السنة الحادية عشرة – العدد السادس – آذار 2015

السنة الحادية عشرة – العدد السادس – آذار 2015

مختارات آبائية

حياتنا، القديس موسى أوبتينا

عظة الفصح 1978، الميتروبوليت أنتوني بلوم

دراسات آبائية

تعاليم آبائية حول شفاء الانغماس في الملذات، الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

 القديس باسيليوس الكبير والتفسير المجازي للتكوين، كريستوفر هول

 عظة

معركة المؤمن الحقّ بيسوع، الأرشمندريت توما بيطار

لاهوت

الفردوس والجحيم في الكتاب المقدس، بتصرّف عن الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

 وحي الكتاب المقدّس بحسب الأب يوحنا رومانيدس، الأب أنطوان ملكي

حياة روحية

تخطي الحاجة للاستحسان، الأب جورج موريللي

حياتنا

حياتنا

القديس موسى أوبتينا

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

إن حياتنا عابرة ومحفوفة بالمخاطر بسبب عدم التيقن من ساعة الموت. فبالرغم من أننا نعرف جيداً أننا سوف نموت إلا إننا لا نعرف متى، اليوم أو غداً، عاجلاً أم آجلاً، في الليل أو في النهار. لا أحد يعرف ساعة الإنسان، عندما يدركه منجل الموت، وبأي حالة سوف يجده، أمستعد بالأعمال الصالحة أم غير مهيئ وممتلئ بالأعمال الشريرة. إذ أنه سوف يقدمه إلى الدينونة أمام الله في الحالة التي يجده بها، وبحسب أعماله كلٌ سوف يتمجّد أو يخزى. وما من أحد سوف يساعدنا عند ساعة الموت تلك، إلا الأعمال الصالحة التي أتممناها بحسب الله.

هنا علينا أن نناقش الأعمال الصالحة أو الشريرة ونتيجة كل منها. نحن نعرف من الكتاب المقدس أننا لم نُخلَق لتلذذ بالأكل والشرب وحَسْب، ولا لكي نستمتع بأوقاتنا سالكين بإهمال. نحن مخلوقون للأعمال الصالحة، التي من خلالها نبلغ في هذه الحياة القصيرة الحياةَ الأبدية المباركة التي نحن مدعوين إليها بنعمة الله.

وهكذا، فإن حياتنا هنا هي زمان عمل جسدي ورحي لا يتوقف، والحياة الآتية هي للمكافأة بحسب أعمالنا. لكن ينبغي بنا أن نميّز أيّ نوع الأعمال يثمِر أبدية مبارَكة وأيّ يغلّ المرارة، لكي نجتنب الأخيرة ونتمسّك بالأولى. الإنسان ذو وجهين، جسد ونفس، ومثله أعماله. الوجه الأول هو الإنسان الخارجي والآخر هو الداخلي. هذان الإثنان، متحدين في أقنوم الإنسان الواحد، معزولان عن بعضهما البعض كما السماء عن الأرض، وهما معارضان لبعضهما البعض حتّى أنّ مَن هو غير مستنير بنعمة المسيح لا يستطيع أن يتوصّل إلى معرفة نفسه ولا أن يتجنّب الكارثة. فالإنسان الخارجي هو جسد فانٍ، مصمَّم من الله ليخدم النفس، وهو يطلب إشباعه الذاتي؛ الإنسان الداخلي هو نفس لا تعرف الموت، مخلوقة على صورة الله ومثاله للأعمال الصالحة، وهي تطلب اهتمامها الخاص ورضاها.

أعمالنا تسمّى بذاراً وهي أيضاً نوعان: البعض للإنسان الداخلي والبعض الآخر للخارجي، والثمار المختلفة لكل منها جلية. ” أَنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَادًا، وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ فَمِنَ الرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً” (غلاطية 8:6). بذار الإنسان الخارجي وجناه في هذه الحياة لها ثلاثة أوجه: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ (أنظر 1يوحنا 16:2). ما لم يتأمّل الإنسان الداخلي بناموس الله ويتغذّى منه، وما لم يتقوَّ بالقراءة والصلاة، فإن الإنسان الخارجي يغلبه ويصيّره له خادماً ومرؤوساً. لهذا، هناك أعمال ظاهرة ترضي الجسد ولكنها مبغوضة من الله كالكبرياء والبخل والنهم وإشباع أنواع الشهوات والكلام البطّال والضحك، والملاهي، والسكر، والخبث، والنفاق، والكذب، والحسد والكسل وغيرها. هذه ثمار البذار بحسب الجسد ولهذا لا يستطيع اللحم والدم أن يرثا ملكوت الله (أنظر 1كورنثوس 50:15).

لكن عندما تستغرق النفس في التأمّل بناموس الله ويخضع الجسد إلى حكمة النفس، عندها تظهر الأعمال التالية: محبة الله والقريب، المسالمة، الاتضاع، العطف، الرحمة نحو الجميع، التواضع، الاعتدال، العفة، والبراءة وغيرها من أعمال الروح القدس المعروفة ببذار الروح.

إن أعمالنا في هذه الحياة هي البذار، والحياة الآتية هي جنى ما نبذره اليوم. ما يبذره الإنسان هنا هو ما سوف يجنيه هناك. إذا سارع الإنسان إلى الاهتمام بحقل قلبه وتسميده ورشّ البذار الأبدي فيه، فيمكنه أن يتوقّع بثقة حصاداً مطابقاً من الراحة والسعادة الأبديتين. إن مَن يزرع بدموع التوبة سوف يحصد بالابتهاج كما يقول النبي (مزمور 5:126)، لأن الراحة اللذيذة تتبع أعمال التقوى. أما الراحة والانتعاش فمحروم منهما مَن لم يجهد في أعمال البِرّ لأنه “إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ فَلاَ يَأْكُلْ أَيْضًا” (2تسالونيكي 10:3).

عظة الفصح في 30 نيسان 1978

عظة الفصح في 30 نيسان 1978

المتروبوليت أنطوني بلوم

نقلها إلى العربية كمال كدر

المسيح قام

قبل أن أقرأ ميمر القديس يوحنا الذهبي الفم الفصحي وأتوجّه بالكلام باللغة الروسية إلى الذين يتكلمون هذه اللغة، وإلى العديد، في الواقع الملايين، الذين يستمعون في هذه الليلة عبر وسائل الإعلام، أحبّ أن أقول بعض الكلمات لكم ولكل الذين في هذا البلد وفي كل البلدان في أوروبا الغربية والشمالية المستمعين لهذه العظة.

عندما خلق الله الإنسان أعطاه حياةً أبدية، حياته الخاصة ليملكها ويشترك بها. والإنسان تجاوب مع عطية الله وهبته بالخيانة التي استدعت موت ابنه على الصليب. الآب قد سلّم البشرية ابنه الوحيد المحبوب قائلاً لنا: ليس لدي شيء آخر أعطيه لكم وقد أعطيتكم كل ما أملك والآن لست أملك شيئاً. في الواقع الله دخل إلى هذا العالم، أخذ جسداً وصار واحداً منا، واحتمل الموت الذي نحن البشر جلبناه للمسيح، ولكن المسيح قد غلب الموت، وبالموت نفسه فتح لنا الطريق إلى الحياة الأبدية. وتجاوباً مع عطية الله هذه، فقد استجاب آلاف وملايين البشر خلال عشرين قرناً إلى عطية الله وإلى الثقة به، وإلى ثقته بنا أيضاً ورجائه بأن تضحيته لم تكن عبثاً.

