السنة الثالثة عشرة، العدد الخامس، شباط 2017

السنة الثالثة عشرة، العدد الخامس، شباط 2017

مختارات آبائية

القديس نيكولا فيليميروفيتش، قوة الصلاة والصوم

الشيخ يعقوب تساليكيس، الصوم وصية من الله

الشيخ أبيفانيوس ثيوذوروبولوس، لماذا نصوم عن اللحم فقط في أسبوع مرفع الجبن؟

رعائيات

د. كريسانثيس لاثيرا. هل يجب أن يصوم الأطفال؟

لاهوت

سيرجي بولغاكوف، الصوم الكبير يتمثّل بصوم المسيح

المتقدم في الكهنة الأب توماس فامفينيس، حبل التريودي المشدود

الأب جورج فلوروفسكي، عدم الاهتمام بالعقيدة بين المؤمنين الأرثوذكس

حياة روحية

الأب أنطوان ملكي، تينة القلب

دراسات كتابية

ماريا قبارة، دليل الأعلام في الكتاب المقدّس: ملوك وأنبياء اسرائيل

قوة الصلاة والصوم

قوة الصلاة والصوم

القديس نيكولا فيليميروفيتش

نقلته إلى العربية وعد مخول

هذا الجنس لا يمكن أن يخرج بشيء إلا بالصلاة والصوم” (مرقس 29:9).

هذه هي الوصفة الطبية المنقذة لأعظم طبيب للنفوس البشرية. هذا هو العلاج المجرَّب والمثبت. ما من علاج آخر للجنون. أيّ نوع من المرض هو؟ إنه حضور وهيمنة الروح الشرير في الإنسان، روح شرير خطر يجاهد لتحطيم جسد وروح ذلك الإنسان في النهاية. الصبي الذي حرّره إلهنا من الروح الشرير، ألقاه هذا الروح الشرير مرة في النار، 0ومرة في الماء من أجل تدميره.

طالما أن الإنسان يكتفي بالفلسفة عن الله يبقى ضعيفاً وعاجزاً تماماً أمام الروح الشرير الذي يهزأ من سفسطائية العالم الضعيفة. لكن، ما أن يبدأ الإنسان بالصوم والصلاة، يمتلئ الروح الشرير بخوف لا يوصف، فلن تستطيع الروح الشريرة أن تتحمل رائحة الصوم والصلاة بأي شكل. إن عطر هذه الرائحة الحلوة يخنقها ويضعفها لتجهد تماماً. إن في داخل الإنسان الذي يتفلسف عن الإيمان وحَسبْ مكان واسع للشياطين. لكن مع الذي يبدأ الصلاة والصوم بصدق وصبر ورجاء، يصبح الشيطان ضعيفاً ومحاصراً وعليه الهرب من مثل هذا الانسان. بعض الأمراض الجسدية ليس لها إلا دواء واحد. ضد مرض الروح العظيم هذا، وهو الشيطانية، هناك نوعان من العلاج، اللذان يجب أن يُستخدما معاً وفي نفس الوقت: الصوم والصلاة. الرسل والقديسون صاموا وصلوا الى الله. هذا هو السبب الذي جعلهم أقوياء لمواجهة الروح الشريرة.

يا يسوع المنعِم، الطبيب والمساعد في كل المآسي، ثبتنا بقوة روحك القدوس لنكون قادرين على الالتزام بتعاليمك عن الصوم والصلاة من أجل خلاصنا وخلاص قريبنا. أمين.

الصوم وصية من الله

الصوم وصية من الله

الشيخ يعقوب تساليكيس

نقلتها إلى العربية راما مخول

كان الشيخ يعقوب من جزيرة إيفيا اليونانية من محبّي الصوم حيث اختبر بتجربةٍ فوائده الجسدية والروحية. ففي أوقات المحاربات الروحية لم يكن يأكل أي شيء على الإطلاق، إلا القليل من القربان المقدس. كما كان يفعل شفيعه ومثَله الأعلى القديس داوود لسنوات عديدة. حيث كان يأكل وجبة بسيطة فقط يوم السبت عند الظهيرة – ولكن ليس دائماً – ويوم الأحد. فالرب وحده يعلم كيف كان يحتمل هذا النظام الصارم من الصوم بالإضافة للكثير من الأعمال اليدوية.

الصوم وصية من الرب، ولذلك يا أبنائي، ينبغي علينا أن نصوم أيضاً. فأنا لم أهمل الصوم طوال سنوات حياتي السبعين، لأن والدتي علّمتني أن أصوم منذ الطفولة. كما أنني لا أتظاهر بذلك عندما أصوم، لكنني أقوم بما علّماني إياه والداي وحافظت عليه حتى يومنا هذا، يا أبنائي. فالصوم لم يعرضني للمرض أبداً.

يقول الأطباء والأساقفة أن الصوم المقتصد مفيد جداً للإنسان. ذات مرة، قال لي طبيب: “أبانا، لا تأكل أي شيء لمدة خمسة أيام ولا تشرب حتى قطرة ماء، لأننا سوف نقوم باختبار لتحرّي ما سيجري في جسمك“. ولذلك صمت خمسة أيام. فكان لهذا الاختبار أثر عظيم عليّ، فكم بالحريّ تكون الفائدة أكبر لأرواحنا عندما نصوم! فلأن داخل جسدنا تسكن روح أبدية، دعونا نعتني بروحنا التي هي حقاً خالدة.

دعونا نصوم يا أبنائي الأحباء، ولا تستمعوا لهؤلاء الذين يستنكرون وجود الصوم ويقولون إنه بدعة من عند الرهبان. لا يا أبنائي، إنه ليس بدعة من عند الرهبان، اغفروا لي، الله يقول لنا أن نصوم. وصية الله الأولى هي الصوم، كما أن المسيح أيضاً صام.

نستطيع القول أننا نصوم مع أننا نأكل كثيراً. إذاً ما هو الصوم الذي نقوم به، يا أبنائي؟ عندما تكون الأغذية التي نتناولها بدون زيت، اغفروا لي، حتى لو كنا نتناول الكثير منها. فذلك كافٍ للإنسان ليحافظ على صحته ويبقى لديه رغبة بالصوم.

