السنة الثانية عشرة، العدد السادس، آذار2016

 

السنة الثانية عشرة، العدد السادس، آذار2016

مختارات آبائية

حول الصليب، القديس أثناسيوس الكبير

رعائيات

الرّاعي الصّالح باب الحظيرة! اﻷرشمندريت توما بيطار

الرعاة والراعي، اﻷب أنطوان ملكي

استقامة الرأي واستقامة الممارسة، اﻷب أنطوان ملكي

حياة روحية \ ثمار الروح

طول الأناة، من ثمار الروح القدس، كالينيكوس ميتروبوليت بيرياس

مسكونيات

الهراطقة: شفاة غير مشفيّين، المتقدّم في الكهنة الأب جورج ميتالينوس

جورج فلوروفسكي: نهجه في المسكونية، اﻷب أنطوان ملكي

الفردانيّة وضلالة الكاريزماتيك، المتقدّم في الكهنة مايكل جيليس

الصليب

الصليب

القديس أثناسيوس الكبير

حول حمل الصليب

كثيرون يظنون أن الصلب مع المسيح أو إماتة الذات تعني مجرد الامتناع عن الشر وبتر الشهوات من القلب. هذا هو الجانب السلبي الذي يعرفه الكثيرون ويظنون للأسف أن هذا هو كل الإيمان مما يدفع بهم إلي السقوط في اليأس والقنوط والشعور بالكبت والحرمان وتحطيم قواهم، وفي النهاية كثيرًا ما يرددون علانية أو خفية أنهم يتمنون لو أمكنهم أن يتخلصوا من هذا التدين ويتحرروا من العبادة. هذا طبيعي ﻷنهم لم يتعرّفوا على الجانب الإيجابي المفرح بل اكتفوا بالسلبيات..

أمّا الوجه الإيجابي فهو توجيه إمكانيات اﻹنسان واشتياقه ورغباته لتعمل حسب الروح، بذهن مستنير بمعرفة الله المحب، أو هو انطلاقة قوى الإنسان لتحيا في السماويات وهو بعد على الأرض. إنه عشق الرب المصلوب والخضوع له بعمل نعمته لنحيا به متقدمين من مجد إلى مجد، سالكين حسب الإنسان الجديد المعطى لنا في المعمودية بكوننا خلقه جديدة في المسيح يسوع.

فالصلب مع يسوع ليس تحطيمًا للقوى بل انبعاثًا لها في شهوة الحياة مع الرب والتمتع بالأبدية، وبالتالي تكون لنا أفكار جديدة ونظرات جديدة.

حول قوة رسم علامة الصليب

أعطانا السيد المسيح الصليب سلاحًا نافذًا ينقذ في النار والهواء والماء والأرض ولا يحجبه شيء.. قوته لا تقاوَم، تهرب الشياطين من صورته متى رسم به عليها! والصليب لواء المسيح والملائكة يحبون لواء ملكهم ويجرون إلى حيث يرون رسمه ليعينوا من يرسمه..

علامة الصليب تبطل السحر وتفسد كل عرافة وتضبط كل لذة فاسدة.. وبه ترتفع أنظار الإنسان من الأرض إلى السماء!

يبطل خداع الشياطين بافتقاد نعمة الكلمة الإلهية إذ عندما يستخدم الإنسان علامة الصليب يفسد أضاليلهم.

الرّاعي الصّالح باب الحظيرة!

الرّاعي الصّالح باب الحظيرة!

اﻷرشمندريت توما بيطار

قال الرّبّ للّذين أتوا إليه من اليهود…”. الرّبّ يسوع لا يكلّم الّذين لا يأتون إليه. على الإنسان أن يبادر إلى المجيء إلى يسوع. الكلمة أساسها حرّيّة الإنسان، إذا ما كُرز بها. الرّبّ الإله يوقّر حرّيّة النّاس. لكنّ الّذين يأتون إليه يعطيهم كلمة الحياة. “الحقّ الحقّ أقول لكم…”. هذا التّأكيد للحقّ يأتي من الدّاخل. الرّبّ الإله، حين يعطي النّاس كلمة الحقّ، يعطيهم الفرصة أن يسمعوا، إن أرادوا؛ ويعطيهم نعمة خاصّة حتّى يقتبلوها. لكن، عليهم، أوّلاً وأخيرًا، أن يفتحوا قلوبهم؛ لأنّ كلمة الحقّ تلتمس قلوب النّاس، ولا تلتمس خداعهم، أو إقناعهم. الرّبّ يسوع لا يخدع أحدًا، ولا يفرض نفسه على أحد، ولا حتّى يشاء أن يقنع أحدًا من النّاس. الإقناع موجَّه إلى العقل، والرّبّ يسوع يخاطب القلب. لذلك، إن كان الإنسان محِبًّا للحقّ؛ إن كان الإنسان، في قرارة نفسه، ملتمِسًا للحقّ؛ فإنّ الرّبّ الإله يعطيه نعمة في القلب، لكي يقتبل، ولكي يقتنع؛ إنّما في مستوى القلب، لا في مستوى العقل.

الحقّ الحقّ أقول لكم إنّ مَن لا يدخل من الباب إلى حظيرة الخراف، بل يتسوَّر من موضع آخر؛ فهو سارق ولصّ“. طبعًا، اللّغة، هنا، لغة رمزيّة؛ لذا، علينا أن نوضـِح المعاني، الّتي يشاء الرّبّ الإله أن يمرّرها لنا.

أوّلاً، الرّبّ يقول: “مَن لا يدخل إلى حظيرة الخراف“. الحظيرة هي كنيسة المسيح. وهذه الحظيرة ليس فيها ماعز، ولا ذئاب، بل فيها خراف. إذًا، قطيع الرّبّ يسوع هو قطيع خراف. طبعًا، الإنسان يصير خروفًا، ولا يولَد خروفًا. الكلام، هنا، هو على الخراف العقليّة. الإنسان بإمكانه أن يصير ذئبًا؛ وبإمكانه، أيضًا، أن يصير خروفًا. لماذا حظيرة الرّبّ يسوع فيها خراف، وليس فيها نوع آخر من الحيوانات؟! أوّلاً، لأنّ يسوع نفسه خروف، هو حمل الله. إذًا، الرّبّ يسوع الحمل يرعى الحملان. هو لا يرعى الحملان ليذبحها، بل لأنّ كنيسة المسيح ليس فيها سوى خرفان. والرّبّ يسوع الحمل يبذل نفسه عن الخراف. هو الرّاعي وهو الحمل، في آن معًا . وهذا الّذي دخل، بدم نفسه، مرّةً، إلى قدس الأقداس، فوجد فداءً أبديًّا لكلّ البشريّة، هذا هو الرّاعي الصّالح. الرّاعي الصّالح هو مَن يبذل نفسه عن الخراف. وطبعًا، الرّبّ يسوع يرعى خرافه بمعنى أنّه يدرّبها على أن تدخل إلى قدس الأقداس، إلى الآب السّماويّ، إلى قلب الله بدم نفسها. خراف المسيح تتمسّك بكونها خرافًا، ولا يفرض أحد عليها أن تكون كذلك. لذا، لا يأخذ أحد خراف المسيح عنوةً. هي تقدّم نفسها. ولو لم تشأ أن تقدّم نفسها، لَكان بإمكانها أن تكون ذئابًا! لَكان بإمكانها أن تحفظ نفسها، في هذا العالم؛ لأنّ العالم يحبّ خاصّته! لكن، بالضّبط، لأنّها خراف المسيح، ولأنّها تتمسّك بكونها خرافًا للمسيح إلى المنتهى؛ فلا يمكن إلاّ أن تكون معرَّضَةً للذّبح، نظير راعيها، نظير معلّمها، نظير مثالها! “إن كانوا قد اضطهدوني، فسيضطهدونكم أنتم أيضًا” (يو15: 20). لكن، على الخراف أن تحافظ على الأمانة، أن تبقى خرافًا إلى المنتهى. وهذا، طبعًا، ليس بالأمر السّهل، لأنّ عالمنا عالم ذئاب بامتياز؛ وأيسر على الإنسان، بشريًّا، أن يكون ذئبًا من أن يكون خروفًا. لهذا، الشـّهادة لله، الشـّهادة لراعي الخراف، الشـّهادة للحظيرة، الشـّهادة للآب السّماويّ، هي أن يتمسّك الخراف بسيرة الخراف إلى المنتهى. هذه هي الشـّهادة المطلوبة من كلّ واحد منّا. وكما قلت، حظيرة المسيح فيها خرفان؛ فساعة يتحوّل الإنسان إلى غير الخروف؛ فإنّه، بصورة تلقائيّة، يجعل نفسه خارجًا! فلا يكون انتماؤه، بعدُ، إلى الحظيرة، ولا إلى كنيسة المسيح!