وهذا العيد الذي نحفظه اليوم هو الفرح الأعظم والانتصار الأعظم لله وللإنسان. انتصار وفرح مشتركين. في الواقع من دون هذا العيد وهذا الحدث التاريخي لا وجود للمسيحية. الرسول بولس كان ليبقى مضّطهِداً شرساً للمسيح وأتباعه لو لم يقابل وجهاً لوجه على الطريق إلى دمشق المسيحَ القائم الحي، الذي مات على الجلجلة. وهو يعلن حقاً أنه لو لم يقم المسيح لكنّا أتعس الناس لأن إيماننا ورجاءنا وحياتنا كلها تكون قد بُنيتْ على لا شيء، على وهم وسراب.

لكنها ليست وهماً أو سراباً، طوال العشرين قرناً شهد الشهود أن خبرة الرسول بولس ومعرفته للقيامة هي حقيقة، وأنه حقاً أن ذاك الذي مات على الجلجلة كان الله نفسه الصائر إنساناً، أنه حقاً قد قام بالجسد من القبر مغيّراً العالم إلى عالم جديد بالكلية، إلى عالم ليست الكلمة الأخيرة فيه الموت بل الحياة، ليست الكراهية بل الحب، ليس الخوف بل الشجاعة والجهاد المغبوط. ولذلك جاء المسيح إلى تلاميذه في المساء بعد قيامته قائلاً لهم: “كما أرسلني الآب كذلك أنا أرسلكم” (يو21:20). قبل هذه الكلمات وقبل ظهور المسيح لهم، كان التلاميذ خائفين لأنهم ظنوا أن الحياة والحب والحقيقة قد غُلِبَتْ. أما الآن فقد انطلقوا إلى العالم بشجاعة دون خوف لأنهم عرفوا أنهم يمتلكون الحياة الأبدية، وأن المسيح قد شاركهم في حياته، حياة يسوع الإنسان القائم، حياة الابن السرمدي.

لم يكونوا خائفين من أولئك الذين يستطيعون أن يسلبوهم حياتهم الوقتية الزائلة لأنهم عرفوا أن لا شيء يستطيع أن يسلبهم الحياة الأبدية. وهذا هو العيد الذي نبتهج به، هذا ما نرنّمه وننشده، وهذا ما قد أعلناه الليلة بكل إيمانٍ ومعرفةٍ عن الله والمسيح.

الشكر لله، والشكر للذين قد آمنوا وأعلنوا الحقيقة التي نستطيع مشاركتها، والحياة التي يمكن أن نمتلكها أيضاً. منذ أكثر من عشرين سنة، تسلّم الكثيرون الرسالة وقبلوا الإيمان بالمسيح مصلّين هنا بفرحٍ، وقرأوا الكتب المولودة من حياة هذه الجماعة، وقد نالوا الدعم والتعزية والأمل. لهذا السبب أتوجّه إليكم، أنتم الذين سمعتموني قبلاً وإلى آخرين يسمعونني الآن أينما حلّوا، بصرخة للمعونة. إن هذه الكنيسة يجب أن تُراعى وهذه الجماعة يجب أن تستمر بنشر الإنجيل وبإعلان الإيمان ليس هنا فقط بل في روسيا وجميع البلدان الناطقة باللغة السلافية. يجب أن نتابع احتمال الشهادة للحياة والحب والأمل والإيمان بالإنسان. أمين

تعاليم آبائية حول شفاء الانغماس في الملذات

تعاليم آبائية حول شفاء الانغماس في الملذات

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

         حيث أن الانغماس في الملذات هو الهوى الرئيسي الذي تنبع منه الأهواء الأخرى، فإن من يريد أن يحرر نوسه من طغيان أهواء الجسد ينبغي أن يحوّل اهتمامه في هذا الاتجاه. يعلِّم القديس نيكيتا ستيثاتوس أن الشخص الذي يباشر الجهاد من أجل التقوى وهو مبتدئ في الحرب ضد الأهواء “ينبغي عليه أن يحارب بدون توقف ومن خلال كل أنواع التجارب ضد روح الانغماس في الملذات”. جهاده الرئيسي هو ضد هوى الانغماس في الملذات إذ هنا تبدأ الحرب من أجل الحرية الداخلية.

         إلا أنه ليس كافياً أن نريد التحرر من هوى الانغماس في الملذات وحسب. ينبغي علينا أيضاً أن نكون خبراء في هذا النوع من الحرب فلكلّ حرب طريقة مختلفة. توجد قاعدة في هذه الحرب الداخلية وهي وجوب الجهاد ضد أسباب الأهواء. ينطبق ذلك على الانغماس في الملذات أيضاً. إننا نفحص مصدر هذا الهوى وما يثيره، ثم نحارب هذا السبب. “لأن خطايانا تُجتَث بمجرد أن نصل لبغض أسبابها ونحاربها” (القديس ثيوغنسطس). لا ينبغي علينا أن نتجنب الأسباب فقط ولكن أن نبغضها. يتحقق ذلك بالتوبة الحقيقية التي هي مصدر الشفاء الحقيقي.

         ينبغي علينا أيضاً، بخلاف محاربة الأمور المثيرة للذة الحسية، أن نختبر الألم. لقد ذكرنا ذلك بالفعل، بحسب تعاليم الآباء النسكية المملوءة نعمة، اللذة الحسية مرتبطة بالألم. يخلق إشباع الرغبة في اللذة ألماً، واختبار الألم يبطل اللذة. عندما نتحدث عن اختبار الألم، فإننا نعني الأحزان اللاإرادية والنسك الإرادي كالمرض، والحرمان، والموت، وضبط النفس، والصوم، والسهر، وما إلى ذلك.

         يعلِّم القديس مكسيموس المعترف أن “الألم هو موت اللذة الحسية”. من الضروري بالنسبة لنا أن نتألم، لأن هذه هي طريقة شفائنا من اللذة. “يتعين علينا أن نتألم لأن طبيعتنا انخرطت في اللذة الحسية”. بالإضافة إلى ذلك، يعلِّم القديس مكسيموس أن كل الخطايا تقريباً تُرتَكَب بهدف الحصول على لذة، واللذة تبطَل بالضيقة والحزن. إنه يعني بالضيقة والحزن كلاً من الشدائد الإرادية من أجل التوبة، والأحزان الآتية من خلال التدبير الإلهي “الحاصلة بواسطة عناية الله”. تشفى اللذة بالضيقة، إما الضيقة الإرادية التي للتوبة، أو الضيقة غير الإرادية الناتجة عن الصعاب التي تواجهنا في الحياة. التوبة، التي هي حزن إلهي، تحطم اللذة. “تحطيم اللذة هو قيامة النفس” (القديس ثالاسيوس).

         نستطيع أن نقول نفس الشيء عن التجارب في حياتنا. إننا نواجه كل المحن الآتية علينا من خلال العناية الإلهية بصبر واحتمال، مؤمنين أن هذه هي الطريقة التي تحررنا من هوى الانغماس في الملذات. إننا لا ننبذ الألم لأننا نعلم أن الألم هو جزء من التجديد. إنه يبيد اللذة الماضية ويجعلنا قادرين على أن نعى ما هو نافع لنفوسنا بحق. على كل حال، ينصح الآباء القديسون بصبر كبير في هذا الجهاد. تتطلب ممارسة النسك الصبر والاحتمال: “الجهاد المستمر ينفي محبة اللذة” (القديس ثالاسيوس). ينبغي على النفس أن تكون مجتهدة ومجاهدة، وينبغي عليها أن تحب العمل الشاق. “الاحتمال الصبور هو جهاد النفس، وحيث يوجد الجهاد يختفي الانغماس في الملذات” (القديس ثالاسيوس).

         يعد كل المجهود النسكي الذي للإيمان الأرثوذكسي على أنه جهاد، ويشتمل ذلك على ضبط النفس، والصلاة، والصوم، والسهر، والطاعة. يعلِّم إيليا القس أن الخضوع للأهواء يُمحى من النفس من خلال الصوم والصلاة، ويُمحى الانغماس في الملذات من خلال السهر والصمت. يقول القديس ثالاسيوس “ضبط النفس، والصبر، والمحبة المصحوبة بالألم المستمر” يجفف الملذات الحسية التي للجسد والنفس.

