السنة الحادية عشرة، العدد العاشر، تموز 2015

السنة الحادية عشرة، العدد العاشر، تموز 2015

مختارات آبائية

نبوءة عن عصيان الله في الأزمنة المستقبلة، القديس أناتولي الجديد

اﻹيمان شرط مسبَق للصلاة، الشيخ موسىى اﻷثوسي

عظة

لكي نبلغ مستوى المحبّة الإلهيّة!، الأرشمندريت توما بيطار

دراسات آبائية \ ﻻهوت

والدة الإله الفائقة القداسة عند القديس نيقوديموس الآثوسي، قسطنطين زلالاس

الجزء الأول والدة الإله معنا

الجزء الثاني فرادة والدة الإله

الجزء الثالث موقع والدة الإله وشفاعتها

رعائيات

العلاج النفسي الأرثوذكسي، الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

موقف الكنيسة الأرثوذكسية من تشريع زواج المثليين، الأب أنطوان ملكي

أبطال روحيون

اﻷب جورج فلوروفسكي كمثال للمسكوني الأرثوذكسي، الأب أنطوان ملكي

نبوءة عن عصيان لله في الأزمنة المستقبلة

نبوءة عن عصيان لله  في الأزمنة المستقبلة

 للقديس أناتولي الحديث (1922 م.)

رسالة للشيخ الجديد في الشهداء أناتولي الحديث  من دير أوبتينا

ترجمة رولا الحاج

وسوف تنتشر الهرطقات في كلّ مكان وتُضِّل كثيرين. سيعمل عدوّ الجنس البشريّ بمكرٍ لكي يُشرك المختارون، في الهرطقة إن أمكن.

لن يبدأ برفض قاسٍ لعقائد الثالوث القدوس، وألوهيّة يسوع المسيح، وبتولية والدة الإله، بل سيبدأ بطريقة غير محسوسة بتشويه تعاليم الكنيسة، وقوانينها، وروحيّتها نفسه، وهو ما تسّلمناه من الآباء القدّيسين بالروح القدس  .

قليلون سيَلحَظون حِيَلَ العدوّ هذه، وهم ذوي الخبرة الرفيعة في الحياة الروحية. سيُسيطر الهراطقة على الكنيسة، وينشرون خدّامهم في كلّ مكان. وسيُنظر إلى الأتقياء بازدراء. قال الربّ “من ثمارهم تعرفونهم”: إذًا من ثمار الهراطقة، بالإضافة إلى أعمالهم، اجتهدوا في تمييزهم عن الرعاة الحقيقيّن.

هؤلاء لصوصٌ روحيّون، ينهبون القطيع الروحيّ، وسيدخلون الحظيرة (الكنيسة)، متسلّلين بأي طريقة، ومُستخدمين القوّة، ودائسين على القوانين الإلهيّة. يسمّيهم الربّ لصوصًا (راجع يوحنّا 10: 1). في الحقيقة، ستكون مَهمَّتُهم الأولى إضطهادَ الرعاة الحقيقيّين، وسَجنِهم، ونَفيَهم، لأنّه من غير ذلك يستحيل عليهم سرقة القطيع.

لذلك يا بنيّ، عندما ترى انتهاك التقليد الآبائيّ، والترتيب الإلهيّ في الكنيسة، والنظام الذي أنشأه الربّ، إعلم أنّ الهراطقة قد ظهروا، على الرغم من أنّهم في الوقت الحاضر، قد يسترون  كُفرَهُم، أو يشوّهون الإيمان الإلهيّ بصورة تدريجيّة، بغية أن ينجحوا على نحو أفضل في إغواء عديمي الخبرة وإغرائهم  وإيقاعهم في الشباك.

 لن يكون الإضطهاد موّجهًا ضدّ الرعاة فحسب، بل ضدّ عبيد الله كلّهم. وكلّ أولئك المنصاعين الى الهرطقة لن يتحملّوا التقوى. اعرف هذه الذئاب اللابسة ثياب الحملان من خلال تصرفاتهم المتعجرفة، وحبّهم للسلطة. سيكونون نمّامين، وخونة، وسينثرون بذور العداوة والحقد في كلّ مكان. قال الربّ “من ثمارهم تعرفونهم”. إنّ عبيد الله الحقيقيّين متواضعون، ويُحبّون جيرانهم، ويُطيعون الكنيسة.

سيضطهد الهراطقة الأديار بشكل كبير، وسيتمّ الإزدراء بالحياة الرهبانية. وسيتدّنى عدد الأديار ويتقلّص عدد الرهبان، والّذين سيبقون سيعانون الاضطهاد. سيسعى أولئك المبغضون للحياة الرهبانية، الّذين لا يملكون سوى مظهر التقوى، لإجتذاب الرهبان إلى جانبهم، واعدين إيّاهم بالحماية، وبالخيرات الدنيويّة، ومهدّدين أولئك الّذين يعارضونهم بالطرد.

ستُسبّب هذه التهديدات إحباطًا شديدًا عند الضعفاء. أمّا انت با بُنيّ فافرح لأنّك تعيش حتّى ذاك الوقت. لأنّ المؤمن الّذي لا يُظهر أي فضائل أخرى، سيحصل على أكاليل لمجرد ثباته على الإيمان، وفقًا لكلام الربّ (راجع متى 10: 32).

اتّقِ الربّ يا بُنيّ. إخشَ أن لا تخسر الإكليل المعدّ لك، ارهب المسيح كي لا يرميك في الظلمة الخارجيّة والعذاب الأبديّ. اثبت بشجاعة في الإيمان، وإذا لزم الأمر، تحمّل الإضطهاد والأحزان الأخرى لأنّ الربّ سيكون معك…سينظر إليك الشهداء القدّيسون والمعترفون  ويفرحون لجهادك.

ولكن في تلك الأيام، الويل للرهبان المُكبّلين بالممتلكات والثروات، الّذين بسبب محبة السلام سيخضعون للهراطقة. سيُسكّنون ضمائرهم قائلين “إنّنا نحفظ الأديار ونُنقذها، والرب سيغفر لنا”. هؤلاء الرهبان التعساء والعميان لا يفقهون أنّ الشياطين تدخل الى الدير من خلال الهرطقة، لأنّه إذ ذاك لن يكون الدير بعد مقدّسًا، بل  مجرّد جدرانٍ غادرتها النعمة.

مع ذلك، إنّ الله أقوى من العدوّ، فلن يترك عبيده. سيبقى المسيحيّون الحقيقيّون حتّى انتهاء هذا الدهر، إلاّ أنّهم سيختارون أن يعيشوا في أماكن منعزلة ومهجورة. لا تخشَ الأسى، بل بالأحرى ارهب الهرطقة المُفسدة، لأنها تُجرّدنا من النعمة وتفصلنا عن المسيح. لهذا السبب أوصى الربّ أن نحسب الهرطوقيّ كوثنيّ وعشار.

 وهكذا يا بني، شدّد نفسك بنعمة يسوع المسيح. أسرع إلى الإعتراف بالإيمان. تحمّل المعاناة كجنديّ صالح ليسوع المسيح (راجع 2 تيموثاوس 2: 13) الّذي قال كن أمينًا حتّى الموت، وسأعطيك إكليل الحياة (رؤيا 2: 10).

الّذي له الكرامة والمجد والسلطان مع الآب والروح القدس إلى دهر الداهرين. آمين.

اﻹيمان شرط مسبَق للصلاة

اﻹيمان شرط مسبَق للصلاة

الشيخ موسىى اﻷثوسي

نقلها إلى العربية اﻷب أنطوان ملكي

الصلاة تستوجب الإيمان. الذين لا يصلّون هم من غير معونة مترددون عميان ومتروكون لوحدهم. إنهم ملتصقون باﻷرض، لا يعرفون كيف يطيرون عالياً أو يحترقون مشرقين في السماء، ويتمتعون بالدعم السماوي. انهم ممغنطون، مقيّدون، مرتبطون بقوة بما هو فانٍ أي بالأمور الدنيوية. ليس الانفصال سهلاً بالنسبة لهم. أنهم يحاولون أن يكنزوا كنوزاً على الأرض. إنهم يسعون باستمرار نحو المتعة لكي تجلب لهم السعادة، ولكنها مع ذلك تجلب لهم المزيد من الألم. إنه لأمر محزن ومؤسف أن يبحثوا عن الفرح في الوحل.

الصعود إلى السماء يبدأ بالندم، بالتوبة الحقيقية، بتأنيب الضمير. يجدر بنا أن نتذكر أننا لم نُخلَق للعودة إلى التراب. حياة الأهواء لا تجلب الفرح والارتياح في الواقع. التعلّق بشدة بالأمور الدنيوية هو خطأ فادح وله كلفته من النتائج المرّة. الارتفاع فوق ما هو منظور ليس بلا جدوى. يمكن ﻷي كان أن يقوم به. ما يحتاج إليه اﻹنسان هو أن يريد هذا العمل، أن يشتهيه. في البداية، نكون مترددين خجولين خائفين وﻻ نريد أن نخاطر بالكثير. قد نجد اﻷمر في البداية غير قابل للإدراك، غريباً وغير طبيعي ومستحيلاً، وفي كل اﻷحوال ليس لنا. نظن أننا نلعب لعبة قبيحة وأثيمة، وأن خطيئتنا أكبر من كل هذه اﻷمور. لكن الصلاة ليست للقديسين وحدهم. إذا كنت تصلّي ببساطة وتواضع، يصير قلبك أكثر حلاوة، مستنيراً، متشدداً وهادئاً. يشعر بأن الصلاة تستحق العناء. يشعر بالغبطة، الابتهاج، الأمن، والتشدد والراحة. هو يدرك أن الصلاة هي حاجة ماسة للروح، حركة طبيعية، وهي وظيفة إلهية.تتحول الصلاة إلى عمل صالح أكثر منها عادة شكلية، فرحةً يومية وهدية. كما يطلب الجسد غذاءه اليومي لكي يصون ذاته، كذلك تفعل نفسنا الخالدة.

من المستحيل أن نحب الله من دون أن نتعلّق به ونتكلّم معه ونصلي. ينبغي بنا أن نفكر به دائماً وأن نستدعيه. ذكر الله بحد ذاته هو صلاة. أنتم تتذكرون المحبوب وتغتبطون. استدعاء الله هو مصدر فرح عظيم وسلام وبركة. من دون الصلاة، تكون النفس لاهثة وضعيفة ومريضة. الصلاة تضفي الصحة الروحية والاتزان والفطنة والاستنارة والنعمة. الصلاة تسلّحنا ضد الخطيئة. الذين يصلّون يدخلون في محادثة مع الله ولا يشغلون ذواتهم بالأمور الفانية. إنهم يتعلّمون التواضع والرصانة والبساطة والمحبة. إنهم أولاد الله المحبوبون. الصلاة هي عطية عظيمة من الله لنا.

لكي نبلغ مستوى المحبّة الإلهيّة!

لكي نبلغ مستوى المحبّة الإلهيّة!

الأرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، في الإنجيل الّذي تُلي على مسامعكم، الرّبّ يسوع يتكلّم على محبّة كلّ واحد منّا لأبيه وأمّه، أو لابنه وابنته؛ ويقارن هذه المحبّة بمحبّتنا له هو. حين يقول الرّبّ يسوع: “إن كان أحد يحبّ أبًا أو أمًّا أكثر منّي، فلا يستحقّني؛ فهو لا يطالبنا بأن نحبّه أكثر، حرفيًّا، من آبائنا وأمّهاتنا، أو أكثر من أبنائنا وبناتنا. محبّتنا، في الحقيقة، للرّبّ يسوع ليست، أبدًا، كمحبّتنا بعضنا لبعضنا الآخر. بشريًّا، يمكن الإنسان أن يحبّ أكثر أو أقلّ. أمّا في العلاقة مع الله، فالمحبّة تكون كاملة كلّيّة. لذلك قيل: “أَحـِبَّ الرّبَّ إلهك من كلّ قلبك، ومن كلّ نفسك، ومن كلّ قدرتك” (مر12: 30).

إذًا، هذه الكلّيّة أساسيّة جدًّا، في تعاطي المحبّة مع الله. إن لم نتعاطَ المحبّة مع الله بهذه الطّريقة، فلا يمكننا أن نتعاطى المحبّة الحقّ في تعاملنا بعضنا مع بعضنا الآخر. من دون الله، مستحيل على الإنسان أن يذوق المحبّة الحقّ! ما نسمّيه نحن محبّة، فيما بيننا، من دون الله، هو، في الحقيقة، محبّة للذّات في الآخرين؛ هو محبّة مُشبَعَة بالقـِنية! نحبّ الآخرين، لأنّنا نحبّ أنفسنا فيهم! نحبّ الآخرين، لأنّهم لنا! نعتبرهم مِلكًا لنا! نحبّ الآخرين، لأنّهم يشبهوننا! نحبّ الآخرين، لأنّهم على صورتنا، أو لأنّنا نريد أن يكونوا ما نحن عليه! في العمق، الإنسان، من دون الله، يحبّ نفسه في الآخرين؛ ولا يحبّ الآخرين لذواتهم! لهذا السّبب، المحبّة لا تبدأ أفقيًّا بين إنسان وإنسان. المحبّة، في الحقيقة، تبدأ عموديًّا بين الإنسان وربّه؛ ومن ثمّ، تنزل، بالله، إلى الآخرين. إذًا، كما هو التّعبير المستعمَل في كنيستنا، نحن نحبّ الآخرين في المسيح. نعبر، أوّلاً، بالمسيح! نحبّ، أوّلاً، الرّبّ يسوع المسيح! نحبّ، أوّلاً، الرّبّ الإله! وفي الله، في الرّبّ يسوع المسيح، يصير بإمكاننا أن يحبّ أحدُنا الآخر. إذا استغنى الإنسان عن محبّة الله، فإنّه يظنّ، متوهِّمًا، أنّ بإمكانه أن يحبّ الآخرين. لكن، لو انتبهنا للطّريقة الّتي نتعاطى بها مع الآخرين، لاكـْتَشفنا أنّنا نطلب، دائمًا، ما لأنفسنا في بعضنا بعضًا. محبّتنا محبّة قِنـْيَوِيَّة، نابعة من رغبتنا في أن يكون الآخرون لنا! إذا كان هذا الأمر واضحًا لنا، في أعماق نفوسنا؛ وإذا كنّا لنطلب المحبّة الحقيقيّة بمحبّة الله أوّلاً؛ فهذا سوف يكون مُكلِّفًا جدًّا.

