السنة الثانية عشرة، العدد التاسع، حزيران2016

السنة الثانية عشرة، العدد التاسع، حزيران2016

مختارات آبائية

دواء الشغف بالأوليّة، الميتروبوليت يوئيل، مطران أديسا

عظة

لغة الثـّالوث! اﻷرشمندريت توما بيطار

رعائيات

المجمع الأرثوذكسيّ المسمّى الكبير، اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الشركة والمعلومة في واقع أنطاكية، اﻷب أنطوان ملكي

لاهوت / دراسات آبائية

التّعليم النسكيّ واللَّاهوتيّ عند القدّيس غريغوريوس پالاماس، المتروبوليت باسيليوس كريڤوشاين

حياة روحية \ ثمار الروح

صراع العبادة بين ربّين، اﻷب أنطوان ملكي

من ثمار الروح: الصلاح، كالينيكوس ميتروبوليت بيرياس

الدهريّة: تحدّي الكنيسة الأكبر، جايمس ليللي

دواء الشغف بالأوليّة

دواء الشغف بالأوليّة

الميتروبوليت يوئيل، مطران أديسا

مَن أراد أن يكون فيكم أولاً، فليكن للكلّ خادماً“.

آخر مرة ذهب المسيح إلى أورشليم كانت مثيرة، ليس فقط بالنسبة له، بل أيضاً لأولئك الذين كانوا يتبعونه. “وَكَانُوا فِي الطَّرِيقِ صَاعِدِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَقَدَّمُهُمْ يَسُوعُ، وَكَانُوا يَتَحَيَّرُونَ. وَفِيمَا هُمْ يَتْبَعُونَ كَانُوا يَخَافُونَ.” (مرقس 32:10). ومع تزايد توافد الحشود إليه، كان يزيد من المزيد الحديث إلى تلاميذه عن هذا وعن موته. تحدّث عن كأس الموت ومعمودية الدم. وأوضح لهم بأن طريقهم سوف تشبه في نواحٍ كثيرة ما سوف تنتهي به حياته. كان التلاميذ خائفين. حتى ذلك الحين لم يكونوا بعد قد وُضِعوا تحت أي اختبار. في هذه اللحظات الدرامية، جاء اثنان من تلاميذه وطلبا أن يُعطى لهما مكان الصدارة، الأمر الذي اضطر المسيح لأن يقول لهم أن كلّ من يريد أن يكون أولا يجب أن يكون خادماً وعبداً لجميع الآخرين.

كونه ملك القوات السماوية، رضي المسيح أن يولد طفلاً في مذود في مغارة، وأن يتربّىعلى نحو بسيط في بيت نجار ووالدته ، كما يقول القديس باسيليوس الكبير. كما أنّه وافق أيضاً على أن يعتمد على يد واحد من مخلوقاته، ويُصلَب، ويخضع لأفظع الميتات. لا شيء من ذلك حرّك التلاميذ. وكان هذا لأن الطموح والرغبة في الأوليّة كانا المشاعر الطاغية التي تزعج الكثير من الناس، حتى في سنوات المتأخّرة. السيد المسيح كلّمهم عن آﻻمه فيما كانوا يحلمون بالشرف والمجد. لقد كانوا تلاميذ المسيح، لكنهم لم يكونوا قد نموا، وربّما كانوا تحت تأثير عاطفة ما أو غيرها. نحن نرتفع إلى أعلى المناصب، ولكن عواطفنا تبقى حيّة في داخلنا. ويقول آباء الكنيسة أن الرغبة الوحيدة للخطأة، إذا تابوا، هو التخلص من كل عواطفهم، وبعبارة أخرى، أهوائهم الشخصية، وسلوك حياة مواهب الروح القدس. يثبت الناموس الروحي أن الذين يرغبون بأن يسودوا على غيرهم من الناس وجعلهم تابعين، فسوف يصيرون الأكثر خزياً، والأكثر حقارة وكرهاً من الجميع. على سبيل المثال، أراد الشيطان أن يصبح أولاً وانتهى به الأمر أخيراً. الناس الذين يستحقون المجد ليسوا أولئك الذين يسعون إليه، بل أولئك الذين يزدرون به. المجد هو مثل ظلّ الشخص: بقدر ما تطارده، يذهب بعيداً.

لقد وضع المسيح مرهم التواضع على جرح الطموح والرغبة في التسلّط.

إذا كان رسول الرأي العظيم، أي المسيح، قد تواضع هكذا، فعلينا نحن أيضاً، أن نكون مستعدين لاتّباع نفس المسار. “وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ(فيليبي 8:2) كما يذكر الرسول بولس بشكل قاطع. بقدر ما يرتفع الناس يجب عليهم أن يواضعوا أنفسهم لا أن يفتخروا. السلطة تُعطى للناس لا ليستبدّوا بل لخدمة الآخرين. يقول القديس يوحنا السلمي: “ليس فقط لتخفيف جراح الآخرين ولكن أيضاً لرعايتها. فقط من خلال التواضع يكتسب القادة الوضع الطبيعي للسلوك تجاه الآخرين. لقد وقّعنا اتفاقاً مع الله ينطوي على التوبة، وليس على السلطة “.

سلوك الرؤساء اليوم

اليوم، قادة الدول وكلّ مَن عندهم شيء من السلطة هم في خطر الوقوع في خطيئة طلب الصدارة والهيمنة على الآخرين. نحن جميعاً نريد أن نسود على غيرنا من الناس. القادة العسكريون والرجال والنساء ورجال الدين والعلمانيين والقادة السياسيون وكلّ من بيده شكل من أشكال السلطة هو في خطر من أن يصبح طاغية تجاه الآخرين. القادة الحقيقيون لا يفتحون الجروح بل يداوون الإصابة. يجب ان تمارَس السلطة بتواضع حتى تكون فعّالة. إن مثالَنا هو المسيح، الذي تواضع إلى حد كبير، لكي يتسنى لنا أن نرتفع إلى السماء. إنه هو الطريق اﻷكيد للسلطة. والتواضع هو دواء الاندفاع نحو الأوليّة.

لغة الثـّالوث!

لغة الثـّالوث!

اﻷرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، يسوع هو شمس العدل؛ يسوع هو الّذي تدور الخليقة في فلكه؛ يسوع هو العالَم الجديد. لذلك، الكنيسة، في فهمنا، هي جسد المسيح. وحين نقول عن الكنيسة إنّها جسد المسيح، فهذا يعني أنّها العالم الجديد، أنّها يسوع؛ ويسوع، في آن، هو رأسها. يسوع هو الكنيسة، وهو رأس الكنيسة. الكنيسة ليست، عندنا، مؤسّسة أو منظّمة، وليست جماعة المؤمنين. الكنيسة تمتاز، عندنا، بكونها ذات طبيعتين: طبيعة بشريّة، وطبيعة إلهيّة. كلّ شيء، فيها، هو من طبيعة إلهيّة بشريّة. لذلك، كلّ شيء، فيها، هو أسراريّ الطّابع. والسّرّ، عندنا، هو تجلّي غيرِ المنظور في المنظورات، تجلّي الإلهيّاتِ في البشريّات. الكلمة الّّتي نتفوّه بها، في كنيسة المسيح، هي، في آن، كلمة الله وكلمة النّاس. وكلمة الله يتجلّى الله فيها من خلال ما هو مسموع، أو من خلال ما هو مقروء. هكذا، حين نصلّي، في كنيسة المسيح، نتعاطى أمرًا إلهيًّا بشريًّا، في آن. نطلب إلى الله بكلام بشريّ، نسأله، نلتمس منه البركة؛ وفي آن، يأتينا، ينزل علينا كحضور روحيّ إلهيّ، بكلّ معنى الكلمة.

إذًا، إذا كنّا نحن أبناءَ الكنيسة المقدّسة، فهذا معناه أنّنا بتنا، أيضًا، ذات طبيعة إلهيّة بشريّة. ما هو فينا، ما أُعطي لنا هو إلهيّ وبشريّ. صحيح أنّنا ننتمي، من جهة البشرة، إلى هذا العالم. لكنّنا، من جهة الطّبيعة الإلهيّة، ننتمي إلى يسوع؛ نحن نأتي من يسوع؛ نحن نأتي من روح الله. لذلك، حين نسمع القول أنتم هيكل الله، وروح الله ساكن فيكم” (1كور3: 16)، فهذا يوضح، بجلاء، أنّنا نجمع ما بين السّماء والأرض، نجمع ما بين الإلهيّات والبشريّات. نحن نقطة الالتقاء بين ما هو من فوق وما هو من هذا العالم، بين ما هو مخلوق وما هو غير مخلوق. لقد أُعطي لنا كنز في آنية خزفيّة، وهذا الكنز هو روح الله. على هذا، يا إخوة، نحن، بانتمائنا إلى كنيسة المسيح، بتنا أبناء الملكوت، بالإضافة إلى كوننا أبناء هذه البشرة؛ ونتعاطى كلّ شيء على هذا النّحو. نحن لا نتعاطى شيئًا، في حياتنا، إلاّ تحت هذا العنوان الإلهيّ البشريّ. إذا أكلنا، مثلاً، فالأكل، بالنّسبة إلينا، ليس، أبدًا، موضوع طعام من هذا الدّهر وحسْب! لا شكّ في أنّ ما نأكله هو طعام من هذا الدّهر. لكنّ هذا الطّعام، الّذي هو من هذا الدّهر، من هذه الأرض، قد صار حمّالةً لطعام سماويّ. لهذا السّبب، نحن لا نأكل إلاّ إذا بارَكـْنا المائدة. لماذا نبارك المائدة؟! نحن لا نبارك المائدة، فقط، لأنّنا نلتمس من الرّبّ الإله أن يُكثّر لنا الخيرات والبركات؛ بل نبارك، في الحقيقة، لأنّنا نعرف أنّ الطّعام، من بين كلّ ما له علاقة بحياتنا، هو مدخل إلى الملكوت، وهو محَطٌّ للحضور الإلهيّ. الرّبّ يسوع يأتينا ويقيم في كلّ ما له علاقة بحياتنا. هو مقيم فينا! من هنا، يا إخوة، إنّه لَخطأ جسيم أن نتعاطى المادّيّات، في هذا الدّهر، باعتبارها مادّيّات وحسْب. نحن نتعاطى المادّيّات أسراريًّا! نتعاطى المادّيّات كسِرّ، أي كحضرة لله تأتينا من خلال هذه المادّة. لذلك، كلّ شيء، عندنا، برسم البَرَكَة، إلاّ الخطيئة. وكلّ شيء نتعاطاه دخل في السّرّ الإلهيّ الّذي انكشف لنا، والّذي أقام فينا، والّذي بتنا نحن امتدادًا له. طبعًا، هذا يشكّل صعوبة في تعاملنا مع الّذين لا ينتمون إلى سرّ المسيح وسرّ الإنجيل. الّذين لا ينتمون إلى المسيح، ينتمون إلى هذا الدّهر وحسْب. نحن لسنا من هذا الدّهر! يسوع قال ذلك بوضوح: “أنا لستُ من هذا العالم“. وهذا ليس، فقط، كلامًا ليسوع لأنّه ابن الله؛ بل هو كلام لكلّ واحد منّا. على كلّ واحد منّا أن يقول: “أنا لستُ من هذا العالم، أنا في هذا العالم، ولكنّني من المسيح، من روح الله“! المؤمن بيسوع لا يحقّ له، إذًا، ولا يليق به أن يتعاطى شيئًا من مفاهيم هذا الدّهر؛ لأنّ عنده بعدًا جديدًا أُعطي له، وهو الملكوت. وهذا لم يُعطَ للّذين لا يؤمنون بيسوع، وللّذين لم يعتمدوا باسم الرّبّ يسوع.

من هنا، يا إخوة، إنّ الكنيسة، بالنّسبة إلينا، عالمٌ جديد، بكلّ معنى الكلمة! عالم روحيّ بشريّ! هذا ما ننتمي إليه. وهذا العالم الجديد ليس كعالمنا. في عالمنا، هناك، دائمًا، مكان. نحن، الآن، في مكان. أمّا في العالم الجديد، أي في كنيسة المسيح، فلسنا في مكان. الكنيسة ليست مكانًا. جسد المسيح ليس مكانًا، بالمعنى المحسوس للكلمة. طبعًا، هناك تعابير محسوسة للكنيسة. ما دمنا نحن ههنا، فلا بدّ من أن يوجَد، دائمًا، تعبير محسوس عن الكنيسة. وكما قلت، الكنيسة حقيقة بشريّة، إنّما إلهيّة، أيضًا. في العمق، نحن، في الكنيسة، في حالة جديدة، حالة حقيقيّة جدًّا، لكنّها لا تمتاز بكونها ذات بُعد مكانيّ، بل تمتاز بكونها ذات بُعد روحيّ، وإلاّ ما كان الرّسول بولس قال عن الكنيسة إنّها جسد المسيح! ما دام هناك جسد، فهناك علاقة عضويّة. نحن في المسيح، والمسيح فينا. طبعًا، الرّبّ يسوع مميَّز فينا كشخص؛ ونحن، كأشخاص، مميَّزون عنه؛ لكنّه بالرّوح فينا، ونحن بالرّوح فيه. هذا ما يجعل الكنيسة كنيسةً. لهذا السّبب، لا يمكننا أن ندرك ما هو من الكنيسة بالعقل البشريّ، لأنّ الكنيسة ليست حقيقة عقلانيّة. نحاول أن نعبّر عنها بطريقة عقلانيّة على نحو تقريبيّ، كما نحاول أن نعبّر عنها بطريقة محسوسة، بكلّ ما هو بشريّ. لكن، تبقى الكنيسة، دائمًا، أكثر من التّعبير الّذي نلتزمه لنعبّر عنها. الحقيقة، يا إخوة، أنّنا، في الكنيسة، بإزاء وضع جديد كلّيًّا. يسوع حاضر، والرّوح القدس يجعله فينا، ونحن فيه. حين قال الرّبّ يسوع: “مَن رآني، فقد رأى الآب” (يو14: 9)، هذا، في الحقيقة، قاله بالجسد، قاله كإنسان، وهو إله، في آن معًا! نحن، أيضًا، بإمكاننا أن نقول، لا بل يجب علينا، في كلّ حين، أن نقول إنّ مَن رآنا فقد رأى يسوع، إنّ مَن رآنا فقد رأى الآب، إنّ مَن رآنا فقد رأى روح الرّبّ القدّوس! روح الرّبّ القدّوس لا يُرى، لكنّنا نحن أيقونته. والرّبّ يسوع، أيضًا، لا يُرى. وإن كنّا عرفناه بالجسد، في وقت من الأوقات، إلاّ أنّنا لسنا نعرفه، بعد، كذلك. ونحن، أيضًا، أيقونته. والآب، أيضًا، لا يُرى. لكن، ما دام الرّبّ الإله قد ارتضى أن يقيم فينا، لا فقط يسوع، ولا فقط روح الرّبّ، بل الآب السّماويّ أيضًا؛ فنحن أيقونته. وهذا قاله الرّبّ يسوع، بوضوح، في إنجيل يوحنّا: “آتي أنا وأبي ونسكن فيه” (يو14: 23)، أي في الّذي يؤمن ويكون عنده روح الرّبّ.