         يعلِّم القديس نيكيتا ستيثاتوس بأننا نجعل روح الانغماس في الملذات خاملاً من خلال الصوم، والسهر، والنوم على الأرض، والأعمال الجسدية، وقطع إرادتنا الشخصية “بتواضع النفس”. إننا نجعله في نفس الوقت غير متحرك وغير فعال، ونقوده إلى سجن ضبط النفس بواسطة دموع التوبة.

         يساعد العمل النسكي لكل من الجسد والنفس على شفائنا من هوى الانغماس في الملذات.

يأتي احتقار اللذة من خلال الخوف أو الرجاء، من خلال معرفة الله أو محبته (القديس مكسيموس المعترف). تتطور المباهج الداخلية من خلال الخوف من الدينونة ومن الله، أو من خلال ترجي الفردوس، أو من خلال معرفة الله الروحية ومحبته، وبتعبير آخر من خلال شركتنا معه. عندئذ نتحرر من الملذات الخارجية. يحرر نمو حواس الإدراك الداخلية النفس. هذا هو السبب الذي يجعل التقليد الأرثوذكسي يشير باستمرار إلى تحول الملذات الحسية. يملأ الله نفس الإنسان ولا يدعها تسعى للشبع من خلال اللذة الحسية.

حيث أننا جميعاً مبتدئون في هذا السياق الروحي، ولا نعرف ما ينبغي عمله في كل موقف من مواقف حياتنا، أو أين نوجه انتباهنا بالضبط، يكون من الضروري أن نطيع شيخاً مميزاً. إنه سوف يرى بخبرته الشخصية، ولكن أيضاً بواسطة نعمة الله، الأهواء الرابضة داخلنا ويشفينا.

يكتب القديس يوحنا السلمي أنه عندما كان موجوداً في البرية خارج القلاية حيث كان السواح يعيشون، سمعهم يحنقون على شخص ما غير موجود. لقد كانوا يوبخونه بمرارة وغضب كما لو كان موجوداً بحق. عندئذ نصحهم أن يتركوا حياة الوحدة “لئلا يتحولوا من أناس إلى شياطين”. لقد رأى أيضاً آخرين يعيشون في جماعات رهبانية، والذين على الرغم من كونهم حسيين وفاسدين، كانوا “محبين للأخوة وللوجوه الجميلة”. لقد كانوا متأدبين من الخارج، ودودين ويصنعون الخير للآخرين. نصحهم القديس يوحنا السلمي أن يتبعوا طريقة الحياة النسكية “لئلا يتحولوا من مخلوقات عاقلة إلى حيوانات غير عاقلة”. في الحالة الأولى، كان السواح في خطر التحول إلى شياطين، وفي الحالة الثانية كان الرهبان في خطر التحول إلى حيوانات غير عاقلة.

         يكمل القديس يوحنا السلمي قائلاً أنه على كل حال كان يوجد آخرون أخبروه أنهم سقطوا في كل من هذين الشرين: ففي بعض الأحيان كانوا غاضبين، وفي أحيان أخرى كانوا متنعمين. لقد أوقفهم عن قيامهم بترتيب حياتهم الشخصية ونصحهم أن يعيشوا في الطاعة لشيخ مميز، وأن يفعلوا أي شيء يأمرهم به. يوضح ذلك أن الانغماس في الملذات هو هوى خطير جداً، يظهر نفسه كل مرة بشكل مختلف، وبالتالي يحتاج لطريقة مختلفة للتعامل معه في كل مرة. يساعد الهدوء في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى تساعد الحياة في شركة رهبانية. يمكن تحديد ذلك من قِبَل الشيخ المميز عديم الهوى. إنه الطبيب الذي يشفى بدون خطأ جراح نفس الإنسان.

ينبغي علينا أن نلقي بأنفسنا في الجهاد لكي نشفى من هوى الانغماس في الملذات الشرير، الذي يغلق علينا داخل أنفسنا و لا يدعنا نرى الأمور بوضوح أو لا يدعنا ننفتح على الله. لو كنا نحب اللذة الحسية فإننا نكون غير محبين لله. الانغماس في الملذات هو خطيئة العائشين في الأيام الأخيرة. يكتب القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس قائلاً: “ولكن اعلم هذا أنَّه في الأيام الأخيرة ستأتي أزمنَة صعبة، لأنَّ الناس يكونون محبين لأنفسهِم، محبين للمال، متعظِّمين، ……ممحبين للَّذّات دون محبة لله” (2تي3: 1-2، 4)

لا يستطيع محبو اللذة أن يحيوا حياة روحية، أو أن يشعروا بحلاوة الحب الإلهي. إنهم لا يستطيعون، ولا يريدون، أن يروا الحياة وراء الحواس. إنهم منحصرون في محبة ذواتهم. إنهم لا يعترفون بالمرة. فهم عندما يعترفون بخطاياهم، يوجهون اهتمامهم نحو الأطراف فقط، ولا يرون المشكلة الرئيسية أبداً، وبالتالي لا يجدون أي نفع في الاعتراف. الانغماس في الملذات هو مذاقة الجحيم الذي يبدأ في هذه الحياة ويقود للمرارة غير المحتملة وألم الجحيم الآتي.

ليت الله يحررنا من طغيانه.

معركة المؤمن الحقّ بيسوع

معركة المؤمن الحقّ بيسوع

الأرشمندريت توما بيطار*

يا إخوة، في هذا الإنجيل الكريم، الّذي تُلي على مسامعكم، الرّبّ يسوع يتوجّه إلى فئة من اليهود، يقول الإنجيليُّ يوحنّا عنها إنّها آمنت بيسوع. لكن، يبدو، من سياق الكلام، أنّ هناك شوائب عديدة تعتور إيمان هذه الفئة.

أوّلاً، الرّبّ يسوع يطلب أن يَثبت الّذين آمنوا به على كلامه. والثّبات على كلام الرّبّ يسوع معناه أن يعمل المؤمن على أن يسلك في الطّاعة أبدًا للرّبّ يسوع. والطّاعة عمل شاقّ، عمل مُتعب. الطّاعة تستلزم، أوّلاً، أن يكون المؤمن مستعدًّا لأن يتخلّى عن رأيه، وينبذ مشيئته، ويتمسّك بالكلام الإلهيّ في كلّ حال. طبعًا، هذا ليس بالأمر السّهل؛ لأنّ الإنسان مائل، بسبب السّقوط، بصورة تلقائيّة، إلى صنع مشيئته، وإلى الالتزام بأهوائه. لذلك، أكثر المؤمنين يعانون من تغيير الفكر باستمرار: مرّة، يسلكون بحماسة وأمانة، من جهة الكلام الإلهيّ؛ ومرّة أخرى، يستسلمون لنزوات أنفسهم. طبعًا، إن استمرّت هذه الحال، فلا يمكن إلاّ أن تؤدّي بالمؤمن إلى الفتور؛ ومن ثمّ، إلى الشـّرود. لهذا السّبب، على المؤمن أن يتمنطق بروح القوّة، أوّلاً وقبل كلّ شيء! عليه أن يتعلّم كيف يغصب نفسه لإتمام الكلام الإلهيّ. من دون غصب النّفس، مستحيل على الإنسان المؤمن بيسوع أن يَثبت في الأمانة له. إن لم يثبت الإنسان في الكلام الإلهيّ، إن لم يغصب نفسه عليه؛ فإنّه سيجد نفسه، بصورة تلقائيّة، غارقًا في أوهامه، وخيالاته، ورغباته. لذلك، هناك معركة تدور، في الحقيقة، في نفس كلّ مؤمن، بينه وبين نفسه، بينه وبين إرادته، بينه وبين أهوائه… هذه هي المعركة الكبرى الّتي يجب على كلّ إنسان أن يخوضها. ليكنْ كلّ واحد منّا عالِمًا أنّ السّلوك في الإلهيّات لا يمكن أن يأتي عفوًا! هناك فعل عنف لا بدّ من أن يمارسه كلّ إنسان في تعاطيه الكلام الإلهيّ، أي في تعاطيه الله، إذ لا مسافة بين الله وكلامه: “مَن يحبّني، يسمع كلامي” (يو14: 23). إذًا، المطلوب هو غصب النّفس في كلّ حال، وفي كلّ أمر؛ وأن يكون المؤمن مستعدًّا لأن يتخلّى عن رأيه، لكي يثبت في الكلام الإلهيّ، ولكي يكون لروح الرّبّ مكان في نفسه.

