السنة الحادية عشرة – العدد الثاني – تشرين الثاني 2014

السنة الحادية عشرة – العدد الثاني – تشرين الثاني 2014

مختارات آبائية

سقطة الإنسان

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

الأخلاق والتكنولوجيا

القديس نيقولاي فيليميروفيتش

عظة

بالنـّعمة يصير الإنسان مسكنًا للسّماء

الأرشمندريت توما بيطار

أبطال روحيون

القديس بورفيريوس الكافسوكاليفي، شفيع العلم والتكنولوجيا

خريستودولوس بروتاباس

لاهوت

أهمية الآباء القديسين في اللاهوت الأرثوذكسي

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

حياة روحية

موقف الشكر

الأب تداوس هاردنبروك

افتداء الوقت والزمان الشرير

الأب أنطوان ملكي

قصتان ميلاديتان

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع – دده، الكورة

سقطة الإنسان

سقطة الإنسان

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

السقوط كان نتيجة عدم الخبرة ولامبالاة الإنسان المخلوق من الله. هذه جعلته يهمل اتحاده الشخصي وشركته مع الله الآب. وعملياً عدم الخبرة واللامبالاة جعلته يخون هذا الاتحاد مقتنعاً بأن بمقدوره أن يزهو بنفسه. لهذا يُنظَر إلى السقوط ويُسمّى على أنّه انفصال وانسحاب كل المخلوقات عن علّة الخليقة الأول، أي الله. الكون، بحسب الإعلان الإلهي، هو نتيجة وبالتالي لا وجود له من ذاته، بل هو موجود لأنه يسهِم في القوة والتدبير الإلهيين. وعليه، إذا انقطع ما هو مخلوق عن قوة الله الجامِعة فهو يتلَف ويموت.

إن تخلّي الكائنات عن الله أنتج كارثتين متساويتين بالقوة. الأولى هي الوقاحة ضد الله والارتداد عنه. الثانية هي الانفصال عن مصدر الحياة الأبدية الذي هو السبب الوحيد للوجود والتماسك. الإساءة نفسها سببت كارثة في الطبيعيتن البشرية والملائكية. لقد فقد الملائكة ليس معناهم وحسب، بل تغيّروا من الكائنات الأكثر جمالاً إلى وحوش مرعِبة وصاروا مثيرين للرعب والارهاب، من دون أيّ نيّة في التوبة أو العودة.

ومع أن الإنسان، الذي وقع ضحية الخبث الشيطاني، فقد حالة شِبه الإله ونُفي إلى الأرض، إلى وادي الدموع، إلا إنّه لم يفقد ميزة التوبة التي قد تحثّه على العودة.

الأخلاق والتكنولوجيا

الأخلاق والتكنولوجيا

القديس نيقولاي فيليميروفيتش*

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

في الأصل، الدين كان أمّ الأخلاق والتكنولوجيا. أولاً وقبل كل شيء، الدين كان نبعاً متدفقاً من أعماق مخفية، والأخلاق كانت نهراً حاملاً الحياة، والتكنولوجيا بمساعدة القنوات الفنيّة حملت المياه من هذا النهر إلى شرايين حياة الإنسان.

الله أعلن للإنسان ناموس الإيمان وناموس السلوك ومعرفة التكنولوجيا. بإرشاد الله، بنى نوح فلكاً أبحر في واحدة من أطول الرحلات في تاريخ الإبحار. بإلهام الله، امتلأ بَصَلْئِيل “بِالْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَكُلِّ صَنْعَةٍ، لاخْتِرَاعِ مُخْتَرَعَاتٍ لِيَعْمَلَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالنُّحَاسِ، وَنَقْشِ حِجَارَةٍ لِلتَّرْصِيعِ، وَنِجَارَةِ الْخَشَبِ، لِيَعْمَلَ فِي كُلِّ صَنْعَةٍ” (خروج 1:31-11). على المنوال عينه، هيكل سليمان الذي هو أحد أعظم العجائب الهندسية في العالم القديم، بناه الناس الذين علّمهم الروح القدس وقادتهم يد الرب. هذه شهادة الكتاب المقدس.

الله كان سبب الإيمان الحقيقي والسلوك الحَسَن ومعرفة التكنولوجيا بين الناس. فيما أحسّ البشر باستمرار بأن الله فوقهم وأمامهم ومن حولهم على منوال الإحساس بالهواء والنور، فقد أعادوا الفضل بإنجازاتهم التكنولوجية واليدوية إليه وهو إلههم وخالقهم. عندما صار الإحساس بحضور الله بليداً وأظلمت الرؤية الروحية، أي عندما دخل الغرور إلى التجار والتقنيين، وابتدؤوا يحصرون التمجيد بذواتهم  بسبب أبنيتهم وأعمالهم اليدوية والفكرية، وابتدؤوا يسيئون استعمال عملهم، عندها ابتدأ ظلّ اللعنة يخيّم على التكنولوجيا.

كثيرون يتذمرون من التكنولوجيا. كثيرون يحمّلون التكنولوجيا الحديثة مسؤولية كل ويلات العالم. هل التكنولوجيا هي حقاً مَن يُلام أم أولئك الذين يخترعونها ويستعملونها؟ أيُلام صليب خشبي إذا صُلب أحدهم عليه؟ أتُلام المطرقة إذا استعملها أحدهم ليحطّم جمجمة أخيه؟ لا تحسّ التكنولوجيا بالخير ولا بالشرّ. إن نفس الأنابيب يمكن استعمالها لجرّ مياه الشرب أو المياه الآسنة. لا يأتي الشر من عدم الحس، أي من التكنولوجيا الميتة، بل من القلوب الميتة عند البعض.

الفلك العجيب الذي كان لخلاص نوح وللجنس البشري الجديد الذي كان مزمعاً أن يولَد، بناه نوح وهو واعٍ تماماً لحضور الله ومن دون أي غرور. بضمير مظلم من جهة حضور الله، اتفق البشر فيما بينهم ممتلئين بالغرور “هَلُمَّ نَبْنِ لأَنْفُسِنَا مَدِينَةً وَبُرْجًا رَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ. وَنَصْنَعُ لأَنْفُسِنَا اسْمًا”. هذا كان بناء برج بابل. عندما انتهى الملك سليمان من بناء هيكل الله العظيم، رفع يديه إلى السماء وصرخ باتّضاع: “هُوَذَا السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ لاَ تَسَعُكَ، فَكَمْ بِالأَقَلِّ هذَا الْبَيْتُ الَّذِي بَنَيْتُ”. هذا الهيكل العجيب دام أحد عشر جيلاً. دُمِّر إلى غبار ورماد عندما حوّله الكفّار نسل سليمان الملك بأعمالهم من “بيت للصلاة إلى بيت للتجارة”.

لم يثبت هذا الهيكل لقرون بسبب التكنولوجيا، ولا التكنولوجيا تُلام لاختفائه عن وجه الأرض. التكنولوجيا صمّاء بكماء ولا تقدم أجوبة. إنها تتبع الأخلاق بشكل كامل كما تتبع الأخلاق الإيمان. معروفة جيداً قصة الملك نبوخذنصّر الذي بنى مدينة بابل بالقصور والأبراج المعلّقة ببراعة تكنولوجية وجمال لم يعرف لهما العالم مثيلاً في ذلك الزمان. تطلّع الملك إلى المدينة التي بناها من على سقف قصره وقال بغرور “أليست هذه هي بابل العظيمة التي بنيتها بنفسي كمنزل ملَكي بقدرتي ومجد جلالتي؟” وفيما هو يتفوّه بهذه العبارات المتغطرسة، ضربه الله بالجنون وصار مجنوناً، وفي الجنون عاش لسبع سنوات كمثل وحش بين وحوش الغابات. مدينته بابل العظيمة صارت كومة من الأنقاض ، صحراء قاحلة لا ساكن فيها، تماماً كما تنبأ النبي إرمياء (إرمياء 37:51).