يوما ما جاءني أحدهم وقال لي: “أخبرَني الكاهن أن الصوم غير موجود، فأجبته: “ومَن أخبرك أن الصوم غير موجود؟ اذهب وأخبر الكاهن أن يفتح الكتاب المقدس ويرى الآيات التي تتحدث عن الصوم: “إلا بالصلاة والصوم” (متى 21:17، مرقس 29:9)، التي قالها المسيح، وآيات أخرى. فالشياطين والأمراض والشهوات لا تخرج إلا بالصوم. كما أن الأب المتقدّم المقدس ماذا كان يأكل في الصحراء؟ وداوود المبجَّل ماذا كان يأكل؟ كان يمضي طوال الأسبوع، مع القربان المقدس، في قلايته متعبداً“.

لماذا نصوم عن اللحم فقط في أسبوع مرفع الجبن؟

لماذا نصوم عن اللحم فقط في أسبوع مرفع الجبن؟

الشيخ أبيفانيوس ثيوذوروبولوس

نقلتها إلى العربية علا مقصود

اكتسب أحد مرفع الجبن تسميته لأنه في الأسبوع السابق له لم نأكل اللحم، بل فقط منتجات الألبان مثل الحليب، الجبن، الخ وكذلك البيض والسمك أيضاً. يجد البعض هذا القانون الكنسي غير مبرّر، قائلين: “كيف يكون حليب الحَمَل مسموحاً بينما لحمه ممنوع طالما الحليب ينتج منه أيضاً، كيف يسمح بالبيض وليس بالدجاجة طالما الأولى تنتج الثانية؟ …”.

بالطبع، لربما هناك وجهة نظر في حديث هؤلاء لو أنه كان هناك تحريم لأكل لحم الخروف أو الدجاج ولهذا السبب لا نأكلهم لذلك لا نأكل ما ينتج منهم لأنها أيضاً ستصبح محرّمة، لكن في كنيستنا ما من طعام محرّم، وهذا ما علّمه القديس بولس في رسالته إلى تيموثاوس (4:3-5). في الواقع وزّعت الكنيسة الأطعمة إلى استهلاك أكبر أو أقلّ ولضبط النفس هي تسمح بالبعض وتمنع البعض الآخر في أوقات محددة.

الرد الدقيق لهؤلاء الأشخاص الذين قالوا ما سبق تم الإجابة عليه من قبل أثناسيوس من باريوس وهو معلم وحكيم مهم في الكنيسة، عندما كتب لأحد الأطباء أنت تدين صديقاً لأنه في أسبوع مرفع الجبن يأكل البيض ولكن ليس الدجاج الذي يعطي البيض الحياة، لكن ما هو وجه الشبه بين البيض غير الحيّ والدجاج الحيّ؟ البيضة أدنى بكثير من الدجاج وكإثبات سأحتكم إلى رأيك الذي هو رأي طبيب، هل تنصح مريضاً بدأ يتماثل للشفاء بفروج صغير أو بديك كبير كغذاء ولماذا تفعل هذا؟

فكما تقول أنت إن الأغذية الدسمة والدهنية ستؤذي صحته التي بدأت بالتعافي من مرضها، طالما أن معدته ليس لديها القوة لتتحمل وتهضم هذا الطعام. إذاً هناك فرق بين الفروج الصغير والدجاجة الكبيرة. إن الفروج كغذاء أقل قوة من الدجاجة. لذا ليس أحد من الأطباء يقول إن البيضة أو الدجاجة هي نفسها وهي مناسبة للمريض. أليس من غير الواضح أنهم وبدون سبب ينتقدوننا لأكل البيض وليس الدجاج؟ ينتقدوننا أننا نأكل الزيتون ولكن ليس زيت الزيتون على الرغم من أنه داخل الزيتون يوجد الزيت لكن داخل العنب يوجد الخمر. على كل حال، كل العنب الذي نأكله لا يجعلنا نسكر. على الأكثر سيجعل معدتنا متخمة.

إلى جانب ذلك إنه من المعروف أنه مع زيت الزيتون يمكن طهي عدد غير منته من الطعام اللذيذ، على الرغم من أن الزيتون يعتبر طعاماً صيامياً. الصوم هو عدم أكل الطعام المطبوخ بل غير المطبوخ مثل الخبز والزيتون والثمار الجافة وغيرها.

هل يجب أن يصوم الأطفال؟

هل يجب أن يصوم الأطفال؟

د. كريسانثيس لاثيرا (طبيبة أطفال)

نقلتها إلى العربية ينال إبراهيم

السؤال الوارد في عنوان مقالتنا يحيّر كل الأهل الراغبين بالصوم هذه الأيام ولكنهم لا يعرفون ماذا يفعلون مع أطفالهم أو حتى إذا كان يجب أن يصوم الطفل. في المقالة العلمية التالية سوف يتمّ إعلامكم عمّا إذا كان الطفل قادراً أو إذا كان ينبغي به أن يصوم، من وجهة نظر طبية، من أي عمر؟ وما هي المخاطر؟ وفي النهاية، سوف تقرؤون عن فوائد الصوم لجسم الأطفال.

نحن في أيام الصوم الكبير، والعديد من العائلات (اليونانية) صائمة، حيث أنهم يمتنعون عن اللحوم وكل ما هو من منتجات الحيوان. عندما أُسأل إذا كان بإمكان الأطفال أن يصوموا، وإذا كانت هذه العادة قد تسبب لهم مشاكل صحية، أجيب بالإيجاب لأن الأولاد يتبعون صوم أهلهم خاصةً في عمر المدرسة أي بعد الخامسة أو السادسة من أعمارهم.

الصوم هو فرصة ممتازة لاتّباع نظام غذائي نباتي حتى لو لبضعة أيام، وهو يتضمّن البقوليات (مصادر غنية بالبروتينات ذات القيم البيولوجية العالية) والخضراوات (مصدر للألياف تساعد في سير وأداء الأمعاء)، زيت الزيتون بدلاً عن الدهون الحيوانية، المكسرات النيئة والفواكه المجففة، ثمار البحر الغنية بالبروتينات والمعادن، والكثير من الثمار التي تشكّل مصدراً للفيتامينات ومضادات الأكسدة. وبالإضافة إلى الفوائد الغذائية للصوم يمكن للطفل أيضاً أن يتدرّب على ضبط النفس ووضع حدود لرغباته.

