السنة الثانية عشرة، العدد العاشر، تموز 2016

السنة الثانية عشرة، العدد العاشر، تموز 2016

الملف: المجمع اﻷرثوذكسي الكبير، اﻷب أنطوان ملكي

قبل المجمع

حول المجمع المقدس الكبير للكنيسة اﻷرثوذكسية، نيقوﻻوس مطران ميسوغيا، اليونان

أثناء المجمع

رسالة إلى المجمع الكبير، الميتروبوليت أثناسيوس مطران ليماسول – قبرص

بعد المجمع

رسالة مفتوحة من اﻵباء اﻷثوسيين

ملاحظات أولية مؤلِمة حول المجمع المقدس العظيم، سيرافيم مطران بيريه، اليونان

لماذا لم أوقّع وثيقة علاقة الكنيسة اﻷرثوذكسية بباقي العالم المسيحي، الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

الملف: المجمع اﻷرثوذكسي الكبير

الملف: المجمع اﻷرثوذكسي الكبير

اﻷب أنطوان ملكي

انتظر العالمان اﻷرثوذكسي وغير اﻷرثوذكسي المجمع الكبير الذي انعقد في كريت في حزيران 2016. كلٌّ كان عنده أجندته. كُتِب الكثير عن المجمع وأثناؤه وبعده، وسوف يشكّل مادة للتفكّر والكتابة لفترة غير قصيرة من الزمن، حيث سوف يجد فيه البعض مادة للدراسة، وغيرهم مادة لتمرير المواقف والآراء. أهم أهدافه المعلَنة اثنان: إظهار الوحدة اﻷرثوذكسية وإطلاق شهادة أرثوذكسية جامعة إلى العالم المعاصر.

في هذا البحث سوف أحاول أن أظهِر إلى أي مدى نجح المجمع في تحقيق هذين الهدفين، لذا لا بدّ من اﻹشارة إلى بعض النصوص التي من المفيد أن يقرأها المؤمن الذي لا يقرأ غير العربية، خاصةً أن وثائق المجمع الكبير ليست موجودة بالعربية بشكل رسمي، أي صادر عن الكنيسة اﻷرثوذكسية اﻷنطاكية كونها كنيسة العرب اﻷرثوذكس الوحيدة، في زمان مصادرة بعض مستغلّي اليونانية لقرار كنيسة أورشليم.

تنظيم المجمع

جدير بالذكر أن كنيسة القسطنطينية، بحكم كونها المتقدمة بين متساوين، أخذت على عاتقها الكثير من اﻷمور التنظيمية، لكنها في الفترة النهائية راحت تتصرف وكأنها المنظّم الوحيد للمجمع، وهذا ورد على لسان عدد من متقدميها، وخاصة في توجيههم الانتقادات للكنائس التي لم تشارك، أو في دفاعهم عن القرارات التنظيمية، علماً أن المجمع أتى بعد سنوات طويلة من التحضير شاركت فيها كل الكنائس اﻷرثوذكسية. للاطلاع على نشاطات الأرثوذكس خلال هذه السنوات كلها وتطور اﻷمور، يُنصَح المؤمنون بقراءة كتاب جورج غندور، الطريق إلى المجمع الأرثوذكسي الكبير، الصادر عن بطريركية أنطاكية للروم اﻷرثوذكس.

وثائق المجتمع

في الاجتماعات التحضيرية درس المجتمعون عشرة أوراق وأبقى رؤساء الكنائس في اجتماعهم في شامبيزي في كانون الثاني ستة منها2016 هي: 1) رسالة الكنيسة اﻷرثوذكسية في عالم اليوم، 2) الشتات اﻷرثوذكسي، 3) الاستقلالية وسبل إعلانها، 4) سر الزواج وموانعه، 5) أهمية الصوم والالتزام به اليوم، 6) علاقة الكنيسة اﻷرثوذكسية بباقي العالم المسيحي. لم يعلّق أي من الكنائس على أي من الوثائق اﻷربعة التي أسقطت إلا أنطاكية التي أعربت عن انزعاجها من حذف الوثيقة حول مسألة التقويم وتوحيد عيد الفصح“. هذه الوثيقة تعود إلى 1920 حيث كان همها الانشقاق الناتج عن اعتماد التقويم الغريغوري المعدّل في عدد من الكنائس فيما بقيت الغالبية على التقويم اليولياني. مؤخراّ وبحكم العلاقات المسكونية أضيف إلى موضوع التقويم مسألة توحيد تعييد الفصح مع الغرب، وهو ما يبدو مرفوضاً عند الغالبية القصوى من اﻷرثوذكس، حتّى الذين يتبعون التقويم الغريغوري المعدّل.

مشاركة الكنائس

أربع كنائس لم تشارك في المجمع الكبير وهي أنطاكية، روسيا، بلغاريا وجورجيا.

الكنيسة الروسية اعتبرت أن اﻷمور ليست ناضجة كفاية لانعقاد المجمع وطلبت تأجيله. وعند رفض التأجيل، بقرار شبه متفرّد من قِبَل كنيسة القسطنطينية، قررت الكنيسة الروسية المقاطعة. من بعد المجمع الكبير قرر مجمع كنيسة روسيا عدم الحكم على أي وثيقة لمجرد انتشارها، حتّى ولو كانت عن موقع اﻹنترنت المخصص للمجمع الكبير، بل انتظار تبلّغ الوثائق بشكل رسمي من المنظمّين. كما اعتبرت أن هذا المجمع لم يكن جامعاً.

كنيسة بلغاريا حددت اعتراضها على عدد من النقاط في تنظيم المجمع الكبير ومحتواه منها عدم الوضوح في تحديد اﻷمور المعاصرة التي ينبغي اتخاذ موقف منها، عدم موافقة كل الكنائس على كل الوثائق، عدم إمكانية تعديل الوثائق في المجمع، عدم مراعاة المساواة بين رؤساء الكنائس في المقاعد، وعدم الموافقة على موقع المراقبين في الجلسات، وأخيراً عدم الاقتناع بضرورة صرف هذه الأموال لهذا الاجتماع. كنيسة بلغاريا كانت قد أصدرت قبل هذا بياناً مفصلاً أوضحت فيه رؤيتها بأن خارج الكنيسة اﻷرثوذكسية لا يوجد مؤمنون بل هراطقة ومنشقون. كما كان قد أصدر أكثر من مطران بلغاري بيانات أو توجيهات رعائية هيأ فيها لموقف المجمع البلغاري أو شرحه.

اجتمع مجمع كنيسة جورجيا في 25 أيار 2016، وأصدر بياناً مفصّلاً حول النقاط التي يرى أنها لا تسمح بتبنّي الوثائق في المجمع وخاصةً منها الوثائق حول الزواج، رسالة اﻷرثوذكسية في العالم، وعلاقة اﻷرثوذكسيين بالعالم المسيحي، أي المسكونية. الوثيقة اﻷخيرة كان الجورجيون قد رفضوها من قبل. وعليه طالب الجورجيون بتأجيل المجمع، ولما رُفِض الطلب أعلنوا عدم مشاركتهم.

من الممكن القول على أساس القراءة المتأنّية لبيانات كنيستي بلغاريا وجورجيا أن الموقف المسكوني الذي كان يفترض بالمجمع الكبير أن يظهره هو أساس مقاطعة الكنيستين للمجمع. وهذا أيضاً ينطبق على كنيسة صربيا التي شاركت لكن لم يوقع أغلبية وفدها على وثيقة علاقة الأرثوذكس بالعالم المسيحي“.

أما كنيسة أنطاكية، فعقد مجمعها دورة مفتوحة من أواخر أيار إلى ما بعد انتهاء مجمع كريت لمواكبة أعمال المجمع. أصدر المجمع اﻷنطاكي أكثر من بيان خلال هذه الفترة، أهمها في اﻷول من حزيران أعلن فيه مقاطعة أعمال المجمع. في ختام الدورة المفتوحة أصدر بياناً أعلن انتهاء أعمال الدورة واعتباره أن مجمع كريت لم يكن مجمعاً كبيراً بل أن أنطاكية تعتبره تحضيرياً للمجمع الكبير. في هذه اﻷثناء، صدر عن عدد من السادة مطارنة الكرسي اﻷنطاكي بيانات أو تصاريح تصبّ كلها في شرح الموقف اﻷنطاكي. نذكر منهم السادة سلوان (اﻷرجنتين) وهو استفاض وأوفى، دمسكينوس (البرازيل)، سلوان (بريطانيا) وإغناطيوس (فرنسا). السمة الغالبة على كل بيانات مجمع انطاكية كما وتصاريح السادة اﻷساقفة، هي عدم الاحتكام إلى اللاهوت واﻵباء. ففي الحديث عن شؤون التصويت والمجمعية كان الاحتكام إلى ما تمّ التوافق عليه في الاجتماعات التحضيرية والذي تحفّظ عليه أو رفضه الكثيرون من اللاهوتيين من كل العالم اﻷرثوذكسي. في هذا اﻹطار، تأتي رسالة اﻷرشمندريت توما بيطار إلى المجمع اﻷنطاكي، وقد كتبها قبل أن يتّخذ المجمع قرار المقاطعة، وفيها يظهِر العديد من نقاط غياب المنطق اللاهوتي، كما ويظهر التفرد في أعمال الكرسي القسطنطيني الذي كان واضحاً أن اهتمامه اﻷول هو إظهار أوليّة القسطنطينية. وفي هذا اﻹطار أيضاً يأتي التعليق المقتضَب الذي كتبه اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان في نشرة الكرمة في أبرشية طرابلس، وأعيد نشره في مجلة التراث اﻷرثوذكسي اﻹلكترونية. بشكل عام، تعاطي كنيسة أنطاكية إعلامياً قبل المجمع كان ضعيفاً. الخطر في هذا الضعف هو أنه قد يعكس ويؤدّي إلى قلة اهتمام بالشعب ومنه وتثقيفه ومشاركته.

في بيان المقاطعة، أفردت كنيسة أنطاكية قسماً مهماً لقضية قطر وما يستتبعها من نتائج وتأثير على الوحدة اﻷرثوذكسية. قد لا يرى البعض في قرار مجمع أنطاكية إلا قضية قطر، وهذا خطأ، كما يخطئ المجمع إذا اعتقد للحظة ما أن حلّ هذه القضية بيد اﻷرثوذكس. فهذه القضية، كقضية اختفاء المطرانين، سياسية. إنها قضية مفاوضات الوضع اﻷخير في الشرق اﻷوسط، شأنها شأن خلع البطريرك إيرينيوس واستبداله بهذا الثيوفيلوس. اﻷرثوذكس والسريان الشرقيون هم الوحيدون بين مسيحيي الشرق اﻷحرار الذين ما زالوا يحفظون هامشاً كبيراً في قراراتهم بعيداً عن السياسة ولا يتبعون الغرب، وهم يعلنون بدون دجل عداءهم لإسرائيل. يستطيع اﻵن بطريرك أنطاكية أن يلتزم بخط الغرب السياسي، على غرار بطريرك الموارنة وبطريرك الأقباط اللذين زارا اﻷراضي المحتلّة على خلاف أسلافهم. وقد تحرِّك السياسة أرثوذكس اﻷردن وفلسطين إلى دعوته على أنه بطريرك اﻷرثوذكس العرب، فيصير لزوماً عليه زيارتهم، كما فعل بطريركا الموارنة والأقباط. عندها يُعطى قطر وقد يعود المطرانان المخطوفان أيضاً. بالنسبة للغرب السياسي، حتّى المسيحيمنه، ليس مقبولاً أن يكون مسيحيو الشرق ضد إسرائيل، بغض النظر عن أنها لا تميّز بينهم وبين المسلمين، خاصةً اﻷرثوذكس الذين تريد منهم أملاكهم لتعلن القدس عاصمة أبدية لها.