إذًا، يا إخوة، في الكنيسة، بإمكاننا أن نوجز ديناميّة الحياة الكنسيّة بكوننا، دائمًا، بروح الرّبّ القدّوس، على علاقة مستديمة بالرّبّ يسوع، وبالآب السّماويّ، أيضًا، أي بالثّالوث القدّوس. الموضوع، إذًا، ليس، أبدًا، موضوعَ تعاليم، أو عقائد، أو قوانين، أو ما شابه ذلك، مع أنّ هذه موجودة. لكن، هذه كلّها ليست سوى خارطة تشير إلى طبيعة العلاقات الحيّة، في كنيسة المسيح، بين المؤمنين والثّالوث القدّوس. الموضوع يكمن في هذه العلاقة الحيّة الدّائمة بيننا وبين الله. الكنيسة هي المكان غير المحسوس الّذي نكون فيه في علاقة دائمة مع الثّالوث القدّوس. وما دامت هناك علاقة، فلا بدّ من أن تكون هناك لغة مشتركة. الرّبّ يسوع كلّمنا بلغتنا. ونحن علينا أن نتكلّم بلغة الله. لا يكفي، أبدًا، أن يتكلّم يسوع بلغتنا. هذا مهمّ، طبعًا. نحن لا يمكننا أن نفهم، إن لم يكلّمنا يسوع بلغتنا. لكن، في آن معًا، نحن مدعوّون إلى أن نكلّم الثّالوث القدّوس بلغته هو! الثّالوث القدّوس عنده لغة. وهذه اللّغة علينا أن نتعلّمها، في كلّ حين. ما هي هذه اللّغة؟! هي لغة الصّلاة والعبادة. لهذا السّبب، سأل التّلاميذُ الرّبَّ يسوع قائلين له: “علِّمنا أن نصلّي“! علِّمنا“! هو علّمهم كيف يصلّون، أي علّمهم كيف يكونون في صلة مع الله، كيف يكونون في علاقة مع الله. الصّلاة لها علاقة بالصّلة. من دون صلاة، لا علاقة بيننا وبين الله. مَن لا يصلّي، فلا يمكنه أن يكون في علاقة مع الله. لهذا السّبب، صلّوا في كلّ حين، صلّوا ولا تملّوا” (لو18: 1)؛ أي ما دمنا في كنيسة المسيح، فعلينا، بصورة مستديمة، أن نكون في حال العبادة. هو يعلّمنا؛ المزامير تعلّمنا! كتاب المزامير هو كتاب الصّلاة بامتياز. الصّلوات الّتي نتعاطاها، في كنيسة المسيح، من أين أتتنا؟! أتظنّون أنّها أتتنا من الشـّعراء؟! أتظنّون أنّها أتتنا من أصحاب المواهب البشريّة؟! الصّلوات، عندنا، في الكنيسة، وضعها القدّيسون، وقد وضعوها بوحي من روح الرّبّ، أي إنّ روح الرّبّ هو الّذي علمّ ويعلّم النّاس، في كلّ حين، كيف يصلّون. وما يُقال عن الصّلاة يُقال عن الأيقونات، مثلاً. الأيقونات، عندنا، عمل إلهيّ بشريّ. اليوم، بكلّ أسف، نعتبر أنّ أيّ رسّام بإمكانه أن يقوم برسم أيقونة، وكأنّ الموضوعَ موضوعُ فنٍّ كنسيّ، وهو ليس كذلك، أبدًا. موضوع الأيقونة هو موضوع التّجلّي الإلهيّ في المنظورات. وما دام موضوعَ تجلٍّ إلهيّ في المنظورات، فالله هو الّذي يُظهر ذاته. لهذا السّبب، يُفترَض برسّامي الأيقونات أن يكونوا قدّيسين، أيضًا. وهكذا دواليك. نحن لا يمكننا، أبدًا، أن نقبل بهذا المنحى الدّهريّ في تعاطي الكنسيّات. “القدسات للقدّيسين“! كلّ ما له علاقة بالقدسات يتعاطاه القدّيسون، الّذين يعمل فيهم روح الرّبّ القدّوس. إذًا، عملُنا، في كلّ حين، في كنيسة المسيح، هو عمل عبادة. حين نرسم الأيقونة، نصلّي، نعترف بخطاياناطبعًا، يُفترَض برسّام الأيقونات أن يكون، قليلاً أو كثيرًا، صاحب موهبة بشريّة. ونحن قلنا، في كلّ حال، إنّنا، في كنيسة المسيح، بإزاء حقيقة بشريّة إلهيّة، لا فقط إلهيّة. إذًا، هناك شيء بشريّ، لا شكّ في ذلك. لكن، نحن لا نقف عند حدود البشرة، أبدًا. أندريه روبلوف، مثلاً، هو الرّسّام عندنا، أو هو نموذج الرّسّام عندنا؛ لأنّه سلك في القداسة، وفتح داخلَه على نور الرّبّ، والرّبُّ تجلّى له، وبتجلّي الله عبّر بهذه الطّريقة البشريّة الّتي عبّر بها. ولا شكّ في أنّه كان يتحلّى بمواهب خاصّة بشريّة؛ لكنّ الموهبة الأهمّ الّتي كانت له هي الموهبة الّتي أُعطيت له من فوق. في كنيسة المسيح، لا قيمة لشيء، أبدًا، إلاّ إذا كان من روح الله! كلّ ما تحت الشـّمس باطل! ما يجعلنا في الحقّ هو روح الحقّ. لهذا، الإيمان عندنا، يا إخوة، مرتبط بالعبادة، والعبادة مرتبطة عندنا بالإيمان. لا يمكننا أن نكون مؤمنين، إن لم نسلك في العبادة، بصورة متواترة؛ إن لم نلهج بالعبادة؛ إن لم نتنفّس عبادة. وفي آن معًا، لا يمكننا أن نعبد بالرّوح والحقّ، ما لم يكن إيماننا قويمًا، أي ما لم يكن يسوع فينا. الإيمان القويم، في الحقيقة، ليس، فقط، فكرةً تستقرّ في ذهن الإنسان وتكون فكرة صحيحة! الإيمان القويم، عندنا، هو أن نتحوّل إلى مسكن لروح الرّبّ. إذ ذاك، يكون إيماننا قويمًا.

إذًا، هناك علاقة محبّة بيننا وبين الله. الله مقيم فينا؛ الثّالوث مقيم فينا؛ ونحن مقيمون فيه؛ ونحن، دائمًا، نتكلّم لغة الله بالسّعي في العبادة الدّائمة؛ كما أنّ الله يكلّمنا، دائمًا، بلغتنا من خلال ما هو بشريّ، من خلال المحسوسات، من خلال الخليقة. هكذا، تتحقّق العلاقة، وتكتمل، بين الله وبيننا، في كنيسة المسيح. وهكذا نحيا في كنيسة المسيح. إذًا، الموضوع موضوع جديد كلّيًّا، علينا أن نعتاد عليه. لهذا السّبب، علينا أن نتمسّك، دائمًا، بما يُسمّى تراثًا في كنيسة المسيح، ما يُسمّى تقليدًا في كنيسة المسيح. التّقليد، في الحقيقة، هو أن نسلك في خطى الّذين سبقونا؛ وفي آن معًا، أن ننفتح على ما انفتحوا هم عليه، أي على روح الرّبّ، حتّى يكون التّقليد لا مجرّد أمور فاتت نستعيدها، بل يكون أمورًا حدثت في الأمس، ونحياها اليوم؛ لأنّ روح الرّبّ الّذي فعل في الأمس هو نفسه يفعل اليوم. وروح الرّبّ هو روح التّقليد، عندنا، وما يجعل التّقليد قيِّمًا، وقيِّمًا جدًّا وحيًّا. إذا فهمنا هذه الأمور، يا إخوة، يصير بإمكاننا أن نتعاطى الكنيسة، ونتعاطى الإلهيّات في كنيسة المسيح، بطريقة جديدة بالكامل، وإلاّ نجد أنفسنا نعتبر الكنيسة مجرّد منظّمة، أو عُصبة من هذا الدّهر، وهي ليست كذلك، أبدًا.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول متّى9: 18- 26 في السّبت 18 تمّوز 2009

المجمع الأرثوذكسيّ المسمّى الكبير

المجمع الأرثوذكسيّ المسمّى الكبير

اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

أخيرًا انعقد المجمع الّذي كان ينبغي أن يكون مجمعًا مسكونيًّا للكنيسة الأرثوذكسيّة الجامعة، لكنّ الخجل من الإعتراف بالأرثوذكسيّة أنّها الكنيسة الجامعة وأنّها تحمل ملء الإيمان الجامع، دفعهم ليطلقوا عليه صفة الكبير فقط.

لكنّ هذا الكبير انعقد صغيرًا، وكان الأجدى أن لا ينعقد، لأسباب عديدة. فعدم أمانته لروح وتعليم المجامع المسكونيّة التي انعقدت في تاريخ الكنيسة الطويل كان ظاهرًا. أوّل الأسباب هو تهميشه دور الأسقف، حين رفض دعوة كلّ الأساقفة الأرثوذكسيّين إلى المجمع؛ وعدم إعطاء كلّ واحد من الذين دُعُوا حقّ التصويت، لحساب نوع من بابويّة جديدة للبطاركة الأرثوذكس. لكنّ الخطر الأكبر لهذا المجمع يكمن في سعيه لإرساء قواعد أكليسيولوجيّة جديدة تُفتّت وحدة الكنيسة القائمة على وحدة الإيمان. في الأرثوذكسيّة، كل من يُخالف تعليم الكنيسة الواحدة وإيمانها الواحد يُصبح خارج الكنيسة وليس كنيسة. في أكليسيولوجيّة هذا المجمع الجديدة يتمّ الإعتراف بكنائس وبأسرار خارج الكنيسة الأرثوذكسيّة؛ لا يتكلّم هذا المجمع على هراطقة ومنشقّين وخارجين على الإيمان والكنيسة؛ هناك فقط تغاضٍ عن العقائد الصغيرة، كما يسمّونها.

كلّ المجامع السابقة عبر التاريخ، التي قبلتها الكنيسة في وجدانها الحيّ، المسكونيّة والمحلّيّة، كان همّها حفظ وحدة الكنيسة من خلال حفظ وحدة الإيمان الأرثوذكسيّ وتسمية الهرطقات وتبيان ضلالاتها. آباء الكنيسة، بدون استثناء، رفضوا رفضًا قاطعًا تسمية الخارجين على الإيمان الواحد كنيسة. يبدو ظاهرًا أنّ هذا المجمع يقطع تلك الاِستمراريّة في حفظ الإيمان الأرثوذكسيّ الواحد والمقدّس، التي جاهد في حفظها آباء الكنيسة العظماء، من القدّيس اغناطيوس الأنطاكيّ مرورًا بإيريناوس الليونيّ والكبادوكيّين ومكسيموس المعترف وفوتيوس العظيم وغريغوريوس بالاماس ومرقس الأفسسيّ. لقد كان واضحًا أنّ هذا المجمع، المسمّى الكبير، لا يطلب هذه الاِستمراريّة في حفظ الإيمان الأرثوذكسيّ الواحد والمقدّس، بل مسايرة روح العالم. إنّ رفض الاعتراف بالمجامع السابقة (879-880 على زمن فوتيوس الكبير ومجمع 1351 على زمن العظيم غريغوريوس بالاماس)، التي أخذت مكانة مجامع مسكونيّة في ضمير الشعب الأرثوذكسيّ المؤمن في كل مكان، يُثبت هذا الأمر.

كنائس أرثوذكسيّة عديدة لم تشترك، من بينها أنطاكية. أنطاكية لم تشترك لكنّ أسبابها، إضافة إلى مشكلة قطر التي كان ينبغي أن تُحلّ قبل انعقاد المجمع، لم تكن لاهوتيّةعقائديّة إنّما بالأكثر رعويّة. من المؤسف أنّه، ومن عقود عديدة وحتّى اليوم، أمور العقيدة والإيمان لا تُبحث في مجامع أنطاكية المقدّسة، وهذا أمر خطير

على الإيمان الأرثوذكسيّ، في زمن العولمة الدهريّة والحوارات المسكونيّة الفاسدة المدمّرتَين لكلّ الحقائق الإلهيّة التي سلّمنا إيّاها الربّ يسوع المسيح. العولمة ووليدتها البكر الحركة المسكونيّة، تهمّشان العقيدة وتقتلان في نفوس الأرثوذكسيّين هذا الحسّ المقدّس بالإيمان الواحد الّذي تسلّموه. هكذا يمزج إبليس الحقّ مع الضلال، المسيح مع بليعال.

الأساقفة، في الأرثوذكسيّة، أوّلاً وقبل أيّ همّ رعويّ آخر، هم حرّاس الإيمان الأرثوذكسيّ المقدّس. إنّ مجمعهم يكون مقدّسًا فقط إذا عرف كيف يحفظ نقاوة الإيمان الأرثوذكسيّ. كان إقرارًا جريئًا ومباركًا ما عبّرت عنه مجامع بعض الكنائس الأرثوذكسيّة، في مناقشتها قرار الإشتراك أو عدمه في هذا المجمع، كإقرار الكنيسة البلغاريّة: “خارج الكنيسة الأرثوذكسيّة المقدّسة لا يوجد كنائس أخرى، يوجد فقط هرطقات وانشقاقات. وأن نسمّي هؤلاء كنائسهو خطأ كلّيّ، لاهوتيًّا، عقائديًا وقانونيًّا“.

* عن نشرة الكرمة، الأحد 3 تمّوز 2016، العدد 27

الشركة والمعلومة في واقع أنطاكية

الشركة والمعلومة في واقع أنطاكية

اﻷب أنطوان ملكي

في زمان شبكات التواصل الاجتماعي، لم يعد ممكناً الكلام عن شركة من دون بعض اﻹشراك بالمعلومة صنعاً أو نقلاً أو تناقلاً. في ماضي الكنيسة، كان اﻷمر يتم من خلال الوعظ عامةً. أمّا اليوم، فاختلفت السبل، إذ كثُرَت المنابر خاصةً وأن اللاهوتلم يعد حكراً على اﻹكليروس.

في التحضير للقاء اﻷرثوذكسي الكبير، ظهرت هذه الشركة في العديد من الكنائس من خلال النشرات والرسائل التي توجهت إلى المؤمنين بشكل عام من المجامع أو من المطارنة، ومن خلال المؤتمرات والحلقات الدراسية التي لم تكن محصورة بأعضاء المجمع بل كانت عمومية ونتائجها معلَنة.

في أنطاكية، عندنا قصور تاريخي في تمتين الشركة عن طريق اﻹشراك بالمعلومة. فالدراسة المتأنّية تظهِر أن بيانات المجمع المقدس المنشورة لم تكن يوماً على القدر الوافي من الوضوح الذي يمكن على أساسه القول بأن الشعب الأنطاكي المؤمن مطّلِع على مجريات اﻷمور. فالبيانات بأغلبها عمومية في مقاربتها للأمور الداخلية للكنيسة، تفتقر للنقاش اللاهوتي، ومفعَمَة بالتمنيات الوطنية والمقاربات التقليدية لشؤون المجتمع والناس.

عرف هذا الواقع بعض التغيّر في مواكبة أعمال اللقاء اﻷرثوذكسي العام الذي انعقد في كريت في حزيران 2016. فالمجمع اﻷنطاكي انعقد في دورة استثنائية استمرت من 25 أيار 2016 إلى 27 حزيران 2016. وقد أصدر خلالها المجمع سلسلة من البيانات التي أعلَمَت المؤمنين عن تطور موقف المجمع من الأمور المطروحة، بدءً من اتخاذه قرار المقاطعة (البيان الصادر في 6 حزيران 2016) إلى اعتباره اجتماع كريت لقاءً تمهيدياً نحو المجمع الأرثوذكسي الكبير وبالتالي اعتبار وثائقه غير نهائيةٍ وخاضعةً للمناقشة والتعديل عند انعقاد المجمع الأرثوذكسي الكبير بحضور ومشاركة كافة الكنائس الأرثوذكسية المستقلة.” (البيان الصادر في 27 حزيران 2016). إلى هذا خرج أربعة من مطارنة الكرسي اﻷنطاكي شرحوا موقف المجمع ومسوغات قراره ورؤيته، وهذا تطور نوعي ولو متأخر. على مستوى الدائرة الخارجية للمجمع، لم يخترق الصمت إلا مقال في التراث اﻷرثوذكسي، وتعليق مقتضب جداً للميتروبوليت سابا إسبر، ورسالة مطوّلة غنية أرسلها الأرشمندريت توما بيطار إلى المجمع ونشرها على موقع ديره.

