* * * * * * السنة الحادية عشرة – العدد الأول – تشرين الأول 2014 * * * * * *

 مختارات آبائية

الإنسان المحاجِج

القديس سمعان اللاهوتي الحديث

مقتطفات من الرسائل إلى الراهبات

القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس

سؤالان روحيان

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

عظة

انبثاق اليقين الإلهيّ!

الأرشمندريت توما بيطار

لاهوت

الفلسفة ومعرفة الله

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

الطريقة الخاطئة

الأب جورج فلوروفسكي

التحليل النفسي وتوحيد النفس

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

حياة روحية

ما بين الهواتف الخليوية ومسابح الصلاة

قصتان من الأدب الرهباني

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع – دده، الكورة

الإنسان المحاجِج

القديس سمعان اللاهوتي الحديث

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 الإنسان المأخوذ في الجَدَل يصير سيفاً مزدوج الحدّ ضد نفسه، من دون أن يعرف ذلك، مغرِّباً نفسه عن الملكوت. الإنسان المولّع بالجَدَل يسلّم نفسه عمداً إلى ملك أعدائه. حجته هي خيط صيد متداخل مع شيء من الصدق: الدفاع عن الحقيقة وتبرير الذات والدفاع عنها، وهذا ما يشدّه إلى ابتلاع صنارة الخطيئة. من ثمّ تسلبه أرواح الشر نفسه الفقيرة، بعد أن عقفته من لسانه وحلقه. نفسه المتعلّقة بالجدل ترتفع تارةً إلى فوق وتارةً تغرق إلى هاوية الخطيئة المشوّشة، وبهذا يُحكَم عليها مع الأرواح المطرودة من الملكوت.

الرجل الذي يحمل جرحاً عميقاً من التحجج الاستفزازي والتعسفي يؤوي في أعماق نفسه أفعى الخطيئة القديمة. إذا احتمل ضربات جداله بصمت أو أجاب باتضاع كبير يجعل هذه الأفعى بلا قوة، أو ربما يقتلها. لكن إن جادل بمرارة أو استكبار فهو يزيد من قوة الأفعى لتصبّ سمّاً أكبر في قلبه أو تبتلع أحشاءه من غير رحمة. باكتسابها القوة يومياً، تنتهي الأفعى بالتهام نيّة نفس الرجل المسكين وقدرتَه على تغيير أسلوب حياته. ومن ثمّ يسلك الرجل في الخطيئة ويموت عن الحق.

بالصلوات والدموع والتحرر من الأهواء، توسَّلْ إلى الله لأن يرسل لك معلّماً قديساً. ادرسْ أيضاً الكتب المقدسة، خاصةً كتابات الآباء القديسين العملية لكي تقارنها بما يعلّمه إياك معلّمك ومؤدّبك. وهكذا سوف ترى كما في مرآة إلى أي مدى تتطابق. احفظْ في أفكارك ما يتطابق مع الكتابات الإلهية. وبعد تأنٍّ حكيم ضعْ جانباً ما لا يتطابق حتّى لا تسقط في الخطيئة.

إن الازدياد من معرفة الله يقلّل الاهتمام بما عداها. بقدر ما يزداد الرجل معرفةً بالله يقلّ اهتمامه بالأمور الأخرى. ويزداد إدراكه لقلّة معرفته بالله وضوحاً. بقدر ما يشعّ الله لامعاً في نفس الإنسان يصير أكثر احتجاباً، وبقدر ما يحلّق الإنسان بحسّه فوق أحاسيسه تقلّ حاجته إلى الإحساس بالأمور الخارجية.

مقتطفات من الرسائل إلى الراهبات

القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس

إعداد دير الشفيعة الحارة – بدبا، الكورة*

أنصحكِ بعدم الاسترسال في الرومنطيقية الحزينة، وفي الكآبة التي تجرح قلوب الراهبات بشكل خطير. إن الربّ سيجزل لكِ المكافأة إذا كنتِ لهنّ مصدرَ فرح. إنّي أقّدم لك هذه الوصية لأنّ قد جعلتُها أيضاً قاعدة لحياتي، وأريد أن تتبع تلميذاتي المبدأ نفسه. فإذا أفرحتِ قلبَ قريبِك، وخصوصاً أختك المحرومة من كلّ شيء، والتي لا يمكن أن تستمد الفرح الروحي إلا منكِ، فكوني على ثقة أنّك بهذا تروقين للرب أكثر بكثير مما إذا أدّيتِ الصلوات الطويلة والأصوام الصعبة… أرجو لكنّ جميعاً الانتصار في حربِكنّ ضد الأنانية، وهي شرسة. فالأنانية تشبه التنّين المتعدد الرؤوس. فإذا قطعت له رأساً نبت آخر من نوع جديد وبشكل مختلف. وهكذا، وبينما نختلف في ترك العالم والأمور الدنيوية وفي التخلّي عن كلّ ملذّات الجسد ومعاملته بقسوة حتى لا نعيش وفق إرادته، نعاين فجأة ظهور نوع من مرض النفس، هذا المرض يظهر في أغلب الأحيان على هيئة روح الشكّ والعصيان، ويتشكّل بشكل الصواب والذكاء والحكمة والرضى عن الذات، وروح النقد. لكن أيّها نذكر أولاً؟ فَتَحْتَ جميع هذه المظاهر تختبئ قباحة الأنانية.

إن تشييد السعادة خارج القلب هو كالبناء فوق تربة تزعزعها باستمرار الهزّات الأرضية. إنّه بناء لن يبقى فيه حجر على حجر. والذي يبني بهذه الطريقة هو إنسان سخيف وشقي… ابحثْنَ جيداً لمعرفة ما إذا كانت قلوبكن تمتلئ بالشرور والأهواء، حتى لا تقودكن الرغبة في الشر إلى العمل لصالح الشر. درّبن قلوبكن على عدم الابتعاد عن الخير وعلى عدم سلوك الدروب الملتوية ولا الدروب الجميلة الكثيرة الصعوبة، حيث ينصب محبو الهلاك فخاخهم.