المهمّ أن ﻷنطاكية محامل أخرى على المجمع الكبير، لكنها لا تخرج عن إطار التنظيم. العقيدة ليست اﻷساس ولا يبدو أن مجمع أنطاكية يرى خطراً في المسكونية. لدى المجمع تحفظات على وثيقة الزواج لكنها، كما الوثيقة، لم تُنشَر. كما لدى المجمع اعتراض على حذف وثيقة التقويم والبحث في تعييد الفصح مع الكاثوليك، وهذا ما يعطي الانطباع بأن راحة أرثوذكس أنطاكية بقربهم من غير اﻷرثوذكس في بلادهم أقوى من الهمّ عندهم بالقُرب من اﻷرثوذكس اﻵخرين.

الملف

نظمت عدد من الكراسي، أو اﻷبرشيات أو المدارس اللاهوتية حول العالم مؤتمرات قبل المجمع تمت خلالها مناقشة اﻷوراق التحضيرية. من هذه المؤتمرات ما كان مفتوحاً للعامة ومنها ما كان حصرياً للاهوتيين“.

صدر عن هذه اللقاءات والحلقات الدراسية كمّ كبير من اﻷوراق والتقارير. في هذا العدد من التراث اﻷرثوذكسي، عدد محدود من الرسائل التي كتبها مرجعيات أرثوذكسية حول المجمع الكبير تمّ اختيارها كنماذج إما لكيفية إشراك الشعب في المجمع، قبل المجمع وبعده، وإما لكونها تعكس أسلوب تفكير لاهوتي يجعل صاحبه جريئاً لتسمية اﻷمور بأسمائها ما يحميه من التلفيق والمواربة والمحاباة.

الرسالة اﻷولى هل لمطران ميسوغيا إلى أبناء رعيته قبل المجمع. لا يكفي أن يُعلَم أبناء الرعية بأن وفداً من اﻹكليريكيين والمختارين سوف يغادر إلى مجمع عام، بل من الضروري أن يشترك الشعب في التوقعات والصلوات لتحقيقها. الرسالة الثانية هي من أثناسيوس مطران ليماسول إﻷى المجمع الكبير نفسه. النص الثالث هو تقرير عن رسالة شديدة اللهجة لعدد كبير من آباء الجبل المقدس أثوس، غالبيتهم ليسوا رؤساء أديار. تمّ اختيار هذه الرسالة ﻷنها تقول بأن الشعب إذا أراد أن يقول كلمته في الكنيسة قادر على قولها وأيصالها، وعليه ذلك، بغض النظر عن موقف الرئاسات، التي تسمع أو لا تسمع أو تهتمّ أو ﻻ تهتمّ. هذه ليست الرسالة اﻷولى لرهبان الجبل، بل سبقتها اثنتان تفصّلان مكامن الضعف في أعمال المجمع، وتحذّران مما قد يصدر عنه. النص الرابع هو لمطران بيريه سيرافيم، وهو معروف بأنه لا يوارب ولا يحابي. الرسالة موجّهة إلى كل اﻷرثوذكس من رؤساء وإكليروس وعلمانيين. النص الخامس واﻷخير هو لمطران نافباكتوس ييروثيوس فلاخوس، وهو رسالة إلى الشعب رداً على إشاعات محددة. المطران ييروثيوس كان قد أرسل ثلاث رسائل إلى مجمع كنيسة اليونان، على مستوى عالٍ من المعالجة اللاهوتية، عالج فيها الوثائق حول رسالة الكنيسة اﻷرثوذكسية في العالم المعاصر، الشهادة اﻷرثوذكسية اليوم وعلاقة الكنيسة مع باقي المسيحيين. خلال جلسات المجمع حول هذه الوثائق كانت لهذا المطران مداخلات مهمة أثارت غضب الليبراليينوالمسكونيين من لاهوتيي الكنيسة.

ليس الهدف من هذا العدد تقييم المجمع الذي انعقد في كريت. إنّما، كما ذكرنا في البداية، الهدف تسليط الضوء على ما إذا كان قد حقق هدفيه الرئيسيين. إن غياب أربع كنائس عن المجمع، لا يبدو، حتّى اﻵن، أنّه يعكس شرخاً في اﻷرثوذكسية، لا بل هو دليل صحة وأخوّة ينمّيها الرب حتى لا يقع اﻷرثوذكس في فخ الرئاسة الحصرية على شكل بابوية شرقية. فالرئاسة الحصرية هي مطلب غربي، بحسب تسجيل صوتي للبطريرك برثلماوس في بداية عهده، كونها تسهّل وحدة الشرق والغرب بحكم أن القرار ينحصر بين رأسين.

من جهة أخرى، بدا واضحاً أن أكثر الوثائق إثارة للاعتراضات هي وثيقة علاقة اﻷرثوذكس بالعالم المسيحي، أي ما درجنا على تسميته العمل المسكوني. وهذا يؤكّد ما يردده العديد من آباء الكنيسة اﻷرثوذكسية المعاصرين، من أن الخطر اﻷكبر على اﻷرثوذكسية هو المسكونية بحد ذاتها. طبعاً الكلام هنا هو عن المسكونية التلفيقية الخالية من البشارة،والتي غالباً ما تدين البشارة وترى أن الكل في مواقعهم على حق. وكما ذكرنا سابقاً يبدو أن هذه الوثيقة هي اﻷكثر إثارة للنفور.

وهنا تظهر بعض اﻹيجابية. الاختلاف في النظرة لم يؤدِّ إلى انشقاقات حتّى اﻵن، فيما كان خطر الانشقاقات قائماً لو أن كل المجتمعين وقّعوا على هذه الوثيقة. فالظاهر حتى اﻵن أن ما يزيد عن خمس وعشرين من اﻷساقفة المشاركين، من كل الكنائس التي شاركت، لم يوقّعوا، ما يعني أن هذه الوثيقة بالذات سقطت، وعلى اﻷرثوذكس من اليوم وصاعداً أن يراجعوا تسميتهم ﻷي جماعة كانت بالكنيسة وبالتالي ينتبهوا لكيفية التعاطي.

أيضاً من اﻷمور اﻹيجابية أن مستوى النقاش في المجمع كان على مستوى مقبول لاهوتياً، بالرغم من أن عدداً من الرؤساء تأفف من ذلك، وبالرغم من الهيمنة التي كان يمارسها مطران برغامون يوحنا زيزيولاس، بحسب ما ورد على لسان أكثر من أسقف مشارك، نذكر منهم بالتحديد ييروثيوس فلاخوس مطران نافباكتوس في اليونان وأندراوس مطران غوري في جورجيا وأمفيلوخيوس مطران الجبل اﻷسود في صربيا. هذا دليل على أن اﻷرثوذكسية لم تسقط في الدهرية وأن الشهادة ما زالت مبثوثة هنا وهناك وإن يكن بشكل محدود.

وهنا لا بدّ من التوقّف عند مواقف بعض ممثلي القسطنطينية، كمثل الميتروبوليت كاليستوس وير ويوحنا زيزيولاس وأيوب مطران تلمسوس، الذين يتعاطون مع غياب الكنائس اﻷربعة بتعالٍ وإدانة. ولكن مع هذا، فالكلام عن شرخ أو ما شابه لا يبدو منطقياً أو قائماً إلى اﻵن.

في الختام، إن هذا المجمع يحمل دعوة لكل الكنائس اﻷرثوذكسية ﻷن تعيد النظر في حياتها الداخلية. فاﻷرثوذكس في كل العالم ينتقدون حصرية البابوية بينما يمارسونها على كل المستويات. المجمعية ظهرت كتحدٍ كبير للأرثوذكس. لا معنى لأن نستحدث آليات للتصويت أو تنظيمات جديدة، فيما نحن نعلم يقيناً أن الروح يهبّ حيث يشاء، وأن القانون، أي قانون كان، ينطق باسم المسيح بعد أن يكون قد نطق المسيح بلسان شاهد أو أكثر في كنيسته. العدد ليس مشكلة. المشكلة هي اﻷمانة للتسليم. والوحدة أيضاً كانت تحدياً آخراً للأرثوذكس. الوحدة ليست في اﻷطر وحسب بل في الروح. أن يتكلّم العديدون الكلام نفسه بلغات مختلفة هو الوحدة، وليست الوحدة في حفظ احترام تسلسل الرتب وحده.

الرجاء، كل الرجاء، هو أن يحرّك مجمع كريت كل الكنائس اﻷرثوذكسية إلى اﻷرثوذكسية بحد ذاتها.

حول المجمع المقدس الكبير للكنيسة اﻷرثوذكسية

حول المجمع المقدس الكبير للكنيسة اﻷرثوذكسية

الميتروبوليت نيقوﻻوس مطران ميسوغيا اليونان

قبل انعقاد المجمع في كريت وزّع الميتروبوليت نيقولاوس هذه الرسالة في أبرشيته

اﻵباء واﻹخوة اﻷحباء (المسيح قام)

أنا متأكد من أنكم قد عرفتم أن في أحد العنصرة تكون بداية المجمع اﻷرثوذكسي الكبير الذي سوف ينعقد لمدة عشرة أيام في جزيرة كريت. هذا مجمع عموم الأرثوذكسية: أي أن جميع الكنائس الأرثوذكسية المستقلّة سوف تشارك ممَثَّلة بمتقدمين برئاسة قادتهم، أي بطاركتهم ورؤساء أساقفتهم. البعض سمّاه مجمعاً مسكونياً، لكن في الآونة الأخيرة ولأسباب معينة تجنّبوا هذه التسمية.

من ناحية حجمه، هذا المجمع فريد من نوعه في الألفية الثانية، كونه الوحيد بعد انشقاق روما من وحدة الكنائس الأخرى، أي من جسد الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية التي نعترف بها في دستور اﻹيمان.

يمكننا أن نرى الأهمية المعطاة لهذا المجمع والآمال والتوقعات المتعلقة به. لذلك أرى أنه من واجبي الرعائي أن أخاطبكم وأعلِمكم عن روحه وأهميته، لأن العلمانيين في تقليدنا الكنسي ليسوا مجرد متفرجين على الأحداث، بل مشاركون من خلال الصلاة والحوار وتفاعلهم الصحيّ لحياة الكنيسة.

إن مجمعاً بهذا البعد ينعقد باسم الله الثالوثي، وبشكل أساسي لأغراض روحية، لتوحيد جسم المؤمنين، دعمهم، للإشارة إلى طريق الحق، لرأب ارتباكهم وفي الوقت نفسه لحمل الشهادة إلى العالم المعاصر في إطار مهمته، وهذا هو القول للكشف عن حقيقة الله الواحد لجميع اﻷممكما يرِد في عظة الرب (متى19:28). هذا يجب أن يتمّ مدعوماً بالكتاب المقدس، مفسَّراً بالشكل الصحيح، وبحسب التقليد المقدس للمجامع السابقة وتعاليم اﻵباء القديسين، وبالطبع باﻹشارة إلى مشاكل العصر الحالي. هذا يعني بوضوح أن نتائج هذا المجمع يجب أن تكون واضحة، بالغة القوة، نبوية، وموحى بها من الله، وكأنّ الله فتح فاه ليتكلّم من بعد ألف سنة من الصمت المجمعي ولـِ جِيلٌ أَعْوَجُ مُلْتوٍ” (تثنية 5:32) مشوّش، ينتج الحلول الوسط، يصل إلى الطرق المسدودة، يصنع الأخطاء والبدع، يسلك في حالة من الرفض، ممتلئ من جنون الإلحاد، جيل أطاح بالقيم الأساسية الخالدة. تحيط التهديدات بالجنس البشري من كل الجهات، في عصر من انعدام اﻷمن في كل العالم، حيث التكنولوجيا ذات قوة خارقة، وحيث السجن الرقمي، الإهانات المنسّقة ضد الله، التدمير الشامل للحضارات القديمة، الاقتلاع العنيف للشعوب من جذورها التاريخية، والاضطهاد المروّع للمسيحيين.

يجب أن يكون صوت الكنيسة صوت الرب على المياه” (مزمور 3:29) أو صَوْتِ مَيَازِيبِ الربّ” (مزمور 7:42). يجب أن يحرّك الشعوب ويقيم الموتى. إن لم نكن مستعدين للقيام بأمر مثل هذا، فمن اﻷفضل أن ننتظر، ومن اﻷفضل أن نؤجّل المجمع حتّى في اللحظة اﻷخيرة.

