سجود القلب

الخورية سميرة عوض ملكي

سَجَدَت الأجساد في عيد رفع صليب ربِّنا المقدّس المحيي. لكن هل سَجَدَت القلوب؟

ندين اليهود لأنّهم صَلَبوا ربّ المجد مرّة في التاريخ فيما نحن نصلبه كل يوم. نسخط عليهِم لأنّهم هزؤوا به وهو على الصليب ونحن نهزأ به باستمرار. نرى أنّهم قساة لأنّهم سقَوه خلاً فيما نحن نسقيه المرّ. نعتبرهم مجرمين لأنّهم طعنوه بحربة بينما نرميه بالسهام. نَصِفهم بالقساة لأنّهم سمّروا يديه بالمسامير فيما نحن ندقّ المسمار تلو الآخر في جسده. نثور عليهم لأنّهم وضعوا على رأسه إكليل الشوك فيما نحن نزرع الشوك وننميه.

قد لا يروق هذا الكلام للجميع. فيعتبره البعض تجنياً، ويرى فيه البعض الآخر ظلماً للمسيحيين، والكثيرون سوف يعتبرونه هراءً وحَسْب. المتديّنون سوف يقولون متى هزئنا بإلهنا أو سقيناه مرّاً أو رميناه بالسهام أو دققنا المسامير في جسده أو زرعنا الشوك في دربه؟

الجواب هو أننا نصلب ربّنا في كلّ مرة نحلّ فيها رباط المحبة الأخوية لأنه هو الذي جمع الكلّ من المشارق والمغارب والشمال والجنوب في رباط محبة وإيمان واحد أرثوذكسي جامع مقدّس. نهزأ منه في كلّ مرة نستمتع فيها بالهذر والكلام البذيء. نسقيه المرّ في كل مرّة ننظر إلى أحد الإخوة الصغار نظرة استعلاء، وفي كلّ مرّة نجد لذّة وحلاوة في الأهواء والشهوات. نرميه بالسهام في كلّ مرّة نخالف قوانين كنيسته التي افتداها بدمه، ولنغطّي مخالفتنا ندّعي المحبة والاهتمام فيما نحن نطلق العنان لمشيئاتنا الخاصة ولتفرّد آرائنا المضادّة لمشيئته. نسمّره بالمسامير عندما نترك الدنيويات تسمّرنا بمساميرها وتقيّدنا بقيود الأنانية.

نحن في سلوكنا اليومي ننسى أنّ المسيح بسط يديه على الصليب الذي سُمِّر عليه ليسمّر الخطيئة ويشفي أيدينا التي تمتدّ إلى ثمارها. ننسى أن الدم والماء اللذين خرجا من جنبه أظهرا الحقيقة التي تجسّدت في كنيسته وأسرارها. يغيب عن بالنا أن إكليل الشوك الذي وضعوه على رأسه هو من بذور الشرّ الذي نزرعه في هذا العالم بملء إرادتنا. نحن فقدنا ذلك العطش إلى الخلاص الذي لا يرتوي. لهذا السبب قلوبنا لا تسجد مع أجسادنا.

فلكي تسجد قلوبنا للصليب علينا أن نشقّ أرضها ونغرس فيها الصليب بعزم ثابت وحماس للعيش بحسب روح الله، لأنّ إهمالنا وعدم اكتراثنا يغطيان صليبنا كمثل الذين طمَروا صليب السيّد. فبدل أن يكون منتصباً مرفوعاً في قلوبنا نقصيه ونرميه. نحن بحاجة لأن نتذكّر دائماً قول القديس ثيوفانس الحبيس: “لنتصوّر الصليب شجرةً، تكون الجذور منها الإيمان، الذي منه يفرع أولاً إنكار الذات والعزم على الزهد بكل الأمور الفانية والتركيز على عمل وحيد هو خلاص النفس. ومن إنكار الذات تتولّد المحبة المتأهّبة للإصغاء والطاعة. ومن الطاعة ينمو الصبر المكلل بالرجاء الذي يرمي بالإنسان إلى السماء وإلى القدس الداخلي… فحيث جميع هذه المواقف لا تنتصب شجرة الصليب وحيدة عارية، إنّما تتفرّع إلى أفنان كثيرة من الفضائل المتنوّعة فتكتسي أوراق جمال السيرة، وتنتج ثمار الأعمال الصالحة بوفرة”.

السنة العاشرة – العدد الثاني عشر – أيلول 2014

مختارات آبائية

كيف بقيَت النعجة؟

القديس نيقولاوس فيليميروفيتش

حياة روحية

طاعة… وطاعة

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

عظة

دستور الحياة المسيحيّة

الأرشمندريت توما بيطار

حياة روحية

المشاركة في حياة الكنيسة

حديث مع المتروبوليت يروثيوس فلاخوس

سجود القلب

الخورية سميرة عوض ملكي

رعائيات

موهبة الطاعة

الأب أنطوان ملكي

الهرطقات والواقع الأنطاكي

الأب أنطوان ملكي

قصة قصيرة

الفيلسوف القلق

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسي المقطّع

كيف بقيَت النعجة؟

القديس نيقولاوس فيليميروفيتش

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

عندما نفكّر بنظرية داروين غالباً ما ننشغل بكيف استطاعَت النعجة البقاء. يقول داروين أنّ في الصراع القاسي للبقاء على فترات طويلة، وحدها الحيوانات الأقوى والأكثر ذكاء من غيرها هي التي بقيَت بينما الأضعف والأقل حنكة اختَفَت. بعد الاستماع لهذه النظرية، نسأل أنفسنا: كيف تصرّفّت النعجة للبقاء على قيد الحياة؟ كيف جرت الأمور حتى أنّ أعداء النعاج القاتلين، أي الذئاب، لم يقضوا عليها كلياً؟ في النهاية، أنثى الذئب تلِد خمسةً أو ستة من الجراء في السنة، بينما في الفترة نفسها تلِد النعجة حملاً واحداً. إذاً في كل سنة، يوجد خمسة مقابل واحد.

إلى هذا، الذئب موهوب بالقوة وله مخالب وأنياب، فيما ليس للشاة أيّ منها. وبالإضافة، أليس الذئب أسرع من الشاة؟ إذاً لا أمل للشاة بالبقاء على قيد الحياة بالهروب من مضطهدها الذي لا يرحم. وعلاوة على ذلك، الخراف هي أشهى شيء لدى الذئب وهو قادر على افتراس قطيع كامل في وجبة واحدة. إذاً، نسأل، لمَ، عبر السنين، لم تُبادُ الخراف جميعاً وتُمحى عن وجه الأرض؟

الإنسان حماهم! أيّ إنسان؟ ألم يُخلق الخراف والذئاب قبل الإنسان؟ يوافق داروين مع الكتاب المقدس في هذا الإطار: ظهر الإنسان على الأرض بعد كل الحيوانات الأخرى، ما يعني بعد الذئاب والحملان معاً.

مَن يفوق الحملان  في الضعف والمسالمة والهشاشة وعدم التسلّح؟ النحلة أصغر حجماً لكنّ لها لسعتها. الجرثومة لا تُرى لكنها تهاجم بالسموم.  قارنوا الذئب بالخروف. الذئب مقاتل جريء قوي رشيق، لديه القدرة على التحمّل وهو مسلّح بشكل جيّد. إذاً، كيف تصرّف الخروف ليبقى على قيد الحياة في جوار الذئاب ومن دون معونة أحد؟ وكيف لنا نحن، في مواجهة هذه الحقيقة البديهية، أن نتقبّل القول بأنّ الأكثر قوة ورشاقة سوف يستمرّ بينما الأضعف والأقل رشاقة سوف يهلك ويختفي في ما يسمّى “الصراع من أجل البقاء”؟

بديهي أننا لا نستطيع. خبرتنا تقول بعكس ذلك. حالة الخراف تقول عكس ذلك. وكل النظريات العلمية يجب أن تُدار وتُصحح بالخبرة.

إذاً، كلّ ما بوسعنا عمله هو الالتزام بإيماننا الحسن القديم، الذي أثبتته الخبرة، بأنّ العناية الإلهية تحكم العالم، تدعم الضعيف وتلجم القوي فيما في الوقت عينه تحفظ هذا التناغم العجيب في الحياة حيث كلّ الذئاب تتغذى جيداً وكلّ الخراف محسوب حسابها. لقد أُعطي لنا الإثبات على هذه العناية الإلهية المحِبّة من ربّنا المخلّص حين قال بأنه ولا عصفور واحد يقع على الأرض من دون علم الآب (متى 29:10).

طاعة… وطاعة*

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

         استوى الشيخ على كرسيّ قرب الموقد يستدفئ، فيما أخذ الشابّ استفانوس يضع بعض قطع من السكر في فنجان الشاي، ويقدّمه باحترام شديد إلى الشيخ، وهو يقول:

- يا أبي القدّيس، لديّ سؤالان يتردّدان كثيرًا على خاطري، وكم أودّ لو أجد لهما جوابًا شافيًا.