يلزمكن وقت طويل للوصول إلى الكمال، فلا توتّرن القوس أكثر مما يجب. إذ لا تُمنَح الخيرات الإلهية بالقوة: إنه يعطي ما يشاء وإلى مَن يشاء، وعطاياه دائماً مجانية. لا توتّرن القوس بإفراط حتّى لا ينقطع الخيط قبل الأوان.

إن التجربة التي داهمتكِ تحزنني، وهي في الحقيقة من الشرير. أسرعي في إطلاعها على الأمر واطلبي منها أن تصلّي لأجلك حتى تتوقف التجربة. حالما تصلك رسالتي أدخلي إلى الكنيسة وصلّي إلى سيدتنا والدة الإله. اتلي للفائقة القداسة خدمة البراكليسي. وأنا أيضاً سأتوسّل لك الرحمة الإلهية بشفاعة الكليّة القداسة والدة الإله الدائمة البتولية مريم. إنها حاميتنا والأمل الوحيد الذي لم يخيّب توقعاتنا أبداً. وأنا على ثقة بأنك ستتحررين من التجربة. وأرجوك ألا تدعي مشاعر العداء تسيطر عليك. فإن الشرير يوحي إليك بالحقد تجاه العزيزة كسياني – التي هي أختك وأمّك في الآن – ليدمّر عرفانك بالجميل نحوها ويحوّله إلى حقد. لأنها قد عملت من أجل خلاص نفسك.

 * عن التقويم الأرثوذكسي 2014، دير الشفيعة الحارة – بدبا، الكورة

سؤالان روحيان

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

ما هي معاينة الله؟

ليست معاينة الله من عالم العواطف، ولا من الحس البصري، بل هي الوحدة الوجودية واحتكاك الخليقة المخلوقة مع الكائن غير المخلوق، ليس مع جوهره أو مادته بل مع قواه الإلهية، على قياس الشخص الذي يشترك في المعاينة. عندما طلب موسى أن يرى الله لكونه تخيّل أن ذلك باستطاعته، سمع منه أن هذا مستحيل وليس له إلا أن يعجب برؤيته من الخلف، ما يعني قواه الإلهية وصفاته. كلّ مَن كان له أن يعاين الله يشهد بأن لا تشابه بين العالم المخلوق والكائن غير المخلوق وأنّه “من المستحيل تفسير الله والأكثر استحالة هو فهمه” (القديس غريغوريوس اللاهوتي).

 

كيف عاش الإنسان في الفردوس؟

كان الفردوس مكاناً إلهياً، مسكناً مناسباً للإنسان المخلوق على صورة الله ومثاله. لقد عاش الإنسان هناك في نعيم المواهب الإلهية التي أدرِجَت في جوهره. لقد تملّكه الشعور بأنّه أرفع من كلّ الكائنات البشرية ومضيفاً لها. لقد كان هادئاً وعاش من دون همّ ولا اهتمام ولا تسلّط على حياته. لم تكن أيّ حاجة تضغط عليه. لقد كان عنده مهمة وحيدة هي عمل الملائكة: أن يمجّد الله بشكل ثابت ومستمرّ. انغماسه الوحيد كان في الاشتراك في ملء المحبة الإلهية الكاملة. بحسب القديس يوحنا الدمشقي، “كان الإنسان يسكن في المكان الأسمى والفريد والأكثر جمالاً، وكان الله مساكناً له. لقد كان الله لباسه اللامع، وكان محاطاً بنعمته ومستمداً البهجة في ثمرة معاينته الأكثر عذوبة”. أيوجد أيّ حلم أسمى من الشعور الذي يتملكك عند إمساكِك بمَن تحبّ وخاصةً إذا كان محبوبك هو الله؟

انبثاق اليقين الإلهيّ

الأرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، الرّبّ يسوع جاء غريبًا، وارتحل غريبًا. جاء، وشكّك فيه أهل وطنه؛ وارتحل، بعدما شكّك فيه تلاميذه. حتّى بعدما أُرسـِل إلينا الرّوح القدس، وبعدما بتنا نعتمد باسم الآب والابن والرّوح القدس؛ بعد كلّ ذلك، لا يغادرنا الشـّكّ. يبقى الإنسان، في قرارة نفسه، شكّاكًا، إلى أن يضع الرّبّ يسوع حدًّا لشكّه. الإنسان لا يمكنه، في ذاته، إلاّ أن يشكّك في الرّبّ يسوع، لأنّ الرّبّ يسوع أكبر من عقل الإنسان، وأكبر من إدراكه؛ لأنّ الرّبّ يسوع يأتينا، في الحقيقة، كمـِن خارج ذواتنا. لا يخضع للحسّ، ولا للعقل، والإنسان حسّ وعقل. لذلك، ليس في طاقة الإنسان، بشريًّا، أن يقبل الرّبّ يسوع. الرّبّ يسوع هو الإله المتجسّد. لهذا السّبب، ما لم يُعطنا أن نؤمن به؛ فلا يمكننا، من ذواتنا، أن نؤمن. لهذا، إن حَسِبَ أحد منّا أنّه لا يزال مشكِّكًا وهو ابن الإيمان، فليعْلمْ أنّ هذا أمر بشريّ، بكلّ معنى الكلمة. هذا هو الإنسان.

