السنة الحادية عشرة – العدد الثامن – أيار 2015

السنة الحادية عشرة – العدد الثامن – أيار 2015

مختارات آبائية

مختارات آبائية، عدد من الآباء

القديس باييسيوس والشاب ذو الميول البروتستانتية

عظة

مماثلة الآب السّماويّ، الأرشمندريت توما بيطار

رعائيات – حياة روحية

أين تُخفِقُ الكنيسة اليوم في تربية الشباب؟ المتروبوليت أثناسيوس أسقف ليماسول

صلاة الأهل من أجل أولادهم

صورتي أو صورة المسيح؟ الخورية سميرة عوض ملكي

من القيل والقال إلى وسائل التواصل الاجتماعي، الأب فاسيلي تودورا

لاهوت – مسكونيات

لاهوت التحرير، الأب أنطوان ملكي

مختارات آبائية

مختارات آبائية

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

أعمال العدو، القديس نيقولا فيليميروفيتش

الصراع مستمر ودون هوادة، في الخارج والداخل. في بعض الأحيان، يعمل العدو بشكل واضح، من خلال الناس والأشياء، وأحياناً أخرى يهاجم الناس بتخفٍّ، من خلال أفكارهم. في بعض الأحيان، يظهر علناً مهاجماً بعنف وبلا رحمة كَعَدوٍ، ولكن في أحيان أخرى يكون متنكراً في زيّ صديق يغري مضللاً إياك بمَكرِه.

طريق الحياة، الشيخ أفرام أريزونا

كلّ مسار الحياة ألم ودموع، وأشواك ومسامير. تتشكّل الصلبان في كل مكان، التوتر والحزن يحيطان بكل شيء. كل خطوة هي جتسمانية، كل تلّة هي جلجلة، كل لحظة هي رمح. إذا استطعنا أن نضغط على الأرض مثل الإسفنج، فإنها تنقّط الدم والدموع.

ليس الكلّ خونة، الشيخ جاورجيوس كابسانيس، رئيس دير غريغوريو في أثوس

في كل جيل، ليس الكلّ يخونون ولا الكلّ يفرّون. البعض يبقون مخلِصين. البعض يتابعون الصراع. البعض لا يستبدلون إيمانهم بالإله الحقيقي بأي شيء عالمي أو دهري. في مطلق الأحوال، هذا هو سبب وجود الشهداء.

الحرية ملزِمة، القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس

تدفعنا أخلاقياتنا إلى اتخاذ خطوات نحو خلاصنا، إذ بغير ذلك نضيع. الاعتراف الرسمي بحريتنا الأخلاقية من قِبَل المخلص يعلّمنا أنّ خلاصنا لا يعتمد فقط على عمل نعمة الله، ولكن أيضاً على موافقتنا الشخصية ونشاطنا في وقت واحد.

الفضائل كلها واحدة، الشيخ جاورجيوس كابسانيس، رئيس دير غريغوريو في أثوس

جميع الفضائل هي جوانب لفضيلة عظيمة واحدة هي فضيلة المحبّة. عندما تكتسب المحبّة كمسيحي تكتسب كلّ الفضائل. إنّ المحبّة هي ما يطرد من روحنا جذر كلّ الشرور وكلّ الأهواء الذي، وفقاً للآباء، هو الأنانية.

الخطأ العَرَضي، جبرائيل المعترف الجديد

كل ما يجري للناس هو من قبيل الصدفة. لا تنظر إلى أحد حتى لو كنت ترى كم هو غير أخلاقي، ومستعد للسكر أو للتجديف. إن صورة الله فيه، في مكان ما أيضاً، حتّى ولو لم يعرف ذلك.

من الطبيعي للعدو أن يأتي ويلوّث تلك الصورة. ليس من السهل رؤية صورة الله في أولئك الذين يسخرون منك ويتصرفون مثل المتوحشين نحوك. يجب أن تشعر بأسف أكبر نحوهم لأن نفوسهم قد تشوّهت، إلى حدّ أنهم قد يرون أنفسهم فوق التصحيح، وهذا ما سوف يدينهم بالعذاب الأبدي. كم هو صعب أن تحبّ أعداءك!

القديس باييسيوس والشاب ذو الميول البروتستانتية

القديس باييسيوس والشاب ذو الميول البروتستانتية*

نقلتها إلى العربية جولي عطية

نُشر هذا الحوار، الذي يدور بين الأب باييسيوس وشاب تقي خُدع بتعاليم البروتستانتية، في نشرة “القديس غريغوريوس” السنوية الصادرة عن دير غريغوريو في الجبل المقدس، في العام 1995.

هذا الشيخ، الذي قدّم أجوبة بسيطة على أسئلة الشاب الوجودية، خلّص هذه النفس من الضياع وأعادها إلى حضن الكنيسة الأرثوذكسية. وقد سمح الأرشمندريت جاورجيوس، رئيس دير غريغوريو، بإعادة نشر نصّ هذا الحوار.

المرض الشديد يتطلّب مستشفى كبيراً

في النهاية، قرّرتُ الذهاب إلى الكنيسة الأرثوذكسية. اعترفتُ وبدأتُ بتناول القدسات بتواتر. لكن بقيَتْ تراودني عدّة أسئلة جدّية لم أستطع إيجاد أجوبة عليها. فتّشتُ عن هذه الأجوبة عبر لقاء لاهوتيين وكهنة، لكن من دون جدوى. 

“كوستا، مهما حاولتُ، فلن أرضيك بأيّ جواب. أنت تريد أن تفهم أسرار الله بواسطة عقلك، وهذا ليس أرثوذكسيًا. أمرٌ وحيدٌ سيخلّصك: لنذهب إلى الجبل المقدس، أتأتي؟”

كان هذا رأي أرشمندريتٍ أؤمن بأنّ الله قادني إليه. وبعد موافقتي على الذهاب، أخبرني عن جرّاح عظيم (وهذا وصفٌ من عندي) هناك، فقصدناه. اسمه الأب باييسيوس. وقد علمتُ لاحقًا أنّ شيخًا مباركًا آخر من بيرغوس قال عني: “إذا استقبله الأب باييسيوس، فهناك أمل، وإلاّ فسيضيع في كبريائه”. وكان على حق. لحسن الحظ أنّ المسيح أهرق دمه من أجل خطايانا، المجد لاسمه القدوس.  

سأنقل بأكثر دقة ممكنة حواري مع الأب باييسيوس.

س: يعلّمنا الكتاب المقدس أنّ يسوع المسيح وحده يخلّصنا. أمّا في الكنيسة الأرثوذكسية، فنطلب من العذراء مريم أن تخلّصنا. هل هذا صائب؟

ج: يسوع هو المخلّص الوحيد، لقد بذل ذاته من أجلنا. لكن اسمع، إذا كنتَ شخصًا ذا قدرة عظيمة ودخلتَ إلى المدينة مع والدتك، فجميع الذين ينتظرونك هناك سيرحّبون بك وبوالدتك، وسيمدحونها بأجمل الكلمات، حتى لو لم يعرفوا أيّ شيء عنها. وأنت ستبتهج عندما تسمعهم وستفخر بوالدتك. لذلك فالمسيح أيضًا يبتهج ويفتخر بوالدته حين يسمع مديحنا لها. انظر، إذا أتت امرأة فقيرة إلى والدتك وتوسّلتْ إليها لتطلب منك أن توظّفها، وأنت صنعتَ هذا المعروف لأمك، فستقول هذه المرأة الفقيرة إنّ أمك أنقذتها، رغم أنك أنت مَن وظّفها. حسنًا، لهذا نقول إنّ والدة الإله تخلّصنا. وابنها، الذي هو القدير وحده، لكن متواضع، سيبتهج لسماعه مديحنا لوالدته.   

س: علّمنا الرب أنّ نصلّي لله الآب. أما الكنيسة الأرثوذكسية فتصلّي لوالدة الإله والقديسين الذي هم بشر. هل هذا عمل صحيح؟

ج: اسمع، الصلوات كلّها تذهب نحو الله. نصلّي للعذراء مريم وللقديسين، أي نطلب منهم أن يصلّوا من أجلنا للرب، وصلواتهم لها قدرة كبيرة.

س: أجل (قاطعته) لكنّ العذراء مريم والقديسين كانوا بشر وماتوا. هم لا يسمعوننا وليسوا موجودين في كلّ مكان. ربما يغضب الله لأننا نصلّي لهم؟

(هنا يجدر بي أن أشدّد بتأكيد على ما حصل لي. في اللحظة التي قلتُ فيها كلمة “لكن”، شعرت بحربة تثبّتني إلى الأرض من دون أن تؤلمني ومن دون أن أصدر أيّ صوت، لكنّ شيئًا ما انفتح في داخلي وامتصّ كلّ ما قاله لي الشيخ.)

ج: يا بنيّ، بالنسبة لله، لا أحد يموت. عندما يموت أحدهم، فهو يموت بالنسبة لنا نحن الذين على الأرض، لا عند الله. وإذا امتلك هذا الشخص دالّة أمام الله، يعلِمه المسيح بأننا نطلب منه أن يصلّي من أجلنا، فيفعل ذلك ويسمعه المسيح ويبتهج. صلاة الصدّيق لها قوّة عظيمة.

س: يقول الرب: “أنا الرب إلههك. لا يكن لك آلهة أو صور. لا تسجد لهن ولا تعبدهن، لأني أنا الرب إلهك إله غيور”. والكنيسة الأرثوذكسية تكرّم الأيقونات، فهل هذا تصرّف صحيح؟

ج: اسمع، هناك أمّ لها ولد في الحرب وتخاف عليه نهارًا وليلاً، وتشعر بالقلق الكبير من أجله. وفجأة، تصلها رسالة من ابنها وفي داخلها صورة له. ماذا تفعل عندما تراها؟ تحملها بيديها وتقبّلها ثم تضعها في حضنها لتلمس قلبها. إذًا ماذا تظنّ؟ أتؤمن هذه الأم، التي تشعر بالعاطفة المتّقدة تجاه ابنها، بأنها تقبّل الصورة؟ هي تؤمن بأنها تقبّل ولدها. والأمر ذاته بالنسبة لمن يملكون محبّة متّقدة للعذراء مريم أو القديس المرسوم في الأيقونة التي يكرّمون. لا نكرّم الأيقونات من أجل الأيقونات، بل من أجل القديسين، وليس من أجلهم بحدّ ذاتهم، بل لأنهم جاهدوا من أجل المسيح. صحيح أنّ الله غيور، إنما ليس من أجله بل بسبب الشرّير. لا يغار الأب من أولاده. لا تقلق، يبتهج الرب عندما يرانا نكرّم ونحب أمّه والقديسين.      