ثانيًا، يتكلّم الرّبّ يسوع على الباب: “مَن لا يدخل من الباب“. أوّلاً، موضوع الدّخول معناه أنّ الإنسان هو في الخارج. خارج ماذا؟! الإنسان هو خارج الكنيسة، خارج النّعمة الإلهيّة، خارج الرّضى الإلهيّ، خارج العشرة الإلهيّة. هو في الخارج! هو في الظّلمة! إذا كان يريد أن يدخل في النّور، فعليه أن يدخل من الباب. والرّبّ يسوع يتحدّث عن باب واحد، ولا يتحدّث عن أبواب، بل عن بابمع ألالتّعريف! للحظيرة باب واحد! مَن هو هذا الباب؟! أو ما هو هذا الباب؟! النّصّ نفسه، بعد قليل، يقول، حين كشف الرّبّ يسوع عن معنى ما كان يقوله لتلاميذه: “أنا هو باب الخراف“! إذًا، هو راعي الخراف، وهو باب الخراف! وهو، أيضًا، كما قلنا، الخروف بامتياز! وكلّ الخراف الأخرى تتبعه، أي تكون على مثاله بالإيمان به، وبقوّة روح الرّبّ القدّوس الّّذي يقيم فيها؛ فيجعلها واحدًا فيما بينها؛ ويجعلها، أيضًا، واحدًا مع حمل الله. إذًا، هذا هو الباب. مَن أراد أن يدخل إلى الحقّ، فعليه أن يدخل من هذا الباب؛ مَن أراد أن يدخل في النّور، فعليه أن يدخل من هذا الباب. خارج هذا الباب، لا يمكن الإنسان، مهما فعل، أن يدخل إلى حضرة الله.

مَن لا يدخل من الباببل يتسوّر من موضع آخر، فهو سارق ولصّ“. قد يبدو لنا، لأوّل وهلة، أنّ الرّبّ يسوع، إذ يتحدّث عن الّذين يتسوّرون من موضع آخر، إنّما يتحدّث عمّن يريدون أن يدخلوا إلى الحظيرة. لكن، أيضًا، بعد قليل، إذ يقول الرّبّ يسوع إنّ جميع الّذين أتوا قبله هم سرّاق ولصوص، نفهم أنّ الّذين يتسوّرون من موضع آخر ليدخلوا إلى الحظيرة هم مسحاء كذبة، هم رعاة غير صالحين؛ وهم إنّما يريدون أن يتسوّروا من موضع آخر ليدخلوا إلى حظيرة الخراف بقصد الفتك بكنيسة المسيح، بقصد الفتك بالحظيرة، بقصد الفتك بخراف الحظيرة. يريدون أن يدخلوا ليأكلوا لحم الخراف، ليذبحوها، ليُهلكوها! السّرّاق واللّصوص، إذًا، هم الأبالسة وعملاؤهم، أو أبناؤهم. وبما أنّهم يدّعون أنّهم مسحاء، فهذا معناه أنّهم يتظاهرون بأنّهم مسحاء. في الظّاهر، يتلبّسون بلباس الحملان؛ لكنّهم ذئاب خاطفة. هؤلاء لا يُعرَفون بحسب الظّاهر. بحسب الظّاهر، نرى أمامنا حملانًا، خرافًا. إبليس، بعدما سقط، تحوّل إلى كائن ممثِّل. همّه الأساسيّ أن يتظاهر بأنّه ملاك من نور. لهذا السّبب، قيل عنه إنّه الكذّاب وأبو الكذّاب. هو الخدّاع، هو المرائي الأوّل. ونحن، هنا، قرأنا هذا المقطع من إنجيل يوحنّا، الّذي، في رسالته الأولى، يتكلّم على أضداد المسيح. إذًا، هؤلاء هم أضداد المسيح، الّذين يدّعون أنّهم المسيح، وأنّهم يقولون الحقّ، وأنّهم نور من عند الله، وأنّهم يريدون الخلاص للبشريّة. هؤلاء هم سرّاق ولصوص. هنا، علينا أن ندرك أنّ كلّ ما يُقال عن أنّ هناك ديانات في العالم، وأنّ كلّ هذه الدّيانات تُفضي إلى مخرج واحد، وإلى نتيجة واحدة، وهي تقول الشـّيء نفسه إنّما بلغات مختلفة، وبطرق مختلفة، وبمفاهيم مختلفةكلّ هذا القول هو بدعة من الشـّيطان؛ والقصد منه أن نسمح للسّرّاق واللّصوص، الّذين يحملون مثل هذه الأفكار وهذه الاتّجاهات وينشرونها، بالدّخول إلى كنيسة المسيح، إلى الحظيرة. لكن، متى سمحنا لهم بالدّخول إلى الحظيرة، فماذا سيحدث؟! سيفتكون بخراف المسيح! لهذا السّبب، الرّبّ يسوع ينبّه. نحن لا يمكننا أن نتحدّث عن ديانات، في هذا العالم. بالنّسبة إلينا، هناك باب واحد، وهناك راعٍ واحد، وليس أحد يأتي إلى الآب إلاّ بهذا الحمل، بهذا الرّاعي، من خلال هذا الباب! لذلك، لا علاقة لنا بما يُسمّى الدّيانات الأخرى؛ ولا يهمّنا أن ندخل في حوارات مع دعاتها؛ لأنّ الحوار لا يمكن، إذا دفعناه إلى غايته القصوى، إلاّ أن يؤدّي إلى مساومة؛ والمساومة معناها أن نعترف، بشكل من الأشكال، بالدّيانات الأخرى؛ ومن ثمّ، أن نعترف بأضداد المسيح أنّهم مسحاء أيضًا، وهم أضداد المسيح! في نهاية المطاف، كلّ مَن يدّعي أنّه من الله، أي من روح الله، لا يمكن إلاّ أن يأتي، إذا كان صادقًا، إلى الاعتراف بالرّبّ يسوع المسيح أنّه هو الباب الأوحد إلى الآب السّماويّ. وإذا لم يعترف بأنّ هذا هو ابن الله، هذا هو المخلّص، هذا هو الباب؛ فإنّه يكون كاذبًا! إذًا، إذا افترضنا أنّ هذه الدّيانات هي من الله؛ فلا يمكنها إلاّ أن تصبّ في مصبّ حظيرة الخراف؛ فإذا لم تصبّ في حظيرة الخراف، بل ناهضت هذه الحظيرة، وعملت على إتلافها، وتمييعها، وعلى الفتك بخراف مسيح الرّبّ؛ فإنّها لا تكون من الله، بل تكون من عدوّ الله. هؤلاء هم السّرّاق واللّصوص، الّذين يدّعون الحقّ وهم في الباطل؛ الّذين يدّعون أنّهم في النّور وهم في الظّلمة.

وأمّا الّذي يدخل من الباب، فهو راعي الخراف“. الرّبّ يسوع هو الباب، وهو راعي الخراف، في آنٍ معًا، كما قلت. إذًا، هو الّذي أُعطي، من فوق، أن يكون المخلِّص الأوحد للبشريّة. والإثبات الّذي يقدّمه على أنّه هو الرّاعي الصّالح أنّه يبذل نفسه عن الخراف. “له يفتح البوّاب، والخراف تسمع صوته“. لراعي الخراف يفتح البوّاب. البوّاب هو، عمليًّا، الآب السّماويّ. والخراف تسمع صوته، لأنّها تعرفه. والحديث، طبعًا، ليس عن الصّوت الخارجيّ، الظّاهريّ، بل عن الصّوت الدّاخليّ. وفي الأساس، الخراف لا تصير خرافًا؛ أو، بالأحرى، البشر لا يصيرون خرافًا، إلاّ إذا سمعوا كلمة راعي الخراف في قلوبهم ونفوسهم، واقتبلوها. لهذا السّبب، الخراف، بالصّوت الدّاخلي، يعرفون أن يميّزوا بين ما هو لراعي الخراف وما ليس لراعي الخراف.