ثانيًا، الميل عند كلّ إنسان، كما قلت، هو إلى السّلوك بحسب أهوائه وأفكاره. لكن، هناك ما هو أخطر من ذلك، وهو أن يدخل المؤمن في عمليّة تلفيق، فيخلط ما بين الإلهيّات وما لنفسه. يختار من الإلهيّات ما يناسبه، ويتخلّى عمّا لا يناسبه. طبعًا، عند الإنسان القدرة على أن يبرّر نفسه، إذا شاء. لكنّ الرّبّ الإله، علاّم القلوب، يعرف ما إذا كنّا نسلك في الحقّ أو في الباطل. لهذا السّبب، علينا أن نتعب، لا سيّما في الصّلاة إلى الله، لكي يعطينا الحكمة على معاينة مشيئته في كلّ حين، وفي كلّ حال. الحياة الرّوحيّة كلّها قائمة في هذا الإطار. وليس أسهل على الإنسان من أن يقتبل ما يناسبه من الإلهيّات، ويُسقط ما لا يناسبه. وهذا صحيح، بصورة خاصّة، اليوم، فيما بيننا؛ لأنّ الإنسان بات معتَدًّا بقواه الإدراكيّة، بعقله، بإنجازاته… وبات، أيضًا، مُشبَعًا بروح النّقد؛ ويتعرّض، بسهولة، للإلهيّات. مخافة الله يبدو أنّها تضعف في النّفوس. كلّما اعتمد الإنسان على عقله، اهتمّ باتّخاذ العلوم قاعدةً لتعاطي الإلهيّات. لكنّ العلم كثيرًا ما ينفخ. المحبّة وحدها تبني. لهذا السّبب، الإنسان الّذي يشاء أن يدخل في المسار الإلهيّ عليه أن يتعلّم، أولاً وقبل كلّ شيء، كيف يصمت، وكيف يجعل عقله يصمت بإزاء الله: “تكلّم، يا ربّ، فإنّ عبدك يسمع” (1صم3: 9)! الإنسان، اليوم، لا يسمع كثيرًا. وإذا ما سمع، فلكي يتكلّم، لكي يتّخذ ممّا يسمعه مناسبةً للدّخول في سجال، للدّخول في نقاش… إنسان العقل، بكلّ أسف، ينمو على حساب إنسان القلب! هَمُّ الإنسان، بالأكثر، أن يجعل فكره سديدًا، منطقيًّا! الهَمُّ الأوّلُ للإنسانِ أن يتعلّم فنّ المحادثة والإقناع! لكن، في مقابل ذلك، قلّما ينظر الإنسان، اليوم، إلى قلبه، إلى كيانه، إلى فكره الدّاخليّ؛ وقلّما يسعى لتنقية قلبه. لذلك، قلّة منّا تعرف نفسها على حقيقتها. الإنسان، اليوم، مأخوذ بالمظهر. هَمُّه الأوّل أن يظهر ثمينًا، تقيًّا، عارفًا… وهذا كلّه يقتل، في نفسه، أو يُخرس، في قلبه، الاستعداد العميق لسماع الكلمة الإلهيّة. الإنسان يدور في فلك نفسه. من هذا المنطلق، وإن كان النّموّ في القوى الإدراكيّة، عند الإنسان، وفي العلوم والمعارف، قد أمّن له، في الظّاهر، حياة من الرّخاء والبحبوحة؛ إلاّ أنّه، من دون شكّ، انعكس سلبًا على نظرة الإنسان إلى نفسه؛ ومن ثمّ، على نظرة الإنسان إلى ربّه! فمن حيث نظرة الإنسان إلى نفسه تلقاه، اليوم، في أقلّ ما يُقال، مغرورًا بنفسه. والغرورُ، متى ازدوج بالفردانيّة، يجعل الإنسانَ أكثر استعدادًا لعبادة فكره ومشيئته، وأكثر استعدادًا للتّعاطي مع الله بطريقة استنسابيّة؛ فلا يشاء أن يسمع ما يقوله الله له، بل يهمّه أن يختار ما يناسبه!

على هذا، نجد، اليوم، أنّ أكثر النّاس يمارسون العبادة كلٌّ على طريقته. كلّ فرد يكوّن إلهه بالطّريقة الّتي تناسبه: يزيد شيئًا من هنا، يُنقص شيئًا من هناك… لهذا السّبب، يصعب جدًّا أن نجد أنّ الإله الّذي تعبده جماعة ما هو واحد. في الحقيقة، يبدو أنّهم يعبدون آلهة مختلفة. من جهة أخرى، الإنسان، اليوم، بسبب غروره، بسبب انتفاخه، بسبب ما حقّقه ويحقّقه من إنجازات في المستوى الدّهريّ، آخذٌ، لا فقط في مناقشة الله، بل في مجادلته، أيضًا! لذلك، يتألّم الإنسان حين يرى أنّ ما يُعرف بالتّراث، في الكنيسة، هو موضع تشكيك عند الكثيرين. ما يقبله فلان لا يقبله، بالضّرورة، آخر. طبعًا، هذا يخلق نوعًا من الدّيانة الفردانيّة؛ ويقتل روح الجماعة؛ ويجعل الله، بالأحرى، صورة عن تصوّرات النّاس. كلّ هذا، في الحقيقة، يجعلنا نستغرق في نوع من العبادة الدّهريّة. الكنيسة تغزوها الدّهريّة من كلّ جهة. ويَعسُر كثيرًا، اليوم، أن يجتمع، ولو القلّة، على فكر كنسيّ واحد! لكلّ واحد رأيه، لكلّ واحد فكره! كلّ شيء بات نسبيًّا!

بإزاء هذه الحال، يعود الكلام الإلهيّ ويأتينا، داعيًّا إيّانا إلى أن نثبت في الكلام الإلهيّ. موقفنا إزاء الرّبّ الإله ينبغي أن يكون، في الدّرجة الأولى، موقف إنسان يعرف أنّه لا يعرف! ينبغي أن يكون موقف ولد من جهة أبيه: يريد أن يتعلّم، يحتاج إلى أن يكشف له الرّبّ الإله، بروحه القدّوس، الحقيقة لكي يسلك فيها. نحن ليس بإمكاننا، ولا بطريقة من الطّرق، أن نفهم الكلام الإلهيّ إلاّ بروح الله؛ لأنّ ما أتى بروح الله لا يمكن أن يُستوعَب إلاّ بروح الله! ولكي نُعطى الرّوح، نحتاج إلى تواضعٍ كبير، تواضعٍ في كلّ مستوى، لا سيّما في مستوى الفكر، وفي مستوى القلب. الله لا يتكلّم، أبدًا، إذا كان الإنسان مُمتلـِئًا كلامًا من عنده! “إن لم ترجعوا وتصيروا كالأولاد، فلن تدخلوا ملكوت السّموات” (متّى18: 3). إذًا، علينا أن نقف من الله موقفًا كهذا؛ ونقف في الصّلاة طالبين إليه أن يعطينا روح الفهم. ومتى كان الدّافعُ العميقُ هو معرفةَ الحقّ كما في قلب الله، فلا بدّ للرّبّ الإله من أن يكلّمنا بطريقة أو بأخرى. علينا أن نتعلّم كيف نُفرغ، أوّلاً، أنفسنا؛ حتّى يتسنّى للرّبّ الإله أن يملأنا من حكمته، من معرفته، من حقّه. هذا، في ذاته، جهد ليس بالقليل. ونحن، متى تلقّفنا الكشف الإلهيّ، وسلكنا فيه؛ فإنّنا، إذ ذاك، إذا ما ثبتنا، نكون قد ثبتنا على كلام الله. إذ ذاك، نعرف الحقّ والحقّ يحرّرنا. إذًا، الكلّ يرتبط بتواضع كبير ينبغي أن نتعاطاه، وإلاّ لا نثبت في الحقّ، ولا نعرف الحقّ أبدًا، ولا نتحرّر! نبقى في حدود خطايانا، في حدود سقوطنا، في حدود أفكارنا، مهما بدت لنا أفكارنا برّاقة، وجميلة، وبليغة. لاحظوا، هنا، أنّ الحرّيّة مرتبطة بالثّبات في كلام الله؛ ومن ثمّ، بمعرفة الحقّ. الحقّ يعني الحرّيّة، الّتي تأتي من الثّبات في الحقّ.