- ابتسم الشيخ، وقال: هاتِ ما لديك.

- السؤال الأوّل: لماذا لا يستجيب الله لطلباتنا أحيانًا؟ والسؤال الثاني: هل تجري معجزات في زمننا الحاضر؟

- زفر الشيخ متنهّدًا، وقال: آه، يا بنيّ، إنّ هذين السؤالين يثيرانني جدًّا، ولذلك لا بدّ أن أوضّح لك أمرًا في غاية الأهمّيّة: لكي يستمع الله لك، يجب أن تسمع، أنت أيضًا، له. فأنت عندما لا تستمع إلى صوت الربّ، أو بالأحرى، لا تطيعه، فكيف ترجو، إذًا، أن يستجيب هو لصلواتك ويلبّي لك احتياجاتك؟!! إنّي أتساءل، وأرجو أن تتساءل، أنت أيضًا، معي: هل نسمع نحن نداء لله لنا؟ وإن كنّا، فعلاً، نسمع له، حقّ لنا أن نتساءل لماذا لا يستمع هو لنا؟! ولكن ما يحدث، يا بنيّ، أنّنا لا نصغي إلى لله، ولذلك، هو بالمقابل، لا يسمع صوتنا، وهذه هي العلّة الأساس لعذاباتنا وآلامنا. وأرجو أن تنتبه، هنا، إلى أنّي أعني بكلمة إصغاء الطاعةَ لوصاياه.

         إنّ عدم طاعتنا للمسيح، للكنيسة، للشريعة الإلهيّة، للإنجيل المقدّس، مردّه عدم تقوانا وقلّة إيماننا، بالإضافة إلى استهزائنا وسخريّتنا من الحياة المسيحيّة بعامّة. ولكنّ الله هو الوحيد الوحيد الذي لا يُستهزَأ به، وهو الوحيد الوحيد، أيضًا، الذي لا يُضحَك عليه ولا يُخدَع.

         يطيل الربّ يسوع أناته وينتظر ويتمهّل ويمهل. بيد أنّنا لا نكفّ عن الخطأ، ولذلك تنتظرنا، من دون أدنى ريب، نار تلتهمنا وما جمعناه من مادّيّات. تشبه الحياة الزمنيّة الحاضرة القشّ السهل الاحتراق، وأعني بذلك الخطيئة المتفشّية في النفوس، هذا القشّ الذي سرعان ما تذرّيه ريح الربّ، فلا يتبقّى لنا منه سوى دينونة قاسية لا ترحم!

         فهل يلمس الله طاعتنا لكي يستجيب، هو أيضًا، لطلباتنا. بل، وأتجاسر على القول لكي يطيع طلبنا، ويلبّي احتياجاتنا؟ هل تنتظر منه أن يعتقنا من أمراضنا المزمنة المستعصية، أو أن ينقذنا من وعيد الحروب الفتّاكة المدمّرة، أو أن ينجّينا من الجفاف أو الجوع أو العطش سواء للإنسان أو للحيوان؟!

         ماذا يجد الربّ في كلّ فرد منّا؟ في عائلاتنا؟ في مجتمعنا؟ في كنيستنا؟ الكلّ يجري خلاف ما يريد، والجميع يعيشون عكس ما يشتهي. إنّه لا يجد سوى العصيان في كلّ مكان. فلا أحد، نعم لا أحد، يعمل الصلاح كما حدّده هو في إنجيله المقدّس، أو ما ثبّتته الكنيسة القويمة الرأي. وهذا، بالضبط، ما ترنّم به، يومًا، صاحب المزامير حين قال: “أطلّ الربّ من السماء على بني البشر ليرى هل من فاهم أو طالب لله. ضلّوا كلّهم جميعًا وتدنّسوا. ليس من يعمل صلاحًا كلاّ ولا واحد” (مزامير 13: 2-3).

         الشباب، اليوم، لا يريدون أن يسمعوا شيئًا عن المسيح أو عن الكنيسة، لأنّهما يكشفان لهم اعوجاجهم بقولهما: “لا يليق أو لا ينبغي” لِما يتصرّفونه في حياتهم سواء المادّيّة منها أو الشهوانيّة أو الجسديّة.

         أولادنا، اليوم، يتخوّفون كثيرًا من سماع أيّ شيء عن المسيح أو عن تعاليمه، وعندما يكبرون قليلاً، ويجتازون إلى المرحلة الثانويّة، يزداد تخوّفهم، فيبتعدون من الله لئلاّ تمسي هذه التعاليم حواجز لهم حيال رغباتهم وغرائزهم.

         كم من رجال، في هذا العصر، يؤثرون الحياة الدنيويّة بمغرياتها كلّها، خاضعين لشهواتهم الجسديّة من دون أدنى رادع، ومفضّلين مصالحهم الشخصيّة على حياتهم الروحيّة. عادت الكنيسة بالنسبة إليهم غير ضروريّة، إنّها لا تروق لهم و”ليست على مزاجهم”؛ إنّها ثقيلة. ولذلك، فهم يفضّلون قضاء أوقاتهم إمّا بصيد الأسماك أو الركض، هنا وهناك، وراء اصطياد الطيور، أو يعرّضون أبدانهم لحمّام شمسيّ، أو ينطلقون في نزهة جميلة سواء بحريّة كانت أو برّيّة، هذا كلّه على حساب التردّد إلى الكنيسة ليؤدّوا الشكر لله الذي أغدق عليهم بعطاياه في الأسبوع الفائت، وأن يتوسّلوا إليه ليبارك لهم أسبوعهم الجديد المقبل. ماذا نقول؟ إنّهم يستكينون لتجديفهم وبذاءتهم وتصرّفاتهم غير اللاّئقة والعديمة الحشمة والأدب.

         كذلك الحال بالنسبة إلى زمرة من النساء اللاّئي يرغبن، بدورهنّ، أن يعشن حياتهنّ الخاصّة من دون الله، بعيدًا عن الكنيسة وأسرارها، غارقات في متاهات اللذّات، معتبرات الزنى أمرًا مشرَّعًا ومبدأ أساس لحياتهنّ.

         وهكذا نجد أنّه لا الشباب ولا الأولاد ولا الرجال ولا النساء ينتمون إلى الجماعة المسيحيّة الحقّة التي تهدف إلى العيش بخوف الله. إنّهم يتحاشون التحدّث عن الله، لأنّ الحديث عنه “موضة قديمة، حديث مملّ، لا مكان له في اجتماعاتهم الصاخبة”. ورغم هذا كلّه، فالربّ لا يفتأ يقول لهم: “يا أولادي، أنا حاضر، أنا أنتظر دعوتكم، وأنا مستعدّ لأهرع إليكم أن ناديتموني”.

         والآن، ما هو جواب الربّ، برأيك، إزاء هذا جميعه؟ وأيّ أُذُنٍ يميل ليسمع ابتهالنا أو طلبنا؟ وكيف سينصت إلى صوت تضرّعنا نحن عادمي التّقى؟

         ما هو، برأيك، موقف الربّ من فتاة شابّة جميلة تظهر أمامك في الشارع، أو حتّى في الكنيسة، وهي نصف عارية؟ وماذا سيقول الربّ عن شباب مستهتر جانح نحو السيّئات، وقد نسي أن يقصّ شعر لحيته، فتركها بلا ترتيب ولا نظافة؟ وكيف ينظر الربّ إلى المجدّفين الملحدين، الذين يسمّمون عقول الكبار والصغار على حدّ سواء؟ أتراه لا يئنّ على الخاضعين للذّات الجسديّة الذين يشرّعون الحرام ويحلّلون البغاء؟ ألا يتأسّف لحال المسنّين المتراخين اللاّهين عن قضاء آخر أيّامهم بتوبة وصلاة؟ ألا يدمّع أمام بيوت الزنى والعهارة؟ وماذا سيقول على الأزواج الذين يرفضون إنجاب الأطفال لأنّهم “لا وقت لديهم لتربيتهم”؟ وماذا سيقول، أيضًا، عن الإكليريكّين الذي استبدلوا لباسهم الوقور بآخر علمانيّ حتّى بتّ لا تعرف الكاهن من الشخص العاديّ؟

         أين هي البتوليّة؟ أين هو التعقّل؟ أين هو الإمساك؟ أين هو الصوم؟ أين هي الصلاة؟ أين هو الزواج الطاهر كسرّ مقدّس؟ أين هي المحافظة على العائلة كجسد مصغَّر لجسد المسيح، الكنيسة؟ أين هو الاعتراف، وأين هي التوبة؟ أين هو الالتزام الكنسيّ والمناولة المقدّسة؟ أين هو احترام التقليد الكنسيّ من قبل الإكليريكيّين والشعب سواء بسواء؟

         أتطلب، بعد هذا كلّه، أن يرحمنا الربّ؟ أتطلب أن ينعم علينا بأمطار أيّام القحط والجفاف؟ وهل تطلب أن يحمل عنّا أمراضنا ويرثي لضعفاتنا، أو أن يحلّ السلام على أرضنا، أرض الشقاء هذه؟