لكن بالرغم من هذا التقدّم النظري يوجد بعض المآخذ التي نرى نفعاً في إيرادها.

1- من حيث الشكل: بقيت مجريات الأمور كما محتوى اﻷوراق التي تمّ تدراسها محصورة في حاشية مجمعية محددة إلى أن صدر البيان الذي أعلن جلسات المجمع مفتوحة. هنا فُهِم أن المجمع يواكب التحضيرات لللقاء الكبير. من ثمّ، وبعد أن أعلنت أنطاكية مقاطعتها، ظهر أن أنطاكية أصلاً لم توقّع على الكثير من النقاط وظهرت إلى العلن الورقة التي تحمل توقيع ممثل أنطاكية وتقول برفضها التوقيع على عدد من النقاط ومنها إقامة “المجمع الكبير” في هذا التوقيت. طبعاً هذا ظهر في وسائل اﻹعلام اﻷرثوذكسية غير اﻷنطاكيّة. التساؤل هنا مشروع: لماذا على اﻷنطاكيين انتظار هذا الموقع أو ذاك بدل أن يعلموا الموقف من مصدره؟

2- من حيث المضمون: إن مقارنة محتوى البيانات الصادرة بالكلام الذي صدر عن عدد من الكنائس اﻷخرى التي قاطعت أو عن بعض الشخصيات اﻷرثوذكسية التي علّقت أو التي حضرت وعبّرت عن موقفها من اﻷمور المطروحة في أوراق هذا المجمع، تظهِر أن اعتراضات أنطاكية هي تنظيمية بمجملها. فالبيان اﻷخير الصادر في 27 حزيران يناقش بإسهاب مسألة المشاركة والتصويت وغيره وكله بالاستناد إلى اتفاقات سابقة وتحديدات تمّ التوافق عليها، بغضّ النظر عن درجة ملاءمتها للتقليد. فورقة العلاقة مع غير اﻷرثوذكسيينهي التي استقطبت القدر الأكبر من النقاش في فترة التحضير لللقاء وخلاله، لم يتوقف عندها المجمع اﻷنطاكي بأي تعليق في بياناته. كما أن ورقة رسالة الكنيسة اﻷرثوذكسية في العالم المعاصروهي التي أثارت القدر اﻷكبر من الجدال اللاهوتي في جلسات اللقاء لم يرِد في بيانات المجمع اﻷنطاكي أي إشارة لها.

طبعاً ليس متوقعاً من البيانات أن تحيط بكل القضايا أو أن تشرحها جميعاً، لكن بعض النقاط التي وردت ينبغي التوقَف عندها.

1- في البيان الصادر في 6 حزيران 2016، ترِد العبارة التالية: “وحيث إن الكنيسة الأنطاكيّة قد أعطت هذا الحدث، الأكبر والأجمل في حياة الكنيسة المعاصرة، مكانته التي يستحقها، بجعل كل وثائقه التحضيرية متوفرة باللغة العربية وفي متناول جميع مؤمنيها.” إلى اليوم لم نقرأ أياً من هذه الوثائق بالعربية، لا على الورق ولا إلكترونياً. لذا كان من اﻷجدى أن تذكر أمانة سر المجمع كيف وأين تمّ هذا.

2- وفي البيان عينه ورد: “وحيث إن الشعب المؤمن، وبعد اطلاعه على جدول أعمال المجمع ووثائقه، عبّر عن خيبته الكبيرة من أنّه لا يتطرّق للتحدّيات التي تواجهه، ولاسيّما قضايا الشباب، وعبّر عن قلقه من المنحى الذي اتّخذه هذا المجمع والذي يخالف الرؤية الأساسيّة التي كانت وراء انعقاده: أي التصدّي معاً للتحدّيات التي تواجه الكنيسة الأرثوذكسيّة في هذا العصر بغية شهادة واحدة في عالم اليوم؛قرأنا عن مؤتمرات ولقاءات لدى الكنائس اﻷخرى، أما في أنطاكية فلم نعرف عن أي شيء. فكيف وصلت خيبة الشعب الكبيرة إلى المجمع اﻷنطاكي؟ لم نعرف عن أي مبادرة لا من المجمع ولا من المؤسسات ولا من أي مطران أو حركة أو جمعية لدراسة هذه الوثائق بأي لغة كان وإصدار موقف منها. هنا أيضاً مطلوب من أمانة سر المجمع أن توضح لنا.

3- أيضاً في البيان عينه يرد: “أنّ موضوع الرزنامة الكنسيّة وتوحيد تعييد الفصحقد أزيل من جدول الأعمال وذلك بالرغم من أهمية هذا الموضوع بالنسبة للشعب الأرثوذكسي المؤمن في الكرسي الأنطاكي الذي ينتظر من الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة موقفًا رعائيًا بهذا الشأن“.

هنا اﻷسئلة كثيرة: ما هو الموقف الرعائيالمنتَظَر؟ أهو القبول بتوحيد العيد أم رفضه؟ على أي أساس قرّر المجمع اﻷنطاكي إعطاء هذا اﻷمر هذا الحجم وهذه اﻷهمية؟

إن تقاطع هذا الكلام مع بعض المعلومات التي وردت في اﻹعلام يرفع منسوب القلق من هذا الاهتمام. نذكر هنا موقف بطريرك الموارنة الوارد في الوكالة الوطنية للأنباء في 26 نيسان 2016 وفيه يتوقع من المجمع الكبير موقفاً من تحديد الاحد الثالث من نيسان كتاريخ موحد وبهذا يلاقي اﻷرثوذكس الكاثوليك واﻷقباط. وأيضاً الكلام الصادر عن مصدر كنسيفي الكنيسة اﻷنطاكية، في تقرير جورج عبيد على موقع tayyar.org في 11 حزيران، بعنوان خاص: لماذا كنيسة أنطاكية لن تشارك في المجمع الأرثوذكسيّ الكبير؟حيث يركّز على قضية حذف ورقة التقويم أكثر منه على قضية قطر كسبب لمقاطعة أنطاكية ويحكي عن إمكانية استقلال أنطاكية عن بقية الكنائس في مسألة العيد بالاتجاه نحو الفاتيكان والبحث مع البابا في الاقتراح الذي قدّمه، وذلك بخصوصية واضحة تختص بالمشرقيين.

في الختام، اﻹعلام ليس الهدف بل الشركة. يصبح اﻹعلام الكنسي فاعلاً في وجود الشركة الفعلية وتتغذّى الشركة بوجود اﻹعلام الفاعل. وهذا اﻹعلام لا يقوم جدياً على الوسائل ولا على عدد البيانات وحجمها، بل على الثقة التي ينقلها تواصل الرعاة مع الشعب.

التّعليم النسكيّ واللَّاهوتيّ عند القدّيس غريغوريوس پالاماس

التّعليم النسكيّ واللَّاهوتيّ عند القدّيس غريغوريوس پالاماسi

للمتروبوليت باسيليوس كريڤوشاينii

ترجمة الراهبة إيوانّا كعدي

حتّى يومنا هذا، لا يزال قسم كبير من أعمال القدّيس غريغوريوس پالاماس غير منشور أو غير معروف. كما أنّ نشر أعماله الكاملة (وتلك الّتي كتبها تلاميذه أو خصومه) قد تكون مقدّمة لمتابعة دراسة تعاليمه، وحياته ونشاطاته. لا ندّعي إطلاقاً، في هذا العمل الذي بين أيدينا، تقديم بحث تامٍّ وشاملٍ ومستنفذا.عن القديس غريغوريوس پالاماس.

القاعِدة النسكيّة-المعرفيّة gnoséologiqueiii لتعليم القديس غريغوريوس پالاماس

يمكن وصف الحياة الدينيّة، سواءٌ أفهمناها كاتّحادِ الإنسان مع الله أم كإدراكٍ لله من قِبَل الإنسان. بأنّها علاقة متبادلة وتفاعليّة بين الله والإنسان، بين الخالق وخليقته. فلذلك، إذا أردنا أن نفهم تعليم كلّ معلّمٍ روحيّ، وهنا غريغوريوس پالاماس (1296-27 تشرين الثاني 1359)، يجب أن نكتشف أوّلا كيف يَفْهَم هذا المُعَلِّم إمكانيّة الاتّحاد بين الله والإنسان، وكيف يُفكِّر بوسائل مقاربة الله وقدرة الإنسان على مثل هذا التصوّر. وما يراه من الطرائق لفَهم اللهٌ وقدرة الإنسان على مثل هذا الإدراك. هذا ما سيُشكِّل، إن أمكن القول، الركيزة النسكيّة-المعرفيّة لمنهج اللاهوت الذي يهمّناiv. فلنتفحّص إذاً الخطوط الرئيسة لهذا القسم من تعليم القديس غريغوريوس پالاماس، قبل أن نعالج عقائده اللاهوتيّة البحتةv.

إنّ مسألة إمكانيّة ووسائل مقاربة الله تحتلّ مكانة هامّة نِسبيّاً في أعمال غريغوريوس پالاماس. ما يجدر ذكره في البداية، هو أنّ غريغوريوس يبدأ بتأكيد استحالة إدراك الله بواسطة العقل، والتعبير عنه بوساطة الكلمات. فكرة أنّ الله لا يمكن معرفته بطريقة عقليّة هي مرتبطة بتعليم القديس غريغوريوس پالاماس حول طبيعة الله، لكنّنا سنقتصر هنا على البعد المعرفيّ للمسألة. على كل حال، لا شيء جديداً في هذا التأكيد. فإنّ غريغوريوس يَتمَوْضَعُ- وهذا ما يميّز تماماً الأرثوذكسيّة الشرقيّة – على صعيد اللاّهوت التنزيهيّ Apophatique، في الخطِّ المستقيم لتقليد القديس غريغوريوس النيصصي وديونيسيوس الاريوپاجي. فهو مِثلَهم يؤكّد استحالة تحديد الله، والتعبير عنه بأيّ اسم. هكذا، فالقول إنّ الله “لجّة نِعَمvi” abîme de grâce، يستدعي مباشرة تصحيحاً. “لكن بدقّة أكبر، فإنّ هذا الذي يحتوي هذه اللّجة abîme، يتسامى على كلّ ما يمكن أن نفكّر فيه أو أن نسمّيه”vii. إنَّ معرفة الله الحقّة لا يمكن الحصول عليها، لا بوساطة دراسة العالم المخلوق والمنظور، ولا بالجهد العقلي للنفس البشريّة. وحتّى الخطاب الفلسفيّ اللّاهوتيّ الأكثر تجريداً وذكاءً لا يمنكه أن يوفِّر رؤية حقيقيّة عن الله أو عن الاتّحاد به. “وحتّى عندما نفكّر لاهوتيّاً أو فلسفيّاً بمسائل منفصلة كليّاً عن المادّة”، يكتب القديس غريغوريوس پالاماس،” فإنّنا نقترب من الحقيقة ولكنّنا نبقى مع ذلك بعيدين جدّاً عن رؤية الله، وأيضًا غرباءَ عن الاتّحاد به بما أنّ الامتلاك (الله) يتميّز عن المعرفة. التكلّم على الله، والشركة معه [συντυγχάνειν، ليسا الشيء نفسهviii. هذا ما يفسّر موقفه تجاه شتّى أشكال الأنظمة العلميّة، منطقيّة كانت أم تجريبيّة؛ إنّه يعترف بقيمتها النسبيّة فيما يتعلّق بدراسة العالم المخلوق. وفي هذا المجال، يبرّر أساليبه– القياس العقليّ، والبراهين المنطقيّة، والأمثلة المأخوذة من العالم المرئيّ. أمّا في ما يتعلّق بمعرفة الله، فهو يؤكّد عدم كفايتها، ويعتقد أنّه يجب حتى ألّا تستخدم أبداًix.