لهذا السّبب، بعد أن يتكلّم الرّبّ يسوع على محبّة الأب والأمّ، ومحبّة الأمّ والبنت، ويقارن هذه المحبّة بمحبّتنا له؛ يتكلّم على الصّليب: “مَن لا يأخذ صليبه ويتبعني، فلا يستحقّني“! لماذا، يا ترى، يتكلّم، هنا، على الصّليب؟! هذا لأنّ المحبّة الحقّ هي صليب، بكلّ معنى الكلمة! مَن طلب أن يحبّ بالرّوح والحقّ، كان عليه أن يبذل نفسه من أجل مَن يحبّ؛ وكان عليه أن يترك للآخرين أن يحبّوه، أو ألاّ يحبّوه! عليه أن يعطيهم حرّيّتهم، بكلّ معنى الكلمة. هذا ما فعله الرّبّ الإله، منذ البدء. الرّبّ الإله ولدنا من كونه محبّة. لكنّه لم يفرض ذاته علينا في شيء، على الإطلاق. كان، دائمًا، يشير إلى ما هو موافق لنا، وإلى ما ليس موافقًا لنا. لكنّه ترك لنا حرّيّة مبادلته المحبّة بمحبّة، أو أن ندير ظهورنا، وأن نذهب عنه. لو لم يسمح لنا الرّبّ الإله بالخطيئة، لَما كنّا خطـِئنا. وهو سمح لنا بالخطيئة احترامًا لحرّيّتنا؛ لأنّ المحبّة من دون حرّيّة لا قيمة لها، على الإطلاق. الإنسان المُجبَر على محبّة الآخرين يحبّهم في الظّاهر، ولا يحبّهم من أعماق قلبه. لكي يحبّهم من أعماق قلبه، عليه أن يتّخذ القرار الكبير، في حياته، وهو أن يخرج من ذاتيّته باتّجاههم، ليبادلوه هم محبّتَه بمحبّة. هذا رهن بي أنا! ما دام الله محبّة، وما دام الرّبّ الإله خلقني على صورته ومثاله؛ فالرّبّ الإله، بمعنًى من المعاني، جعلني في مستواه! طبعًا، أنا لا أستحقّ ذلك، لأنّي تراب ورماد، والرّبّ الإله هو الإله الأزليّ والأبديّ. ومع ذلك، المحبّة الحقّ هي، دائمًا، محبّة متواضعة. الرّبّ الإله تنازل من عليائه؛ وارتضى أن يخلق كائنًا، هو الإنسان؛ وأن يجعل نفسه وكأنّه يمتدّ إلى الإنسان؛ ويشتاق إلى أن يبادله الإنسانُ، بملء حرّيّته، المحبّةَ بمحبّة. بكلام آخر، الحرّيّة نفسها، الّتي نفحنا إيّاها الرّبّ الإله، جعلتنا في مستوى الله؛ وجعلتنا، بمعنًى من المعاني، في موقع الألوهة! طبعًا، هذا أمر ليس بإمكان أحد أن يستوعبه، بكلّ معنى الكلمة. الإنسان الكبيرُ، الّذي يجعل الصّغيرَ في مستواه، هو، في الحقيقة، لا فقط، يتنازل من كـِبَرِه ليتساوى وصـِغـَر الصّغير؛ بل، أيضًا، يرفع الصّغير ليجعله في كـِبَرِ ذاته، وهو الكبير! الأمر يسير في الاتّجاهَيْن: الله يتواضع بإزاء الإنسان؛ لكي يرفع الإنسانَ، ويجعله بإزائه! وهذه عظمة الله، وعطيّته، الّتي تفوق كلّ تصوّر. طبعًا، هذا ليس كلامًا؛ لأنّ الرّبّ الإله، منذ البدء، أراد أن يكون النّاس آلهة، وهذا ورد في النّصّ الكتابيّ: “أنا قلتُ إنّكم آلهة” (مز61: 6؛ يو10: 34). و هذا الكلام لم يكن كلامًا مجازيًّا، بل كان كلامًا روحيًّا، واقعيًّا جدًّا، نابعًا من قلب الله، ونابعًا من محبّة الله، الّتي لا يُسبَر غورُها. لكن، بإزاء هذا الدّعاء، إلى أن يتعاطى الإنسانُ محبّةَ الله بمحبّة؛ كان على الإنسان أن يتمثّل بالرّبّ الإله. إذا كانت المحبّة، عند الله، قرينةَ الاتّضاع؛ فهذا معناه أنّ علينا، لكي نبلغ مستوى المحبّة الإلهيّة، أن نبلغ مستوى تواضع الله. بالتّواضع نبلغ المحبّة الكبرى. ومن هنا الحديث عن الصّليب، لأنّ الصّليب هو علامة الاتّضاع الأكبر، بامتياز، في حياة الإنسان. والرّبّ الإله، في الحقيقة، بتجسّده، وبقبوله أن يُسمَّر على الصّليب، وأن يموت كإنسان؛ أعطانا المثال الّذي نحتاج إلى الاقتداء به، وشقّ لنا الطّريق الّذي علينا أن نسلكه لكي نلتمس وجه الله، أي لندخل في عشرة الله، أي لندخل في تحاببٍ مع الله. ومن هنا دعوة الرّبِّ يسوع تلاميذَه: “مَن أراد أن يتبعني، فليحمل صليبه، كلّ يوم، ويأتي ورائي” (لو9: 23).

إذًا، هناك عمليّة تمثُّل بالرّبّ يسوع، في حَمْلِ الصّليب. وحَمْلُ الصّليب لا يعني، فقط، أن يحمل الإنسان صليبَ المشاقّ، الّتي يمكن أن يتعرّض لها، في الحياة. هذه ليست في مستوى الصّليب الّذي يتحدّث عنه الرّبّ يسوع. الصّليب الّذي يتحدّث عنه الرّبّ يسوع هو، بالضّبط، صليب المحبّة. حين سُمِّر الرّبّ يسوع على الصّليب، وأسلم الرّوح، أيّة علامة كانت المميَّزَة؟! في إقامة الرّبّ يسوع المسيح على الصّليب، كانت هناك قولةٌ معبِّرَة جدًّا، هي في أساس معنى الصّليب الّذي يتحدّث عنه، هنا. حين قال الرّبّ يسوع للآب السّماويّ: “في يديك أستودع روحي” (لو23: 46)، عبّر عن أنّه اقتبل الصّليب إلى المنتهى! هذا منتهى الصّليب! “في يديك أستودع روحي“! في الحقيقة، الصّليب هو علامة الإيمان الحيّ الحقيقيّ. الإيمان هو التّسليم الكامل إلى الله: أن يُسلم الإنسانُ نفسه وحياته وكلّ ما له إلى الله! أن يجعل نفسه بين يدي الله الحيّ، دونما شروط! من هنا، إنّ الرّبّ يسوع، إذ كان يطلب أن نؤمن به؛ كان يطلب، في الحقيقة، أن نُسلم ذواتنا إليه؛ ومن ثمّ، أن ندخل معه في علاقة حبّ حقيقيّة. من دون هذا التّسليم، من دون بذل الذّات للآخر وفي الآخر، لا تكون محبّة، ولا يكون صليب، ولا يكون إيمان!

لهذا السّبب، يا إخوة، الإيمان ليس قضيّة فكريّة، ليس قضيّة عقليّة، ليس مسألة اقتناع! هذا إيمان في مستوى بشريّ، في مستوى أفقيّ. المطلوب أن يكون سعينا إلى الإيمان هو سعي في مستوى الكيان، أن نجعل كياننا بين يدي الله الحيّ. نحن خـُلقنا، أساسًا، من العدم! هنا، الصّليب يعطينا الفرصة أن نمثّل كونَنا جئنا من العدم؛ ومن ثمّ، يجعلنا نسلك وكأنّنا لسنا بموجودين، لأنّنا جئنا من العدم. إذ نفعل ذلك، إذ نُسلم أنفسنا إلى الله؛ نخرج، عمليًّا، من عدميّتنا؛ لأنّنا، في الأساس، قد جئنا من العدم. لكن، في هذا الخروج، الطّوعيّ الإراديّ، من عدميّة الذّات، يلقى الإنسان نفسه في الوجود؛ إنّما في الوجود كما شاءه الرّبّ الإله أن يكون. الرّبّ، في وقت من الأوقات، حين لم نكن موجودين؛ قال كلمة، في الحقيقة؛ وبالكلمة الّتي قالها، خرجنا من العدم إلى الوجود. هنا، بالصّليب، بالإيمان، يجعل الإنسان نفسه وكأنّه في العدم؛ لأنّه، في الحقيقة، قد أتى من هناك، ويُلقي بنفسه بين يدي الله الحيّ. والرّبّ الإله، إذ ذاك، يعطيه، لا فقط حياةً كالحياة الّتي نحياها على الأرض؛ بل أيضًا، يعطيه أن يصير إلهًا! يعطيه حياة أبديّة!

إذًا، الحياة الأبديّة ليست، أبدًا، رهنًا بمشيئة الله. طبعًا، الرّبّ الإله يريدنا جميعًا أن نصير آلهة، أبناء له، آلهة بالتّبنّي. لكنّ هذا رهن بإرادة كلّ واحد منّا، بإيمان كلّ واحد منّا، باتّخاذ كلّ واحد منّا صليبه، بإلقاء كلّ واحد منّا نفسَه بين يدي الله الحيّ. فإن أدركنا هذا الأمر، وإن تعاطيناه؛ أمكننا، مذ ذاك، أن نمتلئ من محبّة الله. وإذ نمتلئ من محبّة الله، يصير بإمكاننا أن يحبّ بعضنا بعضًا محبّةً حقّانيّة، على صورة محبّة الله، محبّةً لا قنية فيها، محبّةً لا تطلب ما لنفسها، كما سبق للرّسول بولس أن ذكر: “المحبّة لا تطلب ما لنفسها، على الإطلاق (1كور13: 5)! المحبّة تعطي بلا حساب، ولا تطلب لنفسها شيئًا البتّة. بهذا تستقيم أمورنا فيما بيننا؛ وبذلك، أيضًا، نجدُنا، نحن الّذين أُعطينا آنية خزفيّة من تراب، قد امتلأنا ضياءً ونورًا؛ لأنّ روح الرّبّ، إذ ذاك، يقيم فينا إلى الأبد؛ ليجعلنا آلهة، بكلّ معنى الكلمة.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول متّى10: 37- 42؛ 11: 1 في السّبت 30 تمّوز 2011

والدة الإله الفائقة القداسةعند القديس نيقوديموس الآثوسي- الجزء الأول والدة الإله معنا

والدة الإله الفائقة القداسةعند القديس نيقوديموس الآثوسي

قسطنطين زلالاس

نقلتها إلى العربية رولا الحاج

الجزء الأول والدة الإله معنا

سيادة المطران كيرلّس،

أيّها الآباء القدّيسون، والشمامسة، والرّهبان، وحفظة أيقونة العذراء نكتاريالمفيضة الطّيب، والإخوة والأخوات، إنّ المسيح ووالدته في وسطنا.

إنّ والدتنا الفائقة القداسة ستظلّ دومًا معنا لأنّنا، وعلى الرّغم من عدم استحقاقنا الكامل، ننتمي إلى أجيال المسيحيين الّذين يدعونها مباركة. إنّ وجودنا هنا في كاتدرائيّة سيّدة فرح كلّ المحزونينمع القدّيس يوحنا (مكسيموفيتش) رئيس أساقفة شنغهاي وسان فرانسيسكو، هو استمرار لإتمام الكلمات النّبويّة الّتي تلتها مريم العذراء في نشيدها الرائع بعد البشارة: “ها منذ الآن تطوِّبني جميع الأجيال!رغم انتمائنا إلى أجيال المسيحيين الأكثر  توغّلاً في الخطيئة، فوجود هذه الإيقونة العجائبيّ والعطر أبدًا في ما بيننا يؤكّد ما جاء في النشيد القديم لكنيستنا المقدّسةفي ميلادك حفظت البتوليّةوفي رقادك ما أهملت العالم يا والدة الإله“.

هل من برهان أعظم لهذه الحقيقة؟! فخلال السّنوات الخمس الماضية، باركتنا بطيب ابنها الفردوسيّ. مَسَحتنا بالعطر السماويّ للثالوث القدّوس، أي بزيت الإبتهاج، كما جاء في المزمور المسيحانيّ 45 للملك داوود. نعم، يُمكننا أن نفتخر بالرّب، وبوالدته، وبكنيستنا الأمّ، عمود الحقيقة وأساسها! لا نستطيع تذوّق الملكوت في هذه الحياة إلاّ في الأرثوذكسيّة! إنّنا نرى عظائم الله، ونشِّمُّها، ونتذوّقها، ونلمسها، ونعيشها بأجسادنا ونفوسنا! عمّانوئيل، الله معنا! وفي الوقت عينه، نحزن لتيتمّ ملايين المسيحيين غير الأرثوذكسيّين من حولنا، لأنّهم لم يختبروا في الحقيقة الحضن الدافئ لأمٍّ بهذه العظمة وهو القبلة العذبة لأمّنا السّماويّة. إنّ الطّيب  الفائض من هذه الأيقونة الّتي تلامسها شفاهنا غير الطاهرة، هو أعذب قبلة من – أيقونة القبلة العذبة لأمنا العذراء.