حيثما يتلاشى خوف الله ويُداس ناموس الله الأخلاقي، هناك يقع جبل التكنولوجيا البشرية في الغبار التي منها بُني. هكذا برج إيفل وكاتدرائيات إلمانيا وناطحات السحاب الأميركية، أبراج التكنولوجيا والهندسة البشرية، سوف ينهار إلى غبار لا شكل له، ومعهم بعض المسيحيين الذين يحاربون الله ويعدّون كل تدابير الغرور والخطيئة… لماذا الكثير من الحضارات المجيدة مدفونة في الأرض ومن فوقها يحرث الحارثون الأرض من دون أن يدركوا أن أبراجهم وعظامهم هي تحت الأرض المحروثة؟ لماذا كل مباني اليونانيين الرخامية العظيمة لم يبقَ منها إلا الأكروبول؟

كيف تجرأت الأرض على أن تخفي عن الشمس وأعين الناس الهياكل في بعلبك ومصر، كما مدن تاباتا وبرسوبوليس وصور وصيدا وطروادة، التي عليها ترعى الأبقار بسلام وتخور الخنازير ويبني الرعاة إسطبلات من الرخام المنتشر؟ لماذا مدن الملك مونتيزوما المتغطرسة وهياكله وقلاعه تندثر من دون أي أثر؟ أيضاً ممالك الإنكا والبيروفيين المتعلّمين؟ أي يدٍ لا ترحم دحرجت أكواماً من الوحل على هذه الإنجازات البشرية وهي بقوتها وتصميمها وجمالها يمكن أن تضاهي أفضل الأبنية الحديثة؟

لماذا يوجد تقطعات ولا يوجد استمرارية في حضارات الجنس البشري؟ لأن أياً منها ليس مرضياً للإله الحقيقي الوحيد. أيٌّ من هذه الحضارات المدفونة لم تتدمر بفعل الزمن أو بسبب النقص في تكنولوجيات البناء المتينة، بل بالخطيئة ضد الإيمان والأخلاق الإلهية. عدم استقرار الأخلاق لا التكنولوجيا هو مَن دفنهم في ظلمة عميقة.

“وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومَ الْمُرْتَفِعَةَ إِلَى السَّمَاءِ! سَتُهْبَطِينَ إِلَى الْهَاوِيَةِ”. لقد تمّت هذه النبوءة التي تنبّأ بها المسيح في الأيام التي كانت فيها كفرناحوم تشعّ بالمجد كمثل المدن في القصص الخيالية بالقرب من بحيرة. لقد تحققت بشكل مخيف، حتّى أنه عندما يجد نفسه أحد المسافرين بين الأشواك والأفاعي حيث في يوم من الأيام رفعت نفسها مدينة كفرناحوم بفخر، يتساءل مرتعباً “أهو معقول أن هذا المكان الكريه كان في يوم ما مكان سكنى للبشر؟”

الأخلاق، أي الأخلاق الإنجيلية، تدوم ولا تتبدّل، بينما التكنولوجيا تتبدّل دائماً. الأخلاق هي مثل سيدة والتكنولوجيا مثل خادمتها. لهذا على الأخلاق أن تتحكم بالتكنولوجيا. القيَم الأزلية هي أرضية الأخلاق لا التكنولوجيا. إنه لمدمّر لشعب بأكمله أن يضع الناس هدف حياتهم في التكنولوجيا، وأن يضحّوا بكل عملهم وعرقهم لتقدم التكنولوجيا، جارّين الأخلاق وراءهم، كما جرّ أخيل رأس هيكتور معلقاً بعربة. إن أشخاصاً مثل هؤلاء يمكن أن ينجحوا في بناء كل مدنهم من عاج وذهب، ولكن إن عاش فيها أشخاص مثل آخاب وزابيل فسوف تكون الكلمة الأخيرة للكلاب لا للبشر. بين الشرف والمهارة يسهل الاختيار. إن رجلاً أميناً من غير مهارات أكثر احتراماً في زماننا من رجل ماهر بلا أمانة.

إن التكنولوجيا تغيّر علاقة الإنسان مع الطبيعة لكن ليس مع الله والإنسان. كلّ مَن يفكّر خلاف ذلك يعطي قيمة للأشياء أكثر من الناس، وللتراب أكثر من الروح. إن أكثر المآسي رعباً في زماننا هي الحرب بين البشر والله. الله يريد أن يرفع ويعلّي هوية الإنسان فوق المادية البكماء التي لا حياة لها، بينما البشر يريدون أن يدفنوا هويتهم وينسوا خالقهم ويجعلوا التكنولوجيا والثروة المادية هدفَ حياتهم الوحيد. كثيرون من المعوقين روحياً وأخلاقياً بعدم إيمانهم بالمسيح يخلقون من التكنولوجيا الحديثة أصناماً يعبدونها ويدعون غيرهم والأمم لتقديم الضحايا لهذه الأصنام.

* قديس صربي عاش في النصف الأول من القرن العشرين وتوفي سنة 1956 أعلنت قداسته الكنيسة الصربية سنة 2003، يعيّد له في الخامس من أذار.

بالنـّعمة يصير الإنسان مسكنًا للسّماء

بالنـّعمة يصير الإنسان مسكنًا للسّماء

الأرشمندريت توما بيطار

“يشبه ملكوت السّموات حبّة خردل”. ملكوت السّموات لا يمكننا أن نعرفه مباشرة، بل نعرفه تشبيهًا. الرّبّ الإله يعطينا أن نعرف شـِبه الأسرار الإلهيّة بلغة بشريّة، ويعطينا أن نعرف شـِبه الحقائق الإلهيّة بصور بشريّة. أوّلاً، علينا أن نفهم أنّ لفظة “ملكوت” معناها مملكة. ملكوت السّموات لا يشبه ممالك الأرض. المملكة الأرضيّة هي عبارة عن رقعة من الأرض فيها سكّان، وفيها ملك، وللملك جنود، وخدّام، وعمّال، وهناك نظام يفرضه الملك على شعبه في إطار هذه المملكة، بحيث يفرض سلطانه، ويتيح للشـّعب أن يكون منتظمًا في عيشه، وأن يكون مواليًا له. ملكوت السّموات ليس كذلك. أوّلاً، الرّبّ الإله لا يقيم في مكان ما. لا يقيم في موضِع، لأنّه هو المالئ الكلّ. إذًا، لا يمكن أن يكون هناك موضع يسع الرّبّ الإله. لذلك، حين نقول “ملكوت”؛ فمن جهة الله، نقصد الله نفسه. من جهة الله، لا فرق بين الملك والملكوت. أمّا من جهة الخليقة، فالرّبّ الإله ارتضى أن يقيم في الخليقة، ارتضى أن يقيم في الإنسان، مثلاً. ارتضى أن يقيم في مكان ما على الأرض، في أورشليم. وهو، وإن كان قد فعل ذلك، في وقت من الأوقات؛ فإنّ الأمر ليس، بعد، كذلك. المكان الّذي اختاره الرّبّ الإله ليقيم فيه، على الأرض، هو قلب الإنسان. إذًا، هذا هو الملكوت، من جهتنا نحن كبشر. وإذا أردنا أن نحدّد معنى ملكوت السّموات، بالنّسبة إلينا نحن البشر؛ فإنّنا نقول: ملكوت السّموات هو الله فينا. ومن هنا استعمال التّعبير “في المسيح”، أو التّعبير “في الحقّ”، مثلاً، أو غيرهما. هذه تعابير أخرى لكون الله ارتضى أن يسكن فينا.

