السنة الثانية عشرة، العدد الثامن، أيار2016

السنة الثانية عشرة، العدد الثامن، أيار2016

مختارات آبائية

عن الحركة المسكونية والدهرية، القديس نيقوﻻ فيليميروفيتش

عن الشيخ أفرام الكاتوناكي والمسكونية، د. ديمتريوس تسالانغيدس

عظة

دماء الشـّهداء بذار الكنيسة، اﻷرشمندريت توما بيطار

رعائيات

القرارات الصادرة عن المؤتمر اﻷرثوذكسي السابع والعشرين لمندوبي الكنائس حول الهرطقات واﻷديان الماورائية

لاهوت

حول حدود الكنيسة والمعمودية، اﻷب أنطوان ملكي

مسكونيات

ملاحظات حول الإعلان المشترك بين بطريرك روسيا والبابا، الأب جورج مكسيموف

حياة روحية \ ثمار الروح

العغة، من ثمار الروح القدس، كالينيكوس ميتروبوليت بيرياس

أبطال روحيون

القديسة إيميليا مثال لحياتنا، المتقدّم في الكهنة جورج بابافرنافاس

عن الحركة المسكونية والدهرية

عن الحركة المسكونية والدهرية

القديس نيقوﻻ فيليميروفيتش

نقلها إلى العربية اﻷب أنطوان ملكي

إن الدين المسيحي الذي ألهم أعظم الأمور التي امتلكتها أوروبا في كل نقطة من النشاط البشري، قد تدهور من خلال الشعارات الجديدة: الفردية، الليبرالية، المحافظة، القومية، الإمبريالية، والعلمانية، التي في جوهرها لا تعني شيئاً غير اجتثاث مسيحية (dechristianization) المجتمع الأوروبي، أو بعبارة أخرى، إفراغ الحضارة الأوروبية.

الليبرالية، المحافظة، الطقوسية، الحق، القومية، الإمبريالية، القانون، الديمقراطية، الاستبداد، الجمهورية، الاشتراكية، النقد العلمي، وأشياء أخرى مماثلة قد ملأت اللاهوت المسيحي، والخدمة المسيحية، ومنابر المسيحية وكأنّها الإنجيل المسيحي. في الحقيقة، الإنجيل المسيحي مختلف عن كل هذه الأفكار الدنيوية والأشكال الزمنية اختلاف السماء عن الأرض. هدف كلّ هذه الأفكار الدنيوية والأشكال الزمنية أرضي وجسدي، إنه محاولة متشنجة لتحويل التعاسة إلى السعادة من خلال تغيير المؤسسات. على الكنيسة ألاّ تبالي بهذه الأفكار بل أن تشير دائماً نحو فكرتها الرئيسية، والتي تتجسد في المسيح. هذه الفكرة الأساسية لم تعنِ يوماً تغيير الأشياء الخارجية، المؤسسات، بل التغيير الروحي. كل الأفكار المذكورة أعلاه هي مبادئ دهرية لعلاج شرّ العالم، دواء ضعيف للغاية لشفاء أوروبا المريضة، خارج الكنيسة وبدون الكنيسة.

ليست المسيحية متحفاً حيث يتم تعيين كل شيء من البداية، بل هي ورشة عمل لا يهدأ فيها هدير العمل.

في العالم المسيحي، الكنيسة الأرثوذكسية وحدها هي مَن يحمل الإنجيل على أنه الحقيقة المطلقة الوحيدة وهي لا تخضع لروح هذا العصرإن عندها فهماً مختلفاً لإنجيل المسيح فالغرب يفهمه كنظرية، أو إحدى النظريات، بينما الشرق يعتبره جهاداً نسكياً (podvig) وممارسة.

يُحكى عن أنّ كل طائفة تحتوي فقط جزءً من العقيدة المسيحية، أمّا الكنيسة الأرثوذكسية فوحدها تحتوي مجمل الايمان الحقيقي ووفرته الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ“(يهوذا 3). الرجاء بالمسيح يقوم على أساس الإيمان الحقيقي والكامل، لأنه مكتوب: الإيمان أولا، ثم الرجاء ومن ثم المحبة، وإلا فالبيت بلا أساس. وينطبق الشيء نفسه على الايمان بالآخرة الذي ورد في ذلك الإيمان من البداية. وبدون إيمان كهذا، من الصعب مقاربة المسيح بالحق، والمسيح هو الرجاء الكامل، ومثله المسيح الأخروي الذي سوف ينجز التاريخ البشري ويكون القاضي الأبدي. إن اتحاد جميع الكنائس لا يمكن أن يتحقق من خلال تنازلات متبادلة بل فقط عن طريق التزام الجميع بالإيمان الواحد الصحيح في مجمله، كما انتقل إلينا من الرسل وصاغته المجامع المسكونية. وبعبارة أخرى، يتحقق اتحاد الكنائس بعودة جميع المسيحيين في الكنيسة الواحدة غير القابلة للتجزئة التي ينتمي اليها أسلاف جميع المسيحيين في العالم كله خلال القرون العشرة الأولى بعد المسيح. إنه الكنيسة الأرثوذكسية المقدسة.

عن الشيخ أفرام الكاتوناكي والمسكونية

عن الشيخ أفرام الكاتوناكي والمسكونية

د. ديمتريوس تسالانغيدس

في ما يلي سوف أقول شيئاً من الشهادة الشخصية. أنا ارتبط منذ عقود بالأب افرام الكاتوناكي، المعروف بروحيته وضميره. من اﻷمور التي اشتهر بها أيضاً بأنه صاحب تلفزيون روحي“. بالنسبة لي، لطالما ذهبت إليه في مناسبات عديدة بهدف طرح أسئلة معينة محددة جداً، في تسلسل معين، وباستخدام مفرداتي الخاصة. عند زيارته، ومن دون أن أطرح أيّاً من أسئلتي المقصودة، كان يعطيني ردوده، بالتسلسل الذي كنت أريده مستعملاً مفرداتي التي أفهمها. أنا أورِد ذلك بمثابة تجربة شخصية، لا كظاهرة غير مسبوقة، إذ إن العديد من الآخرين أيضاً يشهدون لذلك.

في إحدى المرات قبل ثلاثين عاماً تقريباً، كنت في ذلك الوقت أستاذاً شاباً في كلية اللاهوت في تسالونيكي، ذكرتُ له ما يلي: إن جو الحركة المسكونية يزدهر في كليات اللاهوت، خصوصاً في تسالونيكي، ما سبب لي مشاكل مزعجة وأسئلة، إذ أرى ذلك عند أساتذة محترمين. وبطبيعة الحال، فإن ردة فعل كلٍ من ضميري وعلمي هي ضد هذا اﻷمر. لكني، أرغب بردّ روحاني أبعد من الدرجة العلمية التي لديّ. وهذا الرد الروحاني لطالما طلبته في كثير من القضايا الأخرى. لهذا، سألته أن يخبرني عن طبيعة الحركة المسكونية، كما يراها، فأجاب مباشرة ومن دجون أي صعوبة:

هذا السؤال يا بنيّ، طرحه شخص آخر من قبل بعض الوقت. أنا من جهتي كنت هنا على هذه الصخور لمدة أربعين عاما لقد نسيت حتى لغتي اليونانية (لاحظ أنه قد أكمل المرحلة المتوسطة) وعلى هذا النحو، وأنا لم أنشغل بهذه المسألة ولكن، لأنه كان علي الرد – إذ قد سئلت عن ذلك، ولم يكن لدي أي علم بالأمر ذهبت إلى قلايتي وصليت طالباً من المسيح أن يُعلِمني ما هي المسكونية. تلقيّن ردّه، وهو أن الحركة المسكونية فيها روح شر وتهيمن عليها الأرواح النجسة.

فسألته ما الذي يثبِت ذلك. والجواب كان أن القلاية امتلأت بعد الصلاة برائحة لا تُحتَمَل أشعرته بأنه يختنق ويعجز عن التنفّس روحياً. سألته عمّا إذا كان هذا الحدث غير عادي بالنسبة له أو إذا كانت هذه هي الطريقة التي بها يجيب المسيح عن الحالات المماثلة، فأكّد لي بأن كل المسائل المتعلّقة بالشعوذة والأرواح الخبيثة، ينوّرني المسيح بهذه الحالة. في بعض اﻷحيان يكون الجواب منطوقاً، لكن في هذه المسألة، هذا كان جوابه وأنا واثق بشكل مطلَق بأن الحركة المسكونية ليس فيها الروح القدس بل روح خبيث“.

يمكن للمرء أن يقول بأنّ ما أقوله في هذه اللحظة هو لغاية ما وله طابع الانطباع المتعمّد. ولكن أريد أن أذكر بأنني شعرتُ بسعادة غامرة، لأن ما قاله لي الشيخ شخصياً، قد يعتبره البعض تسجيلاً من حاشيةتُقوية لشخص سبق أن نشر كتاباً تذكارياً عن شخص الشيخ وروحانيته وكلماته. لذلك، ما قد تمّ التصديق عليه هناك تمّ التحقق منه من قِبَل لاهوتيين ثُقات صادف أن سمعوا هذا الكلام شخصياً.

لم أذكر هذا علنياً إلى الآن، لكن اﻷمور اتّخذت منحى ألزمني على ذلك. بالطبع هذه الحادثة لعبت دوراً مصيرياً في تكوين موقفي من الحركة المسكونية. كأستاذ وعالِم، أنا طبيعياً ملزَم بتفحّص كل المسائل على أساس المعايير العلمية وتقديم الدليل العلمي، وهذا ما أقوم به في تعليمي، خطوة خطوة. مع هذا، أنا أعتبر هذه الشهادة ذات أهمية ﻷنها صادرة بطريقة مواهبية عن رجل لم يكن يعرف شيئاً عن الموضوع، لم يقرأ ولا سمع عنه، ومع هذا شهد بخبرته الروحية. أظن أن اﻷشياء تحكي بنفسها هنا.