س: ماذا عن البروتستانت، الإنجيليين، الخمسينيين؟

ج: كان للوثر مأخذ على البابا، ولهذا كان مبرَّرًا. لكن إن كان صادقًا، فلمَ لم يذهب إلى الكنيسة الأرثوذكسية التي لم يكن له أيّ مأخذ عليها؟ بدلاً من ذلك، أنشأ لنفسه “كنيسة” أخرى. اتركهم وشأنهم، ولا تذهب إلى هناك ثانية. اذهب إلى الكنيسة، واعترف أنت وزوجتك لدى الأب الروحي ذاته، وسيكون كلّ شيء على ما يرام.

س: أيها الأب باييسيوس، لا أعرف كيف أصلّي. كيف عليّ أن أصلي؟

ج: عليك أن تشعر بأنك طفل صغير وبأنّ الله أبوك. إذًا، ابحث عنه. لا تحزن إذا طلبتَ منه أمورًا تافهة، فهو لن يغضب. هو يرى قلبك وسيمنحك الأنسب لك. ذلك مثل طفل يسأل والده أن يشتري له دراجة نارية، لأنه يظن أنه كبير كفاية. لكنّ الأب، الذي يخاف أن يحصل سوء لابنه، سيبطئ في منحه ما يريد، وفي النهاية سيشتري له سيارة. 

أشكر الله وأمجّده لأنّه جعلني مستحقًّا أن أعرف رجلاً قديسًا عندما كان حيًّا، وأن يرشدني وأن يصلّي من أجلي ومن أجل عائلتي. 

حقًا كم الله عجيب. كم هو كثير الإحسان وكثير الرحمة! المجد لاسمه القدوس. هكذا أصبحتُ – بل الله هو من جعلني – مسيحيًّا أرثوذكسيًّا، من دون أن أنسى بالطبع أمرًا قاله لي الأب باييسيوس، وهو أنّنا في كلّ لحظة تحت الامتحان. 

* عن مجلة Dialogos، ترجمة إلى الإنكليزية جون سانيدوبولوس

مماثلة الآب السّماويّ

مماثلة الآب السّماويّ*

الأرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، الإنسان، في هذا الدّهر، يولَد طبيعيًّا من إنسان. لذلك، أبي هو الّذي ولدني، وأمّي هي الّتي ولدتني، بحسب الطّبيعة البشريّة. لكن، هناك ولادة لا تكون من الحشا. هناك ولادة أخرى تكون من فوق، تكون بحسب روح الرّبّ، ولا تكون بحسب الطّبيعة البشريّة. لهذا، الرّبّ يسوع، في كلامه، يدعونا إلى السّلوك في وصيّة جديدة: “أحبّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلّوا لأجل الّذين يعنّتونكم ويضطهدونكم”. الغاية من هذه الوصيّة الجديدة هي مماثَلَةُ الآبِ السّماويّ؛ أو، بكلام آخر، أن يولَد الإنسان من فوق “لتكونوا بني أبيكم الّذي في السّموات”. هذه الولادة الجديدة تأتي نتيجةَ مماثَلَةِ الإنسان، بحفظ الوصيّة بنعمة الله، للآبِ السّماويّ؛ “لتكونوا بني أبيكم”. ويختم الرّبّ يسوع كلامه بالقول: “كونوا كاملين كما أنّ أباكم الّذي في السّموات هو كامل”.

إذًا، أن نكون أبناء للآب السّماويّ معناه أن نماثله في ما هو عليه. الرّبّ يسوع المسيح، هنا، يكشف لنا سرّ الآب السّماويّ. الآب السّماويّ محبّة! والّذي يحبّ، يصير ابنًا له. كذلك، الّذي يحبّ، يصير كاملاً، كما أنّ الآب هو كامل. من هنا، الكمال يتمثّل بأمر واحد مميَّز، وهو محبّة الأعداء. الآب السّماويّ ميزته الأولى أنّه يحبّ أعداءه. ولأنّه يحبّ أعداءه، يستبين أنّه محبّة، أي يستبين أنّه في كلّ ما يعمل يحبّ! كلّ أعمال الله، من الألف إلى الياء، موسومة بالمحبّة. ليس هناك عمل إلهيّ واحد ليس موسومًا بالمحبّة الإلهيّة، والدّليل على ذلك أنّ الرّبّ الإله يحبّ أعداءه. مَن هو عدوّ الله؟! وهل لله أعداء؟! الشـّيطان هو عدوّ الله. الرّبّ الإله خلقه صالحًا، في البداية؛ وكان بإمكانه أن يبيده، لكنّه لم يفعل. لو أباد الرّبُّ الإلهُ الشـّيطانَ، لَما كان ليكون محبّة! لهذا السّبب، محبّة الله تجلّت، بصورة خاصّة، في محبّته للشـّيطان. وهو، بذلك، أحبّ كلّ أبناء الشـّيطان. وأبناء الشـّيطان هم الّذين يماثلونه في أعماله. لهذا، قال الرّبّ يسوع لليهود: “أنتم من أب هو إبليس، وأعمال أبيكم تعملون” (يو8: 44). الرّبّ الإله، إذًا، يبقى منسجِمًا مع نفسه، يبقى هو نفسه، ولا يتغيّر. موقفه من النّاس لا يتغيّر. موقفه من الشـّيطان لا يتغيّر. موقفه محكوم بالمحبّة، بمحبّته لكلّ الّذين يرفضونه! جحيم الشـّيطان أنّ الله يحبّه. لو كان الرّبُّ الإلهُ يكره الشـّيطان، لَكان هذا الأخير في حال أفضل، ولَكان له مُبرِّرٌ في رَفـْضـِهِ للرّبّ الإله وكُرْهِهِ له. لكن، لأنّ الرّبّ الإله يحبّه، على الرّغم من كلّ شيء؛ فإنّه، أي الشـّيطان، ليس مُبرَّرًا في موقفه من الله. وهذا ما يجعله في جحيم. ليس هناك جحيم أقسى من أن يبادل الإنسانُ رفضَ الآخرين له بقبوله لهم! ليس هناك جحيم أقسى من مقابلة الإنسان كرهَ الآخرين له بمحبّة! هو، طبعًا، لا يفعل هذا ليُغيظهم! إنّما ما يغيظهم، ويجعلهم في جحيم، هو كرههم، لا محبّة الله لهم. فلأنّهم يكرهون، لا يستطيعون أن ينتفعوا من محبّة الله، ولا يستطيعون أن يختبروا الفردوس، والحياة الأبديّة، والفرح المتمثّل بمحبّة الله. محبّة الله هي حياة أبديّة، وفرح لا يوصَف للّذين يستجيبون له. وهي نفسها، للّذين لا يستجيبون للمحبّة، جحيمًا تكون!

إذًا، الله لا يمكن أن يُنسَب إليه أيّ شرّ، أو أيّ أذًى يمكن أن يلحق بمخلوقاته. إنّما المخلوقات عينها، لأنّها تعاند في رفضها لله، تعاني، وتعاني بقسوة، تعاني بشدّة. لماذا؟! لأنّ الرّبّ الإله خلق كلّ الخليقة بمحبّة، بما في ذلك الشـّيطان، حين كان، بعدُ، ملاكًا صالحًا. إذًا، تكوين كلّ الخلائق هو تكوين على أساس محبّة الله. إذا كانت للواحد منّا سيّارة، والسّيّارة تحتاج إلى زيوت لكي تسير بسلاسة؛ فإن جعل الإنسان مكان الزيوت موادًّا حارقة، فهل يمكن السّيّارة أن تسير كما صنعها صانعها؟! لا، أبدًا! السّيّارة لا تتوقّف، فقط، عن الجريان؛ بل تحترق، أيضًا! هكذا خلائق الله، إنّها مخلوقة لزيت المحبّة! والزّيت علامة الرّحمة. الإنسان، حين يتعاطى الرّحمة، فإنّ أموره تسير على أفضل ما يُرام. أمّا إذا استعاض عن زيت الرّحمة بمادّة مشتعلة هي الكره، فماذا يحدث؟! هل يحدث شيء لصانع السّيّارة؟! طبعًا، لا! ما يحدث يحدث للسّيّارة عينها، يحدث للإنسان نفسه، يحدث لخليقة الله نفسها، يحدث للشـّيطان نفسه… فإنّ المادّة الحارقة تحرق صاحبها، لأنّ صاحبها ليس مصنوعًا لكي يستوعب الموادّ الحارقة الّتي للكراهيّة، أو للأنانيّة، أو لحبّ الذّات وعبادتها. الخليقة لا يمكنها أن “تهضم” هذه الموادّ. إذًا، هذه الموادّ لا فقط تعطّل الإنسان وتعطّل خليقة الله، بل تجعله في حال أسوأ! تجعله في النّار! تجعله يحترق! وهو، إذ يحترق، يحترق بخطيئته، ولا يحترق لأنّ الرّبّ الإله يكون قد تخلّى عنه! إذا كان الرّبّ الإله قد أرادنا أن نماثل الآب السّماويّ بمحبّة الأعداء، وإذا كان قد أرادنا أن نكون كاملين كما أنّ الآب السّماويّ هو كامل؛ فهذا كلّه مُعطًى لنا، لا لأنّنا قادرون على أن نحقّقه بقوّتننا الذّاتيّة! فالإنسان لا يمكنه أن يصير مثل الله، إلاّ بروح الله. الله يعطينا روحه، الّذي به يصير بإمكاننا أن نحبّ أعداءنا، ويصير بإمكاننا أن نكون كاملين. فقط، علينا أن نكون منسجِمين مع كلمة الله. الوصيّة الّتي أعطانا إيّاها الرّبّ الإله، أعطانا إيّاها لكي نكون في انسجام مع الله؛ فمتى سلكنا في الوصايا، فإنّ الرّوح القدس، إذ ذاك، بعد أن يكون، بصورة خفيّة، قد أعاننا في إتمام الوصايا الإلهيّة، يأتي بنا إلى وصيّة الوصايا ليحقّقها، وهي وصيّة محبّة الأعداء. حينئذٍ، يصير الإنسان كاملاً.