هنا، يشبّه الرّبّ ملكوت السّموات – طبعًا يشبّهه للآدميّين، للبشر؛ بكلام آخر، يحاول أن يصف ملكوت السّموات في واقعه بين البشر – بـ”حبّة خردل أخذها إنسان، وألقاها في بستانه، فنمت وصارت شجرة عظيمة، واستظلّت طيور السّماء في أغصانها”. هذا هو السّرّ الإلهيّ، الّذي يفوق كلّ مدارك الإنسان: أنّ الرّبّ الإله ارتضى أن يقيم في المخلوقات! المخلوقات، بالنّسبة إلى الله، هي كلا شيء، لأنّها آتية من العدم. هي صغيرة جدًّا جدًّا، بمعنى أنّها تافهة في حدّ ذاتها، لا قيمة لها في حدّ ذاتها، على الإطلاق. ومحبّة الله فعلت هذا الأمر. الرّبّ الإله جعل نفسه، بالنّسبة إلينا نحن البشر، في متناولنا؛ وجعل نفسه، في الحقيقة، من الصِّغَر بحيث لا يلاحظه الإنسان. حبّة الخردل، إذا كانت، في مفهوم القدامى، أصغر الحبوب؛ فهذا معناه أنّ الإنسان قَلَّما ينتبه لها، قَلَّما يلاحظها. ومع ذلك، الرّبّ الإله أعطى نفسه للبشر بهذا الصِّغَر. لكن، علينا أن نفهم أنّ الرّبّ الإله هو الّذي أخذ المبادرة. يقول الإنجيل: “أخذها إنسان، وألقاها في بستانه”. الإنسان، هنا، هو الله. وبستان الله هو قلب الإنسان. إذًا، الرّبّ الإله جعل نعمته، كمثل حبّة الخردل، في قلب الإنسان. هذا، في الحقيقة، ما نأخذه بالمعموديّة، بالأسرار الإلهيّة، بكلمة الله، بالصّلوات… كلّ هذا يجعل أنّ “حبّة الخردل – النّعمة الإلهيّة” تأتينا، بشكل غير ظاهر بالكلّيّة، لتقيم فينا. ثمّ نمت حبّة الخردل. النّعمة فينا تنمو، والرّبّ الإله جعل نعمته كما لو كانت خاضعة لناموس الطّبيعة البشريّة. وفق الطّبيعة البشريّة، الإنسان ينمو. يكون طفلاً، ثمّ ينمو ويكبر. القوى الّتي فيه تتفتّح، إلى أن تبلغ مـِلأها بالنّضج. هكذا، النّعمة الإلهيّة تكون موجودة فينا، إنّما بشكل غير ملحوظ. لكن، كلّ قوى الملكوت، كلّ قوى الله تكون في هذه النّعمة، في هذه الحبّة، حبّة الخردل، الّتي تنمو مع الإنسان. الرّبّ الإله لا يشاء أن يأتينا كمـِن الخارج، بل يشاء أن يأتينا كمـِن الدّاخل. إذًا، يعطينا أن تنمو نعمته فينا باتّباع المسار نفسه الّذي للطّبيعة البشريّة. كلّما نما الإنسان، كان بإمكان النّعمة الإلهيّة أن تنمو بالمقدار عينه. لكن، إذا جعل الرّبّ الإله النّعمة الإلهيّة خاضعة لناموس النّموّ، لتكون موافقة للإنسان، ووفق طبيعة الإنسان؛ فإنّها، طبعًا، لا تنمو وفق المعطيات الّتي تنمو على أساسها الطّبيعة البشريّة. الطّبيعة البشريّة تنمو، بلا شكّ، وفقًا لمسار آليٍّ ميكانيكيّ، بمعنًى من المعاني. الإنسان يكون جنينًا، ثمّ يخرج مولودًا جديدًا، وفيه كلّ مسارات النّموّ: أعضاؤه تكبر، بصورة تلقائيّة… النّعمة فينا لا تكبر، بصورة تلقائيّة. لكن، إذا تمّ تعهُّدُها من قبل الأهل، وبصورة خاصّة، من قبل الكنيسة؛ فبإمكانها أن تنمو وتتفتّح، بحيث ترافق ما يمكن اعتباره نموًّا آليًّا، أو تلقائيًّا، للطّبيعة البشريّة. لهذا، إذا كان علينا، نحن كأهل، أن نُطعم أطفالنا الأطعمة المناسبة، وأن نؤمّن لهم الدّفء، والنّظافة، والصّحّة؛ فعلينا، في آن معًا، أن نؤمّن لهم ما يجعل النّعمة الإلهيّة فيهم تنمو. من هنا أهمّيّة العائلة المسيحيّة، وأهمّيّة التّربية المسيحيّة. نحن علينا أن نتعهّد النّعمة الإلهيّة في أولادنا، بالصّلاة من أجلهم، بالصّوم من أجلهم، باستعمال كلّ ما تتيحه لنا الكنيسة: نمسح أولادنا بالزّيت؛ ونصلّي عليهم؛ وبعد أن نعمّدهم بالماء والرّوح، نضعهم في جوّ الصّلوات الكنسيّة؛ ونعطيهم أن يساهموا القدسات؛ وننتبه لكلّ تفصيل يمكن أن يساعد النّعمة الإلهيّة على أن تنمو فيهم، كمثل محبّتـِنا لهم، تعهّدِنا لهم، لطفـِنا معهم، صبرِنا عليهم، الرّفقِ الّذي نعاملهم به، اسمِ الرّبّ يسوع الّذي نذكره على كلّ شيء نفعله لهم، كأن نصلّي من أجلهم قبل أن نطعمهم مثلاً، ونصلّب على الطّعام، وعلى اللّباس، وعلى كلّ شيء يخصّهم… نحيطهم، بمعنًى من المعاني، بجوّ من العناية الرّوحيّة؛ بالإضافة، طبعًا، إلى الجوّ الّذي نحيطهم به، إذ نعتني بهم جسديًّا ونفسيًّا، أيضًا. إذًا، بهذه الطّريقة، تنمو النّعمة فيهم، كما تنمو أعضاؤهم، وكما تنمو عقولهم. ويكون نموّ النّعمة الإلهيّة على قدر نموّ الأطفال الجسديّ والنّفسيّ. بكلام آخر، النّموّ الرّوحيّ، بالنّسبة إلى الأطفال، لا يكون أكبر من نموّهم كأطفال. هذا واضح، في الحقيقة، في ما جرى للرّبّ يسوع. الرّبّ يسوع، حين كان طفلاً، كانت النّعمة فيه في مستوى طفولته البشريّة، ولم تكن أكبر من مستواه الطّفوليّ البشريّ. طبعًا، بعض الكتابات الأبوكريفيّة يحاول أن يصف الرّبّ يسوع بأنّه كان يصنع المعجزات، حين كان طفلاً. نحن لا نقول بذلك، أبدًا. لهذا السّبب، النّصّ الكتابيّ يقول عن الرّبّ يسوع إنّه كان ينمو في النّعمة والقامة. شيء ممّا حصل للرّبّ يسوع يُفترَض أن يحصل لكلّ واحد من أبناء الإيمان بالرّبّ يسوع.

إذًا، نمت حبّة الخردل، نمت النّعمة الّتي دخلت في حياة الإنسان، في قلب الإنسان، وكانت طفيفة جدًّا، كانت ضعيفة جدًّا، بمعنى من المعاني، على الأقلّ في مستوى الظّاهر البشريّ؛ نمت وصارت شجرة عظيمة، واستظلّت طيور السّماء في أغصانها. كلّ قوى الملكوت موجودة في هذه الحبّة الصّغيرة، في هذه النّعمة الصّغيرة، الّتي تُعطى للأطفال. وتنمو هذه النّعمة وتكبر، إلى أن تصير شجرة عظيمة. الشـّجرة علامة الخصب. وحين نقول “شجرة عظيمة”، نقصد، في الحقيقة، أنّ النّعمة قابلة لأن تبلغ حدّها الأقصى من الخصب، في حياة الإنسان. هنا، يقول النّصّ إنّ الشـّجرة عظيمة. لا يقول عنها إنّها كبيرة! وكأنّما الرّبّ الإله شاء أن يعبّر عن شيء جديد جدًّا يحدث للإنسان، من جرّاء تفتّح النّعمة الإلهيّة فيه. فالقول إنّ حبّة الخردل تصير شجرة عظيمة يشير، في الحقيقة، إلى أنّ الإنسان يصير مسكنًا للسّماء؛ أو، بكلام آخر، يصير سماءً، أو يصير ملكوتًا، والله يسكن فيه بالكامل! طبعًا، يسكن فيه بروحه القدّوس، يسكن فيه بنوره غير المخلوق. الله لا يسكن في الإنسان جزئيًّا، بل يسكن فيه كلّيًّا. في الأساس، لا يمكننا الكلام، أبدًا، على كون الله يمكن أن يُجزَّأ. الله لا يُجزَّأ. إمّا أن يكون الله بالكامل في الإنسان، أو لا يكون. هنا، الشـّجرة العظيمة هي أنّ الله يكون بالكامل في الإنسان. وكما قلت، يكون فيه بروحه، بنوره غير المخلوق، وهو ما أُعطي لنا. طبعًا، نحن، كما يقول القدّيس غريغوريوس بالاماس، لا يمكننا أن نعرف الله بجوهره. هذا ليس مُعطًى للخليقة، على الإطلاق. لكنّنا أُعطينا أن نعرف الله بنوره، بإشعاعه. وإشعاعه يشعّ منه، من شخصه، من جوهره، لأنّه غير مخلوق. مثلاً، أنا أتطلّع، الآن، إليكم. وأنا لا أعرف جوهر أحد منكم. لكنّني أعرف كلّ واحد منكم: أعرفه بالنّظر، أعرفه باللّمس، أعرفه بالتّعامل. إذًا، هناك ما هو مُعطًى للإنسان أن يعرفه. وما هو مُعطًى للإنسان أن يعرفه، من جهة الله، هو هذا، بالضّبط: أن يعرف اللهَ بنوره غير المخلوق. وهذا، بالنّسبة إلينا، يعادل، تمامًا، القول إنّنا نعرف الله كما هو؛ لأنّ نور الله لا ينفصل، أبدًا، عن الله؛ ولا ينفصل، أبدًا، عن جوهر الله.