دماء الشـّهداء بذار الكنيسة

دماء الشـّهداء بذار الكنيسة

اﻷرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، في أوقات السّلم، لو سأَلَنا إنسان ما إذا كنّا مسيحيّين أو لا؛ فسهل علينا أن نجيب بأنّنا مسيحيّون. لكن، ماذا إذا كنّا في زمن اضطهاد؟! ماذا إذا كانت هناك حرب طائفيّة بين مسيحيّين وغير مسيحيّين؟! فماذا نفعل، إذا سُئلنا ما إذا كنّا مسيحيّين أو لا؟!

في الحالة الأولى، الجواب سهل، ولا يُكلّف الإنسان شيئًا. أمّا في الحالة الثّانية، فالجواب قد يكون مُكلِّفًا جدًّا. في الأحداث الّتي اندلعت بين العام ألف وتسعمئة وستّة وسبعين والعام ألف وتسعمئة وتسعين، قضى كثيرون عند الحواجز الّتي كان يُقيمها هذا الفريق أو ذاك. في ذلك الحين، كان عملاً بطوليًّا وشهاديًّا أن يُعلن الإنسان أنّه مسيحيّ، وهو يعلم أنّه قد يُقتَل إذا فعل ذلك. وكثيرون، في الحقيقة، قُتلوا، في ذلك الحين؛ لأنّهم أعلنوا، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، أنّهم مسيحيّون. هؤلاء هم الشـّهداء المجهولون، في كلّ زمان، في الحقيقة. في بلدة بحمدون، مثلاً، قُتل أكثر من ثلاثمئة شخص لأنّهم كانوا مسيحيّين، وهم ما كانوا يحاربون، بل كان بينهم أطفال وشيوخ، وكانوا كلّهم عُزَّلاً. بعضهم ذُبح، وبعضهم قُتل رميًا بالرّصاص. طبعًا، في بلد كلبنان، يسعى الإنسان، دائمًا، لطمس ما للذّاكرة؛ لأنّه يشعر بأنّه في حال تهديد متواتر. مسيحيًّا، لا يليق بنا أن ننسى شهداءنا. الشـّهداء، عندنا، هم الّذين قُتلوا، ولم يَقتلوا أحدًا، وما كانوا في سعيلقتل أحد، بل حملوا اسم يسوع، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. هؤلاء الّذين قُتلوا كان بإمكانهم أن يشهروا إسلامهم، مثلاً؛ وما كانوا، بعد ذلك، ليُقتَلوا! لكنّهم لم يفعلوا ذلك. قُتلوا لأنّهم محسوبون على الرّبّ يسوع المسيح. لا يحتاج الإنسان إلى تحضير كبير ليكون شهيدًا للمسيح. أحيانًا، الشـّهداء يُعدّون أنفسهم بالصّوم والصّلاة، يُعدّون أنفسهم بالاعتراف بخطاياهم، بالمناولة المقدّسة. وأحيانًا، تأتيهم ساعة الشـّهادة وهم لا يعلمون. في لحظة واحدة، يكون على الإنسان إمّا أن يعترف بيسوع، وإمّا أن ينكره. ومَن اعترف به، أُحصي في عداد الشـّهداء؛ ومَن أنكره، خسر؛ لأنّ السّيّد قال: “مَن ينكرني قدّام النّاس، أنكره أنا قدّام أبي الّذي في السّموات” (متّى10: 33)! في بلد كلبنان، السّياسيّون والعسكريّون لهم شهداؤهم. ليس على هؤلاء نتكلّم، إنّما على الشـّهداء الّذين لا يؤذون أحدًا، ويؤذيهم الآخرون. في الزّمن الأوّل، أي في الحقبة التّاريخيّة الّتي امتدّت، بصورة خاصّة، حتّى العام 312 للميلاد، والّتي دشـّنها الشـّهيد الأوّل القدّيس استفانوس الشـّمّاس؛ وختمها، في ما يبدو، القدّيس بطرس الإسكندريّ لذلك، الكنيسة القبطيّة تجعل تقويمها بدءًا من شهادة القدّيس بطرس أسقف الإسكندريّة شهادة الدّم، عند المسيحيّين، كانت طريقة الحياة المألوفة واليوميّة. المسيحيّون كانوا يُضطهَدون لأنّهم كانوا يُعتبَرون خارجين على القانون الرّومانيّ، في ذلك الحين. أوّلاً، كانوا يرفضون أن يقولوا عن أغسطس قيصر إنّه السّيّد. وهم كانوا يفعلون ذلك، أي كانوا يمتنعون عن تسمية قيصر بالسّيّد، لأنّ معلّمهم سبق أن أوصاهم بأن لا تدْعوا لكم سيّدًا على الأرض، لأنّ سيّدكم واحد في السّماء” (متّى23: 8). اليوم، نتبادل تسمية سيّدفيما بيننا بمعنًى مختلف عن المعنى الّذي كان سائدًا، في ذلك الحين. اليوم، بصورة تلقائية، نقول لفلان: “يا سيّد، ونقصد بالتّعبير الاحترام والإكرام؛ وأحيانًا، التّعظيم. في ذلك الحين، لفظة سيّدكانت لها نكهة عباديّة، نكهة إلهيّة. لهذا، كان المسيحيّون يعتبرون أنّ سيّدهم هو الله. والرّومانيّون، الّذين لم يعرفوا المسيح، كانوا يُطلقون على قيصر تسمية السّيّدلا فقط من باب الإكرام، بل أيضًا من باب العبادة؛ لأنّ قيصر، في ذلك الحين، بدءًا من أغسطس قيصر، بصورة خاصّة، كان يُعبَد، ويُعتبَر ابن الآلهة، وكان مطلوبًا أن يقدّم النّاسُ البخور والذّبائح للآلهة، في ذلك الحين، وأيضًا لقيصر. المسيحيّون رفضوا ذلك.

والمسيحيّون كانوا يُضطهَدون، أيضًا، لأسباب أخرى. كانوا يُضطهَدون، مثلاً، لأنّهم، في الحقبة الأولى حتّى نهاية القرن الثّاني للميلاد، كانوا يمتنعون عن الانخراط في الجيش الرّومانيّ؛ أو، على الأقلّ، كانوا لا يميلون إلى ذلك، على الإطلاق. الجيش، بالنّسبة إليهم، في ذلك الحين، كان معناه الخضوع لقيصر، وعبادته، وتقديم الذّبائح للآلهة. وكثيرون، في الحقيقة، قُتلوا لأنّهم رفضوا، كعسكر، حتّى العام 312 للميلاد، أن يقدّموا فروض العبادة للآلهة ولقيصر. على الرّغم من عدم وجود إنسان واحد مسيحيّ ارتكب جنحةً، في ذلك الحين، وعلى الرّغم من أنّهم كانوا، أخلاقيًّا، في مستوىً راقٍ جدًّا؛ فإنّ السّلطات الرّومانيّة كانت تضطهدهم.

أيضًا، كان المسيحيّون يُضطهَدون بسبب أنّهم كانوا يَدعون إلى العفّة والعذريّة، إلى عدم الزّواج. في ذلك الحين، لم تكن هناك راهبات، كما عندنا اليوم. لكن، كانت هناك عذارى. وكان، طبعًا، هناك ميل، وميل ليس بقليل، إلى اقتبال العذريّة. هذا كان شأنًا مشرِّفًا جدًّا، بين المسيحيّين، في ذلك الوقت. السّلطات الرّومانيّة كانت تأخذ عليهم أنّهم يهدّدون الأمبراطوريّة الرّومانيّة، الّتي تريد أن يتزوّج النّاس، وأن ينجبوا؛ لأنّ هذا يخدم المجتمع. هذا لم يكن موقفَ المسيحيّين. المسيحيّون، بصورة خاصّة في تلك الحقبة، كانوا يحيَون وكأنّ مرورهم بهذه الدّنيا عابر. قرأوا ما قاله الرّسول المصطفى بولس: “ليست لنا ههنا مدينة باقية، بل نطلب الآتية(عب13: 14)؛ وقرأوا أيضًا: “إن عشنا، فللرّبّ نعيش؛ وإن متنا، فللرّبّ نموت؛ فإن عشنا وإن متنا، فللرّبّ نحن” (رو14: 8)؛ وقرأوا أيضًا: “اطلبوا، أوّلاً، ملكوت السّموات وبرّه، وكلّ ما عدا ذلك يُزاد لكم” (متّى6: 33). إذًا، ذهنهم كان في الملكوت، لا بمعنى أنّهم كانوا ينتظرون الملكوت كما لو لم يأتِ، بل كانوا يحيَون في الملكوت، منذ الآن! إذًا، كانوا يسلكون في الحياة الأبديّة، منذ الآن. لهذا السّبب، الموت، بالنّسبة إليهم، في هذا السّياق، كان سببًا للفرح، وليس سببًا للحزن. الكنيسة كانت تربّي أبناءها وبناتها على الفرح بالشـّهادة. هذا كان المناخ الّذي عاش فيه المسيحيّون، والّذي بسببه اضطُهدوا.