والأمر يزداد سوءًا، في هذا الزّمان، بصورة خاصّة؛ لأنّ هذا الزّمان شهد تأليهَ الإنسان للعقل. الإنسان يؤلّه نفسه، من خلال اعتماده على عقله. طبعًا، العقل، في الأساس، عطيّة من الله. لكن، لأنّ الإنسان مائل إلى عبادة نفسه – هذا ما حصل له، بعد سقوط آدم وحوّاء – فإنّه يتعاطى العقلَ باعتباره الأداةَ الأولى لتأليه الإنسانِ نفسَه. لهذا، اليوم، بصورة خاصّة، نجد الإنسان يثق بعقله، ولا يثق بالله. في الحقيقة، كلّما ازدادت ثقة الإنسان بنفسه وبعقله، ضعفَتْ ثقته بالله؛ ومن ثمّ، إيمانه به. الإنسان، في الحال الّتي هو عليها، يُسيء استعمال القوى المُعطاة له. يمكنه أن يكون مستقيمًا، من جهة الأخلاق، بمعنى أنّه قد يكون عقلانيًّا، من دون أن يستعمل عقله لأذيّة النّاس. على العكس، قد يستعمل عقله لخدمة النّاس. لكن، ما ليس واضحًا، لدى معظم النّاس، أنّ الإنسان، ولو كان سالكًا باستقامةٍ أخلاقيـّة، فإنّه يتعاطى عقله بالكثير من الغرور؛ ويطلب، دائمًا، المعرفة من خلال عقله. عقله يجعله يميل، أكثر فأكثر، إلى تأليه نفسه؛ لأنّه يعي أنّ العقل قوّة. لهذا السّبب، تزداد الشـّكوك في الله، لديه، اليوم، ربّما أكثر من أيّ وقت مضى، في التّاريخ. العقل، من جهة الله، لا يُبلّغنا إلاّ إلى الشـّكّ. لا يمكنه أن يبلّغنا إلى اليقين. العقل يبلّغنا إلى اليقين في الأمور الّتي تخضع له. والله لا يخضع للعقل! الله ليس فكرة، الله ليس عقلاً كما ظنّ الفلاسفة قديمًا؛ إنّما هو روح. ومن ثمّ، معرفته لا تكون إلاّ بالرّوح. لهذا السّبب، العقل دائمًا، من جهة الله، يزعجنا. ولا خروج لنا من دائرة إزعاجه، إلاّ بتواضع القلب. متى أدرك الإنسان أنّه تراب ورماد، ومتى صار ينظر الخيرَ في الآخرين والشـّرَّ في نفسه، متى صار الإنسان يعتبر الآخرين خيرًا منه، متى سلك في الحقّ، وقال عن الحقّ إنّه حقّ، وقال عن الباطل إنّه باطل؛ متى سلك الإنسان، إذًا، في تواضع القلب، وثبت في طلب الحقّ؛ إذ ذاك، يفتح الرّبُّ الإله قلبَه؛ فيبصر، ويؤمن. لا يعرف الإنسان كيف يتمّ ذلك، ومتى يتمّ. الرّسول بولس، حين صعد إلى السّماء الثّالثة، قال بوضوح إنّه لم يكن يعرف ما إذا كان قد صعد بالجسد أو خارج الجسد (2كور12: 2). الإلهيّات لا تُفسَّر جسديًّا، ولا تُفسَّر عقليًّا. الإلهيّات تُفسَّر إلهيًّا، والرّوحيّات تُفسَّر روحيًّا. لهذا السّبب، نحن لا نفهم الكتاب المقدّس ما لم يُعطَ لنا الرّوح الّذي أوحى بكلمة الله في الكتاب المقدّس. الرّوح الّذي أوحى بالكتاب المقدّس هو نفسه يفسّر لنا الكتاب المقدّس. بغير هذا الرّوح يبقى الكتاب المقدّس مُغلَقًا. ومَن الّذي يفتحه؟! روح الرّبّ! وروح الرّبّ لا يفتحه لنا، إلاّ إذا كنّا مُحبّين للحقّ، وسالكين في تواضع القلب. لا نعرف متى يأتي روح الرّبّ ويفتح قلوبنا. قد يحدث ذلك في شباب الإنسان؛ وقد يحدث في شيخوخته؛ وقد يحدث عند مماته؛ وقد لا يحدث، أبدًا، إذا كان الإنسان غريبًا عن الاتّضاع ومحبّة الحقّ.