إذا ظهر أربعمائة أسقف معاً في صورة واحدة في كريت مع الابتسامات التقليدية، من دون أن يكونوا قد حرّكوا أيّ شيء، أو وقّعوا نصوصاً ليس فيها دمّ الحقيقة أو ماء الحياة، ومن دون حدّ سكين القول الروحي أو المنطق الروحي، نصوص بشكليات لاهوتية لا معنى لها تموّه الحقيقة وتجمّل الواقع، كل هذا لن يجعل المجمع بلا معنى وحسْب، بل أيضاً، وهو الأهم، سوف يضرّ بهيبة الشهادة الأرثوذكسية من الآن وإلى الأبد.

لا ينبغي أن ينعقد المجمع إلا إذا كان عنده ما يقوله ويظهره على درجة كافية من القوة ليحيي آمالنا وينير ظلمتنا ويلغي الشكوك التي يسببها السياسيون ونفعيو عصرنا الأنانيون الموجودون حتى بين رجال الدين. إن العالم كله عطِشٌ إلى الحقيقة والأمل والنور والقدرة والحياة والأصالة. هذا ما نفتقده في عصرنا. نحن محقونون بالأكاذيب والتنازلات والرداءة والنفعية المشبوهة والأديان الميتة والإيمان الفارغ من الجوهر، والتعصب الديني الخالي من المضمون، والاستعراضات الضحلة والسخيفة والمعانقات السطحية.

نحن لم نعد نحتمل أن نعاني من الدهرية والتلفيق والتعتيم وازدواجية اللغة ولاهوت العلاقات العامة: إن هذا يسبب انحطاط الكنيسة عن كونها سر إعلان اﻹله الحقيقي وتجلّي إرادته، إلى توليفة شبه دينية ذات توجّه عالمي. نحن نرجو ونصلّي أن يكون المجمع شهادة على الوحدة التي، على اﻷكيد، ليست شيئاً صغيراً بل هي رسالة نبوية. بالواقع، حقيقة أن كل هذه الكنائس اﻷرثوذكسية، بالرغم من هذا التنوع الكبير باللغات والعقليات، بالرغم من أخطائنا وضعفاتنا البشرية، بالرغم من سوء فهمنا وتناقضاتنا واختلافاتنا الممكنة وصراعاتنا، سوف تجتمع وتعلن أنها تشترك باﻹيمان الواحد باﻹله الثالوثي وبيسوع المسيح اﻹلهاﻹنسان، وبأسرار الكنيسة وبالشعب، وهذا اﻹيمان هو ما نعترف به ونعلنه: إنه إيمان عظيم ومقدّس وهو وحده ما يجعل المجمع عظيماً ومقدساً. مهما كان أساس هذا المجمع يجب أن يكون ملهَماً من الله. على غرار المجامع اﻷخرى، يجب أن يترك أثراً على التاريخ ويضفي الشرف والقيمة على عصرنا كما لم يفعل أي شيء آخر، يجب أن يترك علامة لا تمحى على حياة الكنيسة. إنه صوت الله اليوم وإلا لا قيمة له، وصمته يكفي.

نحن لا نتمنّى سماع كلمات الأساقفة المعاصرين البشرية ولا لنعرف أفكار مَن هم أكثر علماً وذكاءً من بينهم. نحن نريد أن نسمع صوت الله من شفاه أساقفتنا وأكثر من ذلك من انعقاد مجمعنا. إن لم يتعزَّ العلمانيون المسيحيون اليوم، إن لم نكن مدعومين ومستنيرين، إن لم تشِر اﻷجيال القادمة إلى هذا المجمع كنبع للحقيقة التي لا تُضحَد، فلماذا انعقاده؟ إن غاية وسبب وجود الكنيسة لا يمكن أن يكون عادياً ولا من العيار الوسط ولا قليلاً، وما هو متوقع من المجمع قوله وما عليه قوله ليس قليلاً على اﻷكيد.

لقد مرّت ألفية استوحت حكمة لاهوتية كحكمة القديس غريغوريوس بالاماس، وخبرة العبادة المستمرة غير المنقطعة كما درسها بالحقيقة قديسون كالقديس نيكولا كاباسيلاس والقديس سمعان التسالونيكي، وزمان الاعتراف ودم الشهداء الجدد، إنها ألفية روّاها عرق النساك الكبار كالقديس سيرافيم ساروفسكي والقديس باييسيوس المعاصر، إنها مختومة بعلامات القديسين ومعالجاتهم إلى يومنا هذا كمثل القديس نكتاريوس والقديس لوقا أسقف القرم، وقديسو الكنيسة الروسية وكنائس البلقان واليونان والعالم كله. إن شقّ الطريق عبر بحر نعمة الله ومن ضمن الوحدة الكنيسة يجب تسجيله على أنه الغاية الجديدة والرسالة اﻷكيدة للمجمع العظيم. اليوم وقد صار اﻹنسان آلة بيولوجية أو وحدة اجتماعية أو تراجع إلى كيان سريع الزوال أو جهاز للفكر المتحكَّم به، كيف يمكن للشهادة اﻷرثوذكسية عن جماعة الله، المنقوشة والمدونة بخبرة كنائسنا وأديارنا وفي أسرارنا وحياتنا، ألا تكون دعوة جهورية من كل اﻷرثوذكس في زماننا؟

في زمن الاضطهاد الغدّار الضاري للكنيسة، زمان الاختناق الروحي غير المسبوق والتشوّش وحيرة اﻷمم من عجيج البحر” (لو 25:21)، الزمن المملوء بالمعاناة، من المستحيل أن نتخيّل أن مجمع اﻷرثوذكس العظيم والفريد سوف يكتفي بالتقارير الإخبارية أو برسالة مع صور مجردة من المعنى وجافة في المحتوى. هذا المجمع هو الوحيد من بعد الانشقاق. إن انفصال الغرب عن جذع الشجرة الكنسية سبّبَ بالتأكيد أخطاء وأدّى إلى تعاليم مختلفة ومعتقدات هرطوقية، لا يمكننا اليوم أن نلوم مسيحيي الغرب بسببها كما يظهر غالباً.

على المجمع مسؤولية ضخمة لحمايتنا من كل خطر من هذا النوع، وعدم التعامل بقسوة ومن غير شفقة مع أولئك الذين عن غير قصد ورثوا الخطأ، بل تحديد الخطأ بألم ومحبة ودقة لاهوتية.

في نفس الوقت، على المجمع أيضاً مسؤولية فوق الوصف بأن، أولاً وقبل كل شيء، يتحدّى اﻷرثوذكس لكي يتوبوا حتى يعيشوا الحقيقة التي ورثناها أو اكتشفناها بنعمة الله.

يجب أن نتوب أولاً إذا كنا نريد عودة الآخرين. وإذا كنا لا نعيش هذا فإن الأرثوذكسية التي نعترف بها تنقصنا، وإذا كان المجمع لا يقول لنا ذلك، قد يكون كبيراً ولكنه ليس أرثوذكسياً.

هل المسكونية هرطقة؟ أيمكن لها أن تكون مبادرة مباركة في بعض الحالات؟ هل معاداة المسكونية مقبولة دوماً عند الله؟ أيمكن أن تكون الكنيسة واحدة وليست جامعة ومقدسة، أي أنها تركّز على الاعتراف اﻷرثوذكسي وليس على الشهادة التبشيرية؟ أيمكن أن تكون جامعة من غير أن تكون واحدة، أي أن تسعى إلى وحدة المسيحيين مضحية بفرادتها، أي بتعبير آخر مضحية بوعيها بأنها الكنيسة الواحدة المقدسة والرسولية؟ نحن نتوقّع من هذا المجمع أن يتحدّث إلى اﻷرثوذكس بشكل مقنِع عن فرادة الكنيسة وقداستها وجامعيتها ورسوليتها في حوار أصيل مفعم بالتوبة والقداسة العملية، وبأن يتحدّث باحترام ومحبة إلى أصحاب المعتقدات اﻷخرى لكن ليس بنثر خالي الوفاض أو كلام حلو وفارغ من أجل الحفاظ على التوازن العالمي. علينا أن نتعلّم الاحترام التقليدي الذي أظهره أسلافنا في القسطنطينية وأظهروا أنهم مستعدين وراغبين بالموت.

قال يوسف بريانيوس [1]: لن ننكرك أيتها اﻷرثوذكسية، ولن نكون كاذبين معك أو مع تقليدك. نحن وُلِدنا لك وسوف نحيا بك وفيك سوف نرقد. وإذا استدعت اﻷزمنة فسوف نموت من أجلك مرات كثيرة“.

إن لم يكن عملنا المسكوني تبشيرياً أو نبوياً لا يمكن أن يكون أرثوذكسياً ولا كنسياً. أيها الإخوة، أطلب منكم جميعا أن تمتلكوا اليقظة المتواضعة والصلاة القلبية للنضال والتوبة، لكي أنّ الله يعطي المجمع صوته ولكي يكون سبب انعقاده موحى من الله، ولكي تنبعث قلوبنا في القناعة بأن حيّ هو الرباليوم.

نحن بحاجة كبيرة إلى هذا: كل واحد منا! فقط بهذا يكون المجمع مقدساً وليس بالتدبير. إن لم يكن المجمع مقدساً فلن يكون كبيراً ولا عظيماً وإن لم يكن عظيماً فالسؤال حول جدوى انعقاده سوف يكون اﻷكبر.

[1] راهب في دير ستوديون في القرن الخامس عشر، كتب الكثير من الدراسات حول اﻷرثوذكسية وضد وحدة الكنائس العشوائية.

رسالة إلى المجمع الكبير

رسالة إلى المجمع الكبير

الميتروبوليت أثناسيوس مطران ليماسول – قبرص

بسبب اختلاط اﻷمور على المؤمنين في ما يتعلّق بتوقيعي على وثيقة علاقة الكنيسة اﻷرثوذكسية بباقي العالم المسيحيأو عدمه، أرغب بإعلام كل المهتمّين بهذا اﻷمر ﻷسباب ضميرية، بأنّي لا أوافق على النص بشكله اﻷخير ولم أوقّع عليه.

ما يلي هو رأيي المقدّم كتابةً إلى المجمع الكبير. أنا أكتب هذه اﻷمور فقط لوضع اﻷمور في نصابها بتوقير كبير واحترام نحو الجميع.

الميتروبوليت أثناسيوس

ليماسول في 30 حزيران 2016

رأي للميتروبوليت أثناسيوس مطران ليماسول، قبرص

موجّه كتابةً إلى المجمع اﻷرثوذكسي العظيم المقدّس

أصحاب الغبطة والقداسة، أيها الرؤساء القديسون واﻹخوة القديسون

في ما يتعلق بالنص الصادر عن الاجتماع التحضيري الخامس الذي جرى في شامبيزى جنيف من 10 إلى 17 تشرين اﻷول2015، والذي يحمل عنوان علاقات الكنيسة الأرثوذكسية مع بقية العالم المسيحي، من واجبي أن أوضح ما يلي:

أنا اتّفق تماماً مع المواد الثلاث الأولى من النص. ومع ذلك، الملاحظات التالية على المادة 4 وما بعدها: “إن الكنيسة الأرثوذكسية تصلّي دائمالاتحاد الجميع“- أعتقد أن هذا يعني أن كل الذين انفصلوا ونأوا بأنفسهم عنها، من الهراطقة والمنشقين، يعودون إليها ويتّحدون بها بعد أن يكونوا قد تخلوا عن بدعهم وانشقاقهم وهربوا من هذه اﻷمور بالتوبة واندمجوا وانضمّوا متحدين بالكنيسة الأرثوذكسية وفقاً لتعاليم القوانين المقدسة.

كنيسة المسيح الأرثوذكسية لم تفقد أبداً وحدة الإيمان وشركة الروح القدسولا تقبل نظرية استعادة الوحدة بين الذين يؤمنون بالمسيح،لأنها تعتقد أن وحدة الذين يؤمنون بالمسيح قائمة بالفعل في وحدة جميع أبنائها المعمّدين، فيما بينهم ومع المسيح، في إيمانها الصحيح، حيث لا يوجد أي هراطقة أو منشقون، ولهذا السبب هي تصلي لعودتهم إلى الأرثوذكسية في التوبة.