فيدعو [راعي الخراف] خرافه بأسمائها، ويخرجها“. للخراف أسماء! هو يعرف اسم كلّ خروف من خرافه. وأسماء الخرفان مدوّنة في قلبه، في كتاب الحياة. لكن، إلى أين يخرجها؟! يخرجها إلى عند الآب السّماويّ، إلى الملكوت، إلى الحياة الأبديّة. “ومتى أخرج خرافه، يمضي أمامها، والخراف تتبعه، لأنّها تعرف صوته“. الرّبّ يسوع يمضي أمامها. هو الّذي دخل إلى قدس الأقداس بدم نفسه. نحن كلّنا لنا دخول إلى ملكوت السّموات براعي الخراف. من دونه لا إمكانيّة لدخول أحد إلى الملكوت. “يمضي أمامها، والخراف تتبعه“! تفعل ما يفعله! تتحرّك في الاتّجاه الّذي يتحرّك هو فيه! يصعد الجبال، فتصعد هي وراءه! ينزل الوديان، فتنزل هي وراءه! وهو، في كلّ ذلك، يعطيها أن تعرف صوته. تتبعه لأنّه يكلّمها. لا يتركها، أبدًا. هو يسير أمامها، ويكلّمها، ويتطلّع إليها، ينظر إلى حيث هي، بوعي كامل.

وأمّا الغريب…”: الغريب هو السّارق واللّصّ؛ الغريب هو ضدّ المسيح؛ الغريب هو الشـّيطان. “أمّا الغريب، فلا تتبعه؛ لكنّها تهرب منه؛ لأنّ الصّوت الدّاخليّ، الّذي زُرع في الخراف بكلمة الله، يعطيها أن تميّز المسيح من ضدّ المسيح، والحقّ من الباطل، والنّور من الظّلمة. لهذا السّبب، الخراف لا تتبع الغريب، لكنّها تهرب منه. هذه هي الخراف الأصيلة. الخراف الأصيلة ليست تلك الّتي تظهر كخراف؛ بل الّتي هي، بالفعل، خراف؛ لأنّ الخراف لا تعرف صوت الغرباء، بمعنى أنّها لا تقبل كلمةً غير كلمة الرّاعي. هي لا تعرف صوت الغرباء، لا تتبنّاه، لا تقبله، لا تُدير أذنها الدّاخليّة إليه. لذلك، تعرف أن تميّز بسهولة، وبسرعة. الإنسان الّذي تختلط الأمور في قلبه؛ الّذي يقبل الله ويقبل الشـّيطان، في آن معًا؛ يقبل كلام الله ويقبل كلام الشـّيطان، في آن معًا؛ هذا لا يمكنه، أبدًا، أن يهرب من الشـّيطان؛ لا بل يقع فريسة له، في وقت من الأوقات. طبعًا، هذا الأمر مدعاة إلى الجهد الدّؤوب الّذي على الخروف، على الحمل، على كلّ واحد منّا أن يبذله، حتّى ينقّي نفسه من كلّ فكر غريب، من كلّ قول غريب، من كلّ ما هو للغريب، أي للشـّيطان.

هذا المثل قاله لهم يسوع. وأمّا هم، فلم يفهموا ما الّذي كان يكلّمهم به“. يستحيل على الإنسان أن يفهم لغة الله، ما لم يعطه الرّبّ الإله فهمًا! والرّبّ الإله لا يعطي فهمًا، إلاّ للّذين يريدون أن يفهموا، يطلبون أن يفهموا، يجاهدون لأن يفهموا! لا يكفي أن نعبّر عن رغبة في المعرفة؛ ثمّ ننسى، بعد ذلك، ما عبّرنا عنه. علينا أن نسلك في ما نرغب فيه من جهة الله، في كلّ حين، بأمانة كاملة! “فقال لهم يسوع، أيضًا: الحقّ الحقّ أقول لكم إنّي أنا هو باب الخراف، وجميع الّذين أتوا قبلي هم سرّاق ولصوص. ولكنّ الخراف لم تسمع لهم. أنا الباب. إن دخل بي أحد، يخلص، ويدخل ويخرج، ويجد مرعًى“. وبالإمكان القول، أيضًا: “مَن لا يدخل بي، لا يخلص؛ ومن ثمّ، لا يمكنه أن يدخل، ولا أن يخرج، ولا أن يجد مرعًى“. هذا يأكل هباءً؛ وإذا ما دخل وخرج؛ فإنّه يدخل في العتمة، ويخرج في العتمة، ولا يعرف أين يقع. وفي نهاية المطاف، مَن لا يدخل من باب يسوع، فلا بدّ له من أن يقع فريسة الذّئب العقليّ.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول يو10: 1- 9 في السّبت 21 أيّار 2011

الرعاة والراعي

الرعاة والراعي

حول إنجيل أحد القديس يوحنا السلّمي

اﻷب أنطوان ملكي

أيها الجيل غير المؤمن، إلى متى أكون معكم؟ إلى متى أحتملكم؟لمَن يوجّه الربّ هذا الكلام؟ أهو للجميع، أي للشعب ولتلاميذه؟ واضح أنّه لا يعني الشعب بل تلاميذه. إنّه يوبخهم لعجزهم عن إخراج الروح النجس. ومع أنّه وبخهم على عدم إيمانهم، عاد فأنجز هو نفسُه العمل أي إخراج الروح. أصلاً هو دائماً مَن ينجز الأعمال، سواء الأشفية أو غفران الخطايا، أو أي أمر آخر. هذه الحقيقة ينساها بعض التلاميذ، ومن بعدهم الكهنة والرعاة، فيظنون أنهم هم المسؤولون عن الكنيسة، فيتدخّلون في عمل المسيح. إذا نجحوا يكونون هم الناجحون وإن فشلوا تكون مشيئة الله. مشهد التلاميذ الخائفين على صورتهم واضح عند سؤالهم السيّد عن سبب عجزهم عن إخراج الروح. فهم خافوا أن يكونوا قد فقدوا النعمة التي أعطيَت لهم، أكثر من خوفهم أن يكونوا قد فشلوا في تفعيلها. للأسف هذا واقع أغلب الرعاة اليوم، إذ يعتقدون أن الرب أعطاهم وكالة عامة غير قابلة للعزل، فيفشلون في الحفاظ على كونهم وكلاء وبالتالي ينصرفون عن إخراج الروح إلى أعمال أخرى، ليست بين أولويات ما أوصاهم الرب بعمله.

في النهاية، المسيح هو المسؤول عن الكنيسة ﻷنها عروسه، لهذا هو يوبخ خدّامها عن كل تقصير في إيمانهم أو في أنجاز ما هو مُوكَلٌ إليهم عَمْلُه. لكن السيّد حريص على أن تُتِمّ الكنيسة عملها، ولهذا هو يقوم به. هذا الواقع كان صحيحاً وما زال. المُفتَرَض أن تكون أعمال العاملين في الكنيسة كلُّها باسم الربّ ولمجده ومن أجله، وإلّا فإن ضعفاتهم تعيق عمل الربّ الذي يكمّل كلّ نقص فيهم وفي الكنيسة. عندما يصير همّ العامل في الكنيسة أن يحفظ صورته عند رعيته بغض النظر عن صورة المسيح، أن يحفظ سلام البشر الشكلي لا سلام المسيح الذي من العُلى، أن يتأكّد من أن الكلّ راضٍ باسم المحبة والتفاهم، عندها يكون قد انضمّ إلى مَن أسماهم السيّد بالجيل الفاسد.

الصورة تتكرر. فالعالم اليوم هو مثل هذا الابن المُصاب بروح شريريتمرغ ويُزبد، مُلقى في النار وفي الماء، أي في التناقضات. إن هرب الإنسان من فخ يقع في آخر. إن عدو الخير لا يرحم طفلًا ولا شيخًا، ولا رجلًا ولا امرأة، بل يجهد لأن يدفع الكل إلى نار الشهوات، أو يسحبهم إلى تيارات مياه العالم ليهلكهم. ويستمر هذا الوضع ويسوء طالما العالم يهرب من المسيح أو لا يسعى إلى لقائه. دور الرعاية هو بالدرجة الأولى تظهير صورة الثبات المأخوذة من الثابت الوحيد أي المسيح. الجراح لا تتبلسم إلا بالمحبة القائمة في الحق، لأن المسيح هو المحبة وهو الحق، وليس الواحدة دون الأخرى.