“قد سمعتم أنّه قيل: أَحْبِبْ قريبَك، وأَبْغـِضْ عدوَّك”. هذا ما كان عليه حال البشريّة، قديمًا. البشريّة كانت في وضع قبليّ، في وضع القبيلة! روح القبيلة كانت متملّكة على الإنسان. لكن، حتّى في إطار هذا الواقع الّذي كان فيه الإنسان، قديمًا، حتّى في إطار القبيلة؛ لم يكن النّاس محبّين بعضهم لبعضهم الآخر. لهذا، سرى القول، الّذي لا يزال يُتداوَل شعبيًّا، بين النّاس: “أنا على ابن عمّي، وأنا وابنُ عمّي على الغريب”! هذا، تمامًا، هو واقع السّيرة القبليّة للإنسان. الرّبّ الإله، أوّلاً، أراد للإنسان أن يعتاد تعاطي المحبّة في إطار القبيلة، بما أنّها هي كانت إطارَ عيشه. لكن، قليلاً قليلاً، انتقل الرّبّ الإله بالإنسان إلى حسّ جديد عبّر عنه، بصورة خاصّة، الأنبياء. ما نقرأه، مثلاً، في سـِفـْرِ الخروج يقع في الطّبقة الأولى من عمليّة الصّعود، الّتي شاءها الرّبّ الإله لهم. أمّا متى بلغنا مرحلة الأنبياء، فإنّنا ننتقل من الطّبقة الأولى إلى الطّبقة الخامسة، أو السّادسة. طبعًا، حتّى حين كان الإنسان في الطّبقة الأولى، كان هناك أمر من الله أن يحافظ المرءُ على الغريب، وعلى الضّعيف: “الغريب لا تقهر” (خر23: 9)! وهذا الغريب، في الحقيقة، هو الّذي صار علينا أن نحبّه مع الرّبّ يسوع؛ إذ بالرّبّ يسوع صار الغريب قريبًا، وصار العدوّ صديقًا، وصار المرذول مقبولاً، وصار المكروه محبوبًا!… هذه كانت طريقة الله في تربية البشريّة، والتّرقّي بها، إلى أن بلّغها الكمالَ بالرّبّ يسوع المسيح. في كلّ نفس، تتمثّل كلّ المراحل الّتي عبر بها الشـّعب العبريّ، من السّقوط حتّى مجيء الرّبّ يسوع. كلّ إنسان يولَد في الخطيئة: “في الخطيئة ولدتني أمّي” (مز50: 5)، يولَد مائلاً إلى الغيرة، إلى الحسد، إلى الأنانيّة، إلى الكبرياء، إلى التّعظّم، إلى عبادة الذّات… وهذا كان واقع الشـّعب العبريّ. لكن، كما نشـّأ الرّبُّ الإلهُ شعبَه، من خلال موسى، ويشوع من بعده، والأنبياء من بعدهما؛ كذلك، يعطينا أن يُنشـّئ بعضُنا بعضًا على التّرقّي من مستوى عبادة الذّات إلى مستوى عبادة الله، من مستوى محبّة الذّات إلى مستوى محبّة الله. من هنا أهمّيّة العائلة المسيحيّة، والدّور النّبويّ التّاريخيّ الّذي ينبغي أن تتعاطاه في تنشئتها لأبنائها؛ ومن هنا، أيضًا، دور الكنيسة النّبويّ. الرّبّ الإله، في الحقيقة، جعل من الجميع أنبياء! نحن أمّة أنبياء! إذًا، نحن نُنبئ دائمًا، لا فقط بكلمة الله؛ إنّما نُنبئ، أيضًا، بقصد الله، نُنبئ بروح الله. نحن نعمل، دائمًا، على إعداد الشـّعب لسكنى روح الله فيه! فإذا كانت العائلة المسيحيّة لتستقيل من تعاطي هذه المسؤوليّة، وإذا كنّا نحن، كمؤمنين في كنيسة المسيح، لنتخلّى عن هذا الدّور النّبويّ في تعاطينا بعضنا مع بعضنا الآخر، فإنّما نكون قد تركنا الآخرين يعودون بروحهم إلى الانحطاط الّذي كان الشـّعب القديم فيه، في وقت من الأوقات! نحن ليس بإمكاننا، بعد، حتّى أن نتكلّم على الوصايا العشر الموسويّة! هذه صارت لا تخصّنا! نحن، بيسوع المسيح، يُفترَض بنا أن نكون قد تخطّيناها! لكن، حتّى الوصايا العشر، قلّة قليلة من النّاس – أقصد بالنّاس الّذين يعتبرون أنفسهم أنّهم مؤمنون بالرّبّ يسوع المسيح – تقيم وزنًا لها. أكثر النّاس عادوا إلى وثنيّاتهم؛ أي، بكلام آخر، عادوا إلى زمن سدوم وعمورة. وماذا حصل؟! سدوم وعمورة، برفضهما للرّبّ الإله، وبتمسّكهما بعبادة ذاتيهما أوثانًا وبالممارسات الشـّائنة، جعلا محبّة الله، بخطيئتهما، تتحوّل إلى نار وكبريت أحرقاهما إلى الأبد! المُكتَشَفات الأثريّة، في البحر الميت وفي جواره، أبانت أنّ هناك موقعًا اعتُبر أنّه لسدوم القديمة. واكتُشف أنّ سدوم أُحرقَت بنار فظيعة! وبعد ذلك، صارت لا تصلح لأن تكون مسكنًا لأحد! صارت خاوية، محروقة إلى الأبد!

مَن يشاء أن يتعلّم، فهناك الكثير أمامه ليتعلّم منه. أمّا مَن يعاند في خطاياه؛ فلا بدّ، لا فقط من أن يموت في خطاياه؛ بل لا بدّ له، أيضًا، من أن يلقى خطاياه جحيمًا له إلى الأبد.

آمين.

* عظة حول متّى5: 42- 48 في السبت 18 أيار 2011

أين تُخفِقُ الكنيسة اليوم في تربية الشباب؟

أين تُخفِقُ الكنيسة اليوم في تربية الشباب؟ تربية الشباب في يومنا هذا

للمتروبوليت أثناسيوس أسقف ليماسول

ترجمة رولا الحاج

في مفهوم الكنيسة، التّعليم يَعني “التوجيه”، أيّ توجيه النّاس لا لأفكارٍ مُعيّنة أو قِيَم أو مِثاليات، بَل توجِيههم إلى محبة إلهنا يسوع المسيح. التّعليم في الكنيسة يَعني أن نُعلّم النّاس محبة المسيح وهذا أساس كلّ شيء. تتكلّم الكنيسة عن محبة الله. هناك مفهموم علمانيّ للدين، للكنيسة، يتكلّم فقط عن الإيمان بالله لكنّ الكمال في الكنيسة هو الحبّ الّذي سيَبقى إلى الأبد، إذ إنّ الإيمان والرجاء سوف يزولان في اليوم الأخير، والّذي سيَبقى هو الحبّ. لذلك فإنّ التّحدي هو أن يَتعلّم النّاس محبة الله. والخطوة الأولى الأساسيّة هي الإيمان بالله، والّتي تَسمو إلى الخطوة التّالية وما يليها. علينا ألاّ نَحُدَّ أنفسَنا بذلك، لأنّه لا يُمكن لشخصٍ أن يُعطي حياتَه كلّها لشيء يؤمن به فقط. إذا تواجد أشخاصٌ مثاليّون، فباستطاعَتِهم أن يؤمنوا كما يحدث في حالات أخرى من الحياة اليوميّة الّتي نراها من حولنا. أمّا الكنيسة، فقوامها محبة المسيح. بالنسبة إلينا، المسيح هو كلّ شيء، هو مُعلمّ الكلّ. أنظروا كيف يقول الربّ بشكل جميل في الإنجيل: “تعلمّوا منّي…”. هذه هي الحقيقة، يتعلّم النّاس من المسيح نفسِه، من حياتِه، ومِن كلماتِه ولكن فوق كلّ شيء بِعَيش خبرة محبة الله بداخلهم. لهذا السبب، هذه الخبرة مُهمّة جدًّا بحيث تَتغلّب على كلّ محبة أخرى في العالم.