طبعًا، الإنسان يعاني، بإزاء هذا الواقع، لأنّه يجد نفسه أنّه يريد أن يؤمن، ولا يستطيع أن يؤمن؛ يجد نفسه أنّه مؤمن وغير مؤمن، في الوقت نفسه. وهذا أمر عاديّ جدًّا. ألم يأتِ ذاك الإنسان إلى الرّبّ يسوع، طالبًا إليه شفاء ولده، فقال له الرّبّ يسوع: “إن كنتَ تستطيع أن تؤمن، فكلّ شيء مُستطاع للمؤمن”، فقال له ذاك الإنسان بدموع: “أؤمن، يا سيّد؛ فأعِن عدمَ إيماني” (مر9: 17- 24)؟! هذه خبرة كلّ إنسان، إلى أن يأتي به الرّبّ الإله إلى اليقين. واليقين يأتي، متى عاين الإنسان وجه الله. بولس الرّسول كان مستقيمًا، لكنّه لم يكن مستنيرًا. وقد حارب الرّبَّ الإله حربًا شعواء. وأخيرًا، تجلّى له الرّبّ الإله؛ فصار عارفًا، بعدما كان جاهلاً. أيّوب الصِّدّيق كان سالكًا في التّقوى، وفي مخافة الله، ووفق ما تَعلّمه في شعبه. تعلّم أن يعبد الله، فعبد الله. تعلّم أن يسلك في التّقوى، لأنّ الدّعوة، في شعبه، كانت إلى التّقوى. لكنّه مرّ بتجربة قاسية جدًّا زعزعته من الأعماق؛ فبات مؤمنًا وغير مؤمن، في آنٍ معًا. وكان هذا يؤلمه ألمًا شديدًا. وقد عانى طويلاً، حتّى بلغت معاناته حدّها الأقصى، فصار يلعن اليوم الّذي وُلد فيه. أخيرًا، لمّا حان زمان افتقاده، ظهر له الرّبّ الإله، وكلّمه؛ فتغيّر أيّوب تغييرًا كاملاً! غيّرته كلمة الله، حتّى إنّه قال للرّبّ الإله: “يا ربّ، لقد سبق لي أن سمعت عنك. لكنّني، الآن، أعرفك” (أي42: 5). كلّنا سمع عن الرّبّ يسوع، وأخذ عاداته العباديّة والتّقويّة من كنيسته، من شعبه، من والديه، من جيرانه، من أجداده… إنّما، إلى أن يبلغ الإنسان حدّ المعرفة، لا بدّ له من أن يمرّ بمخاض كيانيّ ليس بقليل. لكن، لا يشقّ أحد طريقه إلى الموت، إذا كان يتمخـّض في الحقّ، وفي الاتّضاع، قبل أن يعاين مسيح الرّبّ. سمعان الشـّيخ انتظر طويلاً في الهيكل! وأخيرًا، عاين مسيح الرّبّ. وبعدما عاينه، قال قولته المعروفة: “الآن، أَطلِق عبدك، أيّها السّيّد، حسب قولك، بسلام؛ فإنّ عينيّ قد أبصرتا خلاصك” (لو2: 29- 30)! طبعًا، هو يتكلّم على البصر الدّاخليّ، لا على البصر الخارجيّ. ليديا، بائعةُ الأرجوان في ثياتيرا، في سـِفـْرِ أعمال الرّسل، كانت تجتمع مع النّساء، ليصلّينَ. فقَدِم بولس الرّسول إلى ثياتيرا، واشترك في الصّلاة مع النّسوة. طبعًا، ليديا كانت امرأة تقيّة، وفق مقاييس التّقوى، في ذلك الزّمان، ووفق ما سبق لها أن سمعته في شعبها. والنّصّ يقول: “لمّا أخذ بولس في الكلام، فتح الرّبّ الإله قلبها، لتفهم؛ ففهمت وآمنت” (أع16: 14).

إذًا، كلّ واحد منّا، يا إخوة، ينتظر أن يتجلّى الرّبّ الإله في حياته. طبعًا، نحن بشر عُمِّدنا؛ ومن ثمّ، روحُ الرّبّ مقيم فينا. لكنّه مقيم فينا بصورة غير واعية. فلكي يتفعّل وجوده فينا، ولكي نعي هذا الوجود؛ نحتاج إلى جهاد الحقّ، وإلى مسعى الاتّضاع، في إطار الصّلاة الّتي تعلّمناها في شعبنا، وفي إطار التّقوى الّتي نسلك فيها بناءً على ما اختبره غيرنا وسلّمنا إيّاه. هذا أمر بشريّ جدًّا. إذا كان الواحد منّا مريضًا، مثلاً، فماذا يفعل؟! يذهب إلى بعض أصدقائه ويستشيرهم؛ وهم، بدورهم، يقولون له ما يعرفونه، ثمّ يرشدونه إلى طبيب متخصِّص. أيذهب إليه أم لا؟! بشريًّا، يذهب إليه، بطبيعة الحال. هناك حدّ أدنى من الثّقة المتبادَلة بين النّاس، وإلاّ فإنّ الحياة تصبح غير ممكنة. الشـّيء نفسه يُقال عن الإلهيّات. نحن نسلك في ما تعلّمناه، لأنّ آخرين قَبْلَنا اختبروه. لكن، طبعًا، هذا لا يكفي. نحن نسلك فيه على رجاء أن نشترك في الخبرة الّتي اشتركوا هم فيها، في وقت من الأوقات. وهذا مُيسَّر لكلّ واحد منّا. الإنسان الّذي يسلك في هذه الأمانة للتّراث، وفي محبّة الحقّ، وفي تواضع القلب، لا يمكن إلاّ أن يختبر ما سبق للّذين سبقوه أن اختبروه. هذه بديهيّة إيمانيّة. الرّبّ الإله لا يشاء أن نكون عميانًا؛ لكنّه لا يشاء، أيضًا، أن نتمرّغ في شكوك عقولنا؛ لأنّها لا تأتي علينا إلاّ بالآلام والضّيقات، ولا يمكنها أن تبلّغنا إلى اليقين الكيانيّ الّذي نشتهيه. هذا، إذًا، هو مسير كلّ واحد منّا. ليكن كلّ واحد منّا على ثقة بأنّه إن خطر في باله أفكار شكّ، فالرّبّ الإله لا يدينه عليها، على الإطلاق. هذا هو واقع الإنسان. المهمّ ألاّ يستسلم للشـّكّ، لأنّ الاستسلام للشـّكّ لا يأتي به إلى اليقين، على الإطلاق؛ لا بل يحول دون انبثاق اليقين الإلهيّ، في حياته.