 لقد نجح داوود النبيّ والملك، جدّ العذراء القدّيسة، ، بنقل وبشكلٍ جميلٍ ما اختبرناه مع طيبها العجائبي، هذا الطّيب الّذي ما انفكّ يفيض ليس في هذا الأسبوع فحسب، بل خلال السنوات الخمس الماضية. فقد كتب منذ حوالى 3060 سنة عن عظائم المسيح، وعروسه الكنيسة، ووالدة الإله – العذراء مريم – لأنّ أمّنا العذراء هي مرادف للكنيسة – وأستشهد هنا بما يلي:

لذلك مَسحك الله إلهك بزيت الإبتهاج (elaion aggaliaseos)، أفضل من رفاقِكَ.”

يا لها من نبوءةٍ مُدهشةٍ حول السرٍّ الخفيّ – الخفيّ قبل كلّ الدهور! إنّ الزيت مادّيّ، ولا يُمكن المسح بالزيت إلّا في العالم الماديّ! فالرّوح لا يمكن أن تُمسح بالزيت! أيّ إله يمكن أن يُمسح بالزيت؟ إنّه الله الّذي يمكن ان يَخطُبَ لنَفسِه خليقته الماديّة، في الزمن. تشير إذًا عبارة مسحك الله إلهك…” إلى طبيعة المسيح البشريّة.

لقد أخفى الشيطان هذه الآية عن آريوس ومعاصريه، الّذين حاربوا ألوهيّة المسيح. تذكّروا  كيف خاطب الله الثالوث يسوع المسيح كإله منذ 3060 سنة تقريبًا! إنّ الآية التّالية لا تقلّ روعة عن هذه: “المُرّ والمَيْعَة والسَّليخة تفوح من ثيابِكَثيابك كلّها معطّرة بالمرّ…” إنّها نبوءة مدهشة عن الأشخاص المقرَّبين من المسيح: أوّلاً مريم العذراء، ثمّ العذارى القدِّيسات كلّهنّ اللواتي ستقودهنّ إلى هيكل المَلك، بحَسب ما جاء في المزمور نَفسهلقد تقدّسنا كلّنا وسَتَرنا عُريَنا الرّوحيّ بالرّداء المسمّى المسيحلأنكم تعَمَّدتُم جميعًا في المسيح فلَبِستُم المسيح،  كما يقول القدّيس بولس.

إنّ آدم وحواء أُلبِسا رداءً من نسج الله، رداءً غير ماديّ، رداء النّور غير المخلوقولكن بعد عصيانهم المأساويّ، خَسرا ذلك الرّداء العطر، وأُلبسا جلود الحيوانات الميتة. خَسرا رائحة الفردوس، واختارا رائحة الموتِ والفسادإنّ سوء استخدام أسلافِنا لعطيّة الإرادة الحرّة أزال الله من قلب حياتهم، إذا جاز التّعبيرومع هذا، تعيَّن على محبّة الحكمة الأقنوميّة وشوقها أن تعيش بين النّاسفأحد ألقاب المسيح في العهد القديم هو حكمة الله. نقرأ في الفصل الثّامن من سفر الأمثال كنتُ (الحكمةعنده صانعًا مبدعاً، ومسرّاتي مع بني البشر…”

لن أقرأ عليكم آياتٍ بعد الآنإنّها طريقة جيّدة لجعل بعضكم  يقرأ الفصل كلّه.

منذ عدّة أسابيع، كنت ألقي حديثًا في إحدى رعاياكم، في كنيسة الرّسل القديسين، في بيلتسفيلمريلاند، وكانت لنا مفاجأة سارّة مفرّحةزارنا الميتروبوليت هيلاريون Ilarion وبقي لسماع الحديث. عارضتُه، وحَاولتُ أن أُقنِعَه بأن  يُعلّم، ولكنّني لم أنجَح. ذهلتني بساطَته وتواضعهلا عجب أن يُباركُكَ الله بأيقوناتٍ عجائبيّة عندما تتوفّر مثل هذه القيادةحَاولتُ أن أقنِعَهُ مُجدّدًا بإلقاء كلمة بَعد حَديثي، فقال بِضعَ كلِمات. مع هذا، لقد كان المعلّم الحقيقي في تلك الأمسيّة. عَلَّمنا جميعًا بتواضعِهِ وبساطتِهِ. نسأل الله أن يمنحه وكَهَنَته كلّهم العمر المديد! وبين المُلاحظات الّتي ذكرها في تلك الأمسيّة أنّه لفَتَ إلى كسلِنا، نحن الأرثوذكسييّن، في قراءة الكتاب المقدّسلذلك، رأيتُ أنّه من الجيّد، من الآن فصاعدًا، أن أذكر الفصل (فحسب)، وأولئك الّذين يُحبّون كلمة الله  فعلاً سَيقرأون الفصل لإيجاد الآية.

فمسرّة الحكمة إذًا – في الفصل الثّامن من سفر الأمثال – كانت في لبس الأردية والعيش مع بني البشر. كانت هذه مسرّة الله (kat’evdokian)إرادة الله السابقة أو الأوليّة. خَلقَ الله الكون كلّه مِن خِلال صانعه المبدع، الحكمة – كَلِمتَه، وجمّله ليشاركنا محبته.

ولكن بعصيان آدم وحواء إرادة الله، أصبحت الحكمة بلا مأوى. الخطيئة، والموت، والفساد كلّها عزلَت الطّبيعة عن الله. اضطُرّ الله أن يستعير أرديته الماديّة الأولى من هذا العالم الماديّ، ولكنّه لم يجد ما يتلاءم وطهارته الفائقة. وِفقًا للقدّيس غريغوريوس (بالاماس)، رئيس أساقفة تسّالونيكي، لا يستطيع الله أن يَلمس ما كان دنسًا، والسّقوط جَعَل العالم دنسًا. وأمسَت أردية الإنسان ملوّثة بالدمّ والخيانة والشَّر.

يقول آباء الكنيسة والقدّيس نيقوديموس الآثوسي، إنّ تجسّد الله مُستقِّلٌّ عن السّقوط. فالحمكة كان سيتجسّد بغضّ النّظر عن السّقوط. إنّ الهدف الأساسي للإنسان هو أن يبلغ التألّه، ولا يُمكن أن يَتحقّق ذلك من دون الإتحاد الأقنوميّ لطبيعَتَي المسيح. فرغبة الله السّابقة أو الأوليّة إذاً، كانت أن يتجسّد ويعيش مع خليقته. كانت مسرّة الحكمة أن يعيش مع بني البشر.

 بفضل معرفته المُسبقة بالسقوط قام الله، قبل الدهور، ببعض التعديلات الطفيفة. هذا ما يُسمّيه شيخي ومُعلّمي أثناسيوس ميتيلناوس ارادة اللهالامتيازيّة أو الثانويّة. إنّه أمرٌ مهمٌ للغاية وخاصّةً بالنسبة إلى أولئك المُهتَدين الّذين قد يقعون في صراع مع عقيدة التحديد المسبَق الغربيّة. فمعرفة الله المُسبقة لا تتعارض ومفهوم إرادة الإنسان الحرّة. الله يسبق فيحدّد، بإرادته الأوّليّة، ولكنّه يصحّح الخيارات السيّئة لإرادة الإنسان الحرّة بإرادته الثانويّة. مثلاً، كانت إرادة الله الأوليّة أن يبقى آدم وحوّاء في الفردوس من دون خطيئة، ويتكاثر الجنس البشريّ، ويتضاعف بعد ذلك بطريقةٍ ملائكيّةٍ.

   ولكن نظرًا إلى السقوط، تلك الخطيئة الجديّة المأساويّة، عيَّنَ الله بفضل معرفته المُسبقَة شبكة أمان تُعرف بالجنس أو الزواج. إنّ الزّواج بين الرّجل والمرأة هو إذاً شبكة الأمان الّتي تحمي الإنسان من نتائج السّقوط الأوّل الموروثة. كانت البتوليّة والطهارة ارادة الله الأوليّة، أي حالة ملكوته. بارك الله بالتأكيد الزّواج، إلّا أنّ الزّواج يشكّل ارادة الله الثانوية، وبالتّالي، لن يكون موجودًا في ملكوت الله، حيث لا  يسود إلاّ رغبته الأوليّة.

فيما كنت أكتب هذه السطور، ألقيت نظرة سريعة  إلى الفصول الأولى لسفر التّكوين. في نهاية كلّ يوم من أيام الخلق، استخدم الله العبارة التالية:” ورأى الله أنه حسنٌ“. كرَّر ذلك مع مخلوقاتِه الطبيعيّة كلّها ولكن ليس مع مخلوقاته البشريّة.

وهنا نقرأ: “خَلَق الله الإنسان على صورَتِهِ، على صورة الله خلق البشر، ذكرًا  وأنثى خَلقَهُم“. هنا لا نجد عبارة ورأى الله أنه حسنٌ.

غير أنّنا نقرأ في نهاية الفصل نَفسه: ” ونَظَر الله إلى كُلِّ ما صَنَعَهُ، فرأى أنَّهُ حَسَنٌ جِدًا. فوِفقًا للقديس نيقوديموس، الّذي غالبًا ما يَستشهد بأقوال القدّيسَين غريغوريوس بالاماس ومكسيموس المعترف، تتضمَّن عبارة أنَّهُ حَسَنٌ جدًّا مُساهمة العذراء الكليّة القداسة. إنّ عفّتها وطهارتها المذهلتين تؤازران الله في معاكسة سقوط آدم. فهي قد أصلَحَت بكلماتها ” ليكن لي بحسب مشيئتكإرادة آدم السّقيمة. وقع اختيار الله عليها ليجدّد الإنسان من خلالها عندما قال أنَّ كل شيء، كان حقًّا حسنٌ جدًا.

إنّ الخطيئة، الّتي  استمرّت في آدم ونسله، جعلت الحكمة بلا مأوى وعاجزةً عن امتلاك أردية (أي طبيعته البشريّة). كان يحتاج إلى بيت بحسب ما جاء في الفصل التاسع من سفر الأمثال: “الحكمَة بَنَت بيتها. نَحَتت أعمِدتها السَّبعة“… إنّ بيت الحكمة وهيكلها الحقيقيّ هما مريم الناصريّة. كانت الحكمة تحتاج إلى عذراء طاهرة لتجعل منها رداءً لها، وتتمكّن بالتالي من أن تلِد عروسها الكنيسة، وتؤسسها على الأعمدة السبعة – أي أسرار الكنيسة المُقدَّسة – وتهتف: تعالوا، كُلوا مِن طعامي واشربوا الخمر الّتي مزجتها  بالماء!… ذاك الماء هو  إناء الماء الحارّ، يَحمله خدّام المذبح إلى الكاهن الّذي يُقيم الذبيحة.

ما كان أيّ من هذه الأسرار ليتمّ لولا عبارة عذرائنا المفيضة الطّيب: ” ليكن لي بحسب قولك“.

الجزء الثاني فرادة والدة الإله

والدة الإله الفائقة القداسةعند القديس نيقوديموس الآثوسي – الجزء الثاني فرادة والدة الإله

والدة الإله الفائقة القداسةعند القديس نيقوديموس الآثوسي

قسطنطين زلالاس

نقلتها إلى العربية رولا الحاج

الجزء الثاني فرادة والدة الإله

سامحوني من فضلكم إذا أرهقت بعضكم  بهذه المقدّمة الطويلة، الّتي تبدو لاهوتيّة جدًّا، ولكنّ هذه المعرفة ستساعدنا بعض الشيء على فهم انشغال قدّيسنا في تقدير، وتمجيد شخص والدة الله الكليّة القداسة…  فالقدّيس العظيم غريغوريوس، اللاّهوتيّ الثاني في كنيستنا، حذَّر بوضوح كليودونيوس وأتباعه السّابقيِن والمعاصرين كلّهم: “كلّ من لا يدعو مريم Theotokos – والدة الله –  ينفصل عن الإله – ويكون كافرًا…” إنّها كلمات ذات وقع قويّ جدًا من هذا اللاهوتيّ ذي الإحساس المرهف والوداعة الشّديدة.

ويخلص القديس نيقوديموس الآثوسي إلى القول إنّ شخصًا واحدًا في تاريخ البشريّة تمكّن من تخطّي السموّ الروحيّ حتّى للعالم الملائكي. وِفقًا لهذا الأب القدّيس، اشتركت المخلوقات كلّها بقوى الله وحدها، في حين استقبلت سيدتنا في أحشائها، أقنوميًّا، الشخص الثاني من الثالوث القدوس لينتهي بها الأمر بشكل رئيسيّ إلى أنها حقًا والدة الإلهلتثبت حسب إرادة ومعرفة الله المُسبَقَة، بأنّ والدة الإله كانت الغاية النهائيّة والهدف الأقصى للمخلوقات كلّها[1].