إذًا، الاعتراف بالرّبّ يسوع المسيح لا فقط كان مُكلِّفًا، ومكلِّفًا جدًّا؛ إنّما، أيضًا، كان يتمّ في إطار سعي المسيحيّين لأن يُفرغوا أنفسهم بالكامل من كلّ رغبة شخصيّة، ومن كلّ تعلّق بهذا الدّهر؛ لكي يلتصقوا، بصورة كاملة وكلّيّة، بالرّبّ يسوع المسيح. ولأنّ قـِبلة أنظارهم كانت ملكوت السّموات، كانوا يطلبون الحياة الأبديّة، ولا يكتفون بالحياة الوقتيّة على الأرض. لذلك، عالمهم الدّاخليّ كان عالمًا مختلفًا عن العالم الّذي كان يحيا فيه غير المؤمنين، في زمن الرّومان. الحقيقة أنّ المسيحيّين كانوا يسعون، دائمًا، لكي يكونوا أنقياء، من جهة النّاس! لا يؤذون أحدًا، على الإطلاق! مثلاً، القدّيس كـِبْريانوس القرطاجيّ، الّذي استُشهد حوالَي العام 256 للميلاد، حاكموه بسبب تمسّكه بالرّبّ يسوع المسيح، ولفظوا في حقّه حكم الموت. فلمّا جيء بالجلاّد لكي يقطع رأسه، اهتمّ القدّيس كبريانوس بإعطاء الجلاّد أجرته كاملةً، خمسةً وعشرين دينارًا، وكان مسامحَه بالكامل! وبعد ذلك، مدّ رأسه، فقُطع! هكذا كان المسيحيّون يسلكون. لسان حالهم كان كما قال معلّمهم للآب السّماويّ: “اغفر لهم، يا أبتاه، لأنّهم لا يدرون ماذا يعملون” (لو23: 34)! ما كانوا يحملون ضغينة ضدّ أحد، لأنّ روح الرّبّ الّذي فيهم كان روح محبّة. إذًا، كان المسيحيّون يُقتَلون، ولا يدافعون عن أنفسهم. كان يُفترَض، عدديًّا، إحصائيًّا، بشريًّا، أن ينقرضوا! لكنّهم كانوا في ازدياد هائل. لذلك، سرى القول، في ذلك الحين: “دماء الشـّهداء بذار الكنيسة“. النّعمة الإلهيّة كانت تدفق دفقًا مع دفق دم الشـّهداء، وكانت تحرّك قلوب النّاس بشكل مدهش.

هكذا، بطريقة لا يألفها البشر، غزا المسيحُ العالمَ، الّذي ربحه بالوداعة، والحبّ، والبذل. وجاء قسطنطين الملك، وصار العالمُ القديمُ مسيحيًّا. وشيئًا فشيئًا، مع بداية القرن السّادس للميلاد، لم يبقَ هناك وثنيّون. أقول هذا لأؤكّد ما ورد في إنجيلنا، وعلى لسان آبائنا ومعلّمينا، أنّ المسيحيّة تستمرّ بهذه الرّوح. حين تخفت هذه الرّوح، فإنّ المسيحيّين يقعون في أزمة. هذا هو السّبب لكوننا خسرنا القسطنطينيّة، مثلاً؛ لأنّ المسيحيّين المتأخـّرين كفّوا عن السّلوك كما سلك المسيحيّون الأوائل. المفترَض أن يعود المسيحيّون إلى محبّتهم الأولى. واليوم، في العالم كلّه، لو سألـْنا: “لماذا تراجعت المسيحيّة في الكثير من البلدان، كما في أوروبّا، مثلاً؟، لَقلنا: لأنّ المسيحيّين، في الكثير من الأحيان، نسوا محبّتهم الأولى؛ وصاروا، نظيرَ غيرهم من النّاس، يفكّرون بالطّريقة نفسها الّتي يفكّر بها النّاس، في هذا الدّهر؛ ويحيون بالطّريقة نفسها الّتي يحيا بها النّاس، في هذا الدّهر. المسيحيّون يعانون خطرًا كبيرًا، اليوم، وهو أنّهم يَتَدَهْرَنون، أي يصيرون من أبناء هذا الدّهر. إذا لم نعد إلى محبّتنا الأولى، وإذا لم نعد إلى التصاقـِنا بالمسيح، واعترافـِنا به بالرّوح والحقّ، في كلّ يوم، وإذا كنّا لنحوّل الكنيسة إلى ساحة لدهريّات الإنسان؛ فإنّنا، لا شكّ، سوف نتراجع بصورة متنامية. أقول هذا، وأدعو نفسي وإيّاكم إلى العودة إلى الذّات من أجل استعادة الأمانة، حتّى يكون لنا أن نساهم في استرداد الملكوت بذواتنا، وبالشـّهادة للآخرين.

آمين.

عظة حول متّى10: 32- 36؛ 11: 1، السّبت 4 أيلول 2010

القرارات الصادرة عن المؤتمر اﻷرثوذكسي السابع والعشرين لمندوبي الكنائس حول الهرطقات واﻷديان الماورائية

 القرارات الصادرة عن المؤتمر اﻷرثوذكسي السابع والعشرين لمندوبي الكنائس حول الهرطقات واﻷديان الماورائية

نقلها إلى العربية اﻷب أنطوان ملكي

 1. أكّد المؤتمر أن هناك انتشار هائل للغيبيات في عصرنا. والغيبيات هو الإيمان بحقائق سحرية غامضة وكيانات وقوى يتم الوصول إليها من خلال تقنيات سرية. هذا نظام قديم ومتعدد الأشكال، ذو طابع بشري المركزية تماماً وذو دوافع شيطانية، دائماً. إنه يغرِّب البشرية عن غايتها الحقيقية التي هي التألّه بالنعمة، وبالمقابل يعطيها وهم تأليه الذات.

 2. الغيبيات المعاصرة تطرح نفسها في أشكال الشيطانية الجديدة (Neo-Satanism)، السحر المتنوع، الروحانية، التوسّط (Channelling)، الباطنية (Esotericism)، الكابالا، قراءة البخت (إستحضار الأرواح، قراءة القهوة، تفسير الأحلام، إلقاء التعاويذ (cledomancy)، بطاقات التارو)، التنجيم، الشامانية، علم الملائكة الزائفة، العلاج بالملائكة، الراييكي، الوثنية الجديدة، قراءة اﻷرقام (Arithmosophy)، اﻹيمان بالكائنات الغير محددة (UFOLOGY)، حركة دينوف (Deunov movement المعروفة بالأخوية العالمية البيضاء) والعديد من أشكال الشعوذة الأخرى، وجميعها تنتمي إلى تيار العصر الجديد(New Age).

3. إن وجود وهوية وتقنيات الأشكال الأساسية للغيبيات هي بالفعل موصوفة في الكتاب المقدس. ففي الكتاب، يمكن للمرء أن يميّز بوضوح بين المواهب المقدسة الروحية الحقيقية للكنيسة وتلك الشيطانية الزائفة، التي تظهر واضحة في الشعوذة عبر الزمن. لقد أتى يسوع المسيح إلى العالم لتدمير ميدان الشيطان وأعماله. ما يتنبأ به الكتاب المقدس هو الحدث الأخروي المملوء رجاءً بخلاص البشرية فضلاً عن القضاء على جميع قوى الظلام.

4. إن شبابنا هم الأكثر عرضة لآثار الغيبيات. إن الأسباب الرئيسية التي تجعل شبابنا يتأثر بأشكال الغيبيات المختلفة هي: خصائص الفئات العمرية الأصغر سناً، خصوصاً سن البلوغ؛ النقص بالتعليم المسيحي الأرثوذكسي؛ عدم كفاية الأسرة والأزمة الواضحة داخلها؛ أهداف التربية الخاطئة وتغييب المسيحية عنها؛ غياب المعنى من حياة الشباب وسعيهم إلى إيجاده في أمور خطرة روحياً؛ غسل الدماغ المنهجي عن طريق المطبوعات، والألعاب ووسائل الإعلام الإلكترونية (التلفزيون، الإنترنت مثلاً)، فضلا عن الاعتماد المثير للقلق على هذه الوسائل. إن ظاهرة هاري بوترهي حالة مميزة من اختراق الغيبيات والشعوذة لفئات الأطفال والمراهقين.

5. انشغل المؤتمر بدأب بالأشكال الأكثر خطورة من الغيبيات المعاصرة. فالنموذج المنتشر على نطاق واسع هو علم التنجيم، الذي يسعى إلى إظهار ذاته على أنه علم وعنده سحر ملحوظ على الإنسان المعاصر الدهري. إنه يعزل اﻹنسان عن تدبير الله، ويقيّده إلى تصورات قَدَرية بتوقعاته خاطئة، وبالتالي يحتجزه أسيراً إلى قوى في النجومخداعية، هي في الواقع شيطانية. إن علم الفلك الحديث قد فصل بوضوح موقفه من علم التنجيم وأعلن أنه علم زائف.

6. الوثنية الحديثة هي واحدة من القنوات الأكثر قوة بين غيبيات العصر الجديد، وهي تُسقِط وتؤسس معتقداتها على العودة المفترضة لمجد العصور القديمة ما قبل المسيحية. ومع ذلك، هذه المعتقدات ليست سوى القليل من الأشكال الدينية الحديثة لغيبيّات العصر الجديد، والتي تم تشييدها بعناصر من الوثنية القديمة.

7. علم الملائكة الزائف المعاصر لا علاقة له على الاطلاق بتعليم الكنسية عن الملائكة. سواء في ما يتعلق بالمتطلبات الأساسية، أو بما يتعلق بالمضمون، فمحتواها، بشكل واضح، هو ضد المسيح وتوفيقي وغيبيّ. إنه مزيج من عناصر إكسومسيحية [1]، مسيحية، باطنية، يهودية وإسلامية، والتي، في عدة مجالات، تذكّر بقوة بالخصائص الغنوصية القديمة، والتي تحمل بوضوح ختم العصر الجديد.

8. أحد اﻷشكال المميزة للغيبيات هو ما يسمّى التوسط (channeling)”وهو بشكل واضح من ممارسات العصر الجديد. وبحسب تعابير ممثلي التوسّط، يتحوّل الشخص المتورّط إلى وسيط (channeler)، ويصبح منسجماً مع الطاقةبالأرواح، بحيث يصير قادراً على نقل رسائل وتعليمات من كائنات مضيئة “(ملائكة ومعلمين وكائنات من خارج الأرض، وما شابه ذلك). الطريقة التي تًمارَس فيها هذه التقنية تجعلنا على يقين من أنها أسلوب غيبيّ خطير يفتحقنوات التواصل مع الأرواح النجسة. وعلاوة على ذلك، في التقليد الأرثوذكسي لا يوجد مثل هذه التقنياتللتواصل مع الثالوث القدوس وملائكته وقديسيه.

9. بالنسبة للكنيسة الأرثوذكسية، الحقائق والقوى الغيبية في جميع أشكالها هي شيطانية بشكل واضح، وكذلك أساليبها.

