السنة الحادية عشرة – العدد التاسع – حزيران 2015

السنة الحادية عشرة – العدد التاسعحزيران 2015

مختارات آبائية

باقة من أقوال اﻵباء

حياة روحية \ لاهوت

القوانين الكنسية وشفاء النفوس، الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

الغاية من وجود الإنسان. من قناع الشخصية الاجتماعية المعاصرة إلى الشخص في المسيح عند القدّيس غريغوريوس بالاماس، الشيخ أفرام الفاتوبيذي 2 3

حياة روحية

كيف تكون سعيداً، جون سانيدوبولوس

حياة روحية \ تربية مسيحية

أفضل عشرة طُرق لتدمير أولادكم، إيرينيوس أسقف إيكاتيرينابرغ

مسكونيات

حول زيارة البابا بيندكتوس السادس عشر إلى قبرص عام 2005، الميتروبوليت أثناسيوس أسقف ليماسول

باقة من أقوال الآباء

باقة من أقوال الآباء

نقلها إلى العربية اﻷب أنطوان ملكي

رفع القلب والعقل

الشيخ كليوبا إيليا الروماني

يمكن للناس أن يصلّوا بلا انقطاع شرط أن يقفوا دائما أمام الله في القلب والعقل. ويمكن أن يمارسوا عمل أيديهم، فيما قلوبهم وعقولهم مرفوعة إلى الله. علينا أن نفهم أن حياة الناس هي صلاة غير منقطعة عندما يتحوّل عقلهم نحو الله.

السبيل إلى السلام

القديس نيقوديموس اﻷثوسي

سبيل تحقيق السلام هي كما يلي: أن تنسى تماما سقوطك والخطيئة وتهب ذاتك للتفكّر في صلاح الله العظيم الذي لا يوصف، وحقيقة استعداده ورغبته أن يغفر كل الذنوب، مهما بلغت خطورتها، داعياً الخطأة بطرق متنوعة ليعودوا إلى رشدهم وينضمّوا إليه في هذه الحياة، ومن ثمّ بنعمته يتمجّدوا ويكونوا مباركين إلى الأبد.

وعندما يهدأ عقلك بهذه الممارسة كما بالأفكار والمداولات أخرى يمكنك العودة إلى سقوطك والقيام بما ذكرته أعلاه.

عندما يحين الوقت للاعتراف، الذي أحثك على القيام به بتكرار، تذكّر كلّ خطاياك وبألم جديد وغمّ على حزن الله وبعزم صادق على عدم إحزانه مجدداّ، اعرضْ خطاياك كلها لأبيك الروحي وطبّقْ القانون الذي يعطيك عن طيب خاطر.

المال

القديس غريغوريوس اللاهوتي

عندما استخرج الناس الذهب والفضة والأحجار الثمينة من الأرض، وعندما صاروا يصنعون الملابس ناعمة أكثر مما يلزم، وعندما حصلوا على الكثير من الأشياء الأخرى من مثل هذه، والتي هي أسباب الحروب والثورات والأنظمة المستبدة ، غرقوا في شكل سخيف من الازدراء.

لذلك، هم لا يظهرون أي عطف على أي من أخوتهم البشر البائسين، ولا هم يريدون أن يعطوا من أموالهم الزائدة لتوفير ضروريات الحياة للآخرين. أي قسوة هي هذه! أي فظاظة! إذا كان أي شيء آخر، إنهم حتى ﻻ يفتكرون بأن الفقر والغنى والحرية والعبودية وغيرها لم تظهر كلها في الجنس البشري إلا بعد سقوط، مثل الأمراض التي تتجلى جنبا إلى جنب مع الشر وهي في الواقع تعبير عن هذا الأخير …

العين المضبوطة

القديس يوحنا كرونشتادت

القلب هو عين الوجود البشري. بقدر ما يكون صافياً يزداد وضوح وسرعة وبعد رؤياه.

في قديسي الله، وحتى في هذه الحياة، يضبطون عينهم إلى أعلى درجة ولهذا يرون بوضوح القاصى والداني.

التوبة والتحول

القديس نيقوﻻوس فيليميروفيتش

التوبة من دون تحول كامل ليست أكثر من مهزلة أمام الله والروح. لا يليق اللعب مع الله. انه يظهر رحمة للذين تابوا، ولكن يؤدب بقسوة أولئك الذين لا يتوبون على الإطلاق، أو الذين يقومون بذلك جزئيا فقط وبتصنّع. وعندما يضرب الله، يكون الجرح عميقاً جداً ولا أحد يمكن أن يشفي منه إلا الله نفسه.

الهدف

القديس يوحنا كرونشتادت

إذا كنت لا تريد أن تُستَعبَد للأهواء والشيطان بشكل يومي، عليك أن تضع لنفسك هدفاً تضعه دائماً في الاعتبار، وعليك أن تحاول تحقيقه، والتغلب على كل العقبات بمعونة الربّ.

ما هو هذا الهدف؟ إنه ملكوت الله.

القوانين الكنسية وشفاء النفوس

القوانين الكنسية وشفاء النفوس

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

1- المجمع المسكوني الخامسالسادس

لقد انعقد المجمع المسكوني الخامس في سنة 553 ميلادية بأمر من الإمبراطور يوستينيانوس الثاني بهدف التعامل مع مسائل استجدت بعد المجمع المسكوني الرابع. لقد تناول المجمع المسكوني الرابع على وجه الخصوص المونوفيسية والنسطورية، وأقر عقيدة أن الطبيعتين، الإلهية والإنسانية، كانتا متحدتين في شخص المسيح بغير اختلاط ولا امتزاج ولاتغيير. وعلى أية حال، ظهرت بعد المجمع المسكوني الرابع ثلاث وثائق عُرِفت بالثلاثة فصول كُتبت بواسطة ثلاثة أساقفة: ثيودوروس الموبسوستي، وثيودوريطس القورشي، وإيبا الرهاوي. شجب المجمع المسكوني الخامس هذه الفصول الثلاثة، ومع ذلك لم يصدر أية قوانين.

أما المجمع المسكوني السادس فانعقد سنة 681 ميلادية في القسطنطينية من جديد بأمر الإمبراطور قسطنطين الرابع، وتعامل مع هرطقة المونوثيلية (المشيئة الواحدة) التي أكدت على أنه في المسيح لا يوجد مشيئتان، مشيئة إنسانية ومشيئة إلهية، ولكن مشيئة واحدة. لقد أعلن المجمع المسكوني أن المسيح كان ذا قوتين طبيعيتين ومشيئتين طبيعيتين، وهما لم يكونا ضد بعضهما البعض، ولكن المشيئة الإنسانية كانت خاضعة للمشيئة الإلهية ولم تكن تقاومها ولا تناقضها. ومثله مثل المجمع السابق لم يقم هذا المجمع بإصدار أية قوانين.

من الجدير بالذكر أن قرارات المجامع المسكونية الخاصة بالمسائل الإيمانية عن المسيح، والروح القدس، والآب (أي عن الثالوث القدوس)، والكنيسة تسمى عقائد. على حين أن قرارات المجامع المسكونية الخاصة بالمسائل الإدارية والرعائية المرتبطة بالكنائس المحلية وبالكنيسة الأرثوذكسية بوجه عام تسمى قوانين.

حيث أن المجمع المسكوني الخامس والمجمع المسكوني السادس لم يصدرا أية قوانين خاصة بالمسائل الإدارية في الكنيسة ولا بالإرشاد الرعائي للمسيحيين، انعقد ما يسمى المجمع المسكوني الخامسالسادسفي القسطنطينية سنة 692ميلادية بأمر الإمبراطور يوستينيانوس الثاني. لا يُنظر لهذا المجمع على أنه مجمع مسكوني جديد، ولكن كامتداد للمجمعين المسكونيين الخامس والسادس. وحيث أن هذا المجمع انعقد في قاعة القصر الرئيسية والتي كان لها قبة، سمي أيضاً مجمع ترولوأو ترللو” (نسبة إلى كلمة ترولوس باليونانية والتي تعني قبة).

لقد أصدر المجمع المسكوني الخامسالسادس في ترولو مئة واثنين قانوناً بخصوص مسائل الكنيسة الإدارية والإرشاد الرعائي للمسيحيين. فقانونه الأول أكد على كل قوانين المجامع المسكونية السابقة، وأما القانون الثاني فأكد على قوانين الآباء الرسل وقوانين المجامع المحلية وقرارات الآباء القانونية.

القانون الأخير (قانون رقم 102) قاطع. ففي حين أن القوانين السابقة ترسخ العديد من المسائل الكنسية، والإدارية، والرعائية الخاصة بوحدة الكنيسة وسقطات وخطايا المسيحيين، إلا أن القانون الأخير يحدد رسالة الشفاء التي يجب ممارستها. إنه يشير إلى طريقة التعامل مع العديد من المشاكل في الحياة الكنسية. هكذا يشكل هذا القانون الأساس لكل القوانين الأخرى، ما يجعله قانوناً ذا أهمية كبرى.

2- نص القانون رقم 102

يجدر بالذين تلقوا من الله سلطان الحل والربط أن ينظروا إلى نوع الخطيئة وإلى استعداد الخاطئ للرجوع وأن يستعملوا ادواء النافع لكل مرض لئلا يؤدّي عدم مراعاة الاعتدال في كل حالة إلى الخيبة في شفاء الإنسان المريض وإعداده لقبول الخلاص. إن أمراض الخطيئة مستعصية ومتعددة الأنواع ينشأ عنهامضاعفات مختلفة مؤذية وخبيثة في كثرة ما يتفرّع عنها من الشرور. وهي تمتد وتزيد استعصاءً حتى يعسر على الطبيب الخبير أن يضع لها حداً. ولذلك فعلى كل مَن يتعاطى وظيفة الطبيب الروحي أن يأخذ بعين الاعتبار استعداد الواقع في الخطيئة وموقفه وأن يتحقق من مقدار قبوله للشفاء أو إذا كان سلوكه الشخصي قد أدّى إلى استيلاء الداء على نفسه، وعليه أن يدرس الخطط التي تساعده على العناية بتجرد سيرته أثناء المعالجة. وكذلك يجب عليه أن يفحص لعل الخاطئ يقاوم معالجة الطبيب فتؤدي العلاجات إلى تمكن العلة واتساع القرحة في النفس. فينظر إليه بالرحمة ويستعمل الأدوية بالحكمة وبمقدار لأن الذي سُلّمت إليه سلطة الرعاية ليردّ الخراف الضالة ويشفي التي لسعتها الحية سيقدّم الحساب كله لله، إذ عليه أن يقود الخراف فلا تتدهور في مهاوي اليأس ولا يرخي لها العنان فتنطلق إلى سبل الإباحة والاستهتار. فهو يستعمل هذه الطريقة أو تلك آناً بالصرامة وأحياناً باللين والعلاجات اللطيفة. فيحول بالحكمة دون أن يصير المرض عقاماً والقرحة غير قابلة الشفاء، فاحصاً دوماً ثمار توبة الخاطئ وبحسن الدراية يقوده إلى الاستنارة العلوية. ويجب أن نختبر الحالين وندرس الخطتين معاً، أي ما يحتاج إلى الشدة والصرامة وما تقضي به العادة وأن نتبع الخطة التقليدية في أمر الذين لم يصلوا بعد لما هو أسمى كما يعلّمنا القديس باسيليوس (“مجموعة الشرع الكنسيمنشورات النور 1985، ص. 610-611)

3- تحليل القانون رقم 102

إن قراءة نص القانون لا تدع مجالاً لأي تفسير أو تأويل آخر، ولكنها تظهر الخاصية العلاجية للقوانين المقدسة ورسالة الكنيسة الرعائية الممتدة. إلا أننا سنتناول بضع عبارات من القانون تحت عناوين متعددة لكي نتمكن من الدخول بصورة أعمق إلى روحالقانون ورسالة الشفاء الرعائية التي يمارسها الإكليروس.