يذكّر تعليم القديس نيقوديموس الآثوسي طبعًا بتعليم الآباء القديسيّن حول والدة الإله الفائقة القداسة، أي تعليم الكنيسةإن الحبّ الرّوحي المتّقد، الّذي يكنّه هذا القدّيس لوالدة الإله الفائقة القداسة، يوازي الحبّ العميق والتقوى الشديدة الّتي شعر بها الآباء القدّيسون كلّهم تجاه شخص أمّ الله الفائقة الجلال[2]. كذلك، يعتبر ذلك بديهيًّا في سِيَر حياة القدّيسين الأرثوذكسيّين: لا يُمكن لأحد أن يكون قدّيسًا إن لم يحبّ أوّلاً والدة الإله حبًّا عميقًا. لاهوت القدّيس نيقوديمس في والدة الإله أتى نتيجة تقوى هذا القدّيس نحوها وحبّه العميق لها، وخبرته الشخصيّة، حيث عاش حياته ممجِّدًا اسمها بدون انقطاع. ووفقًا لروايات شفهيّة من رهبان عاصروه، غالبًا ما كانت والدة الإله تظهر له وتقول: “أباركك، يا بني نيقوديموس، وأقوّيك لتكتب[3].

 طبعًا، بفضل البصيرة الرّوحيّة القويّة الّتي تحلّى بها القدّيسون جميعهم (وتحديدًا لأنّهم كانوا قدّيسين)، فهموا أنّ والدة الإله حظيت بمحبة الله، فأصبحت محبوبة جدًا عند المحبوب الوحيد بفضل قداستها المطلقة. ولكن، حتّى القدّيسين يعترفون بعجزهم الكامل عن مقاربة  المحيط اللاّمحدود لسرّ بتوليّتها الدّائمة ولو جزئيًّا. لقد كتَبَ القدّيس باسيليوس أسقف سلوقية في هذا الإطار: “من أين لي الجرأة أن أفتّش في محيط  سرّ البتوليّة العظيم وعمقه، إن لم تعلّميني انت يا والدة الإله، أنا السبّاح المفتقر إلى الخبرة، كيفيّة تحرير الإنسان القديم الفاسد بضلال الشهوة“. 

إن الحبّ الكبير الّذي يُكنّه القديس نيقوديموس لشخص والدة الإله الكليّة القداسة دفعه إلى تمجيد اسمها بدون انقطاع، ووصف مدى غبطتها، وتمجيد العظائم الّتي صنعها الله القدير بها (لوقا 1: 49).

في الثيوطوكاريون،  – وهو كتاب يحتوي على 2450 ترنيمة للعذراء تزخر بالتوبة وتُقرأ في أديارنا يوميًّا، كَتب القدّيس  نيقوديموس ما يلي: ” [من بين يالمخلوقات جميعها]، وحدها تحلّت منذ الولادة بثبات كامل لا يتزعزع في وجه الشرّ. كانت قد أماتت إلى الأبد النزعات الأهوائيّة لقوى النفس الثلاثة (العقليّة، والشهوانيّة، والانفعاليّة). لأنّها وَلَدَتْ من هو خالق كلّ شيء وإنسان صُلِبَ بالجسد[4]. في تفسير الترنيمة التاسعة، يوسّع القدّيس نيقوديموس نظريّته اللاهوتيّة في أنّ والدة الإله تسمو على سائر مخلوقات العالم من ناس وملائكة، فيقول: “بنقاوتها الفائقة الطبيعة في حياتها كلّها، ولا سيّما خلال إقامتها لمدة اثني عشرة عامًا في قدس الأقداس، استحقّت العذراء مريم بجدارة أن تُصبح أمًّا لابن الله وكلمته نفسه[5].

ويُتابع القدّيس قائلاً: “من تُراهُ أنقى من والدة الإله وأوفر قدرةً على استعراض أسرار السماء؛ ليس بين مراتب الملائكة أو الناس مَن يفهم عظائم الله أفضل منها[6].

مع هذا، في لاهوتنا الحديث، لا سيّما في المجال الأكاديميّ حيث كان تأثير البروتستانت شديدًا، قد نسمع عبارة الأول بعد الواحد” الّتي  تميّز العمق الفكري واللاهوتيّ لـفمّ المسيح، الرّسول بولس. كان رسول الامم بالتأكيد إناء للنعمة، إناءً مُختارًا، خادمًا دؤوبًا للكلمة.

إلاّ أنّ التقليد المقدّس الحيّ، الّذي حَفِظَ الكنيسة من مثل هؤلاء اللاهوتيّين العقلانيّين على مرّ العصور، يميّز لاهوتيًّا واحدًا لا منازع له يُعتبر أسمى من السماوات وأنقى من أشعة الشّمس، بحسب القدّيس نيقوديموس، الّذي لخّص الضمير الشامل لآباء الكنيسة، من خلال محاولته تقيّيم شخص والدة الإله غير المُتكرّر والدائم الفرادة. يُفسّر القديس نيقوديمس في اعترافه الإيمانيّ[7]، أنّ الأول بعد الواحدفي العقيدة الأرثوذكسيّة هي أمّنا العذراء، والنظرة الأُرثوذكسيّة لحركة الكوليفاديس Kollivades (القدّيس نيقوديمس، والقدّيس مكاريوس الّذي من كورينثوس، والقدّيس أثناسيوس باريوس)، الّتي شدّدت على الحاجة الدائمة للمناولة المقدسة المتواترة وتلك المتعلّقة بإقامة قداديس تذكاريّة يوم السبت المحدّد وليس الأحد، الأمر الّذي أشعل ثورة في نفوس رهبان الجبل المقدّس المتعصبين وغير المثّقفينفي القرن الثامن عشر، ما أنتج جوًّا من الإفتراءات والغضب ضدّه لإثني وعشرين عامًا[8].

طبعًا، برَّأ المجلس المقدّس لجبل آثوس القدّيس من هذه الحرب غير المبرَّرة الّتي سبّبتها حاشية جريئة  في كتابه الصادر حديثًا، تحت عنوانالحرب اللامنظورة[9]، وجاء فيها: “بكل حقّ، الله الثالوث القدّوس، سُرّ وابتهج كثيرًا قبل الدهور عالمًا، بحسب سابق معرفته، بمريم الدائمة البتولية. وذلك لأنّه بحسب رأي بعض اللاهوتيّين، لو صار الناس كلّهم منذ الدهور أشرارًا وذهبوا جميعاً إلى الجحيم وسقطت رتب الملائكة التسع من السماء وأصبحوا شياطينمع  هذا كلّه، هذه الشرور كلّها مقارنة بملء قداسة والدة الإله، لن تكون قادرة على إحزان الله، لأنّ السيّدة والدة الإله وحدها قادرة أن تفرّحه بالكامل في كلّ الأحوالهي الوحيدة الّتي أحبّته قبل  كلّ شيء، لأنّها وحدها أطاعت إرادته، قبل كلّ شيء، ولأنّها وحدها كانت قادرة أن تتلقّى هذه المواهب الطبيعيّة، والإختياريّة، والفائقة الطبيعة الّتي وزّعها الله على خليقته كلّها…”[10]

ويتضمّن تفسيره للترنيمة التاسعة تعدادًا لمواهب والدة الإله الفائقة القداسة هذه كلّها، حيث يُعبّر القدّيس صراحةً عن شوقه الّذي يُصعب إشباعه، ما أعذب شخصكِ واسمكِ يا مريم، ما هذا الحبّ الّذي أشعر به في داخلي؟ لا أستطيع أن أكفّ عن الإشادة بعظائمكِفكلمّا أشَدْتُ بها كلّها، تُقتُ إليها أكثر، شوقي لن ينطفئ أبدًا، وتوقي لن ينتهي…”[11]

       يُشدّد القدّيس نيقوديموس، في المقطع لأنّه نظر إلى تواضع أمته، على عمق تواضع سيّدتنا العذراء، كما في الحواشي، لم يكن عمق التواضع متجذّرًا في قلب والدة الإله فحسب، بل فاض كالنّبع المتدفّق ليغمر أعضاء جسدها الطاهر الخارجيّة كلّها… أشرق تواضعها مثل الشمس، في سلوكها كلّه، وفي حركاتها، وفي كلماتها، وفي طبيعتها الداخليّة كلّها ومظهرها الداخليّفبشكلٍ عام، شعّ حضور والدة الإله نعمةً إلهيّةً واحترامًا كبيرين، فولّدا كثيرًا من الإجلال والانسحاق في نفس الناظر إليها للمرّة الأولىحتّى من تلك النظرة الأولى كان يعرف المرء –  من طبيعتها الخارجيّة فحسب –  أنّها حقًا والدة الإله

كالقدّيسين جميعهم، أحبّ القدّيس ديونيسيوس الآريوباغي المسيح ربّه حبًّا عظيمًا. عندما عَلِم أنّ والدة المسيح الكليّة الطهارة كانت لا تزال على قيد الحياة، سافر من أثينا للقائها. دُهِشَ عندما وقع نظره للمرّة الأولى على وجهها الإلهيّ وجمالها الرائع والملوكيّ، وقد أحاط بها الملائكة كملكةولدى سماعه الكلمات الإلهيّة من فمها الكليّ النقاوة، دُهش وملكته الرّهبة، معترفًا أنّ طبيعة جسدها ومظهرها الخارجيّ كافيان وحدهما بإظهار أنّها والدة الإله[12].

امتلكت السيّدة العذراء بشكلٍ كامل رداء التواضع من نسج الله. فعلى الرّغم من أنّها اختيرت لتكون حقًا والدة الإله وملكة المخلوقات المنظورة وغير المنظورة كلّها، عند بشارة الملاك جبرائيل لها، عرّفت بنفسها  لهجة هادئة عفويّة ليس فيها تصنّع أنّها أمّة الربّ[13]. كلّما أصبحت الروح أكثر طهارة وكمالًا، شعرت بضعفها وعدم جدارتها. هذه كانت قوّة تواضع الدائمة البتوليّة، الّتي حسبَت نفسها غير مستحقّة لتكون خادمة العذراء الّتي تكلّم عنها أشعياء، وكانت ستلد المسيح بحسب مُضيفِنا القديس يوحنا رئيس أساقفة شنغهاي وسان فرانسيسكو (أشعياء، 7: 14)[14]إلى ذلك، يرى بعض المعلّمين أيضًا أنّ العذراء، نظرًا إلى تواضعها الكبير والفريد، لم تكشف لخطيبها يوسف عن بشارة الملاك جبرائيل، كي لا تبدو متباهية ومغرورة، بل تركت لله أمر إبلاغه  من الأعالي[15].

من عظائم والدة الإله الشخصيّة تَنَزُّهُها عن الخطيئة بالنّسبة لسائر البشر[16]، وجهادها الشخصيّ. وفقًا للقدّيس غريغوريوس بالاماس، أسقف تسالونيكي، عندما كانت والدة الإله طفلة صغيرة في قدس الأقداس العمل العقليّوهي رائدة الصلاة العقليّة والقلبيّة، لأنّه من خلال عودة  العقل إلى القلب والصلاة الدائمة، سَمَت عن كلّ ما له هيئة وشكل، فَبَنت بالتّالي دربًا جديدًا إلى السماء – الصمت العقليّ – وارتفعت من خلاله فوق المخلوقات كلّها، وعاينت مجد الله بطريقة أكثر كمالاً من موسى، ورأت النعمة الإلهيّة الّتي لا يُمكن الحواس إدراكها، بل هي مشاهدة بديعة للملائكة، والرهبان، والنفوس النقيّة[17].

يتابع القدّيس نيقوديموس، في كتابه بستان النعم، الحديث عن العظائم الّتي صنعها الإله القدير بها“:

1. إنّ الله سَبق فعرفها واختارها قبل الخليقة كلّها لتخدم السرّ الّذي كان مكتومًا قبل الدهور.

وفقًا للقديس باسيليوس الكبير، هي خُلاصة التطهير الّذي خضعت له الأجيال البارّة السبعة والسبعين، قبل الناموس وبعده، منذ آدم وصولاً إلى يواكيم البار.

2.   إنّها قصيدة كلّ نبيّ وبداية النبؤات كلّها منذ سفر التكوين.

3.   إنّها أمّ النعمة قبل زمن النعمة.

4.   جعلها أوسع من السماوات كونها حملت في أحشائها الإله الّذي لا يسعه مكان.

5.    أعظم العظائم هو حبلها بشكل يفوق الطبيعة بالله الكلمة، الّذي لم ينمُ في أحشائها بحسب قواعد علم الأحياء التطوّري الشائعة. يعلّم القديس باسيليوس في عظته الميلاديّة أنّه كوَّن الطفل نفسه في لحظة وليس من خلال انقسامات  صغيرة (للخلايا والقسيمات الجرثوميّة)…” يُشير القدّيس إلى أنّه في غياب الأمشاج والبويضات، جرى نموّ من نوع آخر، لا يختلف كثيرًا عن نموّ آدم القديم. إنّ حكمة الله، وهو الخالق المبدع، جبلَ آدم القديم من الطين. كذلك، منذ ألفي سنة، جبلَ حكمةُ الله نفسُه، الخالق المبدع، رداءً لنفسه، أيّ طبيعته البشريّة من دم العذراء الكليّ النقاوة. ورأى رئيس الملائكة جبرائيل ملكَ الملوك للمرّة الأولى في البشارة، بحسب ما جاء في الترنيمة الخاصّة بوالدة الإله (الثيوطوكيون) باللحن الأوّل، إنّ جبرائيل لمّا تفوّه نحوكِ أيّتها العذراء إفرحي، حينئذٍ تجسّد سيد الكلّ فيكِ عند سماعه الصوت“… حملَتِ العذراءُ الطفلَ الصغير، الّذي استمّر ينمو بشكلٍ طبيعيّ لمدة تسعة أشهر، ولم تشعر بآلام الولادة ولا بأيّ ثقل أو إرهاق.

