ما يتبع لهذه الحضارة هو أن منتجات غير فعالة لمجتمعنا وبالتالي لا نُلام على خياراتنا. لكن الحقيقة هي أننا نتشكّل من خلال خياراتنا التي تطبع ذواتنا والجماعات التي ننتمي إليها. التصرف الخاطئ لا يكون شخصياً أبداً، وذلك ببساطة لأننا لسنا كائنات منعزلة، بل خلائق علائقية سعادتها منوطة بسعادة المحيطين بنا. مع أننا، إلى حد ما، جميعاً نتاجات الحضارة التي نعيش فيها إلا إننا، كل منا بمفرده، مسؤولون عن خياراتنا. وهنا تأتي البركة المعطاة للإنسان: مع أننا قد نقوم بخيارات غير صحيحة، لكننا لا نُحرَم من قوتنا البشرية أي من قدرتنا بالنعمة على أن نختار النور المضيء في الظلمة.

* أوكتافيا راتيو هي اختصاصية في علم النفس العيادي في معهد العلوم النفسية في أرلنغتون فرجينيا. هي من القلائل بين أصحاب هذا الاختصاص الذين يؤمنون ويدافعون عن ضرورة ممارسة علم النفس في إطار إيماني من العاملين على تطوير فلسفة صالحة للمعالجة النفسية بسياق لاهوتي.

[1] هنا يأتي دور الممارسة المستندة إلى الإيمان. فعلى ضوء تقليد الكنيسة يمكننا القول بأن الحلّ الذي تقدمه هذه الشركة يعمل على المحور الأفقي للإنسان حيث يساهم أحباؤه في حمايته ونموه وقداسته، بينما العمل على المحور العامودي يكمّل هذه الحماية والتنمية والتقديس وذلك بأن يلجأ المسيحي إلى التوبة والاعتراف والاسترشاد الروحي بشكل يجعل عملية الحماية أكثر كمالاً بما ينعكس كمالاً في الشخص نفسه.

قد يرى بعض الملتزمين في أن الكلام عن وسائل علم-نفسية أو تكنولوجية غريب عن التقليد. إن في هذه النظرة تجميد للتقليد وبالتالي تغريب له عن طبيعته التي تحضن الإنسان في أي ظرف أو حضارة أو زمان لحمل إليه صورة المسيح بالوسائل والمفاهيم التي يسهل عليه استيعابها من دون أن تمسّ جوهرها. فبعض الملتزمين يرون في علاقة الطب النفسي بالإيمان صراعاً. لكن موقفهم ليس في الواقع إلا ردّة فعل على التمزيق الذي مارسته المدرسة الفرويدية في النفس البشرية كمادة للدراسة. الواضح اليوم أن هناك عودة مهمة في حقل الطب النفسي العيادي إلى التعاطي مع النفس البشرية كمكون واحد من مكونات الشخص الإنساني، وينبغي بالكنيسة (أو جماعات الإيمان ككل) أن تلاقيها لتضعها في مكانها الصحيح. هذه العودة تتجلّى في التخلّي المتزايد عن وسائل التحليل النفسي الفرويدي والتوجّه نحو أساليب وطرائق أكثر إنسانية واستناداً إلى الإيمان كالعلاج الإدراكي وغيرها [المترجم]

السنة الحادية عشرة – العدد الرابع – كانون الثاني 2015

السنة الحادية عشرة – العدد الرابع – كانون الثاني 2015

مختارات آبائية

مختارات من أقوال القديس موسى أوبتينا

مختارات من أقوال القديس أنطونيوس أوبتينا

عظة

الحياة برسم التـّفكـّك

الأرشمندريت توما بيطار

حياة روحية

الألم

الميتروبوليت إيرثيوس فلاخوس

أنا والـselfie خاصّتي ونفسي

الأب فاسيلي تودورا

رعائيات

الأحزاب السياسية والكنيسة

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

 هل تضعِف العلمانية الإيمانَ؟

 دراسات كتابية

حول إنجيل الدينونة