لا يَكفي، يا أحبائي، أن نقول لأولادنا أفكارًا عن الإنجيل، لا يكفي أن نقول أن الإنجيل والكنيسة هُما أفضل ما يُمكن أن يُقدّم لهم وبأن الحبّ والفرح والحرّية والعدالة هي أمور حَسنة. بالطبع هذا كلّه جَيِّد، لكن ما يحتاجُه الشّاب اليوم هو أنّ يَتعلّم محبّة المسيح وكيف أنّ ما تُعطيه الكنيسة هو المسيح، وهذا شيءٌ لا يستطيع العالم أن يُقدّمه لهم. يستطيع الناس أن يتعلّموا دائمًا احترام اخوتهم البشر ومحبّتهم ويكونوا صادقين مَعهم وصريحين وعادلين وديمقراطيّين ومُتسامِحين وكلّ ذلك. الكنيسة لا تَحتاج أن تُعلّم هذه الأمور الّتي تُعلّمها الطبيعة نفسها، لأنّ ذاتنا البشريّة وكيانُنا يُعلّماننا الحريّة والعدالة والديمقراطيّة والإحترام وحبّ الآخرين. ما لدى الكنيسة لتقوله لنا هو محبة المسيح. وهنا، اسمحوا لي أن أقول لكم، ما يُعثّر المسيحيّين اليوم هو أننا نَعتَبِر أنّ الكنيسة نِظامًا إيديولوجيًّا وأنّه يكفي أن نكون أناسًا صالحين، ونُتمّم واجباتنا، ونَضع حدًّا لأولادنا وألاّ نكون شرّيرين ونقوم بأمور سيئة. أحيانًا نلتقي بأشخاصٍ يقولون أشياءً نَسمَعُها، فنَبتسم بتهذيبٍ طبعًا، لكن هذا لا يُعبّر عن الكنيسة. ما الّذي يقولونه؟ “إنّه الأفضل أن نكون في الكنيسة مِن أن نتوّرط  بالمخدرات أو أن نكون في السّجن”. كما لو أنّ الكنيسة هي نقيض المخدرات والسِّجن. يُمكن للمرء أن يقول كما قال الجَمَل ذات مرّة “ألاّ يوجد طريق مستقيم، وهو الطريق الوسط” (أيّ خَيرُ الطرق أوسَطُها). إذًا، إمّا الكنيسة أو المخدرات؟ هل يعني هذا أنّ أيّ شخصٍ خارج الكنيسة هو مُدمنٌ على المخدرات؟ بالطبع لا! لستَ بحاجةٍ إلى أن تَلتزم في الكنيسة لتكون شريفًا ونبيلاً وصادقًا وزوجًا صالحًا ووالدًا مُتفانيًا وتلميذًا مُجتهدًا وما سوى ذلك من الخصال الحميدة. لهذا السبب غالبًا لا نستطيع أن نَفهم لماذا تَربِط أولادنا علاقة أخرى بالله. لماذا نحن الأكبر سنًّا منهم لا نستطيع أن نفهم؟ فنقول لهم “لماذا تُريد هذا الشيء؟ ألا يكفيك أنّك أصبحت شخصًا صالحًا وعالمًا ذوو شأنٍ هامّ ولديك عَمَلك لتُقدِّمه للعالم وللمجتمع؟ لماذا تُريد المزيد؟ هذه مغالاة وتطرّف وانحراف ومرض. لماذا نُعبّر عن آراءٍ كهذه؟ لأنّنا لا نقيس حياتنا بالحبّ بل من خلال الواجبات. “قُمّ بواجبك وهذا يكفي”. لكن الحبّ يا إخوتي لا حدود له. عندما تُحبّون الله تزول كلّ الحواجز، مثلما يَحدث تمامًا عندما تَهيمون في حبّ شخصٍ مُعيّن. إذا عَشقتُم شخصًا عندها ترغبون أن تَبقوَا معه وتَتحّد حياتكم بِه. أيمكنكم أن تَضعوا حدودًا لهذا الحبّ؟ إنّ الحبّ نارٌ تُحرِق قلب الإنسان، فلا يأتي بقيود وأشكال المنطق بل يَتحرّك لوحده، من القلب وليس من العقل. الكنيسة تُعلّم وتدعي النّاس إلى محبة المسيح فوق كلّ شيء.

كما تعلمون، ويُمكنكم أن تُلاحظوا الظاهرة في الكنيسة في السنين الماضية عندما كانت تَعجُّ بأولاد كُثر. نحن نتذكر، نحن الأكبر سنًّا، أنّه كان أغلب الأولاد حتّى سنٍّ مُعيّنة يذهبون إلى مدارس التّعليم الدينيّ، وإلى الكنيسة وكانت تربطهم علاقة بالله. لكنّهم فقدوها بَعد سنٍّ معيّنة، في الرّابعة عشر أو الخامسة عشر أو الثمانية عشر. بَعضهم التحَق بالجيش وبعضهم تَعلّم، وجهود الناس ذهبت سُدىً مثل التّعليم الدينيّ وغيرها. ما هي هذه الحالة، في رأيكم؟ أين ارتُكِب الخطأ؟ حسنًا، بالطبع يوجد ضُعفٌ بشريّ، وتحديّات، واهتماماتٌ تتكاثر مع نموّ الإنسان لكنّ “غلطة الكنيسة”، أقولُها بين مزدوجين، ليست الكنيسة بحدِّ ذاتها لكنّنا نحن أبناء الكنيسة، للأسف، الّذين لم نُدرِك بأنّه كان علينا أن نُعلّم أولادنا محبّة المسيح. فزوّدناهم بأفكارٍ من الإنجيل “كُن طفلاً مُهذبًا، مُحترمًا، أحبِب الآخرين، قُم بأعمال خيريّة، وكُن نزيهًا” لكنّنا لم نتكلّم عن محبة المسيح وذلك لأنّ اللاهوت بالنسبة إلينا هو مثاليّ، وفلسفيّ، وإنسانويّ. لقد تَجاهلنا محبّة الله وما مِعنى أن نُحبّ المسيح. لهذا السبب لم يَعُد مُهمًّا للنّاس أن يتعلّموا الصوم، ويُشاركوا بالسهرانيات، ويَعتَرفوا، ويَتناولوا، ويَقرأوا سِيَر القدّيسين. فكان يَكفي قراءة كُتب أخرى، أمّا كُتب القديسين فوُضِعت جانبًا وحياة الكنيسة النُسكيّة أُهمِلَت، وقد تَمَّ  تهميش الإنسان وهو المدعوّ أن يذوق خبرة  المسيح في سرّ الكنيسة. اعترضت سبيلَه أمورًا أخرى لهذا السّبب كنّا نَخسَر النّاس، الواحد تلو الآخر، كلّما بَلغوا سنّ الرشد. طبعًا، للخطيئة إقتدارٌ ولذّة، فهي تَجذبُ النّاس إليها وتأسرهم. من ناحية أخرى، ما الّذي يَستهوي النّاس مرّة أخرى؟ ألافكار؟ فإنّ الأفكار هي ظِلال  ميّتة للحقيقة. لا يُمكن لفكرة واحدة أن تحفظك، مهما تكون من أصحاب الإيديولوجييات.

لحسن الحظ تلك الأيّام ولّت، ويبدو اليوم أننا قد شُفينا وأعدنا اكتشاف جذورنا وتقاليدنا. ها نحن نرى شبانًا في الكنيسة، يُحبّون الله، ويدخلون الكنيسة بفكرٍ جديد ورؤيةٍ جديدة. قد تكون لديهم صعوباتهم، ومشاكلهم، وسقطاتهم، وضُعفاتهم مثلنا جميعًا، لكنّهم يَصغون لمحبةً الله. وهذا ما علينا أن نقوله لأولادنا يا إخوتي، أن يتعلّموا أن يُحبّوا الله. وعندما يُحبّون الله، تَنكشِف في داخلهم خبرة محبة الله، حينها يَكتسبون معرفة ويَحصلون على مضادٍ روحيّ قويّ في داخلهم، يوازي ثقل الخطيئة. وبهذه الطريقة، في حال  سَقطوا في الخطيئة، سوف يكون لديهم حضور محبة المسيح ليُعزي قلوبهم. إنّهم يعرفون بأنهم لا يَستطيعون أن يَخلُصوا بقوّتهم الخاصّة، ولا برؤيتهم الخاصّة بل بمحبّة الله، ورأفته، ورحمَتِه، وبتضحية المسيح على الصليب من أجلنا جميعًا.

إذا تَحدّثنا عن التربية في الكنيسة اليوم، فنَحنُ نتكلّم بالتّحديد عن هذه الخطوة وهذا التوجّه “ساعدوا النّاس ليُحبّوا الله”.

 

صلاة الأهل من أجل أولادهم

صلاة الأهل من أجل أولادهم

ترجمة رولا الحاج

يا ربّي يسوع المسيح، يا ابن الله، من أجل صلوات والدة الإله الفائقة القداسة، استجبْ لي، أنا عبدك غير المُستحق. يا ربّ، احفظ بالرحمة أولادي، فَهُم عبيدُك. ارحمْهم وخلّصهم، من أجل اسمك. يا ربّ، اغفر زلاتهم الطوعيّة وغير الطوعيّة التي بمعرفة وغير معرفة. يا ربّ، ثبّتهم بالحق على طريق وصايك وأنِر عقولهم بنورك من أجل خلاص نفوسهم وشفاء أجسادهم.

باركهم، يا ربّ، في المنزل وفي المدرسة، وفي رحلاتهم وزياراتهم، وفي كل مكان سيادتك. احفظهم  واحمِهم، يا ربّ، من الرصاص الطائش، والقتل، والسمّ والحريق ومن الجروح المُميتة والموت الفجائيّ. احفظهم، يا ربّ، من كلّ الأعداء المنظورين وغير المنظورين، ومن كلّ شرٍّ وخطرٍ وشِدّة. واسحَق الشيطان تحت أقدامهم.

أيّها الطبيب السماويّ، اشفِ أولادي من كلّ مرضٍ، ونَجِّهم من كلّ دنَسٍ، قوِّهم على كلّ شهوة صغيرة وشغف شهوانيّ، وخَفِّف مُعاناتهم الروحيّة. اجعلهم يشمئزّون من كلّ رجاسة، واجعلهم مُندفعين لحياة كريمة. أيّها الرّب الرحيم، احفظهم بنعمة روحك القدّوس وبحياة مديدة، احفظهم في الصحة والعفّة في كلّ تقوى وحبّ، وهبهم أن يعيشوا بوفاق مع جميع جيرانهم، القريبين والبعيدين. كثِّرهم، أيّها المسيح الإله، وشدّد قدراتهم العقليّة، وقواهم الجسديّة، ونقاوة القلب. هَبهُم إبصار خدمَتك. باركهم ليسلكوا حياة ورعة، وإذا كانت مرضيّة لديك، ادعُهُم إلى الحياة الملائكيّة أو امنحهم حياة زوجيّة نبيلة وانجابٍ شريف.

اغفر لي برحمتك خطاياي وهفواتي التي اقترفتها في الدعوة الوالديّة المُقدّسة، واحمِ أولادي من قدوتي السيئة. من أجل اسمك، أيّها الرب الرحيم، امنحني، أنا عبدك الخاطىء وغير المُستحق، البركة الوالديّة من أجل أولادي، في هذا الوقت الحاضر، والصباح والظهر والليل، وأيضًا في ملكوتك الأبديّ، والعظيم الجلال والكليّ القدرة. آمين.