6.   أخيرًا، ولدت ذاك الّذي من خلاله تمّ كلّ شيء، بدون أيّ تغيير أو فساد. حافظت على عذريّتها وبقيت عذراء خلال هذه الولادة الفائقة الطبيعة ولبقيّة حياتها، بما أنّها كرّست نفسها بالكامل لمشيئة الله الأوليّة، الّتي تحدّدت بالعذريّة. في غياب هذه النظريّة اللاهوتيّة الأرثوذكسية الخاصّة بآباء الكنيسة الواضحة تمامًا، يتصارع جيراننا المسيحيون غير الأرثوذكسيّون منذ قرون مع الفكرة القائلة إنّ للمسيح أخوة وأخطأوا مؤخرًا لدرجة مُحزنة حيث نسبوا لابن الله أفكارًا شهوانيّة وتكلموا حتّى عن زواجه، ومن الواضح أنّهم لم يعودوا يقبلون به كأحد أقانيم الثالوث. ليس هذا سوى روح المسيح الدّجال بحسب القدّيس يوحنّا اللاهوتيّ. ويشير موقف الأرثوذكسيّة إلى أنّ الإتّحاد الأقنوميّ للطّبيعتين جعل المسيح محصّنًا بالكامل من أيّ أهواء وتجارب دنيويّة. كان يسوع الإنسان الحقيقيّ الوحيد الّذي لم يخرج عن إرادة الله الكاملة كما أعلن الآب في خلال معمودية المسيح والتجلي المقدّس: “هذا هو ابني الحبيب الّذي به سُررت“.

ووفقًا للقدّيس نيقوديموس، استمّرت سيّدتنا والدة الإله بجهادها الشخصيّ بعد قيامة ابنها وصعوده، سَعَت السيّدة والدة الإله بطريقة مميّزة إلى الجهاد، أيضًا بعد صعود ابنها، بالصوم، والصلوات، والسجدات، وأنواع التقشّف كلّها[18].

يُلخّص القدّيس تعاليم الكنيسة حول تنزيه والدة الإله نسبيًّا من الخطيئة في مقطع النشيد تبتهج روحي بالله مخلّصي“. إنّ الّذي خلّص العالم من الخطيئة  خلّص أيضًا والدة الإله من الخطيئة الجديّة، لأنه وعلى الرّغم من سمو والدة الإله عن كل خطيئة طوعية، مُميتة، وقابلة للمغفرةكانت عرضة للخطيئة الجدّيّة حتّى البشارة. عندئذٍ، طُهرّت من ذلك بحلول الروح القدس[19]. ويُصنّف القديس نيقوديموس بتوليّتها الدائمة، وقيامتها، وانتقالها، وصعودها إلى ملكوت السماوات ضمن العظائم الفائقة الطبيعة لوالدة الإله[20].

يذكر القديس نيقوديمس في كتابه بستان النِّعَمشهادة القدّيس أغسطينوس حول  عظمة والدة الإله الفائقة التصوّر: “كان الله الخالق العظيم، الّذي أخرج كلّ شيء من العدم إلى الوجود، قادرًا على الإتيان بمخلوقات أكثر كمالاً، لأنّه قادر على كلّ شيء، طبعًا؛ ومع ذلك ثمّة ثلاثة أشياء لم يستطع الله نفسه أن يجعلها أكثر كمالًا: طبيعة المسيح البشريّة، عظمة مريم الدائمة البتوليّة في ولادتها، والمجد الأبديّ للقدّيسين[21].

الجزء الثالث موقع والدة الإله وشفاعتها

والدة الإله الفائقة القداسةعند القديس نيقوديموس الآثوسي – الجزء الثالث موقع والدة الإله وشفاعتها

والدة الإله الفائقة القداسةعند القديس نيقوديموس الآثوسي

قسطنطين زلالاس

نقلتها إلى العربية رولا الحاج

الجزء الثالث موقع والدة الإله وشفاعتها

على ضوء ما ذُكِرَ أعلاه، لا يمكننا أن نسلّم برأي بعض اللاهوتيّين في الوسط الأرثوذكسيّ، الّذين يدّعون أنّ وساطة العذراء أو شفاعتها، كما يسارعون إلى تسميّتها، لا تختلف بشكل جوهريّ عن شفاعة القدّيسين الآخرين. من المعروف أنّه تمّ التشكيك منذ بضعة عقود بتقليد كنيسة المسيح الّتي تصلّي أيتها الفائق قدسها والدة الإله خلصينا“. يقولون إنّ الله وحده يُخلّص. لا يمكن العذراء مريم الكليّة القداسة سوى التشفّع مثل أيّ قدّيس[22]. تصلّي الكنيسة بالتأكيد، بشفاعة والدة الإله، يا مخلّص خلّصنا، لكنها تُرنّم  أيضًا أنتِ لنا شفيعة عند الله المحبّ البشر”  لأنّ سيّدتنا أكرم من الشيروبيم وأرفع مجدًا بغير قياس من السيرافيم” – “القدّيسة الأعظم من القدّيسين” – “الله بعد الله، هذا كلّه يعني أنّ شفاعتها – وساطتها – أرفع بلا قياس من شفاعة القدّيسين والملائكة.

يبدو أنّ خطر التيارات العقلانيّة والإنسانوية لا يزال كامنًا في العالم الأرثوذكسيّ اليوم. كان هذا الخطر أكبر بكثير في زمن القدّيس نيقوديموس لأنّ الأراضي الأرثوذكسيّة أفقرها الاستعباد الّذي فرضه الأتراك العثمانيّون. تنامى المبشِّرون البروتستانت المخلَّصونبشكل كبير في سهول البلقان الأرثوذكسيّة المهمَلة، محاولين على طريقتهم، تبشير الأرثوذكسيّين بالخلاص[23]. لعلّ هذا هو السبب الّذي جعل القدّيس نيقوديمس يقترح مناقشة ممتازة للوساطة السّمية – شفاعة – الّتي تتمتّع بها الأمّ العذراء لدى ابنها وإلهها. يستهلّ القدّيس تبريره  من ترانيم العنصرة المُلهمة من الله قائلاً: “… لم يُذكر في الترنيمة أنّ العذراء أعطت أو مَنَحَت، أو أي كلمة أخرى من هذا القبيل، بل أقرضت خالق الكلّ جسدًا، أي أنّها أعطت قرضًا لـكلمة الآبهذا يعني أنّ والدة الإله، من خلال هذا القرض، جعلت ابن الله مَدينًا لها[24]. ويتوسّع  القدّيس في شرحه أنّه قرضٌ من نوع آخر، لا صلة له بالقروض الماليّة والأشياء الماديّة الخارجيّة، الّتي يتّم إرجاعها عادةً في العالم التجاري مع فائدة ماليّة. كان قرض حكمة الله الصانع الكلّداخليًّا أبديًّا ولا يمكن تسديده. إنّ الإتّحاد الأقنوميّ للمسيح أمر نهائيّ، لأنّ الله الكلمة سيتّحد إلى الأبد بالطبيعة البشريّة (اقتراضًا من مريم العذراء الكليّة القداسة). إنّ الطبيعة البشريّة هذه هي الّتي جعلته الوسيط الجوهريّ بين الخالق والمخلوق، أي الله والإنسان. فبدون  الطبيعة البشريّة، نستطيع أن نقول تعذّر على موسى رؤية الله في العهد القديمحتّى يومنا هذا. وبالتالي، فإنّ هؤلاء الهراطقة المتعدّدين، الّذين عرقلوا عمل خلاص المسيح على الجلجثة  وهم يزعمون أنّ جسد المسيح تبّدد في صعوده إلى السماء، لَمصابون بالهذيان! إنّهم آخِر من يمكنه التعليق على الموضوع! ويُضيف القدّيس نيقوديموس في تأمّلاته اللاّهوتية ما يلي:

 ماذا يُمكن أن نستنتج من هذا؟ بما أنّ ابن الله مدين دائمًا لوالدته، عليه أوّلاً أنّ يعظّمها بكامل المجد والإكرام اللّذين يليقان بإله ولا يعرفهما أي مخلوق آخر؛ وبما أنّ القرض الّذي تلقّاه منها أبديّ، عليه أيضًا أن يحقّق طلبات والدته الآن وإلى الأبد ….”

ويتابع نيقوديموس المحبّ لوالدة الإله، هل رأيتم مجدًا مماثلًا يا أحبّائي؟ هل رأيتم عظائم العذراء؟ أسرعوا إليها بتقوى وإيمان وسوف تٌستَجاب طلبات صلواتكم المتعلّقة بالمسائل الخلاصية كلّها.”

صاحب السيادة، بحسب قصة القدّيس قوزما الإيتولي الرائعة الّتي سأرويها، إنّ حبّ ملكة السموات ورأفتها لا يعرفان حدودًا.

وفقًا للقدّيس قوزما، استسلم أحد المسيحييّن المدعو يوحنا لطريق السّرقة الرديئة. أصبح قائد عصابة مؤلَّفة من مئة لصّ، إلّا أنّه كان لديه احترام كبير لوالدة الإله، ولعلّه قد ورثه من أهل بيته المتديّنين. لم يغفل قطّ، لا مساءً ولا صباحًا، عن صلاة المديح لأمّنا الكليّة القداسة.

ومن خلال شفاعة العذراء الكليّة القداسة (Panagia) أنارت نعمة الله ناسكًا تقيًّا ليزور عصابة اللصوص هذه ويبشّرهم بكلمة الخلاص. أقنع الناسك الرائي القائد يوحنا بأن يستدعي أتباعه كلّهم ورأى أنّ أحدهم كان غائبًا. فسأل من الغائب؟ وبالفعل، كان الطبّاخ غائبًا. طالب الناسك بحضوره، ولكنّ هذا الطبّاخ، عند قدومه، رفض أن ينظر إلى وجه رجل الله. أمر الناسك التقيّ هذا الطبّاخ الغريب الأطوار: “بإسم يسوع المسيح، آمرك بأن تقول لنا اسمك ومن أين أتيت…” فأجابه، أنا أبو الكذبلكنّك الآن بعدما قيّدتني باسم المسيح أنا مُجبرٌ على قول الحقيقةأنا شيطان و أرسلني سيدي لأخدم القائد يوحنا، منتظرًا بفارغ الصبر اليوم الأوّل الّذي يهمل فيه صلاته لوالدة الإله، كي أتمكّن من أخذ روحه مباشرة إلى الجحيم. أنا هنا منذ أربعة عشر عامًا ولم يُهمل قطّ صلاته: “إفرحي يا عروسًا لا عروس لها“!

أبعد الناسك الشيطان إلى الجانب الآخر من العالم، ثمّ بشّر اللصوص الّذين أظهروا توبة مثاليّة. أصبح بعضهم رهبانًا وتزوّج بعضهم الآخر وعاشوا حياة مليئة بالتقوى.

صاحب السيادة، إخوتي وأخواتي في المسيح، تُجسّد هذه القصة بشكلٍ رائع حبّ إلهنا ووالدته لكلّ خاطىء. بالنسبة إلى الرّبّ ما من شيء على هذه الأرض أثمن من بضع قطرات دمع من قلب تائب. حتّى إنّ دمعة واحدة لتوبة حقيقيّة تفوق طنًّا من الأعمال الصالحة المفتقرة إلى التوبة.

الخاتمة

صاحب السيادة، إنّ اللقب اللاهوتيّ بامتياز، الّذي يعبّر عن مكانة مريم العذراء الكليّة القداسة في اللاهوت الأرثوذكسيّ، هو والدة الإله Theotokos“. إنّ عبارة والدة الإله تقود مباشرة إلى قلب العقيدة الخريستولوجيّة، ونتيجة لهذا، كان من الطبيعيّ أن تواجه معارضة عدد من الهراطقة، الّذين حرّفوا الجوانب المختلفة للعقيدة الخريستولوجيّة والإتحاد الأقنومي لله الكلمة. في ضمير الكنيسة، إنّ تعبير والدة الإله يُصنّف كـحصن للإيمان، واصطلاح لا يتزعزع، فهي تشكّل قلعة رائعة في وجه البدع الخريستولوجيّة[25]. بحسب تعليم الآباء الجامع، يرتبط اسم والدة الإله بشكل وثيق بنتيجة العمل الخلاصيّ لاسم الإله الإنسان (Theanthropos)، إنّ والدة الإله كتعبير وكشخصٍ، كانت وتبقى عبر القرون مرساة الخلاص للّذين يقبّلون أيقونتها المهيبة“. إلى جانب لقب والدة الإله، ثبّت الآباء ومعلمو الكنيسة لقب مريم الدائمة البتوليّة في المجمع المسكوني الخامس من القانون التاسع، مُحدّدين الإيمان الصحيح حول المسيح، الّذي تجسّد من والدة الإله المجيدة المقدّسة، مريم الدائمة البتوليّة، كما حافظت عليها حتّى اليوم ليتورجيّة القدّيس يوحنا الذهبيّ الفمّ.

تُظهِر النّبؤات، والرّسومات، والعلامات، والرّموز الكثيرة المتعلّقة بوالدة الإله الكليّة القداسة في العهد القديم أنّ مريم العذراء الكليّة القداسة شخص لن يتكرّر، ما يجعلها فعلًا  السلّم، والجسر، وبوابةالخلاص للجنس البشريّ. يورد القدّيس نيقوديموس في عمله Eortodromionشروحات شاملة لمرنّمين وملحّنين مرّوا عبر القرون واستعاروامن الكلمات النبوئيّة من أجل نَظم ترانيمهم الخاصّة بوالدة الإله. ويوسّع القدّيس نيقوديموس لاهوت الآباء، فيعلن أنّ قلب الناموس كلّه وخاتمته وهدفه، وأقوال الأنبياء ورموزهم كلّها، هو والدة الإله نفسها، ومن قَبلِها، الله الكلمة الّذي تجسّد منها[26]. وكالقدّيسين المحبّين لولدة الإله الآخرين، خصّص نيقوديموس جزءًا كبيرًا من كتاباته ليُعبّر عن شوقه الّذي يُصعب إشباعه للمعجزة الّتي لا يسبر غورهالوالدة الله.