         أظنّ، يا ولدي، أنّ الله محقّ إن لم يسمع لنا أصواتنا وطلباتنا، لأنّنا نحن أرغمناه على ذلك. هو رحيم بطبعه، ولكنّه ديّان عادل أيضًا، ولذلك يجيبنا على لسان سليمان الحكيم قائلاً:

         “إلى متى أيّها الأغرار تحبّون الغرارة، والساخرون يبتغون السخرية، والجهّال يبغضون العلم. ارتدّوا لتوبيخي، فإنّي أفيض عليكم من روحي وأعلّمكم كلامي. لكن إذ قد دعوت فأبيتم ومددت يدي فلم يكن من يلتفت، واطّرحتم كلّ مشورة منّي، وتوبيخي لم تقبلوه، فأنا، أيضًا، أضحك عند عطبكم، وأستهزئ عند حلول ذعركم. إذا حلّ كعاصفة ذعركُم، ونزل عطبكم كالزوبعة، وحلّ بكم الضيق والشدّة، حينئذ يدعونني فلا أجيب. يبتكرون إليّ، فلا يجدونني بما أنّهم مقتوا العلم، ولم يؤثروا مخافة الربّ، ولم يقبلوا مشورتي، واستهانوا بكلّ توبيخ منّي. فيأكلون من ثمرة طريقهم، ومن مشوراتهم يشبعون. إنّ ارتداد الأغرار يقتلهم، وترف الجهال يهلكهم، والسامع لي يسكن في دعة مطمئنًّا من ذعر السوء” (أمثال 1: 22-32).

         وأمّا عن السؤال الآخر، فاعلم، يا ولدي، أنّه في هذه الأيّام تُعتبَر معجزة كبرى إن أصبح المتكبّر متواضعًا، والظالم عادلاً. وإن استحال الكاذب صادقًا، وتوقّف محبّ السكر عن شرب الخمر. وإن رمى لاعب القمار بورق اللعب بعيدًا، وتحوّل المجدّف إلى مؤمن صادق. وإن صار عابد المال كوثن إلى محسن كريم، وتوقّف مختلق الوشايات عن اختلاق الشرور والأكاذيب. إن علّم البذيء الكلام لسانه كلام الأدب والتهذيب، وإن تسربل عديم الحشمة الاحتشام والوقار.

         وتبقى المعجزة كبرى، في عصرنا هذا، أن يحافظ شبابنا على براءتهم وطهارتهم، وأن ينقلب الشابّ المنحلّ الأخلاق ابنًا للربّ بالحقيقة وكما ينبغي، وأن يتحوّل الخاطئ إلى صاحب فضيلة.

         وتكون معجزة كبرى أيضًا، يا ولدي، إن أحببت من يسيء إليك، وإن رحمت من يذنب إليك، وإن سامحت من يقتل لك أخاك أو أباك أو ولدك. المعجزة الكبرى هي أن يتوب الزاني عن نجاسته، ويعود مرتكب القبائح والشهوات الجسديّة إلى حضن الله، ويحتمي تحت ظلّ جناحيه.

         من الممكن أن تكون أنت، بالذات، المعجزة الكبرى عندما تغيّر مسيرة حياتك من مسيرة سيّئة إلى طريق صالحة. لا بل من إنسان مسيحيّ لاهٍ غير مبال متراخٍ إلى إنسان آخر حيّ حارّ العبادة عبر ممارسة الاعتراف والمناولة بتواتر، وقراءة الكتاب المقدّس باستمرار، والتزام كنسيّ جادّ، وصلاة حارّة في منزلك صباحًا ومساء.

         ولكن، يا ولدي، يبقى السؤال الأهمّ: هل ستقوم بهذا كلّه وتتعهّد به؟ ما قولك في هذا؟ أرجو أن يكون جوابك إيجابيًّا، فتجد الله، ويجدك هو، لتعيش معه إلى الأبد ابنًا صالحًا رضيًّا.

* عن اليونانيّة من نشرة محبّي الشهادة الأرثوذكسيّة لله.

دستور الحياة المسيحيّة*

الأرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، بعد قراءة هذا الإنجيل، الّذي تُلي عليكم، أودّ أن أتوقّف عند بعض المفاهيم المفاتيح، لِما فيها من ذُخرٍ طيّب، ومن تعليم حريص.

أوّلاً، يسوع تحنّن على الجموع كإنسان؛ لأنّه هو، في كلّ حال، يحبّ الجميع؛ لأنّ الله محبّة. لكنّ الحنان، هنا، حنان بشريّ مُنقًّى. وأؤكّد على الحنان المُنقّى. نحن، في الحقيقة، بعد السّقوط، صرنا لا نتعاطى الحنان المُنقّى، إلاّ بنعمة من الله. الحنان، والعاطفة، والمحبّة، والرّحمة… كلّها، في الممارسة البشريّة، مزغولة بالأنا، بحبّ التّملّك. لهذا السّبب، علينا أن نكون حريصين، دائمًا، لكي لا نترك عواطفنا على الغارب. علينا، دائمًا، أن نلجم أنفسنا، أن ننتبه لذواتنا؛ حتّى لا نتعاطى العطف، والحنان، واللّطف، والمودّة، والمحبّة، والرّحمة، بروح حبّ الذّات. الرّبّ يسوع تحنّن، هنا؛ لأنّه، في الحقيقة، لبس إنسانيّتنا الفردوسيّة، ولم يلبس بشرتنا السّاقطة. طبعًا، هو إنسان، بكلّ معنى الكلمة؛ لكنّه لم يأتِ من اتّحاد رجل بامرأة، بل أتى من امرأة نزل عليها روح الرّبّ القدّوس. لهذا، إنسانيّته كانت كإنسانيّة آدم قبل السّقوط، حين كان في الفردوس. لهذا السّبب، حنانه حنان صافٍ، حنان مُنقًّى، ليس فيه تملُّك، ولا أنا، ولا حبّ للذّات. ونحن، لكي نقتني الحنان الإلهيّ، علينا أن نتعلّم الوصيّة، علينا أن نسلك فيها، وأقصد الوصيّةَ الّتي تقول إنّ الإنسان لا يستطيع أن يكون تلميذًا للرّبّ يسوع، إن لم يكره نفسه. على الإنسان أن يطلّق إنسانه العتيق. وهذا، طبعًا، يحتاج إلى نعمة الله، أوّلاً؛ ويحتاج، من قـِبلنا، إلى صحوٍ، إلى انتباه، إلى جهاد؛ لأنّ مَيْلَنا التّلقائيّ هو إلى حبّ الذّات؛ لذلك، كلّ ما نتعاطاه، في حياتنا، مائل، بصورة تلقائيّة، إلى حبّ الذّات. أمّا الإنسان الّذي يريد أن يسلك في إثر الرّبّ يسوع، فعليه، دائمًا، أن يتعلّم كيف يتخطّى نفسه، كيف يقمع أهواء نفسه، كيف يرصد الحركات غير النّقيّة في نفسه. وهذا، طبعًا، لا يمكن أن يحدث، إن لم يقتنِ الإنسان تواضع القلب؛ إن لم يعرف أنّه خاطئ؛ إن لم يحسّ، في كلّ حين، بأنّه إنسان خاطئ، وبأنّه تراب ورماد. الإنسان يقتني الاتّضاع باعتبار نفسه، أوّلاً وقبل كلّ شيء، أنّه أوّل الخطأة: “خطيئتي أمامي في كلّ حين” (مز50: 3). لذلك، لا يستكبر؛ لا يدين؛ ينظر، دائمًا، بعينه الدّاخليّة، إلى خطيئته الدّاخليّة؛ ويسترحم الله عليها؛ إلى أن يمنّ الرّبّ الإله عليه بنعمة الاتّضاع. متى صارت له نعمة الاتّضاع، يصير بإمكانه أن يميّز ما هو من الله في نفسه، وما ليس من الله فيها. إذًا، بالسّلوك في الوصيّة بأمانة نأتي إلى الاتّضاع، وبالاتّضاع نصير قادرين على تمييز الغثّ من السّمين في أنفسنا. ومن هناك، يبقى علينا أن نلقي الغثّ خارجًا، وأن نتمسّك بالسّمين، أي بما هو لله، ونسلك فيه. هكذا نقتني الحنان المنقّى؛ ونقتني، في الحقيقة، كلّ فضيلة. هذا بالنّسبة إلى موضوع الحنان.