لاهوت التحرير

لاهوت التحرير

الأب أنطوان ملكي

مدخل

قد يجد الأرثوذكسي التقليدي صعوبة في التعامل مع لاهوت التحرير. والسبب يتأتّى من استعمال عبارة لاهوت لتسمية هذه. فأرثوذكسياً، معنى كلمة “اللاهوت” هو طبيعة الله، لذا اللاهوت يبدأ من الله وليس من الإنسان، يبدأ من الوحي ومن ثمّ يظهر أو يتجسّد في الواقع. أمّا لاهوت التحرير فقد عكس الآية والمسار. من هنا أن هذا البحث لن يناقش التسمية، بل سوف يسعى إلى تسليط الضوء على نشوء هذا الفكر وانتظامه وتفاعله، وماآل إليه في حضن الكثلكة، وإرهاصاته في الكنيسة الأرثوذكسية.

اهتمام لاهوت التحرير الأول هو الوضع الاجتماعي للإنسان، فهو دعوة لتحرير الفقراء والمقهورين اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا وتحرير الكنيسة مما لحق بها من شوائب وأساليب تسلطية. إذاً، المحور في لاهوت التحرير هو الإنسان لا الله. وهذا التحوّل في مركز الاهتمام يتيح الاجتهاد والابتداع. يرى بعض المدافعين أن لاهوت التحرير هو لاهوت نبوي لأنه يقوم بعمل الأنبياء كون عمل النبي هو أن يرى الواقع ويعلن رأي الله فيه ويتخذ القرارات العملية لمواجهته. وعليه فإنّ لاهوت التحرير هو تعبير عن الفعل الاجتماعي وليس عن الخدمة الاجتماعية. فالفعل الاجتماعي يبحث في علاج أسباب المشكلة أما الخدمة الاجتماعية فهي مد يد المساعدة للمحتاجين للتخفيف من جوانب المشكلة التي يعانون منها. وهنا يُقدّم المثل التالي: إعطاء السمكة (المال) للمحتاج هو خدمة اجتماعية، بينما إعطاء السنارة (تعليم حرفة) هو فعل اجتماعي يجعل الإنسان يعيش حياة كريمة مستقلة. من جهة أخرى يرى البعض أن لاهوت التحرير هو نتاج التلقيح الفكري بين الكثلكة والماركسية والتفاعل بينهما لإقامة الفردوس على الأرض. فلاهوت التحرير جعل الدين أكثر اهتمامًا بالإنسان وبالمجتمع، وهو يحاول القيام بمهمة مزدوجة تبشر بالفردوس في الأرض وفي السماء ولا يؤجل سعادة الإنسان.

بعض التاريخ

ظهر لاهوت التحرير في أميركا اللاتينية التي عرفت المسيحية الكاثوليكية عن طريق الاستعمار الأوربي. في القرن العشرين، صارت تلك الأنحاء مركز الكثافة الكاثوليكية، وفي الوقت عينه انتقل استعمارها إلى يد الأميركيين الذين بلغ بهم الأمر حد التدخل العسكري في بعض البلدان. وكسائر الدول المستعمَرة، النتيجة الأولى للاستعمار هي ظهور التفاوت الطبقي الكبير حيث يزداد الأغنياء غنىً ويزداد الفقراء فقرًا وتسيطر القلّة من الناس على ممتلكات الغالبية.

كل هذا ترافق مع انحياز الرئاسة الكاثوليكية إلى المستعمرين منذ وصولهم إلى القارة الجديدة. فروما رأت في الاستعمار وسيلة لنشر الإيمان الكاثوليكي، حتّى أنها أصدرت عدداً من المراسيم البابوية نددت بالحركات الاستقلالية في بدايات القرن التاسع عشر. ومن منتَجات المجمع الفاتيكاني الأول تأكيده على سلطة الكنيسة ضد الحركات الوطنية التي تنادي بالاستقلال. ومع الاستعمار الأميركي دخلت الإرساليات الإنجيلية لتتخذ نفس موقف الكثلكة التي تحولت آنذاك إلى عنصر تهدئة تجنبًا لبطش السلطة وإيثارًا للسلام والسعي إلى إقناع الشعب بالرضا بالأمر الواقع والتسليم للمشيئة الإلهيَّة، إلى أن توالَت الثورات في دول المنطقة وابتدأ التفاعل مع الماركسية والشيوعية. هذا التطور ترافق مع التغير السياسي لصالح الطبقات الوسطى والفقيرة في بعض البلدان وقيام حكومات شعبية وظهور أحزاب مسيحية كحزب الديموقراطية المسيحية في تشيلي الذي وصل إلى الحكم وكان أول نظام ديموقراطي في القارة طبّق نظامًا اشتراكيًا مسيحيًا.

وجد بعض رجال الكثلكة أن ما تفعله السلطات الجديدة يتطابق مع الدعوة الإنجيلية إلى الحرية والعدل والحق والمساواة. فبدأت بعض المواقف من كهنة هنا وهناك بالظهور إلى أن تبلورت في ما سُمي لاهوت التحرير حيث تكرّس مئات الرهبان والكهنة لخدمة المطالب الشعبية والبحث عن دور الكنيسة في التحوُّل الاجتماعي الجديد.

بدأت بذور لاهوت التحرير بالظهور منذ 1955،  في لقاء لأساقفة أمريكا اللاتينية في ريو دي جانيرو حيث بدأ اهتمام رجال الكثلكة بمشاكل الفقراء وتكونت عدة حركات شعبية مثل حركة الطلبة المسيحيين، وحركة العمال المسيحيين، وحركة الفلاحين المسيحيين، وحركة التعليم الأساسي. على عكس المجمع الفاتيكاني الأول، اهتم المجمع الفاتيكاني الثاني (1962 – 1965م) بالنقد الذاتي  في هذا الإطار ومن بين الستة عشر وثيقة التي أصدرها عدد منها اهتمّ بإعادة تنظيم الكثلكة وناقش قضايا العدالة الاجتماعية والتنمية وبهذا أعطى شيئاً من الشرعية للاهوت التحرير. من المهم الإشارة إلى قرار الرئيس العام للرهبنة اليسوعية في 1966 بالانخراط الجاد في العمل الاجتماعي، كون اليسوعيين تاريخياً هم ذراع الاستعمار الفكري والديني.

في 1968 انعقد مؤتمر ميديللين في كولومبيا وهو محطة تاريخية في الكثلكة. رأى المؤتمر أن كل شعوب أميركا اللاتينية تعيش في سجن كبير وبالتالي هناك ضرورة لتحرير هذه الشعوب من هذا السجن الكبير المظلم. وهكذا صار لاهوت العبودية مقدمة للاهوت التحرير وابتدأ التبشير بإنجيل الفقراء. وقد حاضر جوستافو جوتييريز واستعمل تعبير “لاهوت التحرير”. صدر عن المؤتمر وثيقتان باسم العدالة والسلام، واعتبر المؤتمرون أنها ليست ساعة الكلام بل ساعة الفعل والعمل، ارتكازاً إلى ثلاث مفاهيم لبناء المجتمع الجديد:

1. إثارة الوعي لدى الجماهير لكيما تدرك أهمية التغيير.

2. التحرير من الظلم والفقر والقهر.

3. المشاركة في الإصلاح.

في 1969، طُلب من جوتييريز إعداد تقرير عن لاهوت التنمية لكنه رأى استحالة الحديث عن لاهوت التنمية بدون الحديث عن لاهوت التحرير. في الوقت عينه، كان ليوناردو بوف، متأثراً بالكاريزماتيك، ينتقد علناً انغلاق الكنيسة وجمودها في مواجهة مشاكل الفقراء ما عرّضه إلى المحاكمة على يد راتزينجر، الذي صار لاحقاً البابا بندكتوس، وأجبر على الصمت إلى 1986 حيث عاد إلى الكلام عم لاهوت التحرير بحرية.

في 1971 صدر كتاب جوتييريز  بعنوان “لاهوت التحرير” الذي اعتبر أن التحرير يتحقق على ثلاث مراحل:

1. مرحلة التحرير الاجتماعي الاقتصادي للمجتمع حتى تتساوى الطبقات

2. مرحلة تحرير الفقراء حتى يساهموا في توجيه دفة الأمور في البلاد

3. مرحلة تحقيق الأخوة الإنسانية بين الجميع بناء على الإيمان المشترك للكل

وهنا لا بد من التعليق على أن خلو هذه النقاط من أي إشارة لاهوتية أو عقدية أو دينية، فما شدد عليه هو إدانة وقوف الكنيسة إلى جانب الأغنياء وأعاد قراءة الكتاب المقدَّس مركزاً على المقاطع التي تهتم بقضايا الفقراء والظلم والحرية، وفي الفصل الأخير حكى عن الفقر الروحي والفقر المادي معتبراً أن الفقر (المادي) هو “وضع فاضح” يهدم كرامة الإنسانية وضد الإرادة الإلهية.

أيضاً في 1971 صدر كتاب ليوناردو بوف الفرنسيسكاني “يسوع المحرر. ودراسة نقدية لعلم المسيح”. وفي كتابه، انتقد بوف اللاهوت السكولاستيكي الجديد الناتج عن الفاتيكان الثاني، واللاهوت السياسي،ولاهوت الرجاء،  وركّز على لاهوت التحرير قارئاً الكتاب المقدَّس قراءة نقدية مركّزاً على الإطار التاريخي الذي كُتب فيه النص، وكيفية تطبيقه على أوضاع أمريكا اللاتينية. كما رأى بوف ضرورة التركيز على المسيح بصفاته الإنسانية ووضعه البشري وتضامنه مع الفقراء أكثر من التركيز على صفاته الإلهية لأن لاهوت التحرير يرتبط بالأرض أكثر من بالسماء. من هنا أن تفسير الكتاب المقدَّس يجب أن يراعي الأولويات التالية:

1. أولوية “علم الإنسان” على “علم الكنيسة” لأن الغاية هي الإنسان الذي سُلبت إنسانيته أكثر من الكنيسة التي لا تقوم بدون الإنسان

2. أولوية الأمل والمستقبل على الأمر الواقع من دون إهمال الواقع بل تجاوزه لما هو أفضل

3. أولوية النظرة النقدية على النظرة العقائدية، لأن العقيدة جامدة تدافع عن المؤسسات وتبررها، بينما النظرة النقدية تعمل على تطوير هذه المؤسسات الكنسية وتطوير فهمها للإنجيل

4. أولوية الأمور الاجتماعية على الأمور الشخصية

من المثير للملاحظة أن بوف يشير إلى أن يسوع المحرر دعا وما زال يدعو إلى التوبة التي هي تحوُّل باطني عند الجماعة والأفراد على السواء، وهذا التحوُّل هو في العقلية كما في المواقف وهو يقتضي أن يتحوَّل الشخص إلى طاقة ثورية تسهم في تثوير العالم.