إذًا، علينا أن نسلك، في حياتنا، على الرّجاء. والرّجاء بالله لا يُخزي. نسلك كالأطفال؛ ونعلم، في آن، أنّ الرّبّ يحفظ الأطفال. نسلك ونحن لا نعرف إلى أين نحن ذاهبون، لكنّ الّذي دعانا يعرف تمامًا. الرّبّ الإله دعا إبراهيم من بلاد ما بين النّهرين، وقال له: “اخرج من أرضك ومن عشيرتك إلى الأرض الّتي أريك” (تك12: 1)! الّتي أريك فيما بعد! وخرج إبراهيم إلى حيث قال له الرّبّ الإله أن يذهب! خرج وهو غير عارف إلى أين، لا بل إلى مَن كان ذاهبًا، ولو كان عارفًا وجهة سيره. لكنّ الله كان يقوده خطوةً خطوة. علينا أن نتعلّم أن نترك الله يقودنا خطوةً خطوة. إذا كنّا نحن غير عارفين، فالله عارف بكلّ شيء. فقط، علينا أن نتعلّم كيف نُسلم أمرنا إلى الرّبّ الإله، حتّى لو لم تكن لنا به معرفة! أوّل ما تعرّف بطرس إلى الرّبّ يسوع، لم يكن، بعد، قد عرفه كصديق، ولا كنبيّ، ولا كمعلِّم. قال له الرّبّ يسوع أن يُلقي بشبكته في جانب السّفينة الأيمن؛ فأجابه بطرس: “لقد تعبنا اللّيل كلّه، ولم نُصـِب شيئًا؛ لكن، على كلمتك أُلقي شبكتي”؛ فألقى الشـّبكة، فأصاب سمكًا  كثيرًا جدًّا (لو5: 4- 6)! إذًا، علينا، على كلمة الكنيسة، أن نلقي بشبكتنا، حتى لو تعبنا في ليل العقل طويلاً ولم نُصـِب شيئًا. لكن، على كلمة الكنيسة نُلقي بهذه الشـّبكة، ولا بدّ لنا من أن نصيب صيدًا عظيمًا. هذا هو مسيرنا، يا إخوة، اليوم، وغدًا، وإلى المنتهى؛ فلا يستسلمنّ أحد منّا لمخاوفه. إذا كان أحد منكم يظنّ أنّه يشكّ؛ فكلّنا، في الحقيقة، يشكّ. نحن بشر! إذا كان أحد منكم يخاف الموت؛ فكلّنا، في الحقيقة، يخاف الموت. لكن، نحن نعلم أنّ الرّبّ الإله لا بدّ له من أن يعبر بنا، كما عبر بزكّا العشـّار، ومتّى العشـّار، والتّلاميذ الّذين كانوا يصطادون سمكًا. لا بدّ للرّبّ يسوع من أن يعبر في حياة كلّ واحد منّا. فإذا كنّا مهيَّئين داخليًّا لمعاينته، فإنّه يفتح قلوبنا، فنعاينه. إذ ذاك، نبلغ المرام؛ وبعد ذلك، نصير، عن يقين، مستعدّين لأن نردّد قولة سمعان الشـّيخ: “الآن أَطلـِق عبدك، أيّها السّيّد، على حسب قولك بسلام؛ فإنّ عينيّ قد أبصرتا خلاصك” (لو2: 29- 30).

آمين.

* عظة حول متّى13: 54- 58 في السّبت 23 تشرين الأوّل 2010

الفلسفة ومعرفة الله

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

          سوف نرى الآن كيف يمكننا اكتساب معرفة الله. إن الفلسفة، التي اتبعها برلعام والعديد من معاصرينا، لا تقدم معرفة حقيقية عن الله وتؤدي بالمفكرين المتأملين إلى عبادة أوثان.

         لقد أصر برلعام على أن معرفة الله ليست متعلقة برؤية الله ولكن بفهم الإنسان (قدرته العقلية). ولأنه ادعى أننا قادرين على اكتساب معرفة الله من خلال الفلسفة، فإنه صنف الأنبياء والرسل الذين رأوا النور غير المخلوق على أنهم أقل من الفلاسفة. لقد ادعى أن النور غير المخلوق يدرَك بالحواس، وهو مخلوق، وأنه”أقل من فهمنا”.

         أكد القديس غريغوريوس بالاماس، كحامل للتقليد وكرجل إعلان، عكس ذلك. لقد أوضح في لاهوته تعليم الكنيسة عن أن النور غير المخلوق ورؤية الله هو ليس مجرد رمز، ولا هو حسي ومخلوق، ولا هو أقل من التفكير البشري: إنه الاتحاد بالله. يُحسب الشخص مستحقاً لرؤية الله من خلال الاتحاد به. هذا الاتحاد بالله ليس حالة تجريدية، ولكنه اتحاد بين الإنسان والله. بتعبير آخر، فإن الشخص الذي يبصر النور غير المخلوق يراه لأنه متحد بالله. إنه يراه بعينيه الداخليتين، وأيضاً بعينيه الخارجيتين، اللتين تكونان قد تحولتا بفعل قوة الله. بالتالي تكون رؤية الله هي اتحاد الإنسان بالله، وهذا الاتحاد هو معرفة الله. عندئذ يُحسَب الإنسان مستحقاً لمعرفة الله، وهذه المعرفة تفوق المعرفة البشرية والإدراك الحسي.

         ينبغي علينا لكي نصل لرؤية النور غير المخلوق أن نقطع كل رباطات النفس بأشياء هذا العالم، وأن ننزع أنفسنا من كل شيء من خلال حفظ وصايا المسيح، ومن خلال اللاهوى الناتج عن ذلك. ينبغي علينا أن نمضى إل ما وراء النشاط المعرفي “من خلال صلاة حارة، صادقة، غير مادية”. هذا هو السبب الذي يجعل المرء محتاجاً للشفاء أولاً. هذا الشفاء يتحقق من خلال حفظ وصايا المسيح، وتحرير النفس من ارتباطها بالأشياء  المخلوقة. يستنير الإنسان بالنور الذي لا يُدنى منه “في اتحاد سامٍ فائق للمعرفة”، ومن خلال هذا الاتحاد يرى الله. إنه يصبح نوراً، ويرى بواسطة النور، “…يصير نوراً ويبصر من خلال النور”. وإذ يبصر النور غير المخلوق فإنه يعرف الله، ويكتسب معرفة الله، لأنه عندئذ “يدرك بحق أن الله فائق اللمعان ويفوق كل فهم”.