في تفسيره للترنيمة التاسعة، يُعالج القدّيس نيقوديموس استحقاق والدة الإله الكليّة القداسة الأسمى مقارنةً بالمخلوقات الأخرى. تفوق والدة الإله المخلوقات كلّها في النقاوة، والتألّق، والبساطة، والشّوق المتعذّر تفسيره، والطاعة الكاملة لمشيئة الله. وبالتّالي، فإنّ مواهب والدة الإله جعلتها ممتلئة نعمةقبل البشارة وأمّ النعمة قبل زمن النعمة أي العنصرة. بقولها ها أنا أمة الربّ، تطهّرت مريم البتول الكليّة القداسة من وصمة آدم وأصبحت طاهرة وغير مُدنّسةلتخدم سرّ الولادة الجديدةمانحةً دمّها الكليّ النقاوة لآدم الجديد.

إنّ مكوث المسيح في رحم والدة الإله العذريّ قدّسها بالنعمة وألّهها إلى درجة لا تقارن مع أيّ مخلوق آخر. ووفقًا للأب أثناسيوس ميتيلناوس، جعلها وسيطًا جوهريًّا بين الجنس البشريّ، وآدم الجديد، أي ابنها، على الرغم من أن هذا قد يبدو للبعض كلامًا يتجاوز المعقول.

يمكن لوالدة الإله الفائقة القداسة أن تخلّص بالتأكيد لأنّه بحسب ما جاء في المزمور الداووديّ، إنّها الملكة الّتي تقف عن يمين الملك، ابنها، الّذي يجلس عن يمين الآبفي ملكوت السموات.

إحفظينا يا والدة الإله الكليّة القداسة واحمينا، وخلّصينا من سهام الشرير الحارقة بصلوات آبائنا القدّيسين. آمين.

 * محاضرة ألقاها قسطنطين زلالاس في سان فرانسيكو، بتاريخ 6 تشرين الأوّل 2012

[1] Theoklitos Dionysiatis, Saint Nicodemos the Hagiorite, 2nd Edition, pp. 250.

[2] المرجع نفسه، 245

[3]  المرجع نفسه، 248

[4] Theoklitos Dionysiatis, Saint Nicodemos the Haghiorite, pp. 187.

[5] St. Nicodemos, Garden of Graces, pp. 196.

[6]  المرجع نفسه، 195

[7] Saint Nicodemos, Handbook of Counsel, Athens 1987, pp. 314.

[8] Krikonis Chris., Saint Nicodemos the Haghiorite, Life and Written Work, Athens 2001 pp. 125.

 [9]  أنظر، Theoklitos Dionysiatis, Saint Nicodemos the Haghiorite, pp. 246

[10]  المرجع نفسه

[11] Saint Nicodemos, Garden of Graces, pp. 214

[12]  المرجع نفسه، 204

[13]  المرجع نفسه

[14] Saint John of Shanghai and San Francisco, The Orthodox Veneration of MARY the birthgiver of God, California, 1996, pp. 65.

[15] Saint Nicodemos, Garden of Graces, pp. 205

[16]  الله وحده معصوم عن الخطيئة تمامًا، ولكنّ والدة الإله بريئة من كلّ عيب. يشرح القدّيس يوحنّا الذّهبيّ هذا الأمر قائلاً إنّ الخطيئة كانت بالنسبة إلى والدة الإله مثل كلاب تعوي من بعيد (المترجم).

[17] Saint Nicodemos, Garden of Graces, 195.  

[18]  المرجع نفسه، 217

[19]  المرجع نفسه، 200

[20]  المرجع نفسه، 213

[21]  المرجع نفسه، 214، يُلاحظ القديس نيقوديموس في عظة المغبوط أغسطينوس هذه أنّ ذلك الأخير يصنّف المجد الأبديّفي المخلوقات ويضيف تعليقًا: لعلّ المغبوط أوغسطينوس كان يُسّمي المجد الأبديّ مخلوقًا، على الرّغم من أنّه، بحدّ ذاته، بعيد عن ذلك! لأنه غير مخلوق، باعتباره قوى الجوهر الإلهيّ الطبيعي وغير المنفصل عنه.

[22] Mavromatis George, She is Truly Theotokos, pp 190

[23]  أنظر،  Theoklitos Dionysiatis, Saint Nicodemos the Haghiorite, pp. 25

[24]  المرجع نفسه، 250

[25] Theodoropoulos Epiphanios Arch, The Akathist with Interpretation, Athens 1988, pp. 174

[26] Saint Nicodemos Haghiorite, Eortodromion, pp. 233

العلاج النفسي الأرثوذكسي

العلاج النفسي الأرثوذكسي

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

عند تحليلنا للتعليم الأرثوذكسي عن شفاء الإنسان نستطيع استخدام عبارة العلاج النفسي الأرثوذكسيلكي نعني شيئاً مختلفاً تماماً عما يحدث في العلاج النفسي الإنساني.

بحسب التعليم الأرثوذكسي، العلاج النفسيهو بالضبط ما تقتضيه الكلمة: شفاء نفس الشخص، وبمعنى أشمل، شفاء كل الكيان الإنساني. لا تتكون نفس الشخص من مجرد ردود أفعاله النفسية لبيئته الاجتماعية؛ إنها العنصر الروحاني في وجوده. للإنسان، المخلوق من قِبَل الله على صورته ومثاله، نفس وجسد، وهما يصنعان معاً شخص واحد وحيد. للنفس ثلاثة جوانب أو قوى: الجانب العاقل، والجانب المريد، والجانب الحسي. توجد نتائج للطريقة الإيجابية أو السلبية التي تعمل بها هذه القوى تؤثر على الجسد وعلى الخليقة. أيضاً، وبحسب طريقة أخرى لتصنيف أجزاء النفس، هي لها نوس وإرادة حرة.

إننا نربط كلمة العلاج النفسيبصفة أرثوذكسي، ونتكلم عن العلاج النفسي الأرثوذكسي، لأن الطوائف المسيحية المختلفة تتعامل مع هذه المسائل بطريقة مختلفة عن الكنيسة الأرثوذكسية بعلم اللاهوت الخاص بها وبكل تقليدها. تظهر حقيقة أن العلاج النفسي العلماني ظهر في الغرب وانتقل من هناك للشرق أن التقليد وعلم اللاهوت الغربي كانا جاهلين بهذا العنصر الروحاني في الوجود الإنساني.

تعطي السكولاستية، كما ظهرت في العديد من المدارس وتبلورت بواسطة توما الأكويني في كتابه Summa Theologica ، وهو كتاب يشرح التعليم الكاثوليكي السائد، الأولوية للعقل والمنطق البشري. لقد تعامل الكتاب مع موضوع الله بطريقة عقلية منطقية، وتكلم عن الدلائل الوجودية على وجود الله. كنتيجة لذلك، أنكر التنوير الغربي وجود الله والغيبيات بصفة عامة، في إنجلترا من خلال التجريبية الفلسفية كما في فرنسا وألمانيا من خلال المادية والمثالية، وجاء هذا الإنكار كرد فعل مضاد للسكولاستية.

اعتمد المدخل الأخلاقي، الذي أسسه البروتستانت، على التشديد على السلوك الخارجي. يتكلم البروتستانت على الولادة الثانية للشخص بطريقة معجزية وفورية، دون أن تلعب إرادته الحرة دوراً، مما يدخل في الواقع عنصراً من القدرية (determinism). بالتالي، يترك العالم الداخلي للمرء غير مشفي.

إلا أنه في علم اللاهوت الأرثوذكسي، يرتبط العلاج النفسي ارتباطاً وثيقاً بالولادة الثانية للإنسان وتحول كل طاقات نفسه وجسده، الذي يتحقق من خلال نعمة الله، والأسرار، والنسك داخل الكنيسة. توحد الأسرار المسيحي بالمسيح. من خلال المعمودية المقدسة يصبح المرء عضواً في جسد المسيح؛ ومن خلال الميرون يتلقى عطية الروح القدس؛ ومن خلال المناولة المقدسة يتحد مع المسيح. يظهر أيضاً التعليم الأرثوذكسي النسكي، الذي يوصف أيضاً على أنه هدوئي وصحوي، الطريقة التي يستطيع بها الكيان الإنساني الاشتراك في نعمة الله غير المخلوقة. تشكل الأسرار بدون نسك إدراكاً آلياً وسحرياً للحياة المسيحية، على حين يقدم النسك بدون أسرار نوعاً من الأخلاقية والتقوى.

من الممكن أن يكون تعبير العلاج النفسيمقبولاً لاهوتياً عندما يُرى من منظور أرثوذكسي ويُستعمل للإشارة لشفاء النفس البشرية، وذلك على الرغم من كونه مستخدماً من قِبَل المعالجين النفسيين المعاصرين في الغرب. على الرغم من أن الآباء لم يستعملوا هذا التعبير، إلا أن هذا لا يعني أننا لا نستطيع استعماله، بشرط ألا نتوه بعيداً عن التعليم الأرثوذكسي. لم يتردد الآباء القديسون في استعمال تعبيرات كان لها معنى مختلف في عصرهم، لكنهم حملوها بمعنى جديد.

مثلاً، في عصر الآباء الكبادوك، كانت الكلمة اليونانية شخص” (prosopon) تعني قناعاً، وكان من السهل أن تخدم أغراض التعليم الهرطوقي الخاص بسابيليوس. إلا أن الآباء القديسين أعطوا جوهراً لكلمة شخص، واستعملوها لوصف الآب والابن والروح القدس، داحضين في نفس الوقت تعليم سابيليوس الهرطوقي. لا تكمن المشكلة في المصطلحات بحد ذاتها ولكن في معانيها.

علم اللاهوت الأرثوذكسي تقليدي ولكنه غير محافظ (conservative). إننا نعي جيداً أن التقليد، الذي انتقل إلى يومنا هذا بطريقة ديناميكية، يختلف عن المحافظة، الذي يلتزم بالتكرار الميكانيكي الخارجي لكلمات من الماضي. بالتالي، من الممكن تفسير تعبير العلاج النفسي الأرثوذكسيعلى أنه الطريقة العلاجية للآباء“.

بالإضافة إلى ذلك، لا يقتصر مصطلح العلاج النفسيعلى النفس، ولكنه يشمل أيضاً الجسد لأنه توجد رابطة قوية بين النفس والجسد. إنه يتعدى تطهير القلب من الأهواء فمجاله أوسع. نحن نعلم أن لاهوت الآباء يتكلم عن الاستنارة، والتنوير، ورؤية الله الدائمة. لا ينتهي الكمال، بالتالي يتلقى الإنسان الشفاء باستمرار. يتعين على الشخص لكي يُشفى أن يُستعلَن النوس الخاص به، وينبغي عليه أن يقتنى تذكر غير منقطع لله وأن يصبح سماءً في قلبه. ينبغي على النوس أن يُضبط بطريقة مناسبة. لذا لا أنظر للشفاء على أنه التخلص من بعض الأفعال الخارجية والأهواء العظمى. لقد أظهرت خبرة الكنيسة أنه كلما رأى المرء الله بنوس نقي، كلما شعر بعدم طهارته.

بالإضافة إلى ذلك، طالما أن رؤية أن علم اللاهوت الأرثوذكسي هو علم علاجيقد يساء تفسيرها حيث يحتجون مستندين على حقيقة أن الأرثوذكسية هي إيمان مُعلَن، لابد من تقديم بعض التفسيرات.

المسيحية هي إعلان الله للجنس البشري، فهي إيمان معلَن. لقد أكدت على هذه الحقيقة عدة مرات في كتابي الطب النفسي الأرثوذكسي، بالإضافة إلى حقيقة أن عقائد الكنيسة (التي هي في أساسها تعريفات تحدد الحدود بين الحياة والموت) ترتبط بالخلاص والشفاء الحقيقي. لو تأثرت العقائد، تختل على الفور إمكانية الخلاص أي الشفاء. على كل حال، ليس الإيمان شيئاً تجريدياً، ولا هو مجرد نظام من الحقائق ينبغي قبوله خارجياً وبطريقة ميكانيكية. مثل هذا القبول ضروري، لكنه ليس كافياً بذاته. يُقدَم الإعلان للشخص الذي شُفي.

لقد استعد الرسل القديسون على مدار ثلاث سنوات لتلقي كل الحقيقةيوم الخمسين. يرتبط الإيمان ارتباطاً وثيقاً بالشفاء، لأنه بدون شفاء يكون لدى حتى الشياطين إيماناً خارجياً بالله، بما في ذلك الإيمان بالثالوث القدوس. يرتبط الإيمان بالحياة ارتباطاً غير منفصل، وإن كان أحد يؤمن بالله فإنه ينبغي عليه أن يتجدد ويولد ثانية. لو آمن الشخص بالطبيب، فإنه يتبع تعليماته لكي يُشفى. بالتالي يؤكد الآباء القديسون على أنه ينبغي علينا أن نجاهد لكي نتقدم من الإيمان الآتي من سماع (الإيمان البسيط) إلى الإيمان المبني على رؤية الله، وبتعبير آخر، إلى الشركة مع الله. تعتمد هذه الرحلة من الإيمان البسيط إلى الإيمان الكامل على شفائنا.