حقيقة أنّ الله لا يمكن أن يـُعرف عقليّاً، لا تقود مع ذلك القديس غريغوريوس پالاماس إلى الاستنتاج أنّ الله غير معروف كليّاً وليس بمتناول الإنسان. إنّه يؤسّس لإمكانيّة اتّحاد الإنسان بالله، على خصائص الطبيعة البشرية. وعلى مكانة الإنسان في الكون. فلنَتَفَحَّص قليلاً عن كثب تعليم القدّيس غريغوريوس عن الإنسان. فكرته الأساسيّة، التي غالباً ما نجدها في أعماله، هي أنّ الإنسان خُلِق على صورة الله ومِثاله، وأنّه يحتلّ مكانة مركزيّة في الكون. الإنسان، المخلوق على صورة الله والجامع في ذاته العالم الماديّ وغير الماديّ(بما أنه مكوّن من نفس وجسد)، يظهر للقديس كنوعٍ من عالَمٍ مُختزَل، وعالم صغير يعكس الكونَ ويوحِّده معه في كلٍّ واحدٍ. ويكتب “الإنسان، هذا العالم الأوسع والمضمون في عالم أصغر، يجمع كل ما هو موجود في كلٍّ كامل، ويتوّج خليقة الله. لذلك خُلِق بعد الخلائق كلّها، كأنّنا نضع خاتمة في نهاية الكلام. ويمكننا أن نُسمِّيَ هذا الكون عمل الكلمة الاقنوميّx.” هذا التعليم عن الإنسان (الذي توجد عناصره عند غريغوريوس النصَصي) موسَّعٌ لدى غريغوريوس پالاماس، ومرتبط بمسألة الصلة بين الطبائع الملائكيّة والبشريّة، ومسألة قيمة الجسد البشريّ. خلافاً للفكرة السائدة التي تقول إنّ الملاك، كونه روحاً مجرّدة، أسمى من الإنسان، فهو يعلّم أن الإنسان يمتلك المثال الإلهي بمقدار أسمى من الملاك. ويكتب أيضاً “على الرغم من أنّ الملائكة هم أسمى منّا من نواح عديدة… غير أنّهم أدنى منّا … ذلك يعني أنّنا قد خُلِقنا على مِثال الله بمقدار أكبرxi. كون الإنسان لديه تشابه أكبر مع الله، يظهر أولاً في ما يلي، بينما تنحصر خدمة الملائكة بتنفيذ أوامر الله، فإنّ الإنسان، بصفته تحديدا كائناً أرضيّاً ونفسيّاً- فيزيولوجيّاً (بسيكو- فيزيولوجي)، مُعَدٌّ لأن يكونَ سيد الخليقة كلّها وأن يملِكَ عليها. “بينما الملائكة معيّنون لخدمة الخالق، ورسالتهم الوحيدة أن يَخضَعوا للسلطة (لم يعطَ لهم أن يسودوا على كائنات أدنى، إلاّ عندما يُرسلون لهذا الأمر من قبل مُخَلِّص الكل)، أمّا الإنسان، فهو مُعدّ ليس فقط ليكون خاضِعاً، بل ليَحكُم كلّ ما هو على الارضxii. فكرة كون الإنسان موهوباً بشَبَهٍ إلهيّ بدرجة عالية، موسّعة في التّعليم المتعلّق بالجسد البشريّ وما يعنيه في حياة الإنسان الروحيّة. يجدر بنا أن نُـنـَوِّه إلى أن غريغوريوس پالاماس كان معادياً شديداً للنظرية القائلة إنّ الجسد هو بحدّ ذاته مبدأٌ سيّئ ومصدر للخطيئة. إن رأياً كهذا يبدو له إفتراءً على الله، خالق الجسد، ومتأّتياً عن تحقير مانويّ، ثنائيّ للمادة . وقد ألّف أيضا حواراً طريفاً مكتوباً بأسلوبٍ مُبهِرٍ ضدّ الروحانيّة المانويّة الأُحاديّة الجانب، والتي بموجبها تنقاد الروح إلى الخطيئة عن طريق الجسد، وأنّ صِلاتَها بالجسد قد تكون سبب الخطيئة. في هذا الحوارِ، يُـشدِّد بقوّةٍ على أنَّ الجسدَ ، كما النفس، قد خلقه الله، وأنّ الإنسان ليس نفساً فقط، ولكنّه اتّحاد الجسد والنفس. “ليس الإنسان نفسا فقط ولا جسدا فقط، إنّما هو الإثنان معاً، فهما مخلوقانِ على صورة اللهxiii.” غالباً ما نجد هذه الفكرة عند غريغوريوس پالاماس. الجسد يعكس الصورة الإلهيّة كما تعكسها النفس، هذا ما يثبت نظرته بأنّ الإنسان، وتحديدا لأنّ له جسداً، هو في الواقع ممهورٌ بخاتـَم الشَبَه الإلهي أكثر من الطبائع الملائكيّة الروحيّة البحتة. فالإنسان أقرب إلى الله (وذلك كونه مخلوقاً، أكثر ممّا هو فكرة إلهيّة)، على الرغم من أنّه قد فـَقـَد هذا الشـَبه بعد السقوط، بمعنى أنّه سقط أدنى من الملائكة. إنّ واقع امتلاك الإنسان جسداً، يسمح له بالتواصل مع الله بطريقة تستحيل على الملائكة. فالقديس غريغوريوس يتساءل “أيّ ملاك باستطاعته الاقتداء بآلام وموت المسيح كما فعل الإنسان”xiv. وهو يكتب أيضاً “أُنعِمَ على الطبيعة الملائكيّة بالذّكاء، كما بالنُطق الّذي ينشأ عن هذا الذكاء وندعوها روحا، لكن هذه الروح لا تعطي الحياة لأنّها غير مُقترَنة بجسد، فهي إذاً لم تتلقَّ القدرة على إعطاء الحياة والحفاظ عليها. لكنّ الروح، المخلوقة بجسد ماديّ، تلقى من الله القوة لتعطيَ الحياة، كونها الوحيدة الموهوبة بالذهن [νοῦν]، والكلمة [λόγον]، والقوة الواهبة للحياة. هي وحدَها، أكثر من الملائكة، مخلوقة على صورة اللهxv“. بالتأكيد، الصورة الإلهية لا تعتبر في الجسد بذاته، لكن في الروح المعطي الحياة الذي ينتمي إلى الإنسان. لكنّ الجسد، بعيداً عن أن يكون عقبة، يتيح الفرصة لهذه الروح في الظهور. في حين أنَّ الملائكة، ككائنات غير ملموسة، هم عادمو هذه الروح. في هذا المعنى، فإنّ الشّبَهَ الإلهي لم يُفقَد حتّى بعد السقوط. “بعد خطيئة أجدادنا، توقّفنا عن أن نكون مثل الله. لكنّنا لم نتوقّف عن أن نَعكِس صورة الله”xvi. وبصفة عامّة، يناسب الهراطقة، أن يرَوا مبدأ الشرِّ في الأجساد.” يقولون إنّ الجسد هو سيِّئٌ ومن خـَلق الشريرxvii. لكن بالنسبة للأرثوذكس هذا الجسد هو “هيكل الروح القدس” و”مسكن الله”xviii. وهكذا يمكن أن نفهم، وَفْقا لغريغوريوس پالاماس، كيف أنّ الجسد تحت تأثير الروح يمكن أن يكون “مستعدّاً روحيّاً” xix، وكيف أن عدم التأثّر ليس ببساطة قتل الأهواء الماديّة، لكنّه “أفضل طاقة مُبدِعة” للجسدxx. وبشكل عام، الجسد يشارك بالحياة الفائقة الطبيعة للروح، ليس فقط بعد القيامة، لكن منذ الآن. “إذا كان على الجسد أن يتقاسم غنى الروح اللّامتناهي، فممّا لا شكّ فيه أنّ باستطاعته المشاركة بها منذ الآن، وأنَ تكون لديه خبرة إلهيّة. ولكن أهواء الروح يجب أوَّلاً أن تتحوّلَ وتتطهّر من دونِ إزالتهاxxi.

بالإضافة إلى ذلك تجدر الإشارة، في سياق تعليم القدّيس غريغوريوس عن الإنسان، إلى الدور الذي يعطيه للقلب في الحياة الفكريّة والروحيّة. فهو يعتبر القلب مركز الحياة الروحيّة للإنسان، بوصفه العضو الذي تستخدمه الروح لمراقبة الجسد، وحتى كمصدر ودعم للنشاط الفكريّ البشريّxxii. “نحن نعرف على وجه اليقين أنّ القلب هو آلة الفكر. عَلِمْنا هذا ليس من الإنسان بل من خالق الإنسان، الذي يقول في الإنجيل. “الأفكار تأتي من القلب”. القلب إذاً هو “كنز الأفكار”xxiii ومركز الجسد في الوقت نفسه.

التعليم أنّ الإنسان هو على صورة الله، وأنّه يُظهر هذا التشابه الالهي في كيانه النفس-مادي، وأنّه نوع من عالم صغير، والذي يشرح كيف أنّ تواصلاً حقيقيّاً بينه وبين الله ممكن الحدوث، وإمكانيّة التوصّل إلى معرفة أعمق عن الله، من تلك التي تأتي من النشاط الفكري الوحيد أو دراسة العالم الخارجي. إنّ هذا التعليم نفسه ينطلق بالحقيقة، من مبدإ الشَّبَه الإلهيّ في الإنسان، يؤكد القديس غريغوريوس أنّ الإنسان يمكن أن يحقّق الشركة مع الله بحَفظِه وصاياه قبل كلّ شيء؛ فمن خلال ذلك، يجدّد الصورة الإلهيّة الموجودة فيه، والتي أظلَمت بالخطيئة، ويقترب من الاتّحاد بالله ومن معرفته على مقدار قدرته كخليقة. هذه الطريقة (لحفظ الوصايا) يجب أن تُتَّبع من الجميع، ويمكن باختصار وصفها بأنّها محبّة الله والقريب. فكرة أنّ الوصايا لها قيمة عالميّة وأنَّ كلَّ البشر لا بدّ لهم من حفظها، هي النقطة المركزيّة في التعليم النسكي عند غريغوريوس (حتّى أنّه كتب تعليقا عن الوصايا العشر )xxiv. فهو يؤكّدها بدرجة جَلِّية حتى أنه غالبا ما يكررها بكلام واضح في أجزاء من تعليمه حول سبل الحياة الداخلية. لكن في تفسيره للوصايا وكيف يجب على المرء عيشها، فإنّ القديس غريغوريوس، ككلّ المفكّرين الذين يؤلّفون المرجِعيّة{الأكثر عمقا} في الكنيسة الأرثوذكسية، يعلّق أهمية قصوى على التطهير الداخلي من الأهواء وليس على العمل الخارجي، أو اكتساب هذه الفضيلة أو تلك. لكن ولتحقيق طهارة القلب هذه، يجب أن ننخرط في طريق التوبة والتواضع، مُظهرين كراهيةً للخطيئة، ومحبّة للربّ الذي أحبّنا أوّلا. “لنلبس أعمال التوبة، وانسحاق الأفكار، التواضع والحزن الروحي، وقلباً وديعاً رحيماً، والمحبّة الحقيقيّة، ناشدين الطهارة […] لأنّ ملكوت الله – ليس مَلِكَ السماء – […] إنّه في داخلنا، وعلينا أن نرتبط به بأعمال التوبة، محبّين الله بكلِّ قدرتنا، هو الذي أحبّنا بهذا المقدارxxv.

لدى القديس غريغوريوس، وسيلةٌ أكثرُ فاعليّةً للتطهيرِ الداخليّ وتعبيرٌ أكثرُ وضوحاً عن محبّتنا لله والقريب، يوجد في الصلاة، (متصلة، هذا مفهوم تماما، ببقيّة النشاط الداخلي للإنسان، وعموما على كلّ حياته). الصلاة بالنسبة له، أسمى من ممارسة أي فضيلة على الإطلاق. مع علمه أنّ الاتّحاد بالله يمكن أن يتحقّق إمّا من خلال الفضيلة xxvi أو من خلال الصلاة xxvii، غريغوريوس يُعطي أهمّيةً كُبرى للصلاة ويؤكّد أنّه فقط بقوّتها تستطيع الخليقة أن تتّحِد بخالقها. “إن قوة الصلاة تُحقّق سِرِّياً هذا الاتّحاد، بما أنها الصلة بين الخليقة العاقلة واللهxxviii“. علاوة على ذلك، فإنّ القديس غريغوريوس، كما ديونيسيوس الآريوپاجي، يتحدّث عن عمل ثلاثيّ للنفس من خلاله ترتقي إلى الله. في نفس المقالة عن الصلاة، نقرأ “عندما أحد الأرواح يصبح ثلاثة ويبقى في نفس الوقت واحداً، حينها يدخل الروح في شركة مع الألوهة الثالوثية”xxix . هذا العمل الثالوثي يرتكز على ما يلي، النفس، التي عادة تتأمّل الأشياء الخارجيّة (العمل الأوّل)، تدخل إلى ذاتها (العمل الثاني) وترتقي إلى الله بالصلاة (العمل الثالث). “أحد الأرواح يصبح ثلاثة ويبقى في نفس الوقت واحداً عندما تعود الروح إلى ذاتها ومن هناك ترتفع نحو الله”xxx.

العملان الاخيران نسمّيهما أيضا ” إلتفافا enroulement” كما يُـلفُّ الرِّق، ونسمّيهما أيضاً “إمتداداً إلى العُلىxxxi “. نوضح أن حقيقة عودة الروح إلى ذاتها، هي التي تحفظها، في حين أنّ صعودها نحو الله يتحقّق بالصلاةxxxii. في هذه الحالة، الروح البشريّة “تبلغ ما لم يُسمَعْ به” و”تتذوّق العالم الآتي”xxxiii. لكن لا ينبغي أن نُعطي أهمّيةً كبيرة للاستنارة التي يَتِمُّ التوصّل إليها في البداية، لأنَّها من الممكن أن تكون مُضِلَّة، كونها غير مصحوبة بتنقية كاملة للروح. يجب أن نتوقَّف في بداية الحياة النسكيّة عند رؤية حالة الخطيئة في قلبنا بالذات، والموحى بها لنا بوساطة استنارة الروح هذه. لكنّ التنقية الكاملة للكائن البشريّ لا تتحقّق إلا عندما تحوز قوى الروح كلُّها على العلاج الروحيّ الملائم.

“فقط عندما يُطَهِّر الإنسان قدرته الفاعلة بالأعمال، وقدرته الإدراكيّة بالمعرفة، وقدرته التأمليّة بالصلاة”xxxiv يصبح حينئذٍ قادراً على الوصول إلى الطهارة الضرورية لمعرفة الله. “لا أحد يستطيع أن يَحصُلَ على الطهارة الكافية لمعرفة الله، لا أحد يستطيع الحصول عليها إلا بكمال الأعمال، وبالمثابرة في الطريق النسكي، وبالتأمل والصلاة التأمليةxxxv. وكذلك، يجب أن ندرك أنّه من الضروري والمُخصِب للروح ليس فقط إدراك هذا العمل الثلاثي، بل الثبات في هذا النشاط الذي يُنتج “حسّاً ذهنيّاً ” sens intellectuel [αἴσθησις νοερά] والمثابرة طويلاً عليهxxxvi. في الوقت نفسه، يصّر القديس غريغوريوس على ضرورة إبقاء الروح دائما في حدود الجسد. ودعما لهذه القاعدة النسكية، يستشهد بعبارة معروفة جدّاً للقديس يوحنا السُّلّميّ:” الإنسان الصامت هو من يطمح إلى حصر اللّاجسدي (الروح) في مسكن جسديxxxvii. “ومثله، فإنه يرى في سكنى الروح في الجسد سِمة أساسية من سِمات الهدوئي Hesychaste الحقيقي. من ناحية أخرى، فإنّ بقاء الروح خارج الجسد، يبدو له سبب كلّ الأوهام. ” إطلاق الروح خارج الجسد، للبحث بعيدا عن رؤى فكريّة، هو أكبر وَهْمْ من الأوهام الهلّينية، وأصل كل فكر كاذب ومصدرهxxxviii. “القديس غريغوريوس يتصوّر أن عقيدته في إبقاءِ الروح في الجسد، وحتى في”إرسالها” إلى هذا الجسد، قد تُـثير اعتراضات من جانب أولئك الذين يعتقدون أنَّ هذه المَهمَّة غير مفيدة، بل ومستحيلة، بما أنّ الروح، هي بطبيعتها، متّحدة بالنفس التي تقيم في الجسد، وتتواجد هناك بالفعل حتى دون تعاون إرادتنا. لكن غريغوريوس يقول إنّ هناك لُـبسا بين جوهر الروح ونشاطهاxxxix. جوهريّاً، إنَّ الروح، هذا مفهوم تماما، مقتَرنة بالجسد، ولكن مهمة الهدوئي hesychaste هي توجيه نشاطها في هذا الاتجاه .

هذه الطريقة في المحافظةِ على الروح بالصلاة، تتطلّب الكثير من الجهد والتركيز والعناء. كتب القديس غريغوريوس: “إن ممارسة أيّ فضيلة أخرى هي خفيفة وسهلة جدّاً مقارَنة بذلكxl. “نحن نرى مدى خطإ أولئك الذين يَرَون في الصلاة العقليّة لدى الهدوئيين، محاولة لإيجاد وسيلة سهلةٍ للخلاص، وتجنّب ممارسة الفضائل، وهكذا يمكن الوصول، إلى حالة من الحماس الصوفي، ” آلياً ودون عناء.” وبالحقيقة، ليس الامر متعلّقاً بطريقة سهلة، فغريغوريوس يُشير إلى أنّ الصلاة العقليّة هي الطريق الأصعب، والأضيق والأكثر إيلاما للخلاص، ولكنّها تلك التي تؤدّي إلى أعلى مستويات الكمال الروحي، شريطة أن تكون ممارسة الصلاة في انسجام مع بقيّة نشاطات الإنسان (هذا الشرط المطلق لنجاح الصلاة يبيّن جيدا أنّه لا يوجد فيها شيء من “الآلية”. لذلك، على الرغم من تقديم النصح لجميع الذين يرغبون في الخلاص بواسطة هذه الطريقة، والاعتقاد أنها متاحة للجميع، يؤكد غريغوريوس أن الحياة الرهبانية فقط، بعيداً عن العالم كما هو حالها، توفِّر الظروف المؤَاتية لها. ” إنه، بالطبع ، من الممكن لأولئك الذين يعيشون في حالة الزواج، العمل من أجل تحقيق هذه الطهارة، ولكن فقط بثمن كبير جدّاً من الصعوبات والمحن”xli.