أعتقد أن ما يرد في المادة 5 بشأن وحدة المسيحيين المفقودةغير صحيح، لأن الكنيسة كشعب الله، متحدين فيما بينهم ومع رئيس الكنيسة الذي هو المسيح، لم تفقد هذه الوحدة، وبالتالي ليست بحاجة إلى إعادة اكتشافها أو السعي للحصول عليها، لأنها كانت دائماً، وما زالت، وسوف تكون كنيسة المسيح التي لم تتوقف ولن تتوقف عن الوجود. ما جرى هو أن جماعات أو شعوباً أو أفراداً غادروا جسد الكنيسة، وهي تصلّي، كما أنه مطلوب منها العمل عن طريق البشارة، لعودتهم جميعاً في التوبة إلى الكنيسة الأرثوذكسية عبر الطريق القانوني. ببساطة، إذا أردنا أن نكون دقيقين في تعريفنا، لا توجد كنائس أخرى، هناك فقط بدع وانشقاقات.

إن عبارة نحو استعادة الوحدة المسيحيةليست صحيحة ﻷن وحدة المسيحيين، أعضاء كنيسة المسيح، لم تنقطع يوماً، طالما هم متّحدون بالكنيسة. إن الانفصال عن الكنيسة والابتعاد عنها تكرر للأسف مرات عديدة بسبب الهرطقات والانشقاقات، لكن لم تخسر الكنيسة وحدتها الداخلية في أي يوم من اﻷيام.

إن هذا النص يقودني إلى التفكير في سبب تعدد اﻹشارات إلى كنائسوطوائف“. ما هو الفرق؟ ما هي العناصر التي تميّز بعض الجماعات ككنائس بينما اﻷخرى تُسمّى طوائف؟ ما هي الكنيسة مقارنة بجماعة هرطوقية أو طائفة؟ بالنسبة لنا، نحن نعترف بكنيسة واحدة وبأن كل المجموعات الباقية هي هرطقات وانشقاقات وحسب.

أنا مقتنع بأن إعطاء الجماعات الهرطوقية والمنشقّة اسم الكنيسةخطأ بالكلية من منظار لاهوتي وعقائدي وقانوني، ﻷن كنيسة المسيح هي واحدة، على ما يرد أيضاً في البند 1، ولا يمكننا أن نشير إلى جماعة هرطوقية أو منشقّة أو جماعة خارج الكنيسة اﻷرثوذكسية، على أنها كنيسة“.

لا يشير هذا النص في أي نقطة إلى أن السبيل الوحيد للاتحاد بالكنيسة هو عودة الهراطقة والمنشقين إلى كنيسة المسيح المقدسة الجامعة الرسولية، التي بحسب المادة اﻷولى هي كنيستنا اﻷرثوذكسية. إن اﻹشارة إلى فهم تقليد الكنيسة القديمةيعطي الانطباع بأن هناك فرق أنطولوجي بين الكنيسة القديمة، كنيسة المجامع السبعة، واستمرارها الأصيل إلى اليوم الحاضر، أي الكنيسة اﻷرثوذكسية. نحن نؤمن بأنه في المطلق ما من فرق بين كنيسة القرن الحادي والعشرين وكنيسة القرن اﻷول، ﻷن إحدى صفات الكنيسة هي حقيقة نعترف بها أيضاً في دستور اﻹيمان وهي أنها رسولية.

يذكر البند 12 بأن الهدف المشترك للحوارات اللاهوتية هو استعادة الوحدة بشكل نهائي في إيمان ومحبة صحيحين“. هذا يعطي الانطباع بأننا نحن اﻷرثوذكس نسعى للعودة إلى اﻹيمان الصحيح ووحدة المحبة، وكأننا خسرنا اﻹيمان الصحيح ونطلب اكتشافه عبر الحوارات اللاهوتية مع غير اﻷرثوذكس. أنا مقتنع بأن هذه النظرية مرفوضة لاهوتياً عندنا جميعاً.

إن إشارة النص إلى مجلس الكنائس العالميتعطيني الفرصة لتسجيل شكوى ضد بعض الأحداث التي تجري بين الحين واﻵخر وهي تلفيقية وغير قانونية، وأيضاً ضد العنوان، لكونها تنظر إلى الكنيسة اﻷرثوذكسية وكأنها إحدى الكنائسأو فرع من الكنيسة التي تسعى وتجهد لتتحقق في مجلس الكنائس العالمي. بالنسبة لنا، في مطلق الأحوال، كنيسة المسيح هي واحدة وحيدة، بحسب ما نعترف في دستور الإيمان، وما من تعددية كنائس.

إن النظرة القائلة بأن الحفاظ على الإيمان اﻷرثوذكسي الأصيل مضمون فقط من خلال النظام المجمعي على أنه لوحده السلطة المؤهّلة واﻷخيرة في شؤون اﻹيمانمبالَغ فيها وهي تهمل حقيقة أن العديد من المجامع عبر تاريخ الكنيسة علّموا و تبنّوا عقائد غير صحيحة وهرطوقية، وأن الشعب المؤمن رفض هذه التعاليم وحفظ اﻹيمان اﻷرثوذكسي ودافع عن الاعتراف اﻷرثوذكسي. لا المجمع من دون الشعب المؤمن الذي هو ملء الكنيسة، ولا الشعب من دون مجمع اﻷساقفة، يستطيع أن يعتبر نفسه جسد المسيح وكنيسة المسيح والقادر على أن يعبّر عن خبرة الكنيسة وعقيدتها.

أنا أفهم يا أصحاب القداسة وإخوتي المجتمعين في هذا المجمع، أن استعمال العبارات القاسية أو المهينة غير لائق في النصوص الكنيسة من هذا النوع، ولا أظن أن أحداً يرغب باستعمال هذا الشكل من التعبير. مع هذا، يجب التعبير عن الحقيقة بدقة ووضوح، وبشكل طبيعي بتمييز رعائي ومحبة أصيلة نحو الجميع. نحن ندين ﻹخوتنا الذين يجدون أنفسهم في هرطقة أو انشقاق بأن نكون صادقين نحوهم بالكامل، وبمحبة وألم نصلي ونعمل كل ما هو ممكن للتوصّل إلى عودتهم إلى كنيسة المسيح.

أنا أشدد على أن نصوصاً بأهمية وهيبة هذه التي في مجمع الكنيسة اﻷرثوذكسية الكبير يجب أن تُصاغ بتأنٍّ كبير وبدقة لاهوتية وقانونية حتى أن أي إبهام أو عبارة لاهوتية غير مدققة لا يثير عبارات غير صحيحة قد تؤدّي إلى مفاهيم خاطئة وانحرافات في موقف الكنيسة اﻷرثوذكسية الصحيح. إلى هذا، حتى يكون مجمع ما صحيحاً وقانونياً، عليه ألا يحيد، بأي شكل من اﻷشكال، عن روح وتعليم المجامع المقدسة التي سبقته ولا عن تعليم الكتاب المقدس واﻵباء القديسين وينبغي ألا يكون فيه أي إبهام في التعبير الدقيق عن اﻹيمان الصحيح.

لم يحدث أن لدى أيّ من الآباء القديسين أو في أيّ من قوانين المجامع المسكونية أو المحلية أن أشير إلى الجماعات الهرطوقية أو المنشقة بالكنائس. إذا كان الهراطقة كنائس بالفعل، أين هي كنيسة المسيح والرسل الواحدة؟

إني باتّضاع أعبّر عن عدم موافقتي على إلغاء الممارسة التي طالما كانت موجودة في كل المجامع المقدسة بإعطاء كل أسقف صوتاً في التصويت. لم يكن نظام صوت واحد لكلّ كنيسةموجوداً يوماً، فهو يحوّل أعضاء المجمع الكبير، ما عدا رؤساء الكنائس، إلى مجرّد عناصر زخرفية بحرمانهم من حق التصويت.

عندي عدد من الاعتراضات واختلاف في الرأي تتعلّق بنقاط أخرى في وثائق المجمع، لكني لا أرغب بإتعابِكم أكثر من هذا القدر، ولهذا أتوقف عند هذه الأمور التي أعتبرها في غاية اﻷهمية وأنا بتواضع أعبّر عن عدم موافقتي وعن رؤيتي وعن إيماني.

في ما كتبت، لا أتمنّى أن أجرح أحداً ولا أرغب بأن أبدو بمظهر الذي يعلّم أو يقاضي إخوتي وآبائي في المسيح. ببساطة، أشعر بضرورة التعبير عن ما يمليه عليّ ضميري. أطلب تسجيل ما عبّرت عنه في أعمال المجمع اﻷرثوذكسي الكبير.

طالباً صلواتكم

اﻷخير بين اﻹخوة في المسيح

رسالة مفتوحة من اﻵباء اﻷثوسيين

رسالة مفتوحة من اﻵباء اﻷثوسيين

تقرير عن رسالة مفتوحة وقعها أكثر من ستين من آباء الجبل المقدس ورهبانه دعوا فيها إلى اجتماع فوري للهيئة المسؤولة عن إدارة الجبل ﻹدانة المجمع الكاذبفي كريت والامتناع عن ذكر بطريرك القسطنطينية في الجبل.

ترأس الاجتماع الشيخ غفرئيل من قلاية القديس خريستوذولوس التابعة لدير كوتلوموسيو، وهو تلميذ القديس الشيخ باييسيوس.

عدّد اﻵباء اﻷثوسيون إثني عشرة نقطة لانحراف مجمع كريت عن تقليد اﻷرثوذكسية وإيمانها، واعدين بالعودة قريباً بتحليل مفصّل حول المجمع ووثائقه.

توقّف المجتمعون عند النقطة السادسة من وثيقة علاقات الكنيسة اﻷرثوذكسية مع باقي العالم المسيحي، ورأوا أن الكلام الوارد هو اعتراف بأن الجماعة البابوية اللاتينية هي كنيسة مستعملين عبارة “parasynagogue“ (كنيس زائف) لوصف الكثلكة. وهذه العبارة استعملها القديس باسيليوس الكبير في رسالته إلى ابنه الروحي أمفيلوخيوس أسقف أيقونية سنة 337 ليميّز بين ثلاث فئات من الخارجين عن الكنيسة وهم المنشقون والهراطقة والكنيسة الزائفة (parasynagogue) التي تتكوّن من رفض أحد اﻹكليريكيين التوقف عن الخدمة بعد منعه ليصير من ثمّ لديه أتباع.

إلى هذا، يتوقف اﻵباء اﻷثوسيون عند تقدير الوثيقة اﻹيجابي لقرارات الحوار مع اللاتين، خاصةً النصوص الصادرة في ميونيخ 1982، باري 1987، بلعام الجديدة 1998، وخاصةً في البلمند في 1993. ويرى اﻵباء أن توقيع الأساقفة لهذه الوثيقة في كريت يعني قبولهم بالصفة الكنسية، واﻹيمان الرسولي، واﻷسرار اﻷصلية والتسلسل الرسولي للهرطقة البابوية“. وعلى هذا اﻷساس يرد في الرسالة يظهر أن هذا المجمع انحرف عن اﻹيمان والاعتراف اﻷرثوذكسيين“.

تتوقف الرسالة عند دور البطريرك المسكوني في التسويق للمسكونية وهي هرطقة شاملة بشكل عام، وللمجمع الكاذب في كريت“. ويرى اﻵباء ضرورة الامتناع عن ذكر البطريرك في الجبل إلى أن يدين هذه الهرطقة.