لا يمكن التنبؤ بالنتائج المترتبة على الانشغال الغيبيات، فهي قاسية للغاية بالنسبة لصحة النفس كما لصحة الروح عند المتورطين، باﻹضافة إلى صحتهم البدنية، خاصةً أن في السنوات الأخيرة يتم استخدام الغيبيات في طرق علاجيةمن ما يسمى ب علاجات الطاقة البديلة، كما أن هناك سعي لاختراق قطاعات الطبّ التقليدي والصحة النفسية. ونتيجة لذلك، فمَن يورّط نفسه بأي شكل من الأشكال في الغيبيات، سواء القوى أو التقنيات، يستأصل نفسه طوعياً من جسد الكنيسة ويخضِع ذاته للقوى الشيطانية.

10. من المؤسف أن ظواهر مماثلة تُواجَه عند الأشخاص المعزولين والجماعات التي تنشط في فضاء الأرثوذكسية، ومنها مثلاً ما يسمى بالمرأة المستنيرةو الرؤاة“. ويمكن أيضاً إيجادهم بين صفوف منشقي التقويم القديم الذين ينشطون في كل من اليونان وغيرها من البلدان، مع الممارسات التي تحيد بشكل خطير من التقليد الأرثوذكسي.

وبالنظر إلى ما ورد أعلاه، فإن اليقظة والوعي بكل الوسائل المتاحة للكنيسة ينبغي أن تقدَّم لجماهير المؤمنين، لأن محاولة منسقة لتزييف الضمير الأرثوذكسي جارية على قدم وساق. إلى جانب ذلك، كما سبق أن ذكرنا، الغيبيات والبدع التي تظهر حديثا لا تهدف إلى جذب المؤمنين من الكنيسة، بل إبقائهم داخلها، إنّما بضمير أرثوذكسي مشوه.

وقد وافق المجتمعون بالإجماع على القرارات المذكورة أعلاه، وبموجب هذا خوّل الرئيس التوقيع نيابة عنهم:

الميتروبوليت بولس أسقف غليفاذا، الينيكون، فوﻻ، فولياغماني وفاري

مندوبو الكنائس اﻷرثوذكسية المكلّفون:

البطريركية المسكونية: الميتروبوليت دمسكينوس، مطران كيدونيا وأبوكرونوس

بطريركية اﻹسكندية: الميتروبوليت عمانوئيل، مطران بتوليماييس

بطريركية أورشليم: المطران ديمتريوس ، مطران لدّة

بطريركية روسيا: الأرشمندريت ثيوفان لوكيانوف

بطريركية صربيا: اﻷرشمندريت أفسابيوس ماياندزيا

بطريركية رومانيا: اﻷستاذ كبريانوس ستراتزا

بطريركية بلغاريا: الميتروبوليت سيرافيم، مطران نافروكوبيون

كنيسة قبرص: المتقدم في الكهنة ديمتريوس كوتسوبولوس

كنيسة اليونان: المتقدم في الكهنة كيرياكوس تسوروس

كنيسة بولندا: المتقدم في الكهنة أندرياس لافشاك

مضيف الاجتماع: الميتروبوليت ديونيسيوس، مطران كورنثوس

رئيس اﻻجتماع: الميتروبوليت بولس أسقف غليفاذا، الينيكون، فوﻻ، فولياغماني وفاري

[1] اﻹكسو هو خليط من عدة معتقدات يجمعها الإيمان بوجود كائنات خارج العالم، وبأن كل ما هو جميل ومميز، ومنه الكتابات المقدسة، هو بإيحاء خلال زيارات لكائنات من خارج اﻷرض أو برسائل منها. اﻹكسو مسيحيون هم مسيحيون (؟)، بغالبيتهم من الكاثوليك، المتأثرين بهذه اﻷفكار والتي يمزجونها مع المسيحية ما يوصلهم إلى استنتاجات غريبة (المترجم).

حول حدود الكنيسة والمعمودية

حول حدود الكنيسة والمعمودية

اﻷب أنطوان ملكي

ليست مسألة حدود الكنيسة، أي مَن فيها ومَن خارجها وسبل تحدد ذلك، مسألة طارئة على اللاهوت الأرثوذكسي. فالكنيسة عرفت هذا النوع من النقاش منذ بداياتها، حتّى يمكننا أن نضع الخلافبين الرسولين بولس ويعقوب ضمن هذا الإطار. العديد من الدراسات اللاهوتية تتطرّق إلى مقارنة إكليسيولوجيا القديس كبريانوس القرطاجي والرسالة الأولى للقديس باسيليوس، مضافاً إليها قرارات المجامع المسكونية وتحديداً منها مجمع ترولو. والواقع أن كل هذا الأدب اللاهوتي حول ماهية الكنيسة وحدودها كان يجد تفسيره في كيفية قبول الناس في الكنيسة، وخاصةً الذين سقطوا في الهرطقة. فأوغسطين، استناداً إلى القديس كبريانوس، تكلّم عن قبول أسرار الهراطقة وبالتالي هم يُقبَلون في الكنيسة بعد التوبة والمسح بالميرون. أما القديس باسيليوس فحكى عن المعمودية خاصةً لمَن لم يكن أصلاً معمّداً في الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة. الموضوع عاد إلى التداول مع القديس نيقوديموس الأثوسي، حيث أن العادة في العالم اليوناني كانت بأن يُقبَل الغربيون تدبيرياً بالميرون، فيما في العالم السلافي كانت الدقّة تقتضي التعميد.

في القرن العشرين، ومع نشوء الحركة المسكونية، عاد هذا النقاش إلى اﻷوساط اﻷرثوذكسية. من أهم ما كُتِب في هذا اﻹطار مقالة اﻷب جورج فلوروفسكي حدود الكنيسةوفيها يتناول كل النقاش اللاهوتي السابق ذكره أعلاه، ويتبنّى إلى حد ما موقف أوغسطين بأن اﻷسرار عند غير الأرثوذكس غير فاعلة ولكنها صحيحة، كما يخالف خومياكوف الروسي الذي كان يتبنّى الموقف الصارم من غير اﻷرثوذكس والذي يظهر جلياً في مقاربته لقبولهم في الكنيسة عن طريق التعميد الكامل. ينهي فلوروفسكي مقالته بقول للقديس غريغوريوس النزينزي يدافع فيه عن التدبير: “ليس هدفنا الغلبة بل عودة إخوتنا الذين يمزقنا بعدهم عنّا“.

المغزى من كل العرض السابق إبانة أنّ المعمودية هي المدخل الفعلي للانتماء إلى الكنيسة وتجسيده. من دونها لا عبور إلى داخل الكنيسة، وهذا هو موقف الكنيسة عبر العصور. والمعمودية هي بالماء والروح، على ما ذكر السيد بنفسه. الحديث عن المعمودية الروحية حديث العهد ومتزامن مع نشوء الحركات المواهبية (الكاريزماتيك) وتناغمها مع تيار العصر الجديد (New Age).

فالكنيسة اﻷرثوذكسية كما يصفها الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس هي جسد المسيح والمسيح رأسها وأعضاء الكنيسة هم أعضاء في جسد المسيح. أعضاء الكنيسة موجودون في كل الأزمنة وسوف يكونون إلى منتهى الدهر. وعندما لا يعود أعضاء الكنيسة موجودين تأتي نهاية العالم. إذاً نحن نعيش مع شعوب كثيرة. شعب الله يظهر الشركة الحقيقية. كما قلنا في البداية، على ختم القربان في الليتورجيا أناس كثيرون: السيدة، الملائكة، الأنبياء، الآباء القديسون، الشهداء العظام، وبالإجمال شهود الإيمان، القديسون والنساك، الأحياء والأموات الذين عندهم حصة في قوة الله المطهرة، المنيرة، المؤلهة وغير المخلوقة. نحن لسنا وحيدين. نحن لسنا غرباء ونزلاء بل رعية مع القديسين وأهل البيت” (أفسس 19:2).” [الفكر الكنسي الأرثوذكسي] هذا معناه أن لا أعضاء للكنيسة خارجها. وكما يؤكّد القديس باسيليوس وسحابة القديسين من بعده: خارج الكنيسة لا يوجد إلا الهرطقات. وعلى المنوال نفسه، لا يوجد أسرار خارج الكنيسة كما أنه لا يوجد حواس خارج الجسد“.

في 21 أيار 2016، خالف المطران جورج خضر كل كلام التقليد في مقالته اﻷسبوعية في جريدة النهار، كما تخطّى اللاهوت التعميدي أيضاً. فقد أورد:لا شيء من حق أو جمال خارج المسيح ولو اختلفت التسميات. إذاً ليس المسيح محصوراً بحدود ما يسمى الكنيسة وليس هو ملكًا للمسيحيين. الناس جمعيًا له بمعمودية أو بلا معمودية. روحه يعمِّد مَن يشاء وينصّر (الصاد مشدودة) من يشاء ومن هذا المنظار ليس للكنيسة حدود. ليست محصورة بالمعمدين. هي حيث كان الحب وحيث كان العطاء. والكنيسة المنظورة صورة عن كنيسة أوسع هي في العالم وفوق العالم.”