قال يسوع لتلاميذه، أيضًا: “الحصاد كثير والفَعَلَة قليلون؛ فاطلبوا من ربّ الحصاد أن يُرسل فعلةً إلى حصاده”. هذا الكلام يشير، بوضوح، إلى أنّ هناك فَعَلَة من عند الله، وهناك فَعَلَة من عند النّاس. الفَعَلَة الّذين من عند النّاس يكونون على شاكلة النّاس، وهم مُعرَّضون لتجارب النّاس، ولهم خطايا النّاس. أمّا الفَعَلَة الّذين من عند الله، فهؤلاء يكونون رجالاً لله! هؤلاء علينا أن نصوم، ونصلّي، ونتضرّع إلى الرّبّ الإله بنقاوة قلب؛ لكي يُرسل إلينا أشخاصًا مثلهم. الموضوع، إذًا، ليس موضع استنساب بشريّ. بكلام آخر، نلاحظ النّاس، فنرى فلانًا حاملاً شهادة، وهو لَبِق في الكلام، ومهذَّب، وفهيم؛ فنختاره ليكون عاملاً من عَمَلَة الكنيسة. المقاييس عند الله مختلفة. الله لا ينظر إلى العينين، بل إلى القلب. لهذا، لا يليق بنا أن نعتمد المقاييس البشريّة. علينا، دائمًا، بتنقية القلب، وبالصّلاة إلى الله والتّضرّع إليه، أن نعتمد المقاييس الإلهيّة. المهمّ أن يكون مَن نختاره رجلاً لله، لا رجلاً يتمتّع بمواهب بشريّة مختلفة. هذا قد ينفع في غير كنيسة المسيح، لكنّه قد يكون لكنيسة المسيح سبب عثرة، قد لا تكون قليلة!

و”دعا يسوع تلاميذه الاثني عشر، وأعطاهم سلطانًا على الأرواح النّجسة، لكي يُخرجوها، ويشفوا كلّ مرض وكلّ ضعف”. هذا، في الحقيقة، يشير، بوضوح، إلى أنّنا لا نستطيع شيئًا من دون الله. إن لم يعطنا الرّبّ الإله نعمة إخراج الأرواح الخبيثة؛ ومن ثمّ، شفاء كلّ مرض وكلّ ضعف، وهذا يشمل كلّ شيء؛ فإنّنا لا نستطيع شيئًا، على الإطلاق. كلّ ما يعانيه الإنسان هو، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، من الشـّيطان. قد يكون الشـّيطان مقيمًا في إنسان، وقد لا يكون. لكنّ كلّ ضعف يعانيه الإنسان، في النّفس وفي الجسد – كلّ مرض، كلّ ألم… – هو، بصورة غير مباشرة، من الشـّيطان. نحن، إذًا، نحتاج، أوّلاً وقبل كلّ شيء، إلى النّعمة الإلهيّة، لكي نتصدّى لعمل الشـّيطان المُفسِد في النّفس. الرّبّ يسوع قال: “بدوني لا تستطيعون شيئًا، على الإطلاق” (يو15: 5). وهو قد اختار الرّسل بنفسه. اختار اثني عشر رسولاً من بين العاديّين من البشر، وأكثرهم جاهل بأمور العـِلم الدّنيويّ والثّقافة الدّنيويّة. اختارهم كذلك، لكي يحفظهم من الاستكبار؛ لأنّ العلم ينفخ؛ ولأنّه أراد أن يُنعم عليهم، هو نفسه، بكلّ ما يحتاجون إليه لإتمام الخدمة الّتي كلّفهم بها. كما أنّه اختار، أيضًا، يهوذا الإسخريوطيّ، وهو عارف بما في قلبه، حتّى قبل أن يفكّر يهوذا الإسخريوطيّ نفسُه في تسليم الرّبّ يسوع. لا شيء، في الحقيقة، خارج قبضة الله. الرّبّ الإله هو الضّابط الكلّ، ولا يتفرّغ شيء من يد الله، على الإطلاق! حتّى الّذين يرومون شرًّا يعرفهم الله جيّدًا. ولو لم يكن ليسمح لهم بتعاطي الشـّرّ، لَما كان بإمكانهم أن يفعلوه. والرّبّ الإله يسمح بذلك؛ لأنّه، من جهة، يريد أن يكون النّاسُ أحرارًا؛ ومن جهة أخرى، لأنّه قادر على أن يحوّل كلّ شرور البشريّة إلى أدوات للخير. هذا ما فعله الرّبّ يسوع بالصّليب. ما فعله اليهود بقصد التّخلّص من الرّبّ يسوع صار أداةً لخلاص البشريّة. بعض آبائنا يقول بصراحة: لو لم يكن هناك شيطان، لَما كان بإمكان إنسان أن يخلص. في الحال الّتي هو فيها، الإنسان لا يمكنه أن يخلص، إلاّ بالتّجارب الّتي يأتي بها عليه الشـّيطان؛ إذ، بإزاء هذه التّجارب، يُتاح له أن يقاوم، وأن يصرخ إلى الرّبّ الإله، والرّبّ يعينه؛ يُتاح له أن يتنقّى، أن يتقدّس، أن يصير مسكنًا لروح الرّبّ. طبعًا، لا فضل للشـّيطان في ذلك! بل الفضل للرّبّ الإله، الّذي يعرف أن يحوّل كلّ أحابيل الشـّيطان إلى أدوات لخلاص البشريّة. ونعود إلى يهوذا الإسخريوطيّ. الرّبّ يسوع سمح له بفعل ما فعله؛ وهو، في الحقيقة، اختاره لكي نفهم أنّه لا يستثني أحدًا، على الإطلاق: الله “يريد أنّ الجميع يخلصون، وإلى معرفة الحقّ يُقبلون” (1تيمو2: 4)، وهو لا يهاب أحدًا. نحن، بشريًّا، إذا لاحظنا أنّ إنسانًا يمكن أن يؤذينا، نبتعد عنه، أو نُبعده عنّا. أمّا الرّبّ الإله، فليس عنده شيء من هذا؛ لأنّه هو السّيّد، في كلّ حال! وما فعله يهوذا الإسخريوطيّ استوعبه الرّبّ يسوع، بحيث جعله، كما قلت، أداة لا لقيامته، فقط؛ بل أيضًا لخلاص البشريّة من خلال قيامته.

ثمّ كلّف الرّبّ يسوع التّلاميذ بما عليهم أن يفعلوه. الرّبّ يسوع لا يُرسل أحدًا إلى المعركة ما لم يكن مُزوَّدًا بالتّوجيهات المناسبة، وبالسّلاح الموافق. في البداية، أعطاهم سلاحًا على الأرواح النّجسة، لكي يخرجوها، ويشفوا كلّ مرض وكلّ ضعف. بعد ذلك، يعطيهم التّوجيهات الموافقة، لكي يعرفوا ماذا عليهم أن يفعلوا: “انطلقوا، بالأحرى، إلى الخراف الضّالّة من بيت إسرائيل. وفي انطلاقكم، اكرِزوا قائلين: قد اقترب ملكوت السّموات”. ما على التّلاميذ أن يفعلوه، إذًا، هو الكرازة بملكوت السّموات؛ ومن ثمّ، الموضوع هو موضوع الحياة الجديدة، موضوع الرّبّ يسوع، موضوع الحياة الآتية من فوق. ملكوت السّموات قد أُعطي. يبقى على النّاس أن يقتبلوه. ملكوت السّموات في متناول كلّ واحد منّا. ليس بإمكان أحد أن يقول إنّه محروم من نعمة الله. الإنسان يحرم نفسه بنفسه من الملكوت، ومن الحياة، ومن عشرة الله، ونورهِ، وفرحـِه، وسلامـِه. أمّا الرّبّ يسوع، فقد أعطى ذاته لنا بالكامل، بالكلّيّة: “خذوا كلوا، كلّ شيء لكم. وأمّا أنتم، فللمسيح، والمسيح لله”. “اشفوا المرضى، طهّروا البرص، أقيموا الموتى، أَخرِجوا الشـّياطين”. طبعًا، هذا توكيل؛ وفي آن معًا، يعطيهم الرّبّ الإله، مع التّوكيل، القدرة على أن يتمّموا ما يوكّلهم به، وكأنّه يردّد ما سبق أن قاله أعلاه. ثمّ يختم قوله بهذا الكلام المعبِّر جدًّا: “مجّانًا أخذتم، مجّانًا أعطوا”. المجّانيّة هي سمة المسيحيّة بامتياز. أن يُعطى شيء بالمجّان لا يعني، أبدًا، أن يُعطى الإنسان شيئًا من دون أن يدفع ثمنه. المعنى هو أنّ الرّبّ الإله، إذا ما أعطانا الملكوت مجّانًا، فإنّه يعطينا إيّاه عن محبّة خالصة وكاملة. ونحن، بإزاء ذلك، لا يمكننا أن نؤدّي عن الملكوت ثمنًا. نحن نأخذه مجّانًا. المجّان، إذًا، هو ما لا طاقة للإنسان على أن يؤدّي مقابلاً له. طبعًا، هذا، في حياتنا، ينبغي أن يكون دستورًا. علينا أن نتعلّم أن نتعاطى المجّانيّة في تعاملنا بعضنا مع بعضنا الآخر، بمعنى أن نبثّ ما بثّه الرّبّ يسوع فينا. ليس الموضوع أن نعطي ما هو من الأرضيّات. الموضوع هو أن نعطي، من خلال الأرضيّات، ما هو من السّموات. ليس الموضوع أن نطعم الجياع، بل أن نطعم الجياع محبّة الرّبّ يسوع من خلال الخبز. وإذا ما اكتفينا بإطعام النّاس خبزًا، فلا بدّ لنا، بعد حين، من أن نتعب، ومن أن نجد أن الخبز قد نفد؛ لكن، الخبز الّذي نحتاج، دائمًا، إلى تقديمه إلى النّاس هو الّذي يطعمنا إيّاه الرّبّ يسوع، في كلّ حين، وهو كلمته، حياته، حنانه، لطفه، أسراره. هذا كلّه علينا أن نمدّه إلى الآخرين.