ومن ثم ما بين 1972 وأواخر الثانينيات انعقد أكثر من مؤتمر ظهر خلالها ما عاشته الكثلكة من صراع سببه انتقال الثقل من أوروبا إلى أميركا اللاتينية ومن تأثر بالماركسية ومن انتشار لاهوت التحرير خاصةً مع نجاح بعض الثورات ووصول بعض الكهنة إلى مراكز سياسية مهمة كنواب ووزراء على الرغم من تحريم الفاتيكان لذلك وربطه بموافقة الرئاسة. وفي المقابل كان المحافظون يعيدون تجميع أنفسهم وتركيب التيار المضاد للاهوت التحرير الذي أوصل يوحنا بولس الثاني ومن بعده بندكتوس إلى عرش الكثلكة.

في 1976، قامت اللجنة اللاهوتية الدولية بتكليف من البابا بولس السادس بدراسة حول لاهوت التحرير وأصدرت وثيقة وأربعة تقارير ملحقة. جاء في مقدمة الوثيقة الإشارة إلى علاقة لاهوت التحرير بالفاتيكان الثاني وظهور تيارات مختلفة تنتمي للاهوت التحرير والخوف من تسييس البشارة والتأثير على وحدة الكنيسة. وأشارت الوثيقة إلى أن نقطة انطلاق لاهوت التحرير هي انتشار الفقر وغياب العدالة. وأن ظهور نمط جديد من اللاهوت يحمل فهماً جديداً للملكوتالذ صار يشمل الأرض ويثير عدداً من الصعوبات كخطر إخضاع كل شيء للمناقشة والتسيّيس والتركيز على التنديد النبوي كما كان يفعل أنبياء العهد القديم في مواجهة الظلم، والتركيز على بعض وجوه اللاهوت الكتابي كقراءة العهد القديم من زاوية علاقته بموضوع التحرير، ودراسة العهد الجديد بما يوصل إلى استخلاص معنى التحرير المسيحي. وأخيراً تطرقت الوثيقة إلى مكانة الله والإنسان في عملية التحرير، ومعنى التحرير الشامل، و العلاقة القائمة بين ترقية الإنسان وخلاصه ورفض الكنيسة التزام الكهنة بالسياسة ورسالة العلماني. واختتمت الوثيقة  ببعض التحفظات على لاهوت التحرير.

من ثمّ توالَت الوثائق الصادرة عن  مجمع العقيدة الإيمانية والتي تنتقد لاهوت التحرير وتساويه بالماركسية وتتهمه بتحويل المسيحية إلى مجرد عنصر من عناصر التعبئة على الثورة. ووصف راتزينجر لاهوت التحرير بأنه هدام ما أثار ردات فعل. ةمن أهم ما كُتب ضد لاهوت التحرير بحث كتبه البابا يوحنا بولس الثاني شخصياً وفيه إدانة واضحة لهذا التيار. لكن النتيجة الفعلية لهذه المواقف لم تكن في مصلحة الكثلكة فعلياً، بل استغلّها العنصرانيون الكاريزماتيك بتغطية من المستمرين الأميركيين بشكل بات انتشارهم خطراً على الكثلكة، وقد يكون هذا الواقع من أهم أسباب الضغط الذي أدى إلى استقالة بندكتوس المحافظ وانتخاب فرنسيس المتحرر.

وقبل التطرق إلى قراءة أرثوذكسية للاهوت التحرير تنبغي الإشارة إلى أن عدداً من التيارات انضوت تحت راية هذا اللاهوت ومنها:

التيار الروحي الرعوي الذي يلتزم بمبادئ الإنجيل

التيار المنهجي الذي يعتمد على العلوم الإنسانية مثل علم الاجتماع وعلم الإنسان وعلم الاقتصاد.. إلخ

التيار الاجتماعي الذي يركز على التحليل الاجتماعي

التيار التاريخي الذي يدعو لإعادة قراءة تاريخ أمريكا اللاتينية والعلاقة بين النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي والصراع الطبقي والأخذ بالتحليل الماركسي

التيار السياسي الذي يدعو ليس العلمانيين فقط، بل الكهنة أيضًا لممارسة السياسة

تيار الكنيسة الشعبية، والذي يعتبر أن كنيسة الشعب هي مصدر الحرية المسيحية

التيار الخريستولوجي الذي ينظر للسيد المسيح على أنه محرر الإنسان من الظلم والقهر والفقر

التيار التربوي الذي يركز على التعليم، فيسهل للإنسان المتعلم الحصول على حريته

تيار النقد الذاتي وهو مكوَّن من مجموعة غير متجانسة

وقد تفرَّع لاهوت التحرير إلى “لاهوتات” محلية أو مفصّلة بحسب الحاجة ومنها: لاهوت كوريا – لاهوت أفريقيا – لاهوت السود – لاهوت التحرير الفلسطيني – لاهوت المجاعات – لاهوت المجتمعات المسيحية – لاهوت تحرير عربي إسلامي مسيحي – لاهوت تحرير إسلامي.

جدير بالذكر أن حدثين في السنوات الأخيرة حرّكا دعاة لاهوت التحرير إلى العودة إلى الحديث عن لاهوت التحرير وهما 1) الربيع العربي الذي رأوا فيه فرصة للتحرر، ولم يلحظوا مَن يقف وراءه ويحركه، و2) انتخاب الباب فرنسيس.

في الختام، يمكننا أن نلخص أهم مشاكل لاهوت التحرير بما يلي:

– الطريق الذي سلكه لاهوت التحرير معاكس للتقليد وللاهوت، فبدل من أن ينطلق من الوحي الإلهي إلى الواقع البشري قام بالعكس وبهذا هو لاهوت إنسانوي، لا بدّ أن يؤدّي إلى التضليل. وكما أن ظاهرة الظلم هي نتيجة عدم الفهم والالتزام المسيحيين وليس العكس، فالحرية الحقيقية هي الحرية الروحيَّة وليس العكس.

– في المسيحية يأتي البعد الاجتماعي بعد البعد الروحي. فما من مبدأ يعلو على “أحبب قريبك كنفسك”، وما من وصف للقريب أفضل مما قدمه السيد في مثل السامري الشفوق. من هنا أن ما يكثر لاهوتيو التحرير من وصفه هو تكرار وقصور عن المسيحية الفعلية في أغلب الأحوال.

– بمقابل اهتمام لاهوت التحرير بالفقراء والمظلومين اجتماعيًا تهتمّ المسيحية بكل الناس لأن همّها هو الغنى الروحي والتحرير من قهر الخطايا. وهذا مثال زكّا في الكتاب المقدّس كما مثال المرأة التي سكبت الطيب على رجلي السيد، وكثيرة هي القصص في التقليد وسير القديسين عن الأغنياء الذين خلصّهم اهتمام الكنيسة بهم.

– إن دفع التحليل إلى حد الدقّة العلمية، على ما ينتج عنه من جدال، يظهِر أن لاهوت التحرير هو إلحاد صريح لاستبداله الله بالإنسان ورفعه القادة (ومنهم غيفارا مثلاً) إلى درجة الأنبياء، ووصف زعماء حركات التحرير الوطني بالملائكة (ماذا عن الملاك أبو عمار؟)، وتصوير الملكوت على الأرض (بما ينفي الإيمان بالحياة الثانية وبالتالي لا يعود هناك دينونة)، واعتبار الثورة إيماناً ومساواة الصليب بالبندقية والكنيسة بالحزب الثوري والتجسد بالشعب والأرض، وغيرها..

– من أكبر مشكلات دعاة لاهوت التحرير (في الكثلكة كما في الأرثوذكسية) أنهم عندما يباشرون بانتقاد الكنيسة يتكلّمون وكأنهم لا ينتمون إليها ويصل بعض المتحمسين منهم إلى حد عدم الاعتراف بها كبُنية وإطار، وبهذا يلتقون كثيراً مع المنطق الماركسي الذي يكون قاسياً وغير عادل تجاه الكنيسة

– ينادي لاهوت التحرير بقبول التحليل الماركسي، وبالتالي الفلسفة الماركسية بكل مكوناتها ومنها أن الدين أفيون الشعوب. ما يعني أن لاهوت التحرير ضمنياً هو ضد الأديان وضد المسيحية بشكل خاص. إلى هذا يتبع قبول منطق لاهوت التحرير قبول كل المنطق الإنسانوي الذي يقوم فعلياً على ما يسمّى “ثالوث الهدم” المكوّن من ماركس ونيتشه وفرويد، الذي يستدعي تفصيل تأثيره فصولاً ليس هذا مكانها الآن.

– لا تستطيع المسيحية التي تحترم حرية الإنسان وممتلكاته أن توافق تحت أي مسمى على إجبار الأغنياء على التوزيع للفقراء وإلا يكون عملها اغتصاباً لثروتهم، كما أنها لا تستطيع أن تقرّ العنف حتّى من أجل تحرير الفقراء والمظلومين بل تسعى إلى أن يدرك كل إنسان دوره.

– أخيراً، في أميركا اللاتينية لم يحقق لاهوت التحرير أهدافه، بل تحوَّل إلى حركة مواهبية (كاريزماتيك) رأى فيها الناس تطبيقاً للاهوت التحرير. أمّا في مناطق أخرى من العالم، ومنها لبنان، فقد تحوّل قسم كبير من دعاة لاهوت التحرير إلى أبواق تنادي بما لا تفعل حتّى أن بعضهم استزلم لأصحاب رؤوس الأموال من أجل المركز والصفة السياسية.