لا تخلق رؤية أن المسيحية هي علم علاجي مشكلة خاصة لأنها لا تستعمل كلمة علمبالمعنى الحديث للكلمة، كفرع للتعليم أو النشاط الذهني، أو كتلة من الحقائق المنظمة، ولكن بمعناها الأصلي.

الكلمة اليونانية لكلمة علمهي episteme تأتي من فعل يعرفولها معانٍ متنوعة في الكتابات الكلاسيكية والآبائية. يعطي قاموس ليدل وسكوتعدة معانٍ للكلمة منها المعرفة، التعرف على مسألة، الخبرة، المهارة، والمعرفة العلمية“. كل هذه المعاني تشترك فيها الكلمة الإنجليزية science . بالتالي أنا أستعمل الكلمة لأشير إلى المعرفة العملية للشفاء، وأعني أن الكنيسة الأرثوذكسية تجاهد من خلال علم اللاهوت الخاص بها وكل تقليدها لكي تشفي الناس روحياً، مما يعني بصورة رئيسية شفاء النوس المريض الخاص بهم وأهوائهم. الأرثوذكسية هي حقيقة معلنة. إنها ليست اكتشافاً لقدرة الإنسان العقلية، ولكنها استعلان الله نفسه للقلب البشري النقي. بالتالي تمتلك الأرثوذكسية معرفة عملية للطريقة التي ينبغي على الشخص اتباعها لكي يُشفى. هنا في هذا المعنى، أؤكد على أن الأرثوذكسية، أو علم اللاهوت، هو علم وتعافي علاجي.

لكي أتجنب أن أعطي انطباعاً أنني أبتكر في هذا الموضوع وأستعمل مصطلحات خاصة بي، ينبغي عليّ أن أشرح أن مصطلح علمكمنهج علاجي حقيقي مذكور في كتابات القديس ديونيسيوس الأريوباغي وآباء آخرين استعملوا الكلمة لتحديد كيف ينبغي علينا أن نستعد للشركة والاتحاد بالله وللمعرفة الدقيقة عن الله.

عندما يحلل القديس ديونيسيوس الأريوباغي في كتاباته درجات الكمال الروحي التي هي التطهير، والاستنارة، والاتحاد بالله، فإنه يستعمل كلمة علمبصورة متكررة. إنه إذ يتكلم عن كيفية تحقيق الكمال يقول: “يقدم سرا المناولة والميرون معرفة كاملة وعلم معرفة الأعمال الإلهية“. وفي موضع آخر يناقش مسألة البطاركة الذين لهم خبرة الاتحاد بالله والذين يساعدون أيضاً الآخرين على تحقيق الاتحاد بالله ويكتب قائلاً: “إن درجة البطريرك هي التي تمتلك ملء قوة التكميل. قبل كل شيء هي تمارس طقوس الرئاسة المكملة وتحفز الآخرين بشرح علوم الأشياء المقدسة“. بتعبير آخر، يشير القديس ديونيسيوس إلى خبرة الاتحاد بالله وكل حياته، بل وحتى المسيرة المؤدية إليها على أنها علم. في نص آخر، إذ يتكلم عن عمل البطاركة والكهنة، يؤكد على أن درجة البطريرك قادرة ليس فقط على جلب الكمال ولكن أيضاً على الإنارة والتطهير بمهارة، ودرجة الكهنة هي مدعمة بعلم الإنارة والتطهير“.

يشير أيضاً القديس غريغوريوس النيصي مراراً إلى هذا الموضوع. فهو يتكلم عن الرعاية العلاجية، والمنهج العلاجي، وعلم التمييز بين الخير والشر“.

أيضاً القديس أندرواس الكريتي يستعمل هذه المصطلحات. إنه يكتب في أحد عظاته قائلاً: “لقد قيل لأحد اللاهوتيين الذي تكلم عن أمور مقدسة وكان مدرباً على أمور الله بحكمة وعلم…..”. ليس كافياً للمرء أن يعرف الله فقط، ولكن ينبغي عليه أن يعرفه بطريقة علميةمستعملاً المنهج المقتنى من قِبَل الكنيسة الأرثوذكسية. من الجائز أن يقتني المرء معرفة عن الله فيها ضلالة فلا تكون حقيقية وعلميةلو أنه لم يستعمل المنهج العلمي والعلاجي المناسب.

ترد عبارة علم الطب الروحيفي القانون 102 للمجمع المسكوني الخامسالسادس وهي تُستعمَل لتحديد طريقة شفاء الإنسان. من هنا أن أستعمال تعبير اﻷرثوذكسية كعلم علاجيهو بمعنى مختلف عن المعنى الذي يستعمله المعاصرون.

موقف الكنيسة الأرثوذكسية من تشريع زواج المثليين

موقف الكنيسة الأرثوذكسية من تشريع زواج المثليين

الأب أنطوان ملكي

حكمت المحكمة العليا للولايات المتحدة بأن زواج المثليين هو حق دستوري. وقد حصل هذا الخبر على تغطية إعلامية واسعة جداً في كل العالم، حتّى أنه أخذ أيضاً حيزاً من النقاش على شبكات التواصل الاجتاعي في بلادنا. أصدرت الكنائس الأرثوذكسية عدداً من البيانات الموجهة إلى رعاتها وشعبها لأن من الضروري أن يفهم الإكليروس والعلمانيون موقف الكنيسة من هذا الأمر. لذا وجدنا من المفيد عرض نظرة الكنيسة الأرثوذكسية للزواج ونقل أحد هذه البيانات إلى العربية للفائدة.

سرّ الزواج اﻷرثوذكسي (عن شبكة أورثوذكس أونلاين [1])

ليس لحب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه” (يوحنا13:15). تختصر هذه الكلمات القليلة سر الفداء بأسره، لأنه سر الحب، النابع من محبة الله للبشر، وبهذا تختصر علاقة المسيح بالكنيسة. يكرر الرسول بولس هذه الصورة في رسالته إلى أهل أفسس (الاصحاح الخامس) عند حديثه عن الزواج، فيشبّه علاقة الرجل بالمرأة، أي الزوجين، بعلاقة المسيح بالكنيسة: “أيها الرجال أحبوا نسائكم كما أحب المسيح الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها، لكي يقدسها مطهراً إياها” (أفسس5: 25-26). هدف الحب هذا هو القداسة، فالزواج يشكل أحد دربي القداسة والدرب الآخر البتولية، لأن الحب هو الركيزة الأساسية فيهما. لذلك وبحسب مفهوم لكتاب المقدس، إذا أردنا أن نتعلم معنى الحب، وبخاصة الحب الزوجي، علينا أن ننظر إلى حب المسيح للكنيسة ونتعلّم منه كيف يكون الحب الأعظم. عندما أحب المسيح الناس مات من أجلهم على الصليب ولم ينظر إلى ضعفاتهم وعيوبهم. هكذا في الزواج، يعلن الواحد أن الآخر مبتغاه بكل عيوبه، وانه مستعد أن يبذل نفسه لأجل من يحب لذلك اقبلوا بعضكم بعضاً كما أن المسيح قبلنا لمجد الله” (رومية7:15). على هذا الأساس يضع الكاهن اكليلي الشهادة على رأسي العروسين.

الحب هو حركة الخروج من الأنانية والفردية نحو الوحدة التي لا تذيب الأشخاص ولكن تؤكدهم (كاتحاد الألوهة والبشرية في شخص يسوع المسيح).الزواج في جوهره محاولة لتحقيق هذه الوحدة حيث الاثنان يصيران ليس فقط روحاً واحداً بل جسداً واحداً. هذا كان في البدء عندما خلق الله الإنسان ذكراً وأنثى على مثاله عمله. الله أرادهما واحداً عندما خلقهما.

الزواج مؤسسة إلهية منذ فجر الخليقة وليس مجرد عقد اتفاق بين شخصين كما يقول البعض. وحدة الحب هذه انكسرت بالسقوط في الخطيئة وصار الحب مشوباً بالنزعة نحو امتلاك الآخر والسيطرة عليه. لكن المسيح عبر سر الفداء الذي أتمّه أعاد الزواج إلى أصالته، عبر الحب الذي أفرغه فينا أعاد إلينا النموذج الثالوثي الأول للحب (علاقة الحب بين الآب والابن والروح القدس). هكذا في الزواج المسيحي عندما يتقدم الزوجان للآب السماوي ويقدّمان له في المسيح حياتهما كلها، عندما يجتمع اثنان باسم يسوع المسيح ويكون المسيح بينهما، يُطعّم الحب البشري بالحب الإلهي ويتحقق الاتحاد الأصيل فيصير الاثنان واحداً في المسيح الذي يجمعهما بالروح القدس.

نحن نؤمن أن الزواج المسيحي سرّ مقدس يقام في الكنيسة حيث يأتي الحبيبان ويقدّمان لله حبهما بيسوع المسيح. فيبارك الله زواجهما ويجمعهما ويجعلهما جسداً واحداً. العلامة التي تميّز الزواج المسيحي هي هذه البركة التي يسعى إليها الزوجان اللذان يرضيان بالعيش معاً قبل تقديم حبهما عبر الكنيسة والحصول نعمته عبر السر المقدس. فالزواج المسيحي ليس مجرد عقد يتم بين شخصين. إنه مؤسسة إلهية يدخل الله فيها شريكاً، وهي أبدية لا تزول. فالموت نفسه لا يفرّق بين الزوجين المسيحيين. ولكي تحل بركة الله على العروسين، يجب أن يكون المسيح حالاً في قلبيهما، كما يجب عليهما أن يعيا معنى المحبة الكاملة التي علمها يسوع للبشر قولاً وفعلاً والتي ستجمعهما.

بيان حول زواج المثليين (صادر عن أبرشية شيكاغو ووسط أميركا للكنيسة الروسية خارج روسيا)

كوننا نعيش في مجتمع حرّ، علينا أن نكون أولاً شاكرين إذ عندنا فرصة ممارسة إيماننا الأرثوذكسي من دون تدخل جامح من الحكومة. في التاريخ الحديث، لم يكن الوضع على هذه الحال في الكثير من البلدان. في المجتمع الحر، يمكن تبادل كل النظرات في الحقل العام، ومنها ما نتفق معه كأرثوذكسيين ومنها ما نرفضه. لهذا ندعو شعبنا ﻷن يكون مرشده الأول تقليد الكنيسة المقدس في تمييز ما إذا كان أيّ من المسائل المعاصرة المطروحة يتوافق مع اﻹيمان اﻷرثوذكسي أو ﻻ. إذا اختار أحد الأرثوذكسيين أن ينخرط في الجدال السياسي العام فينبغي أن يكون ذلك باعتدال وبنيّة أكيدة وانتباه لعدم الوقوع في التطرف. التطرف لا يفضي إلى تليين قلوب الآخرين أو جلبهم إلى الإيمان. العلمانيون الذين يختارون الانخراط في الخطاب السياسي لا ينبغي أن يعلنوا أنهم يتحدثون نيابة عن الكنيسة. بالمعنى الدقيق للكلمة، لا يصدر أيّ بيان رسمي إلا من الأسقف أو ببركة خاصة منه.

ينبغي أيضاً أن يكون واضحاً أن سلوك نمط الحياة المثلي الجنس أو غيره من اﻷشكال الخاطئة هو غير متوافق مع المسيحية، وهذا كان دائماً تعليم الكنيسة. وعليه، فمن المهم أيضاً أن نذكر أن الكنيسة هي مستشفى روحي، وجميع الذين يرغبون في الحصول على الشفاء من الله، من خلال توبتهم ونعمة الله، هم موضع ترحيب كامل. هذا يشمل الذين شاركوا في أعمال غير أخلاقية أو غير طبيعية من أي نوع، إضافة إلى المُجرَّبين من مثل هذه الآثام. الكنيسة حنونة على الذين يعانون على هذا الشكل وهي تقدم لهم الدعم وتضميد الجراح والمحبة المسيحية. إن الناشطين في أي الممارسات غير الأخلاقية أو غير الطبيعية لا يمكن أن يعيشوا حياة الأسرار الكاملة داخل الكنيسة. ولكن هذا لا يعني أن نسعى إلى استبعاد الذين أثموا على هذا النحو أو نبذهم. بدلاً من ذلك، يجب علينا بذل كل الجهود لجذب الذين في مثل هذا الوضع المؤسف من جديد إلى العفة، وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة مرة أخرى في أسرار الكنيسة المحيية وتعهّد السعي من أجل خلاصهم ضمن جماعة الرعية.

إن حكم المحكمة العليا اليوم يجعل الزواج المثلي قانونياً في الولايات المتحدة. ينبغي أن يكون واضحاً أن الكنيسة لن تعترف تحت أي ظرف من الظروف بالزواج المثلي، ولن تمنحه مكانة الزواج التقليدي، أو تبارك هذا اﻻتحاد. ومع ذلك، وهذا لا يعني بأن الذين دخلوا في مثل هذا الاتحاد قد تخطوا بعض الخطوط ولا يمكن أن يعودوا. لطالما حاربت الكنيسة البدع التي رفضت إمكانية توبة الذين وقعوا في بعض الخطايا (كالنوفاتية والمونتانية والدوناتية). من الأهمية بمكان، أن لا يخجل الكهنة بموقف الكنيسة من إثم الشذوذ الجنسي وغيره من التعبيرات غير الطبيعية عن الجنسانية البشرية التي هي هبة من الله، ولكن من المهم أيضاً أن يُقَدّم هذا الكلام بمحبة ومع الدعوة إلى التوبة والمصالحة مع الكنيسة.