الإكليروس الذين يستعملون القوانين

يستعمل الأساقفة القوانين من أجل وحدة الكنيسة، ويستعملها الكهنة من أجل تعافي أعضاء الكنيسة المرضى بسماح من الأساقفة. العبارات التالية هي عبارات معبرة: “أولئك الذين تلقوا من الله سلطان الحل والربط….”، الذين ائتـُمنوا على السلطان الرسولي…”، المعالج…من الواضح من هذه العبارات أن الأساقفة هم خلفاء الرسل القديسين ولهم سلطان غفران الخطايا، ولكن هذا السلطان مرتبط بالرسالة الرعائية. هذا هو السبب الذي يعطيهم صفة المعالجين.

الخطيئة

لا تُفهَم الخطيئة في التقليد الأرثوذكسي على أنها مجرد تعدٍ أو عصيان، ولكن على أنها مرض. بالطبع عصى آدم وحواء وصية الله في الجنة وأخطئا، إلا أن هذا كان له نتائج روحية على كل الجنس البشري أيضاً. من أجل ذلك يقول بولس الرسول: “الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله“(رو23:3). بانفصال الإنسان عن الله حُرِم من رؤية مجد الله ونوره، وهذا مرض روحي.

بحسب القانون المقدس الذي ندرسه، تُرى الخطية على أنها مرض، وجرح في النفس، واضطراب“. ويوصف الخاطئ على أنه شخص مريض“. تُستَعمَل هنا المصطلحات الطبية.

يشتمل القانون على عبارة معبرة جداً: ” لأن مرض الخطية ليس بسيطاً، ولكنه متنوع ومتعدد ومنه تنبت العديد من الفروع الضارة التي منها ينتشر الشر ويتمدد“.

الشفاء

حقيقة اعتبار الخطية مرضاً تعني أن الشفاء مطلوب. يتأتى ذلك بواسطة المعالج الروحي من خلال استعمال القوانين المقدسة ومن خلال مجمَل حياة الكنيسة.

إننا نجد العبارات التالية في القانون المقدس: ” وأن يعطوا العلاج المناسب للمرض، أن يرى إن كان يميل للصحة“. تٌظهر هاتان العبارتان أن الرسالة الرعائية مرتبطة بشفاء الناس ومتوحدة معها.

الهدف من الشفاء

لا يهدف المنهج الكنيسة العلاجي بجملته إلى مجرد جعل الناس في اتزان أخلاقي واجتماعي، ولكن إلى استعادة علاقتهم بالله وببعضهم البعض. يتأتى ذلك من خلال تعافي جراح النفس وشفاء الأهواء. العبارات التالية مميزة: “.. إلى أن يتم كبحه بسلطان المعالج، هو عودة الخروف الضال وشفاؤه إن كان قد جُرِح من قِبـَل الحية، أن يقاوم هذا المرض وأن يجاهد لكي يشفي الجرح“.

تستعمل كل هذه العبارات مصطلحات وصياغات طبية. هدف العلاج هو خلاص الإنسان واشتراكه في مجد الله. يتضح هذا من العبارات التالية: ” لئلا يفشلوا من جهة خلاص الشخص المريض، فيقود بحكمة الإنسان المدعو للمجد السماوي “. فالناس مدعوونللمجد السماوي“.

الفحص والتشخيص

لكي يتمكن الطبيب المعتني بالجسد من علاج شخص مريض ينبغي عليه أن يفحص المريض جيداً ويشخّص مرضه حسناً، هكذا ينبغي أيضاً على الطبيب الروحي أن يفعل الشيء نفسه. فالتشخيص الصحيح ضروري لكي يتأتى الشفاء الروحي، مما يعني أنه ينبغي على الأب الروحي أن يفحص بعناية نوعية الخطيئة وإرادة التوبة لدى الخاطئ.

أن يراعوا نوعية الخطيئة واستعداد الخاطئ للتوبة، ولذلك فعلى كل مَن يتعاطى وظيفة الطبيب الروحي أن يأخذ بعين الاعتبار استعداد الواقع في الخطيئة وموقفه وأن يتحقق من مقدار قبوله للشفاء أو إذا كان سلوكه الشخصي قد أدّى إلى استيلاء الداء على نفسه، فاحصاً دوماً ثمار توبة الخاطئ

طريقة الشفاء

ينبغي على الطبيب الروحي أن يتبع الطريقة التي يستعملها الأطباء المعالجون للجسد طالما أن الشفاء يُدعَى الطب الروحي لأنه يتأتى بواسطة الروح القدس. فالطريقة المناسبة لكل حالة طريقة علمية. “على الذي يمارس علم الطب الروحي“. يحتاج كل شخص لطريقة الشفاء الأنسب، لأن العلاج غير الملائم (الزائد) قد يكون ضاراً. ” وأن يعطوا العلاج المناسب للمرض، لئلا يفشلوا من جهة خلاص الشخص المريض إذا استعملوا طرقاً غير مناسبة للحالة“. يتطلب الشفاء الروحي أدوية روحية أيضاً، والتي ينبغي أن تُعطَى بالطريقة الملائمة وبمقياس اللطف المناسب.

وإن كان جرح النفس يتفاقم باستعمال الأدوية الموضوعة عليه. من ثم فليمنح الأب الروحي الرحمة بحسب ما هو مناسب“. مثلما يستعمل الطبيب المعالج للجسد أنواعاً عديدة من الأدوية سواء كانت مرة أم معتدلة، هكذا يفعل أيضاً الطبيب الروحي الحاذق. فهو يعطي العقاقير المناسبة لشفاء كل شخص، لأنه لو أعطى نفس الأدوية للجميع فإنه يتسبب في الأذى.

لكن ينبغي عليه، بطريقة أو بأخرى، سواء باستعمال الأدوية الأكثر شدة وصرامة أو الأدوية الملطفة والأقل حدة، أن يقاوم هذا المرض وأن يجاهد لكي يشفي الجرح“.

إنه أمر مهم بالنسبة للشخص المريض روحياً والذي هو تحت إرشاد طبيبه الروحي ألا يسقط في اليأس أو ينتهي به المطاف في حالة من العصيان. ” ولا ينبغي عليه أبداً أن يلقيه في هوة اليأس، ولا أن يرخي العنان كثيراً حتى يبدأ في العيش في انحلال وعصيان“.

يحتاج كل شخص مريض روحياً إلى طريقة خاصة، بالإضافة للطريقة العامة المرتبطة بأسرار كنيستنا ونسكها. وبصورة رئيسية تُستعمَل الصرامة أحياناً، وفي أحيان أخرى الليونة. تشتمل العبارات المعبرة على: “ينبغي علينا أن نعرف الطريقتين، ما يلائم الصرامة وما يلائم العُرف“.

يذكرنا هذا القانون بكلمات القديس باسيليوس الكبير أنه ينبغي استعمال الليونة مع أولئك الذين لا يقبلون الصرامة.

وأن نتبع العُرف في حالة أولئك الذين لم يقبلوا التفسير الأسمى في الصورة التي أُعطي بها“.

من الواضح أنه لو لم يمارس المرء العمل الرعائي بصورة جيدة فإنه يتسبب بالضرر. “على العكس يجعل المرض أردأ بواسطة سلوكه الخاص“.

من الواضح بشكل مطلق أن روحهذا القانون، الذي هو أساس كل القوانين المقدسة، هو أولاً وقبل كل شيء علاجي. فالأسقف أو الكاهن هو طبيب روحي يشفي أمراض الناس بنعمة الروح القدس، ويقودهم للمجد السماوي بواسطة التوبة. إن الأبوة الروحية هي علم روحي كامل.

الألم في تدبير الله

الألم في تدبير الله

اﻷرشمندريت توما بيطار

في ذلك الزّمان، دنا إلى يسوع رئيس، وسجد له قائلاً: إنّ ابنتي قد ماتت الآن. لكن، هلمّ فضع يدك عليها، فتحيا“. السّؤال الّذي يتبادر إلى الذّهن، يا إخوة، هو: هل كان هذا الرّئيس ليدنو إلى يسوع، لو لم يكن متألِّمًا؟!

أوّلاً، ربّما لا تعلمون أنّ المقصود بالرّئيس هو رئيس المجمع. في إسرائيل، كانت هناك بيوت تُعرَف بالمجامع؛ وكان على كلّ مجمع رئيس وخادم. وكان النّاس يتردّدون إلى هذه المجامع، ليسمعوا قراءات من الكتاب المقدّس؛ وكذلك، ليسمعوا كلمات نصح، أو وعظ. إذًا، الرّئيس كان إنسانًا معتبَرًا، في قومه. لا أظنّ أنّ هذا الرّئيس كان ليأتي إلى يسوع، لو لم تكن لديه مشكلة، لو لم يكن لديه همّ، لو لم يكن متألِّمًا. بعد السّقوط، صار الإنسان، بكلّ أسف، لا يطلب الله، إلاّ متى شعر بضعفه وعجزه، متى كان متألِّمًا، متى كان في ضيق، متى واجه مشكلة صعبة. في الأحوال العاديّة، حين يكون الإنسان متمتِّعًا بقواه الجسديّة والنّفسيّة، حين تكون أموره ميسَّرَة، حين يكون أهل بيته في حال جيّدة، في صحّة جيّدة؛ فإنّه قليلاً ما يفعل ما فعله أيّوب في زمانه. حين كانت أمور أيّوب على خير ما يُرام، من جهة أولاده، من جهة صحّته هو وجميع أهل بيته، من جهة مقتنياته؛ فإنّه كان يقدّم، كلّ يوم، صلاة خاصّة، وذبائح خاصّة تكفيرًا عن الخطايا الّتي كان يمكن أن يكون أهل بيته قد ارتكبوها. قلّة عزيزة من النّاس تفعل ذلك، بعد السّقوط. بعد السّقوط، الإنسان أصبح يدور حول نفسه؛ فمتى تعثّر أمر من أموره، وما أمكنه أن يعالجه بطرقه الخاصّة؛ ذهب إلى بيت الله، ليستجير به!

إذًا، بمعنًى من المعاني، الضّيقات والآلام، بعد السّقوط، لها قصد حسن في تدبير الله. تـِبعًا لذلك، لا يمكننا أن نقول إنّ الآلام، الّتي تحدث لنا، أو يمكن أن تحدث لنا، هي شرّ. على العكس، فقد يكون فيها الكثير من الخير. الإنسان يحتاج إلى أن يشعر بضعفه، إلى أن يشعر بقصوره؛ وإلاّ صعب جدًّا عليه أن يأتي إلى الله. ثمّ إنّ الآلام والضّيقات تُلَيِّنُ النّفوس، الّتي أصبحت، بعد السّقوط، صلدةً، قاسيةً، تحتاج إلى المتاعب والمصاعب لكي تلين، ولكي تكون للإنسان فرصة أن يتّضع؛ إذ ما دام الإنسان ممتلـِئًا من ذاته، فمستحيل عليه أن يُفسح في المجال ليكون للرّبّ الإله موضع في نفسه. لهذا السّبب، المصائب الّتي تداهمنا، أو الآلام الّتي تكدّنا تعيننا على تواضع القلب. وتواضع القلب يشدّنا إلى الله، يأتي بنا إلى الرّبّ الإله.