قد يتساءل بعض الأهل إذا كان ابنهم يحصل على كفايته من البروتين والكالسيوم خلال الصوم. اللحوم، البيضاء أو الحمراء، هي المصدر الأكثر وفرة للبروتين من المواد الغذائية، ولكن يمكن استبدالها خلال الصوم بالبقوليات (كالعدس) أو الحبوب (مثل الرز أو الكينوا) والتي تؤدي ايضاً إلى زيادة في امتصاص الحديد. والأطعمة الغنية بالبروتين هي المكسرات والحبوب مثل: الشوفان والجادوار ومنتجات فول الصويا. يمكن الحصول على الكالسيوم من المأكولات البحرية، اللوز، بذور السمسم، الطحينة، والحلاوة.

بعد الصوم تأتي احتفالات الفصح حيث يستهلك الأطفال الكثير من البيض واللحوم والحلويات احتفالاً بالعيد. هذا التغيّر المفاجئ في النظام الغذائي من الصوم إلى الاستهلاك غير المنضبط في وجبات عيد الفصح يمكن أن يسبب مشاكل في الجهاز الهضمي عند الأطفال كما عند البالغين. لذلك يجب أن يتم تعديل الأطعمة بعد الصوم بتأنٍّ. لا ينبغي على الأطفال ولا على الكبار أن يأكلوا في يوم واحد كل ما امتنعوا عنه خلال الصوم، مع الانتباه خصوصاً للأطفال الذين يعانون من مرض السكري أو زيادة الوزن….

باختصار ينبغي أن يتم الانتقال من الصيام إلى النظام الغذائي الاحتفالي باعتدال وبكميات صغيرة وإلا فإنه سوف يسبب الانزعاج الهضمي مثل القيء والإسهال وكذلك الحساسية الغذائية وزيادة الوزن واضطرابات التمثيل الغذائي مثل ارتفاع سكر الدم والكولسترول والدهون.

عادات الأهل الغذائية قدوة للأبناء لذلك من المفيد للأهل أن يعلّموا أولادهم الكميات والنوعيات الغذائية المناسبة ليصبحوا بالغين أصحاء.

الصوم الكبير يتمثّل بصوم المسيح

الصوم الكبير يتمثّل بصوم المسيح

سيرجي بولغاكوف

نقلتها إلى العربية أمل قرّة

إن التقليد بهدف التعليم لصوم المسيح خلال الفترة السابقة للأيام التي نذكر فيها آلام المسيح وموته وقيامته المجيدة، يعطي للصوم الأربعيني المقدس معنى خاص وقيمة بالنسبة لنا. إن آلام المخلص وقيامته تهبنا كلنا الرجاء أيضاً بقيامتنا إلى الحياة الأبدية. لكن لنحقق هذا الرجاء بتلقي حياة أبدية مباركة، نحتاج لأن نقلّد المسيح بالطهارة وقداسة الحياة، نحم بحاجة لأن نسلك بنفس سبيل الحياة، كما فعل المخلص أيضاً: سبيل التخلي عن النفس ونكران الذات، وإلى جانب ذلك سبيل الجهاد ضد شهوات طبيعتنا وميلها إلى الخطيئة.

يعتبر الصوم الأربعيني المقدس بمثابة المثال الأكثر ملائمة لاتباع هذه الطريقة. “إن نحن عايناها بإمعان، تدلّ الأيام الأربعين على حياتنا الحاضرة، كما كانت أيام الفصح أيضاً دلالة على حياة النعيم الأبديبحسب المغبوط أوغسطينوس. في الصوم الأربعيني لدينا التوبة، وفي الفصح لدينا الفرح. وفي الحياة الحاضرة علينا أن نكون تائبين حتى نصل في الحياة الثانية للفرح السرمدي. لذلك، كل شخص خلال حياته الأرضية عليه أن يتحسّر على خطاياه، يذرف دموعه، ويقوم بأعمال الشكر. ولكن إن كانت عقبات العالم غالباً تشوّشنا في هذا، عندها، وبِطاقة أكبر، علينا أن نملأ قلوبنا من عذوبة ناموس الرب خلال الأربعين يوماً المقدّسة.

خلال موسم الحصاد يُجمَع الطعام للجسد، لذلك خلال موسم الحصاد الروحي علينا أن نجمع غذاءً للروح، غذاءً يُؤكل للحياة الأبدية. إن كنا مهملين ولم نُعِدَّ شيئاً في موسمه فالعام كله سيقاسي المجاعة. بالتالي إن من يهمل الصوم، وقراءة الكتب المقدسة، والصلاة خلال هذه الفترة يفشل في جمع القمح الروحي والغذاء السماوي للروح. وسيجني العطش الأبدي والضيقات الثقيلة. حتى الكنيسة المقدسة تعبّر عن فكرة مشابهة عندما تصلي لله من أجلنا ليرشدنا في هذه الأيام الأكثر تكريماًمن الأربعين يوماً المقدسة، لشفاء النفوس والأجساد، للترفع عن الأهواء، ولرجاء القيامة، وليعطينا القوة من خلال الجهاد النسكي للسعي إلى الخير وإكمال شوط الصيام، ولحفظ الإيمان غير المنثلم، ونحطّم رؤوس التنانين غير المنظورة، ونظهر غالبين الخطيئة“. وبهذه الطريقة فالأيام الأربعين المقدسة تبعاً لمفهومها ومعناها بالنسبة لنا، تُعتبر نموذجا لحياتنا كما يجب أن تكون. وبشكل أوضح: الحياة ليست للجسد ولا لهذا العالم، وإنما للسماء والأبدية.