إذًا، نحن، في كلّ خدمة نؤدّيها للنّاس، ليس الموضوع أن نؤدّي خدمة أفقيّة بشريّة، فقط. المهمّ أن نؤدّي خدمة إلهيّة عموديّة، من خلال ما نتعاطاه أفقيًّا. إذا فهمنا هذا الأمر، تغيّرت نوعيّة تعاطينا والنّاسَ تغييرًا كبيرًا؛ وبات كلّ شيء في حياتنا هادفًا، بمعنى أنّ الملكوت يصير قـِبلتنا وقـِبلة النّاس الّذين نمتدّ صوبهم. فالمجد لله على ما أعطاه، والمجد لله على ما يتحقّق، في كلّ حين، من خلال أحبّاء الله بروح الرّبّ القدّوس.

آمين.

* عظة حول متّى9: 36- 38؛ 10: 1- 8، السّبت 9 تشرين الأوّل 2010

المشاركة في حياة الكنيسة

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

 

         دعيت الإنسانية للعودة لليتورجية من خلال تجسد المسيح، لكي تشارك في حياة الكنيسة. عندما اتخذ المسيح الطبيعة البشرية، اتخذ كل إمكانيات كلٍّ من الجسد والنفس. بالتالي منحهما الشفاء، لأنه بحسب تعليم القديس غريغوريوس اللاهوتي: “ما لا يُتخَذ لا يمكن أن يُشفى”. لقد صار المسيح نفسه كلاً من الكاهن الأعظم والذبيحة. إنه هو نفسه الذبيحة، ويقدمها، ويقبلها. “لأنك أنت يا يسوع ربنا المقرِّب والمقرَّب، القابل والموزَّع….”. يصبح العالم كله ليتورجية من خلال الإنسان. اليوم في عصر الكنيسة يبدأ الإنسان الاشتراك في الليتورجية الحقيقية. إنه يفلت من حالة “اللاليتورجية” الفوضوية، ويبدأ في العمل بطريقة صحيحة بالعودة إلى الليتورجية بشرط أن يريد هو نفسه ذلك وأن يجاهد بمساعدة النعمة الإلهية. الإنسان مدعو لأن يحيا ليتورجياً، فكيف يمكن له أن يفعل ذلك؟

         أولاً وقبل كل شيء، هو مدعو للحياة داخل الكنيسة التي هي مكان إلتقاء السماء بالأرض. إنه مدعو للاشتراك في الليتورجية الإلهية التي تحدث داخل الكنيسة. الليتورجية الإلهية هي دعوة للاشتراك في الشركة مع الله. نحن غير مدعوين “لحضور” الليتورجية الإلهية، ولكن للاشتراك فيها، وخصوصاً في المناولة المقدسة.

         مع الأسف، أغلب الناس اليوم يحيون بدون الليتورجية. إنهم لا يشعرون بالحاجة للذهاب إلى الكنيسة والاشتراك في الليتورجيا. من وجهة نظر معاصرينا المنشغلين بالنشاط الاجتماعي، والمهمومين بالأشياء المادية وبالاستمتاع بالخيرات المادية، تكون الليتورجيا الإلهية يوم الأحد (القداس الإلهي) مجرد عادة، وأمر عتيق ينبغي أن يختفي لأنها لا تضيف شيئاً للإنسانية. إنها عادة خاصة بالمسنين. في الواقع، حتى أولئك الذين يحضرون الليتورجيا يشعرون أنه مجرد شيء يفعلونه يوم الأحد.

         ثانياً، المسيحي مدعو للتصرف بطريقة صحيحة وبصدق حتى لو كان يحضر الليتورجية ويذهب للكنيسة. ليست الليتورجيا الإلهية مجرد واجب يؤدى، لكنها تقدمة كل حياتنا لله. إننا ندخل في روح الليتورجيا بأن نعيش الليتورجيا حقاً كما يجب. تظهر لنا الليتورجية الإلهية صورة المسيح، صورة المسيح المتألم. لقد أخلى المسيح نفسه وأخذ شكل العبد (في7:2). إننا مدعوون لتشكيل أنفسنا على صورة المسيح الآخذ شكل العبد. إننا نحتاج لاكتساب واستيعاب الاتضاع، والوداعة، والسلام، والتضحية وبذل الذات. عندما نكتسب محبة المسيح الباذلة والمخلية لذاتها فإننا نكون عائشين بطريقة “ليتورجية”.

         حتى بعد انتهاء الليتورجية الإلهية، يكون المسيحي مدعواً للحياة في جو الليتورجيا في كل حياته اليومية، أي أن يتصرف بصدق وبطريقة صحيحة عندما يواجه مشاكل الحياة اليومية. لا يحيا المسيحيون بطريقة معينة في الكنيسة وبطريقة أخرى خارجها. الحياة خارج مبنى الكنيسة هي استمرارية لجو الإفخارستيا الإلهية داخلها. تنعكس الطريقة التي نحيا بها على مدار الأسبوع على الطريقة التي نتصرف بها داخل الكنيسة، وتشير الصلاة أثناء الليتورجية الإلهية إلى الطريقة التي سوف نحيا بها في حياتنا اليومية. فلو عاش المرء بطريقة نسكية طوال الأسبوع فإنه سيكون قادراً على الحياة بطريقة “ليتورجية” أثناء الليتورجية الإلهية في الكنيسة.

بالإضافة إلى ذلك، ينبغي على المرء أن يعيش بطريقة صحيحة، أي “ليتورجيا”، من جهة نفسه هو ذاته. ينبغي أن يكون المسيح هو مرجعية كل إمكانيات النفس الداخلية. بحسب تعليم القديس مكسيموس المعترف، للنفس ثلاثة جوانب رئيسية: الجانب العاقل، والجانب المريد، والجانب الحسي. ينبغي علينا دمج الفضيلة المناسبة داخل كل جزء من النفس، بحيث تستطيع الأجزاء الثلاثة أن تعمل بطريقة صحيحة، أي “ليتورجية”، وفي اتحاد. يخبرنا القديس مكسيموس أنه ينبغي علينا أن نقمع الجانب الحسي للنفس بالحب، وأن نكبح الجانب المريد بضبط النفس، وأن نحرر الجانب العاقل بالصلاة، وعندئذ لن ينطفئ أبداً نور النوس. هذ هو في الواقع منهج الكنيسة النسكي.

         ينبغي على المرء أيضاً أن يتصرف بطريقة صحيحة “ليتورجية” متكاملة من جهة الآخرين. عندما تتخلل روح الليتورجية الإلهية عالم المرء الداخلي ، فإنه يتصرف  خارجياً كما ينبغي من جهة المحيطين به. الشخص صاحب النفس المتزنة يكون هو أيضاً متزناً في حياته داخل المجتمع. الذين يحيون الليتورجية بحق “لا يحتفظون بأي شيء لأنفسهم بطريقة أنانية. إنهم يقدمون ذواتهم بدون تحفظ. يعطون كل شيء لكي يتلقوا كل شيء. إنهم يموتون لكي يحيوا، ويقدمون كل شيء في المسيح ومن أجل المسيح”(الأرشمندريت جورج كابسانيس).

         ينبغي علينا أن نتعلم أن نعيش بطريقة صحيحة “ليتورجية” وليس في الفوضى التي هي مناقضة لروح الليتورجية. ينبغي علينا أن نهرب من تلك الحالة ونحيا في الليتورجية الحقيقية. أولئك الذين يعيشون الليتورجية هم أناس حقيقيون، لأن العمل بطريقة “ليتورجية” يعني العمل بحسب الحق، ويعني أن تقديم الذبيحة بطريقة صحيحة يفيد الجنس البشري.

موهبة الطاعة

الأب أنطوان ملكي

هل الطاعة موهبة؟ إذا كانت موهبةً فما قيمة اتّخاذ الرهبان لها نذراً؟ وإذا كانت نذراً فهي خيار أو سلوك تحدده القوانين الرهبانية وتعاليم آباء البراري الذين تزخر توجيهاتهم بالحديث عنها. فهي مطلوبة من الراهب حتّى اندثار مشيئته، لأن في هذا الاندثار تخلٍ يعكس ملء الحرية. قمّة الحرية أن يتخلّى الإنسان عن حريته. لكن أين يكون هذا وضمن أي إطار؟ طبعاً هذا يكون في الشركة الرهبانية، في الدير، ولجماعة تخلّى كلّ منها عن حريته لإخوته في الجماعة، وكلّهم لرئيس تمرّس في هذا التخلّي وصار خبيراً في تظهير الحرية في الطاعة.