مَن يلتقي المسيح ويطلب منه المعونة والحنو، يسمع جواب الربّ نفسه: “إن كنت تستطيع أن تؤمن، كل شيء مستطاع للمؤمن“. موقف الأب هو موقف إيمان مصحوب بتواضع وبدموع: “أومن يا سيد، فأعن عدم إيماني“. لكنه ليس دائماً موقف غالبية الناس ومنهم رعاة مفتَرَض بهم أن يكونوا رأس الحربة نحو المسيح. كثيرون من الناس اليوم، في محنتهم بدلاً من أن يبحثوا عن الرب ليستدعوه ليعينهم، يروحون يحاسبونه ويطالبونه ويتهمونه بالتقصير وبقلّة العدل ﻷنهم مصابون. كثيرون يرون في إيمانهم منة منهم على الله، لهذا يعتبرون من واجبه أن يحميهم ويبعد عنهم الشرور. آخرون إيمانهم لا يتعدى المظاهر، لهذا ينهار رجاؤهم عند مواجهة أيّ مصيبة. هنا ضرورة أن يكون الراعي حاضراً ليقول للمتألّم أن كلّ شيء مستطاع للمؤمن وذلك بإظهاره أولاً صورة الصابر المتوكّل على الله الثابت في محبته.

استقامة الرأي واستقامة الممارسة

استقامة الرأي واستقامة الممارسة

اﻷب أنطوان ملكي

أثارت مقالة المطران جورج خضر في جريدة النهار يوم السبت ١٩ آذار ٢٠١٦ بعنوان استقامة الرأيكمّاً كبيراً من ردود الفعل. فالبعض استنكر واﻵخر استغرب. هذا تألّم وذاك تفاجأ. البعض غضب وغيرهم خاب. الذين قرؤوا المقالة لاهوتياً وجدوا فيها قلّة دقّة. والذين قرؤوها رعائياً وجدوا فيها ضرراً. والذين قرؤوها من منظار تاريخي وجدوا فيها العديد من المغالطات. طبعاً بمقابل كلّ هؤﻻء مَن اعتبر المقالة قمّة في المحبة ﻷن لا تمييز طائفياً فيها ولا إدانة، وآخرون وجدوا راحة في أن يحصر المطرانُ اﻹيمانَ في صَلْب السيد، وقيامتِه، والثالوثوأن غير ذلك تفاصيل”.

إلى هذا، بدأت أرقام التعليقات على شبكات التواصل الاجتماعي بالارتفاع، خاصةً مع تزايد عدد التعليقات من خارج أنطاكية، بغض النظر عن محتواها.

الواقع أن المطران جورج لم يقل في هذه المقالة شيئاً جديداً لم يقله من قبل، إنّما قدّم بالجملة ما قد سبق له تقديمه بالمفرّق. وأكثر من ذلك، أنه قال ما يمارسه كثيرون. قد يكون التقدم بالعمر جعله أكثر مباشرة وتبسيطاً. فهو يقول بتبسيط الكلام ليس من إختلاف جوهري في العقيدة بين المسيحيّين“. إذاً هذا القول تبسيط، لكنّه يعني أن كل ما عاشه المسيحيون منذ أول انشقاق حتّى اليوم، أو أقلّه منذ 1054 م. إلى اليوم، لم يكن ﻷسباب جوهرية أو عقائدية. إذاً، لماذا كان؟ أهو ﻷسباب سياسية؟ أهو خلاف على النفوذ كما يعتقد أغلب العامّة؟ هنا تأتي المغالطة التاريخية بقول المطران :”بصورة عامّة وأكيدة، المسيحيّون إيمانهم واحد أو كان واحدًا قبل أن تُعلن الكنيسة الكاثوليكية أوّلية البابا وعصمته عقيدة السنة الـ١٨٧٠“. إذا سأل أحدنا غوغل عن تاريخ انشقاق الكثلكة عن الكنيسة يكون الجواب 1054. وإذا سأل العلماء والمؤرخين يكون قبل ذلك، أي تاريخ بداية الجدل حول انبثاق الروح القدس من اﻵب أو من اﻵب والابن معاً. عندها بدأ التباعد. لكن المطران يجزم أن الانبثاق تفصيل لا أهمية له. وهنا من حق أي كان أن يتساءل: كيف يوصَف الوضع بين 1054 و1870، ألم يكن انشقاقاً؟

قول المطران نحن والكاثوليك والإنجيليّين، نقول في المسيح قولاً واحدًاقول غريب. مريم هي والدة اﻹله أي المسيح. فإذا كان مسيح الكثلكة وُلِد من عذراء حُبل بها بلا دنس، ومنه انبثق الروح القدس، بينما مسيح اﻷرثوذكسية وُلِد من عذراء أتت من زرع بشري، وهو أرسل الروح القدس الذي من اﻵب ينبثق، فكيف يكون قولاهما واحداً؟ كيف يقول المطران على صعيد الكلام في المسيح، كلّنا مستقيمو الرأي؟ هذا تعميم منافٍ للمنطق.

طالما أن كنيسة أنطاكية على ما هي عليه، ليس مجدياً الخوض في التقييم العلمي لهذه المقالة أو غيرها. هذا طبعاً إذا استطعنا أن نضع شخصنة اﻷمور جانباً. فأن تقول بأنّ المطران جورج خضر مخطئ هو قول لدى الكثيرين قد يساوي الهرطقة.

هنا، يستحضرنا ما كتبه الأرشمندريت توما بيطار في إحدى أوراقه الديرية: “عندما نقرأ في عظة ﻷحد الرؤساء (النهار، 29 كانون اﻷول، 2005) كلاماً عن الثالوث القدوس يقول فيه (والكلام للرئيس المذكور): <الابن مولود من الآب قبل كل الدهور وهو منه، ليس هو شخص آخر ولا هو شخص ثانٍ> نأسف ونعجب! أولاً ﻷنّ القول هرطقة سابليانية واضحة. ثانياً ﻷنّه لا تصحيح من الجهات الرسمية المسؤولة ورَدّ. ثالثاً ﻷنّ أحداً لا يبدو مُطالِباً بتصحيح علني لما قيل وﻻ ردّ عليه. وهذا يجعلنا نتساءل: أﻷنّ القول صدر عن رئيس لم يشأ أحد أن يعترض أم ﻷنّ الناس لا يقرأون وإن قرأوا لا يفهمون وإن فهموا لا يبالون؟! خشيتنا أنّ العقيدة باتت، في الوجدان، أدنى إلى اﻵراء ووجهات النظر. فإذا كانت العقيدة تؤخَذ بخفة، على هذا النحو، فأي حوار عقدي يعوّل عليه، بعد، في اللقاءات المسكونية؟!” [اﻷرشمندريت توما بيطار. الكنيسة والكنائس في فكر اﻷب جورج فلوروفسكي. الحركة المسكونية: من أين؟ وإلى أين؟ في اﻷرثوذكسية بين الحركة المسكونية وحوار الديانات (ثلاث مقالات)”. أوراق ديرية – 12. دير القديس سلوان اﻷثوسي. دوما. 2005. ص. 16.]

كلام اﻷرشمندريت توما ينطبق تماماً على قضية مقالة “استقامة الرأي”: الكاتب مطران، أي رئيس. اﻷرشمندريت أسف وتعجّب في 2005، والأمر نفسه اليوم، فاﻵسفون والمتعجّبون كثر.

في 2005، القول هرطقة سابليانية واضحة، واليوم الكلام لا حاجة لبرهان عدم موافقته للوجدان اﻷرثوذكسي والدليل ردود الفعل الكثيرة. في 2005، لا تصحيح من الجهات الرسمية المسؤولة ورَدّ، واليوم أيضاً، حتّى يصحّ التساؤل حول وجود جهات رسمية مسؤولة وما انشغالها: أهي المجمع، لا سوابق له بالردّ، أهي معهد القديس يوحنا الدمشقي، فالماضي يقول أنه صمت حين كان معنياً مباشرة (أبو غسان، الخوري بولس طرزي، مسرحية فادي تابت)، أهو اﻷديار، فقد أحجموا عن ذلك مجتمعين فكيف اليوم متفرقين؟

في 2005، لم يبدُ أحد مُطالِباً بتصحيح علني لما قيل وﻻ ردّ عليه، واليوم أيضاً، هناك الكثير من التعليقات، لكن أياً منها لا يطلب التصحيح أو الردّ، حتّى يجوز التساؤل عمّا إذا كان الدم ما يزال يجري في عروق هذه الكنيسة أم أنه تجمّد.