ندعو جميع للصلاة من أجل بلادنا لكي يغفر لنا الرب خطايانا المجتمعية الجماعية كما خطايانا الشخصية ويمنحنا ملاذاً آمناً يسمح لنا بالعمل من أجل خلاصنا في سلام.

[1] https://www.orthodoxonline.org/theology/الإيمانواللاهوتالأرثوذكسي/الأسرارالكنسية/سرالزواج/الزواجالمسيحي-613

اﻷب جورج فلوروفسكي كمثال للمسكوني الأرثوذكسي

اﻷب جورج فلوروفسكي كمثال للمسكوني الأرثوذكسي

الأب أنطوان ملكي

يجمع الدارسون على أنّ فلوروفسكي هو مهندس المسكونية الأرثوذكسية في القرن العشرين. وبحسب تعبير ماثيو بيكر فإن فلوروفسكي جمع بين الشهامة نحو غير الأرثوذكسيين والالتزام الراسخ بالأرثوذكسية الآبائية، مظهراً الشجاعة لتحدي أيّ محاور، سواء كان رئيساً أرثوذكسياً أو الأمين العام لمجلس الكنائس العالمي. لقد حافظ فلوروفسكي على التزامات مسكونية ثابتة لكنّه حذّر من أيّ مسعى مسكوني من شأنه أن يرسّخ التبسيط العقائدي أو يمنح امتيازاً للعمل المشترك على حساب المواجهة اللاهوتية.

انخرط فلوروفسكي في العمل المسكوني منذ 1926 عن طريق برداييف في باريس، حيث كان يجتمع أسبوعياً مع كبار المفكرين الكاثوليك والبروتستانت. من ثمّ انضم إلى جماعة القديسين ألبان وسرجيوس[1]. لقد قدّم أوائل مقالاته اللاهوتية في هذه الأطر. سيم كاهناً في 1932 ومن ثمّ أمضى قسماً كبيراً من السنوات العشر التالية في بريطانيا محاضراً حيث لاقى حماساً كبيراً.

توسّعت هذه النشاطات مع مؤتمر الإيمان والنظام في آدينبرغ [2] حيث انتُخِب فلوروفسكي ممثلاً للأرثوذكس في لجنة الأربعينالتي كُلِّفَت كتابة مسوّدة نظام مجلس الكنائس العالمي. في اجتماع أمستردام سنة 1948، لعب فلوروفسكي دوراً رئيسياً، أدّى إلى تعيينه في اللجنة المركزية وانتخابه في اللجنة التنفيذية لمجلس الكناس العالمي، حيث خدم إلى سنة 1961. لقد بقي الأب فلوروفسكي مبدئياً وجريئاً في الاجتماعات المسكونية لغاية عقده الأخير. آخر عمل له كان اجتماع لوفان (Louvain) في 1971.

لقد كان لمسكونية فلوروفسكي جذور عميقة في فلسفته التاريخية. تجنّب فلوروفسكي التجريبية الصرفة والمأسسة المباشرة التي ينادي بها المثاليون، بهذا شدد ليس فقط على الشكل المفسَّر للحقائق، بل أيضاً على الطابع الاصطناعي للتصنيفات التي بحسبها تُفسّر الخبرة. يعتبر فلوروفسكي أن الشخص الفاعل يخضع للتاريخ رافضاً أن يمنح أي صفة شخصية للعِرق أو الأمة أو الحضارة. “الكلّالتاريخي هو رابطة دائمة التبدّل من الأشخاص المتفاعلين. التعاضد الحقيقي موجود في المسيح الذي فيه وحده الحرية تحتلّ نفس مكانة الفرادة العضوية، وهذه هي وحدة أخروية تتخطّى الحقائق الطبيعية وتُبنى تاريخياً بالإيمان والأسرار. لهذا، شدّد في منتصف عشرينيات القرن العشرين على أن الإيمان بالمسيح ما يزال يجمع الشرق والغرب المسيحيَين في إطار تشديده على خطورة الانشقاق وتصارع عقائد الخلاص.

هذه النظرة جعلت فلوروفسكي معارضاً شرساً لكل محاولات تفسير الانقسام بين المسيحيين بالإشارة إلى نماذج نفسية – ثقافية، سواء لتضخيم الانقسامات أو التقليل من أهميتها. فقد رفض كلّ الأفكار القائلة بتعذر تلافي الانقسامات ومعها الميل بالعودة إلى طرح صِلات مهمة بين الأحداث. فالجماعات المسيحية مكوّنة من أشخاص أحرار لذا لا ينبغي الاعتقاد بأن تاريخ العقائد يتبع أنماطاً منطقية كالاستدلال أو التطور العضوي. وعلى هذا الضوء بالتحديد، لا يمكننا التصرف وكأن الأحداث لم تقع بالرغم من أنه كان ممكناً تلافيها أو تخطيها، فالصراعات التاريخية ولّدَت في وقت لاحق عقائد كانت حاسمة في تقاليد محددة. في النهاية، كان لفلوروفسكي منظور تاريخي متغيّر لكنه قد يكشف توافقاً مقبولاً بشكل أوسع.

يرى فلوروفسكي أنّ المشكلة هي أن الانشقاق هو ظاهرة تناقض: الكنيسة واحدة أما العالم المسيحي فمقسوم. الإيمان بيسوع المسيح كإله ومخلّص يخلق رباطاً وجودياً مع أن الانقسامات ليست أقلّ وجودية، مشيراً إلى الافتراقات ليس فقط في المحبة ودستور الإيمان بل أيضاً في اختبار هذا الإيمان. في عبارة الإخوة المنقسمينيأخذ النعت الوزن نفسه الذي يأخذه الإسم. إن المسكونية الحقيقية تتطلّب لاهوتاً غير عادي.

يظهر التناقض الذي يراه فلوروفسكي في التمييز بين حدود الكنيسة القانونية والمواهبية. في مقال نشره في 1933 عنوانه حدود الكنيسة، رفض الميل لدى بعض الأرثوذكس نحو الإفراط في الصرامة والذي يؤدّي إلى إنكار بشكل قاطع وجود الأسرار خارج الحدود الشرعية. فقد اعتبر أن التدبير المتعلّق بتقبّل غير الأرثوذكسيين في الكنيسة رأياً لاهوتياً مشكوكاً فيه وليس تعليماً كنسياً. فيما يلجأ غالبية الشرقيين إلى القوانين وحسب، يدعو فلوروفسكي إلى مقاربة الموضوع على ضوء اللاهوت بشكل صحيح، ويوجّه اللاهوتيين الأرثوذكسيين إلى تبنّي لاهوت أوغسطين حول انشقاق الأسرار [3]. فالحدود القانونية لا يمكن إهمالها ما يعني أن الشركة في المناولة من دون شركة الإيمان مستحيلة. مع هذا، فالمشكلة المسكونية الأولى لدى فلوروفسكي تكمن في روما. على عكس لوسكي، يرى فلوروفسكي مسألة انبثاق الروح القدس (الفيليوكفيه) على أنها محض قانونية ويرفض محاولة إظهار أن البابوية تنبثق من الفيليوكفيه معتبراً هذا الاستنتاج غير ثابت تاريخياً. فبالنسبة له إن توليف النظرة اللاهوتية للثالوث لدى الكابادوكيين وأوغسطين غير مستحيل وأن الحاجز الأساسي هو ادّعاءات البابوية التي تعكس عقيدة خاطئة عن الكنيسة. ومع هذا فإن فلوروفسكي واضح في اعتباره أن روح الله ما يزال يتنفس في الكثلكة بينما يميّز في الإصلاح الفراق مع الكهنوت ونظام الكنيسة التاريخي.

فيما دفع فلوروفسكي الحوار المسكوني نحو الإكليسيولوجيا، أكّد أن الانقسامات القائمة تمتد إلى مجمل الإيمان بما فيه عقيدة الله والمسيح ومريم والإنسان وما يعني ذلك من فهم للتاريخ. لاحظ فلوروفسكي تاريخية مفرطة في الوعي التاريخي لدى الكاثوليك، وكأنّ صعود السيّد كان علامة خروجه من التاريخ وترك الساحة لنائبه ليحكم. على العكس لاحظ فلوروفسكي في البروتستانتية أخروية مفرطة فيها اختزال للتاريخ حيث يُعطى الجهاد الإنساني قيمة أدنى وتصير الأسرار رموزاً من العهد القديم وبالنتيجة لا يتمّ الاعتراف بالرؤية التاريخية للكنيسة. الطلاق الذي أقامه الإصلاح بين أورشليم وأثينا هو ابتعاد آخر أشار إليه فلوروفسكي في إطار دعوته للعودة إلى الرومية المسيحية التي تبنّاها آباء الكنيسة شرقاً وغرباً حيث يعطون الماورائيات المسيحية مكانها الصحيح بدلاً من ربط المعرفة بالإيمان بشكل مطلق على غرار ما قام به اللاهوتيون الجداليون.

اعتبر فلوروفسكي أن إنعاش اللاهوت الآبائي واسترجاعه هو أمر حاسم. من هنا يُفهَم انتقاده منذ 1937 للروس في تغرّبهم عن مصادرهم الليتورجية وقطع وثاقهم عن جذورهم في اللاهوت الآبائي كما لتبنّيهم روحية التقليد المذلّللغرب ما يجعل المواجهة المسكونية مستحيلة. البديل عند فلوروفسكي لم يكن الانعزال بل اللقاء الحرّمع الغرب، لقاءً يقوم على ما تمّ استعادته من الأرضية المشتركة على أساس اللاهوت الآبائي والمجمعي التقليدي، الذي تدّعي الأرثوذكسية الحفاظ عليه. إن هذه الرؤية تضمّ مفهومه للتحليل الآبائي الجديد والمسكونية الآنيةEcumenism in time” التي شدد عليها.

تبحث المسكونية الآنية الماضي المشترك في التقليد الرسولي سعياً إلى استعادة الفكر المشتَرَك“. من أهمّ لحظات الفرح عند فلوروفسكي كانت قرار لاند Lund في 1952 بسحب الأسلوب اللاهوتي المقارَن الطائفي لصالح مقاربة أكثر تاريخية. هدف فلوروفسكي كان عودةً مسكونيةً إلى الإيمان الكامل والترتيب الرسولي في كنيسة المجامع المسكونية السبعة الجامعة الرسولية بما ينتِج الوحدة المنشودة. لا ينبغي أن تُفهَم هذه الوحدة بشكل أخروي وحَسب، لأنها موجودة كحقيقة تاريخية مستمرّة. الأرثوذكس ملزَمون بالاعتراف بقناعتهم بأن الكنيسة حفظت الإيمان الرسول بشكل كامل. بيان أوبرلين (1957) الذي كتبه فلوروفسكي يفصّل هذه النقاط. جدير بالذكر أن هذا البيان ما يزال أفضل تعابير فهم الذات الإكليسيولوجي عند الأرثوذكس في الحركة المسكونية.

هدف هذا البحث هو تسليط الضوء على مثال بات العالم اﻷرثوذكسي يفتقده. فالحركة المسكونية اليوم، وتحديداً مجلس الكنائس العالمي، انحرفت كثيراً عن ما خطط لها مؤسسوها ومنهم الأب جورج فلوروفسكي. لقد بات ممثلو الأرثوذكسية في الحوار المسكوني مسكونيين أكثر منهم أرثوذكسيين. لم يعد الحضور الأرثوذكسي في مجلس الكنائس وغيره من المحافل المسكونية يحمل أيّ شهادة، بالتالي لا يحمل أيّ تأثير. من هنا ضرورة العودة إلى المثال الأول حيث الحضور يعني الشهادة، وهذا ما يستدعي إيجاد قنوات حوار جديدة غير المجالس التي انحرفت وهي تجرف أعضاءها معها.

مراجع

Matthew Baker. Neopatristic Synthesis and Ecumenism: Towards the “Reintegration” of Christian Tradition. http://www.fellowshipofstmaximos.org/wp-content/uploads/2014/07/ Baker_FINALVer___16_VI_12.docx3-libre.pdf

Matthew Baker and Nikolaos Asproulis, ‘Secondary Bibliography of Scholarly Literature and Conferences on Florovsky’, in ΘΕΟΛΟΓΙΑ: The Journal of the Holy Synod of the Church of Greece, 81/40, Vol. 4 (2010), pp. 557–396.

[1] تأسست جمعية القديسين ألبان وسرجيوس سنة 1928 لتشجيع التلاقي بين المسيحيين، خاصة الأنكليكان والأرثوذكس. أخذت اسمها من القديسي ألبان أول شهد اء بريطانيا والقديس سرجيوس رادونيج شفيع روسيا. حالياً مركزها أوكسفورد في بريطانيا ولها فروع في بلغاريا والدانمارك واليونان ورومانيا وروسيا والسويد. تصدر Sobornost وهي دورية مهمّة كما تنظّم مؤتمراً سنوياً حول شؤون تهمّ المسيحيين.

[2] انعقد مؤتمر اﻹيمان والنظام في أدينبرغ بين 3 و18 آب 1937، أهدافه العمل على إعلان وحدة كنيسة يسوع المسيح ومخاطبة الكنائس للعمل نحو الوحدة المنظورة في الإيمان والإفخارستيا المعبّر عنها في العبادة والحياة المشتركة في المسيح”.

[3] يقوم ﻻهوت أوغسطين اﻷسراري على التمييز بين قانونيتها وفاعليتها. ما أراد فلوروفسكي تطبيقه هو هذا الفصل بين قانونية الأسرار في الغرب والتي يعترف بها الشرق ولكن فاعليتهاهي الناقصة بفعل الانشقاق وابتعاد الغرب عن الخبرة اﻷصيلة التي حفظها الشرق.