إذًا، هذا الرّئيس جاء إلى يسوع، لأنّه كان متألِّمًا. وكيف تصرّف؟! سجد للرّبّ يسوع! هل كان مثل هذا العمل مألوفًا، في إسرائيل؟! أي أن يسجد إنسان معتَبَرٌ في قومه لأحد معلّمي إسرائيل؟! لا نعرف، تمامًا، ما إذا كانت هذه العادة منتشرة، في ذلك الزّمان، أم لا. وتعلمون القول للرّبّ إلهك تسجد، وإيّاه وحده تعبد” (لو4: 8). اليهود، بعامّة، كانوا يدركون أنّ السّجود هو لله. إذًا، هذا الرّئيس، بقوّة الألم الّذي كان يعتمل في قلبه، جاء فسجد ليسوع ، وقال له: “إنّ ابنتي قد ماتت الآن“. إذًا، هو جاء لتوّه، جاء حالاً! كان يحاول وِسْعَهُ لكي ينقذ ابنته، بالطّرق الّتي كانت معروفة، في ذلك الزّمان؛ بالأدوية الّتي كانت متداولَة، في تلك الأيّام. لكن، لمّا ماتت ابنته، أدرك أنّ كلّ ما فعله لم تكن له فائدة. واللاّفت، هنا، أنّ هذا الرّئيس جاء إلى يسوع، بعد أن ماتت ابنته! الإنسان، بصورة عاديّة، يأتي إلى الطّبيب، حين يكون مريضًا. أمّا حين يكون أحد أحبّائه قد مات، فإنّه لا يأتي إلى الطّبيب؛ لأنّه يدرك أنّ عمل الطّبّ بات غير نافع. لكنّ هذا الإنسان جاء إلى يسوع، بعد أن ماتت ابنته! هذا العمل، في حدّ ذاته، له دلالاته، بلا شكّ. لعلّ هذا الإنسان سمع أنّ يسوع أقام أحد الموتى. ونحن نعلم أنّ الرّبّ يسوع أقام عدّة موتى، بعد موتهم. لكن، لو لم يكن عند هذا الرّئيس الاستعداد الكافي لأن يصدّق ويؤمن؛ لَما كان قد جاء إلى يسوع، بعد أن ماتت ابنته. النّاس، بعامّة، ربّما مالوا إلى القول: “هذا الّذي يتحدّث عنه النّاس ليس بصحيح، إذ ليس مألوفًا أن يقيم أحد ميتًا من موته! وإذا كان هذا الإنسان رئيسًا، فهذا معناه، وفق ترتيب تلك الأيّام، أنّه كان إنسانًا مثقَّفًا بالثّقافة الكتابيّة. إذًا، كان إنسانًا عقليًّا، بمعنًى من المعاني. كان يقرأ الكتب، ويفكّر، لا كغيره من القوم البسطاء. ومع ذلك، جاء إلى يسوع! هذا يدلّ، في الحقيقة، على أنّ هذا الرّئيس كان ذا قلب نقيٍّ؛ ومن ثمّ، كان على استعداد لأن يؤمن. والرّبّ الإله سمح بأن تصيبه آلام، وسمح بأن تموت ابنته، وكأنّ يسوع، بمعنًى من المعاني، يقول: “هذا الموت هو لمجد الله“.

إذًا، هذا الرّئيس جاء إلى يسوع، وقال له: “هلمّ فضع يدك عليها، فتحيا“! لم يقل له: “هلمّ فضع يدك عليها، فربّما تحيا“! كان يتكلّم كلام ثقة! كان على يقين! من أين يأتي الإنسان بهذا اليقين؟! لماذا ليس عند الأكثرين، اليوم، اليقين بأنّ مَن يؤمن يستجيب الرّبُّ الإله له، ويستجيب سريعًا؟! لا شكّ في أنّ للإيمان وجهين: له وجه بشريّ، وله وجه إلهيّ، أيضًا. الوجه البشريّ يتمثّل في نقاوة قلب الإنسان، واستقامة سيرته، ورحمته للنّاس، ورأفته بهم. وهذه كلّها زرعها الرّبّ الإله في كلّ إنسان، بالنّاموس الطّبيعيّ. لكنّ النّاموس الطّبيعيّ، عند أكثر النّاس، فسد، أو يفسد. أمّا عند هذا الرّئيس، فيبدو أنّ النّاموس الطّبيعيّ لم يكن منثلمًا، لم يكن مجرَّحًا. لهذا السّبب، استبان إنسانًا قويم القلب. هذا هو الجانب البشريّ من الإيمان. إذا كان الإنسان قويم القلب، فإنّ نعمةً من عند الله تستقرّ في قلبه: “القلب الخاشع المتواضع لا يرذله الله” (مز50: 17). يُسَرّ الرّبّ الإله بالسّكنى فيه، بالاستقرار فيه، بالنّعمة الإلهيّة. لذا، كما يبدو، استبان هذا الرّئيس مؤمنًا بالرّبّ يسوع؛ فقام يسوع وتبعه“. تبعه فورًا؛ لأنّه إنسان مؤمن، يتكلّم كمؤمن، يتصرّف كمؤمن؛ والرّبّ، علاّم القلوب، يعرف أنّه إنسان مؤمن! “فقام وتبعه هو وتلاميذه“!

بعد ذلك، تأتي الرّواية الثّانية، لتقطع الرّواية الأولى: المرأة الّتي بها نزف دم منذ اثنتي عشرة سنة، دنت من خلفه، ومسّت طرف ثوبه، لأنّها قالت في نفسها: إن مسستُ ثوبه، فقط، برئتُ“. الحالتان متشابهتان. الرّئيس أتى من ألم؛ والمرأة النّازفة الدّم أتت من ألم، أيضًا! الرّئيس يبدو أنّه عانى الكثير؛ والمرأة النّازفة الدّم عانت، أيضًا، طويلاً! الرّئيس تكلّم بثقة، وطلب إلى الرّبّ الإله أن يعيد ابنته إلى الحياة بيقين؛ والمرأة، أيضًا، قالت ما قالته بثقة ويقين! “إن مسستُ ثوبه، فقط، برئتُ! فالتفت يسوع فرآها“. الرّبّ يسوع، في قرارة نفسه، كان ملتفتًا إليها، لأنّها كانت مؤمنة؛ لكنّه، هنا، التفت إليها بالجسد، ورآها. ومعاينة الله تحيي، وتشفي. لهذا السّبب، ثبّتها الرّبّ يسوع في إيمانها: “ثقي، يا ابنة، إيمانك أبرأك! فبرئت المرأة، منذ تلك السّاعة“.

ثمّ يستكمل النّصّ الحادثة الأولى، بشأن الرّئيس وابنته الميتة. “جاء يسوع إلى بيت الرّئيس، فرأى الزّمّارين والجمع يضجّون، فقال: تنحّوا! إنّ الصّبيّة لم تمت، لكنّها نائمة“. قال إنّها لم تمت! لكنّها ماتت! لماذا قال ذلك؟! الرّبّ يسوع قال للمرأة النّازفة الدّم: “إيمانك أبرأكِ“. بكلام آخر، قبل أن تأتي إلى يسوع لتمسّ طرف ثوبه، كانت كلّ عناصر البُرْء متوفِّرة لديها، لأنّها كانت مؤمنة. هنا، الصّبيّة لم تمت، لأنّ الرّئيس أباها كان مؤمنًا؛ ومن ثمّ، كلّ عناصر الحياة كانت متوفِّرة في هذه الصّبيّة الميتة. الصّبيّة لم تمت! قبل أن أقامها الرّبّ يسوع، قال عنها إنّها لم تمت! الرّبّ يسوع، هنا، يفعل بالإيمان، بإيمان النّاس، قبل أن يفعل بالكلمة الّتي ينطق بها، وقبل أن يقيم الإنسان بالجسد، وقبل أن يشفيه بالجسد.

إذًا، هذا يدلّ على أنّ الرّبّ يسوع حاضر ما دام الإيمان في القلب حاضرًا. إذا كان الإنسان مؤمنًا، فهذا يكون دليلاً على أنّ الرّبّ يسوع حاضر في حياته، بصورة خفيّة. “لم تمت، ولكنّها نائمة“. هذا النّوم، طبعًا، ليس نومًا كما نعرف نحن النّوم. ولا يمكننا، أبدًا، أن نصف موت هذه الابنة بأنّه بمثابة نوم. لو كان الأمر كذلك، لَما قال: “لم تمت“! لكن، يبدو أنّ الإنسان، بالإيمان، يوجَد في حالة يتخطّى فيها معايير البشر ومفاهيمهم؛ يكون حيًّا عند الله، ولو كان ميتًا عند النّاس! يكون صحيحًا من عـِلَلـِه عند الله، ولو كان سقيمًا ومريضًا عند النّاس! وما فعله يسوع ليس إلاّ من باب تأكيد هذا الأمر. “فضحكوا عليه. فلمّا أُخرج الجمع، دخل [يسوع]، وأمسك بيدها“. أمسك بيدها، ولم يقل لها شيئًا! كان، قبل ذلك، قد أمسك بروحها؛ والآن، أمسك بيدها؛ ليعطي النّاس فرصةً أن يعاينوا كما عاين هو، وكما يعاين هو! أمسك بيدها، من دون أن يقول لها كلمة! لم يقل لها: “قومي، لأنّها كانت قد قامت لديه! “فقامت الجارية؛ فذاع هذا الخبر في تلك الأرض كلّها“.

الرّبّ الإله كان يفعل ما يفعله، في الحقيقة، من أجلنا. المهمّ أن نعرف أنّ كلّ شيء لنا؛ وأمّا نحن، فللمسيح.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول متّى9: 18- 26ا في السّبت 23 تمّوز 2011

الغاية من وجود الإنسان- 1

الغاية من وجود الإنسان– 1

من قناع الشخصية الاجتماعية المعاصرة إلى الشخص في المسيح

عند القدّيس غريغوريوس بالاماس

الشيخ أفرام الفاتوبيذي

نقلتها إلى العربية رولا الحاج

تنقيح راهبات دير سيدة كفتون

إنّ لاهوت الشخص، كما تمّ كشفه في التقليد النسكيّ الهدوئيّ، هو أهمّ برهان يناقض الفرديّة ونسبيّة القيَم في المجتمع المعاصر. ليست الطريقة النسكيّة الّتي تعتمد الدخول في الذات والهدوئيّة (hesychia) ضربًا من العلاجات النفسانيّة، بل هي الطريقة الأصيلة الوحيدة لتحويل القناع المَقيت إلى شخص.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ لاهوت القرن الحادي والعشرين سوف يتميّز باهتمامه بعلم الإنسان (الأنثروبولوجيا)1. فإن كنّا اليوم مقصّرين في تقصّي الحقائق الأنثروبولوجيّة بالنّسبة إلى علم اللاهوت، ماذا نقول عن ميادين الفلسفة، والفكر والعلوم الإجتماعيّة والإنسانيّة.

إنّ أعضاء المجتمع المعاصر اليوم يجهلون ما هو الشخص. ما يعيشونه ويبرزونه هو قناع الشخصيّة الاجتماعيّة persona . ما هو القناع؟ إنه وجه مستعار استخدمه الممثّلون في حضارة الإغريق ليتمكّنوا من أداء أدوارٍ عدّة شخصيّاتعلى المسرح. إذًا، ليس هذا القناع حقيقيًّا بل مصطنعًا، إنّه حقيقة وهميّة، إن أردنا استخدام مصطلح تقنيّ حديث. علينا أن ننزع هذا القناع الزائف ونستبدله بالوجه الحقيقيّ الذي هو في هذه الحالة الشخص person.

لم يُعطِ آباء الكنيسة تعريفًا للشخص. ولكنّهم استخدموا هذا المصطلح للإشارة إلى عظمة الإنسان وقيمته الكبيرة. يكتب باسيليوس الكبير أنّ الأشخاص هم الحيوانات الوحيدة الّتي من صنع الله2. ويقول القدّيس غريغوريوس اللاهوتيّ إنّ الله صنع مخلوقًاالإنسان هو مزيج الطبيعة المنظورة وغير المنظورة، وهو عالَم آخَر بحدّ ذاته، مصغّر عن الكون العظيم3. ويشدّد القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم على أنّ الشخص هو أفضل ما أتقن الله من المخلوقات الحيّة4.

إنّ البشر هم ذروة الخليقة، والتوق نحو الكمال فطريّ لديهم. يمكن ملاحظة هذا الأمر خلال القيام بأيّ نشاط أكاديميّ، أو فنّ، أو مهنة. يحاول الناس، بقدر ما يستطيعون، أن يبلغوا الكمال حتّى في أنشطتهم اليوميّة. وهذا الأمر دليل على القدرة التي منحنا الله إيّاها من أجل كمالنا الشخصيّ واكتمال كياننا النفسيّ الجسديّ.