في 2005، تساءل اﻷرشمندريت: “أﻷنّ القول صدر عن رئيس لم يشأ أحد أن يعترض أم ﻷنّ الناس لا يقرأون وإن قرأوا لا يفهمون وإن فهموا لا يبالون؟!” هنا تكمن المشكلة اليوم، وعلى اﻷرجح أن اللامبالاة هي السائدة بين الناس، وهذه اللامبالاة هي نتيجة حتمية للإحباط الذي أصابهم. فأمام كثافة المشاركة مع غير اﻷرثوذكسيين في اﻷكاليل والجنازات وحتّى القداديس، على كل المستويات من الرؤساء إلى الشعب، وأمام ما يتمّ تناقله من صور لزياحات مشتركة في الشعانين أو في الفصح أو في غيرها، وأمام صور الجوقات تؤدّيفي معابد غير اﻷرثوذكس أو في المسارح، وأمام صور اﻷوركسترات في كنائسنا، مَن هو اﻹنسان الذي يُطلَب منه الحفاظ على رباطة جأشه وثباته والصمود أمام الخيبة واﻹحباط والشعور بالهزالة.

في 2005، وصف اﻷرشمندريت الوضع بأن العقيدة باتت، في الوجدان، أدنى إلى اﻵراء ووجهات النظر”، ماذا عن اليوم؟ أين العقيدة لا بل أين الممارسة؟

أيضاً في 2005، تساءل اﻷرشمندريت:”فإذا كانت العقيدة تؤخَذ بخفة، على هذا النحو، فأي حوار عقدي يعوّل عليه، بعد، في اللقاءات المسكونية؟!” اليوم، العقيدة والممارسة والتعليم كلها مأخوذة بخفة، علامَ يُعوَّل؟

كنيسة أنطاكية اليوم كومة حطب. اليبس منتشر في كل المفاصل والأغصان. تُخالَف العقيدة وما مَن يرفع الصوت. تُخالَف أصول الليتورجيا وما مَن يسأل. تُخالَف القوانين وما مَن يُحاسب. الزنا لا يُحاكَم، الشذوذ لا يُحاكَم، السرقة لا تُحاكَم، حتّى الخروج على الرئاسات ممكن، وما مَن يهتمّ. استقامة الرأي مُفتَقَدَة، وهذا ينتج عنه افتقاد استقامة الممارسة. الرجاء الوحيد هو أن الهواء والنور قادران على التسلل ما بين قطع الحطب. فلا بدّ وأن يأتي يمين الربّ عليها يوماً ما، فإمّا يحييها وإلا يجمعها ويلقيها في النار.

أخيراً، سؤال إلى اﻹكليروس الأنطاكيين الذين استفزهم كلام المطران جورج، لا من باب المزايدة ولا من باب الاستفزاز، بل من باب دقّ الناقوس: ألا تناولون غير الأرثوذكس؟ ألا تشتركون في أعراس في كنائس غير أرثوذكسية؟ ألا تقبلون بعرابين غير أرثوذكس؟ إذا كان الجواب نعممعناه أن في الممارسة التواء لا استقامة. استقامة الممارسة تنبثق من استقامة الرأي وتحضنها وتحصّنها. عندما تكون الممارسة مستقيمة يصير أكثر سهولة استيعاب الالتواء في الرأي وإصلاحه: “إِنِ انْسَبَقَ إِنْسَانٌ فَأُخِذَ فِي زَلَّةٍ مَا، فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ، نَاظِرًا إِلَى نَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا(غلاطية 1:6). وهنا تكمن الصعوبة في كنيسة أنطاكية.

طول الأناة

الفصل الخامس

طول الأناة

كالينيكوس ميتروبوليت بيرياس

نقلتها إلى العربية ماريا قبارة

الفضيلة الصعبة والثمينة

أمّا ثمر الروح فهو…. طول الأناة“.

إنّ طول الأناة من الفضائل النادرة. فالمرء لا يقتنيها بسهولة. وهناك حاجّة ماسّة اليوم لوجودها في عالمنا، وحاجة كبرى ليقتنيها الإنسان، فهي ستغيّر وجهة نظره، ستفتح أمامه أبواباً لفرص كثيرة، ستخلصه من معارك وتنهدات وأحزان متنوعة.

إنّ فضيلة طول الأناة نافعة جداً للحياة، فهي تعطي نعمة للنفس، ونعمة وفائدة لقلوب الآخرين. تطفئ نيران الغضب وتسكّن الألم، تبعد الخصومات والمشاحنات وتروّض التصرفات البريّة.

إنّها تلك الفضيلة التي تعطي قوّة نفسية تجعل الإنسان يحتمل الأمور بوداعة، ويصبر على الجور والظلم والإهانات والمضايقات من قبل الآخرين. يحتمل ويصبر من دون اضطراب أو بلبلة، من دون غضب أو سخط أو احتواء روح انتقام. فماهية طول الأناة في الإنسان نفس قوية، وقلب شجاع. عالمنا اليوم يتقدّس بثمر وبهاء الروح القدس.

إنّها فضيلة صعبة الاقتناء، يهبها الروح القدس للنفس المتجددّة الممتلئة من المحبّة والطيبة. فمن يحبّ يستطيع أن يتخطّى أخطاء الآخرين وهفواتهم، ويبررها وينساها المحبّة تحتمل كلّ شيء وتصدّق كلّ شيء” (1كور7:13).

طول الأناة قوة للنفس

تظهر طول الأناة الإنسان ذو عقل راجح، متزن مع رؤية واضحة لأموره. “بطيء الغضب كثير الفهم“(أمثال29:14). من يتحلى بفضيلة طول الأناة يكون هادئاً رزيناً بعيداً عن الضوضائية والصخب.

إنّ سريع الغضب يخلق النزاعات والمخاصمات والطعنات. أمّا طويل الأناة فيطفئ نيران المخاصمات ويهدئ الأرواح. طول الأناة قوة كبيرة للنفس، تجعل الإنسان أقوى من القوي والصلب البطيء الغضب خيرٌ من الجبار ومالك روحه خيرٌ ممّن يأخذ مدينة” (أم32:16).

إنّ هذه الفضيلة ضرورية الاقتناء للجميع، فهي ثمرة رائعة للروح القدس ووصية الله. على المرء أن يحتمل أخطاء وضعفات الآخر مطبقاً فضيلة طول الأناة.

بكل تواضع ووداعة وطول أناة محتملين بعضكم بعضاً في المحبة” (أفسس2:4). علينا أن نخرج الثوب الوسخ؛ ثوب حبّ الانتقام، وأن نلبس زيّ طول الأناة. “البسوا كمختاري الله القديسين المحبوبين أحشاء رأفاتٍ ولطفاً وتواضعاً ووداعة وطول أناةٍ” (كولوسي12:3). مثالنا هو الانبياء والقديسون الذين شتموا واضطهدوا وانساقوا إلى السجون لأنّهم تكلّموا باسم الربّ، فصبروا واحتملوا من أجل الربّ بطول أناة.

طول الأناة تريد قلوباً منسحقة

لنكون طويلي الأناة علينا أن نتعلّم الغفران، وأن نكون مستعدين لنغفل عن أخطاء الآخرين، وأن نقبل باستمرار أخطاءهم.

الآخر يخطئ تجاهنا؟ ونحن أيضاً كم من المرات في اليوم نخطئ تجاههم. فكما نريد أن يكون الآخر طويل الاناة مع أخطائنا وعثراتنا، هكذا نحن أيضاً علينا أن نحتمل الآخرين. هل نريد من الآخر مسامحتنا؟ فلنفعل نحن ايضاً كذلك. أنريد ألاّ ينتقموا منّا ، وألاّ يغضبوا من عيوبنا ورذائلنا؟ فلنحتمل ونفعل نحن هذا أولاً، ولنتعلّم ان نسامح ونغفر للآخرين.

نحن أمام الله خاطئين باستمرار. ننغصّ الخليقة من حولنا بقساوتنا اليومية. نهين ونشتم صلاحه بخطايانا. لكنّ الله طويل الاناة لا يدمرنا مباشرة على أفعالنا، بل يحتملنا وينتظر توبتنا . وهو مستعد أن يغفر لنا ويسامحنا إن طلبنا رحمته. “فالربّ رحيم ورؤوف طويل الروح وكثير الرحمة“(مز8:103).

الربّ لا يعمل ضدّنا، ولا يرد عقوباته متوافقة مع مقياس خطايانا. يقول روح الله بلسان داود الرب طويل الروح كثير الإحسان“(عدد18:14). طالما أنّ الله يطيل أناته بشكل لا يحدّ.