حبل التريودي المشدود

حبل التريودي المشدود

للمتقدم في الكهنة الأب توماس فامفينيس

نقلتها إلى العربية شيم حموي

زمن التريودي هو الحبل المشدود بين الإفراط والحاجة، وبين السلوك الاجتماعي والجوهر الداخلي، وبين التحرر والطاعة. عن طريق ترانيم التريودي وكلمات الآباء القديسين تشجب الكنيسة الإفراط في الطعام دون حدود ولكنها في نفس الوقت تحذر من الإفراط في الصوم لاسيما على سبيل الكبرياء. أنها لا تهدف إلى تعذيب الجسد بل إلى تغيير التفكير من الداخل، والتشجيع على تحويل الأهواء، وجعل الدماغ هو المسيطر على الغضب والشهوة، حاثة على الصمت والصلاة بنفس القدر الذي تحث فيه على أفعال الرحمة. والكنيسة تلهم الطاعة لإرادة الله في المسيح ولكل الخليقة لأن هذه هي حرية المحبة.

إن تقدم الحياة الروحية والطاعة تحت الشروط التي وضعها آباء الكنيسة والانعتاق مما هو ليس لله تأتي جنباً إلى جنب مع تطور العلاقات الاجتماعية وازدهار السلوك الاجتماعي وليسا متضادين. كما أن معيار صحة حياتنا الروحية هو بالحقيقة نجاح علاقاتنا الاجتماعية، واختبار صحة علاقاتنا الاجتماعية هو تجسيد سلام قوانا الروحية المترافقة باستنارة عيون قلوبنا الذهنية والتواضع في أفكارنا والتحرر من عبودية الأفكار بحسب كلمات الصلاة التي نقرأها بعد كل مناولة إلهية.

إلى هذا، الطاعة الحقيقية لنظام الكنيسة وقوانينها التي وضعت بوحي من الروح القدس هو التنسيق بين وجودنا وحرية كوننا أبناء الله. ومع ذلك يوجد في مجتمع المؤمنين حركات تغيير استقلالية حديثة تدمر جامعية طريقة الحياة الكنسية. وبالتالي الحركات التحررية التي هي سلسلة من التغييرات في روح الشعب والإيمان وتقليد الكنيسة الأرثوذكسية الكنسي والليتورجي. وهكذا تتطابق الحياة الداخلية مع التراخي والكسل ويُستَخَفّ بها وتُستبدَل بالنشاطات الاجتماعية. وعلى العكس، إن الخدمة والأعمال الاجتماعية تأتي في مرتبة أدنى من الحياة الهدوئية وتعد تعبيراً عن حالة روحية مزيفة. أمّا الطاعة فتعتبر انضباطاً والتفلت يعتبر تمرداً.

يرتبط الإيمان في الكنيسة الأرثوذكسية بالعبادة التي تفترض الحياة النسكية والطاعة لرئاسات الكنيسة. فالرؤساء في الكنيسة هم أولئك الذين يعلمون الحياة في المسيح لشعب الله. هكذا فإن الحياة الاجتماعية والحياة الروحية، الطاعة والحرية في الحياة وتعاليم كنيستنا ليست حصرياً تبادلية ولا مربكة ولا تقصي الواحدة منها الأخرى بل على العكس من ذلك الواحدة منها تفترض الثانية.

لهذا هم يسمون الحياة الروحية تدميراً للأعمال الخارجية، ما يدفع بالنوس إلى التحرر من كل شيء مخلوق في الرحلة إلى صلاته المستدامة باحثاً عنها من خلال الأعمال المادية والمحدودة الخاضعة لقوانين الفساد وأحكام الدولة. إنهم ينسون أن المسيح قد تجسد طوعاً خاضعاً ليس للأب السماوي وحسب بل أيضاً لقوانين قابلية الفساد وضرائب الدولة.

أخيراً فإن رجل الكنيسة ليس ببساطة من ينسحب من العالم ولا من يختار العمل في العالم ولا هو مَن يتغير بأدوات محيطه التقنية وليس مَن يرفض وسائل الراحة الحديثة، إنما هو مَن يحوّل قلبه وتجاربه بقوة نعمة الله ويعيش الخليقة بأكملها كهيكل لله. هو ذاك الذي يجعل من نفسه هيكلاً حياً لله من خلال الطاعة المطلقة والطوعية للكنيسة ويساعد من خلال حياته وسلوكه الآخرين ليصيروا هم أيضاً بدورهم هياكل حية لله القدوس.

في هذا العمل العظيم نجعل أنفسنا والخليقة من حولنا كنيسة. ونجد مساعدة فعالة في فترة التريودي بشكل أساسي في الصوم عن الطعام. لكن الصوم غير محدود بالأكل فقط، بل هو يعرض طريقة حياتنا ويعلمنا بتحديد أكثر كيف يتوجب على الناس أن يبحثوا عن الله قبل القيامة العامة. هذا ما يفسر ضرورة أن نجاهد الجهاد الحسن في الصوم وخوض ميدان الفضائل عن طريق الصوم الكبير، لا بسيف الصوم الذي يجتث الشرور من القلب وحسب، بل إلى جانبه كل أسلحة الإيمان الأخرى كالصلاة والصدقة. والصوم عن الطعام لا يعتبر مقبولاً إذا لم يترافق بصراع أقوى ضد الأهواء كما نقرأ في صلاة السحرية في أسبوع البياض.

يا نفس إذا صمتِ عن الأغذية ولم تتنقي من الآلام فباطلاً تفرحين بترك الأكل لأن الصيام إن لم يصر علة لتقويمك فإنك تمقتين من الله ككاذبة وتضاهين الشياطين الأردياء الذين لا يأكلون بالكلية…”

إلى هذا فإن مضمون الصوم الكنسي الأرثوذكسي يحمل عمقاً واتساعاً يعبر عنه القديس يوحنا السينائي في (السلم) بقول يقرأ عادة في الأديار الأرثوذكسية خلال الصوم الكبير وهو يعطي تعريفاً شاملاً للصوم حيث يكتب:

الصوم هو اقتسار الطبيعة وإقصاء لكل ما يستلذه الحلق وبتر لالتهاب الشهوة وقطع للأفكار السيئة وتحرر من الأحلام الليلية وتنقية للصلاة ونور للنفس ويقظة للذهن وجلاء لقساوة القلب وباب خشوع وتنهد منسحق وتحسر فرح وتهدئة للثرثرة وسبيل للسكينة وحارس للطاعة وخفة للنوم وعافية للجسد ووسيط للاهوى وغفران الخطايا وباب للفردوس ونعيمه“.