وفي ما يتعلق بالدور الذي يقوم به بطريرك القسطنطينية في تعزيز كل من بدعة المسكونية الشاملة وعلى وجه الخصوص مجمع كريت الكاذب، وضرورة امتناع الجماعة الآثوسية عن ذكره حتى يأتي الوقت الذي يدين فيه هذه البدعة، فيرد في رسالة اﻷثوسيين:

يقف بطريرك القسطنطينية كمُلهِم رئيسي ومروّج للنص المجمعي، وبالتالي هو بالنسبة لنا نحن الآباء الآثوسيين، لا بل أيضا لجميع المسيحيين الأرثوذكسيين من كهنة وعلمانيين، قد ثبت أنه، قولاً وفعلاً، رئيس بدعة (Heresiarch)، كما كان قبله آريوس ونسطوريوس وباكّوكما أثبت بشكل واضح إكليريكيون مميزون ولاهوتيون. وهذا الحال لا ينطبق فقط على ترويجه للبدعة المسكونية بل أيضاً على ترويجه للتلفيق الديني، كما يتّضح في قوله وفعله ومن خلال الصلاة المشتركة مع رؤساء اﻷديان غير المسيحية. إنه يعلّم عقائد غريبة، غير أرثوذكسية وضد الآباء، وبالتالي، لهذا السبب، ينطبق عليه كلام ربنا: “وَأَمَّا الْغَرِيبُ فَلاَ تَتْبَعُهُ بَلْ تَهْرُبُ مِنْهُ، لأَنَّهَا لاَ تَعْرِفُ صَوْتَ الْغُرَبَاءِ” (يوحنا 5:10).

وفي الختام كتب اﻵباء اﻷثوسيون:

أيها اﻵباء القديسون، إن الكنيسة اﻷرثوذكسية والمؤمنون اﻷرثوذكس قد أُعلِنوا غير مرغوب فيهم، وأفرِدوا للمضايقات. لقد تمّ في مجمع كريت الكاذب وصف كل المسيحيين الأرثوذكسيين الذين يعادونه ويرفضونه، سواء كانوا من اﻷساقفة أو الكهنة أو الرهبان أو العلمانيين، بأنهم هراطقة، متعصبون، ومتزمّتون“. هل سوف نترك هذا التصنيف يعبر إلى ضمير الشعب؟ مع الكثير من التواضع وخوف الله والمحبة لكنيستنا اﻷرثوذكسية نحن نرجوكم ونطلب أن نقف جميعاً معاً حتى تتمّ الدعوة إلى مجمع أرثوكسي عظيم وصحيح لرفض مجمع كريت الكاذب“.

أيها اﻵباء الموقّرون للجماعة المقدسة، أيها اﻵباء الروحيون إن مئة سنة من التدبير المفرِط وسماحة الصدر مع البطاركة واﻷساقفة المسكونيون المتليتنون والساعون إلى الاتحاد، قد سببت تآكلاً مريعاً في اﻹيمان وغذّت الانحرافات الهرطوقية. إن لهذا الضرر والفساد، الناشئين عن هذا العمل المدعو خطأً التدبيربين الإكليروس والشعب اﻷرثوذكسيين، أبعاد مذهلة. ولهذا نرجو منكم مجدداً: ناضلوا لحفظ وديعة كنيستنا الأرثوذكسية المقدسة وإيمانها.”

ملاحظات أولية مؤلِمة حول المجمع المقدس العظيم

ملاحظات أولية مؤلِمة حول المجمع المقدس العظيم

سيرافيم ميتروبوليت بيريه

صادر عن مكتب الهرطقات والبدع في أبرشية بيريه

لقد تابعنا، عن طريق وسائل الإعلام وببالغ الحزن والألم، المجمع المقدس العظيم منذ بدايته في القداس الإلهي يوم أحد العنصرة. في ما يلي نقدم بعض الملاحظات الأولية الموجزة حول المجمع لمنفعة شعب الله.

(1) نلاحظ بأسى حضور ومشاركة الهراطقة من البابويين والبروتستانت وأتباع الطبيعة الواحدة في صلوات سحر وقداس هذا العيد العظيم في كنيسة القديس ميناس في هيراكليون. وكما يعلم الجميع، هذا محظور بموجب القوانين المقدسة. داس الرؤساء الأرثوذكس ومعهم الأساقفة المشاركون على شرائع الرسل والمجامع، راغبين من البداية بتوجيه رسالة إلى العالم كله، يبيّنون فيها مقدار الاحترام الكبير الذي يكنّونه لقرارات المجامع المسكونية، وبالتالي لمؤسسة المجمع، كما أطلقوا في بياناتهم الطنانة.

(2) إن وجود وفود رسمية من الهراطقة البابويين والبروتستانت وأتباع الطبيعة الواحدة في افتتاح أعمال المجمع هو بدعة لم يسبق لها مثيل وهي غريبة عن تقليدنا المجمعي. في الواقع، لقد توجّه البطريرك المسكوني برثلماوس إلى هؤلاء المندوبين بأنهم ممثلي كنائس شقيقةمن قبل أن يتّخذ المجمع المقدس العظيم أي قرار بشأن كنائسيّة أو عدم كنائسيّة هذه المجموعات الهرطوقية المعنية. وهكذا، من خلال سياسة الأمر الواقع، أرسل البطريرك برثلماوس رسالة أخرى إلى أعضاء المجمع بأنه ليس لديه نيّة تسميّة غير اﻷرثوذكس هراطقة. بدلاً من ذلك، قد سمّاهم كنائس شقيقة. لم يحدث قط في تاريخ المجامع المسكونية ولا المحلية في الفترة البيزنطية أن يكون المراقبونحاضرين في مثل هذه المجامع على أنهم رفيعو المقام بهدف اﻹطاحة بإدانات المجامع المسكونية السابقة لمعتقداتهم الهرطوقية. بطبيعة الحال، كان الهراطقة يُدعَون إلى المجامع ولكن كأشخاص خاضعين للمحاكمة، من أجل الدفاع عن أنفسهم، وليس كضيوف شرف. لم تظهر ظاهرة المراقبينإلا في مجمعي الفاتيكان الأول والثاني. هذا ما يبدو واضحاً أن المجمع المقدس الكبير يقوم بنسخه عن النماذج الكاثوليكية.

(3) بدأ المجمع المقدس الكبير أعماله بانتهاك الإجراءات المنظمة للعملالتي تعود إليه، والتي تمّ التوقيع عليها في اجتماع رؤساء الكنائس في كانون الثاني عام 2016. إن الوثيقة المعنية تصف بأن المجمع سينعقد من الكليّ القداسة البطريرك المسكوني، بموافقة أصحاب الغبطة، رؤساء الكنائس الأرثوذكسية المستقلة والمعترف بها عالمياً“(المادة الأولى). أربعة كنائس مستقلّة، روسيا وبلغاريا وجورجيا وأنطاكية، لم توافق على انعقاد المجمع، ولها مبرراتها، وطلبت التأجيل، وبالتالي، فإن شرط أصحاب الغبطة، رؤساء الكنائس الأرثوذكسية المستقلةلم يُستَوفَ. ونتيجة لذلك، لم يكن هناك أي مبرر، على أساس ما سبق ذكره في الإجراءات المنظمة للعمل،لا للبطريرك المسكوني ولا لكل ما تبقى من الكنائس المحلية مجتمعين لعقد المجمع، إذا كانوا يرغبون باحترام هذه اﻹجراءات التي وقّعوا عليها.

(4) افتتح المجمع عمله من دون التصديق أولاً على قرارات (Ὅροι) كل المجامع المسكونية السابقة، حتّى يكون المجمع العظيم الحالي استمراراً عضوياً حقاً للمجامع السابقة. يجدر الذكر إلى أن هذه الإشارة إلى المجامع المسكونية السابقة هي إجراء قائم حفظه الآباء القديسون في المجامع المذكورة. وقد كان الآباء القديسون يرغبون من خلال هذا الإجراء بإعلان قبولهم لكل العقائد التي وضعتها المجامع المسكونية السابقة وبأنهم يتقدّمون لمواصلة عمل هذه المجامع. من اﻷمثلة النموذجيّة هو اعتراف المجمع المسكوني الثامن (879-880)، برئاسة القديس فوتيوس، بأنّ مجمع العام 787 هو المجمع المسكوني السابع.

(5) افتتح المجمع عمله على أساس الإجراءات المنظِّمة للعملالتي لم تكن مقبولة بإجماع الرؤساء الذين اجتمعوا في كانون الثاني 2016، حيث أنّ كنيسة أنطاكية لم توقع عليها. كما بدأ أيضاً عمله على أساس ست وثائق تمّ قبولها بالإجماع في اللقاء التشاوري الخامس قبل المجمع، وهو أساس تمّ إثباتعدم أمانه واستقراره. هذا لأن وثائق ما قبل المجمع الستة تمت الموافقة عليها بإجماع ممثلي الكنائس في اللقاء التشاوري الخامس قبل المجمع وفي اجتماع الرؤساء (يناير 2016)، ولكن ليس من كل رؤساء الكنائس المستقلة المحلية. عندما درست هذه الكنائس الوثائق المذكورة أعلاه، وبشكل خاص كنائس بلغاريا وجورجيا واليونان، وجدت فيها ثغرات وغموضاً وتركيبات غير أرثوذكسية اقترحت تنقيحات وتصحيحات. وبالنسبة لهذه الكنائس التي اقترحت التعديلات والتصويبات، من البديهي أن وثائق ما قبل المجمع لم تعد سارية المفعول.

حقيقة أن الرؤساء وقّعوا الوثائق الستة لا تعني أن رؤساء الكنائس المحلية ملزَمون بتوقيعاتهم بقبول هذه النصوص على ما هي عليه. إن الرأي الشخصي للرئاسات في أي قضية معينة ليس ملزماً لأساقفة المجمع الذي ينتمي إليه هذا الرئيس ولا تلزمهم بالتماشي مع رأيه، وإلا في هذه الحال، تُلغى المؤسسة المجمعية ويتحوّل كل من الرؤساء إلى بابا. ليس المتقدّم إنما مجمع اﻷساقفة هو العضو اﻹداري اﻷعلى لكل كنيسة محلية. على ضوء كل ما ذكرنا، من الواضح أن ما شدّد عليه البطريرك المسكوني في كلامه التالي في كلمة الافتتاح هو خاطئ بالكليّة: “نحن ننطلق، من ثمّ، في عملنا على أساس وثائق تمّـت الموافقة عليها بالإجماع من كنائسنا، كما قد صادقت بالفعل كل كنيسة“. بالتأكيد ما يعنيه البطريرك المسكوني بقوله وثائق تمّـت الموافقة عليها بالإجماعهو وثائق اللقاء التشاوري الخامس التي وقّعها اجتماع الرؤساء (كانون الثاني 2016)، ولكن التي ﻻ صلاحية لها عند بعض الكنائس بعد التصحيحات والتبديلات التي أملَت بها مجامعها.

(6) إن الكنائس اﻷربعة التي لم تشترك بالمجمع تعرّضت لتشويه السمعة أمام الجمهور الدولي. لقد صوّر البطريرك المسكوني وغيره من الرؤساء هذا الغياب على أنه بالكليّة غير مبرر ومستحق اللوم. بسبب تغيّبها، تمّ تصوير هذه الكنائس على أنها مسؤولة، على درجات مختلفة، عن خلق الانشقاقات والانقسامات. لكن هذه الكنائس لم تشارك، لا ﻷنها مغتاظةبل ﻷنها اكتشفت نقاط ضعف في الوثائق التحضيرية من بعد دراستها في مجامعها. لقد طلبت بشكل طبيعي تأجيل المجمع الكبير للتعمّق بدراسة هذه الوثائق ووضع التصحيحات الضرورية وبالتالي إنتاج وثائق جديدة توافق عليها كل الكنائس المحلية بالإجماع. وكون اقتراحها التأجيل لم يُقبَل لم تشارك هذه الكنائس في المجمع لأسباب مفهومة.

(7) أكثر إيلاماً بين كلّ هذه الملاحظات هو الإقرار، في الجوهر، وعن طريق صيغة جديدة غامضة وملتبسة بكنائسية غير اﻷرثوذكس، في الوثيقة المعنونة علاقات الكنيسة الأرثوذكسية مع بقية العالم المسيحي“. لقد قبل المجمع بالإجماع صياغة تقبل الكنيسة الأرثوذكسية الاسم التاريخي للكنائس والطوائف المسيحية الأخرى غير اﻷرثوذكسية، بدلاً من الصياغة تعترف الكنيسة الأرثوذكسية بالوجود التاريخي للكنائس والطوائف المسيحية الأخرى“. أي أن عبارة وجوداستُبدِلَت بعبارة اسموجملة الكنائس والطوائف المسيحيةأضيف إليها صفة غير اﻷرثوذكسية“. رئيس أساقفة أثينا ييرونيموس اقترح هذا التغيير في الصياغة بعد ساعات من المناقشة والمداولات، تمّ خلالها التعبير عن الكثير من اﻵراء المتضاربة.