الهراطقة: شفاة غير مشفيّين

الهراطقة: شفاة غير مشفيّين

المتقدّم في الكهنة الأب جورج ميتالينوس

نقلتها إلى العربية جولي عطية

ليست الهرطقةُ مجرّدَ خطأ فكريّ، وليس الهراطقةُ مجرّد مخطئين في إيجاد الحقيقة، فما يحصل في حالتهم أكثر عمقًا وأهميّة. هُم يعرفون الكتاب المقدّس حرفيًّا، وغالبًا بشكلٍ باهر، لكنّهم يفتقدون إلى أمرٍ أساسيّ، وهذا ما يميّزهم بشكلٍ جوهريٍّ عن الآباء: فَهُم يفتقدون إلى خبرة الروح القدس التي يملكها الآباء، وإلى الاستنارة الداخلية للروح، وذلك لأنّهم لم يسلكوا في مسيرة الكنيسة الشفائيّة.

خارجيًّا، قد يكونون بلا عيبٍ من الناحية الأخلاقية، لكنهم لا يملكون الروح في داخلهم. لذلك لا يعاينون ما يعاينه الآباء في الروح، ولو كانوا متقدّمين بشكلٍ مدهشٍ من الناحية الفكرية.

في الواقع، لا يخفى على أحدٍ أنّ جميع الهراطقة العظماء أبهروا العالم بمعرفتهم الواسعة وحكمتهم، وما زالوا يفعلون ذلك اليوم! إلاّ أنهم لا يملكون قلبًا نقيًّا، ولم يتحوّلوا إلى هياكلَ للروح القدس.

إنّ الهرطقة تفترض غيابًا للعلاج الشفائي أو ضعفًا فيه. ولهذا السبب، لاهوتُ الهراطقة عقلانيٌّ، هو فرضيّة علميّة منطقيّة ولعبة قياسيّة. ما يفتقد إليه الهراطقة هو خبرة التألّه التي زيّنت الآباء. لهذا لا يستطيعون أن يميّزوا الحقّ من الخداع في المواقف الدقيقة، إذ ليسوا قادرين على رؤية الحقّ في داخلهم، ولا يعرفونه في قلوبهم. من دون مركبةِ الصلاة الذهنية، لا يمكنهم الوصول إلى التمجيد، الذي هو كشف الحقّ كلّهعبر الروح القدس.

وهنا تظهر مأساة الهراطقة كلّهم، بخاصّة رجال الدين الهراطقة. فهؤلاء يريدون أن ينيروا وهم غير مستنيرين، يريدون أن يشفوا وهم غير مشفيّين، يريدون التكلّم باللاهوت وهم ملحدين (أي يعيشون بعيدًا عن الله الحقيقيّ). يمكننا تشبيه الهراطقة بالدجّالين والنصّابين المملوئين غشًّا. إلاّ أنهم أسوأ منهم: إنّهم أطباء يقدّمون علاجًا شفائيًّا مميتًا، ويقتلون الناس من الأبدية. هم صيادلة يبيعون أدويةً مسمَّمةً وفاسدةً وخطيرةً على الصحّة العامّة، لا على المستوى الجسديّ، بل على المستوى الروحيّ والأبديّ.

جورج فلوروفسكي: نهجه في المسكونية

جورج فلوروفسكي: نهجه في المسكونية

اﻷب أنطوان ملكي

اﻷب جورج فلوروفسكي (1893-1979) هو زعيم لاهوتيي القرن العشرين اﻷرثوذكسيين، بشهادة اﻷرثوذكس وغيرهم. المقالة الحاضرة وصف لنهجه في العمل المسكوني. فالرجل مثّّل اﻷرثوذكس في محافل مسكونية وفي حوارات مع غير اﻷرثوذكس، ومنهجيته أوصلته إلى استنتاجات عبّر عنها في كتاباته. التركيز هنا هو على خطاباته في اجتماعات مجلس الكنائس العالمي.

عَمِل فلوروفسكي على تأسيس مجلس الكنائس العالمي وأعماله ثبّتته بشكل واضح كلاهوتي معروف عالمياً وجعلته الصوت الأرثوذكسي المتقدّم في الحركة العالمية لإعادة توحيد العالم المسيحي. مع أن الكثيرين يحكمون عليه بأنه مثير للجدل، لكنه عُرف عالمياً كلاهوتي كبير في القرن العشرين ومن أكثر المفكرين عمقاً والخطباء فصاحة بين أرثوذكسيي زمانه.

في لقاءاته المسكونية، سعى فلوروفسكي إلى أن يصف، بعبارات واضحة ولا مساومة فيها، الموقف الأرثوذكسي من الأمور اللاهوتية الأساسية، في تضارب واضح مع نظرات الآخرين. عند نقطة ما، تساءل حول شرعية استعمال كلمة كنائس، التي تعني الجمع، في تسمية مجلس الكنائس العالمي. وقد اقترح إدخال الجملة التالية إلى النصوص الرسمية: “يشير اسم مجلس الكنائس العالمي إلى حالة لا ينبغي وجودها. نحن نتّفق على تسمية طوائفنا كنائس بمعنى لا يسمح به العهد الجديد”. في تقرير لاحق كان أكثر حدّة في تعبيره: “الطوائف المتفرقة ليس لها الحق بتسمية نفسها كنائس“. بالتأكيد، هذه اللغة المأخوذة من فهم محدد للكنيسة، في العهد الجديد، على أنها جسد المسيح الواحدة المقدسة في دستور الإيمان الأرثوذكسي. جسد المسيح واحد، وبالتالي الكنيسة واحدة. من وجهة النظر الأرثوذكسية هذه، يستحيل وجود أكثر من كنيسة لاستحالة وجود أكثر من جسد للمسيح. ما لدينا بالحقيقة هو إنقطاع في العلاقات في العالم المسيحي وانفصال في الوحدة المسيحية حول عقائد أساسية في الإيمان تؤدّي إلى اختلافات وافتراقات.

ذروة الأحداث المسكونية التي شارك فيها فلوروفسكي كان الجمعية الثانية لمجلس الكنائس العالمي في إيفانستون، إلينوي، ما بين الخامس عشر والحادي والثلاثين من آب 1954. الموضوع كان أن نبقى معاً لا يكفي، يجب علينا التقدّم“. لتحقيق ذلك وقفت الشهادة الأرثوذكسية في تناقض صارخ مع الآراء السائدة الأخرى. تحدث فلوروفسكي باسم الأرثوذكسيين: “لا يمكن لأي مسيحي تجاهل حقيقة الانقسام المسيحيأعظم إنجاز للحركة المسكونية الحديثة يكمن في الشجاعة للاعتراف بأن هناك خلاف كبير. لدغة المأساة المسيحية الفعلية هي حقيقة أنه في الوضع التاريخي الملموس، العديد من الانقسامات قد فُرِضَت، بالشكل الذي كانت عليه، وتحديداً ولاءً للمسيح وبالغيرة الصادقة على الإيمان الحقيقي“. الإعلان الأرثوذكسي كان صريحاً: “عودة الجماعات إلى إيمان الكنيسة القديمة المتحدة وغير المنقسمة، كنيسة المجامع المسكونية السبعة. هذه العودة هي وحدها ما ينتِج إعادة الوحدة المرجوة بين كل المسيحيين المتفرقين“. عبارات الأرثوذكسيين الصارمة أوضحت أن الطريق إلى الأمام هو بالفعل طويل وصعب. وكعلامة على أنّ المجموعة المسكونية تنوي على الأقل أخذ مقاربة الأرثوذكسيين للوحدة بجدية، أيّدت اللجنة المركزية لمجلس الكنائس العالمي مبادرة فلوروفسكي والأخرين بتبنّي الدراسة التقليد والتقاليد، وهي الموضوع الذي تطرق إليه فلوروفسكي بغنى وبتكرار في الكثير من كتاباته.

في أواخر حياته، أصيب فلوروفسكي بالخيبة من التجنب الظاهر للقضايا اللاهوتية الجوهرية التي كانت انشغاله الأساسي طوال حياته. بالحقيقة، لقد لاحظ تحوّل اهتمام قيادة مجلس الكنائس نحو القضايا الاجتماعية إلى درجة أن لقاءاتها صارت بلا أي صفة دينية أو مسيحية، والقرارات صارت تُتخذ من دون اهتمام بالعقيدة وبالتحديدات اللاهوتية، ومن دون إلمام بتاريخ الكنيسة وتقليدها والحضارة المسيحية. صار العارفون أو الذين قد يثيرون أي صعوبات بالعودة إلى مسائل التاريخ واللاهوت يُبعَدون ويُهَمَّشون. الاهتمام صار في إيجاد ما هو مشترك ونسيان الباقي. آلمه أنّ تناسي الفرق بين الجماعات المسيحية بهدف تحقيق الوحدة سيؤدّي إلى وحدة سطحية، غير واقعية وبالتأكيد لا تدوم. أحزنه أن قادة مجلس الكنائس العالمي فقدوا الاهتمام بالعقائد والمبادئ وصاروا عاجزين عن فهم أن لهذه الحقائق اللاهوتية بعداً وجودياً. وبدل أن تكون أعمالهم موجّهة بالعقيدة واللاهوت فضّلوا البرامج الإنسانية والأعمال والإجراءات العملية في العمل الاجتماعي لتحسين حالة العالم، ولكن ليس بالضرورة حالة الكنيسة. هذا دلّ على أن روح الدهرية تسربت إلى الحركة المسكونية.