لقد قدَّمنا عَمْداً حَيِّزاً كبيراً لأفكار غريغوريوس پالاماس عن مكانة القلب والجسد في الحياة الروحيّة للإنسان بشكل عام ( أفكارٌ نجدها بالفعل عند الكتّاب النسكيين السابقين، إلا أنَّ غريغوريوس توسَّع بها بكثير من الوضوح وبطريقة منهجيّة فلسفيّة مميّزة جَّداً) هكذا يمكننا الفهم بأكثرَ سهولة للمعنى الحقيقي للجانب الأكثرِ أصالةً من عقيدته النسكية، التي تتناول الصلاة العقليّة التي يُزعم أنَّها ” فَنّية” وأساليبهاxlii. ليس هناك عمليّاً أيّ دليل على أساليب الصلاة الفنية عند الآباء القدماء، على الرغم من أننا يمكن أن نجد مؤشّرات مُبكِرة عند يوحنا السلمي (القرن السادس-السابع)xliii. أو Hesychius إيسيخوس السينائي (القرن السابع _ الثامن)xliv. الوصف الأكثر اكتمالا يمكن العثور عليه في المقالة عن الطرق الثلاثة للصلاة عند سمعان اللاهوتيّ الجديد (أوائل القرن الحادي عشر)، عند نيكيفوروس الراهب {المتوحد في جبل آثوس} (حوالي القرن الثالث عشر)، وعند القدّيس غريغوريوس السينائي (القرن الثالث عشر)xlv. يمكننا أن نفسِّر صمت الآباء عن هذا الموضوع بطرق مختلفة (أن تكون هذه الطرق قد وُجدت أم لم توجد، أو كانت موضوع تعليم شخصيّ من الشيوخ للتلاميذ، وبالتالي لم تكن موضوعة كتابة حتى – مع الاختفاء التدريجي للشيوخ – ظهر خطر نسيانها عندئذ وُضعت كتابة من قِبَل أولئك الذين عاشوا هذه الخِبرات. ولكن هناك شيء واضح، هذه الطرائق كانت منتشرة على نطاق واسع جدّاً في الشرق الأرثوذكسي وكانت جزءاً من التقليد النسكي قبل فترة طويلة من غريغوريوس پالاماس والهدوئيين في جبل آثوس في القرن الرابع عشر. فمن المُحتمل جدّاً، سواء من الناحية التاريخية أو من وجهة نظر دينيّة- نفسيّة، أن هذه الطرائق كانت “اختراعا” شخصيّاً لبعض الأفراد، من المحتمل تقريبا أن يكونوا معاصرين للقدّيس غريغوريوس (كما يعتقد البعض). أمَّا في ما يتعلّق بسوء فَهم معناها، والأكثر شيوعا بين العلماء الأرثوذكس، فهو متأتٍّ أساسا من كون أنَّ ما هو في الحقيقة يؤلِّف عمليات ثانوية وملحقات اعتُمد كجزءٍ أساسيٍّ في هذا النوع من الصلاةxlvi. هنا أيضاً، علينا أن نتذكّر أنَّ هؤلاءِ الكتّاب النسكيين الذين تعاملوا مع الصلاة الفنّية لم يحاولوا أن يقدّموا دراسة شاملة عن عقيدة النسك الأرثوذكسي في مجملها، ولكنهم اقتصروا على تقديم أجزاء لم يتناولها الآخرون بشكل واضح بما فيه الكفاية من قِبَل الآخرين أو الذين لسبب ما أثارت تساؤلات. في أيّ حال، سيكون من الخطإ أن نتصوَّر أنَّ هذه القواعد المُحَدّدة ( في هذه الحالة الصلاة الفنية) قد يحمل في نظرهم بُعداً يَشمل مُجمَل التعاليم النسكية للكنيسة. في الواقع، إنّهم كانوا يجمعون عامة على ما هو مَعروف عن هذا التعليم الذي يُشكِّلُ كُلّاً مُتناسقا، ولم يفكّروا أبداً أنّه كان من الضروريّ الإشارة إلى ذلك باستمرار عند تناول قضيَّة معيَّنة تهمّهمxlvii. وأخيرا ، يجب أن نذكرَ أنَّ التناقضات الظاهرة بين هذه أو تلك المقالة النسكية غالبا ما يعود ذلك إلى حقيقة أنّها كانت مكتوبةً لأناسٍ كانوا على مستوياتٍ مختلفة من النمو الروحي .

فلننتقل الأن من هذه الملاحظات العامة، الى تعليم القديس غريغوريوس پالاماس نفسِهِ عن طرائق الصلاة الفنية. يجب أن نلاحظ، مع ذلك، أنه لا يُعطي في أي مكان عرضا مُفَصَّلاً كما نجد في أعمال مَن سبقوه (كالقديس سمعان اللّاهوتيّ الجديد ، نيكيفورس الراهب أو غريغوريوس السينائي). وهذا ما لم يبدُ له ضروريّا ربّما، حيث كان هذا التعليم في ذلك الوقت معروفاً على نطاق واسع في الأوساط الرهبانية. ومع ذلك، نجد عند القديس غريغوريوس، دفاعا نسكيا-فلسفيّاً رائعاً، من الأكثر إفادة، لبعض من هذه الطرائق الممارَسة في الصلاة. المناسبة الفوريّة لصياغة هذا الدفاع كانت الهجوم الذي شنّه برلعام ضدّ الهدوئيين الآثوسيين، والذي بسبب الاهتمام الذي يبديه هؤلاءِ الهدوئيون للصلاة العقلية، دعاهم omphalo-psychique xlviiiبمعنى أنهم أشخاص مُعتبرون أنهم يعلمون أنًّ الروح موجودة في الصِرّة.

ولكن على الرغم من أنه اصبح ضروريّاً بدافع احتياجات العصر، فإنَّ عمل غريغوريوس الدفاعي قد حصل على مكانة خاصّة بالنسبة لبقية مواقفه النسكية. ويستند هذا الدفاع على هذه الفكرة، التي سبق ذكرها، وهو أن الجسد ليس سيّئاً بحدّ ذاته ولكن الله خَلَقَه ليكون هيكلاً للروح الساكن فينا، فمن الطبيعي جدّاً أن نلجأ لعونه كمُكمِّل لتسهيلِ عمل الصلاة. من هذه الطرق الفرعية المتصلة بالطبيعة الفيزيائية للإنسان، غريغوريوس يدرس خصوصاً ناحيتين :

1) العَلاقة بين الصلاة والتنفس (ἀναπνοή) – على نحو أدقّ الشهيق الذي يساعد على إبقاء الروح في الداخل واتّحادها بالقلب.

2) وضعيّة الجسد في الصلاة (τὸ ἔξω σχῆμα)xlix، بصورة عامّة وضعيّة الجلوس، مع إحناء الرأس وتوجيه النظر نحو الصدر أو اسفل بقليل حتى الصِرّةl.

وفي ما يتعلق بالطريقة الأولى التي تقوم على الشهيقli، القدّيس غريغوريوس يُعلّم أنَّ دورها هو ثانويّ تماما. الغَرَض منه هو مساعدة الإنسان (وبخاصّةٍ المبتدئ ) للحفاظ على روحه في الداخل، من دون تَـشَتُّـت، في القلب الذي يحتلّ، ونحن نَعلَم، مكانة رئيسة في حياته الروحية بأكملها. يجوز الشك في جدوى إنشاء مثل هذه العلاقة بين التنفس والصلاة من أجل تحقيق التركيز. نلاحظ، مع ذلك، أنه يبدو من الناحية النظرية أن لا شيء مستحيل هنا. حتى أنه يبدو، واقعيّاً جدّاً نظراً للارتباط بين الظواهر الفيزيائية والظواهر النفسيةlii، التي نعرفها في حياة كلّ يوم والتي أكدّها علم النفس. أمّا من جهة ما يحدث في الواقع، فلا يمكن أن يُعرف ذلك إلَّا من خلال التجربة في الصلاة. وها القديس غريغوريوس يشير، ” متسائلا لماذا الاستمرار في الحديث حول هذا الموضوع، أولئك الذين لديهم الخبرة، ألا يضحكون من أولئك الذين يُعارِضون بدون خبرة ؟ لأنَّ المِعيار في ذلك ليس الكلام، ولكن العمَل والخِبرة المُكتَسبة مِن العملliii. “وهكذا، بناءً على هذه التجربة التي هي أيضا شخصيّة كما وأيضاً كنسيّة، يقول غريغوريوس أنه” ليس عبثا، وخصوصا عندما يتعلّق الأمر بالمبتدئين، تعليمهم أن يُصغوا ويبحثوا داخل أنفسهم ويركّزوا أذهانهم الى الداخل عن طريق التنفسliv. ” وبخلاف ذلك، فإن الروح عند المبتدئين ستَـشرُد باستمرار حُكماً وتكون مُشَتّـتة، وبالتالي نَنزَع عنها خصوبتها الروحية. ولذلك ينصح بربط الصلاة بالتنفس، وخاصة في البداية، طالما أنَّ الهدوئي hesychaste ليس مُتجذِّراً بعد بنعمة الله في جمع حواسّه وأفكاره والتأمّل الإلهي؛ وبعبارة أخرى، ” حتى، بعون الله، يُتقِن ما هو أفضل، ويحافظ على روحه ثابتة بلا تغير في نفسه ومُجَرّدة عن الكلّ، تصبح موحَّدة في ذاتها ومع الله”lv(ἑνοιδῆ συνέλεξιν – مصطلح لديونيسيوس الآريوباجي). بعد أن يصل إلى هذه الحالة من التأمل، فالهدوئي يحافظ عليها بسهولة بنعمة الله، ولكن الوصول الى ذلك يتطلب عملاً كبيراً والكثير من الصبر، كدليل ونتيجة لحبنا الله. لقد كتب غريغوريوس : “ما من مبتدإٍ novice يقدر أن يحقّق هذه الأمور من دون جَهد وكدّ”lvi. لكن بالنسبة للمتقدّمين و” الذين قد توحَدّت نفسهم تماما، يحدث كلّ هذا بالضرورة من دون جَهد ولا همّ”lvii. ما قيل ينبغي أن يكون كافياً لشرح موقف غريغوريوس تجاه “طريقة التنفّس” في الصلاة.

وأخيرا، نلاحظ في الختام :

1 – أن هذه الطريقة ليست مُلزِمة لجميع أولئك الذين يرغبون في الوصول الى الكمال في الصلاة، ولكن من المستحسن فقط وبخاصّة للمبتدئينlviii

2 – يؤكد غريغوريوس أنَّ هذا الأسلوب هو ثانويّ تماما، وهو مخصّص لتسهيل التأمّل . 3 – نجاح الصلاة يعتمد في نهاية المطاف على الله ( σὺν Θεῷ ἐπί τῷ χρεῖττον προϊόντες ) ، وليس فقط على جهودنا.

4 – جهودُنا تظهر محبّتنا لله.

5 – هذه الطريقة في الصلاة صعبة جدّاًlix

هناك طريقة أخرى للصلاة الفنّية، التي وصفت بأنها “omphaloscopie”، من قِبَل القدّيس غريغوريوس أسهب في شرحِها أكثر. وكما سبق أن قلنا، هذه الطريقة تعرَضّت للهجوم والسُخرية من برلعام وأتباعه بكثيرٍ من العدائية. هذه الهجمات لا تزال مستمرة اليوم ايضا. ويُتَهم الهدوئيون بأنهم يجعلون الصلاة العقلية فقط تأملٌا في الصِرّة (“omphaloscopie”)، وأنهم يعتقدون أنَّ روح الإنسان هي في الصِرّة (من هنا اسم السخرية “omphaloscopes” التي اخترعها برلعام واستُخدِمَت من قِبَل ليون ألّلاتيوس Allatiuslx Léo. ولكن إذا تركنا جانباً هذه الخلافات، ونظرنا اليها بموضوعيّة، نُدرِك أن “omphaloscopie” كان لها معنىً مختلفاً تماماً في ممارسة الحياة الرهبانية الشرقية. أولّاً، قد يكون من الصعب أن نرى فيها جزءاً أساسيّاً من الصلاة العقلية، وذلك بسبب أن هذه الممارسة نادراً ما تُذكر في الكتابات النسكية، إلا سهواً، لا تذكر omphaloscopie، بصرف النظر عن غريغوريوس پالاماس، إلا عند سمعان اللّاهوتيّ الجديد، في مقالته في الطرائق الثلاث للصلاةlxi. لا نيكيفور الراهب ولا القديس غريغوريوس السينائي، اللَّذين درسا بالتفصيل طريقة التنفس، لم يأتيا على ذكرِها. ومع ذلك، كان نساك ذلك الوقت يمارسون omphaloscopie بالتأكيد، كوسيلة ثانويّة للصلاة، وهذا هو السبب الذي من اجله رأى القديس غريغوريوس بالاماس أنه من الضروري الدفاع عنه ضد هجمات برلعام. واستَنَد هذا الدفاع على نفس المفاهيم الأساسية لتلك التي تكمن وراء دفاعه عن طريقة “التنفس” (على الرغم من أن الحجج تَمّ تطويرها بطريقة مختلفة تماما). الفكرة المركزيّة هي أيضاً العلاقة بين النفسي والمادي، وأهمية هذه العلاقة في التركيز والحفاظ على الانتباه. فهو يكتب، “نظراً لحقيقة أنَّه منذ السقوط، من الطبيعي أنَّ الإنسان الداخلي يتوافق من النواحي كافة مع الأشكال الخارجية، فإنّه يمكن أن يكون من المفيد جدّاً للذي يريد التأمّل، بدلاً من السماح لبصره أن يتَـشَتَّـت هنا وهناك. أن يُثَـبتَه كنوع من الدَعم على الصدر أو الصِرّة”lxii. هذا النص يُعَبِّر بجدارة عن المعنى الحقيقي لل omphaloscopie ، فإنّه يدلّ على أن الهدف من ذلك هو التركيز وأنّ الحفاظ على البصر ثابتاً على نقطة ما (بدلا من السماح له بالتشتت) هي وسيلة تخدم هذا الغرض. لاحظ عبارة “مفيدة”(συντελέσειε)، مما يدلّ بوضوح على الأهميّة الثانويّة – لا القصوى – التي تتعلّق بهذه الطريقة. وبالتالي فإنّ حقيقة حفظ أنظارنا ثابتة على المعدة يأتي بعد عبارة ” على صدره “، مما يدلّ بوضوح على أنّه بديل. نلاحظ أيضاً أنّه بالنسبة الى غريغوريوس پالاماس، خارجا عن اتّجاه النظر، وضْعيّة الجسد، المائل والمتواضع، لها دلالة كبرى؛ فبالصلاة على هذا الشكل، يُحاكي الانسان ظاهريّا على الأقل العشار الذي لم يجرؤ على رَفعِ بَصَره، أو مع النبي إيليا الذي كان يصلّي، واضعاً رأسه بين ركبتيه lxiii.

وبالمثل، هناك شيء من هذا الموقف الذي يتوافق مع الحركة الدورية للروح التي يتكلم عليها ديونيسيوس الآريوپاجيlxiv. في ضوء ذلك، فإن “الشكل الخارجي” (τὸ ἔξω σχῆμα)، أي الوضعية التي نتّخِذها في أثناء الصلاة، تبدو للقديس غريغوريوس، حسب خبرته، مفيدة ليس فقط للمبتدئين، ولكن أيضاً للذين هم أكثر تقدّماً. فهو يكتب. ” ناهيك بالمبتدئين، فان البعض حتى بين الأكثر تقدّما، وذلك باستخدامهم هذا النوع من الصلاة استجاب الله لهمlxv. “(لاحظ” بعض “[τῶν τελειωτέρων οἱ]، اذا ليس الجميع). مُفَسِّرا هكذا معنى الصلاة الفنية، غريغوريوس يدحض الخُرافة السخيفة التي نُشرت عن طريق برلعام، مُدَّعِياً أنّه وَفقا للهدوئيين hesychastes الصِرّة هي مقر للروح. داحضاً البرلعاميين barlaamites الذين يُلقبون الهدوئيين ب omphalo-psychiques. يقول “[هذه التسمية] من الواضح أنها افتراء لأنه مَن مِنَ [الهدوئيين] ادّعى قط أن الروح كان في الصِرّةlxvi؟ “

هذا، اختصار، لتعليم غريغوريوس پالاماس عن طرق الصلاة العقلية ” الفنية” . في بعض النصوص المكتوبة في الدفاع عن رهبان جبل آثوس، هذه الطرائق فـُصـِّلت باسهاب، بينما في حالات أخرى، ذات الطابع النسكي والمعنوي الأكثر عمومية (مثل الرسائل إلى الراهبة كسينيا Xénia، والعظات {الميامر} ، الخ ) ، لم يأت على ذكرهم على الإطلاق. ونحن نعتقد أنّه إذا أعطى غريغوريوس الكثير من الاهتمام للوصف والدفاع عن مثل هذا النوع من الصلاة، كان ردّاً على الهجمات التي قُدِّمَت في ذلك الوقت من قـِبَل خصوم الحياة التأملية. كان من الضروريّ الدفاع عن الحق و محاربة التشوهات المُغرِضة .