أعلن رئيس اﻷساقفة ييرونيموس (اليونان) أن بفضل هذه الصياغة توصّلنا إلى قرار مجمعي حيث، ﻷول مرة في التاريخ، تمّ تحديد المدى التاريخي للعلاقات مع غير اﻷرثوذكس، لا من خلال وجودهم، بل فقط من خلال تسميتهم بكنائس أو طوائف مسيحية غير أرثوذكسية“. هذا يثير سؤالاً مبرراً: “كيف يكون ممكناً أن نسمّي شيئاً ما وفي الوقت عينه نرفض وجود الذي نسمّيه“. وعلى المنوال نفسه ومن زاوية عقائدية، تبنّي عبارة الكنائس والطوائف المسيحية غير اﻷرثوذكسيةمخالف ومرفوض. ﻻ يمكن تسمية الطوائف غير اﻷرثوذكسية كنائس، فهم بالتحديد لا يمكن أن يشكّلوا كنائساً ﻷنهم يقبلون عقائد مختلفة وهرطوقية.

أيضاً من المؤلم جداً حقيقة أن وفد كنيسة اليونان لم يبقَ مخلِصاً بغير اهتزاز لقرارات مجمع اﻷساقفة في 24-25 أيار (2016)، كما كان من المفترض أن يكون. لقد قرّر مجمع اﻷساقفة أنّ عبارة الوجود التاريخي للكنائس والطوائف المسيحية اﻷخرىينبغي استبدالها بعبارة الوجود التاريخي للطوائف والمجموعات المسيحية اﻷخرى“.

(8) أخيراً ملاحظة محزِنة أخرى: كل ما أعلنه البطريرك المسكوني في ختام أعمال المجمع، هو بالحقيقة ثرثرة. فمن جملة أمور، أعلن أن البطريركية المسكونية كانت رائدة في عالم الحركة المسكونية“. كما أنه سوّق لرسالة 1920 الجامعة للهرطقات التي يصفها الكثيرون بأنها الشُرعة المؤسِّسة لمجلس الكنائس العالمي الذي أتى لاحقاًوأنّ البطريركية المسكونية كانت أحد اﻷعضاء المؤسسين لمجلس الكنائس العالمي في أمستردام“.

في الوقت الحالي، نحن نكتفي بالتعليقات السابقة، من دون أن يعني هذا أن لائحة الملاحظات المؤلِمة تنتهي هنا. على ضوء كل ما ذكرنا سابقاً يأتي السؤال التالي بشكل طبيعي: “ماذا يتوقّع اﻹنسان من مجمع بدأ وسار على هذا الشكل؟

وكما يلاحظ السيّد: “لأَنَّهُ مَا مِنْ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تُثْمِرُ ثَمَرًا رَدِيًّا، وَلاَ شَجَرَةٍ رَدِيَّةٍ تُثْمِرُ ثَمَرًا جَيِّدًا. لأَنَّ كُلَّ شَجَرَةٍ تُعْرَفُ مِنْ ثَمَرِهَا(لوقا 43:6-44). وليُترَك لكل من القراء أن يستنتج.

لماذا لم أوقّع وثيقة “علاقة الكنيسة اﻷرثوذكسية بباقي العالم المسيحي”

لماذا لم أوقّع وثيقة علاقة الكنيسة اﻷرثوذكسية بباقي العالم المسيحي

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

لقد نُشِر العديد من التعليقات حول موقفي من نص وثيقة علاقة الكنيسة اﻷرثوذكسية بباقي العالم المسيحي“. فالبعض يقول أني لم أوقّع واﻵخر يقول أني وقعت مع التحفّظ وغيرهم يقول أني وقّعت وحّسب.

بهذه الرسالة، أؤكّد أني لم أوقّع، وباﻹضافة فقد سجّلت تحفظّات على نقاط محددة في وثيقتَي رسالة الكنيسة اﻷرثوذكسية في العالم اليوموسر الزواج وموانعه، وقد أوضحت هذه النقاط خلال جلسات المجمع.

بخصوص الوثيقة اﻷولى علاقة الكنيسة اﻷرثوذكسية بباقي العالم المسيحي، أريد أن أقول بصدق أني من بعد تفكير عميق واستناداً إلى معايير لاهوتية، لم أوقّع. لم يحن الوقت بعد لسرد كل حججي التاريخية واللاهوتية، وهذا ما سوف أفعله عند تحليلي بشكل أوسع لكل منهج العمل والجو الروحي الذي تعرفت إليه أثناء جلسات المجمع الكبير. هنا سوف اذكر بإيجاز بعد اﻷسباب المحددة.

لقد أخذت بعين الاعتبار أن العديد من القرارات التي صوّت عليها مجمع كنيسة اليونان بالإجماع لم تُقبَل، ليس فقط في ما يتعلّق بعبارة الكنيسة الأرثوذكسية تعرف الوجود التاريخي للطوائف والجماعات المسيحية اﻷخرى، بل أيضاً في أربع أو خمس حالات.

منذ البداية، مجمل بنية التفكير وأسلوبه في النص أقلقتني، لأنها جاءت من دمج نصّين مختلفين، ولكن كان لدي اﻷمل حتى النهاية في أن يتمّ تصحيح النص من خلال اقتراحات الكنائس الأخرى.

لكي يكون رفضي للتوقيع مفهوماً، عليّ أن أورِد معلومة حول سبب تغيير ممثلي كنيسة اليونان، فجائياً، للقرار المتّخذ باﻹجماع في مجمع هذه الكنيسة. كما هو معروف، القرار الأول للمجمع في اﻷول من أيار 2016 كان بتغيير النص القائل تعترف الكنيسة اﻷرثوذكسية بالوجود التاريخي للجماعات والطوائف المسيحية اﻷخرىليصير تقبل الكنيسة اﻷرثوذكسية التسمية التاريخية لغير اﻷرثوذكس بالكنائس والطوائف“. الفرق بين العبارتين واضح.

السبب اﻷخير، وهو غير جوهري لكن له قيمة خاصة، هو الانتقادات العنيفة التي وُجّهَت إلى وفد كنيسة اليونان بسبب قراره الثبات عند قرار مجمعه. بالتأكيد، رفض رئيس اﻷساقفة ييرونيموس هذه المعاملة المسيئة على أرضية صلبة. في النهاية، هذا السلوك الجارح لعب دوراً نفسياً في صياغة الاقتراح اﻵخر.

منذ البداية، قررتُ المشاركة في المجمع المقدس كعضو في وفد كنيسة اليونان، إلا أنني انتظرت قرارات المجمع في شهر أيار 2016 لاتّخاذ القرار حول ما إذا كنت سوف أحضر. عندما وجدت أن القرارات الهامة اتّخذَت بالإجماع، انتهى بي الأمر بالمشاركة لتقديم الدعم. لكن، في النهاية لاحظت أنه، ﻷساب مختلفة، لم تمرّ كل التصحيحات التي اقترحتها الكنائس. لقد كان ميتروبوليت برغامون، الذي لعب دور المستشار بناء على طلب من البطريرك، هو المقيِّم اﻷخير للاقتراحات، رفضاً أو تغييراً أو اعتماداً، وتقييمه كان يُقبَل من كنيسة القسطنطينية وبعض الكنائس اﻷخرى.

برأيي، لم يكن النص جاهزاً ليتبنّاه المجمع، إذ لغاية لحظة توقيعه، كان يُصحَّح ويُغيَّر، حتّى أثناء ترجمته إلى اللغات الرسمية الثلاثة، الفرنسية واﻹنكليزية والروسية. هذا كان سبب سعي العديد من الكنائس إلى سحب الوثيقة منذ البداية، بهدف تعديلها. إلى هذا، النص دبلوماسي جداً ويمكن ﻷي كان أن يستعمله بحسب تفضيلاته.

لقد ذكرت في المجمع أن النص لا يستند إلى أساس إكليسيولوجي صرف. مسألة ماهية الكنيسة ومَن هم أعضاؤها هي واحدة من حوالي مئة مسألة أُثيرَت وسقطت على قارعة الطريق على ضوء المحادثات والحوارات الأوسع، على أن يُتخذ القرار في وقت لاحق. لكن في البداية ينبغي مناقشة وتحديد ما هي الكنيسة ومَن هم أعضاؤها ومن ثم يُحدد مَن هم غير اﻷرثوذكس.

أيضاً، لو أني وقّعت على الوثيقة لكنت أنكر كلّ ما كتبته منذ فترة حول اﻹكليسيولوجيا استناداً إلى آباء الكنيسة القديسين. بالطبع، هذا شيء لا أستطيع القيام به.

نوقش هذا النص يوم الجمعة ووصلت المحادثات إلى طريق مسدود عند الفقرة السادسة، حيث نوقشَت العبارة عن كيفية اﻹشارة إلى غير اﻷرثوذكس. اقترحت كنيسة رومانيا عبارة الطوائف والجماعات غير اﻷرثوذكسية“. كنيسة قبرص اقترحت تسمية الكنائس غير اﻷرثوذكسية“. أما كنيسة اليونان فاقترحت استعمال الطوائف والجماعات المسيحية“. ولكن كنيسة رومانيا سحبت اقتراحها، فانحصر النقاش بين اقتراحي كنيسة قبرص، الذي قبلته الكنائس الأخرى، واقتراح كنيسة اليونان.

في لقاء خاص لوفدنا بعد ظهر يوم الجمعة، تقرر أننا سنلتزم بقرار مجمعنا على الرغم من اقتراح حلول بديلة، كمثل الكنيسة الأرثوذكسية تعترف بوجود غير اﻷرثوذكسأو المسيحيين الآخرينأوالمسيحيين غير الأرثوذكس“.

عندما لما يُقبَل اقتراح كنيسة اليونان، اقترح البطريرك المسكوني علناً في جلسة بعد ظهر يوم الجمعة أن يجري اجتماع بين مطران بيرغامون وبيني لإيجاد حل. لم يبدُ مطران بيرغامون منفتحاً على شيء من هذا القبيل، وأنا أعلنتُ أن اﻷمر ليس قضية شخصية يمكن أن آخذ مسؤوليته على عاتقي وحدها، بل هو مسألة تتعلّق بالوفد بأكمله. عندها، طلب البطريرك المسكوني من رئيس أساقفة أثينا أن يجد بعض الحلول.

اجتمع وفدنا صباح السبت، قبل الجلسة، لاتخاذ القرار المناسب. تصرّف رئيس أساقفة أثينا وسائر اليونان، ييرونيموس، بصورة ديمقراطية، وذكر أن هناك ثلاثة حلول محددة. الأول هو الالتزام بقرار المجمع. الثاني هو اقتراح جديد مع اعتبارات خاصة جداً (لا أعرف من أين جاء أو مَن اقترحه) ونصّه تقبل الكنيسة الأرثوذكسية التسمية التاريخية للكنائس والطوائف المسيحية الأخرى“. أمّا الاقتراح الثالث فهو أن نقبل اقتراح كنيسة قبرص الذي يحكي عن الكنائس غير الأرثوذكسية“. جرت المناقشة وصوّت الوفد على الاقتراحات الثلاثة. شخصياً، أنا دعمت الصيغة الأولى التي سبق أن وافق عليها المجمع اليوناني، في حين أن كل الآخرين الحاضرين صوّتوا لصالح الثانية.

أنا وجدت أن الاقتراح الذي تمّ اختياره لم يكن مناسباً من وجهتَي النظر التاريخية واللاهوتية، فأعلنتُ على الفور أمام جميع الحضور بأنني لن أوقّع هذا النص إذا تمّ طرح هذا الاقتراح، ولكن من أجل الحفاظ على الوحدة سوف أنسحب من المناقشات التالية. ونتيجة لذلك، لن أكون قادراً على توقيع النص للسبب المذكور.

أقل ما يمكن ذكره، وأنا أشهد على ذلك، بأني شخصيًا تعرّضت لضغط شديد ومعاملة سيئة من الأساقفة بسبب موقفي، وقد علمتُ أن الأساقفة اﻵخرين من كنيستنا تعرّضوا أيضاً لضغوط من هذا القبيل.و لأنني دائما أجهد للتصرف بهدوء ورصانة وحرية، لم يكن ممكناً أن أقبل هذه الإجراءات المهينة.