في العالم المخلوق، ليس أسمى منّا نحن البشر. “فأدنى مراتب المخلوقات، رغم بعض الملَكات العقليّة لديها، لا تملك هدفًا مستقلاًّ، بل إنّ الغاية منها التمهيد المادّيّ لوجود الجنس البشريّ. أمّا البشر فيتوقون إلى حقيقة شخصيّة غير محدودة (الله) تسمو عليهم ويمكنها أن تغذّيهم إلى ما لا نهاية. إنّها حقيقة لا يمكنهم امتلاكها، لأنّ قدرتهم محدودة، ولكنّهم لن يذوبوا فيها5. إن هذا الإله الشخصيّ هو الذي يمنح وجودنا معنًى وهدفًا. وتستطيع طبيعتنا البشريّة، بأقانيمها (أشخاصها) التي لا تعدّ ولا تحصى، التواصل وأشخاص الثالوث القدوس المتمايزة والمتبادلة داخليًّا من خلال القوى الإلهيّة.

بالتوافق والآباء القدّيسين، لا يعطينا الشيخ الراحل صوفروني تعريفًا معيّنًا للشخص، إنّما الأهمّ في لاهوته النسكيّ هو تأكيد وجود الشخص، ممّا يقوده إلى وصف قدراته. الحقّ إنّه لا يمكن تعريف الشخص، ولكن يمكن تحديد ميزاته، بشكل حيويٍّ وجوديٍّ، من خلال قواه الظاهرة6. يَظهر الشخص الكامن في إِنْسَانَ الْقَلْبِ الْخَفِيَّ7 عندما يكتشف هذا الكائن، بنعمة الله، ميدان القلب، أي جوهر كياننا.

وللقدّيس غريغوريوس بالاماس كلامٌ مهمٌّ هو محور هذا المقال: عندما يبتعد الذهن، أي العقل الأعلى، عن سائر الأمور المرئيّة من خلال ممارسة النسك الأرثوذكسيّ، ويرتفع فوق الإضطرابات الناجمة عن الإهتمام بالأمور الماديّة، ويراقب بالأحرى الكيان الداخليّ، حينئذٍ يرى القناع المقيت. هذا القناع الشنيع ينتج عن التعلّق بالشؤون الدنيويّة بدافع الأهواء، ويغتذي من الخطيئة ويتضخّم بها. إذًا، يسارع الذهن إلى تنقية هذا القناع بالنوح والتوبة، ساعيًا إلى إزالة القناع القبيح بالنسك وحفظ وصايا الله. ويتابع القدّيس غريغوريوس قائلاً إنّ الروح لا تعود تتشتّت بفعل تنوّع الخطيئة، فتكتشف سلام قواها النفسيّة وتناغُمَ العقل والهدوء الداخليّ الحقيقيّ، وبالتالي تتمكّن من معرفة الله ومعرفة ذاتها أكثر8. ثمّ يتحوّل القناع المَقيتإلى وجهٍ، والشخصيّة الاجتماعيّة إلى شخص، على صورة شخص المسيح، المتأنس، الحقيقيّ والأزليّ، ووجهه.

1 See Metropolitan Kallistos of Diokleia, Orthodox Theology in the 21st Century. Athens, Indiktos Publications, 2005.
2 Basil the Great, On Fasting, Discourse 2, PG 31, 212B.
3 See Saint Gregory the Theologian, On Theophany, Discourse 38, PG 36, 321D-324A.
4 Saint John Chrysostom, On Dives and LazarusPG 48, 1029
5 Protopresbyter Dum. Staniloae, Ο Θεός ο κόσμος και ο άνθρωπος, Athens 1990, pp. 30-31 and 35.
6 See Fr. Nicholas Sakharov, I Love, Therefore I Am: The Theological Legacy of Archimandrite Sophrony, St Vladimir’s Seminary Press, Jan 1, 2003.
7 1 بطرس 3، 4.
8 See Saint Gregory Palamas, On the Life of Saint Peter the Athonite.

الغاية من وجود الإنسان- 2

الغاية من وجود الإنسان– 2

من قناع الشخصية الاجتماعية المعاصرة إلى الشخص في المسيح عند القدّيس غريغوريوس بالاماس

الشيخ أفرام الفاتوبيذي

نقلتها إلى العربية رولا الحاج

تنقيح راهبات دير سيدة كفتون

الإنسان المعاصر وشخصيّته الإجتماعيّة

مهما تتغيّر الأزمنة سياسيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا، يبقى الناس في الجوهر على حالهم، وتبقى صورة الله فيهم متعذّر محوها وقد غلب عليها القتام. بعد سقوط آدم وحوّاء، أمسَت الخطيئة والأهواء الشرّيرة قيد المحاربة أو مسيطِرة على الانسان، وفقًا لحالة الناس بين متيقّظٍ محارب أو خاضع لغوايتها مسرع إلى إرضائها مشجّع لها. وأعني بهذه الأهواء حبّ اللذة، والمجون، والغرور، والكبرياء، والكراهية، والحقد، والغضب، والإنفعال، والإدانة، والطمع، والجشع، والشراهة، والنفاق. ومع ذلك، لم نلقَ في أيّ وقت من الأوقات قبولاً اجتماعيًّا وتشريعًا للخطيئة كما هو الحال في أيّامنا هذه.

لعلّ أهمّ إنعكاس للظروف الماضية هو ظهور الفرد. للمرّة الأولى في التاريخ، اكتسب الأفراد قيمتهم الخاصّة، وحقّهم الخاصّ بالوجود، واستقلالهم الخاصّ. وللمرّة الأولى، بلغوا هذا القدر من الأهميّة والشأن بحيث تفوّقوا على الجماعة، وعلى المجموع العامّ من المؤسّسات الوراثيّة والقيم الجماعيّة الثقافيّة، وبالطبع على الكنيسة1. كثيرون يدّعون أننا نعيش في مجتمع معاصر يتميّز بالتفكّك والتخمة ونسبيّة القيَم وغياب التعقّل ورفض الحياة الاجتماعيّة والرغبة المتشائمة في انتهاء التاريخ والعالم، بصرف النظر عن استقلاليّة الفرد الموروثة من روح الحداثة. كان الشعار الأساسيّ للحداثة جملة نيتشه المعروفة الله مات“. ومع أننا قد نشهد عودة إلى اللهفي الحقبة المعاصرة، كما نشهد تجديدًا للعواطف الدينيّة وإحياءً لها، إلاّ أنّ شعارات مثل عليك أن تتمتّعوكلّ شيء مسموحهي التي تهيمن وتسود. ويظهر من خلال الأنظمة التوفيقيّة في الفلسفة والسياسة أوعلم الاجتماع والدين في أيّامنا أنّ الناس مجرّد وحدات بيولوجيّة لا أكثر. ففي هذه الحقبة وهذا والمجتمع المعاصر، يقتدي الناس بالنجم الإعلاميّ والممثّل، بينما كان العالِم هو القدوة في العصر الحديث، والقدّيس في العصور التقليديّة. كان محور جاذبيّة الإنسان في العصور التقليديّة الروح، وفي العصر الحديث والعقل ، وفي أيّامنا هذه الجسد. اليوم، يريد الإنسان المعاصر أن يكتسب المعلومات، بينما طلبَ الإنسان الحديث المعرفة، والإنسان التقليديّ الحكمة.

إنّ أخلاقيّات علم الأحياء الخاضعة للعولمة في أيّامنا والمعبّرة عن تنوّع غير أخلاقيّ معاصر هي من عمل أشخاص يعطون الصلاحيّات لأنفسهم، وهم فارغون، منغلقون بإحكام في غرورهم، عاشقون للمتعة ومتشائمون. ورغم دهائهم، فهم لا يعرفون ما هو الشخص، فلا استغلّوا إمكاناتهم الحقيقيّة التي تتجاوز إلى حدّ بعيد حدود الحياة على الأرض، ولا اكتشفوا الأبعاد الأبديّة التي تخصّنا وجوديًّا نحن البشر. لذا نلحظ من خلال هذه المقارنات الموجزة أنّ الناس اليوم في تخلُّف، وقد استخفّوا بقيمة حياتهم ومعناها. بكلام آخر، لقد اكتسب الناس اليوم قناعًا وهويّة شخصيّة اجتماعيّة شَرِسَين كلّ الشراسة. وإنّما التخلّص من هذا القناع وتحويله إلى وجه بشريّ يتطلّب جهادًا مريرًا.

وعلى الرغم من أنّ المسيحيّين الأرثوذكسيّين هم غُرَبَاءَ وَنُزَلاَءَ2 في هذا العالم، حتّى ولو أنّ سِيرَتَهُم هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ3، فما زالوا يحيَون في العالم على مرّ التاريخ. لا يمكنهم أن يسخروا ممّا يحصل في المجالات السياسيّة والإجتماعيّة والثقافيّة، على النطاق العالميّ، لأنّ هذه الأمور كلّها تؤثّر على حياتهم. لهذا نرى أنّ الناس المستعبَدين للأهواء والمشوَّشين إزاء معنى الحياة في هذه الأيّام بحاجة أمسّ من قبل إلى التّحرّر من هذه الحالة الشاذّة والمقزّزة والهائجة.

التشديد على الشخص في التقليد الهدوئيّ النسكيّ

إنّ العلاج الموصوف من أجل استتباب حالتنا الطبيعيّة، حيث نستعيد ذلك الجمال الأوّل والبعيد المنال4، يكمن فيالخبرة الهدوئيّةالتي يشير إليها القدّيس غريغوريوس بالاماس كـفنّ الفنون5. وتُدعى طريقة العيش بهدوء هذه هدوئيّة، hesychasmفي مصطلح الآباء. ليست الهدوئيّة نزعة لاهوتيّة ظهرت في القرن الرابع عشر، مُتّخِذَةً القدّيس غريغوريوس بالاماس نصيرها الأساسيّ، بل هي الطريق التقليديّة للتّأله والقداسة6. تُحسَب الهدوئيّة جوهر التقليد الأرثوذكسيّ، وهو التقليد الذي يصون خبرة الروح القدس واستمراريّة العنصرة. فهذه الأخيرة تتوسّع تحت إشراف التقليد، ولكن تُعيقُها الشكليّات والمبادئ المحافظة عند مَن لا يعرفها.

ليس الرهبان والّذين ابتعدوا عن العالم وحدهم يَعيشون الهدوئيّة. فالهدوئيّة هي حالة داخليّة، إنها سكنى متواصلة في الله ونقاوة الذهن“. الهدوئيّة هي الطريقة لظهور عالم القلب، أي مركز وجودنا الذي يمكن تسميته الشخصَفينا. إنّها الطريقة الوحيدة التي تمكّن الناس أن يولَدوا روحيًّا من جديد، بحيث يبرز أقنومهم الشخصيّ. فمن دون هذا التدريب الهدوئيّ، لا معنى لعيش أسرار الكنيسة، لأنّه يمكن أن يقود إلى الهلاك بمقدار ما يؤول إلى الخلاص.

على الناس أن يتخلّصوا من الشخصيّة الاجتماعيّة اللابسة قناع الأهواء، ويصبحوا أشخاصًا ذات وجهٍ بشريّ. ويجب أن تصبح تنقية القلب من الأهواء أولويّتهم في الحياة. في هذا الجهاد، يجب ألاّ يحاولوا التزام مناقب خارجيّة، بل عليهم خوض الصراع بطريقة تتمحور حول المسيح، مركّزين أفكارهم عليه. فإذ يتطعّمون في جسد المسيح، أي الكنيسة، لا سيّما من خلال أسرار المعموديّة والإعتراف والإفخاريستيّا، يصبحون أقنومًا كنسيًّا7 عمليًّا لم يصيروا أشخاصًا بعد ويخوضون عمل التوبة بكلّ ما فيهم من إرادة. يشير القدّيس غريغوريوس بالاماس إلى أنّ التهيئة للتوبة والبدء بها هو اللوم الذاتيّ والإعتراف وتجنب الشّر8. ولتكتمل التوبة، يجب أن تجتمع هذه العناصر الثلاثة. إذا صلّى الناس بانسحاق ولوم ذاتيّ أمام الله ووعدوا بالامتناع عن الخطيئة، من غير أن يمارسوا سرّ الاعتراف، فتوبتهم وجهادهم باطلان. يشير القدّيس غريغوريوس إلى أنّ: “الّذين يخطئون أمام الله، مهما يمتنعوا بعد ذلك عن الخطيئة، ويوازوها بأعمال توبة، لا يشعروا بالمغفرة في نفوسهم إلاّ إذا قصدوا أحد الّذين أعطاهم الله سلطة لمغفرة الخطايا ونالوا منه الغفران9. بهذه الطريقة، يخوضون جهادًا شرعيًّاوينتبهون إلى عدم تعزيز الأهواء عبر الخطايا الإراديّة أو الاستسلام للأفكار الشرّيرة، لأنّ الأهواء حركة غير طبيعيّة من حركات الروح. وعندما لا تعمل طاقات الروح، أي الرغبة والعاطفة والعقل، بشكل طبيعيّ بل بخلاف الطبيعة، تنمو الأهواء الموافقة لها. وتتمّ التنقية من هذه الأهواء بواسطة التمرّس على الفضائل المناسبة، ووفقًا لبالاماس، يبدأ الشفاء من الرغبة10. إذًا نضع حدودًا للرغبات بدلاً من الإستسلام للملذّات والجشع، ونطبّق المحبّة على مشاعرنا بدلاً من الخبث والغضب، واليقظة والصلاة على العقل بدلاً من قلّة الإنتباه والجهل11.