ولكن كتابات غريغوريوس پالاماس عن الصلاة النسكية لها قيمة خاصة بها بِغَض النظر عن الحاجات الآنيّة؛ نجد لأول مرة في الأدب النسكي وصفاً لاهوتيّاً ونفسيّاً مُنَظّماً عن هذه الطرائق التي بلا شك كانت تمارس قَـبلـَه بوقت طويل.

هذه الأعمال الدفاعية هي من بين المساهمات الأكثر أصالة لغريغوريوس پالاماس في الأدب النسكي الأرثوذكسي. ولكن سيكون من الخطإ الجسيم أن نعتقد أنّ هذه الطرائق للقدّيس غريغوريوس – الثانوية ، وعلى الرغم من انها مفيدة جدّاً – هي الجوهر والمضمون الرئيس للصلاة العقلية. فليس تلك او ذاك العمل النسكي بحد ذاته، ولكن “ارتفاع العقل نحو الله وعلاقته معه ” هو هدف ومضمون كل صلاة روحيّة حقيقيّة كما اعتبرها غريغوريوس والصوفيون الأرثوذكس الآخرون عبر التاريخ. فبالنسبة لغريغوريوس أنَّ اتّحاد الروح بالله هو الأساس وقِمة الحياة الروحية للإنسان كله، وانفصاله عنه يبدو السبب في كلّ سقطاطه. يكتب بحيويته {بهمته،} المميزة ” الروح التي تنفصل عن الله تصبح إمّا حيوانيّة، أما شيطانيّة”lxvii.

“في حالة الاتّحاد المباشَر هذه بالخالق، عندما تخرج روحنا من نطاق أنشطتنا العادية وتبقى، إذا جاز التعبير، خارجاً عن ذاتها، حينئذ يُدرِك الإنسان معرفة الله الحقيقيّة، ” هذه اللامعرفة التي تفوق كل معرفة. مقارنة بهذه اللامعرفة، كل فلسفتنا وكل معارفنا العادية، انطلاقا من مفهوم العالم المخلوق، تبدو غير كافية وجزئية. ” ويقول غريغوريوس أيضا : ” إنّه حقّاً لمستحيل أن نَتَّحِد بالله (Θεῷ συγγενέσθαι)، إلا إذا، بعد تـَطهيرنا، نجد أنفسنا، خارج – أو بالاحرى فوق – ذواتنا، بعد أن نكون قد تخلّينا عَمّا يتعلق بالعالم المحسوس وارتفعنا فوق الأفكار، وأسلوب التفكير وكل معرفة، وحتى فوق العقل نفسه. فنصبح حينئذ بكُلّيتنا تحت تأثير الذهن، بحيث قد نكون بلغنا حينئذ هذه اللامعرفة التي تفوق كل معرفة، وبذات الفعل، فوق كل انواع الفلسفةlxviii. “

هذه الحالة الروحية الفائقة، عندما ينفصل الإنسان عن كلّ ما هو مَخلوق ومُتحوِّل، غير ثابت، وبفعل اتّحاده بالألوهة، هو مستنير بنور الله، ويُسميه القدّيس غريغوريوس” الصمت “أو الهدوء hesychia. ويضيف قائلا، “الهدوء يعني توقف أنشطة الروح، والتجرد عن العالم، ونسيان ما هو دون ذلك، والمعرفة السريّة لِما هو أسمى، واستبدال الأفكار بما هو أفضل منها؛ هذا هو النشاط الحقيقي، والارتفاع إلى التأمّل الحقيقي وإلى رؤية الله […]. وهذا وحده هو علامة نفسٍ سليمةٍ، اجل فإنّ أيّة فضيلة أخرى ما هي إلا علاج لشفاء وَهْنِ النفس […]، في حين أن التأمّل هو ثمرة النفس السليمة […]، فبه يتأله الانسان، وليس بالارتفاع عن طريق العقل والعالم المنظور، أو بلعبة حدسيات {توقعات} التشابه، […] ولكن بالارتفاع بوساطة الهدوء […] أجل فبهذه الطريقة ندخل بمعنى ما في علاقة مع طبيعة الله المبارَكة والمتعذِّر بلوغها .

وهكذا، بعد ان نكون طهّرنا قلوبنا بالهدوء المقدس ومزجناها بشكل لا يوصف بالنور الذي يفوق كلّ إحساس وكلّ فكر، فنرى الله في ذواتنا كما في مرآةlxix. “

هذا التعليم على الهدوء المقدّس، إذ هو الحالة النفسية الأرفع، والوسيلة لبلوغ معرفة الله والاتحاد به، قد عرَضه بالشكل الأوضح القدّيس غريغوريوس في عظته الرائعة حول “تقدّمة والدة الله القديسة الى الهيكلlxx، والتي سبق فذكرناها مرّات عديدة، بحسب غريغوريوس، فالكليّة الطوبى العذراء مريم، التي مَكثَـت منذ الثالثة من عمرها في الهيكل وحدها مع الله، مكرِّسة نفسَها للصلاة الدائمة والتأمّل، منفصلة عن البشريّة والعالم، حقـّقـَت في ذاتها الهدوء المقدس والصلاة العقلية بالطريقة الأسمى والأكمل. ويضيف قائلاً، ” إنّ روح والدة الإله تتّحد بالله من خلال التأمل والانتباه والصلاة الإلهية {الدائمة}[التي لا تنقطع..]. مرتفعة فوق الأفكار المتنوّعة وفوق أيّ تصّور {صورة}. تشقُّ طريقا جديدا نحو السماء ، لم يُسمع به قط، […] الهدوء العقلي [νοητὴν σιγήν] […].انها ترى مجد الله وتتأمّل بالنعمة الإلهية من دون ان تخضَع إطلاقا لسلطان الأحاسيس، مع كونها هي بالذات إناءً مقدَّسا أهلاً لمحبّة الأرواح والنفوس غير الفاسدةlxxi. “وعلاوة على ذلك، فالقديس غريغوريوس يربط التجسد بالذات، بمجرد أن والدة الإله قد دخلت هكذا في طريق الصلاة الصامتة منذ طفولتها المُبّكِرة. “هي وحدها من البشريّة جمعاء كانت هكذا صامتة بشكل فائق الطبيعة منذ طفولتها الأولى؛ هي وحدها قد استحقت ان تَحْبَل بلا دنس ببشرية الكلمة الإلهيةlxxii “في شخص والدة الإله، اذا، فالصمت لم يجد تحقيقا وتبريرا مقدسَين فقط، لكنه يُظهر عظمة سلطانه في توحيد الإنسان باللهlxxiii.

في خلاصة عرضنا للتعليم النسكي المعرفيّ للقديس غريغوريوس پالاماس، نود ان نشير الى النقاط الآتية. أوّلاً، الأهميّة التي يُعلِّقها على دور الجسد في العمل الضروري لإيصال الإنسان إلى معرفة الله والاتحاد به. مفهوم الإنسان هذا ككلّ، مُعبـَّر عنه بطريقة صارخة في تعليم القديس غريغوريوس حول الشَّبَه الإلهي الذي يتمتّع به الإنسان، أكثر من الملائكة، والذي ينعكس في كلّ كيانه النفسي والجسدي.

في مجال النُسك، يُعبَّر عن هذه الفكرة في العقيدة عن تعاون الجسد في الحياة الروحية، وقدرته على أن يكون مُستنيراً بالألوهة ويكون مُتّحدا معها في عمليّة تأمليّة واحدة تضمّ الإنسان

من وجهة نظر معرفيّة، القدّيس غريغوريوس يعارض الإدراك الفكري الجزئي الذي لا طائل منه في معرفة الله، الى معرفة فائقة-العقل في متناول الانسان عندما يكون كيانه كله مُستنيرا وحقّق الاتحاد بالله بكلّيته. هذه الفكرة عن الإنسان ككلّ، يشارك في المعرفة الإلهية هو سِمَة تعليم غريغوريوس. سِمة نموذجية أخرى عنده هي الاتّحاد الذي يجعل بين فكرة الألوهية غير المفهومة والمتعَذّر الوصول إليها وإمكانيّة الاتّحاد بالله بالنعمة والرؤية المباشرة له. نجد هنا، لأول مرة في مجال النسك ونظرية المعرفة، التعارض antinomismelxxiv التي هي من سمات {فكر} غريغوريوس پالاماس. ويكفي أن نشير هنا إلى أن التعارض الواضح عند غريغوريوس بين فكرته عن الله، وكيفية معرفته ليست حالة معزولة في الأدب الآبائي الشرقي. والأقرب إليه في هذا الصدد هو القديس غريغوريوس النيصصي. نادرون همُ الآباءُ القديسون الذين أصّروا مثله، على الطبيعة غير المفهومة والتي لا توصف عند الله، وعدد قليل جدّاً منهم الذين درسوا لاهوتيا بهذا العمق، طبيعته غير المدركة…

i– نشر هذا المقال (باللغة الروسية) فيSeminarium Kondakovianum، مجموعة من الدراسات . علم الآثار وتاريخ الفن، الدراسات البيزنطية، المجلد VIII.((1936، براغ ، ص. 99-154 ، وأدرج في Messager البطريركي الروسي في أوروبا الغربية، رقم 115 (1987 )، ص. 109-174 – تُرجم الى الفرنسية في Messager البطريركي، المرجع نفسه، ص. 45-108

ii- عَرَفَت الأوساط العلميّة، الأخ الصغير باسيليوس من دير القديس بندلايمون في جبل آُوس، في عام 1936، من خلال نشر “التعليم النسكيّ واللّاهوتي للقدّيس غريغوريوس پالاماس”، الأول من ضمن سلسلة طويلة من المقالات والبحوث. بعدها انكبّ على دراسة غريغوريوس النيصصي، باسيليوس الكبير وغيرهم كثيرون، ونشر الأسقف Krivochéine تباعا ” تعاليم ” القدّيس سمعان اللّاهوتي الجديد، في مجموعة “Sources Chrétiennes” ثم كتبَ السيرة الأساسية للصوفي البيزنطي(سمعان اللّاهوتي). في مرحلةٍ ابتدأنا فيها نكتشف بجهدٍ كنوز تراث آباء الكنيسة، منتفعاً من الخزانة الاستثنائية التي أتاحتها له “الجمهورية الرهبانية “(آثوس). هذا المقال هو جزء بسيط من الدراسات الآبائية والروحية التي ألّفها ” الأسقف المثقف الأمثل” L’ évêque cultivé idéal ( التعبير هو لألكسندر شميمن )، والذي أُمكن أن يقال إن “الوطن الحقيقيّ هنا على الأرض، هو إيمان الآباء ” …

iii- لفظة يونانية مؤلفة من Gnosis معرفة وLogos علم أي علم المعرفة

iv-التعليم النسكي واللاهوتي عند القديس غريغوريوس بالاماس هو، بمعنى ما متصل بالتيار الروحي للرهبنة الشرقية المعروفة باسم ” الهدوئية ” hésychasme. ونعتقد أنه من الضروري قول بعض الكلمات حول هذا الموضوع. فالهدوئية، أو الصمت، تشير بصفة عامة إلى تيار الحياة الروحي بين الرهبان الأرثوذكس الشرقيين الموجه كليا إلى التأمل النقي والاتحاد بالله في الصلاة. هذا التيار بلغ أوج توسُّعِه خلال حياة القديس غريغوريوس بالاماس، كان متمركزاً لدى جبل آثوس المقدّس ورهبانه. لكن يجب ألَّا نعتقد أن الهدوئية في جبل آثوس في القرن الرابع عشر، كانت ظاهرة جديدة تماما في تاريخ الرهبنة الشرقية، لأنه منذ العصور القديمة ( منذ بدء الرهبنة في مصر في القرنين الثالث والرابع)، كانت موجودة جنباً إلى جنب مع الشركات الرهبانية التي كانت مزدهرة جدّاً (والتي تمَّ التعبير الأمثل عنها في قوانين القديس باسيليوس الكبير وأعمال القديس ثيودوروس الستوديتي Théodore Studite)، وهو ميل، تأمليّ في الصلاة النقية والصمت. ويتجلى هذا ليس فقط في حياة العديد من القديسين في تاريخ الكنيسة، ولكن أيضا في كتابات النسّاك ذوي الميل الهدوئي hesychaste التي وصلت لنا مثل القديسين أنطونيوس الكبير، إيڤاغريوس البنطي، مكاريوس المصري (القرن الرابع)، نيلوس السينائي، مرقص الناسك والمغبوط ذياذوخوس فوتيكيس (القرن الخامس)، اسحق السرياني (القرن السابع)، إيسيخيوس وفيلوثاوس وHesychius Philotheus السينائيين (القرن السابع- التاسع). بالإضافة إلى ذلك، من قِبَل القديس سمعان اللّاهوتي الجديد، وNicetas Stétathos نيكيتاس ستيتاتوس (القرن الحادي عشر) ونيكيفورس الراهب (القرن الثالث عشر)، هذا التقليد أدى إلى الهدوئية hesychastes في جبل آثوس (القرن الرابع عشر)، مع القديس غريغوريوس السينائي († 1346) والقديس غريغوريوس پالاماس.

ولكن سيكون من الخطإ الاعتقاد بأن التقليد الرهباني “الشركوي” cénobitiques والنسكي érémitiques يعارض بعضُها بعضا وتمثل طرقا مختلفة كليا في الحياة الروحية. هذا ما عبّر عنه الأب إيريناوس هاوسر اليسوعي Irénée HAUSHERR، في طريقة الصلاة الهدوئية (Orientaliachristiana، المجلد التاسع-2، 1927) وحياة الصوفي البيزنطي الكبير، سمعان اللاهوتي الجديد (Orient. Christ. t. XII, 1928). فالحياة المشتركة و”الهدوء” لا يناقض بعضها بعضا، وهذا ما يتضح من كتابات الناسك القديس يوحنا السلمي حيث نجد مزيجا متناغما لهذين النموذجين المثالين (VI-VII)؛ ونحن نعلم، أنه يصف في بعض فصول كتابه السلم الى الله حياة الشركة المرتكزة على أساس الطاعة والتخلي عن الإرادة الذاتية، بينما يتعاطى البعض الآخر طريق الهدوء والتأمل وهي الدرجات الأسمى(الدرجة 27). وحدة الكتاب لا تتأثر بذلك أبدا. نستطيع أن نقول الشيء نفسه عن عمل القديسَين بارسانوفيوس Barsanuphius ويوحنا الغزاوييَن (القرن السادس).