بهذه الكلمات المختصرة الموجزة ليوحنا السلمي نجد المعنى الكامل للصوم الأرثوذكسي. لن أشرح النص ولكنني أريد أن ألفت الانتباه إلى العنف ضد طبيعة الإنسان الساقطة. إن النسك يخضع الجسد للذهن المتحرر من الأفكار الرديئة ويصلي بنقاء.

هذا المقياس الداخلي للصوم يرتبط بالتوبة والتنهد المتواضع والتوبة وندامة القلب التي لا تغرقه باليأس والحزن بل تعطي فرح الأمل بأن الخطايا سوف تغفر وأن باب الفردوس سيكون مفتوحاً للتائبين، وهناك شيء مهم في الصوم هو السكينة وسط الثرثرة وأداة للصمت وحارس للطاعة.

لا تغتذي الكنيسة بالكلمات الكثيرة لا سيما الغامضة والمربكة منها إنما بكلمات الكلمة. نحن وجميع الناس من حولنا نحتاج إلى كلمات قليلة وهذه يجب أن تخرج عن صمت القلب الذي يطيع في عمق اعماقه إرادة الله الصانعة السلام.

عدم الاهتمام بالعقيدة بين المؤمنين الأرثوذكس

عدم الاهتمام بالعقيدة بين المؤمنين الأرثوذكس

الأب جورج فلوروفسكي

نقله إلى العربية وعلّق عليه الأب أنطوان ملكي

ما هو بالتحديد ما شدّ الروس إلى الكنيسة؟ العقائد الأرثوذكسية أم التعليم الأرثوذكسي؟.. هذا كان في الماضي، خاصةً لدى الروم البيزنطيين، لكن ليس في روسيا. في زمان ما كان الناس مهتمين بالأسئلة الإيمانية، حتّى العلمانيين منهم. لكن الروس، ما عدا مجموعة من المتعلمين لاهوتياً منهم، لم يبلغوا إلى نقطة الاهتمام بمسائل الفكر اللاهوتي المجرد، وبالحقيقة لم يكونوا مهتمّين بكل المسائل اللاهوتية. قد يكون السبب أن الكنيسة فشلت في تنمية الاهتمام باللاهوت بين المؤمنين. لكن السبب الحقيقي في انعدام هذا الاهتمام هو أن الروس لم يهتمّوا ولا فهموا الوجه النظري لتحقيق أو تجسيد المُثُل العليا التي للكنيسة في حياة البشر. إلى هذا، إنهم يهتّمون بالوجه الطقسي للدين، جمالية الخِدَم، الأيقونات، الألحان وما شابهإن للطقوس قيمة عاطفية وتربوية، لكن قلّة الذين يفهمونها جيداً، والأغلبية لا يعرفون الحقيقة التي تشهد عليها أو ترمز إليها هذه الطقوس. خاصةً أن الطقوس بحد ذاتها تؤثّر وتحرّك وترفع وتوحي بغض النظر عن معناها.

ما إذا كان هذا الوصف دقيقاً لمقاربة الروس للمسيحية هو أمر غير مبتوت. لكن الموقف نموذجي بالنسبة لبعض مكوّنات الكنيسة الروسيّة. العديد من الكتّاب يؤكّدون أن الأرثوذكسيين يتعلّمون المسيحية لا من الكتاب المقدّس بل من حياة القديسين. كما أنهم يؤكّدون أن الأرثوذكسية بشكل عام ليست عقيدة بل حياة. الأرثوذكس لا ينشغلون بالنظم العقائدية بل بالحياة. إنهم لا يفهمون الحقيقة من خلال الفهم العقلي، بل من خلال القلب بطريقة جمالية. على المرء أن ينظر إلى التعليم الأرثوذكسي لا من خلال النظم، بل من خلال الصوَر، أي الطقوس والأيقونات. حتّى أن البعض يؤكّدون أنّ في الشرق الأرثوذكسي لا توجد نظرية المسيحيةبل بالمقابل يوجد قديسون وأيقونات وقصائد وغيره.

ما من أرثوذكسي أو كاثوليكي ينكر الأهمية الأساسية للطقوس وحياة القداسة. لكن المربِك في الصياغات التي أشرنا إليها هي اقتصاريتها (exclusiveness)، وتركيزها على النفي والاستلحاق لابل“. يتساءل المرء لماذا تُقيَّد النظم العقائدية والفهم العقلي ويُزدَرى بها ويُقضى عليها تقريباً. يبدو الميزان مكسوراً. في مطلق الأحوال، هذا التشديد الزائد على الوجه الفنّي للطقس لا يتّفق مع التقليد الحقيقي للفن الأرثوذكسي. وإذا كان ممكناً أن يتعلّم المرء من الترتيل والأيقونات الأرثوذكسية فهو بالتحديد لأن نظريةً مسيحيةً محددة مجسّدة ويعبّر عنها هناك. النظرية تعني قبل أي شيء التأمّل، إنها تبصّر ورؤيا، تبصّر شعري ورؤيا عقلية. بحسب التقليدي الروحي الأرثوذكسي، النوس هو القوة الحاكمة في الحياة الداخلية. الترتيل الأرثوذكسي الشرقي التقليدي الذي ورثه الروس عن اليونان ليس مجرّد كلمات، ولا هو معلَّم بالعاطفة بل بالرزانة. إنه شعر سامٍ لكنه بالحقيقة شعر ميتافيزيكي أو بالأحرى شعر لاهوتي ولا يتردد باستعمال مصطلحات لاهوتية محددة. بالواقع، إن بعض أهمّ الترانيم في الكنيسة الشرقية هي ببساطة إعادة صياغة للتحديدات العقائدية:ابناً متجسداً بغير أب هو المولود من الآب قبل الدهور بغير أمٍّ ولم يَنَلهُ تغيير أو انعجان أو انقسام، بل حفظ خاصّةَ كلّ من الجوهرين سالمةً(ثيوطوكيون باللحن الثالث). هذا هو تحديد مجمع خلقيدونيا وهو يتطلّب فهماً لاهوتياً. لقد قيل بحق أن الأيقونات الأرثوذكسية هي تحف عقائدية” (بولوتوف) لأنها تشهد للحقيقة نفسها التي تحددها العقائد، وبحسب المجمع المسكوني السابع، يجب ضبط الأيقونات بعقيدة صحيحة.