لكن، هناك تمييز بين جوهر الله ونور الله. الله يشعّ في حياتنا. بكلام آخر، يعطينا ذاته؛ إنّما يعطينا ذاته كنور، يعطينا ذاته كمحبّة، يعطينا ذاته بكلّ ما في الكلمة من معنى. في القديم، كان مَن يرى الله يموت. أمّا الآن، فقد صار الإنسان يرى الله ولا يموت. وحين نقول “رؤية” نقول “نور”. النّور له علاقة بالعين. الآن، بتنا نرى الله ونعيش؛ وبات النّور هو ما يحيينا، ما يعطينا حياة أبديّة. والكلام على حياة أبديّة هو كلام، أيضًا، على كون النّور الإلهيّ، النّور غير المخلوق، ساكنًا فينا. كلّ هذا له علاقة بالشـّجرة العظيمة، الّتي يضيف الرّبّ الإله، في كلامه عليها، هذا القول: “واستظلّت طيور السّماء في أغصانها”. على أيّة طيور يتكلّم؟! في الحقيقة، يتكلّم على الملائكة. الملائكة، حين يستظلّون في هذه الشـّجرة، يختبرون ما لم يعرفوه من قبل. طبعًا، قبل أن يُخلَق الإنسان كان الملائكة. والملائكة يغتذون من نور الله، من حضور الله فيهم. هذا لا شكّ فيه. لكنّ الحدث الأعظم، في التّاريخ، هو أنّ الرّبّ الإله صار إنسانًا. الله لم يصـِر ملاكًا. لكنّه أعطى الإنسان أن يصير إنسانًا مثله. واستمدّ الرّبّ الإله إنسانيّته من الإنسان نفسه! فإذا كان الرّبّ الإله قد لبس إنسانيّتنا، فهذا هو أعظم الأسرار، في الحقيقة. وبهذا الحدث، صار الإنسان أعظم من الملائكة. لذلك، الملائكة، بإزاء ابن الله المتجسّد، كانوا في حالة دهش؛ وبإزاء والدة الإله، هم في حالة دهش مستمرّ. نقول عن والدة الإله: “يا مَن هي أكرم من الشـّيروبيم، وأرفع مجدًا بغير قياس من السّيرافيم”. لماذا؟! لأنّ ابن الله تجسّد! وهذا، ما حصل لوالدة الإله، يحصل لنا بقوّة الامتداد. هذا يمتدّ إلينا، لأنّ الرّبّ الإله ارتضى أن يقيم فينا، أن يسكن فينا، كأنّ الكلام هو على البشريّة جمعاء. فبالنّسبة إلى البشريّة جمعاء، تستظلّ طيور السّماء في أغصانها، في أغصان البشريّة الجديدة، الّتي ارتضى الرّبّ الإله أن يتّخذ جسدها، وأن يقيم فيها بالكامل. طيور السّماء تأتي وتستظلّ في أغصانها بمعنى أنّها تأتي لترتاح وتتعزّى بهذا الحدث العظيم. الملائكة يتعزّون كثيرًا بحدثِ أنّ ابن الله قد صار إنسانًا، وأنّ البشريّة باتت ملكوت السّموات، بمعنًى من المعاني.

كلّ هذا، يا إخوة، يجعلنا، في الحقيقة، نقف قدّام السّرّ الرّهيب بدهش وشكران. الإنسان، في الحقيقة، يصدّق ولا يصدّق، لأنّ ما يصدّقه أكبر بكثير من أن يستوعبه عقل. لكنّ هذا، بالضّبط، هو ما حدث. يأتينا ملكوت السّموات صغيرًا كحبّة خردل؛ وبعد ذلك، يتحدّث الرّبّ عن تشبيه آخر: يأتينا كخميرة، أي كشيء مخفيّ، غير ظاهر، في الحقيقة، إلاّ للّذين يتفاعلون مع هذه الخميرة بالإيمان. إذ ذاك، يختمر كلّ العجين، ويُمسي الإنسان كلّه مساويًا لملكوت السّموات. من قـِبَل الرّبّ كان هذا، وهو عجيب في أعيننا.

آمين.

عظة حول لو13: 19- 29 في السّبت 11 كانون الأوّل 2010

القديس بورفيريوس الكافسوكاليفي، شفيع العلم والتكنولوجيا

القديس بورفيريوس الكافسوكاليفي، شفيع العلم والتكنولوجيا

خريستودولوس بروتاباس*

نقلته إلى العربية جولي عطية

إلى اليوم، ما من قديس بين الذين يضمّ سنكسار الكنيسة الأرثوذكسية سيرهم، أدّى دورًا على صعيد التكنولوجيا مثل القديس بورفيريوس الكافسوكاليفي. إن حكمة النعمة الإلهية التي اقتناها القديس بورفيريوس كانت فريدةً، والأسلوب الذي اجترح فيه عجائبه في حياته وبعد رقاده كان هامًّا، فتركنا نحن “علماء التكنولوجيا مذهولين”، كما تقول الكنيسة الأرثوذكسية بحقٍّ.

الجدير بالذكر أنّ القديس بورفيريوس عاش في زمن كانت فيه التكنولوجيا تتطوّر بسرعة مع علوم متنوعة أخرى، إلى درجة أنّ بعض المفكرين الأرثوذكسيين في زمانه بدأوا يعتبرون التطوّر التكنولوجي شرّيرًا وخبيثًا.

خلال الثلاثين سنة الأخيرة من حضور القديس بورفيريوس على الأرض، خطت التكنولوجيا خطوات مهمة: مشى الإنسان على القمر، وطوّر الراديو والتلفزيون والطب وتكنولوجيا النانو، انطلقت الأبحاث في الجسيمات الأولية elementary particles وفي المعلوماتية وتكنولوجيا المعلومات، إضافة إلى استطلاعات تسجيل الزلازل seismographic surveys وعلم الفلك وتكنولوجيا المواد technology of materials…

ولقد جرت حوادث عدّة حيث زار علماء مشهورون القديس بورفيريوس، ليصفوا له ببهجة وليعلنوا له بكبرياء أحد اكتشفاتهم العلمية، فأصبحوا عادمي النطق جرّاء ملاحظاته العلمية ونصائحه وإضافاته على البحث العلمي المتقدّم.

جاءه علماء فلك ليطلعوه على ما اكتشفوا من كواكب بواسطة التلسكوبات الفلكية الضخمة، فأرشدهم إلى اكتشاف كواكب أخرى أكثر أهمية ملاصقة لتلك التي اكتُشفت سابقًا. كما زاره أساتذة في الطب ليخبروه بفرح وحماسة عن طريقة طبية متخصّصة ومبتكَرة لمعالجة مرض، فأمسوا بكمانًا عندما صحّح لهم أبحاثهم بتعابير طبية متقدّمة ومصطلحات علمية أخرى.

وعندما وصل الراديو الخاص إلى اليونان، عبّر بعض الكهنة عن شكّ تجاه إنشاء إذاعة راديو كنيسة اليونان وتشغيلها، لكنّ القديس بورفيريوس اغتبط مثل ولد صغير بمثل هذا التطوّر، وكان يحمل يوميًّا جهاز راديو ليستمع إلى إذاعة الكنيسة.

سُجِّلت عجائب عدّة حيث، بعون الله، رأى القديس بورفيريوس وهو حيّ الطبقات الجيولوجية تحت الأرض، وعرفها أفضل من أيّ باحث في الزلازل، ورأى المجرّات والكون كلّه أفضل ممّا تراه التلسكوبات الفلكية الأكثر تقدّمًا، ورأى الخلايا وفيروسات الأمراض بتفصيل أكثر من أفضل المجاهر الإلكترونية.