إلى آخر رمق، لم يكف فلوروفسكي عن استبساله في التأكيد على أن لا تقدم مسكوني حقيقي إلا من خلال المناقشة اللاهوتية والدراسة على يد أجيال من اللاهوتيين الجديين.

الفردانيّة وضلالة الكاريزماتيك

الفردانيّة وضلالة الكاريزماتيك

المتقدّم في الكهنة مايكل جيليس

نقلتها إلى العربية جولي عطية

أجيبُ اليوم على سؤالَين طرحَهما صديق لي مُستفسِرًا: أوّلاً، لماذا يدعو المسيحيّون التقليديون الكاهنَ بالأب؟ وثانيًا، لماذا نُصلّي للقدّيسين (أي لماذا لا نتوجّه بأنفسنا إلى الله)؟ إنّ صديقي مُطَّلعٌ على البروتستانتيّة المواهبيّة المعاصرة (الكاريزماتيك)، لذا أجيبه بالتالي:

يرتبط السؤالان بعضهما ببعض بأشكالٍ عدّة. لقد أصبحنا اليوم فردانيّين، فصار من الصعب أن نفهم ما يقوله بولس الرسول حين يَصِفُ الكنيسةَ بأنّها جسدٌ واحدٌ، يَعتمدُ كلُّ عضوٍ فيه على الآخر بالكلّية. نظنّ أنّ جميع الناس (الأصحّاء والطبيعيّين) قد وَصلوا إلى الدرجة ذاتها من معرفة الله والأمور الروحيّة، وأنّنا لا نحتاج إلى الاعتماد على غيرنا لنعرف الله جيّدًا. ثقافتنا علّمتنا أن نفكّر على هذا النحو، ويمكننا أن نُرجِع التطوّر الفلسفي لهذا الفكر إلى شخصٍ اسمه ايمانويل كانت Kant” (توفي 1804). فبالنسبة له، إذا كان أمرٌ ما صائبًا ومنطقيًّا وحقيقيًّا، يكون صائبًا ومنطقيًّا وحقيقيًّا بالنسبة للجميع. ويُسمّى هذا الفكر بـالحديث، ما يعني أنّه من نتاج مفكّري عصر الأنوار في أوروبا. أمّا وقد دخلنا في عصر ما بعد الحداثة، فقد بدأ المجتمع بالاعتراض على بعض هذه الافتراضات المتعلّقة بالمعرفة، بخاصّة المعرفة الروحيّة. إلاّ أنّ الإنجيليّة والبروتستانتيّة منطبعتان بعصر الأنوار، وبالتالي مقاربةُ البروتستانتيين لله فردانيّةٌ للغاية، مقارنةً بمسيحيّة ما قبل الحداثة التي كانت أكثرَ شراكةً في هذه المقاربة.

لنأخذ مثلاً القدّيس بولس الذي يعتبر علاقته بأولاده الروحيّين بمثابة علاقة أبٍ وأبناء، ويدعو القدّيس تيموثاوس بولده (2 تيم 1: 2)، ويقول للكورنثيّين إنّه أبوهم لأنّه وَلدَهُمفي الإيمان، ولهذا وَجبَ أن يصغوا إليه (1 كو 4: 15). إضافةً إلى ذلك، يطلب بولس الرسول باستمرارٍ صلواتِ مَن يكتب إليهم، ويؤكّد لهم بتواترٍ أنّه يصلّي من أجلهم. وكان هذا الفعلُ ذا قيمةٍ عند مسيحيّي عصرِ ما قبل الحداثة، فقد كان من المهمّ أن يصلّي الأبُ الروحيُّ (أو الأم الروحيّة) من أجل الشخص، إذ إنّ هذا الأخير لا يمكنه أن ينمو أو يُحفَظ من الأعداء الروحيّين من دون تلك الصلوات. وانطلاقًا من هذا الفكر، فإننا عندما ندعو أحدَهم بالأب، نعلن أنّ هذا الشخصَ أيقونةٌ عن الآب أو ممثّلٌ عنه، أو أنّه شخصٌ يحمل إلينا الآبَ السماويَّ و/أو يحملنا إليه. وينطبق المبدأ ذاته على لقب المعلّمأو السيّدأو الطبيب” (والذي يعني المعلّم باللاتينية). هناك معلّمٌ واحدٌ فقط، وهو الله (وهو أيضًا الأب وحده، والسيّد وحده). لكنّ الله بنى جسدَه، أي الكنيسة، على هذا النحو، ليعلّمَ بواسطة معلّمين بَشَر. إذًا، عندما ندعو إنسانًا بالمعلّم، فإننا نعلن أنّ هذا المعلّم البشريّ يأتينا بتعليمٍ من المعلّم السماوي، أو يحملنا إليه بطريقةٍ ما. وبما أنّ الله لا يتراجع عن عطاياه ودعواته (أي أنّه لا يسحبها)، وبما أنّ لا أحد يموت في المسيح، حتى ولو مات، لأنّ الجميع يعيشون في المسيح، فقد اعتاد الأبناء والبنات الروحيّون في الكنيسة اللجوءَ إلى آبائهم وأمهاتهم ومعلّميهم الروحيّين، طالبين إرشادهم ومساعدتهم وصلواتهم. يمكننا طبعًا أن نتوجّه إلى الله بأنفسنا، لكن لمَ لا نطلب أيضًا صلوات هؤلاء الرجال والنساء القدّيسين الذين أثبتوا، عبر قداسة حياتهم وتجلّيات النعمة فيها، أنّهم موهوبون، ومختارون من الله ليعملوا ويشفوا ويرشدوا، ويساعدوا بسبلٍ متنوّعة المبتدئين في الحياة الروحية؟

في الواقع، عندما نعتقد أننا ذاهبين إلى المسيح بمفردنا، قد نقع في نوعٍ من الضلالة من دون أن نعيَ ذلك، وهذا ما يجعلها ضلالة. تكمن الضلالة في ظنّي أنني قادرٌ بمفردي على تمييز ما يقوله لي الله أو ما يصنعه من حولي. إنها ضلالةٌ لأنّنا ننسى أنّنا سبق وكنّا على خطأ في مواقفَ كثيرة؛ إنها ضلالةٌ لأنّنا نقيس مدى كوننا على حقّ ومدى سماعنا الله استنادًا إلى خبرتنا غير الموضوعية، حتى وإن تضمّنت هذه الخبرة بعض الأحداث العجائبية أو الاستعلانات أو الخبرات. يعطي يسوع تحذيرًا مخيفًا عندما يقول في الأناجيل (أكثر من مرّة) إنّ الكثيرين سيدَّعون في دينونةِ اليوم الأخير أنّهم عرفوه، لأنهم تنبّأوا أو صنعوا أعمالاً عظيمةًباسمه، بينما هو سيقول إنّه لا يعرفهم. ويحذّرنا آباء الكنيسة وأمّهاتها مرارًا وتكرارًا من أخطار الروحانيّة القائمة على الإرشاد الذاتي. وقد قيل إنّ مَن يكون المرشدَ الروحيَّ لنفسه فهو يملك أحمقًا كمرشدٍ روحيّ.