وبصفة عامة، الحياة المشتركة والهدوء يعتبران في الأدب النسكي (كما في كتابات حياة القديسين hagiographiques ) ليسا متباينين في ما بينهم، ولا يعزل أحدهما الآخر، ولكن كدرجات توافق التقدم الروحي للراهب. وقد اعتبر الهدوء دائما بصورة تقريبية كأسمى نمط في الحياة الروحية. وأخيرا، فالحياة النسكية فُهِمت عادة، كاعتزال داخلي وليس كمسكن “جغرافي ” خارج أراضي الدير في الصحراء. لنذكر أن أبرز ممثل للحياة المستيكيّة mystique في الكنيسة البيزنطية – سمعان اللاهوتي الجديد (949-1022) – قضى معظم حياته في أديرة رهبانية “شركوية”. يتوجه القسم الكبير من كتاباته النسكية الى رهبان يعيشون في الشركة، وعلى الرغم من ذلك تم صياغتها وفقا للروح الهدوئية “hesychaste”. مزيج متناغم من الاتجاهات الشركوية والهدوئية hesychastes هو نتيجة طبيعية للوحدة العضوية في الحياة الروحية الأرثوذكسية، حيث يرتبط التعليم النسكي، ارتباطا وثيقا جدا بالعقيدة ويمتلك{تحوز} وحدةً داخلية قوية جدا، على الرغم من تنوع التعبير الخارجي. ولكن في تاريخ الرهبنة الأرثوذكسية، كانت هناك أوقات يسود فيها الواحد على الآخر. يمكننا القول بصفة عامة أنه عندما تنمو روح الجماعة على حساب الهدوئية (ويرجع ذلك أساسا إلى نمو الأديرة الكبرى) كان يُؤَدّي إلى إضعاف الحياة الروحية الرهبانية حيث تمتصهم المصالح الخارجية التي غالبا ما تكون منزلية {تدبيرية}. ويظهر التجديد الروحي، بوضوح في العودة إلى الحياة الداخلية، وروح الصمت والتأمل، واستعادة “الهدوئية”. في جبل آثوس، الحياة التأملية ( التي اندثرت تقريبا في فترة معينة، عادت بفضل عمل غريغوريوس السينائي، الذي قامت قبله شخصيّات تأمليّة بارزة كنيكيفورس الراهب. حياة غريغوريوس السينائي تحتوي وصفا رائعا لأنشطته في جبل آثوس (I POMIALOVSKI Βίος καὶ πολιτεία τοῦ ἐν ἁγίοις πατρὸς ἡμῶν Γρηγορίου τοῦ Σιναίτου [حياة وأعمال أبينا في القديسين غريغوريوس السينائي]، Saint-Pétersbourg.، 1894).

v- . بطبيعة الحال، تَمَّ العثور على هذه العناصر المعرفية في معظم أعمال الآباء ( في هذه الحالة أعمال القديس غريغوريوس پالاماس). ويرجع ذلك إلى حقيقة أن الكتّاب الدينيين عادة ما كان لديهم هدف يعمل للبنيان، وحين يدخلون في مناقشات مجردة بحتة، كان ذلك فقط لدحض هجمات الهراطقة هذه. ونتيجة لذلك، فإنَّ أيّ محاولة لتنظيم ” نظرية المعرفة ” لديهم، تصبح بطريقة أو بأخرى ” تنميقا “. وأخيرا، يتمّ استخدام مصطلح ” نظرية المعرفة ” من قبلنا بأسلوب رخو جدّاً إلى حد ما (نقصد هنا كل ما يمتُّ إلى المعرفة، تحديداً معرفة الله و طرقه ) .

vi- « ἄβυσσος χρηστότητος », Περὶ προσευχῆς, PG 150, col. 1117 B

vii- المرجع نفسه

viii- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., 172

ix- المرجع نفسه

x- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., 172

xi- Κεφ., PG 150, col. 1152 BC (κεφ. 43

xii- Κεφ., PG 150, col. 1152 C (κεφ. 44

xiii- PG 150, col. 1361 C

xiv- المرجع نفسه، PG 150, col. 1370 B

xv- Κεφ., PG 150, col. 1145 D-1148 B (κεφ. 38-39

xvi- Κεφ., PG 150, col. 1148 B (κεφ. 39

xvii- Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων (PG 150, col. 1104 B

xviii- المرجع نفسه، PG 150 ، العمود . 1104 AB .

xix- Ἁγ. Τομ., PG 150, col. 1233 BD

xx- في نفس Tomos الجبل المقدس -المقصود بذلك توموس الجبل المقدس الذي أنشأه غالبا غريغوريوس بالاماس في العام 1341 ووقعه رؤساء أديرة جبل أثوس ومنهم رئيس دير السوريين-، نجد مناقشة حول رأي برلعام الذي يتضمن عدم الهوى في إماتة الأهواء. (في المفهوم الأرثوذكسي في التوموس نفسه نحن لا نميت الأهواء بل نحولها). « τὴν τοῦ παθητικού καθ ‘ ἕξιν νέκρωσιν ἀπάθειαν φησί ، ἀλλά μὴ τὴν ἐπί τὰ κρείττω καθ ‘ ἕξιν ἐνέργειαν » ( Ἁγ . Τομ ، PG 150 ، العمود . 1233 B ) .

xxi- Ἁγ. Τομ., PG 150, col. 1233 C

xxii- Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων (PG 150, col. 1105 C

xxiii- Ibid., PG 150, col. 1105 D

xxiv- « Δεκάλογος τῆς κατὰ Χριστὸν νομοθεσίας ἢτοι τῆς Νέας Διαθήκης », PG 150, col. 1089-1101. في هذا العمل يتحدث غريغوريوس عن وصايا العهد القديم في ضوء الوحي الإنجيلي .

xxv- Κεφ., PG 150, col. 1161 D (κεφ., 57

xxvi- « τῇ κοινωνία τῶν ὁμοίων ἀρετῶν », Περὶ προσευχῆς, PG 150, col. 1117 B

xxvii- « τῇ κοινωνίᾳ τῆς κατὰ τῆν εὐχὴν πρὸς τὸν Θεὸν δεήσεώς τε καὶ ἐνώσεώς », ibid

xxviii- المرجع نفسه.

xxix- Περὶ προσευχῆς, PG 150, col. 1117 C

xxx- Περὶ προσευχῆς, PG 150, col. 1120 A

xxxi- المرجع نفسه.

xxxii- المرجع نفسه.

xxxiii- المرجع نفسه.

xxxiv- Περὶ προσευχῆς, PG 150, col. 1121 A

xxxv- المرجع نفسه.

xxxvi- PG 150, col. 1120 A

xxxvii- « ἡσυχαστῆς ἐστιν ὁ τὸ ἀσώματον ἐν σώματι περιορίζειν σπέυδων », Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων، (PG 150, col. 1109 B).، هذا الاستشهاد، مأخوذ من الدرجة ال27 لكتاب يوحنا السلمي، ليس حرفيا ولكن أعطى المعنى الصحيح بدقة.، المرجع نفسه.صلاة 2 والروحيةء نسيط

xxxviii- Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων, PG 150, col. 1108 C

xxxix- « ἀγνοοῦσί … ὅτι ἄλλο μέν οὐσία νόος, ἄλλο δὲ ἐνέργεια », PG 150, col. 1108 CD

xl- PG 150, col. 1180 CB

xli- PG 150, col. 1056 A

xlii- Ἐπιστημονική”” ترجمها هاوسر ب”العلمي”. في الواقع، هذه الكلمة تعني جيدا علمي” في اليونانية الحديثة، ولكن يبدو أن المصطلح المتّفق عليه في ترجمة الكنيسة السلافية (وبالتالي الروسية) “الفنية يعبِّر بشكل أفضل مما استعمله الكتاب النسكيون. (تقنية téchnique)

xliii- « Λόγος, 27. Περὶ τῆς ἱερᾶς σώματος καὶ ψυχῆς ἡσυχίας », PG 88, col. 1096-1117; « Λόγος 28. Περὶ τῆς ἱερᾶς προσευχῆς », PG 88, col. 1129-1140

xliv- « Λόγος πρὸς Θεόδουλον… περὶ νήψεως καὶ ἀρετῆς », PG 93, col. 1480-1544

xlv- Περὶ τῆς ἀναπνοῆς, PG 150, col. 1316 C-1317 A ; Περὶ τοῦ πῶς δεῖ καθέζεσθαι, PG 150, col. 1329 A-1333 A

xlvi- هذا الخطأ، ارتكبه هاوسر Hausherr، في كتابه La Méthode، فهو يخلط طرائق الصلاة العقلية مع جوهرها. فهو يكتب عن موضوع الصلاة العقلية، “باختصار اذاً، موضوعان يؤلفان الطريقة. التفتيش عن مركز القلب، الذي أعطى للهدوئية hesychastes اسم “omphalo-psychiques” والتكرار المستمرّ ل”صلاة يسوع”. حيث نصل ​​إلى رؤية “ما لا نعرفه”، وهذا يعني، من الناحية اللاهوتية، وفقا لپالاماس “نور تابور” … “(المرجع المشار اليه، III). في أماكن أخرى من الكتاب نفسه، نتفّحص الطرق الخارجية في مزيد من التفاصيل – والomphaloscopie، وتيرة التنفس، الخ – ويصر على أنَّ الهدوئيين hesychastes “من خلال المثابرة على هذه الصلاة العقلية، سوف يجدون في نهاية المطاف ما كانوا يبحثون عنه، مكان القلب، ومعه وفيه كلّ أنواعٍ من العجائب والمعرفة” (المرجع نفسه. ص 102). باختصار، الوصول الى حالات روحية عالية يبدو له (في تفسيره “صلاة الهدوئيين) تكون النتيجة الحتمية، التي لا مفرّ منها (“نجد في نهاية المطاف”) من المثابرة في ممارسة الصلاة العقلية، وليس ثمرة الاتحاد الداخلي للإنسان بالله وعمل النعمة الإلهية الحرّ، وهذا ما علّمه في الواقع جميع أولئك الذين مارسوا هذه الصلاة.

xlvii- في رأينا، إن بعض الكتّاب ك Jugie، Hausherr، لأنهم لم ينجحوا في رؤية الصلاة الفنية بوصفها جزءا عضويا من التعليم النسكي الكنسي العام، يعتقدون أن الهدوئيين استبدالوا الطريق الصعب أي حفظ الوصايا، بالوسيلة السهلة، و”الميكانيكية” للصلاة. في الواقع، الصلاة لم تكن أبدا منفصلة عن الصلاة، وضعها في تعارض مع الوصايا، هو في حدّ ذاته، خطأ لأنها ليس شيئا آخر غير كمال الشريعة الأساسية لمحبة الله والناس.

xlviii- كان الرهبان الآتوسيون يجلسون على كرسي صغيرة ويحنون رؤوسهم وينظرون الى الصرة ويرددون صلاة يسوع وذلك كوسيلة لجمع قوى النفس وتركيزها حول اسم ربنا يسوع المسيح وبذلك تجتمع الروح والجسد في كتلة واحدة (المعرّب)

xlix- Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων, PG 150, col. 1112 B

l- Ibid., PG 150, col. 1112 C.

li- يتحدث القديس غريغوريوس عن طرائق الشهيق، في traité نفسها Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων. هذه المسألة بالذات دقّقها المجمع المنعقد سنة 1341.

lii-هذه الطريقة المسمّاة نفسا-جسدانيّة technique psycho-somatique

liii- Ὑπὲρ τῶν ἱερῶς ἡσυχαζόντων, PG 150, col. 1112 B

liv- PG 150, col. 1109 B

lv- PG 150, col. 1109 D

lvi- PG 150, col. 1112 A

lvii- المرجع نفسه.

lviii .(حاشية : القديس ثيوفان الحبيس اطلق العنان لمن يصلّي صلاة يسوع ليصليها كيف ما كان حاله واقفا، او نائما او ماشيا…)

lix- نظرة پالاماس تعتمد على رؤية نفسية جسدية psycho- somatique مهمّة جدّاً الجسد يؤثر بالروح كما أنّ الروح تؤثر في الجسد . بسبب الخطيئة نصاب بشرود الذهن. نستعمل دقة وظائف الجسد لحصر الشرود. فالتنفس وحركة الدم وكل وظائف خلايا الجسد تتمتع بدقة كبيرة إن لم يشوشها (فلتان) الإنسان. پالاماس يقيد شرود الذهن بهذه السلاسل الدقيقة.(المعرّب)

lx- L’appellation ὀμφαλοψύχοι ou umbilicanimi est utilisée à l’égard des hésychastes

par Léo ALLATIUS dans son De Ecclesia Occidentatis et Orientalis perpetuaconcensione (PG 150, col. 898 D).

lxi- HAUSHERR, La Méthode, p. 164; voir aussi PG 150, col. 899 AB (chez ALLATIUS)

lxii- PG 150, col. 1112 B

lxiii- PG 150, col. 1113 CD

lxiv- PG 150, col. 1109 A

lxv- PG 150, col. 1113 C

lxvi- PG 150, col. 1116 A

lxvii- Ὁμιλ. Σοφ., p. 114

lxviii- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., p. 169-170عظة القديس غريغوريوس پالاماس، دخول والدة الإله القديسة الى الهيكل.

lxix- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., p. 170-171

lxx- Ὁμιλ. Σοφ., p. 131-180

lxxi- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., p. 176

lxxii- Ὁμιλ. Σοφ. σελ., p. 171

lxxiii- هناك موضوع مماثل في عظة للقديس غريغوريوس بالاماس عن حياة القديس بطرس الآثوسي الرائعة. هذا النص هو دفاعٌ حيٌ ولامعٌ عن الطريقة الهدوئية للخلاص. والدليل إن هذا الطريق هو مقبول من الله هو المعجزات التي تمّمها القديس بطرس في جبل آثوس – فهو هدوئي بامتياز. بحسب هذا البحث (traité)، كل إدانةٍ للهدوئية لمصلحة حياةٍ أكثر نشاطا، هي مستوحاة من عدو خلاصنا(الشيطان). ونحن نعلم أن غريغوريوس پالاماس ليس هو مَن ألـَّف حياة القديس بطرس الآثوسي، الذي عاش قبله في الزمن. ما فعله ما كان إلّا أعطاءه شكلا أدبيا بالأكثر، وأعطاه أيضا “إنشاء” هدوئيا hesychaste (دون إجراء تغييرات كبيرة). النص الأصلي من حياته (من المحتمل مؤلفة في القرن التاسع.)،

lxxiv- Kirsopp LAKE, The Early Days of Monasticism of Mount Athos, Oxford, 1909, p. 18-39.

صراع العبادة بين رَبّين

صراع العبادة بين رَبّين

حول متى 22:6-33

اﻷب أنطوان ملكي

يأتي هذا المقطع اﻹنجيلي بعد أن علّم السيّد عن الصلاة الربيّة وبعد أن تكلّم عن الكنز السماوي، فيكلّمنا هنا عن العين البسيطة. والعين البسيطة هي التي تبحث فقط عن الله ومجده. بينما العين غير البسيطة، فإن طلبت الله يوماً تطلب العالم أياماً، ولا تشبع من العالم بكل ملذاته. العين البسيطة الغير طامعة في أمجاد العالم وملذاته، الراضية بما هي فيه، لا تهتم إلاّ بعشرتها مع الله، لا تبحث إلاّ عن مجده. هذا الكلام ليس نظرياً، ﻷن سراج الجسد هو العين. السراج هو المرشد في السير والعمل. والعين فهي أكثر ما يؤثّر على انتباه الإنسان، لذا هي قد تكون معبَراً للاهتمامات والرغبات والمطامح. من هنا أن العين الشريرة هي المعبَر إلى القلب المظلم الذي لا يشتهي سوى العالم الباطل، بأمواله وملذاته. هذه لا تقنع بحالِها وتورث صاحبها الهمّ، وهكذا تفقِده الرؤية الصحيحة فتنحاز للأباطيل، تجمع وتكدس ولا تقنع أبداً. أمّا المال فهو سيد قاسٍ يستعبد محبيه الذين يسقطون في سجنه المظلم، فلا يتركهم إلاّ مرضى مهمومين متألمين يعيشون في قلق وخوف فاقدين السلام والصحة والفرح والحرية، وأخيراً فاقدين للحياة الأبدية. لهذا يقول الربّ أنه لا يمكن لأحد أن يعبد سيدين، الله والمال، أي أنه لا يستطيع أن يحيا في النور والظلمة معاً. فالمال، كما ذكرنا، سيد قاسٍ يجعل عابديه يتخلّون عن الله وعن ضميرهم وأحبائهم، ﻻ همّ عندهم إلا الجري وراء المال. أماّ راغب القداسة فعلاً فيبيع كل شيء، أو هو مستعد لبيع كل شيء، طلباً لله، لذا عينه تكون بسيطة وقلبه بلا انقسام لله. طبعاً هذا الكلام لا يعني أن الله ضد الأغنياء، فإبراهيم وإسحق ويعقوب وأيوب كانوا أغنياء. لكن الله ضد أن نكون عبيداً للمال متكلين على المال كضمان للمستقبل، وهذه يمكن أن تكون حالة اﻹنسان حتّى ولو كان فقيراً.