         يتكلم القديس غريغوريوس بالاماس عن الدهش. إلا أن نوع الدهش الموصوف في تقليد الآباء ليس له أية علاقة بالدهش الخاص بكهنة الإغريق، أو الدهش الموجود في الديانات الأخرى. يتأتى الدهش بالمعنى الآبائي عندما ينتزع النوس نفسه من كل الأشياء المخلوقة في الصلاة، أولاً “من كل ما هو مخزٍ، وشرير، وسيء، ثم من كل الأشياء المحايدة…”. الدهش هو، فوق كل شيء، انعزال عن الذهن الجسداني العالمي.

         يتخلى النوس، من خلال الصلاة الحقيقية، عن “كل الأشياء المخلوقة”. هذا الدهش أسمى من علم اللاهوت التجريدي المبني على الحدس، وهذا الدهش يخص فقط أولئك الذين وصلوا للاهوى. إلا إنه لا يمثل الاتحاد بعد، ” ما لم يـُـنِـر المعزي من أعلى الإنسان المواظب على الصلاة في العلية، التي هي أعلى نقطة يستطيع الإنسان الوصول إليها، حيث ينتظر وعد الآب، وحيث يرفعه الروح لرؤية النور”. بتعبير آخر، فإن الدهش، الذي هو صلاة قلبية دائمة حيث لا يكف النوس عن تذكر الله ويكون منتَزَعاً عن الأهواء وعن عالم الخطية، ليس هو بعد الاتحاد بالله. يتأتى اتحاد الإنسان بالله عندما يأتي الباراقليت للإنسان الذي يصلي وينتظر وعد الآب في “العلية”، التي هي أعلى نقطة في إمكانيات الإنسان الطبيعية، حيث يختطفه لرؤية النور غير المخلوق. الاستنارة الإلهية هي علامة اتحاد الإنسان بالله.

         تقدم رؤية الله والاتحاد به للإنسان معرفة الله الروحية، فمن خلالها يكتسب معرفة الله الحقيقية. عطية الروح القدس المانحة الاتحاد بالله، الذي هو نور فائق الوصف، تحول أولئك الذين تلقوها إلى نور إلهي. إنها لا تملأهم فقط بالنور الأبدي ولكنها “تمنحهم معرفة وحياة جديرة بالله”. في هذه الحالة يكتسب المرء معرفة الله.

         هنا نرى الرابطة الوثيقة بين رؤية الله، والاتحاد به، ومعرفته. فلا يمكن فهمهم منفصلين عن بعضهم البعض، وفصل هذه الرابطة يبعدنا بعيداً عن معرفة الله. يرتكز التعليم الأرثوذكسي عن معرفة الله على الاستنارة وإعلان الله داخل قلب الإنسان المتطهر.

         لا تنبع رؤية النور غير المخلوق ومعرفة الله الناتجة عن هذه الرؤية من قدرة الإنسان العقلية. إنهما لا يشكلان كمال الطبيعة المنطقية كما أكد على ذلك برلعام، ولكنهما يفوقان العقل. تمنح هذه المعرفة من الله للقلب الطاهر. الإدعاء بأن هذه العطية المانحة الاتحاد بالله هي تطور لطبيعتنا العاقلة يضاد بشارة المسيح. فلو كان الاتحاد بالله عطية طبيعية، لأصبح كل شخص إلهاً بدرجة أو بأخرى. لكن “القديسين المتحدين بالله يتجاوزون الطبيعة”، هم مولودون من الله والله أعطاهم السلطان ليصيروا “أبناء الله”.

الطريقة الخاطئة

الأب جورج فلوروفسكي

… اللاهوتيون في هذه الأيام، أرثوذكسيون وكاثوليك وغيرهم، يريدون أن يخرجوا من هذا الارتباك لكنهم يقومون بذلك بالطريقة الخطأ. إنهم يبدؤون بالمسائل الخطأ التي يطرحها الفكر المعاصر ويحاولون تكييف الرسالة المسيحية مع هذه الأسئلة الخطأ، وما من شيء حسن يمكن أن يصدر عنها. لكن المنهجية اللاهوتية الحقيقية تبدأ بالرسالة وتحاول أن تفهم تساؤلات اليوم على ضوء الرسالة. إنطباعي أن الكثيرين من اللاهوتيين يسألون: كيف يمكن أن نكيّف المنهج بحسب عقلية الهيبيز؟ وسؤالي هو: كيف يمكن أن يكون للرسالة وقعٌ على الهيبي؟ كيف تقدمون الرسالة إلى الهيبي للتأثير به من خلالها؟ إن هذا سؤال منهجي. صحيح أن على الطبيب أن يبدأ من المرض، لكنه يتعامل معه على أنه مرض. أمّا إذا لم يراه كمرض بل مجرّد حقيقة غاشمة، فلن يستطيع أن يشفيه. الناس متأثّرون بالفوضى القائمة اليوم، حتّى أنّهم يحاولون أن يلائموا الإنجيل معها. حسناً، هذا مستحيل.

* من ملاحظات غير منشورة دوّنتها سكرتيرة الأب جورج فلوروفسكي ماريا فوروبفيوفا أواخر ستينينات القرن العشرين

التحليل النفسي وتوحيد النفس

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

          إننا نستطيع ملاحظة انتشار الميل للتحليل النفسي في هذه الأيام، حيث يُفَسَر كل شيء من منظور علم النفس الذي يضع الإنسان في مركز الكون، ومن هنا ظهر علم النفس الإنساني المتمركز حول الإنسان. يعتبر التحليل النفسي وسيلة لاكتشاف عالم الشخص الداخلي واكتسابه اتزاناً نفسياً. على أية حال، لو درسنا كتابات الآباء بتفصيل، لاكتشفنا أنهم يتكلمون بالأكثر عن توحيد النفس. لأن النفس ابتعدت عن الله، تمزقت داخلياً وصارت محتاجة للتوحيد. يتناول القديس غريغوريوس بالاماس هذا الموضوع في تعليمه.