في بداية سنة 1990 وقبل رقاده بوقت قليل، تنبّأ بالثورة التي ستجلبها شبكة الانترنت إلى البشرية. كان يقول: “كم سيكون جيّدًا أن تتكلّم الحواسيب بعضها مع بعض”. وإنّ عظمة الانترنت ترتكز فعلاً على هذه الميزة والوظيفة، حيث تتكلّم الحواسيب بعضها مع بعض في شبكة ضخمة متطورة.

مع ذلك، برأيي إنّ أعظم معجزة سُجِّلت للقديس بورفيريوس وأكثرها فرادة، وهي التي صدمت علماء التكنولوجيا والفيزياء، هي عندما قصّر الوقت، ليس لبعض أجزاء الثواني، الأمر الذي يناضل علماء الفيزياء لفعله اليوم بناء على نظرية النسبية وفيزياء الطاقة العالية، لكن لمدّة ساعة. في إيماننا المسيحي الأرثوذكسي، هناك إشارة واحدة إلى معجزة مماثلة تتعلق بالتدخل في الوقت، وهي في العهد القديم، حيث رفع يشوع بن نون يديه بشكل صليب ليثبّت الشمس، حتى يطول النهار للإسرائيليين فينتصروا على تلة جبعون. الاختلاف في حادثة القديس بورفيريوس هو أنّ تغيير الوقت حدث فقط بالنسبة إلى مجموعة من الراهبات، لا بالنسبة إلى العالم كلّه. يمكن أن يتم هذا التقليص للوقت بتطبيق نظرية النسبية على شيء يتحرك بسرعة أكبر من سرعة الضوء. وكوني تقني وعالم، هذا يجعلني عاجزاً عن الكلام لأنّ حتى ذلك لا يمكن أن يحدث إلا إذا كانت الجسيمات متكتلة.

إنّ هذه المعجزة المذكورة شهدت عليها راهبات دير القديس يوحنا مكرينو في ميغارا ورئيسته الحالية، وهي مدوّنة في أحد الكتب العديدة التي تتضمن عجائب القديس. زارت هؤلاء الراهبات منسكه في ميليسي وأردن المغادرة للوصول إلى ديرهنّ قبل إغلاق الباب الخارجي. لكنّ القديس كان يمضي وقتًا طيّبًا ولم يرد أن يغادرن. قالت له الراهبات إنّ عليهنّ المغادرة، لكنه قال لهنّ: “ابقين وقتًا أكثر، اتركن الأمر لله”. أطَعْنَ القديس في النهاية، وغادرن متأخرات جداً في سيارة الأجرة. ولم تكن المغادرة سبب التأخير الوحيد، لكن أيضًا سائق السيارة الذي كان يقود بتمهل بسبب زحمة السير. يئست الراهبات من هذا التأخير لأنّهنّ سيصلن بعد مضي وقت طويل على إغلاق باب الدير. ولمفاجأتهنّ، وجدن أنهنّ وصلن إلى الدير في الوقت المناسب، وكأنّ ربع ساعة فقط انقضت منذ انطلاقهنّ من ميليسي. لقد حيّرتني هذه المعجزة لسنوات، لأنّها بالنسبة لي واحدة من قلائل التدخّلات العجائبية في الوقت المدوّنة في تقليدنا الأرثوذكسي، وتعجز المعرفة العلمية الحديثة المألوفة عن تفسيرها.

لن أشير إلى المساعدة التي قدّمها القديس وما زال يقدّمها بطريقة عجائبية منذ سنة 2001 لـ HELLASSAT ، ولا إلى عطاءاته المستبصرة الأخرى، والتي جعلت من تلقّوها عاجزين عن التعبير. بالاطّلاع على السنكسار الأرثوذكسي، نجد أنه لا يوجد قديس شفيع للبحث والتكنولوجيا، ولهذا أظن أنّ القديس بورفيريوس الكافسوكاليفي يتميّز بحق أن يكون قديس العلم الحديث والتكنولوجيا.

* المدير التنفيذي لـ Hellas Sat

أهمية الآباء القديسين في اللاهوت الأرثوذكسي

أهمية الآباء القديسين في اللاهوت الأرثوذكسي

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

          من المهم بالنسبة لنا أن نرى ماهية الأساس الرئيسي لعلم اللاهوت الأرثوذكسي، لأنه يوجد حالياً تقليدان كبيران.

الواحد يعتمد بصورة رئيسية على المنطق، وهو مؤسس على ما وراء الطبيعة الخاصة بالفلاسفة الإغريق الكلاسيكيين، التي هي خليط من الخيال والتأمل والنشاط الذهني بصورة رئيسية. هذا النوع من “علم اللاهوت” المبني على ما وراء الطبيعة تولدت منه السكولاستية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر. على أية حال، أدى تطور العلوم الإيجابية فيما بعد إلى تسديد ضربة لكل من ما وراء الطبيعة، وللفلسفة. يقول الأستاذ الأب يوحنا رومانيدس أن الناس في الغرب لم يعودوا يؤمنون بما وراء الطبيعة الخاص بالفلاسفة الكلاسيكيين. وبمقدار ما هوجمت الفلسفة وعلوم ما وراء الطبيعة في الغرب، هكذا أيضاً هوجم “علم اللاهوت” الغربي الذي كان مؤسساً على ما وراء الطبيعة. هذا هو السبب الذي جعل نيتشه في الغرب، والآخرين من بعده، يصلون لاستنتاج أن الله مات. يوجد في الواقع “علم لاهوت” خاص بموت الله. لقد مات “الله” حقاً، ولكن الذي مات هو “إله” ما وراء الطبيعة المرتبط بالخيال، والذي هو “إله” غير موجود. هذه هي الفئة الأولى، أي أول تعبير ضخم عن “علم اللاهوت”.

         النوع الآخر من علم اللاهوت، أي علم اللاهوت الأرثوذكسي، دعمه آباء الكنيسة القديسون. فآباء الكنيسة القديسون هم حملة التقليد والإعلان. فقد تلقوا الإعلان ثم نقلوه لآخرين. لم يتكلم الآباء عن الله مستخدمين خيالهم وتصورهم، ولكن من منطلق خبرة اتحادهم بالله.هذه الطريقة هي في الحقيقة علمية كما يقول الأب يوحنا رومانيدس. ينظر الطبيب للميكروب من خلال مجهره، ثم يشفي المريض. يراقب الفلكي النجوم ثم يرسم استنتاجاته. يتضمن العلم على المستوى الإنساني الملاحظة والتجربة. ينطبق نفس الشيء بالضبط على علم اللاهوت الخاص بالآباء القديسين حيث توجد الملاحظة والتجربة.

أولاً وقبل كل شيء توجد الملاحظة، لأن الآباء القديسين وصلوا للاتحاد بالله وعاينوه. في علم اللاهوت الأرثوذكسي يكون الاتحاد بالله ومعاينة النور غير المخلوق واحداً. رأى الآباء مجد الله، الذي هو ملكوت الله وأسراره. تكلم القديس بولس عن الله لأنه كان قد وصل للثايوريا (معاينة الله) وأبصر المسيح في مجده. ولأنه اختبر رؤية الله، أعلمنا في رسائله بالعديد من الأسرار التي لم يكشفها المسيح لتلاميذه أثناء حياته الأرضية. فمثلاً، تعليم القديس بولس عن أن الكنيسة هي جسد المسيح غير موجود في الأناجيل المقدسة. كما نعلم، كان القديس بولس معتاداً على اضطهاد المسيحيين. وعندما ظهر له المسيح في طريقه إلى دمشق سأله: “لماذا تضطهدني؟”(أع14:26). لقد كان يضطهد المسيحيين، والسيد المسيح سأله لماذا كان يضطهده. في رؤية الله هذه وفي خبرات أخرى، فهم القديس بولس أن المسيح مرتبط بالكنيسة. فالمسيح هو رأس الكنيسة والكنيسة هي جسد المسيح. يحدث نفس الشيء بالضبط مع كل الآباء، إذ لديهم خبرة شخصية مع الله.