هذا كلام العصر الجديد وليس كلام الكنيسة. هذا الاندفاع إلى الاندماج مع اﻵخرلا يكون إلا في المسيح عندما يكون اﻵخر في المسيح أو له. قبل ذلك نسعى إلى أن نبشّره بالمسيح وإن رفض نعرض عنه“. الوحدة اﻹنسانية تختلف عن الوحدة اﻹيمانية، بالرغم من أن العصر الجديد يحاول الدمج بينهما. ليست الكنيسة بلا حدود ومشاكل المجتمع لا تفرض عليها تغيير حدودها. أيضاً كما يعبّر الميتروبوليت فلاخوس في الكنيسة تُحل كل المشاكل. نحن لا نتكلم هنا عن مسيحية مجردة نربطها بأيديولوجبا، ولكن عن كنيسة هي شركة بين الله والإنسان، الملائكة والإنسان، الأرضي والسماوي، الإنسان والعالم. الكنيسة هي لقاء السماء بالأرض. السلام، العدالة وغيرها ليست مجرد مصطلحات اجتماعية، بل هي مواهب تُعطى في الكنيسة. السلام كما العدالة وكل الفضائل الأخرى كالمحبة وغيرها، هي خبرات للكنيسة. في الكنيسة نختبر السلام الحقيقي، والعدالة والمحبة التي هي قوى أساسية لله.” [الفكر الكنسي الأرثوذكسي]

يختم المطران خضر مقالته بالعبارة التالية: “الذين أطاعوا المسيح وليسوا على دينه يكونون معمَّدين بالروح. لا تكرهوا أحداً من غير المسيحيين إذ قد يكون معمدًا بالروح.” جملة أسئلة يطرحها هذا الكلام: ما معنى أطاعوا المسيح؟ كيف نفهم قول السيد في مرقس 16:16: “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ”؟ وقد قال السيد هذا الكلام مباشرة بعد وصيته اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا”. الاستنتاج الثاني من كلام المطران هو أن خارج الكنيسة (وحتّى خارج كل الجماعات المسيحية) يوجد سر المعمودية وهو يكون بالروح. لم يقل الرب أن التبشير كراهية بل محبة ولم يقل اتركوا الناس في ما هم عليه، ولم يقل أن المعمودية أمر يتمّ خارج الكنيسة. لم يحكِ السيد عن معمودية بالروح فقط، ولا اﻵباء من بعده. تعليم الكنيسة هو أن معمودية الماء بالتزامن مع معمودية الروح، تعمل في الكنيسة وتجعل المعتمد عضواً في جسد المسيح.

المعمودية بالروح فقط حكى عنها الكاريزماتيك، والعصر الجديد حكى، والمطران جورج خضر أيضاً حكى. هل كلام المطران جورج كلام كاريزماتيك؟ هل كلامه كلام العصر الجديد؟ مَن يحكم؟ مَن يصحح؟ مَن يفسّر؟ المجمع؟ الرهبان؟ اللاهوتيون؟ أين هم جميعاً؟ يَا رَبُّ، لِمَاذَا تَقِفُ بَعِيدًا؟ لِمَاذَا تَخْتَفِي فِي زَمانِ الضِّيقِ؟” (مزمور 1:10).

ملاحظات حول الإعلان المشترك بين بطريرك روسيا والبابا

ملاحظات حول الإعلان المشترك بين بطريرك روسيا والبابا

الأب جورج مكسيموف

نقلتها إلى العربية جولي عطية

التقى غبطة البطريرك كيريل بالبابا فرنسيس في مطار هافانا بكوبا، نهار السبت في الثالث عشر من شباط 2016، وهو أوّل لقاء بين بطريرك روسي وبابا كاثوليكي عبر التاريخ. في الاجتماع الذي طال انتظاره، ناقش الاثنان عددًا من المسائل التي تواجه المسيحيين اليوم في العالم، والدور الذي يجب أن تؤديه كنائسهم في هذا المضمار. الإعلان المشترك الذي وُقّع من قبل الطرفين يلقي الضوء على مواضيع مهمّة، مثل ممارسة الاضطهاد والتمييز ضدّ المسيحيين في جميع أنحاء العالم، الفقر، احترام الحياة والأسرة، الوضع الكنسي في أوكرانيا، وغيرها من المواضيع. وقد ركّزت الوثيقة على وحدة المسيحيين، فأثارت جدلاً في أوساط الجانبين، وسبق وعلّق البعض عليها. من بين هؤلاء الأب جورج مكسيموف، وهو كاهنٌ مبشّر حيوي لا يكِلّ، خدمَ في العديد من البعثات في جميع أنحاء العالم. وقد كتب على صفحته على فايسبوك تقييمًا متوازنًا حول الوثيقة، مشيرًا إلى نقاط قوتها وضعفها:

في البداية، أودّ أن أتوجّه لمَن يندبون لمجرّد حدوث هذا اللقاء قائلين: “ضاع كل شيء، ضاع كلّ شيء، وأذكّرهم بأنه لم يَضِع شيءٌ. إنّ القوانين الكنسيّة تمنعنا من الاشتراك في الخدمة مع الهراطقة، والصلاة معهم، وطلب بركتهم، لكنّها لا تحرّم الاجتماع بهم. إذًا لم يتحوّل البطريرك إلى كاثوليكيّ عبر هذا اللقاء.

حول اللقاء

لم يكن بطريركنا مرسَلاً إلى هذا اللقاء من قبل المجمع أو مجلس البطاركة (على حدّ علمي)، إنما كان لقاؤه شخصيًّا. ومن الجيّد أنّ اللقاء لم يتخلّله أيّ نوعٍ من الخدم الليتورجية أو الصلوات المشتركة. يَظهر لنا أنّ البابا استقبل البطريرك كشخصٍ مساوٍ له، إذ لا نرى في الصوَر أنّ البطريرك رضيَ بأيّ خضوعٍ لمنصب البابا.

حول الوثيقة

يمكننا الموافقة على الكثير من الكلام الوارد في الوثيقة، مثل الدفاع عن المضطهدين والمعذّبين في الشرق الأوسط (8-10)، انتقاد الإسلام (13)، رفض التمييز ضدّ المسيحيين في الغرب (15)، دعوة البلدان الغنية إلى مساعدة الفقراء (17)، إدانة المثلية الجنسية (20) والإجهاض (21)، وضرورة حلّ مسألة الانقسام الأوكراني استنادًا إلى القوانين الكنسية” (27).

إلاّ أنه يوجد أيضًا في هذه الوثيقة تعابير مفروغ منها وخاطئة أحيانًا.

مثلاً: “نأمل أن يساهم لقاؤنا بإعادة هذه الوحدة التي يريدها الله، والتي صلّى من أجلها المسيح… (و) أن يُلهم المسيحيين في جميع أنحاء العالم الصلاة إلى اللهمن أجل الوحدة التامة بين أتباعه” (9). إنّ الوحدة تمّت بكمالها في كنيسة المسيح، لذلك نعترف في الدستور بالإيمان بـكنيسةٍ واحدة“. خرجتْ جماعاتٌ هرطوقيةٌ ومنشقةٌ من هذه الوحدة مع الكنيسة. ولا يمكن أن يسمّى أعضاء هذه الجماعات بأتباع المسيح، فهُم أتباع مَن يعلّمون تعاليمًا معاكسةً عن المسيح، ومَن أخرجوهم من وحدة الكنيسة.

ننحني أمام شهادةِ مَن قدّموا، على حساب حياتهم، شهادةً على حقيقة الإنجيل، مفضّلين الموت على إنكار المسيح. نؤمن أنّ هؤلاء الشهداء المعاصرين، الذين ينتمون إلى كنائس مختلفة لكن يتوحّدون في معاناتهم المشتركة، هم عهد وحدة المسيحيين” (12). يمكن لهؤلاء أن يكونوا عهدًا لوحدة المسيحيين فقط عندما نعلن أنّ الاختلافات العقائدية في إيمان كنائسهم عرضيّة. في الواقع، وحدها الوحدة في الحقّ يمكن أن تكون عهدًا لوحدة المسيحيّين، ولا تتحقّق هذه الوحدة عبر طمس الفروقات العقائدية، بل بالتحقيق فيها ورفض ما هو زائف في سبيل ما هو صحيح.

ما يثير الاهتمام هو التصريح بأنّ عمل البعثات لا يتضمّن أيّ شكلٍ من التبشير” (24). ليس واضحًا معنى ذلك. فمثلاً عندما يتمّ التبشير ضمن عمل البعثات باستعمالِ وسائل غير مناسبة (الإكراه، الرشوة، الخداع)، يمكننا الموافقة على التصريح أعلاه. إلاّ أنّنا قد نفهم من هذه الوثيقة، وبخاصّة من عبارة أيّ شكل، بأنه ممنوعٌ بشكلٍ عام إرشاد الكاثوليك إلى الأرثوذكسية، ما هو أمرٌ سخيفٌ بطبيعته. وتتكرّر المسألة في المقطع التالي: “أسلوب الوحدةالذي اتُّبع في القرون الماضية، بما يتضمّن من توحيدٍ لجماعةٍ مع أخرى عبر فصلها من كنيستها، ليس الأسلوب المناسب لإعادة الوحدة” (25). لكن إذا تمكنّا من إرشاد جماعةٍ من الكنيسة الكاثوليكية إلى الأرثوذكسية، ستستعيد هذه الجماعة الوحدة مع كنيسة المسيح، وإذا لم يتمّ ذلك، ستبقى هذه الجماعة في حالة انشقاقٍ عن الكنيسة.

إذًا، يعتمد مستقبل الإنسانية، إلى حدّ بعيد، على قدرتنا في هذه المرحلة الصعبة على الالتزام بروح الحق” (28). لكي نستطيع الالتزام بروح الحقّ، نحن والكنيسة الكاثوليكية، من الضروري أن تعترف هذه الكنيسة بالحقّ وتتخلّى عن عقائدها الخاطئة.

العفة، من ثمار الروح

العفة، من ثمار الروح

نقلتها إلى العربية ماريا قبارة

ماهي العفة؟

أمّا ثمر الروح فهو ….تعفف“.

إنّ العفة هي ثمرة الروح القدس الأخيرة، والتي تأتي كسقف للفضائل الأخرى. العفة بتعريفها البسيط هي الاستطاعة في ضبط كلّ شيء. الضبط في الطعام والشراب، في اللباس والنوم، في الضحك والسرور، وأخيراً ضبط الجسد على كلّ الدوافع غير المنتظمة.

العفة هي قهر الروح للجسد وتغلبها عليه. هي سيطرة الروح على المادة، وسيطرة الإرادة ضدّ الأهواء. هي السيطرة على ضعفاتنا وأذواقنا وحاجاتنا ورغباتنا الشرعية وغير الشرعية. فالعفة هي سيطرة الإرادة الصالحة على الإرادة الخاطئة. العفة هي تلك القدرة الرائعة التي تعطينا قوة استجماع الذات الداخلية في حدود المنطق والشرعية، وتجعلنا قادرين أن نحفظها من التطرف والمغالات والانهيارات غير المتوقعة.