وإذا ما تابعنا الكلام الإلهيّ، فإنّنا نجد، على العكس، أنّ الإنسان، كلَّ إنسان، في مقابل الحرّيّة، عرضةٌ للعبوديّة. وإذا كانت الحرّيّة مرتبطة بالحقّ، فالعبوديّة مرتبطة بالخطيئة، أي بعبادة الإنسان لنفسه، بتمسّكه برأيه، بسلوكه في أهوائه. في هذه الحال يدور الإنسان في فلك نفسه، ويكون عبدًا، وربّما ظنّ نفسه حرًّا! البشر، اليوم، يظنّون أنّ لهم الحقّ أن يقولوا كلمتهم؛ وأنّهم، متى قالوا كلمتهم، صاروا أحرارًا! هذا غير صحيح. الإنسان يصير حرًّا، إذا عرف الحقّ الإلهيّ، وتمسّك به، وتخلّى عن رأيه الذّاتيّ. إذًا، العبوديّة، فيما بيننا، نسمّيها، اليوم، حرّيّة: حرّيّة الفكر، حرّيّة الاختيار، حرّيّة الصّحافة… الحرّيّات عامّة! لكنّ هذه الحرّيّات، ما دامت مرتبطةً بعبادة الإنسان لنفسه، أي بخطيئته، فهي عبوديّات، وليست بحرّيّات، أبدًا. العبد لا يثبت في البيت إلى الأبد؛ أمّا الابن، فيثبت في البيت إلى الأبد. فإن حرّركم الابن، صرتم أحرارًا حقًّا. الإنسان لا يستطيع أن يحرّر نفسه، ولا بشكل من الأشكال. هو ساقط في حبّه لذاته، في عشقه لنفسه، في عشقه لكلّ ما له علاقة بنفسه. لذلك، لا يمكنه، مهما فعل، أن يخرج من هذه الحفرة الّتي وقع فيها منذ سقوط آدم. الابن هو الّذي يحرّركم، هو الّذي يحرّرنا! والابن، ابن الله، يحرّرنا بالحقّ؛ ونحن نقتبل الحقّ بتواضع قلب، بالصّمت، بالإيمان، بالطّاعة، بالثّبات، بغصب النّفس… بكلّ هذه الأمور وغيرها يتحرّر الإنسان.

إذًا، ليس كلّ مَن يظنّ نفسه مؤمنًا هو مؤمن بالفعل. فقط الّذي يسلك في ما لله، فقط الّذي يسلك في الحقّ الإلهيّ، فقط الّذي يسلك في تواضع القلب، هذا هو الّذي يكون مؤمنًا بالرّوح والحقّ. فمتى سلك الإنسان على هذا النّحو، صار ابنًا لله. عند الله، ليس هناك عبيد، على الرّغم من أنّنا، في عبادتنا، كلّ واحد منّا يقول عن نفسه إنّه عبد الله، أو أمة الله. لكنّ الله، في نظرته إلينا، يتعاطى معنا كأبناء، لا كعبيد. نحن أهل بيت الله! العبد هو الّذي يصنع الخطيئة. وإذا كان صانعًا للخطيئة، فهو ليس، فقط، عبدًا لها؛ بل هو، أيضًا، ابن للشـّيطان. أكثر من نصف القراءة، الّتي تُليت عليكم اليوم، يشير فيها الرّبّ يسوع إلى أنّ الإنسان الّذي يصنع الخطيئة، أي الّذي يحبّ نفسه ويعبدها، ويعشق أهواءه، هذا الإنسان، من حيث يدري ولا يدري، هو ابن للشـّيطان! لم يقل الرّبّ يسوع عبثًا عن اليهود ولليهود: “أنتم من أب هو إبليس، وأعمال أبيكم تعملون” (يو8: 44). الموضوع ليس ما يظنّه الإنسان، بل ما يفعله الإنسان بإزاء الله، وبإزاء الكلام الإلهيّ والحقّ الإلهيّ. إذًا، مَن يعمل أعمال الله، فهذا يصير ابنًا لله؛ ومَن يعمل أعمال الشـّيطان، فهذا يصير ابنًا للشـّيطان. ليس هناك حياد بين ما هو لله وما هو للشـّيطان: “مَن ليس معي، فهو عليّ”! [مَن ليس معي، فهو مع إبليس] (لو11: 23)! لذلك، إبليس هو الّذي صلب الرّبّ يسوع، من خلال البشر الّذين جعلوا أنفسهم أدوات له، وعملوا ما أوحى لهم به. لذلك، هنالك طريقان: طريق الحقّ، وطريق الخطيئة. الحقّ يستلزم الطّاعة، والطّاعة تستلزم الاتّضاع، والاتّضاع يستلزم إفراغ النّفس، وإفراغ النّفس يستلزم أن يعتبر الإنسان نفسه جاهلاً وترابًا ورمادًا. هذه هي طريق الحقّ والحياة. والطّريق الأخرى هي طريق الخطيئة. مَن يصنع الخطيئة، فإنّه يستلذّها؛ ومتى استلذّها، فإنّه يعتاد عليها؛ ومتى اعتاد عليها، فإنّه يصبح أسيرًا لها؛ ومتى صار أسيرًا لها، فقد حرّيّته بالكامل، وصار عبدًا لا للخطيئة فحسب، بل لمَن هو وراء الخطيئة، أي لإبليس.

لذلك، نحن لا يمكننا، يا إخوة، إلاّ أن نتمنطق بروح القوّة، ونسلك في ما لله؛ فإن لم نفعل، فإنّنا، من حيث ندري ولا ندري، سننزلق إلى جبّ الهلاك، وسوف نجد أنفسنا، رغمًا عنّا، نتمّم أعمال إبليس كما فعل اليهود! اليهود كان عندهم كلّ شيء: كان عندهم الأنبياء، والنّاموس، والحكمة، والهيكل، وجاء الرّبّ يسوع وأقام في وسطهم. وعلى الرّغم من ذلك كلّه، كانوا أولادًا للشـّيطان. لا يظنّنّ أحد منّا أنّنا، اليوم، في كنيسة المسيح، مستمرّون بصورة تلقائيّة! إن لم نسلك في التّعب، في غصب النّفس، إن لم نسلك في العنف بإزاء مشيئاتنا وأهوائنا؛ فإنّنا نكون، ظاهريًّا، لله؛ غير أنّنا نكون، في العمق، عملاء لإبليس! ولا ينسينّ أحد منّا أنّ “ضدّ المسيح” يأتي، كما تكلّم يوحنّا الحبيب، وهو قد أتى منذ الزّمان الأوّل، وهناك أضداد كثيرون للمسيح. وفي نهاية المطاف، يمكن الإنسان أن يعبد “ضدّ المسيح”، الّذي يكون في الظّاهر كأنّه المسيح، لكنّه في الرّوح يكون مقاومًا له. الخطورة، دائمًا، هي أن يوجَد العديد من المؤمنين خدّامًا لضدّ المسيح، في كنيسة المسيح، وهم لا يعلمون. هؤلاء يُفسدون أنفسهم، ويعملون على إفساد شعب الله. لكن، لا شكّ في أنّ ساعةً آتية سوف يتمّ فيها الفرز، وسوف يجتمع مَن هم لله إليه، ومَن هم لضدّ المسيح إليه. أمّا نحن، فعلينا أن نعود إلى ذواتنا، لنبدأ كأنّنا أطفال، ونتعاطى الكلام الإلهيّ بمخافة الله، وباحترام كبير لتراث الآباء القدّيسين. إن فعلنا ذلك، نصون أنفسنا من تجارب كثيرة تحتفّ بنا، اليوم.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