تنقية الأهواء من خلال الصلاة القلبيّة

يغذّي المؤمنون طاقتهم العقليّة بصلاة يسوع: “أيّها الربّ يسوع المسيح، إرحمني“. عندما يتعاقب اسم المسيح في ذهن المؤمن، يزوّدهم باستنارة إلهيّة فيميّزون الأفكار التي تحرّض على الخطيئة الطوعيّة ويكونون قادرين على قتلها منذ الولادة12، أي قبل أن تتخذ شكل صورٍ محرّضة. ذلك أنّ الأهواء، ما لم يتمّ تفعيلها، تموت تدريجيًّا بمؤازرة النعمة الإلهيّة، أو تتحوّل كما شرح بالاماس. عندما تبدأ عمليّة إماتة الأهواء أو تحوّلها، يؤول المؤمنون إلى حالة التأمّل، وهناك، عند عرش النعمة، أي القلب13، يكتشفون قوّة أخرى كامنة فيهم، قوّة المعرفة المباشرة14. ثمّ يحدث اتّحاد العقل بالقلب. ولعلّ ذهننا هو الموضوع الرئيسيّ في الأنثروبولوجيا النسكيّة، كما أنّ تمييزه هو الأصعب بالنسبة لغير الروحانيّين، أي الدنيويّن15. كثيرون من الآباء يحيطون الذهن بالوصف، ويحسبونه عمومًا قوّة الروح أو عينها. إلاّ أنّ القدّيس بالاماس يعرّف عن الذهن وعن وظائفه بطريقة فريدة دقيقة تكشف المكنونات، حيث إنّه يرى الذهنَ كمادّة مكتفئة ذاتيًّا وناشطة جدًّا16. والذهن يقصّر في وظيفته الأساسيّة وتذهب قيمتُه عندما ينحدّ بوظيفة الإدراك العقليّ، نتيجة الروح الدنيويّة المتمركزة في الدماغ17 الّتي تنشّطه. إنّ ذهننا له جوهر وطاقة. إنّ طاقة المعرفة المباشرة، المشتّتة نحو الخارج من خلال العواطف، والمختلطة في الدّاخل بالمنطق، يجب أن تعود إلى جوهر الذهن المتمركز في القلب، أي إلى العضو الجسديّ الأوّل18. وتتمّ هذه العودة بالصلاة.

عندما يواظب المسيحيّون في هذه الحالة على الصلاة من خلال التوبة، يرسل لهم الله موهبة الصلاة القلبيّة. وعندما يجد العقلُ القلبَ ويسكن فيه، كما لو أنّه موضع صلاة مريح، يمكننا القول إنّ الإنسان يصلّي مباشرةً، من القلب، بنقاءٍوالمصطلحات متشابهة. عندما تنشط الصلاة في القلب بفعل قوّة الإدراك المباشر، يصبح المرء في حالة الصلاة غير المنقطعة، وبالتالي نطبّق وصيّة القدّيس بولس أن نصلّي بلا انقطاع19. فالّذين نالوا موهبة الصلاة غير المنقطعة يستطيعون تلاوة صلاة القلب، أي ذكر الربّ يسوع في القلب، أثناء القيام بأعمالهم مع الآخرين، أو العمل أو الدرس، وفي المبدأ يتابعون حياةً عاديّة وطبيعيّة. كما يمكن أيضًا أن يتمّ هذا الأمر في العالم“. ويدلّ اكتشاف قوّة المعرفة المباشرة هذه على خبرة التواصل مع الله. فهذه القوّة هي الحبل السريّ الذي يصل المؤمن بالنعمة ويغذّيه روحيًّا.

ومع القوّة الملموسة للصلاة القلبيّة، يختبر الناس الهدوء الصفاء، ويبدأون يعيشون تحريرهم من الأهواء الشريرة، وهذه هي الحريّة الحقيقيّة. وتعزّز ذكرى الله الشوق الإلهيّ ومحبّة الإنسان لقريبه وتزيدهما. فكما يشدّد بالاماس في عظاته، محبّة الآخرين هي نتيجة محبّة الله، وإنّ فحص الذات الحقيقيّ يؤول إلى علاقات اجتماعيّة ملأى بالاتضاع والمودّة ويشجّعها. وفي حالة الاستنارة الدائمة والكاملة بعد فترة طويلة من الإنسحاب أو التواري وفقًا لتدبير الله في تدريبنا20وهي أعظم استيعاب ممكن لموهبة النعمة الإلهيّة، تكتسب كلّ قُوانا الروحيّة والجسديّة وظيفتها الطبيعيّة، كما رسمها الله.

يختبر أشخاص كهؤلاء النعمة كالنور، كشعلة ناعمة في قلوبهم. ويسود السلام الرائع والعذوبة في أرواحهم وأجسادهم. إنّ الموقفان الأساسيّان في تعليم القدّيس غريغوريوس بالاماس، الذي رفض الأنثروبولوجيا والنظريّة الأفلاطونيّة الجديدة كما عبّر عنها برلعام، هما أنّ الجسد تبنّى بطريقة ما النعمة الإلهيّة الناشطة في عقلنا21 وأنّ قوى الروح والجسد مشتركة22. ويمنحهم النورُ غير المخلوق، الذي لم يشاهدوه بعد، معرفةً مذهلة23، أكيدة ولا يمكن دحضها، وغالبًا ما يكون فكرهم أسير الرؤىالرائعة مثل الكشف عن أسرار الله الفائقة24. وليس استنارة العقل نتيجة دراسة أو تعليمات، بل مشاركة شخصيّة في معرفة الله غير المخلوقة.

إنّ الّذين يجاهدون، ويستمرّون في توبتهم، ويعتمدون على صلاة يسوع النقيّة، يهيّئون قلوبهم ليتمكّنوا من تلقّي رؤيا النور غير المخلوق، وقوّة الروح الإلهيّإلى حدّ توقّف كلّ نشاط ذهنيّ25، حيث يتأمّلون مجد طبيعتهم المقدّسة، متى وجدهم الله أهلاً لقبول الأسرار الروحيّة26، كما حسب تعبير القدّيس بالاماس، وليس عندما يرغبون هم بها. ومع مشاهدة النور غير المخلوق، يختبر المسيحيّون حقيقة التألّه، أي مشاهدة الله المباشرة27، إلاّ أنّ هذه المشاهدة لا تنتهي، بل هي في تقدّم مستمرّ. لهذا السبب مشاهدة الوميض شيء، فيما مشاهدة النور أمر آخر28. وفقًا للقدّيس غريغوريوس بالاماس، إنّ التألّه أو تمجيد الإنسان أمر يتخطّى العقل البشريّ، ولا يمكن شرحه بطريقة منطقيّة، ولا يمكن وصفه حتّى من الّذين يختبرونه29. وليس جوهر الله الخالص وحده يتخطّى الفهم، بل أيضًا القوى غير المخلوقة، حتّى ولو شارك فيها الناس بطريقة ما.

1 See Pandelis Kalaïtzidis, Ορθοδοξία και νεωτερικότητα. Προλεγόμενα, Athens 2007, p. 47.
2 1 بطرس 2: 11
3 أنظر فيلبس 3: 20
4 Saint Gregory Palamas, Rebuttal of Akindynos
5 See On those Living the Hesychast Life in Sanctity.
6 Kallistos and Ignatios Xanthopoulos, Exact Method and RulePhilokalia.
7 بالنسبة إلى عبارات أقنوم الوجود البيولوجيّ، وأقنوم الوجود الكنسيّوسرّ الأقنوم القربانيّ، راجع Ioannis Zizioulas, «Από το προσωπείον εις το πρόσωπον», Χαριστήρια εις τιμήν του μητροπολίτου Γέροντος Χαλκηδόνος Μελίτωνος, Thessaloniki 1977, pp. 308-314 and 317.
8 See Saint Gregory Palamas, Homily 47, 8.
9 Idem, Homily 61, 5.
10 See To the Nun Xeni.
11 See Maximos the Confessor, Chapters on Love 4, 80, PG 90, 1068 CD.
12 See Ps. 100, 8.
13 On those Living the Hesychast Life in Sanctity.
14 المرجع نفسه.
15 للفرق بين الأشخاص الدنيوّيين والروحيّين، راجع الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس 2، 10-16.
16 «[Νους] αυτοτελής εστιν ουσία και καθ᾽ εαυτήν ούσα ενεργητική», Homily 55, 36.
17 المرجع نفسه.
18 لمعرفة الأهميّة العُظمى التي يعيرها بالاماس لقوّة الذهن المحدّدة والعظيمة، وتفريقها عن قوّة المنطق، راجع كتابنا،«Η χρήση της λογικής και της νοεράς ενεργείας του ανθρώπου κατά τον άγιο Γρηγόριο Παλαμά», Acts of the International Conferences of Athens and Limassol, Ο άγιος Γρηγόριος ο Παλαμάς στην ιστορία και το παρόν, pub. By the Holy and Great Monastery of Vatopaidi, Holy Mountain 2000, pp. 769-780.
19 1 تسالونيكي 5 – 17.
20 في هذه المرحلة المهمّة جدًّا والحادّة في التجربة، راجع Γέροντος Ιωσήφ Βατοπαιδινού, Ο Γέροντας Ιωσήφ ο Ησυχαστής, pub. By the Holy and Great Monastery of Vatopaidi, 2001, pp. 280-291, 379-389; Archim. Sophrony, We Shall See Him As He Is, Essex 1996, pp. 193-220, 344-5..
21 On those Living the Hesychast Life in Sanctity, 1, 3, 31.
22 Ibid., 2, 2, 12.
23 «Νοερόν τουτί το φως και γνώσεως παρεκτικόν». Ibid., 1, 3, 50.
24 «Τοιούτον γαρ τι εστι και η εξαιρέτως αληθής υπό των Πατέρων ονομαζομένη θεωρία και η της ευχής εγκάρδιος ενέργεια και η εξ αυτής πνευματική θέρμη τε και ηδονή και το εκ της Χάριτος θυμήρες δάκρυον. Τα γαρ τούτων αίτια νοερά κυρίως καταλαμβάνει αισθήσει». Ibid.,1, 3, 31. Also Homily 53, 40, Ομιλίαι ΚΒ , Οικονόμου, p. 178: «έργοις εδίδαξας ημάς ότι το θεωρείν ουκ αισθήσει μόνον η και λογισμώ τοις όντως προσγίνεται ανθρώποις (μικρώ γαρ αν είεν των αλόγων κρείττους), αλλά πολλώ μάλλον τη του νοός καθάρσει και τη της θείας Χάριτος μεθέξει, καθ’ ην ου λογισμοίς αλλ’ επαφαίς αύλοις τοις θεοειδέσιν εντρυφώμεν κάλλεσιν».
25 Ibid., 1, 3, 17.
26 Ibid., 2, 3, 15.
27 Ibid., 2, 3, 29.
28 Ibid., 2, 3, 35.
29 Ibid., 3, 1, 32. See also Rebuttal of Akindynos, 2, 75.