         في نفس الوقت توجد التجربة، لأن أي شخص يستطيع تكرار الملاحظات التي وضعها القديسون. يستطيع أي إنسان أن يتبع نفس الطريقة مثل الآباء فيصل لنفس النتائج. إننا مدينون للآباء، الموجودين حتى يومنا هذا، بجزيل من الشكر. هذا ما يجعلنا نقول أن الطريق العلمي الوحيد للاقتراب من المسائل اللاهوتية هو من خلال القديسين، لأن القديسين يعيشون نفس حياة الأنبياء والرسل. تماماً مثلما يفهم الأطباء بعضهم بعضاً جيداً، وتماماً كما يفهم المهندس زميله، هكذا لدى القديسين فهماً ممتازاً للقديسين الآخرين.

موقف الشكر

موقف الشكر

الأب تداوس هاردنبروك

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

عند وصول المركبة الفضائية، في طريق عودتها إلى الأرض، إلى قوة الكوكب الجاذبة يغيّر الطاقم سلوك المركبة، أي التوجّه بالنسبة لاتجاه السفر، لكنهم لا يستطيعون تغيير الاتجاه نفسه. فهم، بمعنى ما، يهبطون عامودياً نحو وجهة لا مفرّ منها، أي الأرض. ولكن مع الاستدارة قليلاً يميناً أو يساراً ورفع مقدمة المركبة أو تخفيضها يضبطون مسار المركبة. وبالاستفادة من تأثير الجاذبية الملزِم يتحكّمون بتحديد مكان الهبوط الآمِن بدقّة. إن لم يضبطوا مسار المركبة، فهم سوف ينهارون ويتحطمون في بعض المناطق النائية أو ببساطة يحترقون فيما هم يخترقون الفضاء.

الوجود البشري هو بمعنى ما على الشكل نفسه. نحن نتقدّم بسرعة عِبر الزمن نحو النهاية المحتومة أي الموت والدينونة والأبدية. لا يمكننا تلافي وِجهة السفر هذه لكن كمِثل المركبة يمكننا استعمال قوى التأثير التي لدينا لتحديد مقصدنا النهائي: الجنة أو الجحيم.

القوى التي نملكها هي الجسد (الحواس والحركة والعقل) والنفس (المنطق والرغبة والحماس). هذه القوى تؤثّر في سلوكنا بطريقة تساهم إمّا في وصولنا الآمن أو في دمارنا. يمكن القول بأن معركتنا مع الأهواء، التي نعاني منها بسبب السقوط، هي معركة للبقاء ضمن المسار وتحت تأثير قوة مصيرنا المحتومة بدلاً عن رفض ما لا يمكننا الفرار منه وإنكار وجهة سفرنا. للشكر تأثير لا تُصدق قوته على رحلتنا. إنه قوة الرغبة في النفس (التي تُسمّى ايضاً الشهية) عندما تكون مركَّزَة على الأمور الحسنة التي منحنا إياها الله برحمته ومحبته: حياتنا، أحباءنا، الصداقةـ الطعام، اللباس، المسكَن، المطر، نور الشمس، الأعياد… أهم ما نختبر بالحفاظ على موقف الشكر هو السلام. من ثمّ هذا السلام ينشئ الرضى والفرح والتحرر من الاهتمامات وعدم التعلّق بالماديات وفوق كلّ هذا السكون الداخلي المصلّي.

وعلى العكس تماماً، عندما تتوجّه قوى الرغبة نحو كل أمور الحياة التي نملك القدرة على إرادتها لكننا نعجز عن امتلاكها حالياً أو نعجز عن ذلك، فإن تلك القوة التي تولّد الشكر تتجلّى على نحو مظلم بشكل القنوط. التركيز على الرغبة ببيت أفضل أو وظيفة أكثر سهولة أو علاقات أكثر متعة أو ازدياد بالممتلكات المادية أو المزيد من المال أو المظاهر الأفضل أو الموضة، جنباً إلى جنب مع المقارنة الدائمة لأنفسنا بالآخرين، تقود إلى الغضب والحزن والاستياء العميق والانفعال والقلق والظلمة الداخلية التي تمنع الصلاة وتسبب الانتحار الروحي، حتى لا نقول الفعلي.

يبدأ الشكر الحقيقي بالثبات في شكر الله على كل شيء نملكه حتى الصعوبات. مع الوقت يتحوّل إلى عدم الرغبة إلاّ بما اختاره الله لنا. يخبرنا القديس دوروثاوس أسقف غزة: “مَن ليس لديه رغبات يملك كلّ ما يرغب به”. من الشكر تنبع التوبة الحقيقية إذ تظهر لنا كل التصرفات السيئة التي كنا نمارسها. يزهر الشكر في الفرح الثابت والكَرَم أي الرغبة بمشاركة قريبنا كل الخير الذي منحنا إياه الله. “أيها الإنسان، هنا الجنّة. مسارك حسن. لا مانع من هبوطك. أهلاً في موطنك الأصلي”.

افتداء الوقت والزمان الشرير

افتداء الوقت والزمان الشرير

الأب أنطوان ملكي

يقول الرسول بولس في الرسالة الموجّهة إلى أهل أفسس في الآيات 11-16: “وَلا تَشتَرِكوا في أَعمالِ ٱلظُّلمَةِ ٱلَّتي لا ثَمَرَ لَها، بَل بِٱلحَرِيِّ وَبِّخوا عَلَيها. فَإِنَّ ٱلأَفعالَ ٱلَّتي يَفعَلونَها سِرًّا يَقبُحُ حَتّى ذِكرُها. لَكِن كُلَّ ما يُوَبَّخُ عَلَيهِ يُعلَنُ بِٱلنّورِ، لِأَنَّ كُلَّ ما يُعلَنُ هُوَ نُور. لِذَلِكَ يَقول: <إِستَيقِظ أَيُّها ٱلنّائِمُ وَقُم مِن بَينِ ٱلأَمواتِ، فَيُضيءَ لَكَ ٱلمَسيح>. فَٱحتَرِصوا إِذَن أَن تَسلُكوا بِحَذَرٍ، لا كَجُهَلاءَ، بَل كَحُكَماءَ، مُفتَدينَ ٱلوَقتَ، لِأَنَّ ٱلأَيّامَ شِرّيرَة.” فبعد أن يذكر ما هو ثمر الروح في الآيات السابقة، يأمر بألاّ يشترك المؤمن في أعمال الظلمة، أي الأعمال التي ليست من الروح. هو يأمر بالابتعاد عنها لأنّ لا ثمر لها.  فمظاهرها كاذبة. إنها تَعِدْ الإنسان باللذة ولكنها لا تقدّم له إلاّ التعب. تُغريه بالسعادة بينما هي تخبّئ له التعاسة تحت نقابها. لذا هي مخادعة وغير مثمرة. من ثم يضيف الرسول بوجوب توبيخ الأعمال الكاذبة. هنا التوبيخ هو للأعمال وليس للبشر. لا بد أن يُفهَم التوبيخ بطريقة صحيحة. عمل المسيحي ليس أن يعمل واعظًا في المجتمع يتوقّف عند كلّ عمل خاطئ ويبكّته ويوبّخ عليه. التفسير الحرفي يحمل معنى الإظهار: “أظهروها” بدلاً من وبّخوا عليها. وكيف يكون إظهار أعمال الظلمة؟ طبعاً ليس بالكلام، بل بإلقاء الضوء عليها، أي بعرضها للنور، وذلك بأن يسلك المؤمن في النور، فالضلال ينكشف عن طريق إظهار الحق. السلوك في النور يفضح السلوك في الخطأ دون قول أي كلمة، وهذا معنى قول الربّ “أنتم نور العالم”. فالكلام لا يحمل النور من دون قائله. هذا ينطبق على كلّ البشر. المعلّم الذي لا يظهر النور بأعماله لا تصل كلماته إلى أذني سامعيه. وهذا ينطبق أيضاً داخل الكنيسة، فالواعظ لا يوصِل نور المسيح ولا يكون كلامه مؤثرًا إن لم يكن ذلك مقروناً بسلوكه كإبن للمسيح وحامل له. وليس هذا فقط. فالأعمال القبيحة ذكرها أيضًا قبيح. الأعمال القبيحة غالباً ما يقوم بها الناس سراً لذا لا يصحّ ذكرها أمام الجميع، فالكثيرون يخجلون من الكلام فيها.