وهناك وجهٌ آخرٌ لهذه المسألة: التواضع. من الصعب أن نقتني التواضع عندما نتّخذ قراراتٍ روحيّةً بمفردنا. أقول إنّ الروح يقودني، بينما أكون أنا مَن يقرّر ما يقوله الروحُ وكيف أفهمه وأطبّقه: أي ما زلتُ أنا المسؤول. وإذا ما اختبرتُ، بنعمة الله، إرشادًا عجائبيًّا أو استعلانًا قويًّا، قد أقول إنّ هذا كلّه من عمل الله، لكن يختبئ في عقلي اعتقادٌ بأنّ عمل اللهيتوّقف كثيرًا عليّ، أي على ما أميّز وأحسّ وأرى وأشعر. ولهذا لا يرتاح الكثير من المسيحيّين التقليديّين إلى أسلوب الكاريزماتيك في التكلّم عن العطايا الروحية، والتعليم عن كيفية اختبارها وعملها فيهم. أعي أنّ العديد من أتباع الكاريزماتيك أشخاصٌ جيّدون، حتى إنهم أشخاصٌ قدّيسون يبذلون أقصى جهدهم ليعلّموا استنادًا إلى خبراتهم الخاصّة وفهمهم للكتاب المقدس. إلاّ أنّ ذلك يبدو، انطلاقًا من منظور المسيحيّة في عصر ما قبل الحداثة، وصفةً من شأنها التلاعب والضلالة، ما يؤدي إلى الكبرياء الروحي أو الاكتفاء الذاتي، وكأنّه لا حاجة سوى إليّ أنا وإلى الروح القدس“. وهذا يُخالف تعليم العهد الجديد والمسيحية برمّتها حتى وقت قريب (من الناحية التاريخية). كلاّ، نحن نحتاج إلى صلواتِ الجسد كلّه وإرشاده وتعليمه، وإذا ما اختبرتُ نجاحًا شخصيًّا أو إرشادًا أو كشفًا عجائبيًا، فهذا بفضل صلوات أبي الروحي، وأولادي الروحيّين، وملاكي الحارس، وجميع القدّيسين الذين يشاهدونني ويصلّون من أجلي. أمّا عندما أسقط، أو تفوتني الإشارة، أو أعتقد أنّ الله يقول شيئًا هو في الواقع لا يقوله، فهذا لأنني اتّكلت على تمييزي الخاصّ، وعلى قدرتي على الإصغاء والمعرفة والفهم.

يَصعُب كثيرًا على الإنجيليّين والكاريزماتيك المعاصرين أن يفهموا هذه الفكرة، لكنّ النزعة الثقافيّة الحاليّة إلى فكرِ ما بعد الحداثة تساعد قليلاً. سمعتُم مثلاً عن النظريّة القائلة إنّ الفراشة عندما تخفق جناحيها في ناحيةٍ من العالم، قد تسبّب عاصفةً في الناحية الأخرى (أي أنّ العالم متّصل بطريقةٍ لا يمكننا إدراكها). ويعلّموننا أيضًا أنّ الكائنات الحيّة مرتبطةٌ بعضها ببعض بأشكالٍ لا يستطيع علمُ الأحياء وحده أن يفسّرها، وأنّ الأجزاء الأصغر حجمًا (الذرّات) والأجزاء الأكبر حجمًا (الكواكب) تعمل وفق قوانين لا تنطبق على الأجزاء الفيزيائية التي فيما بينها. لقد أدّى فكرُ عصرِ ما بعد الحداثة إلى إعادة اعتبار حكمة الشيوخالتي كانت في مجتمعاتِ ما قبل الحداثة، وإلى الوعي أنّ مقاربة الواقع بطريقةٍ فردانيّةٍ علميّةٍ منطقيّةٍ بحتة، لا تنطبق على العديد من المجالات، بخاصّةٍ مجالَي العلاقات الإنسانيّة والروحانيّة. وهناك بالطبع جانبٌ سلبيٌّ لهذه العودة، يكمُن في اعتبار المسيحيّة الحديثةشرًّا، لأنها مرتبطةٌ بما تسبَّب به التوسّع والاستعمار الأوروبي من قبائح وحماقات، في آخر 300 أو 400 سنة.* إلاّ أنّ الأرثوذكسية ليست المسيحيّة الحديثة، بل هي مسيحيّة ما قبل الحداثة. وهي تعتبر أنّنا نحتاج إلى قريةٍلتنشئةِ إنسانٍ مسيحيّ، لا مجرّد قرية أشخاصٍ يعيشون في الزمان والمكان ذاتهما، إنّما قرية تضمّ جميع آبائنا وأمّهاتنا الذين سبقونا.

عندما نذهب إلى الله، نذهب مع الكلّ، لا بمفردنا. وهنا يفيدنا أن نطّلع على تصوير الملكوت في كتاب الرؤيا. الملكوت مكانٌ مكتظٌّ. في الملكوت، لست وحدي مع يسوع، بل هناك طغماتُ الملائكة والشهداء والشيوخ وبحرٌمن كلّ قبيلةٍ ولغة. أظنّ أنّ فهمنا لله، كنتيجةٍ للحداثة، بات ضيّقًا، فإننا لا نستطيع أن نتخيّل إلهًا يكون على علاقةٍ مباشرةٍ مع الشخص كجزءٍ من الكلّ. نخاف أن نضيع إن كنّا من ضمن الكلّ، عضوًا منهم، وبحاجةٍ إليهم. وأظنّ أنّنا نخاف أن نخسر شخصيّتنا إذا كنا جزءًا من الجماعة. إلاّ أنّ الأمر ليس كما نعتقده، فكما أنّ الله كائنٌ في ثلاثة أقانيم، كذلك خُلقنا نحن البشر ليكتمل شخصنا فقط عندما نكون واحدًا مع جسد الجماعة في المسيح. الله هو أبونا، ونحن أولاده. الله هو الزوج ونحن الزوجة. الله رأسنا ونحن جسده. إنّ علاقة الله بكلّ واحدٍ منّا حميمةٌ وشخصيّة، لكنها كذلك مع الإنسان الذي يعتمدُ على الكلّ ويرتبط عضويًا بهم. نحن متّصلين، بالله وبعضنا ببعض. تكتمل علاقتي مع الله عندما أكون جزءًا من الجماعة، لا جزءًا مستقلاً (كالبرغي في الآلة)، بل جزءًا عضويًّا (كالكِلية في الجسد)، حيث حياة كلّ عضوٍ تسري أيضًا في الأعضاء الأخرى.

ولذلك، دعوتُنا أحدهم بالأب أو بالمعلّم هي إقرارٌ بأنّ الأبَ والمعلّمَ الوحيد يأتي إلينا في رجالٍ ونساءٍ ومن خلالهم، هؤلاء هم آباؤنا وأمّهاتنا ومعلّمونا، يحملوننا إلى الأب والمعلّم الوحيد. كذلك، إنّ صلاتنا للقدّيسين ومعهم هي إقرارٌ بأننا لسنا وحدنا، وبأننا لا نستطيع أن نبقى بمفردنا ونكون في الله في الوقت عينه. إنّ الأمهات والآباء والمعلّمين الذين يعيشون في هذه الحياة الوقتيّة، يصلّون لي ويساعدونني ويرشدونني إلى المسيح، وهم يستمرّون بالصلاة لي وبمساعدتي وإرشادي إلى المسيح بعد أن يتركوا هذا العالم الساقط. الفرق الوحيد هو أنّهم يصيرون في الملكوت، لا ينهكهم الجسد أو تشتّتهم الأهواء أو يحدّهم نقصُهم. يكونون في المسيح بالكلّية، وحيثما يكون المسيح يوجدون، ومهما يفعل يفعلون فيه.

* الجدير بالذكر أنّ المسيحيّة (الحديثة) تسبّبت بكلّ قباحات هذه الحقبة وحماقاتها. والأهمّ من ذلك هو أنّ العديد من التطوّرات في حقول الطبّ وحقوق الإنسان والاهتمام بالمهمَّشين، والتي كانت من نتاج الفكر المسيحي وتحفيزه، يتمّ نزع جذورها المسيحيّة عندما يتم التكلّم حاليًّا عن أصولها.

السنة الثانية عشرة، العدد الخامس، شباط2016

السنة الثانية عشرة، العدد الخامس، شباط2016

فريق التراث اﻷرثوذكسي يتمنّى للجميع صوماً مبارَكا ويعتذر عن التأخير في إصدار هذا العدد

مختارات آبائية

حول الكتاب المقدّس

حول الصوم

عظة

الإنسان ويوم السّبت، اﻷرشمندريت توما بيطار

حياة روحية \ ثمار الروح

السّلام، من ثمار الروح القدس، كالينيكوس ميتروبوليت بيرياس

بعض الأفكار حول تدريب الإرادة، الأرشمندريت كبريانوس بيزوف

الحفاظ على الايمان المستقيم (مستقيمًا)، كلود لوبيزغينيستي

لاهوت

مرض النفس، الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

في الحقيقة: هل يوجد أكثر من واحدة؟ الشماس خرالمبوس جوينر

هل ما زال اﻵباء يلائمون هذه اﻷيام؟ الشيخ موسى اﻷثوسي