بالطبع، العقائد ينبغي عيشها وليس تقييمها بالتفكير المجرّد وحسب، ولهذا السبب بالذات يصير الإلحاح على الحياة لا العقيدة أمراً مضللاً. عادة الانقسام والانفصال تشوّه الحياة نفسها. لا يمكن فصل الروحانية عن اللاهوت عند القديس يوحنا الدمشقي أو القديس غريغوريوس النزينزي. قد لا يصل المرء إلى لبّ روحانية القديس يوحنا كرونشتادت عندما يستخرجها عمداً من رؤيته اللاهوتية. القداسة في التقليد الأرثوذكسي تُفسَّر دائماً لاهوتياً، وليس من خلال فئات العاطفة الجمالية أو التمجيد، بل من خلال تصنيفات الرزانة الروحية بالأمانة للحقيقة.

من المحرج بالحقيقة أن الاهتمام بالنظم العقائدية قليل، على غرار الاهتمام بعقيدة الكنيسة، في مختلف دوائر المجتمع الأرثوذكسي وأماكنه في أيامنا، وأن التقوىغالباً ما تكون منفصلة بالقوة عن الإيمان“. هناك الكثير من الاهتمام بالأوعية والقليل منه بالكنز الذي وحده يجعل الأوعية ثمينة. الرموز والطقوس هي مركَبات للحقيقة، إذا فشلت في إيصالها تفقد وظيفتها. للأسف كثيراً ما نسمع أن الاهتمام بالعقائدهو أمر بالغالب قديم ويعكس موقفاً يونانياً أكثر منه روسي. لا يوجد إلا تقليد إيمان أرثوذكسي واحد وهو يسمو فوق كل الحواجز القومية. عيد الأرثوذكسية الذي ما زلنا نحتفل به في الأحد الأول من الصوم هو عيد لاهوتي بشكل فائق الدقّة. إن تراث الآباء هو محور تقليدنا الأرثوذكسي وهو تراث لاهوتي. تعليم الآباء العقائدي هو ربيع الأرثوذكسية في الحياة. يستطيع المرء أن يؤكّد أن التشوّش القائم اليوم في الحياة سببه المباشر هو الإهمال المعاصر للتعليم السليم والافتقار للتعلّم السليم في شؤون الإيمان.

تَثْبُت الأرثوذكسية بأمانتها للمجامع المسكونية السبعة. في أغلب الأحيان، يُنسى أن ما شغل المجامع هو بالتحديد صياغة العقيدة المسيحية وتفصيل النظم العقائدية. أهي خطوة نحو الأمام أننا اليوم لا يحركنا ولا يثير إعجابنا هذا التعليم العقائدي الذي وضعه هؤلاء الرجال العظماء الذين قدّموا حياتهم بكاملها لتثبيت الأرثوذكسية، الإيمان الصحيح؟ نحن نمتدح الأقمار الثلاثة قبل كل شيء كمعلمين للمسكونة، لكننا وبشكل غريب لا نبالي لمساهمتهم الدائمة في حياة الكنيسة: أي بالتحديد تعليمهم ولاهوتهم وتفسيرهم للحقيقة المسيحية بكلمات العقل. ألا نحتاج، كأولوية، أن تستنير عقولنا بنور المنطق في هذه الأيام التي يسيطر فيها التشوش العقلي؟ من دون توجيه رزين ومن دون عاملِ العقيدة الصحيحة الراسخ لا تستطيع مشاعرُنا إلا أن تخطئ وقلوبُنا إلا أن تعمى.

علينا أن نقبل إحياء الدين ويقظة القلب الحاليين كعطية من النعمة وعلامة للرحمة الإلهية، لكنهما أيضاً استدعاء جذري ودعوة للدرس والفهم، إلى معرفة الحق الذي يحتضن حياتنا الأبدية. يوجد تحامل بائس من مصادر غير أرثوذكسية مفاده أن العقائد مجرّدة واللاهوت هو نشاط فكري (intellectualism). ربّنا ومخلصنا هو الكلمة (the Logos) وهو ينير كل الناس، والروح القدس معطي الحياة هو روح الحق. العواطف هي أمزجة بشرية بينما الحق إلهي. فلنزيّن الأوعية من دون أن ننسى أنها خزفية لكن فيها يختبئ كنز أبدي هو كلمة الحياة.

النص أعلاه كتبه الأب جورج فلوروفسكي في الثلاثينيات من القرن الماضي وعنوانه الكامل انتقاد لعدم الاهتمام بالعقيدة بين المؤمنين الأرثوذكس الروس”[1].

مذهلة مطابقة وصف فلوروفسكي للوضع الروسي في حينه والوضع الأنطاكي اليوم. دراسة علاقة اللاهوت بالحياة أمر كان وما زال ضرورة للحياة نفسها في كل مكان. ينتقد الأب فلوروفسكي عدم اهتمام المؤمنينبالعقيدة، وفي هذا الانتقاد يقدّم تعليماً متكاملاً حول علاقة اللاهوت بالحياة ودوره فيها. ماذا تراه يقول عن أنطاكية اليوم، أي بعد ثمانين سنة تقريباً من كتابة هذا المقال، وهي المدة نفسها منذ انتشار العمل النهضوي في أنطاكية على المستوى الشعبي، مع نشوء حركة الشبيبة الأرثوذكسية بشكل أساسي، وما تبعها ونتج عنها لاحقاً من إنعاش للحياة الليتورجية وإحياء للحياة الديرية؟ ينتقد فلوروفسكي عدم اهتمام المؤمنين بالعقيدة، فماذا تراه يقول لو قرأ محاضر المجمع الأنطاكي، أو اجتماعات كهنة الأبرشيات (حيث تُعقَد)، حيث يرِد كل شيء إلا اللاهوت أو المناقشة اللاهوتية؟ في أنطاكية، لا مكان للاهوت خارج معهد القديس يوحنا الدمشقي، إذا تواجد هناك، إذ لا يستطيع فكر أن يستمر ما لم يجد تصريفاً له. لو كان فلوروفسكي، أو أي لاهوتي آخر يسلك طريقه، في أنطاكية لكانت تعاملت معه الإدارة الكنسية كعبء من الحلال إقالته وإسكاته ونفيه.