ففيما يعلّم التراث الرهباني عن الطاعة، وفيما تؤكّد خبرة الرهبنة أنّ لا بدّ من الطاعة للوصول إلى تحقيق المثال الرهباني، يتساءل المؤمن الذي يعيش خارج إطار الشركة الرهبانية عن حدود طاعته ولمَن يقدمها. بالعودة للكتاب المقدّس نرى الرسل يحددون أن جائزة مَن يطيع الله هو الروح القدس نفسه (أعمال 32:5)، والرسول بطرس يرى أن طاعة الإخوة دليل المحبة الطاهرة “طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ، فَأَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ” (1بطرس 1: 22)، ويرى أن طاعة المسيح هي دليل على البنوّة له “كَأَوْلاَدِ الطَّاعَةِ، لاَ تُشَاكِلُوا شَهَوَاتِكُمُ السَّابِقَةَ فِي جَهَالَتِكُمْ، بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ” (1بطرس 1: 14، 15). أمّا الرسول بولس فيعلّم أنّ الطاعة للمسيح هي دليل على الخيار الذي اتّخذه المؤمن بأن يكون مع البِر: “أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي تُقَدِّمُونَ ذَوَاتِكُمْ لَهُ عَبِيدًا لِلطَّاعَةِ، أَنْتُمْ عَبِيدٌ لِلَّذِي تُطِيعُونَهُ: إِمَّا لِلْخَطِيَّةِ لِلْمَوْتِ أَوْ لِلطَّاعَةِ لِلْبِرِّ؟” (رومية 6: 16)، “هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ” (2كورنثوس 10: 5).

لكن أين تأتي طاعة الرؤساء أو الآباء الروحيين في الكتاب المقدّس؟ يعلّم الرسول بولس: “أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ لأَنَّ هذَا حَقٌّ” (أفسس 6: 1). عن أيّ والدِين يحكي؟ يتّضح من الآيات 2:6-4 في الرسالة إلى أفسس أنّ المقصود هو الأهل بالمعنى التقليدي للكلمة، خاصةّ أن الآية 4 موجّهة إلى الأهل بالجسد:”«أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ»، الَّتِي هِيَ أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ، «لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ، وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَارِ عَلَى الأَرْضِ». وَأَنْتُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ، بَلْ رَبُّوهُمْ بِتَأْدِيبِ الرَّبِّ وَإِنْذَارِهِ.” وفي الرسالة إلى كولوسي أيضاً، الكلام نفسه: “أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ لأَنَّ هذَا مَرْضِيٌّ فِي الرَّبِّ” (كولوسي 3: 20) يتبعه وصية إلى الأهل “أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ لِئَلاَّ يَفْشَلُوا” (21:3)، ومن ثمّ إلى العبيد.

أليس من إشارة في الكتاب المقدّس يستند إليها المؤمن ليطيع الأب الروحي؟ أليس للعلاقات القائمة اليوم بين الآباء الروحيين وأبنائهم من غير الرهبان نموذج غير الرهبنة لتقوم عليه. الجواب موجود لدى الرسول بولس في تعليمه: “أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا، لأَنَّهُمْ يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ كَأَنَّهُمْ سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَابًا، لِكَيْ يَفْعَلُوا ذلِكَ بِفَرَحٍ، لاَ آنِّينَ، لأَنَّ هذَا غَيْرُ نَافِعٍ لَكُمْ” (عبرانيين 13: 17). فهو يطلب الخضوع وليس فقط الطاعة، وهذا ينطبق نحو الآباء الروحيين والرؤساء أيضاً، لكن طالما هم يسهرون لأجل نفوس المؤمنين. هل هذا يعني أن عند عدم اهتمام الرئيس بالنفوس يصبح عدم الطاعة ممكناً؟ في غياب ديناميكية حياة الجماعة الكنسية يصير الحكم بذلك صعباً والاحتكام إلى التقليد محفوفاً بالتعقيدات ما يفاقم الوضع القائم.

الوصايا الإنجيلية حول سماع كلمة الرب كثيرة، لكن كيف يعرف الإنسان أنه يطيع وصايا الله؟ الإيمان الأرثوذكسي هو إيمان اختباري “تعالَ وانظر”. من هنا وجب أن يحمل الأب الروحي أو الرئيس الروحي النموذج الذي يتبعه المؤمن فيحقق وصية الرسول بولس: “وَمَا تَعَلَّمْتُمُوهُ، وَتَسَلَّمْتُمُوهُ، وَسَمِعْتُمُوهُ، وَرَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، فَهذَا افْعَلُوا، وَإِلهُ السَّلاَمِ يَكُونُ مَعَكُمْ. (فيليبي ٤: ٩). فالحكمة ينبغي أن تتوفّر لدى الطرفين، المرشِد والمرشَد لأن الموقف الأخير هو أنه “يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ” (أعمال الرسل 5: 29).

أحدى مشكلات الكنيسة الأرثوذكسية اليوم هي في تطبيق مفهوم الطاعة، وقد عبّر عنه مطران جبل لبنان في مقدمة نشرة رعيتي في 24 شباط 2014: “الكلام على الطاعة، ولا سيّما طاعة الرؤساء في الجماعة، له، في زماننا، تفاسير عدّة. وهذه، بمعظمها، ترتدي ثوبًا فضفاضًا بإعلائها المراتب كما لو أنّ الكنيسة طبقات”. بالطبع هناك مشكلات كثيرة تعيق السلوك في “الحياة الروحية” التي ترضي المسيح، أهمّها محاولة نسخ النموذج الرهباني والسعي إلى تطبيقه في مجتمع يفتقد النموذج غير الرهباني ولا يشبه الأديار بشيء. أما ثاني المشكلات فهي مراهقة أغلبية مَن يدّعون الأبوة الروحية. لا يكفي أن يتسلّم الكاهن الحُجرَ من الأسقف حتى يصير أباً روحياً. ولا يكفي أن يعيّن المطران راهباً أو راهبة في رئاسة دير حديث المنشأ حتّى يصير هذا الراهب أو الراهبة أباً روحياً. الخبرة هنا ضرورية على قدر أهمية المحبة. لمَ يقبل الآباء الجسديون أن يحتملوا كلّ شيء من أولادهم فيما يرى الأسقف أو الكاهن أو الأب الروحي أن أولاده يجرحونه في عدم طاعته؟ أن تصير الطاعة هي المعيار الأول في ميزان علاقة الأسقف بأبرشيته أو الكاهن برعيته أو الأب الروحي بأبنائه دليل على نقص في النضج، وتشويه لحرية أبناء الله.

لماذا هذا الكلام؟ أهو للتحريض على عدم طاعة الآباء أو الرؤساء؟ بالطبع لا. الهدف الأساسي هو الإضاءة على أزمة نعاني منها في كنيستنا، ولا نجروء في أغلب الأوقات على إثارتها. لماذا ربط الطاعة بالمواهب؟ لأنّ في الكنيسة كلام كثير عن اكتشاف المواهب وتنميتها والاهتمام بالقدرات والخبرات وتفعيلها، لكن الوقت يثبت أن أولى المواهب المطلوبة هي الطاعة. فالتكريس هو الطاعة، والالتزام هو الطاعة، وحتّى العلم هو الطاعة. لهذا نتألّم إذ نرى الكثيرين من أبناء الكنيسة يبتعدون أو يبعَدون. ضروري لقيامة الكنيسة أن يفهم الجميع، من كل الرتب والمسؤوليات والمهمات والمواهب، ما يعلّمه القديس يوحنا الذهبي الفم في شرح كلام الرسول بولس حول المواهب وجسد الكنيسة في الإصحاح الثاني عشر من كورنثوس الأولى: “إن لم يوجد بينكم تنوّع عظيم لا يمكن أن تصيروا جسدًا. إن كنتم لستم جسدًا لا يمكن أن تتحدوا. إن كنتم لستم واحدًا فإنه لا يمكن أن تصيروا متساوين في الكرامة. لأنكم لم تنالوا نفس المواهب.. المشاركة العامة في كل شيء، الأمور الصالحة والمحزنة، هي الطريق الوحيد لبلوغ كمال الشركة”.