الغاية من وجود الإنسان-3

الغاية من وجود الإنسان– 3

من قناع الشخصية الاجتماعية المعاصرة إلى الشخص في المسيح عند القدّيس غريغوريوس بالاماس

الشيخ أفرام الفاتوبيذي

نقلتها إلى العربية رولا الحاج

تنقيح راهبات دير سيدة كفتون

ضرورة الجهاد النسكيّ للّذين يعيشون في العالم

يجدر بنا أن نذكر هنا بعض إرشادات هذه المنارة الأرثوذكسيّة، وهي مأخوذة من عظتين لمناسبة عيد تجلّي المسيح. “علينا أن نؤمن، كما علّمنا أولئك الّذين أنارهم الله واختبروا هذه المسائلبناءً على تعاليمهم، هيّا نمضي قدمًا نحو بريق ذلك النور1. يتضح هنا أنّه يطلب منّا التقدّم نحو ذلك النور، يعني رؤيا النور غير المخلوق، البهاء الذي من خلاله يتواصل الله والّذين يستحقّونه2. هذه الرؤيا، التي هي خبرة النعمة الإلهيّة، ليست من الكماليّات في حياتنا، بل هي هدف وجودنا. إن استنفدنا قوانا على المستويات المتدنّية من الحياة الروحيّة ، حيث نبلغ علاقة مع الله لا تتعدّى العقل، نبقى في الأمور الخُلُقيّة والفكريّة. ويتابع بالاماس قائلاً: “عندما نحبّ جمال المجد الذي لا تشوبه شائبة، نطهّر بذلك بصيرة أرواحنا من الأفكار الدنيويّة، طاردين كلّ ما هو متعة وجمال غير دائمَين3. “سوف ننزع أرديتنا الجلديّة، التي هي طريقة تفكيرنا الأرضيّة والدنيويّة، وسنقف على الأرض المقدّسة، أي الجهاد من أجل الطهارة وتوجيه نظرنا نحو الله. عندما نحصل على ضمانة كهذه، يأتي نور الله إلينا ونستنير ونصبح خالدين في مجد شمس الإله الثالوث وضيائه4. ومن جهة أخرى، إذا تابعنا نحو الطريق الرحبة، فمهما تبدو في البدء عذبة وجذّابة، إلاّ أنها تسبّب الألم الأبديّ لأنها تكسو الروح بأردية الخطيئة القبيحة5. وإن لم نلبس أردية المجد الإلهيّ، لن نتمكّن من حضور العرس السماويّ، بل سوف نُساق إلى النار والظلمة الخارجيّة6.

ما يهمّ ذكرُه هو أنّ القدّيس غريغوريوس لم يلقِ بهذه المواعظ، الدّاعية إلى إزالة الأفكار الدنيويّة وتطهير القلب وتسديد خطواتنا نحو الله، لمجموعة من الرهبان، بل لأهل تسالونيكي، المتزوّجين وغير المتزوّجين، ليشير إلى أنّ هذه هي الطريق التي يجب أن نسلكها جميعًا لنبلغ بالإحساس وبما يتجاوز الإحساس، النورَ الإلهيّ الفائق الوصف، غير المدرك، غير المادّيّ، وغير المخلوق، والمؤلِّه، والسرمديّ، ذا الطبيعة الإلهيّة، ومجد الألوهيّة، وروعة الملكوت السماويّ7.

في حياة القدّيس غريغوريوس بالاماس أيضًا حادثة تتعلّق بما سبق وذكرناه مسبقًا. عندما كان في إسقيط فيريا Veria، دار حديث مشوّق بينه وبين ناسكٍ فاضل يُدعى أيّوب، في ما يخصّ ممارسة الصلاة القلبيّة للعائشين في العالم. وفيما حثَّ القدّيس المسيحيّين على تلاوة الصلاة بينما كان لأّيوب رأي آخر، إلى أن ظهر له ملاك الرّبّ وأكّد أنّ تعاليم غريغوريوس من وحي الله، وهي ضروريّة من أجل لاهوت الكنيسة الرعويّ8.

التألّه، هدف الوجود البشريّ

وفقًا للآباء، فإنّ التأله أو التمجيد ليس حدثًا روحيًّا، بل حالة وجوديّة. فالطبيعة الإنسانيّة المخلوقة متحّدة، ومعجونة، بالله الثالوث، من خلال القوى المخلوقة ولكن ليس في الجوهر9. كان التألّه، منذ البداية، رغبة الوجود البشريّ الباطنية. وعندما حاول آدم أن يختلسه عبر انتهاك وصيّة الله، فشل ووجد الإنحلال والموت بدلاً من طموحه. إلاّ أنّ محبّة الله، من خلال تجسّد ابنه، أعطتنا القدرة على التأله مجدّدًا10.

الأشخاص الّذين لا يُسلّمون بتعليم القدّيس غريغوريوس بالاماس الهدوئيّ، في تعبيره عن التجربة الروحيّة الحقيقيّة الكامنة في الأرثوذكسيّة، أي الطريق لإيجاد الشخص في الإنسان، لا يُظهِرون وجهة نظر أرثوذكسيّة للكنيسة. فالهدوئيّة فعلٌ وليست جمود11. إنها حالة روحيّة داخليّة. في البدء، تتطلّب صراعًا مضنيًا مع الأهواء، ولكن يعقبه حياة روحيّة حقيقيّة واتّحاد بالمسيح في عالم القلب، حيث يبرز الإنسان، أي الأقنوم. عندئذ يقتني الناس صلاةً أقنوميّة، صلاة من أجل خلاص العالم بكامله، ويعيشون باتّحاد وحبّ بعضهم لبعض ولله، وذلك عبر طمأنينة حقيقيّةيصفها بالاماس بأنّها الكمال ما بعد الكمال12. وفي المرحلة الأخيرة من التألّه، الّذي يتجاوز تعبير الكلام، يتمتّعون ويشاركون في الغبطة الإلهيّة، براحة وسكون.

يعيش الناس اليوم حياتهم بحيث ليس من وقت للصلاة ليكونوا هادئين ويعرفوا الله13. فمع وسائل التواصل والتنقّل الحديث، يمكننا أن نكون في اتّصال مباشر مع كثيرين من الناس، وفي وقت أقلّ من قبل بكثير. نعرف كثيرين من الناس ونتواصل وإيّاهم، ولكننا في النهاية لا نعرف أنفسنا. وتُعزى خيبة الأمل هذه، وهذا الفراغ الوجوديّ، وهذه الوحدة التي يشعر بها الناس اليوم بشكل كبير إلى أنّنا نجهل كيف نصلّي، ولا نكرّس وقتًا للصلاة في النهار ولا في الليل. فوجودنا ينمو من خلال الصلاة، وبها نحتضن العالم بأسره. الصلاة مفقودة من العالم، ولهذا السبب هو الآن في حالة مثيرة للشفقة.

قيمة الإنسان

رغم أنّ الناس مخلوقون ومحدودون، يمكنهم أن يتواصلوا مع الله غير المخلوق وغير المحدود من خلال الصلاة. يتمكّن الناس المخلوقون، من خلال قوى الله غير المخلوقة، أن يحصلوا على غير المخلوق، على الحياة الإلهيّة، ليصبحوا مثل الله بالنعمة، ولكن ليس تمامًا في الجوهر. ويمكن لكلّ إنسان تحقيق هذا الاتّحاد، هذه العلاقة الشخصيّة مع الله، لأنه في شخص المسيح، اتّحدت الطبيعة الإلهيّة الكاملة بالطبيعة البشريّة الكاملة وغير القابلة للتجزئة وغير المختلطة أقنوميًّا. ونرى أنه كما قال الشيخ صوفروني المغبوط، فإنّ الله لا يعامل شعبه كأجسام أو عبيد، بل كأشخاص حقيقيّين14، لأنّه بين الله وبيننا تماثل15. يمكننا أن نصبح أشخاصًا، لأننا خُلقنا على صورة الكلمة الإلهيّة، أي المسيح، وهو شخصٌ. ولا يمكننا أن نصبح أشخاصًا وننزع أقنعتنا الشنيعة إلاّ عندما نتّحد عمليًّا بالله الثالوث. فالكنيسة، في حالتها المواهبيّة، هي شركة أشخاص حقيقيّين أزليّين.

إنّ اللاهوت الإختباريّ يشير إلى الطريق التي يجب أن نتبعها لنجد الشخص الحقيقيّ، ويصونها، وهو ما لا يمكن للاّهوت الأكاديميّ القيام به. يتكلّم كثيرون من الناس اليوم عن الشخص، ولكن بطريقة الثقافة والفلسفة الدينيّة والأكاديميّات16، أفضل ما تصل إليه هو صورة معدَّلة عن القناع المقيتبحيث يصبح قناعًا عقلانيًّاأو شخصنةللإنسان المعاصر بحيث نُلبسُه رداء اللاهوت الأرثوذكسي من الخارج، ولكن بالتأكيد لا يصير شخصًا. فمن دون الجهاد النسكيّ، أي من خلال النظريّة الإختباريّة وحدها، لا تتحقّق الحياة الروحيّة الأرثوذكسيّة ولا يمكن للشخص أن يبرز. كما قال القدّيس بولس: “لأَنْ لَيْسَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ النَّامُوسَ هُمْ أَبْرَارٌ عِنْدَ اللهِ، بَلِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالنَّامُوسِ هُمْ يُبَرَّرُونَ17. يشدّد الآباء على الواقع أنّ التأمّل الحقيقيّ يأتي كمكافأة على الممارسة الحقيقيّة، ممارسة التأمّل هي المدخل، وليس العكس. هذا ما اعتاد الشيخ المغبوط أفرام الكاتوناكيّ أن يقوله: تنبع الصلاة من الطاعة، واللاهوت ينبع من الصلاة. والشيوخ المباركون الموهبون المعاصرون، مثل الشيخ صوفروني، والشيخ بايسيوس، والشيخ بورفيريوس، والشيخ أفرام الكاتوناكي، والشيخ يعقوب تساليكيس، والشيخ سمعان أرفانيتيس، والشيخ أمفروسيوس، هم أكثر الأمثلة الملموسة لأشخاص حقيقيّين وأزليّين.

وفقًا لكثيرين، إنّ الروح الدهريّة التي تهدّد الكنيسة، وصبغ الأرثوذكسيّة بأشكال خارجيّة ومناقبيّة وتقشّفيّة زائدة من جهة، وإخضاعها لنماذج عقلانيّة وأنظمة فكريّة محضة وغير سليمة من جهة أخرى، كلّها ظواهر اجتماعيّة تميّز هذا العصر وهو زمن ما بعد المسيح. وهذه لا يمكن مكافحتها إلاّ من خلال اللاهوت الاختباريّ، والشركة الحقيقيّة مع غير المخلوق، واكتشاف الشخص الحقيقيّ في الإنسان. فاللاهوت والتعليم عن الشخص في الإنسان هما ظاهرة فريدة وحصريّة لا يمكن اختبارها إلاّ عبر التقليد الأرثوذكسيّ، وليس عبر الفلسفة وعلم النفس ولا أيّ عقائد مسيحيّة أخرى.