إن انتقاد فلوروفسكي لروسيا في الأربعينيات، وما شابهه من المساهمات الغيورة، هي التي سهّلت وقوف الروسيا على قدميها بعد سبع عقود من القمع. وغياب الفكر اللاهوتي هو بالتحديد أول مانع لأنطاكية من الوقوف على قدميها. “تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ” (رؤيا 21:20).

[1] “A Criticism of the Lack of Concern for Doctrine Among Russian Orthodox Believers”. From The Collected Works of Georges Florovsky, ed. Richard S. Haugh (Belmont, MA: Nordland), Vol. XIII, Ecumenism I: A Doctrinal Approach, pp. 168-170.

تينة القلب

تينة القلب

 حول إنجيل الأحد الأول من الصوم

الأب أنطوان ملكي

نثنائيل يقف تحت التينة. في تفسير الآباء الرمزي للتينة أنها خطايا الإنسان. كل واحد منّا عنده تينته وهو يقف تحتها. تينة الإنسان هي همومه وشكوكه وأهواؤوه وتجاربه. يقف تحتها ويظن أنه وحيد ولا أحد يراه أو أحد يهتمّ لما يفعل. لكن الربّ يرانا وينتظرنا ويدعونا من تحت التينة إليه، فإذا قبلنا الدعوة أراحنا أما إذا تمسمرنا حيث نحن، ظانين أنّ ظل التينة يخفي أهواءنا فإنها تتضاعف وتقوى علينا. لكنّ طبعَ الإنسان معاند. فيلبس يدعو نثنائيل والأخير يسأل: “أمِن الناصرة يخرج شيء حسن؟هذا سؤال نسأله كثيراً في حياتنا اليومية لأننا دائماً نصنّف ونميّز ونميل نحو اعتبار كل شيء لا يخرج منّا غير حسن وما يخرج منّا حسناً. كلّ واحد منّا يخلق ناصرته الخاصّة به. لكن الحقيقة هي أن ناصرة المؤمن في قلبه، لأن السيّد يتربّى وينمو في الناصرة. فإذا اهتمّ المؤمن بناصرته تصير مصدر ما هو حسن، أمّا إذا أهملها فيصير السؤال أمِن الناصرة يخرج شيء حسن؟سؤالاً ملحّاً وخطراً وعليه يتوقّف الكثير. معنى هذا السؤال على المستوى الشخصي مهم: أمِن قلبي يخرج شيء حسن، أأستطيع أنا أن أكون مصدر خير، أأستطيع أن أتغيّر، أأستطيع أن أتوب، أأستطيع أن أمضي من تحت تينتي إلى فيء المسيح؟ هذا معنى السؤال على مستوى قلب الإنسان. أمّا إذا أبقى السؤال على مستوى فكره، فهو لن يكون قادراً على تخطّي ما رسمه هو ومجتمعه عن الآخرين، والخانات التي وضع فيها الآخرين، أو حتّى وضع نفسه فيها. كثيرون لا يخرجون من خطيئتهم لأنهم لا يرون في أنفسهم القدرة على التوبة والتبدّل، لأنهم لا يعرفون أن التوبة والتبدّل هما بالمسيح وأن الدعوة تأتي منه، قبل أن نلاقيها أو نبادر إليها. نحن نصنّف الآخرين بإرادتنا وانتباهنا ونصنّف ذواتنا من دون أن نعي ذلك.

 إن لم يكن ما يخرج من قلب الإنسان حسناً فأيُّ إنسان يكون هو؟ على كلّ إنسان أن يأتي وينظر إلى قلبه وما يخرج من قلبه. كلنا نعاني من الشكّ ومن عدم الثقة التي تتطلّب الإيمان. وهنا تأتي دعوة فيلبس في محلّها تعالَ وانظر“. هذه الدعوة تقدمها لنا الكنيسة لننظر ما فيها، لنغلب شكّنا ونستعيد ثقتنا بالربّ ونسلك بحسب إيماننا. إن أهواءنا تجرّبنا بقوة أكبر خلال الصوم، وخاصةّ في الأسبوع الأول، لهذا يتراجع الكثيرون بعد هذا الأسبوع، فيضعفون ويوقفون صومهم أو يفصّلون قوانين صيامية على ما يريحهم. ليس الجميع يتحمّلون ما يترافق مع بداية الصوم من الأهواء والشكوك والتجارب. لكن ينبغي أن نتيقّن أننا ونحن تحت تينة أهوائنا، غير متروكين ولا مستفرَدين، وأنّ المسيح سوف يدعونا ليريحنا. لهذا تقول الكنيسة للمؤمن تعالَ وانظر أنّ كل أسبوع من الصوم سوف يتكشّف عن تمجيد جديد وفرح جديد ونصر جديد. إن السؤال حول ما يخرج من القلب، عن ناصرة الإنسان التي في قلبه، ضروري خاصةً عند نهاية الأسبوع الأول من الصوم، لأن ما يجري في هذه الناصرة هو ما سوف يحدد مسيرة هذا الصوم. لا يظنن أحد أنه كامل ولكن لا يترك نفسه للمجرّب يحطّم معنوياته قائلاً له أن لا شيء حسن في ناصرتك. أن نلبّي دعوة الكنيسة فنأتي وننظر ونتعلّم ونتغيّر هو هدف الصوم الحقيقي.