العفة كثمرة الروح القدس، هي عفة على كلّ ما هو قذر“. بمعنى آخر ليس فقط عن كلّ ما ينتج عن الطعام، بل على كلّ شيء شرير“. فالعفة ثمرة طاهرة لتجديد روحنا الداخلية، وهي سقف كلّ الفضائل. فمن دونها لا قيمة لباقي الفضائل، ولن نستطيع أن تنمو وتثمر.

ما القول: عن إنسان لديه قدرٌ من المحبة، وفي الوقت نفسه هو مدمن للخمر؟ أو إنسان وديع وعنده طول أناة وقدرة احتمال، ولديه رغبة في فعل الخير والإحسان لكنّه عبدٌ للجسد ورغباته الخاطئة؟ فهل يوصف هؤلاء الناس من آخرين بأنهم للروح القدس؟ بالطبع لا. لأنهم لا يستطيعون أن يثمروا بفضيلة كاملة من دون قدرة السيطرة على الذات. لهذا تأتي العفة كفضيلة مكملة وجامعة وشاملة للكل، والتي من دونها وإن تواجدت الفضائل الأخرى تفقد قيمتها. فمن يُحرم من هذه الفضيلة الأساسية لا يستطيع امتلاك أخرى بالكلية، ولا يمكن أن يسكن الروح القدس في نفس تحيا تحت عبودية الجسد.

العفة في الطعام

نحتاج إلى عفة في الطعام تأتي تدريجياً. فالطعام له هدف وهو تغذية الجسد، زرع فينا الله غريزة الجوع لكي تعمل بنا بشكل أفضل، كما أنّه أعطانا لذّة التذوق لنأكل ونشكر بفرح في طعامنا. فهدف الطعام ليس التذوق وإنما تقوية وتغذية الجسد والمحافظة على صحته. إنّ لذة التذوق هي وسيلة تحريض للأكل. من سيأكل، إن غابت هذه الحاسة؟ اللذة في الطعام لذةٌ بريئة وهبها الخالق لأحبائه، وملأ حياتنا بلذّات وتنعمات كثيرة وهذا ما يجعل حياتنا مليئة فرحاً وبهجة، وهو بذلك يحرك فينا اهتماماً لنشتاق لتذوق حلاوات السماء التي تنتظرنا في الدهر الآتي.

إذا أكلنا بانتظام فإننا سنفرح في طعامنا شاكرين. وعلينا أن نطبق العفة في الطعام، ونأخذ ما يحتاجه جسمنا للعيش نأكل لنعيش، أم نعيش لنأكل، وإذا عكسنا شروط الأكل سيكون لدينا مشكلة فيزيولوجية أساسها الطعام، بحيث لا نفكر إلا فه ونسقط في خطيئة الشراهة التي هي غياب العفة في الطعام.

هناك مثل هؤلاء الناس كثيراً في المجتمعات. يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل فيليبي الذين نهايتهم الهلاك الذين إلههم بطنهم…”(فيليبي19:3). ويقول في رسالته إلى أهل رومية لأن مثل هؤلاء لا يخدمون ربنا يسوع المسيح بل بطونهم“(روم18:16). من إلهه الطعام فهو يفتكر به ويعبده ليلاً ونهاراً . ويطلق عليه الجميع لقب الشَرِهونو عابدي بطونهم“.

يصوّر القدّيس يوحنا الذهبي الفم من يهتمّ بطعامه وبطنه دوماً بشكل دقيق لا نظير له فيقول: ” تشرق الشمس وتبسط أشعتها البرّاقة في كلّ مكان، ويخرج كلّ واحد إلى عمله. فالمزارع إلى محراثه، والنحاس إلى مطرقته، والمرأة إلى نسيجها وحياكة الثياب. أمّا ذاك المتعبد لبطنه فيشبه الخنزير حالما يطلع النهار يبحث عن شيء لاجتراره ليعيل به بدنه، ويطلب ليجد مائدة غنية ليعّدها لنفسه“(Migne 60, 255 ).

عزيزي القارئ، بالتأكيد تجد كثير من هؤلاء الناس حولك، فهم يتواجدون أيضاً في الطبقات المثقفة. همهم الرئيس هو الطعام، هو محور نقاشاتهم وبلسم قلوبهم. وعندما يجلسون إلى المائدة يأخذون بالتهام الطعام دون أدنى أدب في الطعام، يأكلون بأيديهم لكي يلحقوا أن يكلوا أكثر فأكثر، يفرغون الصحن تلو الآخر ولا يشبعون. وما أن ينهون طعامهم حتى تبدأ الاضطرابات المعوية من جراء عبء الطعام في البطن؛ فهم عابدي البطون. وهكذا نمط من الناس يثيرون ردات فعل نفسية لمن يراهم، فالناس الشرهين يدينهم الكلّ ولا يكنّون لهم أيّ اعتبار أو كرامة حتى من من شغل مناصب رفيعة، ويسقطون من عيون الرأي العام. والشعب عادةً يطلق عليهم ألقاباً مزخرفة ويكنّون لهم أسماء مزركشة ليميزونهم . يذكر القدّيس نيقوذيموس الآثوسي في كتابه نصائح في كتابأمثلة عديدة من التاريخ عن أناس كانوا عبيداً للشراهة (….ص201)

الاستعباد لشهوة اللذة التي لا تعود فقط إلى النهم والشراهة، وإنما إلى كلّ ما هو يعود إلى عدم القدرة على ضبط الذات. (ص202).

تتكبّد النفس إساءات كثيرة في تحديقها في الطعام، ويكون سهلاً لسقوط الإنسان في تجارب كثيرة يستغلها الشيطان يقول الآباء الشيوخ: “إذا لم تخرج الاستمتاع بالشهوة من النفس، فذهننا سينسحق في حربه مع الشيطان” (ص63).

الأمر الأسوأ هو عدم ضبط النفس في الطعام والذي يقودنا حتماً إلى الشهوات واللذات الخاطئة. يقول القدّيس سمعان المترجم أنّ الشراهة والنهم في الطعام هما مصدر وجذر الخطيئة الجسديّة. فمن السهل ضبط النفس والجسد إن كان المرء عفيفاً في طعامه وضابطاً لذاته، فبهذا يتجنّب الخطايا المتوَّحِلة. لأنّه حيث لا جذر، لا يكون هناك فرع أو غصن. وحيث لا يوجد نبع، لا ينحدر نهر. وهكذا عندما يبطل وجود الشراهة سيتوقف الخطر الذي يهدّدنا من السقوط في الخطايا الجسديّة. ” ابتعد عن الشراهة؛ فهي أمّ وجذر ونبع كلّ فجور. الشراهة صنبور الفسق النتن، والعهر العفن. اعتقل واهرب من الشراهة حتى لا تكون جذراً وجوهراً للنتانة، فمن دونها لن ينحدر أيّ نهر أو نبع غير معروف المنشأ. بطل الفجور ببطلان الشراهة (سمعان المترجمص92).

إنّ الشراهة أهلكت كثيرين كما يقول الكاتب الكنسي نفسه موضحاً بأنّ الشراهة والنهم هما صنبور يجري منه الوحل والطين، وهما نهر يجري بالأهواء والخطايا الموحلة، وهما رأس كلّ فجور، وولادة كلّ الشرور“. (سمعان المترجمص99).

يشبّه القدّيس باسيليوس الكبير وفرة الطعام وغناه بالدخان الكثيف المتبخر بالرائحة الكريهة، وكمثل سحبٍ داكنة تواري في طياتها إشراقات الروح القدس. (مقال للقدّيس باسيليوس الكبير حول الصوم).

وكما أشرنا سابقاً، لا يمكن زرع الصالحات بغياب الروح القدس عن النفس، بل تنبت الأشواك والطفيليات. فالشراهة وكثرة الطعام تقتل الجسد كما أنّه تقتل النفس. يقول إيباكراتوس: ” البدين يموت أسرع من النحيف“. بمعنى آخر، البدين بسبب كثرة الطعام يتجه أسرع إلى الموت من النحيف. ويؤكّد الأطباء بأنّ الغذاء المعتدل مع ما يحتويه من طاقة حيوية أمّ الصحة. “أمّ الصحة هي غذاء معتدل، وبها لا آلام ولا كسل“. يؤكّد القدّيس سمعان المترجم على حقيقة هذا الأمر ويضيف عندما تكون الأمعاء مليئة ومنفوخة بالطعام، يخف النوم وتتدهور الصحة” (سمعان المترجم، ص95).

هناك مثل رائع يقول: “إنّ الشراهة والنهم تقتل أكثر ممّا يقتل السيَّاف“. يقول الجرّاح الشهير لا مبالٍ: “لنعيش سعداء يكفينا ثلث كمية الطعام فقط من كلّ ما نأكل“.

  • عندئذٍ سأله صديقه الذي شكَّ في كلامه: “وماذا ينفعنا الثِلثين الباقيين؟.

  • هذين الثِلثين ليعيش الأطباءأجاب الطبيب.

قيل قديماً: “أطباقاً كثيرة، أمراضاً كثيرة“.

يُحكى أنّ طبيباً فرنسياً مشهوراً عندما كان يزور مرضاه الأغنياء في بيوتهم، كان له عادة زيارة المطبخ أيضاً ليسلّم على الطباخ أو الطباخة بابتسامة والقول: “نحن الأطباء لكم ممنونون، فأكثرنا سيموت من الجوع من دون مهنتكم الرائعة“.