1Ομιλίαι ΜΑ, Jerusalem, 1857, Homily 34, p. 194.
2 Προς Αθανάσιον Κυζίκου 14.
3 Ομιλίαι ΜΑ, Homily 34, p. 194.
4 Ibid., Homily 35, pp. 199-200.
5 Ibid., Homily 34, p. 194.
6 Ibid., Homily 34, p. 194.
7 On those Living the Hesychast Life in Sanctity, 3, 1, 22.
8 Ομιλίαι ΜΑ, Patriarch Filotheos, Λόγος εγκωμιαστικός εις τον Θεσσαλονίκης Γρηγόριον τον Παλαμάν, pp. 18-19.9 See Saint Maximos the Confessor, Epistle 1, PG 91, 376B. Cf. Jn. 17, 21-24.
10 See George Mantzaridis, Παλαμικά, pub. Pournaras, Thessaloniki, 1998, p. 153.
11 أولئك الذّين يصرّون على العقل أو الأخلاق هم خاملون. ولهذا السبب دعا غريغوريوس بالاماس برلعام أستاذ الكسل“. راجع أيضًا G. Mantzaridis, op. cit., p. 15..
12 Εις τον βίον του οσίου Πέτρου του εν Άθω 20, p. 173.
13 See Ps. 45, 11.
14 See Archim. Sophrony, We Shall See Him As He Is, p. 176.15 See Fr. Nicholas Sakharov, I Love, Therefore I Am.
16 See Archim. Ierotheos Vlachos, Το πρόσωπο στην Ορθόδοξη Παράδοση, The Holy Monastery of the Birth of the Mother of God, Levadeia 1994, p. 87.
17 روميّة 2: 13

كيف تكون سعيدًا؟

كيف تكون سعيدًا؟

جون سانيدوبولوس

نقلتها إلى العربية جولي عطية

السعادة هي الرغبة الأعمق لكلّ روح إنسانية، فالجميع يبحث عنها، شبانًا ومسنين.
أين يوجد كنز ثمين كهذا؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يجده في هذا العالم، فيصبح بالتالي سعيدًا؟
طرح شارل الرابع ملك فرنسا (1550-1574) هذا السؤال على الشاعر الشهير توركاتو تاسو.
يعرض مانسو، كاتب سيرة شارل الرابع، الحوار التالي:
شارل: من هو الأسعد بين جميع الكائنات؟
تاسو: الله
شارل: لكن مَن هو كذلك من الناس؟
تاسو: مَن يشبه الله
شارل: كيف يستطيع الإنسان أن يشبه الله: أعبر التسلّط على الآخرين أو عبر منحهم المساعدة؟
تاسو: من خلال الفضيلة.

إنّ السعي إلى اقتناء الفضيلة كان نمط حياة قديسي الكنيسة، لا ليكونوا سعداء إنما ليشبهوا الله قدر الإمكان، عملاً بوصيّة المخلّص: “كونوا أنتم كاملين كما أنّ أباكم الذي في السماوات هو كامل” (مت 5: 48). سعى القديسون إلى أن يكونوا مثل محبوبهم، حتى لو كلّفهم ذلك سعادتهم. لذلك، فهؤلاء القديسين سعوا إلى التمثل بالله من خلال الفضيلة، فأصبحوا سعداء فيه.

أفضل عشرة طُرق لتدمير أولادكم

أفضل عشرة طُرق لتدمير أولادكم

الأمور الّتي تفصل أولادنا عنّا وتفصلهم بالتالي عن الفردوس

إيرينيوس أسقف إيكاتيرينابرغ

نقلتها إلى العربية رولا الحاج

  1. لا تَقولوا لهم أبدًا لا. امنحوهم ما يطلبونه منذ صغرهم. سيقضي هذا على ثورات الغضب والخصامات والإضطرابات. هكذا، سيكبرون متوقعين الخدمة من الأشخاص المُحيطين بهم. علاوة على ذلك، فإنهم سيكونون واثقين بأنّ الحياة تعني أن يحصّلوا حقوقهم وأنّه ليس لديهم أيّة مسؤوليات.

  2. عندما يبدأون يتلفّظون الشتائم والكلمات البذيئة، اضحكوا لتجعلوهم يشعرون بأنهم ماهرون جدًّا ويفهمون أنّ هذا يُسعِد مُستَمِعينهم ويؤمّن لهم أفضل تسلية.

  3. لا تقولوا لهم أبدًا: “هذا أمرٌ سيء” أو “هذا خطأ” أو “تصرّف بهذه الطريقة”. إنّه تفكير من طراز قديم وخنق لحريّة الأولاد في التعبير. هكذا عندما يَنضُجون فلن يشعروا أبدًا بالحاجة إلى الإعتذار عن أيّ شيء، إذ إنّهم سيعتقدون بأنّهم لن يفعلوا أبدًا أيّ شيءٍ خطأ. سوف يتهمون ببساطة الجميع من حولهم في معاملتهم لهم ظُلمًا.

  4. رتّبوا أغراضهم المَرمِيّة… رتّبوا ملابسهم، وأحذيتهم، وجواربهم، وأطباقهم…وأعّدوا لهم دومًا السرير. من خلال القيام بذلك، فإنهم سيظنّون بأنّ أمّهاتهم أو آبائهم (أو الزوج المستقبليّ) هو خادمٌ لهم وأنّ كلّ واحد أيضًا هو مسؤول عن كلّ ما يُحيط بهم.

  5. امنحوهم ثقتكم الكاملة. فإنهم ممتلؤون من الحكمة وسيعرفون بالتأكيد ما هو مؤذٍ وغير ملائم. ثقوا بتأمين حاسوبهم الخاصّ، والإنترنت، والتلفزيون، والهاتف الخليوي الخاصّ – كلّها في غرفهم الخاصة؛ هذه الأمور توسّع ثقافتهم. إلى جانب ذلك، سوف تُقنعونهم بأنكم أروع الآباء وأنّهم يستحقّون ثقتكم. فهم كاملو الحكمة والتّمييز، ويعرفون جيّدًا ما لا يليق أو يؤذيهم.

  6. لا تؤثّروا عليهم بأيّ توجّهٍ دينيّ، ما عدا التزامكم بتعميدهم – لكي يفرح بهم أجدادهم أو لكي تنظمّوا حفلة كبيرة تبهرون بها أصدقائكم، ولكي تأخذوهم إلى الكنيسة خلال مناسبات الأعياد الدينيّة الرئيسيّة. أيضًا، إحرصوا على الاستخفاف بكلّ ما يتعلق بالإيمان – الكنيسة، الكهنة، والناس المواظبون على الصّلوات. عندما يبلغون سنّ الرشد سيختارون من تلقاء أنفسهم توجّههم الدينيّ (وميولهم الجنسيّ).

  7. أعطوهم مبلغًا كافيًا من المال لينفقوه حتّى لا تنمو أيّ عقدة نقص في ما يتعلق بامتلاك أقل من شخصٍ آخر أو الشعور بالحرمان “كما حُرِمتُم أنتم”. هكذا، عندما يبلغون سنّ الرشد سيظنّون أنّ المال – وحده له قيمة في هذا العالم، بغضّ النظر عن كيفيّة اكتسابه.

  8. عندما يشعرون نحو الجنس الآخر بنيّة خبرة الإستمتاع، “عززوا هذه اللحظات”. شجّعوهم وادعموهم ماديًّا خلال لقائتهم الغرامية. في أيّ حال، هؤلاء الملائكة الصغار لا يقومون بأيّ شيء خارجٍ عن المألوف. إلى جانب ذلك، ستتوفر لهم خبرات قيّمة وذكريات كثيرة.

  9. قِفوا دائمًا إلى جانبهم. إذا تجرأ أيّ من المعلّمين، والمدرّبين الرّياضيّين أو الجيران وانتقدوهم أو قدّموا مشورة أو مجرد أشاروا إلى سوء تصرّف أولادكم، إحرصوا على الدفاع عنهم تجاه هذه التعدّيات. إنّهم أشخاص حسودون يلجأون إلى الافتراء لأنّ أولادهم أقلّ شأنًا من أولادكم.

  10. عندما تذهب إلى إدارة الشرطة المحليّة لأنهم اعتقلوا ولدك لسوء سلوكه في حالة السكر، أو القيادة تحت تأثير المخدرات، أو محاولة إغتصاب، أو سرقة، تأكد من أن تصرخ بأعلى صوتك حتّى يسمعك النّاس جميعهم: “نحن ضحّينا بكلّ شيء من أجل هذا الولد وهكذا يرّده لنا الجميل؛ أعطيناه العالم كلّه ولكنّه خاننا بأسوأ طريقة”، بالطبع، هكذا تغسلون أيديكم لتريحوا ضميركم وتحافظوا على كرامتكم. وعندما تُدركون انّكم المتواطىئون الرئيسيّون في تدمير حياة أولادكم وحياة من حولهم سيعتصر قلبكم الألم والندامة والتّعَس.

حول زيارة البابا بيندكتوس السادس عشر إلى قبرص عام 2005

حول زيارة البابا بيندكتوس السادس عشر إلى قبرص عام 2005

الميتروبوليت أثناسيوس أسقف ليماسول

ترجمة حنا سموع بالمشاركة مع راهبات دير سيدة كفتون

سؤال: لماذا أثارت الكنيسة والشعب فضيحة تتعلّق بزيارة البابا بنيدكتوس السادس عشر الوشيكة إلى الجزيرة؟

جواب: أظنّ أنّ زيارة البابا إلى قبرص ستُسبب عدّة مشاكل في وجدان المسيحيّين الأتقياء. قد يكون من الأفضل لو لم يأتِ، لأنني أظنّ أنّها لن تنفعنا بأيّ شكلٍ من الأشكال، علمًا بأنّني لم أرَ أيّ تدّخل إيجابيّ، في ما يتعلق بقضايانا الوطنيّة، من قبل الفاتيكان حتّى الآن. لقد أثارت اضطرابًا بما فيه الكفاية، كنّا بغنى عنه في هذا الوقت.

سؤال: هل نحن في خطر ما؟

جواب: لا أقول إنّنا في خطر بقدوم البابا، أو أننا سننحرف عن ايماننا، أو أنّه سيتم إخضاع الكنيسة الأرثوذكسية، ولكنّها أثارت مختلف الجماعات (المنشقّة) من أتباع التقويم القديم ” Old Calendarists” ليتهمونا بالمساومة، وبأنّنا خالفنا مبادئ الإيمان الأرثوذكسيّ، كما أنّ الموضوع أثار تساؤلات كثيرة. طبعًا، إنّ البابا دعاه رئيس الجمهورية ، ثمّ قدّم موافقته رئيس الأساقفة.

سؤال: هل ناقشتم هذا الأمر مع المجمع المقدس؟

جواب: في المجمع المقدس الأخير، طُرِحَ موضوح الحضور في المناسبات المشتركة مع البابا أو الاحجام. أمّا أنا فرفضت المشاركة، وقلت إنني لا أعرف شيئًا بل علمت عن زيارة البابا من الصحف.

سؤال: هل تعلم عادة الأخبار من الصحف؟

جواب: لقد زاد رئيس أساقفة قبرص من امتيازاته، ونحن بالتأكيد لا نريد له التدخل في شؤوننا، على كل حال سنحتفظ بحقنا الشخصيّ وهو أنّنا لا نعلم أن البابا آت، وأنّني لو سُئلتُ لأعلنت رفضي الشخصيّ، لأنّ هذا الأمر سيتسبّب في انتهاك نفوس المسيحيين الأرثوذكسيين الأتقياء والأبرياء، وهذا ما أراه سيحدث.

سؤال: ألا ينبغي التواصل بين الكنائس؟ نحن نعيش في القرن الحادي والعشرون، كما أنّنا في الاتحاد الأوروبي.

جواب: لا مانع من الحوار مع أيّ إنسان، حتى ولو كان غير أرثوذكسيّ أو من أي ديانة أخرى. ولكن الحوار أمر، وأن تستقبل البابا على أنه أسقفٌ قانونيٌّ أمر آخر. وهو بالنسبة إلينا نحن الأرثوذكسيّين، هرطوقيّ وبخارج عن الكنيسة، وبالتالي ليس حتى بأسقف.

سؤال: هل هذا بسبب الانشقاق؟

جواب: إنّ البابا خارج عن الكنيسة منذ عشرة قرون، هو ليس أسقفًا قانونيًّا، ولا علاقة له على الإطلاق بكنيسة المسيح الواحدة الجامعة المقدسة الرسوليّة.

يختلف الأمر بين استقباله كأسقف قانونيّ أو محاورته كخارج عن الأرثوذكسيّة، بغية أن نكشف له حقيقة الإيمان الأرثوذكسيّ والتقليد.

سؤال : لقد التقى البطريرك المسكوني مع البابا وبدأ الحوار بين الكنائس.

جواب : كما قلت سابقًا، ليس الحوار أمرًا سيئًا عندما يُبنى على افتراضات صحيحة. ولكن من الخطأ أنّ نقول لهؤلاء الناس إنّنا نعترف بهم ككنيسة، وأنّ البابا أسقف وأخ لنا في المسيح والكهنوت و(الإيمان). لا يمكنني قبول هذا الكلام لأنّنا نكذب، بما أنّ جميع الآباء القدّيسين يعلّمون العكس. إنّ البابوية عبارة عن هرطقة، ومصدر كبير لكثير من البدع الأخرى التي تُربك العالم كله اليوم.