هذه هي الأسباب الأساسية، اللاهوتية والضميرية، التي جعلت التوقيع بالنسبة لي مستحيلاً. صحيح أن اسمي يظهر على النص النهائي الذي تمّ نشره، كموقِّع مفترض، لأني كنت عضواً في وفد كنيسة اليونان، على الرغم من أنني لم أوقّع.

ما قدّمتُه هنا هو معلومات محدودة حول ما حدث بشأن مسألة نص العلاقات“. سأكتب أكثر في وقت لاحق مع تحليل تاريخي ولاهوتي خاصةّ لما هو مقلق في اقتراح كنيسة اليونان الأخير الذي اعتُمد في النصّ النهائي للوثيقة.

السنة الثانية عشرة، العدد التاسع، حزيران2016

السنة الثانية عشرة، العدد التاسع، حزيران2016

مختارات آبائية

دواء الشغف بالأوليّة، الميتروبوليت يوئيل، مطران أديسا

عظة

لغة الثـّالوث! اﻷرشمندريت توما بيطار

رعائيات

المجمع الأرثوذكسيّ المسمّى الكبير، اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الشركة والمعلومة في واقع أنطاكية، اﻷب أنطوان ملكي

لاهوت / دراسات آبائية

التّعليم النسكيّ واللَّاهوتيّ عند القدّيس غريغوريوس پالاماس، المتروبوليت باسيليوس كريڤوشاين

حياة روحية \ ثمار الروح

صراع العبادة بين ربّين، اﻷب أنطوان ملكي

من ثمار الروح: الصلاح، كالينيكوس ميتروبوليت بيرياس

الدهريّة: تحدّي الكنيسة الأكبر، جايمس ليللي

دواء الشغف بالأوليّة

دواء الشغف بالأوليّة

الميتروبوليت يوئيل، مطران أديسا

مَن أراد أن يكون فيكم أولاً، فليكن للكلّ خادماً“.

آخر مرة ذهب المسيح إلى أورشليم كانت مثيرة، ليس فقط بالنسبة له، بل أيضاً لأولئك الذين كانوا يتبعونه. “وَكَانُوا فِي الطَّرِيقِ صَاعِدِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَقَدَّمُهُمْ يَسُوعُ، وَكَانُوا يَتَحَيَّرُونَ. وَفِيمَا هُمْ يَتْبَعُونَ كَانُوا يَخَافُونَ.” (مرقس 32:10). ومع تزايد توافد الحشود إليه، كان يزيد من المزيد الحديث إلى تلاميذه عن هذا وعن موته. تحدّث عن كأس الموت ومعمودية الدم. وأوضح لهم بأن طريقهم سوف تشبه في نواحٍ كثيرة ما سوف تنتهي به حياته. كان التلاميذ خائفين. حتى ذلك الحين لم يكونوا بعد قد وُضِعوا تحت أي اختبار. في هذه اللحظات الدرامية، جاء اثنان من تلاميذه وطلبا أن يُعطى لهما مكان الصدارة، الأمر الذي اضطر المسيح لأن يقول لهم أن كلّ من يريد أن يكون أولا يجب أن يكون خادماً وعبداً لجميع الآخرين.

كونه ملك القوات السماوية، رضي المسيح أن يولد طفلاً في مذود في مغارة، وأن يتربّىعلى نحو بسيط في بيت نجار ووالدته ، كما يقول القديس باسيليوس الكبير. كما أنّه وافق أيضاً على أن يعتمد على يد واحد من مخلوقاته، ويُصلَب، ويخضع لأفظع الميتات. لا شيء من ذلك حرّك التلاميذ. وكان هذا لأن الطموح والرغبة في الأوليّة كانا المشاعر الطاغية التي تزعج الكثير من الناس، حتى في سنوات المتأخّرة. السيد المسيح كلّمهم عن آﻻمه فيما كانوا يحلمون بالشرف والمجد. لقد كانوا تلاميذ المسيح، لكنهم لم يكونوا قد نموا، وربّما كانوا تحت تأثير عاطفة ما أو غيرها. نحن نرتفع إلى أعلى المناصب، ولكن عواطفنا تبقى حيّة في داخلنا. ويقول آباء الكنيسة أن الرغبة الوحيدة للخطأة، إذا تابوا، هو التخلص من كل عواطفهم، وبعبارة أخرى، أهوائهم الشخصية، وسلوك حياة مواهب الروح القدس. يثبت الناموس الروحي أن الذين يرغبون بأن يسودوا على غيرهم من الناس وجعلهم تابعين، فسوف يصيرون الأكثر خزياً، والأكثر حقارة وكرهاً من الجميع. على سبيل المثال، أراد الشيطان أن يصبح أولاً وانتهى به الأمر أخيراً. الناس الذين يستحقون المجد ليسوا أولئك الذين يسعون إليه، بل أولئك الذين يزدرون به. المجد هو مثل ظلّ الشخص: بقدر ما تطارده، يذهب بعيداً.

لقد وضع المسيح مرهم التواضع على جرح الطموح والرغبة في التسلّط.

إذا كان رسول الرأي العظيم، أي المسيح، قد تواضع هكذا، فعلينا نحن أيضاً، أن نكون مستعدين لاتّباع نفس المسار. “وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ(فيليبي 8:2) كما يذكر الرسول بولس بشكل قاطع. بقدر ما يرتفع الناس يجب عليهم أن يواضعوا أنفسهم لا أن يفتخروا. السلطة تُعطى للناس لا ليستبدّوا بل لخدمة الآخرين. يقول القديس يوحنا السلمي: “ليس فقط لتخفيف جراح الآخرين ولكن أيضاً لرعايتها. فقط من خلال التواضع يكتسب القادة الوضع الطبيعي للسلوك تجاه الآخرين. لقد وقّعنا اتفاقاً مع الله ينطوي على التوبة، وليس على السلطة “.

سلوك الرؤساء اليوم

اليوم، قادة الدول وكلّ مَن عندهم شيء من السلطة هم في خطر الوقوع في خطيئة طلب الصدارة والهيمنة على الآخرين. نحن جميعاً نريد أن نسود على غيرنا من الناس. القادة العسكريون والرجال والنساء ورجال الدين والعلمانيين والقادة السياسيون وكلّ من بيده شكل من أشكال السلطة هو في خطر من أن يصبح طاغية تجاه الآخرين. القادة الحقيقيون لا يفتحون الجروح بل يداوون الإصابة. يجب ان تمارَس السلطة بتواضع حتى تكون فعّالة. إن مثالَنا هو المسيح، الذي تواضع إلى حد كبير، لكي يتسنى لنا أن نرتفع إلى السماء. إنه هو الطريق اﻷكيد للسلطة. والتواضع هو دواء الاندفاع نحو الأوليّة.

لغة الثـّالوث!

لغة الثـّالوث!

اﻷرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، يسوع هو شمس العدل؛ يسوع هو الّذي تدور الخليقة في فلكه؛ يسوع هو العالَم الجديد. لذلك، الكنيسة، في فهمنا، هي جسد المسيح. وحين نقول عن الكنيسة إنّها جسد المسيح، فهذا يعني أنّها العالم الجديد، أنّها يسوع؛ ويسوع، في آن، هو رأسها. يسوع هو الكنيسة، وهو رأس الكنيسة. الكنيسة ليست، عندنا، مؤسّسة أو منظّمة، وليست جماعة المؤمنين. الكنيسة تمتاز، عندنا، بكونها ذات طبيعتين: طبيعة بشريّة، وطبيعة إلهيّة. كلّ شيء، فيها، هو من طبيعة إلهيّة بشريّة. لذلك، كلّ شيء، فيها، هو أسراريّ الطّابع. والسّرّ، عندنا، هو تجلّي غيرِ المنظور في المنظورات، تجلّي الإلهيّاتِ في البشريّات. الكلمة الّّتي نتفوّه بها، في كنيسة المسيح، هي، في آن، كلمة الله وكلمة النّاس. وكلمة الله يتجلّى الله فيها من خلال ما هو مسموع، أو من خلال ما هو مقروء. هكذا، حين نصلّي، في كنيسة المسيح، نتعاطى أمرًا إلهيًّا بشريًّا، في آن. نطلب إلى الله بكلام بشريّ، نسأله، نلتمس منه البركة؛ وفي آن، يأتينا، ينزل علينا كحضور روحيّ إلهيّ، بكلّ معنى الكلمة.

إذًا، إذا كنّا نحن أبناءَ الكنيسة المقدّسة، فهذا معناه أنّنا بتنا، أيضًا، ذات طبيعة إلهيّة بشريّة. ما هو فينا، ما أُعطي لنا هو إلهيّ وبشريّ. صحيح أنّنا ننتمي، من جهة البشرة، إلى هذا العالم. لكنّنا، من جهة الطّبيعة الإلهيّة، ننتمي إلى يسوع؛ نحن نأتي من يسوع؛ نحن نأتي من روح الله. لذلك، حين نسمع القول أنتم هيكل الله، وروح الله ساكن فيكم” (1كور3: 16)، فهذا يوضح، بجلاء، أنّنا نجمع ما بين السّماء والأرض، نجمع ما بين الإلهيّات والبشريّات. نحن نقطة الالتقاء بين ما هو من فوق وما هو من هذا العالم، بين ما هو مخلوق وما هو غير مخلوق. لقد أُعطي لنا كنز في آنية خزفيّة، وهذا الكنز هو روح الله. على هذا، يا إخوة، نحن، بانتمائنا إلى كنيسة المسيح، بتنا أبناء الملكوت، بالإضافة إلى كوننا أبناء هذه البشرة؛ ونتعاطى كلّ شيء على هذا النّحو. نحن لا نتعاطى شيئًا، في حياتنا، إلاّ تحت هذا العنوان الإلهيّ البشريّ. إذا أكلنا، مثلاً، فالأكل، بالنّسبة إلينا، ليس، أبدًا، موضوع طعام من هذا الدّهر وحسْب! لا شكّ في أنّ ما نأكله هو طعام من هذا الدّهر. لكنّ هذا الطّعام، الّذي هو من هذا الدّهر، من هذه الأرض، قد صار حمّالةً لطعام سماويّ. لهذا السّبب، نحن لا نأكل إلاّ إذا بارَكـْنا المائدة. لماذا نبارك المائدة؟! نحن لا نبارك المائدة، فقط، لأنّنا نلتمس من الرّبّ الإله أن يُكثّر لنا الخيرات والبركات؛ بل نبارك، في الحقيقة، لأنّنا نعرف أنّ الطّعام، من بين كلّ ما له علاقة بحياتنا، هو مدخل إلى الملكوت، وهو محَطٌّ للحضور الإلهيّ. الرّبّ يسوع يأتينا ويقيم في كلّ ما له علاقة بحياتنا. هو مقيم فينا! من هنا، يا إخوة، إنّه لَخطأ جسيم أن نتعاطى المادّيّات، في هذا الدّهر، باعتبارها مادّيّات وحسْب. نحن نتعاطى المادّيّات أسراريًّا! نتعاطى المادّيّات كسِرّ، أي كحضرة لله تأتينا من خلال هذه المادّة. لذلك، كلّ شيء، عندنا، برسم البَرَكَة، إلاّ الخطيئة. وكلّ شيء نتعاطاه دخل في السّرّ الإلهيّ الّذي انكشف لنا، والّذي أقام فينا، والّذي بتنا نحن امتدادًا له. طبعًا، هذا يشكّل صعوبة في تعاملنا مع الّذين لا ينتمون إلى سرّ المسيح وسرّ الإنجيل. الّذين لا ينتمون إلى المسيح، ينتمون إلى هذا الدّهر وحسْب. نحن لسنا من هذا الدّهر! يسوع قال ذلك بوضوح: “أنا لستُ من هذا العالم“. وهذا ليس، فقط، كلامًا ليسوع لأنّه ابن الله؛ بل هو كلام لكلّ واحد منّا. على كلّ واحد منّا أن يقول: “أنا لستُ من هذا العالم، أنا في هذا العالم، ولكنّني من المسيح، من روح الله“! المؤمن بيسوع لا يحقّ له، إذًا، ولا يليق به أن يتعاطى شيئًا من مفاهيم هذا الدّهر؛ لأنّ عنده بعدًا جديدًا أُعطي له، وهو الملكوت. وهذا لم يُعطَ للّذين لا يؤمنون بيسوع، وللّذين لم يعتمدوا باسم الرّبّ يسوع.