إنَّ الشراهة والنهم يهلكان ويدمران النفس وصحة الجسد معاً. فعدم الانضباط في الطعام يسبب الأمراض والبلايا. بأسناننا نحفر حفرة الموت. ينقصنا السيطرة والتحكّم على الذات وتغيب عن حياتنا العفة والتقشف، والاهتمامات والنمو الروحي إذ ذاك متوقف تماماً، أمّا دواخلنا فمليئة من رغد العيش فلا فرامل تلجمه ولا حدود تسيطر عليه. ونحن بحديثنا عن العفة في الطعام، لا يعني أن نأكل كثيراً أو قليلاً، أو نكون جائعين باستمرار ونقهر تركيبة الجسم. فالعفة وضبط النفس أن نأكل ما هو ضروري للجسم لا أن نبالغ ونفرط في الطعام فنقع في شراهة لا تنتهي. مع العلم أنّ الطعام البسيط والغذائي هو صحيّ اليوم أكثر من تنوع الأطعمة وكثرتها.

في المسيحيّة، العفّة في الطعام ليست قانون صحيّ بل قانون في الحياة الروحية. فالعفّة في الطعام تفيد النفس. ولهذا نظَّمت الكنيسة فترة الأصوام كتدريب على العفة والتي تجعل قوّة النفس جبّارة تكبح كلّ هجمات للجسد. يقول القدّيس غريغوريوس اللاهوتي إنّ شرور وعيوب الجسد كافية، ومن الصعب السيطرة عليها. فالشعلة تحتاج إلى حطب أكثر ليبقى مشتعلاً. والوحش الضاري يطلب المزيد والمزيد من الطعام“.

إنّ خيرات الأرض التي أعطانا إياها الله للتمتع بها ضمن حدود المنطق، لا أن تكون غير مضبوطة. وعلينا عدم الالتصاق بالخيرات الأرضية لئلا تصبح بمثابة الجلّاد لنا. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: “إذا لم يمتنع المرء عن التلذذ وأكل اللحم مساءً، فالخطيئة ستتجذّر“. هوى الشراهة والنهم خطيئة عظمى.

العفّة في شرب الخمر

إنّ الإنسان الممتلئ من حضور الروح القدس إنسان عفيف تجاه شرب الخمور . فهو لا يشرب من دون ضبط، ولا يجعل من بطنه خزاناً للخمر، ولن يصل إلى حالة البؤس التي يعيشها الإنسان السّكير. فهو يعرف كيف يضبط شربه للخمر دون إفراط به.

يقول القدّيس باسيليوس الكبير الاعتدال في شرب الخمر أمرٌ ممتاز، يتوافق مع حاجة الجسد“. الخمر ليس بالأمر السيء إطلاقاً، فيكفي المرء أن يشربه بقدر معتدل لما يحتاجه الجسم. فمن يعمل أعمالاً يدوية وعضلية متعبة، الخمر يقوّي أجسادهم السابحة في التعب وعرق العمل. أمّا الذين يجتهدون فكرياً فهم يحتاجون إلى الخمر بنسبة أقل من أولئك العضليين. في كلّ الأحوال، كلّ الناس تستطيع أن تشرب الخمر القليل مع طعامهم، فهو غير محرّم من الشريعة الإلهية. إنّ بولس الرسول ينبّه تلميذه تيموثاوس بشرب القليل من الخمر ليساعده في أمراضه الكثيرة لا تكن في ما بعد شرَّاب ماء بل استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة” (1 تيمو23:5). يقول داود النبي وخمر تفرّح قلب الإنسان” (مز15:104). ويقول سليمان الحكيم الخمر يفرّح الأحياء” (الجامعة 19:10).

إنّ الرب يسوع المسيح في عرس قانا الجليل حوّل الماء إلى خمر. فلو كان الخمر ممنوعاً لما صنع يسوع هذه المعجزة.

الخمر لا يمنع بالكليّة وإنما استخدام الإنسان له يجب أن يكون معتدلاً. ينصح الكتاب المقدّس لا تكن بين شريبي الخمر بين المتلفين أجسادهم” (أم20:24). فمن يشرب الخمر باعتدال يكون إنساناً عفيفاً في الشراب، أمّا من يشرب ويشرب من دون وعي أو حدود يكون غير ضابط لنفسه وهو بالتالي غير عفيف تجاه الشراب، وبالتالي هو يرتكب خطيئة. فالإفراط في استخدام المشروبات الروحية خسارة كبيرة للنفس والجسد تقود الإنسان للإدمان والسكر وهذا خطيئة مميتة.

لا تشرب الخمر إلى درجة السكر. “لا تنظر إلى الخمر” (أم31:23). و لا تكن بين شريبي الخمر” (أم20:23). غياب العفة في الشراب يجلب للإنسان هلاك حقيقي. من يفرط كثيراً في استعمال المشروبات الروحية يظلم ذهنه ويصبح قادراً في تلك اللحظة على ارتكاب جرائم مختلفة. فهناك جرائم حدثت من جرّاء السكر.

(ص:210 حكمة سليمان)

إنّ كثرة الخمر يقود إلى الفجور وإلى خطايا رهيبة، كما يقود إلى الكبرياء الأحمق، وإلى الوقاحة وقلة الاحترام والتهذيب. (حكمة سيراخ ص210).

يقول الحكيم سليمان: هناك أمران يبعدان عن الله وعن علاقتنا مع الآخرين، الأول هو الخمر، والثاني هو العلاقة غير الشرعية مع النساء الخمر والنساء تجعلان العقلاء أهل ردة” (حكمة سيراخ2:19).

إنّ الإفراط والإكثار في استخدام المشروبات الروحيّة من (خمر وبيرة وعرف وويسكي…) هو جريمة تقودنا إلى جرائم أخرى منها قلّة الأدب والفحشاء. ويؤكد القدّيس باسيليوس الكبير بقوله: “السكر يقود إلى الفجور“. يشدّد القدّيس بولس الرسول بأنّ الإفراط في المشروبات الروحية تفسد وتضلّ لا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة” (أف18:5). فالسكر يقود إلى الهذيان واستخدام الكلمات غير اللائقة، وإلى الشتم والتعدّي والصراخ. يقود إلى الشماتة والقتل، فبه يُحَقّر الشخص تماماً ويلغي وجوده بين الآخرين.

يقول سينيكاس: “إنّ السكر تحقير إرادي وطوعي للإنسان“. يتوجّه سليمان الحكيم إلى الإنسان السكّير بقوله: من تناسبه الحسرة؟ أليس ذاك الإنسان المضطرب، المحبّ للنزاع، المداوم في المحاكم والرازح تحت وطئ القضايا!. من يهيّج الكراهة بالإقياء والكلام الأحمق البذيء، ويضيّع وقته في الثرثرة والغباوة؟ من يبقى وجهه شاحباً وعينيه متورمتين من قلة النوم؟ أليسَ ذاك الذي يمضي وقته بجانب الخمر! أليس أولئك الناس الذين يلتقون مجتمعين حول الخمر للشرب واللهو والتسلية! “لمَن الويل لمَن الشقاوة لمَن المخاصمات لمَن الكرب لمَن الجروح بلا سبب لمن ازمهرار العينين. للذين يدمنون الخمر الذين يدخلون في طلب الشراب الممزوج” (أم29:23-30).

يوبّخ النبي إشعيا مسرفي شرب الخمر بقوله: “ويلٌ للمبكرين صباحاً يتبعون المسكر. للمتأخرين في العتمة تلهبهم الخمر” (إش11:5). الويل لأولئك الذين ما أن يستيقظون من نومهم في الصباح يطلبون الشراب المسكر، ويبقون إلى أوقات متأخرة في الليل سكارى الخمر. هذا الخمر الذي يشربونه يحرقهم.

الإسراف في شرب الخمر شرٌّ مدمّر للإنسان بكليته؛ للنفس والجسد، فكثرة الخمور مسيئة لكرامة وجسد الإنسان، فهي تسمّمه وتقوده إلى الموت المبكّر.

يروى أنّه في مقبرة إحدى المقاطعات، ذهب حارس المقبرة لقضاء عمل ما. ويبدو أنّه قد ذهب إلى إحدى الخمّارات بعد أن كان قد أَوصد باب المقبرة ونسي المفتاح في الحانة التي لم تكن بعيدة عن المقبرة كثيراً، ومن شدّة سكره لم يستطع العودة ليسترجع المفاتيح، فكتب ملاحظة على ورقة وعلّقها على باب المقبرة تقول: “مفتاح المقبرة في الحانة“. وفيما بعد اعترف أنّه لم يستطع إيجاد عبارة مناسبة أكثر من تلك التي كتبها.

يقول القدّيس باسيليوس الكبير أنّ السكر يطرد الروح القدس كما يطرد الدخان النحل. فمن يسرف في المشروبات الروحيّة لا يستطيع أن يكون يوماً إنساناً يسكنه الروح القدس.

العفة في الرغبات الشريرة

نتيجة الخطيئة الجدّية لأول الجبلة ورثنا الميل للهوى والخطيئة. يميل الإنسان دوماً إلى الشرّ، فالشرّ يعجبه ويجذبه. “لأنّ تصوّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته” (تك21:8). الجسد يتمرّد والرغبات الشريرة داخلنا تثور. إنّ هدف الغريزة الجنسيّة فينا إنشاء نسلٍ من خلال سرّ الزواج. وهذه الغريزة تتولد فينا مبكراً وتخلق مشاكل كثيرة تجعلنا نخالف قوانين الأدب والأخلاق. وإن نحن توّجهنا وراء ميولنا وأهوائنا سننجرف ووندمّر حياتنا، ونصبح كما الحيوانات غير العاقلة التي ترزح تحت غريزتها فقط من دون لجام. “الإنسان في كرامة لا يبيت. يشبه البهائم التي تباد” (مز12:49).

من يستسلم لشهواته وميوله الشريرة من دون ضبط للنفس، فهو يقلّل من قيمته وكرامته ويشوّه صورة الله فيه ويلغيها ويحقّر مشيئته، ويدنّس نفسه ليشبه الخنزير الذي ينجذب إلى خرنوبه. علينا أن نلتزم العفة وضبط النفس ولا ننجرّ وراء رغباتنا الشريرة. “لا تكن تابعاً لشهواتك، بل عاصٍ أهواءك” (سيراخ30:18). إنّ العفة هي الفضيلة البطولية التي تضع لجاماً لرغباتنا الشريرة وثورات ووثبات جسدنا غير المنضبطة، وتعطّل الفسّق والفجور وتجعل الإنسان عاقلاً مهذباً، نقيّاً وهادئاً وطاهراً ، مرضياً أمام الله.