         أصر برلعام الفيلسوف على أنه لا يمكن العثور على القداسة والكمال “بدون تمييز عقلاني، ومنطق وتحليل”. وبالتالي نصح بأن من يريد اكتساب الكمال والقداسة يحتاج لأن يتعلم “طرق التمييز، والمنطق، والتحليل”. دحض القديس غريغوريوس هذا الرأي، الذي هو “هرطقة رواقية وفيثاغورسية”. إنه يُعَّلِّم أن المسيحيين لا ينظرون للمعرفة المتأتية من الكلمات والاستنتاجات على أنه حقيقية، “ولكن فقط للمعرفة الظاهرة في الأعمال والحياة، التي هي ليست فقط حقيقية ولكنها أيضاً أكيدة وغير قابلة للدحض”. إنه يسترسل في القول أنه من المستحيل أن نعرف أنفسنا بواسطة التمييز والمنطق والتحليل، ما لم نتحرر من الكبرياء والشر من خلال توبة قوية ونسك مطرد. إن من لم يطهر نفسه بهذه الطريقة لن يصبح واعياً لفقره الشخصي، التي هي نقطة بداية جيدة نحو معرفة الذات.

         هذا الجزء من تعليم القديس غريغوريوس معبر جداً لأن العديد من الناس يعلمون في هذه الأيام أننا نستطيع أن نصل لمعرفة الله من خلال التحليل النفسي. على أية حال، قد يؤدي ذلك لعواقب وخيمة. عندما يقوم الشخص بتحليل نفسه فإن ذلك يؤدي على الأرجح إلى الفصام. الطريقة النسكية بسيطة. من خلال حفظ النوس وتطهيره، وإعادته للقلب من خلال التوبة والصلاة القلبية، ومن خلال حفظ وصايا المسيح، نعمل على تحريره من الصور ومن أسر الأمور المدركة بالحواس له. إننا نصل لمعرفة ذواتنا من خلال عمل الروح القدس، ولا نكتسب وعياً دقيقاً بكل تفاصيل كياننا إلا عندما تنير نعمة الله النفس بالإضافة إلى جهادنا الشخصي. يكشف شفاء النوس عن وجود الأهواء. وعندئذ، إذ نستنير ونتقوى بالروح القدس نستطيع محاربتها.

ما بين الهواتف الخليوية ومسابح الصلاة

ماذا يحصل إذا تعاملنا مع مسبحتنا كما نتعامل مع هاتفنا الخليوي؟

ماذا لو حملناها معنا حيثما نذهب؟

ماذا لو استخدمناها عدّة مرّات في اليوم؟

ماذا لو عدنا لنجلبها إذا ما نسيناها؟

ماذا لو استعملناها لتلقّي رسائل أكثر وضوحاً وموثوقية؟

ماذا لو عاملناها وكأننا لا نستطيع العيش من دونها؟

ماذا لو قدّمناها هدية للأولاد وعلّمناهم كيفية استعمالها؟

ماذا لو استعملناها أثناء سفرنا؟

ماذا لو استعملناها في حالات الضرورة؟

وشيء إضافي آخر: على خلاف الهواتف الخليوية لا ينبغي بنا أن نحمل همّ أن ينقطع إرسال مسبحة صلاتنا فالفاتورة مدفوعة مسبقاً.

هذا يقودنا إلى التساؤل عن أين هي أولوياتنا؟

قصتان من الأدب الرهباني

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع – دده، الكورة

 المسامحة

منذ سنوات عدّة التحق الأخ جبرائيل بأحد الأديار، وبدأ حياته الرهبانيّة بجدّيّة وحماس. أخذ هذا الأخ يتقدّم، يومًا بعد يوم، في الفضيلة، فكان الأوّل في الطاعة والوداعة و…

لاحظ رئيس الدير، يومًا، الأخ جبرائيل يمرّ كلّ يوم سبت بعد صلاة الغروب على قلالي إخوته الرهبان يطلب منهم المسامحة قائلاً: “باركوني واغفروا لي” فكان يسمع ردّ الرهبان له: “ليباركْك الله ويغفر لك”، فظنّ، للوهلة الأولى بأنّ الأخ جبرائيل ارتكب ذنبًا ما، وهو يطلب المسامحة عليه.

ولكن، ولمّا تكرّر الأمر لأسابيع وشهور، استدعى الرئيس الراهب المجاهد، وسأله:

- أراك، يا بنيّ، تمرّ على قلالي الرهبان بتواتر تطلب منهم المغفرة، فهل أخطأت إليهم؟ وإن كان قد حصل ذلك، فلماذا لم تعترف لي به؟

- كلا، يا أبي، فأنا، بمعونة الله وصلواتك، حريص جدًّا ألاّ أزعج إخوتي الرهبان بتصرّفاتي أو بأقوالي.

- ولكن، لماذا، إذًا، تقوم بهذا العمل كلّ يوم سبت فقط؟

- سامحني، يا أبي، لقد سبق لي أن قرأت في كتاب روحيّ قديم وجدته صدفة في مكتبة الدير، أنّ كلّ يوم سبت بعد صلاة الغروب تجتمع الملائكة الحارسون أمام عرش الله لتقدّم تقارير عن تصرّفات البشر، فيأتيّ كلّ ملاك حارس، ويسجد أمام العرش الإلهيّ حيث يجلس الربّ يسوع المسيح الديّان، ويبلّغه أعمال الناس. فيفرح الربّ بالأعمال الصالحة ويبارك عامليها، ويحزن للأعمال السيّئة، آملاً أن يتوب مقترفيها، لئلاّ يُحكَم عليهم يوم الدينونة الرهيب مع الأشرار، وتصير الجحيم نصيبهم إن لم يتوبوا.