من هنا، يا إخوة، إنّ الكنيسة، بالنّسبة إلينا، عالمٌ جديد، بكلّ معنى الكلمة! عالم روحيّ بشريّ! هذا ما ننتمي إليه. وهذا العالم الجديد ليس كعالمنا. في عالمنا، هناك، دائمًا، مكان. نحن، الآن، في مكان. أمّا في العالم الجديد، أي في كنيسة المسيح، فلسنا في مكان. الكنيسة ليست مكانًا. جسد المسيح ليس مكانًا، بالمعنى المحسوس للكلمة. طبعًا، هناك تعابير محسوسة للكنيسة. ما دمنا نحن ههنا، فلا بدّ من أن يوجَد، دائمًا، تعبير محسوس عن الكنيسة. وكما قلت، الكنيسة حقيقة بشريّة، إنّما إلهيّة، أيضًا. في العمق، نحن، في الكنيسة، في حالة جديدة، حالة حقيقيّة جدًّا، لكنّها لا تمتاز بكونها ذات بُعد مكانيّ، بل تمتاز بكونها ذات بُعد روحيّ، وإلاّ ما كان الرّسول بولس قال عن الكنيسة إنّها جسد المسيح! ما دام هناك جسد، فهناك علاقة عضويّة. نحن في المسيح، والمسيح فينا. طبعًا، الرّبّ يسوع مميَّز فينا كشخص؛ ونحن، كأشخاص، مميَّزون عنه؛ لكنّه بالرّوح فينا، ونحن بالرّوح فيه. هذا ما يجعل الكنيسة كنيسةً. لهذا السّبب، لا يمكننا أن ندرك ما هو من الكنيسة بالعقل البشريّ، لأنّ الكنيسة ليست حقيقة عقلانيّة. نحاول أن نعبّر عنها بطريقة عقلانيّة على نحو تقريبيّ، كما نحاول أن نعبّر عنها بطريقة محسوسة، بكلّ ما هو بشريّ. لكن، تبقى الكنيسة، دائمًا، أكثر من التّعبير الّذي نلتزمه لنعبّر عنها. الحقيقة، يا إخوة، أنّنا، في الكنيسة، بإزاء وضع جديد كلّيًّا. يسوع حاضر، والرّوح القدس يجعله فينا، ونحن فيه. حين قال الرّبّ يسوع: “مَن رآني، فقد رأى الآب” (يو14: 9)، هذا، في الحقيقة، قاله بالجسد، قاله كإنسان، وهو إله، في آن معًا! نحن، أيضًا، بإمكاننا أن نقول، لا بل يجب علينا، في كلّ حين، أن نقول إنّ مَن رآنا فقد رأى يسوع، إنّ مَن رآنا فقد رأى الآب، إنّ مَن رآنا فقد رأى روح الرّبّ القدّوس! روح الرّبّ القدّوس لا يُرى، لكنّنا نحن أيقونته. والرّبّ يسوع، أيضًا، لا يُرى. وإن كنّا عرفناه بالجسد، في وقت من الأوقات، إلاّ أنّنا لسنا نعرفه، بعد، كذلك. ونحن، أيضًا، أيقونته. والآب، أيضًا، لا يُرى. لكن، ما دام الرّبّ الإله قد ارتضى أن يقيم فينا، لا فقط يسوع، ولا فقط روح الرّبّ، بل الآب السّماويّ أيضًا؛ فنحن أيقونته. وهذا قاله الرّبّ يسوع، بوضوح، في إنجيل يوحنّا: “آتي أنا وأبي ونسكن فيه” (يو14: 23)، أي في الّذي يؤمن ويكون عنده روح الرّبّ.

إذًا، يا إخوة، في الكنيسة، بإمكاننا أن نوجز ديناميّة الحياة الكنسيّة بكوننا، دائمًا، بروح الرّبّ القدّوس، على علاقة مستديمة بالرّبّ يسوع، وبالآب السّماويّ، أيضًا، أي بالثّالوث القدّوس. الموضوع، إذًا، ليس، أبدًا، موضوعَ تعاليم، أو عقائد، أو قوانين، أو ما شابه ذلك، مع أنّ هذه موجودة. لكن، هذه كلّها ليست سوى خارطة تشير إلى طبيعة العلاقات الحيّة، في كنيسة المسيح، بين المؤمنين والثّالوث القدّوس. الموضوع يكمن في هذه العلاقة الحيّة الدّائمة بيننا وبين الله. الكنيسة هي المكان غير المحسوس الّذي نكون فيه في علاقة دائمة مع الثّالوث القدّوس. وما دامت هناك علاقة، فلا بدّ من أن تكون هناك لغة مشتركة. الرّبّ يسوع كلّمنا بلغتنا. ونحن علينا أن نتكلّم بلغة الله. لا يكفي، أبدًا، أن يتكلّم يسوع بلغتنا. هذا مهمّ، طبعًا. نحن لا يمكننا أن نفهم، إن لم يكلّمنا يسوع بلغتنا. لكن، في آن معًا، نحن مدعوّون إلى أن نكلّم الثّالوث القدّوس بلغته هو! الثّالوث القدّوس عنده لغة. وهذه اللّغة علينا أن نتعلّمها، في كلّ حين. ما هي هذه اللّغة؟! هي لغة الصّلاة والعبادة. لهذا السّبب، سأل التّلاميذُ الرّبَّ يسوع قائلين له: “علِّمنا أن نصلّي“! علِّمنا“! هو علّمهم كيف يصلّون، أي علّمهم كيف يكونون في صلة مع الله، كيف يكونون في علاقة مع الله. الصّلاة لها علاقة بالصّلة. من دون صلاة، لا علاقة بيننا وبين الله. مَن لا يصلّي، فلا يمكنه أن يكون في علاقة مع الله. لهذا السّبب، صلّوا في كلّ حين، صلّوا ولا تملّوا” (لو18: 1)؛ أي ما دمنا في كنيسة المسيح، فعلينا، بصورة مستديمة، أن نكون في حال العبادة. هو يعلّمنا؛ المزامير تعلّمنا! كتاب المزامير هو كتاب الصّلاة بامتياز. الصّلوات الّتي نتعاطاها، في كنيسة المسيح، من أين أتتنا؟! أتظنّون أنّها أتتنا من الشـّعراء؟! أتظنّون أنّها أتتنا من أصحاب المواهب البشريّة؟! الصّلوات، عندنا، في الكنيسة، وضعها القدّيسون، وقد وضعوها بوحي من روح الرّبّ، أي إنّ روح الرّبّ هو الّذي علمّ ويعلّم النّاس، في كلّ حين، كيف يصلّون. وما يُقال عن الصّلاة يُقال عن الأيقونات، مثلاً. الأيقونات، عندنا، عمل إلهيّ بشريّ. اليوم، بكلّ أسف، نعتبر أنّ أيّ رسّام بإمكانه أن يقوم برسم أيقونة، وكأنّ الموضوعَ موضوعُ فنٍّ كنسيّ، وهو ليس كذلك، أبدًا. موضوع الأيقونة هو موضوع التّجلّي الإلهيّ في المنظورات. وما دام موضوعَ تجلٍّ إلهيّ في المنظورات، فالله هو الّذي يُظهر ذاته. لهذا السّبب، يُفترَض برسّامي الأيقونات أن يكونوا قدّيسين، أيضًا. وهكذا دواليك. نحن لا يمكننا، أبدًا، أن نقبل بهذا المنحى الدّهريّ في تعاطي الكنسيّات. “القدسات للقدّيسين“! كلّ ما له علاقة بالقدسات يتعاطاه القدّيسون، الّذين يعمل فيهم روح الرّبّ القدّوس. إذًا، عملُنا، في كلّ حين، في كنيسة المسيح، هو عمل عبادة. حين نرسم الأيقونة، نصلّي، نعترف بخطاياناطبعًا، يُفترَض برسّام الأيقونات أن يكون، قليلاً أو كثيرًا، صاحب موهبة بشريّة. ونحن قلنا، في كلّ حال، إنّنا، في كنيسة المسيح، بإزاء حقيقة بشريّة إلهيّة، لا فقط إلهيّة. إذًا، هناك شيء بشريّ، لا شكّ في ذلك. لكن، نحن لا نقف عند حدود البشرة، أبدًا. أندريه روبلوف، مثلاً، هو الرّسّام عندنا، أو هو نموذج الرّسّام عندنا؛ لأنّه سلك في القداسة، وفتح داخلَه على نور الرّبّ، والرّبُّ تجلّى له، وبتجلّي الله عبّر بهذه الطّريقة البشريّة الّتي عبّر بها. ولا شكّ في أنّه كان يتحلّى بمواهب خاصّة بشريّة؛ لكنّ الموهبة الأهمّ الّتي كانت له هي الموهبة الّتي أُعطيت له من فوق. في كنيسة المسيح، لا قيمة لشيء، أبدًا، إلاّ إذا كان من روح الله! كلّ ما تحت الشـّمس باطل! ما يجعلنا في الحقّ هو روح الحقّ. لهذا، الإيمان عندنا، يا إخوة، مرتبط بالعبادة، والعبادة مرتبطة عندنا بالإيمان. لا يمكننا أن نكون مؤمنين، إن لم نسلك في العبادة، بصورة متواترة؛ إن لم نلهج بالعبادة؛ إن لم نتنفّس عبادة. وفي آن معًا، لا يمكننا أن نعبد بالرّوح والحقّ، ما لم يكن إيماننا قويمًا، أي ما لم يكن يسوع فينا. الإيمان القويم، في الحقيقة، ليس، فقط، فكرةً تستقرّ في ذهن الإنسان وتكون فكرة صحيحة! الإيمان القويم، عندنا، هو أن نتحوّل إلى مسكن لروح الرّبّ. إذ ذاك، يكون إيماننا قويمًا.

إذًا، هناك علاقة محبّة بيننا وبين الله. الله مقيم فينا؛ الثّالوث مقيم فينا؛ ونحن مقيمون فيه؛ ونحن، دائمًا، نتكلّم لغة الله بالسّعي في العبادة الدّائمة؛ كما أنّ الله يكلّمنا، دائمًا، بلغتنا من خلال ما هو بشريّ، من خلال المحسوسات، من خلال الخليقة. هكذا، تتحقّق العلاقة، وتكتمل، بين الله وبيننا، في كنيسة المسيح. وهكذا نحيا في كنيسة المسيح. إذًا، الموضوع موضوع جديد كلّيًّا، علينا أن نعتاد عليه. لهذا السّبب، علينا أن نتمسّك، دائمًا، بما يُسمّى تراثًا في كنيسة المسيح، ما يُسمّى تقليدًا في كنيسة المسيح. التّقليد، في الحقيقة، هو أن نسلك في خطى الّذين سبقونا؛ وفي آن معًا، أن ننفتح على ما انفتحوا هم عليه، أي على روح الرّبّ، حتّى يكون التّقليد لا مجرّد أمور فاتت نستعيدها، بل يكون أمورًا حدثت في الأمس، ونحياها اليوم؛ لأنّ روح الرّبّ الّذي فعل في الأمس هو نفسه يفعل اليوم. وروح الرّبّ هو روح التّقليد، عندنا، وما يجعل التّقليد قيِّمًا، وقيِّمًا جدًّا وحيًّا. إذا فهمنا هذه الأمور، يا إخوة، يصير بإمكاننا أن نتعاطى الكنيسة، ونتعاطى الإلهيّات في كنيسة المسيح، بطريقة جديدة بالكامل، وإلاّ نجد أنفسنا نعتبر الكنيسة مجرّد منظّمة، أو عُصبة من هذا الدّهر، وهي ليست كذلك، أبدًا.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول متّى9: 18- 26 في السّبت 18 تمّوز 2009