 * عظة حول يو8: 31- 42 في السّبت 1 أيار 2010

الفردوس والجحيم في الكتاب المقدس

الفردوس والجحيم في الكتاب المقدس

بتصرّف عن الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

 الكلام عن الفردوس والجحيم في الكتاب المقدس يعني عن تعليم السيد المسيح والآباء الرسل.

توجد ثلاثة نصوص في العهد الجديد تتكلم عن الفردوس. الأول هو تأكيد السيد المسيح للص على الصليب: “الحق أقول لك إنك اليوم تكون معي في الفردوس”(لو43:23). فالفردوس الذي يتكلم عنه  المسيح هو نفسه ملكوت الله. فمن الجدير بالذكر أن ملكوت الله والفردوس يُنظر إليهما على أنهما نفس الشيء لأن اللص سأله: “أذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك”(لو42:23)، والسيد المسيح أكد دخوله الفردوس. من الجدير بالذكر أن نورد تفسير القديس ثيئوفيلاكتس لهذا الأمر: “اللص في الفردوس، الذي هو ملكوت الله، وليس هو فقط ولكن كل من يذكرهم بولس، ولكنه لم يتمتع بالميراث الكامل للبركات”.

النص الثاني الذي يتكلم عن الفردوس مذكور من قِبَل بولس الرسول ويرتبط بخبرة عاشها فيقول: “وأعرف هذا الإنسان أفي الجسد أم خارج الجسد لست أعلم. الله يعلم. أنه اختطف إلى الفردوس وسمع كلمات لا ينطق بها ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها”(2كو12: 3-4).

يفسر نيقوديموس الكاتب هذا النص قائلاً: “كلمة فردوس هي كلمة فارسية وتعني حديقة مزروعة بأشجار مختلفة…”. ويقول في نفس الوقت أن اختطاف بولس الرسول إلى الفردوس يعني بحسب تفاسير عديدة “كان هو الوقت الذي تعلم فيه الكلمات السرية الفائقة الوصف عن الفردوس والتي هي مخفية عنا حتى هذا اليوم”. وبحسب الرؤيا، اختطف بولس الرسول للسماء الثالثة بمعنى أنه عبر الثلاثة سموات التي هي الفلسفة العملية، والثيئوريا الطبيعية، ووصل لعلم اللاهوت الباطني الذي هو السماء الثالثة، ومن هناك اختطف إلى الفردوس كما يقول القديس مكسيموس المعترف. وهكذا دخل إلى شجرة الحياة في منـتصف الفردوس، وشجرة المعرفة التي بسببها كان الشاروبيم بسيف من نار يحرسون بوابة عدن حيث وجدت كلتاهما (شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر) وكل الحقائق العظمى الأخرى التي قدمها العهد القديم.

أما النص الثالث فهو في سفر الرؤيا. فقد قيل لأسقف أفسس من ضمن أشياء أخرى: “من يغلب فسأعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله”(رؤ7:2). وبحسب أندراوس القيصري فإن “شجرة الحياة” هي إشارة لفظية للحياة الأبدية. يعد الله “بنصيب في الأشياء الحسنة في الدهر الآتي”. وبالمثل، فإنه بحسب آريثا القيصري “ينبغي أن يُفهم الفردوس المبارك على أنه الحياة الأبدية”.

بالتالي فإن الفردوس والحياة الأبدية وملكوت السموات هي أمر واحد. لن نسترسل في هذه النقطة محللين أكثر ما هو الفردوس بالنسبة لمصطلحات ملكوت الله وملكوت السموات، فالحقيقة أن الفردوس هو الحياة إلى الأبد في شركة واتحاد مع الله الثالوث.

تأتي كلمة “جحيم” (في اليونانية kolasi وفي الإنكليزيةHell  ) من كلمة Kolaso (باليونانية)، وهي لها معنيان. الأول هو “تهذيب”، والثاني “عقاب”. وهي تُستعمل بصورة رئيسية بالمعنى الثاني في الكتاب المقدس، ولكن من منظور أنه ليس الله هو الذي يعاقب، ولكن الشخص يعاقب نفسه لأنه لا يقبل عطية الله. على أية حال، فإن غياب الشركة مع الله هي عقوبة الإنسان، وخصوصاً عندما نفكر أن الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله، وأن هذا هو الهدف الأعمق لوجوده.

  يتكلم نصان من الكتاب المقدس عن الجحيم بوضوح.

الأول في كلمات السيد المسيح عن الدينونة الآتية عندما قال: “فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي Kolosi والأبرار إلى حياة أبدية”(مت46:25). لو ربطنا هذا النص بالنص الذي سبقه: “اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته”(مت41:25) لوجدنا أنه يوحد بين الجحيم والنار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته وليس للناس.

النص الكتابي الثاني الذي يحتوي على كلمة جحيم موجود في رسالة يوحنا الإنجيلي الأولى: “المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج لأن الخوف له عذاب. وأما من خاف فلم يتكمل في المحبة”(1يو18:4). ومن المؤكد أنه لا يشير إلى الجحيم خاصةً، الذي هو طريقة حياة الأشرار بعد مجيء المسيح الثاني ولكن إلى العذاب المرتبط بالخوف والذي هو غريب عن المحبة.

يعبر الكتاب المقدس عن حياة الجحيم بمصطلحات وتعبيرات أخرى مثل “النار الأبدية”(مت41:25)، و”الظلمة الخارجية”(مت30:25)، و”نار جهنم”(مت22:5) وهكذا.

وحي الكتاب المقدّس بحسب الأب يوحنا رومانيدس

وحي الكتاب المقدّس بحسب الأب يوحنا رومانيدس

الأب أنطوان ملكي

  “كل الكتاب موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر، لكي يكون انسان الله كاملا متأهبا لكل عمل صالح” (2ثي3: 16).  كل نبوة الكتاب المقدس ليست من تفسير خاص. لانه لم يأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكّلم اناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس(2بط1: 20).  ان نتكلم عن وحي (Theopneustis) الكتاب المقدس هو أن نتكلّم عن عمل الروح القدس. عندما يعلن المسيحيون أن الكتاب المقدس موحى به، فهم يصرحون بالوسيلة التي اختارها الله ليعمل بين شعبه. الكتاب المقدس هو إحدى الطرق التي يحمل بواسطتها الروح القدس شهادة للحق ويلهم ويؤيد ايمان المؤمنين.