هذا التعليم يفتقده الكثيرون في أيامنا، خاصةً المؤسسات الإعلامية والأفراد الذين يصدّقونها وينقلون عنها. فمن أجل تحقيق سَبَق إعلامي، أو –للسخرية- بحجة الشفافية، تتحوّل هذه المؤسسات إلى منابر للفضائح لا تقيم وزناً للأذى الذي تسببه في كشف أعمال الظلمة التي يقوم بها بعض الأفراد. وأسوا من ذلك الذين يتمتّعون بنقلهم أخبار الكهنة والأساقفة والعاملين في الكنيسة محوّلينها إلى فضائح لا تفيد ولا تنفع ولا تقدّم إلا العثرة، خاصةً عندما ينقلونها من دون تحقق أو تثبّت من صحتها. وفوق هذا يدّعي بعض متناقلي هذه الأخبار التزامهم بتعاليم الآباء.

في أغلب الأحيان لا ينتج عن الكشف عن الأخطاء الفردية إلا الأذى. فهذا الفضح يعثّر الإخوة الضعفاء ويسهّل الخطأ على مَن منهم في تجرية، ويصعّب التوبة على الأخ الذي وقع. منذ أن تخلّت الكنيسة عن الاعتراف العلني صار ضرورياً أن يكون التوبيخ، بالمعنى الحرفي للكلمة، سرًا. حتّى ولو كان الخطأ علنياً، فمسؤولية كشفه هي على المسؤول وهو يقرر بتمييز كيف ومتى  حتّى يتربّى الجميع. سيَر الآباء مليئة بالقصص التي يغطّي فيها الحكماء خطيئة الجهّال إلى أن يقدّم الربّ وقتاً مناسباً يكون فيه كشفها للبناء والتوبة والاستنارة لا للهدم وزرع اليأس.

يقول الرسول “كلّ ما يُوَبَّخُ عَلَيهِ يُعلَنُ بِٱلنّورِ” ليس بمعنى الفضيحة بل بمعنى أن يكون سلوك المؤمن في الحالات المماثلة سلوكاً مستنيراً في المجتمع، أو توبيخاً وتعليماً في الكنيسة. فكُلَّ ما يُعلَنُ هُوَ نُور أي أنّ الإنسان الذي في داخله ميل نحو أعمال الظلمة متى سُلّط النور عليها يخجل من نفسه ويتوب فيتحوّل نفسُه نورًا. “استيقظ أيها النائم”، هذا قول مقتبس من إشعياء يقصد به أن نور المسيح الذي كان إشعياء موعوداً به قد أتى فعلى الخاطئ أن يستيقظ فيشعر بنور المسيح القادر أن يكشف له عن الظلمات التي هو فيها، والتي جعلته ميتًا روحيًا. فالخاطئ يشبه النائم لأن كلاهما في الظلمة وكلاهما بلا عمل مثمر. إلى هذا فلذّة الخطيئة هي كالأحلام ليست حقيقة. كما أنّ النائم والخاطئ لا يشعران بما حولهما حتى ولو كان هناك خطر.  لهذا يستسلم الخاطئ لخطيئته كما في النوم، فلا يقاوِم إلاّ متى استيقظ.

ومن ثمّ يقول الرسول: “فانظروا كيف تسلكون بالتدقيق لا كجهلاء بل كحكماء”. المسيح هو النور وهو الحكمة في الوقت عينه، وإتباع وصاياه هو منتهى الحكمة، لأن من يتبع وصاياه سيحيا في سلام على الأرض وتكون له حياة أبدية. والله يعطى لأولاده أن يكونوا حكماء. أمّا الجهل فهو مجموع الأوصاف الشريرة والأعمال الشريرة والفاسدة. والمدقق لا يسمح بدخول الخطايا الصغيرة. لأنّ مَن يسمح لنفسه بالخطايا الصغيرة، مع الوقت سيسمح لنفسه بأكبر منها.

في الآية التالية يقول الرسول: “مفتدين الوقت لأن الأيام شريرة.” افتداء الوقت دليل، بحسب الرسول، على قيمته الغالية في نظره. فحياتنا الزمنية هي ثروتنا الحقيقية وعلامة التعقل هي افتداء الوقت. أهمية الحياة الحالية هي في أنّها علة الحياة الأبدية أو الهلاك الأبدي. لذا مَن يستثمر وقته في السلوك في النور يحيا حياة سماوية الآن ويكمل ما بدأه على الأرض في السماء ويكون نصيبه في النور في السماء. أما من يسلك في الباطل والأمور الفارغة، التي هي خطايا وظلمة هذا العالم سيكون مكانه في الظلمة الخارجية ويضيع إكليله السماوي. كيف يُفتدى الوقت؟ هذا أمر يحتاج تدريباً لزيادة الأوقات التي يقضيها المؤمن مع الله في الصلاة والتسبيح ودراسة الكتاب المقدس، وفي الخدمة المعطية. أمّا قول الرسول بأنّ الأيام شريرة فيعني أن ما تبقّى من الأيام قليل ومن ثمّ ينتهي العالم. هذا القول ينطبق على عالم كل إنسان وليس بالضرورة إشارة أخروية أو قول يعني بأن نهاية العالم اقتربت. وفوق هذا، العالم مملوء شرًا أي أنّ الأيام شريرة والزمان زمان شر. فهذا الزمن يخدع الإنسان فينجذب للزمنيات ويتعلّق بها وكأنّه لن يموت أبدًا، لكن في النهاية سوف تُطلب نفسه فجأة. لذلك مَن لا ينتهز فرصة الوقت يضيعه لحساب العالم الشرير بدلاً من أن يستثمره فيحوّله وقتًا للسماويات، ويبدأ حياته الأبدية من الآن.

مراجع

“التوبيخ بين التأنيب والتنبيه”. المطران بولس يازجي. برج وجسد. عظات في رسائل الآحاد والأعياد. الجزء الأول. آحاد ما بعد العنصرة. منشورات دير البشارة – حلب. 2006. ص. 202-206

تفسير العهد الجديد. الأب أنطونيوس فكري. http://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-02-New-Testament/Father-Antonious-Fekry/10-Resalet-Afasos/Tafseer-Resalat-Afacoc__01-Chapter-05.html

قصتان ميلاديتان

قصتان ميلاديتان

 دير راهبات القديس يعقوب الفارسي المقطّع

حلـــم العذراء مريم

      مع بداية شهر كانون الأوّل لاحظت ماجدة على طفلتها الصغيرة أنّها كانت دائمة التفكير وكأنّ أمراً خطيراً يشغلها. وذات يوم قصدت ماجدة حجرة ابنتها، وبدأت تلعب معها ثمّ صلّيا معاً، وانتظرت الطفلة أن تسمع من والدتها قصّة المساء. وبابتسامة رقيقة سألت ماجدة ابنتها: بماذا تفكّرين يا حبيبتي في هذه الأيّام؟ فأجابتها الطفلة: لقد اقترب عيد الميلاد، وأريد أن أقدّم مفاجأة لأخي الصغير، ولا أعرف ماذا أشتري له كهديّة العيد. ناقشت الأمّ مع ابنتها موضوع الهديّة، واستقرّا على شراء لعبة يشتاق إليها الأخ. ثمّ روت الأمّ لابنتها القصّة التالية:

    استيقظت القدّيسة والدة الإله مريم من نومها، وبعد أن صلّت وقفت أمام طفلها العجيب تسبّحه. ثمّ نظرت إلى القدّيس يوسف وقالت له: “بالأمس كنت أفكّر في الأحداث العجيبة التي نعيشها، وبعدم استحقاقنا لأن يكون هذا الطفل بين أيدينا. السماء كلّها تسبّحه. الملاك جبرائيل بشّرنا بميلاده، وجوق من الملائكة بشّر الرعاة، والمجوس جاؤوا من أقصى الشرق ليسجدوا له. إنّني في حيرة أمام هذا الطفل العجيب المولود بغير قدرة بشريّة.