إنّ العفة بالنسبة لأولئك الناس المتجدّدين بالروح هي فضيلة محببّة لديهم، فهي تمنحهم حياة لائقة كريمة، طاهرة وسعيدة. أمّا بالنسبة لأولئك الناس الجسدانيين، فالعفّة تدخلهم في الخوف، لذا يحاربونها ويكرهونها جداً. وهم يمقتونها ويشتكون منها بحجّة أنّها فضيلة مستحيلة التطبيق؛ وهم بذلك أناس ضالين.

العفّة ليست فضيلة مستحيلة التطبيق، وإلاّ لم يكن ليطلب الله منّا أن نكون مسؤولين عن علاقاتنا الأخلاقية، لم يكن ليهدّد في يوم الدينونة أنّه سيعاقب أولئك الذين يتركون ذواتهم تحت رزح الرغبات الشريرة وينجرفون وراء متطلبات أجسادهم. إنّ الله ليس ظالماً ليطلب منّا أن نحافظ على أمر فوق طاقتنا، والأهم هو أنّ الله نفسه يساعد ويقوّي ذاك الذي يريد أن يبقى نقياً طاهراً، فيعطيه نعمته ليجعله دائماً قوياً، أمّا في عيون الآخرين من ليس لديهم نعمة الله يرونه ضعيفاً.

إنّ نعمة الله تقوّي إرادة الإنسان المؤمن وتجعله قادراً على السيطرة على جسده أستطيع كلّ شيء في المسيح الذي يقوّيني” (في13:4). من يشعر بقدرة الله معه سيظفر بالعفّة ويعيش حياة نقاء روحيّة وبارّة.

من لا يعيش في علاقة حميمية مع الله ولا يطلب إلاّ الشهوّة واللذة في الحياة، يجرف نفسه من خلال رغباته غير المنضبطة ليكون عبدأ للذات الدنيا، ولهذا تغيب عنه فضيلتا العفة والسيطرة على الذات بالكليّة. ويحكم على الآخرين معتقداً أنّهم أيضاً يعيشون في عدم انضباط مثله. مثل هذا يثير الشفقة لأنّ جسدانيته لا تدعه يرى الأمور بوضوحها، ولا يستطيع مشاهدة السعادة الحقيقية عند الذين يعيشون حياة الروح القدس، ولا يدرك أهمية وعظمة ضبط النفس إلى جانب العفة التي تؤدّي إلى حياة سامية.

القديسة إيميليا مثال لحياتنا

القديسة إيميليا مثال لحياتنا

المتقدّم في الكهنة جورج بابافرنافاس

نقلتها إلى العربية علا مقصود

من ثمار الشجرة تُعرف جذورها، فإذا كانت الثمرة جيدة ولذيذة فهذا يعني أنَ الجذر جيد، كذلك الحال مع الأولاد، فمن سلوكهم وطريقة عيشهم يمكن أخذ فكرة عن والديهم، وبالطبع هناك استثناءات لذلك، لكن من المؤكد أن مثال الأهل يلعب دوراً أساسياً في نمو وتطور حياة الطفل.

كانت القديسة إيميليا* جذراً فاضلاً وصالحاً أنتج ثمار جيدة، فأبناؤها نموا ليصبحوا أفراداً بارزين في المجتمع، وأكثر من ذلك ليكونوا قديسين في الكنيسة مثل: باسيليوس الكبير، غريغوريوس النيصصي، بطرس الذي من سباستيا، ماكرينا، ناوكراتيوس وغيرهم. فمن الجذر المقدس نبتت براعم مقدسة، ومن الأهل القديسين جاء أولاد قديسون. طبعاً كان الجذر عميقاً جداً إذ امتدَّ من الأب والأم وصولاً إلى الجدّ والجدّة.

اختبرت القديسة ايميليا في حياتها العديد من الشدائد كما يحدث عادة مع أخصاء الله. موت والديها قبل زواجها، وموت زوجها بعد ولادة ابنها بطرس، وموت ابنها المبكِّر ناوكراتيوس والمضي في تربية أولادها لوحدها كانت بعض من الشدائد التي تعرضت لها، ولكنها واجهتها بإيمان وبشجاعة وبصبر لا مثيل لها. علّمت أبناءها إذ كانت قدوة لهم. قدّمت لهم الحليب المغذي الأرضي وحليب الإيمان النقي، أرضعتهم أولاً من صدرها ثم من حب الكنيسة المحيي، ولهذا السبب نجحوا وأزهروا في حياتهم. لقد أكملت حياتها كراهبة مع ابنتها القديسة ماكرينا رئيسة الدير.

إن القديسة ايميليا في حياتها وسلوكها تعطينا الفرصة لنضيء على ما يلي:

أولاً: الدور الرئيسي في تنشئة ورعاية الأطفال يتأثر بطبيعة حياة الأهل، فمن آباء مصلين يأتي أولاد محبّون للصلاة وبهذا يصبحون محبّين لله والناس، لأن كل من يحب الله ويحفظ وصاياه سيحب إخوته وينكر ذاته من أجلهم.

إن المناخ الذي يُخلق في المنزل من قبل الوالدَين المحبَّين لبعضهما وللآخرين، لديه تأثير إيجابي في تنمية الأطفال وتكوين شخصياتهم. “تنمية الأطفال تبدأ مع الأهل. منذ حمل الأم للطفل، يتأثر الجنين بحالة الآباء هادئين أو غاضبين، مجدّفين أو مصلّين. إنه يسمع ويشعر داخل رحم أمه. نعم، إنه يسمع ويرى من خلال عيني أمه. إنه يدرك التحركات والمشاعر حتى لو لم يكن عقله مكتملاً. فإذا كان وجه الأم متجهّماً فوجه الجنين يعبس أيضاً وإن تألمت أو ذعرت أو حزنت أو غضبت فإن الطفل سيختبرها أيضاً. وفي حال لم ترغب الأم بهذا الجنين ولم تحبه سيشعر هو بذلك ويتشكل جرح في نفسه سيرافقه خلال حياته. وبالعكس، عندما تشعر الأم بالفرح والسلام والحب للجنين، فتنقل هذا إلى الطفل بشكل تلقائي كما بعد أن يولد. لهذا السبب على الأم أن تقضي وقتاً طويلاً بالصلاة والترتيل وقراءة المزامير وعيش القداسة من أجل الجنين ليكون قديساً“. (القديس بورفيريوس الكافسوكاليفي)

ثانياً: إن تربية الأطفال بعد ولادتهم عليها أن تكون بالقدوة الصالحة أكثر من الكلمات والنصائح. علينا أن نتحدث لله عن أطفالنا أكثر مما نتحدث لأطفالنا عن الله، علينا تعليمهم أن يثقوا بعنايته الإلهية، وأن يطلبوا المساعدة منه خاصة في الأوقات الصعبة من حياتهم. من المهم أن نقول لهم الحقيقة مهما كانت مريرة في وقتها، كما علينا الثناء على أفعالهم عند الضرورة، لكن علينا معاقبتهم عند الضرورة أيضاً لأن الثناء بشكل مستمر يفسدهم.

إن مدح الأطفال يؤذيهم. غالباً ما يُمدح الأطفال الصغار بشكل مستمر، وبهذا سيتعلم الطفل ألا يواجه العقبات وحتى الصغيرة منها. فعندما يعارضهم أحد سيجرحون لأنه لم تتشكل لديهم الشجاعة. بالمدح المستمر سيصبح الأولاد عنيدين، قاسين، وغير متعاطفين، عندما تمدحهم بشكل مستمر دون عقاب فإنهم سيتضايقون ويهتاجون عندما يتعرضون للعكس. فإن الأنا عندهم ستبدي ردة فعل ويتحولون ليصبحوا أشخاص مغرورين وعملهم الأول سيكون نكران الله والأنانية غير الملائمة للمجتمع(القديس بورفيريوس الكافسوكاليفي).

بالطبع ليس كل الأطفال متشابهين إذ ليس لدى الجميع نفس الشخصية ونفس الطباع ولهذا السبب يشدد القديس غريغوريوس اللاهوتي على أن المدح يفيد البعض ويفسد البعض الآخر لكن في بعض الأوقات الأمران مطلوبان. الاهتمام الخاص مطلوب مع التفهم وخوف الله لأن تربية الأطفال موضوع جوهري.

أيها الأمهات اقتدوا بالقديسة ايميليا وأرضِعوا أبنائكم من ثدي الكنيسة الحيّ ليكونوا ممتنين لكم إلى الأبد.

* للقديسة تذكاران في 30 أيار وفي 30 كانون الثاني مع اﻷقمار الثلاثة في عيد جامع مع القديستين أنثوسة والدة القديس يوحنا الذهبي الفم ونونة والدة القديس غريغوريوس اللاهوتي.

السنة الثانية عشرة، العدد السابع، نيسان2016

السنة الثانية عشرة، العدد السابع، نيسان2016

مختارات آبائية

ضد الحقد، القديس نيقوديموس اﻵثوسي

لاهوت

الروح القدس والسلطة، الميتروبوليت باسيليوس كريفوشيين

عظة

الحبّ والحرّيّة، اﻷرشمندريت توما بيطار

ليتورجيا

الذكرانيَّات المقدَّسة، مداخلة للمغبوط الذِّكر الأستاذ يوحنا فوندولّيس

رعائيات

الواقع الأنطاكي على ضوء الدليل الرعائي، الأب أنطوان ملكي

اللقاء الأرثوذكسي الكبير في كريت، الأب أنطوان ملكي

حياة روحية

هل الكماليةهي ديانة القرن الحادي والعشرين؟ الأب الراهب سبيريدون بالاندين

حياة روحية \ ثمار الروح

اللطف، من ثمار الروح القدس، كالينيكوس ميتروبوليت بيرياس