أمّا الصراع الكبير الذي يرمينا فيه الرب فهو حين يقول لا تهتموا بالمال. يتساءل المؤمنون: كيف نؤمن مستقبلَنا من مأكل وملبس؟ وجواب السيد أن الله هو المسؤول عن حياتنا ومستقبلنا ومعيشتنا. التحدي الكبير هنا هو الثقة. أي أن يثق اﻹنسان في الله كأب سماوي يعوله لا أن يثق في مال يأكله السوس ويسرقه اللصوص. المسيح يتحدانا بأن ننزع منا القلق وهمّ العيش في طمأنينة تحت تدبير الله الذي يرعى حتى الطيور. “القِ على الرب همّك فهو يعولك” (مز 22:55). ألا يستطيع واهب الحياة أن يهب وسائلها من الطعام واللباس؟ ألا يستطيع خالق الجسد أن يمنحه القوت والكسوة؟ ألا يستطيع مانح العطايا الكبيرة أن يمنح العطايا الصغيرة؟

إن ما يطلبه الربّ صعب، لذا القادرون على هذا التسليم قليلون لا بل نادرون. لكن ما يطلبه الرب ليس طوباوياً بل هو واقعي جداً، وهو يدعونا إلى الواقعية: “وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعًا وَاحِدَةً؟كل المال وكل الطبّ وكل العلم لا يستطيعون أن يعطوا اﻹنسان الراحة التي يمنحه إياها التوكّل على الله، والبساطة التي بها يصير اﻹنسان قادراً على تقبّل أصغر اﻷشياء كعطايا إلهية، لهذا لا يحكي الربّ عن جمال أزهار الحقل بل عن بهائها. وفي النهاية يطلب الربّ ألا نهتمّ بالغد، لا يطلب ألا نهتم باليوم، فاليوم علينا أن نعمل بجدّ من أجل قوتنا، لكن علينا ألّا نحمل همّ الغد أي المستقبل الذي هو يهتمّ به.

في هذا الزمان الصعب المحكوم بالمال، ترسم لنا القراءة اﻹنجيلية درباً صعباً، لكنه هو درب القديسين المؤدّي إلى الحياة الفعلية التي بالمسيح.

من ثمار الروح: الصلاح

من ثمار الروح: الصلاح

كالينيكوس ميتروبوليت بيرياس

نقلتها إلى العربية ماريا قبارة

أمّا ثمر الروح فهو…. الصلاح

الصلاح هو المحبّة العاملة. والإنسان الصالح هو الذي يحمل هموم الآخرين، فيقدم دواءً للمريض، وطعاماً للجائع، وكساءً للعريان، وعزاءً للحزين. هو الشخص الذي يعتني بالآخرين عناية ماديّة وروحية أيضاً. هو الشخص الذي يسير في خطوات المسيح؛ الذي كان يجول يصنع خيراً. فيسمع هذا الإنسان الصالح في اليوم الأخير، مع سائر المؤمنين الذين فعلوا الصلاح، القول: “تعالوا يا مباركي أبي، رِثوا الملكوت المعدَّ لكم منذ تأسيس العالم، لأنّي كنت جائعاً فأطعمتموني. وعطشاناً فسقيتموني. كنت غريباً فآويتموني. عرياناً فكسوتموني. مريضاً فزرتموني. محبوساً فأتيتم إليَّ. فيجيبه الأبرار حينئذٍ قائلين: يا ربّ متى رأيناك جائعاً فأطعمناك، أو عطشاناً فسقيناك؟ ومتى رأيناك غريباً فآويناك، أو عرياناً فكسوناك؟ ومتى رأيناك مريضاً أو محبوساً فأتينا إليك؟ فيجيب الملك: الحقّ أقول لكم، بما أنّكم فعلتموه بأحدِ إخوتي هؤلاء الأصاغر، فبي فعلتم” (متى 34:25-40).

  1. الصلاح والاهتمام بالآخرين

يتحدث العهد الجديد عن سيدة فاضلة اسمها طابيثا: “كان في يافا تلميذة اسمها طابيثا (ومعنى اسمها غزالة) هذه كانت ممتلئة أعمالاً صالحة وإحسانات كانت تعملها“. امتلأت هذه السيّدة من الروح القدس، فأثمر فيها روح الله ثمرة الصلاح. ومرضت طابيثا، فصلَّت الكنيسة من أجلها كثيراً، لكنّها ماتت، فغسَّلوها ووضعوها في عليَّة، وأرسلوا يستدعون الرسول بطرس. وعندما دخل الرسول بطرس حيث كانت ترقد طابيثا، وقفت لديه جميع الأرامل يبكين ويُرينه أقمصة وثياباً مما كانت تعمل طابيثا وهي معهنّ. فأخرج بطرس الجميع خارجاً وجثا على ركبتيه وصلّى، ثمَّ التفتَ إلى جسد طابيثا الميت وقال: “يا طابيثا قومي“. ففتحتْ عينيها، ولمّا أبصرتْ بطرس جلست. (أعمال 36:9-43).

لقد ترجمت طابيثا صلاحها أقمصةً وثياباً، لم تعملها لأرملة واحدة، ولا لمجموعة أرامل قريباتٍ إلى قلبها، بل إلى كلّ الأرامل، لأنّ ثمر الروح فاضَ من شجرة حياتها، ليطعم ويُشبع كلّ من يقترب منها.. فإذا امتلأ قلبك بالروح القدس ستعمل الصلاح مع الجميع، مهما اختلفوا معك، لأنّ الروح القدس يملأك أعمالاً صالحة وإحسانات.

  1. الصلاح والاهتمام بخدمة المسيح

عندما يملأ الروح القدس قلوبنا ويسيطر على تصرفاتنا، نقوم بعملٍ صالح للربّ نفسه، ونقدّم عملاً صالحاً لخدمته. ويقدّم لنا الكتاب المقدّس مثالاً في هذا عن سيدةٍ سكبت قارورة طِيبٍ كثير الثمن على رأس المسيح وهو متكئ. وعندما رأى تلاميذ المسيح الطِّيب المسكوب اغتاظوا وقالوا: “لماذا هذا الإتلاف؟ لأنّه كان يمكن أن يُباع بكثير ويُعطى للفقراء“. فدافع المسيح عن المرأة وقال: “لماذا تزعجون المرأة؟ فإنّها قد عملت بي عملاً حسناًلأنّها قدَّمت تقدمتها، ولم يهمّها استحسان الموجودين أو انتقادهم. ولم يكن حكمهم عليها يغيّر شيئاً مما عزمت أن تفعله، فقد امتلكت محبة المسيح عقلها وقلبها، فلم يعد هناك شخصٌ آخر يستولي على تفكيرها أو مشاعرها إلاّ يسوع وحده. ولما أحبّته عملت به عملاً حسناً (متى 7:26-13).

إنّ الإنسانّ يميل بطبيعته وبعمله إلى الشرّ. قلبه خالٍ من كلّ صلاح لأنّ نفسه تأمره بالسوء، وهو لا يقدر أن يفعل أيّ صلاح إلاّ إذا غيَّر المسيح قلبه بعمل الروح القدس. أمّا الإنسان الطبيعي فلا يطلب الله ولا يُسرُّ بشريعته، كما هو مكتوب: “ليس بارٌّ ولا واحد. ليس من يفهم. ليس من يطلب الله. الجميع زاغوا وفسدوا معاً. ليس من يعمل صلاحاً. ليس ولا واحد” (رومية 10:3-12). ومن واجب كلّ إنسان أن يقبل خلاص المسيح فيولد ولادةً روحية ثانية، من فوق، بعمل الروح القدس. وسيجازي الله من يولدون من فوق، لأنّهم سيثمرون ثمر الروح. “سيجازي كلّ واحدٍ حسب أعماله. أما الذين بصبرٍ في العمل الصالح، يطلبون المجد والكرامة والبقاء (سيجازيهم) بالحياة الأبديةمجد وكرامةٌ وسلام لكل من يفعل الصلاح” (رومية 6:2 و7 و10).

الدهريّة: تحدّي الكنيسة الأكبر

الدهريّة: تحدّي الكنيسة الأكبر

جايمس ليللي

نقلتها إلى العربية جولي عطية

نواجه اليوم شكلاً جديدًا من حرب الأيقونات، يتمثّل بالضغط الذي يمارسه المجتمع الدهريّ على الكنيسة لكي تتبنّى مقاييسه وأفكاره، لتصبح بدورها دهريّةً.

تشكّل الدهريّة خطرًا كبيرًا على الكنيسة. فبدلاً من أن تساعدَ الكنيسةُ العالمَ ليصبح مثلها، يحاول العالم أن يسيطر على الكنيسة ويجعلها مثله. وبالنتيجة، تُبقي الكنيسة على أشكالها الخارجيّة، لكنّها تفقد إيمانها. لذلك ستعاني ممّا قاله القدّيس نكتاريوس حين كتب عن البابويّة:

لقد خسرتْ الكنيسة الغربيّة حريّتها الروحيّة بسبب عقيدة العصمة، خسرتْ زينتها، تزعزعتْ أساساتها، حُرمَتْ من جمال نعمة الروح القدس ومن حضور المسيح. تحوّلتْ من نفسٍ وروحٍ إلى جسدٍ ساكن“.

إنّ جوهر الدهريّة هو التركيز على الإنسان anthropocentrism، بينما جوهر الكنيسة هو التركيز على الإنسان الإله theanthropocentrism. إذا خسرتْ الكنيسة طبيعتها هذه أو حدَّتْ منها، تتحوّل إلى مؤسّسة دينيّة أو إلى واحدةٍ من ديانات الأرض.

ينظر الدهريّون إلى الكنيسة على أنّها إحدى الديانات العالميّة، لا على أنّها الحقيقة الوحيدة التي تخلّص الناس في المسيح. ولهذا يحاولون مساواة الكنيسة الأرثوذكسيّة بالأديان الأخرى، ما يؤدّي إلى قيام دينٍ موحَّد، نتيجة تآزر الأديان كلّها. لا يسعى هذا الدين إلى الحقيقة التي تخلّص، بل إلى السلام في العالم. وبالطبع، يخدم هذا الطموح مصالحَ القوى العالميّة المعاصرة، التي تريد أن يخضع الناس لسلطتها وأن يكونوا في سلامٍ (أي مقموعين)، عن طريق تضافر الأديان.

وبهدف التعايش السلمي، لا يعترف الأرثوذكسيّون بالمسيح في اللقاءات بين الأديان. إنّنا نحتمل أن تُصنَّف الكنيسة ديانةً سماويةً إلى جانب اليهوديّة والإسلام، لكنّ تعليم العهد الجديد والآباء يشدّد على أنّ مَن لا يؤمن بالثالوث القدّوس وبتجسّد الله الكلمة هو ملحد: “من لا يكرِّم الابن لا يكرِّم الآب الذي أرسله” (يو 5: 23)، الذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله” (يو 3: 36). ويقول القديس باسيليوس الكبير: “من لا يؤمن بالابن لا يؤمن بالآب“.

لقد سبق وبدأت محاكم اختبار المياه، حيث يقال للمسيحيّين إنه لا يمكنهم أن يتبعوا ضميرهم بعد الآن. وعلى حدّ تعبير رئيس الوزراء دايفيد كاميرون، فإنّ المساواة تفوق كلّ شيء“. يُسمح لنا، إلى حدّ الآن، ببعض الحرية، لكن ماذا سنفعل عندما يأتي وقتٌ – وهو حتمًا سيأتي حيث يَطلب منّا الدهريّون لا أن ننصاع فقط، بل أن نؤيّد بنشاطٍ ابتكاراتهم. “لمَ قد يُحرم زوجٌ من الجنس ذاته من فرصة الاحتفال بحبّهما في إكليلٍ أرثوذكسي جميل؟ هذا ليس عادلاً“. هذا السيناريو ليس غريبًا، إنّه نفوذ حقوق الإنسانوالتصرّف كضحيّة في عالم اليوم.

في حدثٍ نُظِّم مؤخّرًا في أثينا (25 أيار 2016)، قال المطران نيقولاوس متروبوليت ميسوغيا ولافريوتيكي:

نسمع اليوم عن اضطهادٍ مخادعٍ جدًّا يتعرّض له كلّ من الإيمان والكنيسة، والأمر يحصل بالفعل. تتردّد على مسامعنا عباراتٌ جميلةٌ جدًّا في الظاهر، مثل التعدّد الثقافي، التعدّد الديني، حقوق الإنسان، ومناهضة العنصريّة. إلاّ أنّها عباراتٌ ماكرةٌ بالحقيقة، فبينما توحي لنا بالحريّة، تكشف في الجوهر رفضنا خطاب الكنيسة وشهادتها، وسعينا إلى استبعادهما بأسلوبٍ حَذرٍ لكن منهجيّ“.

ومنذ بضع سنوات، كتب البروفيسور فلاسيوس فيداس حول المشاكل التي واجهت الكنيسة في القرن الرابع فقال: “رابعًا، اتّخذ بعض الأساقفة الأرثوذكسيّين موقف المجاملة والمساومة تجاه الأساقفة الآريوسيّين، إمّا لخوفهم من الإجراءات القاسية التي قد تتّخذها الدولة في حقّهم، أو لأنّهم غير قادرين على فهم العمق اللاهوتي لضلال الآريوسيّين وهرطقتهم، أو للسببين معًا. وقد سمحوا بالتالي باشتراك الأرثوذكسيّين والآريوسيّين في الليتورجيا“. إذا ما استبدلنا لفظة آريوسيّينبلفظة دهريّين، وأجرينا التعديل اللازم، نرى فيداس يَصِف وضعًا غير بعيدٍ عنّا، إلاّ في حال تبنّينا موقفًا ثابتًا في دفاعنا عن الإيمان والاكليسيولوجيا.

السنة الثانية عشرة، العدد الثامن، أيار2016

السنة الثانية عشرة، العدد الثامن، أيار2016

مختارات آبائية

عن الحركة المسكونية والدهرية، القديس نيقوﻻ فيليميروفيتش

عن الشيخ أفرام الكاتوناكي والمسكونية، د. ديمتريوس تسالانغيدس

عظة

دماء الشـّهداء بذار الكنيسة، اﻷرشمندريت توما بيطار

رعائيات

القرارات الصادرة عن المؤتمر اﻷرثوذكسي السابع والعشرين لمندوبي الكنائس حول الهرطقات واﻷديان الماورائية

لاهوت

حول حدود الكنيسة والمعمودية، اﻷب أنطوان ملكي

مسكونيات

ملاحظات حول الإعلان المشترك بين بطريرك روسيا والبابا، الأب جورج مكسيموف

حياة روحية \ ثمار الروح

العغة، من ثمار الروح القدس، كالينيكوس ميتروبوليت بيرياس

أبطال روحيون

القديسة إيميليا مثال لحياتنا، المتقدّم في الكهنة جورج بابافرنافاس