قال أحد القديسين المعاصرين يوستينيوس بوبوفيتش في تاريخ الجنس البشري هناك ثلاث سقطات مأساوية: سقطة آدم، وسقطة يهوذا تلميذ المسيح ، وسقطة البابا الذي كان أول أسقف للكنيسة. لقد سقط عن الإيمان الرسوليّ وقطع من الكنيسة الرسولية وجذب معه حشدا كبيرا من الناس إلى يومنا هذا.

سؤال: ماذا يقول البابا عن الأرثوذكس؟

جواب: قال البابا اننا نحن الأرثوذكس نعاني من نقص

سؤال: هل الله واحد؟

جواب: نعم الله واحد وكنيسة الله هي واحدة لذلك نقول في قانون الإيمان (أؤمن ) بكنيسة واحدة، جامعة، مقدّسة رسوليّة. هذه هي الكنيسة الأرثوذكسيّة ، لا يوجد عدّة كنائس.

سؤال: أليس من الغرور أن تنظروا إلى الأمور بمنطق نحن ولا أحد؟

جواب: كلا ليس غرورًا. على سبيل المثال، عندما يقول لك الإيطاليّيون ليسوا يونانيّين” – وهذه هي الحقيقة أنت لا تسيء إلى الآخر. وإن قلتُ للآخر لا يهمّ أن تكون كاثوليكيًّا وأننا جميعًا ننتمي إلى الكنيسة ذاتها، فأنا أضحك عليه، بما أنّ الآباء القدّيسين كلّهم يعلّمون أنّ كنيسة المسيح الجامعة والمقدسة الرسولية هي واحدة.

سؤال: لماذا نحن الكنيسة الوحيدة وليس البابوية؟

جواب: لأنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة تحافظ على إيمان الرسل، و خبرة الأنبياء الراسخة حتى أيامنا هذه. يا للأسف، حين انفصلت البابوية عن الكنيسة أضافت كثيرًا من العقائد الهرطوقيّة، وغير القويمة إلى الإيمان القويم، فغيرّوا دستور الإيمان النيقاويّ، والأخطر أنّهم رفعوا البابا إلى مستوى ممثّل الله الأعلى والوحيد على الأرض، وراحوا يزعمون أن البابا معصوم عن الخطأ، ومن ليس في شركة مع البابا، فهو ليس في شركة مع الله. وهم يعلّمون هذا الأمر رسميًّا في مجامعهم.

إنّها هرطقة أن تُضافَ إلى دستور الإيمان، أمورٌ وتعاليم كاذبة كثيرة لم يكتبها الآباء القديسون. هذا هو واقع الأمور.

سؤال: كيف تتعامل الكنيسة الأرثوذكسية مع الهراطقة؟

جواب: بكثير من المحبة، نحن نحب البابا ، نحب البابويين ، تمامًا كما نحب أي إنسان. نحن لا نحتقرهم ولا نرفضهم كأشخاص، إنّما نرفض بدعَتَهم وهرطقتهم، ولا نقبل تعاليمهم الكاذبة وضلالهم. ولأنّنا نحبّهم علينا أن نقول لهم الحقيقة.

طبعا كل واحد له حقيقته….

لهذا السبب يأخذ الحوار مكان هامًّا، لإثبات المصادر التاريخية التي اعتمدت عليها الكنيسة للحفاظ على الإيمان الرسولي والخبرة الرسوليّة للقدّيسين.

سؤال: هل تظنّون أنّ الحوار يمكن أن يأتي بنتائج؟

جواب: ممكن ولكن إن تم بشكل صحيح واستنادًا على الافتراضات الصحيحة، ولكن يا للأسف، ما يحصل اليوم لا يأتي بنتائج، ولهذا السبب مرّت سنون عدّة من النقاشات من دون الوصول لأيّة نتيجة.

سؤال: كل ّواحد يستمع إلى نفسه وحسب

جواب: كان ينبغي أن يشرعوا في الحوار بوضع أنفسهم في ضمانة المكوث تحت راية الكتاب المقدّس، بتواضع ومحبّة، من أجل إثبات حقيقة المسيح. وبهذه الطريقة تَسُهُل الأمور.

سؤال: هل يتمّ الحوار بتواضع ومحبة؟

جواب: لا أعلم. أنا لا أشارك في الحوارات، ولكن لم أرَ أيّ نتائج هامة بعد القرارات التي أصدروها. قامَت حركة توزّع كتيّبات معارضة للبابا، ويستعدّون للاحتجاجات. ولا أوافق أيًّا منها. لا يجوز إظهار الوقاحة والفظاظة والسلوك الرديئ. التعبير عن الرأي أمر، واللجوء إلى تدابير بشعة أمر آخر. لا ننسى أنّنا نعيش في دولة ديمقراطية. بصراحة، وقبل كل شيء، أنا أرفض مجيء البابا إلى قبرص، وأقول في نفسي إنّ البابا هرطوقيّ، وأنّه ليس أسقفًا، وهو ليس مسيحيًّا أرثوذكسيًّا. هذا ما يقوله الآباء القديسون. إذا كنت مخطئا أنا مستعد لأصحّح خطئي، ولكن بناء على الآباء القديسين وليس على ذهنيّة العولمة. أن أعارض مجيء البابا لا يعني أنني خارج الكنيسة كما يزعم بعضهم.

سؤال: ولكن بإعلان هذه الأقوال، ألا تصبّون زيتًا على نار الذين تعثّروا أصلا من زيارة البابا؟

جواب: نحن نتفوّه بما يجب علينا قوله بكامل المسؤولية والإخلاص، ولا نشعل النيران. وأنا لا أريد أن أبدو وكأنّني موافق لوجود البابا في قبرص وليس لدي مشكلة. فلقد واجه رئيس الأساقفة خلافاتنا بطريقة ديمقراطية جدا خلال المجمع.

سؤال: هل وافقتُم زيارة رئيس الأساقفة إلى الفاتيكان؟

جواب: نحن لم نُسأل، وهو لم يكن مضطرًّا لأن يسألنا. لقد علمنا بزيارته من خلال الصحف. ولكن ماذا نتجَ من زيارته إلى الفاتيكان؟

سؤال: لم أفهم.. ألم يعلمكم بشيء؟؟

جواب: أجل، لقد أبلغنا.. ولكنّني شخصيًّا لست مهتمّا بالأمر. إنّ البابا يتحدّث دائمًا بطريقة رسميّة، ويقول الأشياء التي تناسب منصبه، كقوله الآن إنّه آتٍ إلى قبرص. ولكنّه لن يقوم بعمل هامّ، لأنه ليس زعيم الكنيسة، بل شخصيّة سياسيّة، ولا يستطيع أن يخالف المؤسسة السياسية والنظام القائم.

هل دافع البابا عن الكنيسة الأرثوذكسية؟ لقد مرّ بنا كثيرون من الغزاة، ولكن متى دافع عنّا؟ ناهيك عن معاناتنا، خلال حكم الفرنجة، من ظلم الباباوات وقراراتهم التي أمرت بإبادتنا. هذا المساء احتفلنا بعيد 13 شهيد من مدينة Kantara قُتلوا بأمر من الفاتيكان. ولقد قضينا 400 عام من العبودية القاسية تحت حكم الفرنجةولكنّني لن أعود إلى الماضي، فالأسباب التي أردّ بها هي لاهوتيّة بحتة. عندما تمّت سيامتي أُسقفًا، تعهدتُ الحفاظ على الإيمان الأرثوذكسيّ.

سؤال: أليس الكهنة الذين سيستقبلون البابا محافظون على الإيمان القويم؟

جواب: قال بولس الرسول إنّ أولئك الذين يأكلون ذبائح الأوثان يجب ألا يدينوا الذين لا يأكلون، وكذلك أنا أيضا لا أريد أن أدين الذين سيشاركون لأنني لا أريد أن أدان بسبب عدم المشاركة.

سؤال: الأحد الماضي تمت قراءة بيان من قبل المجمع المقدّس في الكنائس، وتأثّر الناس عميقًا عندما ذكرَت أسماء رؤساء الكهنة الأعضاء واحدًا فواحدًا.

جواب: كل واحد منا قرر إصدار بيان يحثّ الناس على التضامن، والبقاء في كنائسهم، وعدم الاستماع إلى أصحاب التقويم القديم “Old Calendarists” الذين تم فصلهم من الكنيسة القانونية.

ما لم يوضّحه البيان، هو أنّنا لم نكن جميعًا على علم بدعوة البابا.

سؤال: في رأيكم، ما هدف البابا من زيارته إلى قبرص؟

جواب: كما تعلمين، بأن الباباوات يواجهون مشاكل وأزمات جدّية، مع كل الفضائح التي تُنشَر في الإعلام.

سؤال: كالتحرش بالأطفال؟؟

جواب: لا أرغب في تسميتها، ولكنّ الصحافة تنشر كل يوم أشياء محزنةأنا لا أودّ أن أمنعهم من التعبير، ولكن في ظنّ البابا أنه الأول والنائب الوحيد للسيد المسيح على الأرض، لذلك هو تحت هذا النوع من الرقابة.

سؤال: لقد قال البابا إنّه يريد زيارة الأماكن المقدّسة متّبعًا خطى بولس الرسول.

جواب: عدا عن ذلك بولس الرسول لم يكن يتنقل بسيارة مصفّحة يصل سعرها إلى خمسمئة ألف يورو، وحسب ما قرأت على الحكومة القبرصية أن تشتري السيارة للبابا، كي يتنقل بها خلال اليومين اللذين سيمضيهما هنا.

أنا شخصيا تعثّرتُ بهذا، فسّيارة مصفّحة لا تليق بنائب المسيح….كما لا يجوز أن يتحمّل الناس عبء ثمن كهذا في وسط أزمة اقتصادية.

سؤال: لقد قال المبعوث البابوي إنّ البابا آتٍ إلى قبرص، كي يطوّر أسس المبادئ المسيحية ويعزّزها، ويريد أن يسير في خطى بولس الرسول، ويلتقي الإخوة في الكنيسة الأرثوذكسيّة بروحانيّة ومحبّة كبيرتَين.

جواب: ليس لدينا شك في نيّة البابا أو قصده من الزيارة، ربما يكون قد شابه بولس الرسول وعرف هو نفسه الغنى الحقيقيّ الموجود في الكنيسة الأرثوذوكسيّة، نحن نصلي كي يعود إلى الكنيسة الأرثوذكسية، ويصبح أسقف أرثوذكسيًّا من جديد، كما قبل الانشقاق. هذه هي الطريق الوحيدة إلى الوحدة.

سؤال: ماذا في تخمينكم هو جدول الأعمال الخفيّ؟

جواب: إن الفاتيكان لا يقوم بأعمال وتحركات من دون غاية أو هدف، فكل رحلة للبابا يكون لها هدف وهو تقديم البابا على أنه الزعيم العالميّ للمسيحية، على كل حال في هذه اللحظة هو ليس بأسقف قانونيٍّ ولا بأرثوذكسيّ، لذلك هو ليس بموقع يسمح له بإبراز نفسه على أنه الأسقف الأوّل.

سؤال: هل من الممكن أن يكون لديه مصالح سياسية؟

جواب: لا أعرف، أظنّ ذلك. نحن القبارصة ليس لدينا أي مكاسب سياسية من زيارة البابافقط الكثير من النفقات وهيجان في الضمير الإيماني.

سؤال: رئيس الأساقفة (البطريرك) قال إنّ كل من رفضوا زيارة البابا سيضعون أنفسهم خارج الكنيسة.

جواب: لا أعلم ما صرّح به رئيس الأساقفة، ولكنّني لا أرى أنّ كل من يرفض زيارة البابا سيضع نفسه خارج الكنيسة. أنا أرفض الزيارة بكلّ جرأة، ولستُ خارج الكنيسة.

مَهلاً! مهلاً!

جواب: الكنيسة، كما يؤكّد رئيس الأساقفة نفسُه، تتّبع الديمقراطية. ولكن أن تجادل في احترام متبادل، يختلف تمامًا عن اللجوء إلى سلوك غير لائق.