ولذلك، تراني، يا أبي القدّيس، أسامح الآخرين على أقلّ الهفوات الصادرة منهم، وأطلب، أنا أيضًا، مسامحتهم لي على زلاّتي تجاههم لأفلت من دينونة الله الرهيبة والقضاء الأبديّ.

أحكام الله

حدث، يومًا، أن ابتهل شيخ قدّيس إلى الله لكي يكشف له السرّ التالي: لماذا معظم الصدّيقين والأتقياء فقراء يشقون ويُظلَمون، فيما العديد من الخطأة والظالمين أغنياء يتنعّمون؟ وكيف تُترجم أحكام الله هذه؟

وإذ أراد الله أن يكشف له سؤل قلبه سمع صوتًا يقول له أن “اذهبْ إلى العالم وسوف ترى تدبير الله”.

لم يتباطئ الشيخ في طاعة الصوت الإلهيّ، بل قام، وغادر، للحال قلاّيته باتّجاه العالم. فوجد نفسه يسلك طريقًا واسعًا يعبره الناس بكثرة، وكان هناك مرج فسيح وصنبور ماء عذب. اختبأ الشيخ في جوف إحدى أشجار المرج مترقّبًا منتظرًا.

 وبعد هنيهة مرّ بالمكان رجل غنيّ، فترجّل عن حصانه وجلس ليأكل. ثمّ أخرج كيس نقود يحوي مائة ليرة ذهبيّة وأخذ يعدّها. ولمّا انتهى من عدّها أعادها إلى الكيس على أن يضعه بين طيّات ثيابه حيث كان أوّلاً عندما يفرغ من طعامه. وفي هذه الأثناء سمع صوتًا يناديه، فأسرع بسرعة البرق، وامتطى جواده من جديد وانطلق في طريقه مخلّفًا وراءه ذهبيّاته الثمينة.

لم يمضِ زمن قليل حتّى مرّ بالموضع نفسه عابر سبيل آخر، هذا وجد كيس النقود موضوعًا على الأرض، فالتقطه وحثّ خطاه مبتعدًا.

وبعد ذلك أتى رجل ثالث، وكان فقيرًا متعَبًا ينوء تحت حمل ثقيل يحمله على منكبيه، وهو يسير على قدميه متمهّلاً. فجلس، هو أيضًا، هناك ليرتاح. وفيما هو يخرج خبزة يابسة ليأكلها، جاء الغنيّ ووقع عليه قائلاً بغضب: “أسرع وأعطني النقود التي وجدتَها”. فأجاب الفقير بيمين معظّمة بأنّه لم يجد شيئًا من هذا القبيل. حينئذ ابتدأ الغنيّ يضربه بسِير الحصان الجلديّ. وبضربة على أمّ رأسه أصاب منه مقتلاً، فأرداه صريعًا، ثمّ شرع يفتّش ثياب الفقير وأغراضه كلّها، ولمّا لم يعثر على شيء ذهب والندم يتأكّله.

أمّا الأب الشيخ الذي كان يشاهد كلّ شيء، فأخذ ينتحب مدمّى الفؤاد من جرّاء القتل الجائر، متوسّلاً إلى الربّ: “يا ترى ما هي مشيئتك، يا ربّ، وكيف يحتمل صلاحك هذا الأمر؟!!”. وللحين حضره ملاك خاطبه قائلاً: “لا تحزن، أيّها الشّيخ، لأنّ جلّ ما يحصل إنّما يحصل بحسب مشيئة الله وتدبيره من أجل التأديب والخلاص. اعلم أنّ الذي أضاع المائة الذهبيّة هو جار لذاك الذي وجدها. هذا الأخير هو صاحب بستان يساوي مائة ليرة ذهبيّة، وقد أخذه منه الغنيّ الجشع بخمسين، فقط، وبطريقة غير قانونيّة. وبما أنّ البستانيّ الفقير توسّل إلى الربّ أن يأخذ العدل مجراه، فشاء الله أن ينال مطلبه مضاعَفًا إذ حصل على مائة بدلاً من خمسين.

أمّا ذاك الذي قُتل ظلمًا، فكان ارتكب جريمة قتل هو نفسه في الماضي، فإذ أراد الله أن يخلّصه ويطهّره من خطيئة القتل، بما أنّه كان قد قام  بأعمال حسنة قد أرضت الله، دبّر أن يُقتل هو ظلمًا لتخلص نفسه.

أمّا الجشع الطمّاع الذي سبّب القتل، فقد كان مزمعًا أن ينتهي أمره في الجحيم بسبب محبّته للفضّة. لذا سمح الله أن يقع في خطيئة القتل لكي تتوجّع روحه، فيطلب التوبة والرحمة. وها هو الآن قد ترك العالم وذهب يطرق باب أحد الأديار ليترهّب ويعيش حياة الانسحاق والندم ويبكي على خطاياه.

أمّا أنت، فعُدْ، الآن، إلى قلاّيتك، ولا تكثر من فحص أحكام الله لأنّها بعيدة عن الكشف والتنقيب”.

إنّنا نحن معشر البشر نحاول أن نبحث عن أمور لا تُحدَّد تفوق قدراتنا. فحيث يضع الله نقطة مثلاً، لا نستطيع نحن أن نستبدلها بعلامة استفهام. وكخاتمة فلنسمع القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم يدعونا قائلاً:  “الأحزان تولّد الصبر، ومحبّة الله تعرف مقدار تحمّلنا للأحزان. العناية الإلهيّة لا تُفسَّر واهتمامه بنا لا يُدرَك. إنّ أحكام الله عميقة جدًّا وبعيدة عن الاستقصاء”.