الهرطقات والواقع الأنطاكي

الأب أنطوان ملكي

قراءة رعائية من واقعنا

ورد في نشرة رعيتي، 30 كانون الأول 2001، العدد 52: “البدعة (secte ) هي “ممّا أُحدث على غير مثال سابق”، أو هي، بمعنى آخر، أمر جديد غير مألوف. والبدعة، باللغات اللاتينيّة، تعني الانفصال عن الأصل. أمّا في علم الاجتماع الدينيّ فتتضمّن معاني سلبيّة، فيُقصد بها كلّ جماعة منغلقة على نفسها تمارس في داخلها طرق “غسل دماغ” وتلاعباً فكريّاً عند الآخر، ممّا يؤدّي إلى تحطيم المرء تحطيماً جسديّاً وروحيّاً واجتماعيّاً، فتمنع عنه حرّيّة التعبير أو النقد أو مجرّد النقاش. وتقتصر مسيرة المنتمين إلى هذه البدع على تقبّل الأجوبة الجاهزة والانتقائيّة والتلفيقيّة التي يفرضها النظام العقائديّ المُنزل، والتي غالباً ما تخلو من العمق والمنطق السليم. وتكون هذه الجماعات، في أغلب الأحيان، تحت سلطة “غورو” (ما يوازي المرشد الروحيّ) الذي يتصرّف مع جماعته كإله يتحكّم بمصير كلّ فرد فيها.”

أول تعليق حول هذا النص هو لغوي: كلمة sect تعني الطائفة أو الشيعة أو الفرقة، لكنها لا تعني البدعة في أي من المعاجم. إلى هذا، مفهوم البدعة الوارد في هذا النص يتّكل بشكل أساسي على علم الاجتماع الديني وليس على الآباء أو الكتناب المقدّس كما سوف يظهر في هذا النصّ. فالواضح أولاً أن اللغة التي يستند إليها التفسير هي اللغة اللاتينية وليست لغة الكتاب المقدّس اليونانية، من هنا أن في هذا التحديد اقتصرت البدعة على الشيعة (sect) وما من أي إشارة إلى الهرطقة، أي ما من أي إشارة إلى علاقة البدعة بالإيمان. هذا التعريف ينطبق فعلياً على الدين الجانبي (parareligion).

إذاً، ما الهدف من إثارة الموضوع؟

الهدف من الكتابة حول هذا الموضوع هو الإجابة على عدد من الأسئلة التي تنطبق على واقعنا: أما زال هناك هراطقة أن أن الهرطقة من الماضي؟ هل مجرّد كون الإنسان أرثوذكسياً يعني أنه ليس هرطوقياً؟ هل الكاثوليك والبروتستانت هراطقة؟ هل ما زال مسموحاً توصيف أيّ من المسيحيين بالهرطقة أو البدعة؟ هل يتّفق هذا التحديد مع التقليد؟

في الكتاب المقدّس

بداية كيف يحدد الكتاب المقدس البدعة. نقرأ في العهد القديم عن الكثيرين من الأنبياء الكذبة الذين تواجد البعض منهم حتّآ في أيام السيد المسيح. واضح في الكتاب المقدس تحذير رجال الله من الأنبياء الكذبة، في العهدين القديم والجديد وكيفية تعاطي شعب الله معهم.  أما تحديد البدعة على أنها ما نسمّيه في العربية الهرطقة أي التعليم الخاطئ أو النبوءة الكاذبة، فيعود إلى الرسالة إلى تيطس حيث يقول المصطفى بولس: «الرجل المبتدِع أعرِض عنه» (10:3). باليونانية، الرجل المبتدِع هو  Αιρετικόν άνθρωπον. الصفة هنا تشتقّ من الفعل αιρέω   الذي يعني “أختار”، أي أن الابتداع هو اختيار ما لا يتوافق مع الإيمان المسلّم، ومن هذا الفعل تشتق كلمة αίρεση التي تعني الهرطقة. هذه الكلمة تختلف عن كلمة  sect اللاتينية الأصل التي تعني الفرقة أو الشيعة، وهي تنطبق على أي مجموعة، واليوم تُطلَق على بعض الفرق الموسيقية. الفرق المهمّ بين الكلمتين هو ارتباط الهرطقة بالانحراف عن الإيمان.

وصف الهرطقة

في دراسة تاريخ الهرطقات يمكن التوصّل إلى عدد من الصفات المشترَكة ما بينها. أهمّ هذه الصفات أن الهرطقة هي اختيار جزء من الحقيقة لدعم نظرة ما ورفض كل ما تبقّى. الأمثلة كثيرة. أريوس تمسّك بجزء من الكلام عن المسيح وأهمل الآخر، وبالتالي انتهى إلى رفض وجود المسيح قبل الزمن. هذا ينطبق في كل زمان ومكان على كل انحراف فكري. فكما ينطبق على أريوس ينطبق على رفض الكثلكة لقول السيد “أنت الصخرة” وليس “أنت بطرس”، رفضاً لا يليق بما تختزنه الكثلكة من علماء لغة وألسنيات. لكن هذا الاجتزاء هو للبناء عليه، وهذا ما يجعل “اولوية البابا” هرطقة.

إن تجزئة الإيمان والاستنسابية في الاختيار منه تخلق مشاكل خطيرة روحياً، لأنّ التلاعب بالإيمان يؤدّي إلى خسارة طريقة الحياة الصحيحة التي تقوم على علاج الأهواء وتطهير القلب وتقود إلى معرفة الله. فقد رأى الآباء أنّ الهرطقة بالنسبة للكنيسة هي مثل المرض القاسي للجسم. إنها سرطان يعرّض كل الأعضاء للخطر إن لم يُستأصَل. لهذا يلعب قديسو الكنيسة والتقليد الكنسي الصحيح دور جهاز المناعة في الكنيسة.

ففي تقليدنا أن البدعة تشق الكنيسة لأن الهرطقة تقسّم وتفرّق. من الأمثلة المعروفة قصة رؤيا القديس بطرس الإسكندري حيث ظهر له السيد أثناء القداس الإلهي في ثوب مشقوق ولمّا سأله مَن شقّ ثوبك أجاب أريوس، أي هرطقة أريوس.

في تعداد الرسول بولس لثمار الروح يشدد على أنّ البدعة ليست من هذه الثمار بل هي من أعمال الجسد، إذا غالباً ما يتمسّك المبتدعون بآرائهم لغايات ليست بالضرورة إيمانية بل مرتبطة بالسلطة وتقويم الرأي وما شابه: ” وَأَعْمَالُ الْجَسَدِ ظَاهِرَةٌ، الَّتِي هِيَ: زِنىً عَهَارَةٌ نَجَاسَةٌ دَعَارَةٌ، عِبَادَةُ الأَوْثَانِ سِحْرٌ عَدَاوَةٌ خِصَامٌ غَيْرَةٌ سَخَطٌ تَحَزُّبٌ شِقَاقٌ بِدْعَةٌ، حَسَدٌ قَتْلٌ سُكْرٌ بَطَرٌ، وَأَمْثَالُ هذِهِ الَّتِي أَسْبِقُ فَأَقُولُ لَكُمْ عَنْهَا كَمَا سَبَقْتُ فَقُلْتُ أَيْضًا: إِنَّ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ.” (غلاطية 19:5-21).

الإدانة للبدعة وليست للمبتدعين

يشدد الآباء القديسون على أن ما تدينه الكنيسة هو البدعة. أما المبتدعون فهم يدينون أنفسهم في تمسكهم بهرطقتهم. في هذا الإطار يقول القديس مكسيموس المعترف في تعليقه على اضطهاد الهراطقة: «أنا لا أكتب هذه الأشياء رغبة في التضييق على الهراطقة أو فرحاً لتعرضهم لسوء المعاملة – لا سمح الله؛ فالأحرى هو الابتهاج والسعادة بعودتهم. … أريد وأصلّي أن تكونوا قساةً بالكامل وعنيدين مع الهراطقة فقط بعدم التعاون معهم بأي وسيلة قد تدعم اعتقادهم المختلّ.» فموقف الكنيسة الفعلي هو أنها ترى في الهراطقة مرضى، لهذا تعطيهم فرصة العودة عن هرطقتهم.

وحري بالذكر هنا أنّ مَن يصدر الحكم بالهرطقة ليس أشخاص مهما علا شأنهم بل المجمع هو الذي يدين. الأفراد يشيرون إلى انحرافات عن الإيمان. لكن المؤسف في زماننا الحالي أن مَن يشير إلى الانحراف يُتّهَم بقلّة المحبة وبضيق الرؤية والتزمّت.

فالتدبير εκονομια الذي هو وسيلة عند الضرورة القصوى بيد الأسقف صار مشاعاً لكل الأفراد حتّى لم يعد هناك جعهة تشير إليها بوصلة الإيمان إلا التقوى التي هي أكثر الأمور تأثّراً بالجو العام، وبما تمليه وسائل الإعلام والدعاية التي يبرع فيها غير الأرثوذكس.

واقعنا الأرثوذكسي الأنطاكي

أبرز ما يميّز الواقع الأنطاكي هو الغربة عن الفكر الآبائي التقليدي. وتظهر هذه الغربة في أمرين: الشركة مع غير الأرثوذكس، على كافة المستويات والأشكال، وسوء استعمال التدبير.