دليل الأعلام في الكتاب المقدّس

دليل الأعلام في الكتاب المقدّس

إعداد ماريا قبارة

ملوك وأنبياء إسرائيل

يربعام الأول: (تضاعف الشعب) الملك الأول في مملكة اسرائيل الشماليّة. أقامَ أمكنة للعبادة تنافس تلك التي في أورشليم. 1مل 26:11؛ 20:14.

ناداب: (كريم) ملك اسرائيل 910-909ق.م. ابن يربعام الأول وخلفه. قتله بعشا. 1مل10:14-20؛ 25:15-28.

بعشا: (الشمس بعل) ثالث ملوك اسرائيل 909-886ق.م. اغتصب الملك من ناداب ابن يربعام. حارب يهوذا كلّ حياته ومال عن طرق الربّ. قضى زمري على سلالته. 1مل16:15-21؛ 9:16-11.

زمري: (من يشبه بقر الوحش) قائد في جيش إسرائيل. حكم إسرائيل اسبوعاً واحداً. 1مل8:16-20.

عمري: (مفلح) ملك إسرائيل 885-874 ق.م. أسّس السامرة عاصمة لملكه. وكان له شهرة في علاقات بني إسرائيل مع فينيقية وآشور وموآب. وسمى الآشوريون مملكة إسرائيل بيت خمرينسبة له. 1مل 15:16-28.

آخاب: (أخو الأب) ملك إسرائيل 874-853 ق.م. هو ابن عمري. انقاد لعبادة الأوثان تحت تأثير زوجته الكنعانيّة ايزابيل رغم توبيخ ايليا النبي، استولى على كرم نابوت ابزرعيلي؛ خصم إيليا. 1مل29:16-30.

أخزيا: (الرب يمسك) ابن آخاب وإيزابيل. خلف أباه على العرش وهو ثامن ملوك اسرائيل. حكم سنتين فقط 850-852ق.م. 1مل40:22.

يهوآحاز: (يهوه يأخذ) 814-798 ق.م. ابن ياهو وخليفته على المملكة الشمالية. ملك اسرائيل في السامرة سبع عشرة سنة. 2مل35:10؛ 1:13-9.

يهورام: يورام (يهوه مرتفع) ابن آخاب من إيزابيل ملك السامرة حوالي 850-843ق.م. قتله ياهو. 2مل3.

ياهو: (هو يهوه) ملك اسرائيل نحو 841-814 ق.م. اغتصب المُلك من يورام وقضى على سلالة آخاب. ووضع حدّاً لعبادة الأوثان. حاربه آرمية الشام واحتلوا منطقة شرقي الأردن.

يوآش: (يهوه منح) ابن يهوآحاز. ملك على اسرائيل في السامرة ست عشرة سنة حوالي 800-785ق.م. حارب أمصيا ملك يهوذا. 2مل9:13-25؛ 8:14-16.

شلّوم: (جزاء) ملك إسرائيل 743ق.م. اغتال زكريا وملك مكانه. اغتصب عرش اسرائيل وملك شهراً واحداً فقط. 2مل10:15.

يربعام الثاني: (تضاعف الشعب) أحد ملوك اسرائيل الأكثر شهرة، هاجم الأنبياء شرور المجتمع والطقوس البالية التي كانت تمارس أثناء حكمه. 2مل 23:14-29.

إيليا: (إلهي يهوه) نحو 880- 850 ق.م. الصيغة اليونانية لهذا الاسم إلياسوتستعمل أحياناً في العربية. من أنبياء إسرائيل. حاربَ العبادات الوثنيّة التي أدخلتها في إسرائيل إيزابيل زوجة آحاب. هربَ من وجه الملكة مرتين إلى صرفة صيدا حيث أقام ابن الأرملة، وإلى صحراء سينا. خذل كهنة باعال وأمر بقتلهم. رُفع إلى السماء على مركبة ناريّة. خلفه بالنبّوة تلميذه أليشع. 1مل17-19؛ 21. 2مل1:1-2؛18. لو28:9-36.

أليشع: (الله خلاص) أواخر القرن 9. من أنبياء اسرائيل. تلميذ إيليا النبي وخلفه في النبوءة ووظيفة التحكيم. وعندما ذهب إيليا إلى ما وراء الأردن لينتقل إلى السماء، أخذ اليشع رداء إيليا وضرب الرداء مياه الأردن فانفلق الأردن وانشطر وعبرَ أليشع إلى الجانب الغربي من النهر. 1مل16:19؛ 19-21. 2مل2-18؛ 14:13-20.

جيحزي: (وادي الرؤية) خادم أليشع. عوقب لأنّه طلبَ مكافأة من نعمان السرياني. 2مل4-5.

نعمان: (نعيم) قائد جيش آرامي شفاه أليشع من برصه. 2مل5.

عاموس: (حمل مثمر) منأنبياء بني اسرائيل. كان راعي غنم فانتدبه الله للنبوءة 780-744 ق.م. أنذرَ بقدوم آشور واستيلائهم على أرض اسرائيل. (سفر عاموس).

نابوت: (نبات) هو رجل عبراني من بلدة يزرعيل. كان عنده كرم بجانب قصر آخاب ملك السامرة. طمع آخاب بكرمه وقتله للاستيلاء على هذا الكرم. 1مل21؛ 34:22-38.

هوشَع: (الخلاص) آخر ملوك اسرائيل الشماليّة 732-724 ق.م. خلعه شلمنصر الخامس ملك آشور.

يوئيل: (يهوه الله) ابن فثوئيل. أحد أنبياء بني اسرائيل. نبوءته دعوة إلى التوبة والصلاة. 400-350 ق.م. (سفر يوئيل).

هوشع🙁الخلاص) 780-730 ق.م. من أنبياء اسرائيل الصغار. أعلن محبة الله لشعبه الخائن وبكتهم على نقضهم عهدهم مع الله. (سفر هوشع).

يونان: (يمامة) القرن 5 ق.م. ابن متاي من سبط زبولون. نبي روت التوراة أنّه طُرح في البحر وابتلعه الحوت وقذفه إلى البَرّ بعد ثلاثة أيام. دعا أهل نينوى إلى التوبة. معنى السفر أن الإيمان بالله ليس وقفاً على اليهود فقط. يش10:19-16. 2مل25:14. (سفر يونان).