 المسألة المتعلّقة بوحي اسفار الكتاب المقدس، تشير إلى الوراء إلى عمل الروح في كتابته، أي إلى إلهام الكتاّب. كما تشير إلى الأمام إلى عمل هذا الروح في الكنيسة، الذي يعلم كيف يجب أن تفهم الكتابات ويقود المؤمنين إلى هدفهم الذي  هو بحسب الشهادة الرسولية وبحسب تعليم الآباء المشاركة في مجد الله. “والذين بررّهم فهؤلاء مجدّهم أيضاً” (رو8: 30 و يو3: 2). لعله موضوع كل الاعلان الالهي أن يخلص الله الثالوثي ذاته خليقته من ضياعها وابتعادها ويقودها إلى الحياة الحقة. الكتاب المقدس هو الشهادة الموحى بها إلهياً والقانونية للإعلان الذي، بالرغم من ذلك، يتخطى كل المفاهيم والتعابير، كونه شهادة للإعلان. الكتاب المقدس هو كلمة الله. الوحي هو عملية الروح القدس في مؤلّفي الكتاب المقدس، لكي يحملوا شهادة عن الاعلان (يو5: 39) دون أن يخطئوا حول الله وطرقه ووسائله من أجل خلاص الجنس البشري. بالتالي يصف مؤلّفو الكتاب المقدس طرق الله مع خليقته وشعبه وبذلك يشهدون لمجد الله المخفي عن أعين غير المؤمنين.

 يتأتى الوحي من خبرة مجد الله المعلَن، من خلال الروح القدس. أظهر الله مجده لأنبياء العهد القديم وللرسل ولأنبياء العهد الجديد (اف2: 20، 3: 5 ).  من الجدير ذكره  أن التمجيد (glorification) لا ينفصل عن الصلب والآلام. هذا لا ينطبق فقط على سيدنا يسوع المسيح ( يو12: 23، 32 ) لكن أيضاً على أتباعه (غل2: 19-20). التمجيد هو تبدل وتجدد الشخص بأكمله (رو12: 2). إنه يعطي القوة لمؤلّفي الكتاب المقدس لأن يعلنوا ويكتبوا كلمة الله.

إن الأنبياء والرسل والقديسون الذين اختبروا مجد الله وشهدوا له في الكتاب المقدس يعلنون حقيقة الله وسبل الشركة معه. حول هؤلاء أنفسهم كتب بولس: “وأما الروحي …لا يحكم فيه أحد، لأن من عرف فكر الرب فيعلمه. وأما نحن فلنا فكر المسيح” (1كو2: 15-16).

تخطي الحاجة للاستحسان

تخطي الحاجة للاستحسان

الأب جورج موريللي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 ملاحظة: الاستحسان هو غير المديح، والحاجة للاستحسان قد تتطوّر إلى طلب المديح لكن ليس دائماً وهذا التطور ليس حتمياً. (المعرّب)

يوجد في علم النفس السريري إدراك غير عقلاني معروف جداً، يحثّ العواطف المختلّة كالقلق والاكتئاب وما يليها من السلوكيات المهايئة (غير القابلة للتأقلم)، مفاده أن يفتكر الإنسان: “يجب أن أكون محبوباً ومستحسناً لدى كل الأشخاص المعتَبَرين في حياتي، وغياب ذلك يكون عندي مريعاً”. تجدر الإشارة إلى أن “يجب” تتضمّن قانوناً أو طلباً شخصياً. “مريعاً” تؤدّي إلى استنتاج بأن غياب الاستحسان هو نهاية العالم، أو السوء أكثر من مئة بالمئة. الحاجة الماسة للاستحسان، كما في حالة المعتقدات غير العقلانية الأخرى والعواطف المستَنكَرة والسلوكيات الخاطئة، تؤدي إلى مفعول الدومينو المتتالي من المشاكل. هذه الحاجة للاستحسان تقوّض القدرة على التغلب على العقبات ما يتحول دون تحقيق الأهداف المنشودة، وغالباً ما يؤدي بالأفراد إلى وضع معايير عالية كمالية (perfectionistic) إلى درجة عدم قابلية التحقيق عملياً مع كل ما يرافقها من نمو للعواطف المختلة المذكورة أعلاه.

يُعطى هذا الطلب المميّز الناتج عن الحاجة الماسة للاستحسان أسماء مختلفة. يشير سليمان الحكيم في العهد القديم: “سَمْعُ الانْتِهَارِ مِنَ الْحَكِيمِ خَيْرٌ لِلإِنْسَانِ مِنْ سَمْعِ غِنَاءِ الْجُهَّالِ” (جامعة 7:5). التملّق هو محاولة لاستدرار استحسان الآخرين. يرى التقليد البوذي أن الاهتمام باستحسان الآخرين يجعل الإنسان عبداً لهم، لذا أن يقوم المرء بعمله وينسحب هو الطريق إلى الصفاء. يرِد على لسان إحدى معلمات القرن التاسع عشر حديثها إلى تلاميذها: “التملّق هو فنّ يكمن فيه الشيطان ليخدع الإنسان نافخاً فيه أفكار الغرور”. يمكن اعتبار أن الحاجة الماسّة لسماع الاستحسان تعرّض الإنسان للاستسلام لتجربة التملّق. بالنظر إلى الأمر من جهة المتملَّق، فإن الأمر يجعل الشخص الذي يطلب الإطراء باستمرار أكثر تعلّقاً بهذه الإطراءات. من الجهة الأخرى، يجب الإصغاء إلى القول الصوفي: “ليس لائقاً لأي كان أن يمدح أحداً… بل هو ملزَم بأن يوضح الحقيقة مهما كانت…”.

يرى آباء الكنيسة أن الحاجة المستمرة إلى سماع الاستحسان هي من فئة المجد الباطل. يعلّمنا القديس يوحنا السلّمي: “إن أوج العجب أن يتلذذ المرء وهو وحده بمدائح وهمية لا يوجهها إليه أحد”. يمكن أن نرى أن الحاجة الماسّة إلى الاستحسان هي “التلذذ بالمدائح” أي التصرف لخلق انطباع لدى الآخرين، أي لكسب إطرائهم. يصف القديس باييسيوس الآثوسي الآثار النفسية والروحية غير المرغوب فيها والناتجة عن الحاجة الماسة للاستحسان بقوله الموجَز: “كثيرون من الناس يتعذبون عندما لا يأتيهم المديح من أحد…”

يمكن تخطي الحاجة للاستحسان على جبهتين. نفسياً، يمكن إعادة بناء نظام القانون الشخصي باستبدال فعل “يجب” أو “ينبغي” بالفعل “أود”. وعليه فإن طريقة التعاطي مع الآخرين الأكثر فعالية تكون بأن يفتكر الإنسان على هذا المنوال: “بالتأكيد، الحصول على استحسان الآخرين أمر لطيف ولكن بإمكاني قبول ذاتي من دونه”. روحياً، يمكننا الاستغناء عن الاستحسان الأرضي بالالتزام بكلمات القديس اسحق السرياني: “هناك رجاء بالله يأتي من التزام القلب الذي هو حسن والذي فيه التمييز والمعرفة”. يشير القديس إلى أن الله دائم الرحمة حتّى على سقطاتنا، وهو يعبّر عن ذلك شاعرياً بقوله: “كما أن حبّة الرمل لا يمكنها أن توازن كمية كبيرة من الذهب، كذلك استخدام الله للعدالة لا يوازن رحمته”.

القديس باسيليوس الكبير والتفسير المجازي للتكوين

القديس باسيليوس الكبير والتفسير المجازي للتكوين

كريستوفر هول

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

أوضح مثال عن أسلوب القديس باسيليوس الكبير التفسيري والوعظي هو “ستة أيام الخليقة”، وهو سلسلة من تسع عظات ألقاعا حول هذه الأيام. وقد ألقاها في صلوات السحرية والمساء خلال موسم الصوم، يبقى تحديد تاريخ إلقائها بشكل دقيق أمراً صعباً.

القديس غريغوريوس النزينزي، صديق القديس باسيليوس الأقرب، عبّر عن إعجابه العميق بعمل القديس باسيليوس لتصويره الواضح لمعجزة الخلق وخالقها. “عندما أعالج كتابه وآخذ كلماته في فمي، أُحمَل إلى حضرة خالقي، وأفهم معنى الخلق، ويزداد ُإعجابي بالخالق أكثر من قبل، متّكلاً على معلمي كوسيلتي الوحيدة للنظر”.