خاتمة

التطور الأخير هو أن أعلن البابا فرنسيس قداسة المطران السلفادوري أوسكار روميرو الذي قتله مجهول أثناء ترؤسه للقداس في 24 آذار 1980. لم يصل التحقيق إلى تحديد القاتل إنما أبرز المتهمين هو النظام السلفادوري في ذلك الحين الذي كان تابعاً للأميركيين، والذي ارتكب جرائم لا تقلّ بشاعة عن قتل أسقف أثناء القداس. روميرو كان رمزاً من رموز لاهوت التحرير وقد أدانه الفاتيكان في أكثر من مناسبة، ورفض البابا يوحنا بولس الثاني اعتباره شهيداً من أجل إيمانه، لأنه كان يعتبر أن لاهوت التحرير ليس إيماناً مسيحياً، وقد كرر هذا الرفض البابا بندكتوس. إلا إن البابا فرنسيس في مسيرته، التي تظهر أنه من خط لاهوت التحرير، طوّب روميرو قديساً ومن بعده راهبتين من فلسطين. من هنا يمكننا توقع أن تكرّ سبحة المطوّبين من كوريا والصين وغيرها من المناطق حيث يختلط الاضطهاد الديني بالاضطهاد الاجتماعي والسياسي، وبالتالي يصير تمييز الشهادة عن الاغتيال أكثر صعوبة.

رأى عدد من المحللين، من مسيحيين وغير مسيحيين، أن البابا فرنسيس يصالح الفاتيكان مع أميركا اللاتينية وأن ما يقوم به هو اعتذار مباشر للحرب التي شنّتها الكنيسة ضد “لاهوت التحرير”. إذا صحّ هذا التحليل ففي المستقبل القريب سوف يصير ممكناً الكلام علناً، عمّا هو قائم بتخفٍّ في الكثلكة، من كهنوت نسائي وزواج مثليين وقبول بالإجهاض لكونه حاجة اقتصادية وبالجنس قبل الزواج لأنه نتيجة طبيعية للنمو الجسدي عند الشاب والفتاة.

هل الأرثوذكس معزولين عن هذه التطورات؟ الجواب يأتي.

مراجع

Rev. Dr. Stanley S. Harakas. The Stand of the Orthodox Church on Controversial Issues. http://www.goarch.org/ourfaith/controversialissues

Alexander Negrov. An overview of liberation theology in orthodox Russia. http://www.hts.org.za/index.php/HTS/article/viewFile/437/336

Ambrose Mong Ih-Ren.  Towards an Orthodox Theology of Liberation: An Examination of the Works of Nicolas Berdyaev. http://orthodox-theology.com/media/PDF/IJOT2.2013/Ih-Ren-Orthodox-Theology-of-Liberation.pdf

Stephen Hayes. Orthodoxy And Liberation Theology. http://www.khanya.org.za/orthlib.htm

Gustavo Gutiérrez. A Theology of Liberation: History, Politics, and Salvation. Orbis Books, 1988

الأب وليم سيدهم اليسوعي. لاهوت التحرير في امريكا اللاتينية: نشأته، تطوره، مضمونه. دار المشرق.

حلمي القمص يعقوب. كتب مدارس النقد والتشكيك والرد عليها. 2004

صورتي أو صورة المسيح؟

صورتي أو صورة المسيح؟

الخورية سميرة ملكي

التصوير الفوتوغرافي فنّ كسائر الفنون، وقد أصبح أكثر الفنون محبة لدى الجميع. فالكلّ يشهد الثورة العارمة في الفنّ في عصرنا الحالي بسبب التكنولوجيات الجديدة والكاميرات التي تشكّل جزءً أساسياً من الهواتف الذكية والتي توصَل بشبكات التواصل الاجتماعي. ولعلّ الصورة المُلتَقَطة ذاتياً والمعروفة ب “سيلفي Selfie” باتت الأكثر رواجاً، حتّى وصل الناس بها إلى درجة الهوَس سواء كانوا إكليريكيين أو علمانيين.

فما سرّ هذا الهوس بالتصوير بشكل عام وبتصوير ذواتنا بشكل خاص؟

ما يهمّنا هو الإجابة على الشقّ الثاني من السؤال. نبدأ أولاً بالردّ من المنظار العالمي الذي لا يقلّ أهمية عن غيره. يقول المصوّر الفرنسي جان-فرنسوا فيبري أن السيلفي “عملية تتوسّع في المجال الاجتاعي الافتراضي” ويضيف “فكرة أن يلتقط الشخص صورة لنفسه خلال رحلة إلى الخارج أو خلال حدث أو مشهد ما ليقول «لقد كنتُ هناك أو أنا هنا» أمر أناني مثل المرحلة التي نمرّ بها. فينبغي أن نكون جميعاً أبطال حياتنا الخاصة”. وتذكر سارة كينيل، أمينة قسم الصور في المعرض الوطني للفنون في واشنطن، أن السيلفي هي “بمثابة كلمة جميلة نوجهها إلى أنفسنا، وهي جانب النرجسية (حبّ النفس) في ثقافتنا”.

وهنا لا بدّ من التوقف عند عدد من الأسئلة التي تثيرها موجة نشر الصور الحالية، سواء الشخصية أو الجماعية منها: ما الذي يؤكّد أنّ كل الذين تصلهم صوري مهتمّون بها أو يقبلونها بالشكل الذي أرغب به؟ ألا يمكن أنها تزعجهم خاصةً عندما تصلهم في أوقات غير مناسبة؟ أليس من الممكن أنها قد تعثرهم؟

لذا، ينبغي أن نعالج هذا الموضوع من الناحية الإيمانية. فما لا شكّ فيه أنّ السيلفي هي عشق للذات ونوع من أنواع الغرور والكبرياء. فإن قلقنا حول مظهرنا وصورتنا الخارجية يدفعنا إلى نسيان إنساننا الداخلي وذاتنا الحقيقية. إذ يمكننا أن نخفي أنفسنا عن العالم وراء صورة معدّة بعناية، لكن لا يمكننا أن نخدع الله. فالتصوير الفوتوغرافي يسمّى أيضاً التصوير الضوئي، لأنه عملية إنتاج صور بوساطة تأثيرات ضوئية، فالأشعة المنعكسة في المنظر تكون خيالاً داخل مادة حساسة للضوء ينتج عنها صورة تمثّل المنظر. إذاً هناك حاجة للضوء لكي تنتج الصور. والأمر نفسه ينطبق روحياً. ما نودّ قوله هنا هو أننا بحاجة للنور لكي نعكس صورة المسيح الحقيقية. فالسيد لم يكتفِ بأن يكون وحده نور العالم، بل هو يطلب من كل واحد منّا أن يصبح نور العالم كقوله لتلاميذه “أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ. لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَل، وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجًا وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ.  فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.” (متى 14:5-16)

لكن نورنا يُعايَن بنوره. هذا نؤمن به ويؤكّده خبراء العالم. تقول الفنانة أليزابيث روث: “الناس كالنوافذ ذات الزجاج الملوّن، فهي تتلألأ وتشعّ في النهار. وعندما يحلّ الظلام، فإن جمالها الحقيقي يظهر فقط إذا كان هناك ضوء في الداخل”. فالضوء أو السراج الذي قال عنه الرب يسوع هو أنه لا ينبغي وضَعه تحت المكيال لكي ينير للجميع. لكن هذا السراج لا تنيره صورتنا الشخصية بل صورة الله التي فينا متى كنّا غير عابئين بمظهرنا الخارجي المتغيّر والزائل والذي تهزه الأهواء العديدة، بل كل ما نهتمّ به هو نور الكلمة الإلهية.

من القيل والقال إلى وسائل التواصل الاجتماعي – حكاية نقل الشائعات

من القيل والقال إلى وسائل التواصل الاجتماعي – حكاية نقل الشائعات

الأب فاسيلي تودورا

نقلتها إلى العربية جولي عطية

 

“العقول الكبيرة تناقش الأفكار، والعقول المتوسّطة تناقش الأحداث، أما العقول الصغيرة فتناقش شؤون الناس” – سقراط.

هناك قصّة منتشرة في الأوساط المسيحية واليهودية تتكلّم عن النميمة. لم أستطع إيجاد مصدرها، لكنها كالتالي:

كان هناك امرأة تحبّ أن تتكلّم عن شؤون الآخرين وأن تنشر الكلمات المسيئة. في أحد الأيام، شعرت بالندم وذهبت لتعترف أمام الكاهن. أصغى الكاهن إلى اعترافها وسألها إذا ما فهمت حقًّا نتائج تصرّفاتها، فأبدت تأكيدًا غير مُقنِع. قرأ الكاهن المختِبر ما بين السطور، فأعطاها عمل توبة، وهو عمل صغير قال إنه سيجعلها أكثر وعيًا لخطيئتها. طلب منها التالي: “اذهبي إلى البيت، خذي وسادة من ريش واصعدي إلى أعلى تلّة حول القرية، وهناك شُقّي الوسادة بسكين، ثم عودي إليّ”. وحين فعلت ذلك، هبّت ريحٌ قوية إلى ناحيتها وذهب الريش كلّه مع الريح. أسرعت إلى الكاهن وهي راضية عن نفسها، لتقول له إنّها أتمّت مهمتها. لكنّ الكاهن غير الراضي طلب منها: “الآن عودي إلى هناك واجمعي كلّ الريش، وضعيه مجدّدًا في الوسادة، أعيدي كل ريشة واجلبي لي الوسادة”. صرخت المرأة: “هذا مستحيل، من يعلم أين ذهب الريش؟”. فابتسم الكاهن قائلاً: “حقًا، وهكذا يحصل بالكلمات التي تنشرينها بالنميمة. من يعلم إلى أين ذهبت وأيّ ضرر تسبّبتْ به؟ اذهبي إلى البيت ولا تعودي تثرثري، خوفًا من أن تؤذي الناس من حولك”.

النميمة القديمة الطراز هي ظاهرة اجتماعية ضخمة، اجتاحت مجتمعاتنا قبل عصورٍ من احتلال وسائل التواصل الاجتماعي للمرتبة الأولى في نشر الأقاويل. كان الناس المتحلّقون حول الموقد أو المتواجدون في المقاهي والأسواق، يستمتعون بالحديث عن الناس الآخرين، على مدى قرون. وما زالت النميمة تسليةً مفضّلة، وُضعتْ لها الأنظمة بفضل التكنولوجيا المعاصرة.