    بالأمس رأيت حلماً لم أفهمه. رأيت البشر في دول كثيرة يستعدّون، ولستّة أسابيع متوالية، للاحتفال بعيد ميلاد هذا الابن. لقد زيّنوا بيوتهم وشوارعهم ومتاجرهم بالأنوار والزينات العجيبة والضخمة. وزيّنت كلّ أسرة شجرة اصطناعيّة أو طبيعيّة بالأنوار وبكرات ملوّنة جميلة وبتماثيل الملائكة. اكتظّت الأسواق بالناس ليشتروا لبعضهم البعض هدايا يغلّفونها بأوراق مذهّبة ومفضّضة وملوّنة غاية في الجمال، ثمّ يرسلونها إلى معارفهم وأقاربهم ليضعوها تحت الأشجار يوم عيد ميلاد هذا الطفل. الكلّ منشغل بالهدايا، لكنّهم نسوا المولود نفسه. لم يقدّموا له هديّة، ولم يذكروا حتّى اسمه. وأظنّ أنّهم لا يعرفون عنه شيئاً، بل وبعضهم يسخرون بمن يذكر اسمه. أليس من العجب أن يرتبك كلّ هذا الكمّ من البشر لإقامة عيد ميلاد شخص لا يريدون أن يسمعوا عنه شيئاً؟!!

    وأظنّ أنّه لو زار ابني بيتاً من هذه البيوت لما فتح له أحد الباب، ولاعتبر الزيارة تدخّلاً في أمر لا شأن له به. حقّاً يبدو كلّ شيء جميلاً للغاية وجذّاباً، لكنّ كثيرين يرفضون حضرة من يُقام له الاحتفال بعيد ميلاده. أشكر الله أنّه حلم، وأرجو ألاّ يكون حقيقة”.

    وإذ سمعت الطفلة الصغيرة هذه القصّة قالت لأمّها: آه يا أمّاه، أنا أحزنت قلب يسوع. ماذا أفعل لكي يحضر سيّدي يسوع المسيح الاحتفال بعيد ميلاده؟ أيّة هديّة أقدّمها له؟ صمتت الأمّ قليلاً ثمّ قالت لابنتها:

- قبل أن تفكّري في تقديم هديّة لأخيك، قدّمي ليسوع هديّته.

- كيف؟

- ما تقدّمينه لمسكين أو مريض أو مسجون إنّما تقدّمينه له، كما سبق فقال: “كلّ ما فعلتم بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي قد فعلتموه”. (متى 40:25).

ميلاد جديد

     يحكى أنّ صيّاداً يقال له متّى كان يقيم هو وزوجته وطفلتهما مريم في منزل بعيد وسط الصخور يحيون في دعة وقناعة وسلام.

     فشاع في القرية، ذات يوم، أنّ دبّاً يجول بين الضواحي، فلمّا انتهى الخبر إلى متّى حتّى عزم على صيد الدبّ. فتناول بندقيّته، وخفّ إلى تلك الناحية. فلم يصادفه. فجعل يترصّده مرّة بعد مرّة. ثمّ سلخ أيّاماً يترقّبه في طول النهار ومعظم الليل، فلم يقف منه على أثر. فهمّ بالرجوع، وقد وافت ليلة الميلاد، فإذا الوحش على خطوات منه. ولم يكن دبّاً، بل كان دبّة ومعها ولدها يقفز حولها ويلاعبها، وهو أكثر أكثر ما يبدو براءة وأماناً، وهي من الرقّة والحنوّ على أوفى ما تكون. فصوّب متّى البندقيّة نحو الدبّة، وأطلق النار، وصغيرها يواثبها ويلعب. فأخطأها وأصاب الولد، فأراده قتيلاً. فوجمت أمّه كأنّما أُصيبت في الصميم. ثمّ أكبّت على ولدها تلحس جرحه، وتنضح عليه ماء من ينبوع قريب. ثمّ انقلبت عنه، وعينها إليه، علّه ينهض فيتبعها. إلاّ أنّها اشتمّت ريح الموت، فانكفأت مثقلة الخطى، ولم تبرح موغلة حتّى حجبها الضباب.

      انقضت سنة لم تشاهَد فيها الدبّة هناك. فلمّا دنا الميلاد التالي لمحها بعض القرويّين تجتاز بالضواحي، في ناحية الينبوع. فحذّروا متّى منها. وألحّت عليه زوجته تناشده الكفّ عن الصيد، ولو إلى حين، خوف أن تكون الدبّة قد عادت لكي تثأر لولدها. ومتّى مع ذلك، يأبى إلاّ رصدها.

     ثمّ حلّت ليلة الميلاد. وكان كلّ بيت من بيوت القرية تُهيَّأ فيه شجرة العيد. وكانت التسابيح والأجراس ألحانها تترجّع ما بين الأودية والجبال. بل القرية بأسرها كانت تستعدّ للطفل الإله، ما عدا متّى. فإنّه قد شُغل عنه بالدبّة، وصمّم على قتلها. فانطلق لا ينثني ولا يتراجع. فخرجت ابنته في إثره، فمنعها، فامتثلت، على أن يأتيها بدبّ صغير هديّة للعيد. ثمّ غافلت مريم أمّها، وجرت صوب الينبوع. وكان متّى في غضون ذلك، يرصد الدبّة في مكمن بين صخرتين، فوق منحدر سحيق. فبادت بعد قليل، واتّجهت نحوه. فبينما هو يسدّد إليها السلاح ينتظر أن تقترب أكثر ليرميها، إذا أقبلت مريم من الجهة الأخرى، ترنّم وتلوّح للدبّة بشيء كان في يدها، ثمّ تدنو منها من دون خوف ولا ارتياب. فلبث متّى في مكمنه، وقد تحيّر ماذا يفعل؟ فإن هو نادى مريم فقد يثير الدبّة، فتكون إلى الطفلة أسبق منه. وإن أطلق عليها النار، فقد يصيب ابنته كما أصاب ولد الدبّة. وما هي دقائق حتّى صارت مريم بين يديّ الدبّة، وهذه منتصبة تلاعبها.

     فركع متّى وأخذ يبتهل إلى الله، وقد أغمض عينيه كي لا يبصر ما توقّع من فجيعة. فلمّا فتحهما، بعد هنيهة، رأى أنّ الدبّة تحمل ابنته، فتسير بها غير بعيد، ثمّ تضعها على الطريق، برفق الأمّ وحنوّها، ومريم في غاية الثقة والأمان. ثمّ إنّ الدبّة سلكت عبر الصخور، ولم تبرح موغلة حتّى حجبها الضباب…

     عند ذلك برز الصيّاد، فهرع إلى ابنته، وضمّها إليه يبكي ويشكر. فأخبرته كيف لقيت الدبّة، فلاعبتها. وقالت لأبيها إنّ الدبّة لم يصحبها ولدها، وسألته عنه لعلّه يعرف أين يكون.

    كانت التسابيح والأجراس تتجاوب ألحانها في القرية، ساعة رجع متّى إلى بيته مطرقاً، ومريم على ذراعه، وفي نفسه غصّة وندامة، ومحبّة للخلق لم يشعر بها من قبل. أمّا البندقيّة فلم تكن معه، إذ تركها في ناحية الينبوع، حيث أريق على بياض الثلج دم بريء.

     وكانت القرية كلّها تمجّد الله في العلى وتنشد السلام على الأرض، في ما يتمنّى ههنا من أيّام السماء. ويومئذ وُلد يسوع في قلب متّى.

يا أيّها الإنسان، يا من خُلقت على صورة الله،،،،

لا تدع الحيوان أن يكون أكثر رفقاً منك،،،،

تعلَ وارمِ سلاح الحقد والكراهية والحسد عند مذود الطفل الإلهيّ،،،،

عساه يحوّل قلبك اللحميّ إلى آخر إلهيّ،،،،ّ

قلب مملوء بالعطف والسلام والمحبّة،،،،

 فتغمرك، عندئذ، الخيرات الزمنيّة والروحيّة،،،،

* * * * * * السنة الحادية عشرة – العدد الأول – تشرين الأول 2014 * * * * * *

 مختارات آبائية

الإنسان المحاجِج

القديس سمعان اللاهوتي الحديث

مقتطفات من الرسائل إلى الراهبات

القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس

سؤالان روحيان

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

عظة

انبثاق اليقين الإلهيّ!

الأرشمندريت توما بيطار

لاهوت

الفلسفة ومعرفة الله

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

الطريقة الخاطئة

الأب جورج فلوروفسكي

التحليل النفسي وتوحيد النفس

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

حياة روحية

ما بين الهواتف الخليوية ومسابح الصلاة

قصتان من الأدب الرهباني

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع – دده، الكورة