أحد الملامح البارزة في تفسير القديس باسيليوس هو الرفض القاطع للرمزية في تفسيره لقصة الخلق. بالطبع، برفض الرمزية يلقي ظلالاً من الشك على قيمة الكثير من أعمال أوريجنس التفسيرية. هذا أمر مفاجئ بشكل خاص على ضوء إعجابه بأوريجنس. ما الذي كان يفكر فيه القديس إذاً؟ لقد جمع مبكراً وبمساعدة القديس غريغوريوس النزينزي مجموعة كبيرة من أعمال أوريجنس في ما أسماه الفيلوكاليا. ولكنه عندما ابتدأ يفسّر ويعظ حول الفصول الأولى من التكوين، استبعد الرمزية كأداة تفسيرية قابلة للحياة. لماذا؟

في العظة التاسعة حول أيام الخلق السنة، دبّج القديس باسيليوس ما وصفه ياروسلاف باليكان على أنه “أحد أكثر الانتقادات قوّة للتفسير الرمزي يصدر عن لاهوتي أرثوذكسي في القرن الرابع، أو في أي قرن آخر”. “أعرف قوانين الرمزية، مع أن أعرفها من نفسي وليس من أعمال الآخرين. هناك أشخاص بالحقيقة لا يعترفون بفطرة الكتاب المقدس السليمة، فالماء عندهم ليس ماءً بل مادة أخرى، الذين لا يرون في النبتة أو في السمكة إلا ما رغبة أهوائهم، الذين يغيّرون طبيعة الزواحف والوحوش الضارية بما يتّفق مع رمزياتهم، كمِثل مفسري الأحلام الذين يشرحون رؤى النوم لكي تخدم غايتهم. بالنسبة لي، العشب هو عشب، النبات، السمك، الوحوش، الدواجن، أنا آخذ كل شيء بمعناه الحرفي.”

في عظة سابقة، كان القديس قد انتقد أولئك الذين حاولوا تفسير فصل المياه عن اليبس في تكوين 1:6 بطريقة رمزية. الرمزيون “استفاضوا بالاستعارة” ولم يروا في المياه سوى صورة للدلالة على القوى الروحية والمعنوية. في الأماكن العليا، فوق السماء، يكمن الأفضل؛ في الأماكن السفلى، التراب والمادة هما مكان الخبثاء. ولهذا يُقول المزمور: “سَبِّحِيهِ يَا سَمَاءَ السَّمَاوَاتِ، وَيَا أَيَّتُهَا الْمِيَاهُ الَّتِي فَوْقَ السَّمَاوَاتِ” (148:4)، أي سبحيه أيتها القوات الصالحة، التي تجعلها طهارة نفوسها مستحقة لتسبيح الله. أما المياه التي تحت السماوات فهي تشير إلى الأرواح الخاطئة، التي وقعت من علوها الطبيعي إلى هاوية الشر.

يعترف القديس باسيليوس بطريقة لبقة بأن هذه النظرية عبقرية من دون أن يستطيع تبنّي حقيقتها. كما في العظة التاسعة فهو يقارن هذا النوع من التأويل المجازي بالحلم أو بقصص العجائز. بالمقابل، يشدد على أن الماء يعني الماء. انتقد القديس باسيليوس نقص التفسير عند المجازيين رابطاً هذه الرغبة بالتأويل المجازي بعدم رضى أساسي بالمعنى العادي في الإنجيل فهو يرى أن الله أخبرنا بوضوح ما نحن بحاجة إلى معرفته لتحقيق النمو الروحي والتقديس والمعرفة اللاهوتية الصحيحة. أمّا الرغبة في تجاوز وضوح الله المعلَن إلى معنى أخر خفي فهو علامة على الشعور بالضيق الروحي.

“ألا ينبغي بي أن أمجده وهو الذي قد نظّم كل التدبير في الكتاب المقدس على ضوء تقديس وتكميل نفوسنا كونه لا يرغب بأن نعبئ فكرنا بهذه التفاهات؟ هذا ما يبدو لي غير مفهوماً عند أولئك الذين استسلموا إلى معنى المجازية المشوش، ويعملون على فرض سلطان اختراعهم على الكتاب المقدس. إنهم يؤمنون بأنهم أكثر حكمة من الروح القدس ويقدّمون أفكارهم الخاصة بحجة التأويل.”

يذكّر القديس باسيليوس أن مجموعات كالمانيخيين والماركيونيين والفالانتيين استعملوا التأويل المجازي في تحريفاتهم التفسيرية. ففيما يورد كتاب التكوين: “عَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ”، يقول القديس باسيليوس أن الظلمة هي كما تعني بالحقيقة، أي أنه لا نور في الجو، كالظل الناتج عن توسط أحد الأجسام أو أخيراً كما أن لا ضوء فيه لبعض الأسباب. بينما المانيخيون والماركيانيون والغنوصيون كانوا سريعين في تخيّل معنى أكثر عمقاً. فبالنسبة لهم، الظلمة هي قوة شريرة، أو بالأحرى تجسيد للشر الصادر من ذاته في تعارض مع صلاح الله وفي صراع دائم معه.

يشدد القديس على أن التفسير الأكثر أماناً هو الحفاظ على الصمت حول هذه الاستعارات والرموز وببساطة اتّباع كلمات الكتاب المقدس من دون أي فضول عبثي، آخذين من الظلمة الفكرة التي تعطينا إياها العبارة. ربط القديس سلطة نص التكوين بحركة الروح القدس في موسى مشدداً على أن كلمات النص موحى بها: “ما من مقطع فارغ”. لذا، كون النص بذاته مقدساً، صادراً عن عمل الروح القدس، على المفسرين مقاربته بوقار. ينبغي أن يتطابق كل ما يُقال عن النص مع طبيعة أصله الإلهي السامية.

“بأي جدية ينبغي أن تتهيأ النفس لتقبّل هذه الدروس السامية! كم ينبغي أن تكون متطهرة من التأثيرات الجسدية، وخالية من القلق العالمي، وناشطة ومتقدة في أبحاثها، وتائقة إلى أن تجد في محيطها فكرة تليق بالله!”

لقد وضع القديس باسيليوس بشكل فعال أساساً لتفسيره من ثلاث طبقات: أولاً، شدد على أن الكتاب المقدس يأتي من الروح القدس. إنه موحى من الله. ثانياً، كرر وجوب مقاربة النص المقدس بوقار وبفكر مستعد وبقلب متلقٍّ لما يقدمه النص نفسه. ثالثاً، رفض القديس باسيليوس المجازية كاستراتيجية تفسيرية مناسبة. ما يقدمه المعنى الحرفي للنص من المادة للتأمل والتبصر والتطبيق هو أكثر من كافٍ.

السنة الحادية عشرة – العدد الخامس – شباط 2015

السنة الحادية عشرة – العدد الخامس – شباط 2015

مختارات آبائية

كيف يخلص الإنسان في هذه الأزمنة؟

 دراسات آبائية

القديسان إسحق السرياني وباييسيوس الأثوسي والتفكير الإيجابي

الأب ميخا هيرشي

 عظة

التزام روح الفقر

الأرشمندريت توما بيطار

 حياة روحية

من الصمت إلى السكون

المتقدم في الكهنة جون براك

 الحسد

الميتروبوليت إيرثيوس فلاخوس

الصوم والزمان الحاضر

الأب رافائيل فاراشاك

رعائيات \ عائلة مسيحية

“العرس مكرّماً والمضجع بغير دَنَس”

عن نشرة كنيسة السابق، واشنطن

 النمو المتوقّف: تدمير الذكورة بالحضارة الإباحية

أوكتافيا راتيو