لا تسيئوا فهمي. أحبّ ظاهرة الشبكة الاجتماعية، إذ إنها تربط الناس بعضهم ببعض، وتسمح بلمّ شمل الأصدقاء القدامى، وتبقي العائلة على تواصل، وتساعدنا على معرفة ما يحصل بسرعة من أشخاص نثق بهم. ومهمّ أيضًا بالنسبة للبعض أنّها تساعدهم على مشاركة صور القطط. أفهم ذلك، وأستعمل الشبكة من أجل كل هذا. أنا لست منافقًا. لكن أرى أيضًا أنّ هناك مخاطر عظيمة تترافق مع الوسائل التكنولوجية الحديثة، والتي قد تؤذي الناس، حتى ذوي النوايا الأكثر حسنًا.

سأعطيكم مثلين. أنت تنضم إلى مجموعة أرثوذكسية على موقع للتواصل الاجتماعي. وبنيّة صادقة، تنشر شيئًا مثل قولٍ تحبه، أو حدث تتبعه، أو أيّ شيء آخر. ثم يعلّق أحدهم، ويعارض غيره، وينضم أشخاص آخرون. وبالكثير من حسن النيّة، ينتهون بشتم بعضهم البعض. هل هذا عملٌ يعكس الحق والإيمان الأرثوذكسي؟ أشكّ في ذلك. ربما يعكس الترويج للذات، ويبدو أنها كلمة اليوم في أي موقع اجتماعي. وإليكم مثل آخر: أنت شابّ بالغ ولديك أصدقاء كثيرون. تخرج في إحدى الليالي وتلتقط selfie مضحكة لنفسك وتنشرها على الانترنت. يتشاركها صديقٌ آخر وينقلها غيره، وتصبح فجأة في كل مكان. أنت لا تقلق من أجل ذلك لأنّك في النهاية حصلت على صورةٍ “سريعة الانتشار”! لكن بعد سنوات قليلة، تجري مقابلة للحصول على وظيفة في شركة جيّدة، ويبدو كلّ شيء جيّدًا حتى تظهر تلك الصورة المضحكة التي نسيتَ بشأنها، فتجعلهم يفضّلون اختيار شخصٍ آخر ليس لديه صورًا مضحكة كهذه على صفحته. إنّ وسائل التواصل الاجتماعي تملك ذاكرة لا تموت، تمامًا كما يقول مثل قديم: “لا يسكت اللسان الثرثار إلا بكومة من القذارة”.

ويعيدنا هذا إلى موضوعنا، أي النميمة، أو ما نسمّيه اليوم “رائجًا” عن الناس. أهي جيّدة أو سيّئة؟ كل ما يهمّ في النهاية هو أن نكون اجتماعيين، صحيح؟ أنت تنضم إلى مجموعات، افتراضيةvirtual  أو لا، وتتكلّم عن الناس الآخرين. هل يبدو ذلك غير مضرّ؟ نعم هو كذلك، حتى تصبح أنتَ الموضوع، عندها لن يكون الأمر مسلّيًا بعد الآن.

كلّنا اختبرنا أن نكون الطرف الخاسر في النميمة، ونعرف ماذا يمكنها أن تفعل. إذًا لماذا نستمرّ بالثرثرة؟ يقول الناس إنّ ذلك بطبيعتنا، أي أن نكون اجتماعيين نسعى إلى معرفة أخبار الآخرين. نعم، خُلق الإنسان ليتواجد مع الآخرين، لأن ينعكس في الآخر، لأن يكتشف نفسه بمقارنتها بالآخر. الله نفسه ثالوث من أقانيم إلهية تعيش في الشركة مع بعضها، شركة أصيلة تتشارك في كلّ شيء، بينما يبقى كلّ شخص فريدًا ومختلفًا من الناحية الأقنومية. مصدر وجودنا الاجتماعي هو في الله. كلنا خلقنا على صورته ونشابهه عندما يتفاعل أحدنا مع الآخر. مات المسيح على الصليب موحِّدًا الألوهية بالبشرية عاموديًّا، وموحِّدًا البشرية بعضها ببعض أفقيًّا. يبني الصليب جماعة متّحدة في المسيح تتشارك كلّ شيء مع بعضها، لكن تعبّر عن نفسها بتمايز عبر كلّ فرد من أفرادها. لذا، فنحن بُنينا لنتشارك عطايا الله، لنعيش حيوات فردية تجتمع مع بعضها في المسيح، لتبني الكنيسة التي رأسها المسيح ونحن أعضاؤها.

لكنّ النميمة صورة منحرفة عن هذه الجماعة المتشاركة. فجماعة الكنيسة تنمو بتنوّع العطايا، وتجاهد لبلوغ الكمال في المسيح، لكنّها تتفهّم وتحاول أن تُصلح بعناية قصوى أيّ انحراف عن هذا الكمال وهذا الهدف، وهو ما نتعرَّض له كلّنا. نسمّي هذا الانحراف خطيئة، ونعلم أننا كلّنا في النهاية خطأة، ما عدا ربنا يسوع المسيح. تدركُ الكنيسة جيّدًا أنّ الإنجازات الشخصية للإنسان لا تعطيه الحق بأن يدين غيره. على العكس، يجب أن يشجعه هذا على تفهّم أعمق لمن لا يستطيعون سلوك الدرب المستقيم والضيّق أو لا ينوون ذلك. قال القديس سلوان الآثوسي: “إذا لم تشعر بالرأفة تجاه الخاطئ الذي سيعاني في النيران، فأنت لا تحمل نعمة الروح القدس، بل تحمل روحًا شريرًا؛ وبينما ما تزال حيًّا عليكَ أن تحرّر نفسك من هذه البراثن عبر التوبة”. فكِّر بهذا: أأكونُ فرحًا إن ابتهجتُ في الفردوس وأنا أعلم أنّ أحد أفراد عائلتي يعاني في الجحيم؟ ومن هي عائلتي؟ نسمّي بعضنا أخوة وأخوات في المسيح، لكن أنحقق ذلك عندما نهمس خطاياهم من وراء ظهرهم؟

النميمة، في شكلها القديم أو الحديث، هي حرفيًّا قتل الناس، لأنها تدمّر المهن والسمعة والزواج والصداقات، وتهدم كلّ ما يحاول المرء بناءه، ولأيّ هدف؟ لأننا نشعر بالضجر أو الغيرة، أو نرغب بالشعور بالفوقية على أحدهم، أو نريد جذب الانتباه لأنفسنا، أو ربما نريد المُجاراة فقط؟ هناك طرائق أفضل لتشعرَ أنكَ حققتَ إنجازًا من أن تُحقِّر أخاك الذي اقترف خطيئة. عثرتُ مؤخرًا على قول للمتروبوليت أنطوني (بلوم) من سوروز، يلخّص كيف نتصرّف مع شخص قد سَقط: “كلّ واحد منا هو على صورة الله، وكلّ واحد منا هو مثل أيقونة متضرّرة. لكننا إن أُعطينا أيقونة أفسدَها الوقت والظروف أو انتهكَ كرهُ الإنسان قدسيّتها، سنعاملها بتوقير وحنو وانكسار قلب. لن ننتبه إلى كونها تالفة. سنركّز على ما بقي من جمالها لا على ما ضاع منه. وهذا ما يجب أن نتعلّم فعله مع كلّ شخص وكلّ جماعة – وهذا ليس سهلاً دومًا – أكانت رعية أو فئة أو أمة”.

رائع! لقد ذهلتُ عند قراءتي هذا القول لأنه يشمل التفهّم والتواضع والإشفاق والمحبة والاهتمام والاتفاق، أي كلّ ما نريد تحقيقه في المسيح من خلال جهادنا الروحي. ليس العالم سوى ألبوم عملاق من الأيقونات المكسورة، لأننا، ولنواجه الأمر، كلّنا معطوبون. وهذا يختلف كلّيًّا عن صورتنا المثالية التي ننشرها كلّ يوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. صورة العالم الحقيقية هي في الواقع فايسبوك معطوب، شبكة اجتماعية مقلوبة، حيث كل ما يُنشر صحيح وصادق ويحتاج إلى الإصلاح والشفاء من خلال الآخر. نتشارك الألم ونضاعف الربح فقط مع بعضنا، لا عبر عزل أنفسنا من خلال التنميط stereotyping والإدانة، بل بالتوحّد بعضنا مع بعض في آلام النمو في المسيح. نعم، علينا أن نكون اجتماعيين، لكن من النوع الاجتماعي الذي يوحّدنا في شبكة، منسوجة بإحكام، من الثقة والتفهّم والشفقة، وليس من النوع الذي يستغل الآخر ليروّج لنفسه. لنتشاركْ كلمات الشفاء، ليشجِّعْ أحدنا الآخر بتواضع على العمل الجيّد الذي نحاول إتمامه، ليحمِلْ أحدنا الآخر، لنبني معًا بيت الرب، الكنيسة الواحدة. هل نحتاج لتطبيق app كي نفعل ذلك؟

السنة الحادية عشرة – العدد السابع – نيسان 2015

السنة الحادية عشرة – العدد السابع – نيسان 2015

مختارات آبائية

من رسالة إلى أخٍ في العالم، القديس موسى أوبتينا

من عظة أحد حاملات الطيب 1991، الميتروبوليت أنتوني بلوم

عظة

قوّة الكلمة الإلهيّة، الأرشمندريت توما بيطار

حياة روحية

لماذا الخطيئة ليست مشكلة أخلاقية؟، الأب ستيفن فريمان

كيف عكست آلامُ المسيح سقوطَ آدم، جون سانيدوبولوس

عزلة الإنسان المعاصر، الأب ستيفان فريمن

لا تفعل بنفسك سؤاً، الأب أنطوان ملكي

مسكونيات

ملاحظات حول العمل المسكوني، الميتروبوليت هيلاريون

توحيد الفصح بين الشعبوية والهمّ الكنسي، الأب أنطوان ملكي