القديس يوحنا الرحوم يعلّم:”كيف لنا أن نهرب من الاشتراك في العقوبة التي تنتظر الهراطقة في العالم الآتي، إذا كنا ننّجس الإيمان الارثوذكسي المقدس بالتواصل الزاني مع الهراطقة؟… لهذا أناشدكم بجدية، أيها الأبناء، لا تقتربوا من خطابات الهراطقة ولا تشتركوا معهم.” أمّا القديس ثيودوروس الستوديتي فيعلّم بأنّه “حتى لو تخلّى الإنسان عن كل ممتلكاته في العالم وبقي على شركة مع الهرطقة فلا يستطيع أن يكون صديقاً لله، لا بل هو عدوٌ له”. ويشير القديس يوحنا الذهبي الفمّ بصوت عالٍ إلى الهراطقة على أنهم أعداء الله، لا لوحدهم بل ومعهم كل الذين يحفظون الشركة معهم.

إن التراخي في موضوع الشركة مع المبتدعين يؤدّ إلى قبول الكثيرين بوجود أكثر من إيمان فيما الآباء لم يؤمنوا إلا بوجود إيمان واحد. في إحدى رسائل القديس ثيودوسيوس من دير الكهوف في كييف كلام واضح حول هذا التعليم : “يا بني، لا يليق الثناء على دين آخر. مَن يشيد بإيمان غريب هو كالذي يذمّ بايمانه الأرثوذكسي. مَن يثني على دينه كما على دين آخر، هو رجل مزدوج الإيمان وقريب من الهرطقة. إذا جاءك مَن يقول لك: “إيمانك وإيماننا هو من عند الله”، عليك أن تردّ: “مبتَدِع! أتعتبر أن الله إيمانان؟ ألم تسمع ما يقول الكتاب المقدس: “رب واحد، إيمان واحد ومعمودية واحدة” (أفسس 4،5). وبالتالي، حذار يا بنيّ من مثل هؤلاء الناس ودائماً دافِعْ عن إيمانك. لا تتآخَ معهم، بل اجتنبهم والتزِم بإيمانك مع العمل الصالح!”

أما في موضوع التدبير، فأساس المشكلة أنّ كثيرين يرون عند القديسين آراء وليس تعليماً، والآراء تتغيّر مع الزمن. من هنا أن ما كان الوضع عليه أيام هذا القديس أو ذاك لم يعد نفسه، وبالتالي يعطي كل أسقف أو كاهن أو شماس نفسه الحق في استنساب ما يطبّق. من هنا نرى أن انحرافات كثيرة تنتشر، ليست السيمونية إلا واحدة منها.

الأب جورج فلوروفسكي، بنظر الكثيرين من الأرثوذكس وغيرهم، هو مهندس المسكونية الأرثوذكسية في القرن العشرين. من أجمل ما وُصِف به فلوروفسكي من قِبَل أحد “علماء” المسكونية، أنّه جمع بين الشهامة نحو غير الأرثوذكسيين والالتزام الراسخ بالأرثوذكسية الآبائية، “مظهراً الشجاعة لتحدي أيّ محاور، سواء كان رئيساً أرثوذكسياً أو حتّى الأمين العام لمجلس الكنائس العالمي. لقد حافظ فلوروفسكي على التزامات مسكونية ثابتة لكنّه حذّر من أيّ مسعى مسكوني من شأنه أن يرسّخ التبسيط العقائدي أو يمنح امتيازاً للعمل المشترك على حساب المواجهة اللاهوتية.”

إن الكلام عن البدع والهرطقات يتطلّب مثل هذه الشجاعة التي تفتقدها كنيستنا اليوم.  لقد كثُر المجامِلون بين الكهنة واللاهوتيين المستفيدين من غير الأرثوذكس اللاهثين وراءهم. إن مسالمة الخطأ في الكنيسة، سواء بلغ حدّ الهرطقة أو لا، هي دليل ضعف ناتج عن تغييب النعمة “التي تكمّل كلّ ضعف” (من أفشين السيامات) فيما حمل النعمة يحتاج إلى شجعان.

الفيلسوف القلق

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسي المقطّع

لا تهتمّوا للغد،  لأنّ الغد يهتمّ بما لنفسه يكفي اليوم شرّهُ”(متّى 34:6)

اعتاد أحد الفلاسفة أن يُسافر كثيرًا للبحث عن الحكمة والفلسفة. وفي أحد الأيّام، وبعد أن قضى النهار كلّه في المناقشات الفلسفيّة، دخل ليبيت مع تلميذه.

وبعد دخولهم غرفة النوم بدقائق استغرق التلميذ في نوم عميق، وأمّا الفيلسوف، فرغم إرهاقه الشديد لم يستطع أن ينام، وكان ينظر إلى تلميذه فيجده مُستمتعًا بنوم عميق. فاغتاظ جدًّا لعجزه عن النوم، وفي النهاية أيقظ تلميذه وسأله:

- كيف استغرقت بسرعة في نوم عميق، فيما أنا عاجز، تمامًا، عن النوم؟

كان التلميذ يعرف أنّ الفيلسوف لا يهدأ عن التفكير في كلّ شيء وما هي أسبابه ونتائجه، وكيف سيحلّ المشكلة الفلاّنيّة، وكيف سيواجه الفيلسوف الفلانيّ في الموضوع الذي كانا يتحاوران بشأنه، وكيف… وكيف… أيّ إنّه لا يهدأ عن التفكير، ولذا عجز عن النوم، فسأله:

- هل كان الله يدير الكون قبل أن تولد؟

- نعم.

- وهل سيُدبّر الله الكون بعد أن تموت؟

- نعم.

- إذًا، دعه يُدبّر، أيضًا، هذه الليلة.

- ولكنّي لا أستطيع، إذ ماذا…

- فقاطعه التلميذ قائلاً: ماذا وماذا وماذا، وماذا تستطيع أن تفعل إذا متّ في هذه الليلة. دع الله يدبّر أمورك كلّها ونمْ أنت بهدوء، فتفكيرك لا يجدي نفعًا إذا لم يُرد الله أن يبقيك إلى الصباح.

فوافق الفيلسوف، وحينئذ نام بهدوء.

أحبّاءنا، العقل هبة من الله يستخدمها الإنسان فيما يفيده، فيدرك به أعمال الله وعنايته للبشر، وبه، أيضًا، يسعى لراحة الآخرين وإسعادهم. هذا كلّه يحدث إن كان العقل خاضعًا للروح القدس الساكن فيه.

ولكن إن ازداد سُلطان العقل عليك يمكن أن يُقلقك، وبدلاً من أن تستخدمه يستخدمك، فيثير الاضطرابات داخل نفسك. ومع أنّك إنسان محدود، ولكنّك تودّ أن تعرف كلّ شيء بعقلك، وهنا يظهر عجزك وضعفك. أمّا النشاط العقليّ الزائد، فيؤدّي إلى تذمّرك على الله وضيقك من الناس.

ليتك تتّكل على الله في أمورك كلّها، واثقًا من محبّته ورعايته لك، فتعمل ما تستطيعه من دون إهمال أو كسل، وتترك الباقي بإيمان في يده.

إيّــــــاك

إيّاك أن تنظر باحتقار لإنسان يشكو من عاهة جسديّة: نظره ضعيف أو مشلول أو بيد واحدة أو برِجل واحدة… على العكس، يجب أن تقدّم له المعونة كابن صالح للربّ يسوع، ولأنّه هو أحد أعضاء جسد المسيح الذي تشاركه أنت الدمَ والجسدَ الإلهيّين.

               إن صادفت أعمى يعبر الشارع، حاول أن تساعده، إن تعرّض لخطر السيّارات أو لأيّة مساعدة يحتاج إليها.

               كن مثل ربّنا الذي كان يصنع الخير مع الجميع من دون تمييز، وشجّع رفاقك وإخوتك، أيضًا، على عمل الخير لكي تسود المحبّة والسلام، لأنّ إلهنا إله المحبّة والسلام.

               إيّاك أن تفتخر بأنّك صنعت خيرًا، وإلاّ فأجرك ضاع، بل قل الربّ الإله هو الذي شدّدني لأقوم بهذا الخير أي هو الذي يعمل فيّ.

السنة العاشرة – العدد الحادي عشر – آب 2014

 مختارات آبائية

مجيء المسيح الدجّال، للقدّيس إغناطيوس بريانتشانينوف

ما هي اللذات؟ أيٌّ منها مستحق اللوم وأيٌّ بريء؟، الشيخ يوسف الفاتوبيذي

عظة

مَن هو قريبي؟، الأرشمندريت توما بيطار

حياة روحية

القداسة والاستشهاد في أيامنا، حديث مع المتروبوليت يروثيوس فلاخوس

الصليب، الميتروبوليت بولس يازجي

لاهوت

الآباء القديسون، الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

تربية مسيحية

سِيَر القديسين، الأب أنطوان ملكي

أبطال روحيون

امرأتان قدّيستان، إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة