السنة الحادية عشرة – العدد السابع – نيسان 2015

السنة الحادية عشرة – العدد السابع – نيسان 2015

مختارات آبائية

من رسالة إلى أخٍ في العالم، القديس موسى أوبتينا

من عظة أحد حاملات الطيب 1991، الميتروبوليت أنتوني بلوم

عظة

قوّة الكلمة الإلهيّة، الأرشمندريت توما بيطار

حياة روحية

لماذا الخطيئة ليست مشكلة أخلاقية؟، الأب ستيفن فريمان

كيف عكست آلامُ المسيح سقوطَ آدم، جون سانيدوبولوس

عزلة الإنسان المعاصر، الأب ستيفان فريمن

لا تفعل بنفسك سؤاً، الأب أنطوان ملكي

مسكونيات

ملاحظات حول العمل المسكوني، الميتروبوليت هيلاريون

توحيد الفصح بين الشعبوية والهمّ الكنسي، الأب أنطوان ملكي

من رسالة إلى أخٍ في العالم

من رسالة إلى أخٍ في العالم

القديس موسى أوبتينا

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

يا أخي، تصوّرْ دائماً هذه الحقيقة لنفسك: أنّ ما يزرعه الإنسان في هذه الحياة يجنيه مئة ضعف في الحياة الآتية. وامتحن ذاتك يومياً على أساس هذه الحقيقة، ماذا بذرت للحياة الآتية، أقمحاً أو أشواكاً؟ وبعد امتحان نفسك، اعتزم على فعل ما هو أفضل في اليوم التالي، وعَيشِ حياتك كلها على هذا النحو. إذا كنت قد قضيت اليوم بشكل سيئ، بدون صلاة الى الله كما يجب، ولو للحظة واحدة دون شعور بالندم من القلب، من دون أن تواضع نفسك عقلياً، دون أن تظهر العطف أو الصدقة لأحد، من دون مسامحة شخص ما على خطأ، دون احتمال الإهانة بصبر، بل بدلاً من ذلك أفسحت الطريق للغضب ولم تظهِر أيّ ضبط للنفس في الكلام أو في الأكل والشرب، أو إذا تركت عقلك يُغمَر في الأفكار النجسة – عندما تقوم بمراجعة كل هذا في عقلك، أدِنْ نفسك وفقاً لضميرك واعقد النية في اليوم التالي على أن تكون أكثر انتباهاً إلى ما هو خير وتحترس أكثر مما هو شر

وهكذا، انتبه أكثر من أي وقت مضى لحقلك، أيها العزيز، ونظّفه من الشوك، واحذرْ كمسيحي حقيقي من العمل فقط للطعام البائد، بل لذلك الذي يدوم إلى الحياة الأبدية (يوحنا 27:6). إذ ماذا نكسب إذا كنّا إرضينا ذواتنا تماماً في هذه الحياة بالشرف والمجد والثروة وجميع أنواع الملذات، ولكننا أفرغنا روحنا من ثمار الروح القدس، فنمثل أمام الله مجرّدين مثل شجرة غير مثمرة يابسة تلقى في النار(متى 10:3)؟ بِرَجُلِك الخارجي قدّم ما لقيصر لقيصر (مرقس 17:12)، أما بِرَجُلِك الداخلي فحدّق دائماً نحو الله وتأمّلْ ناموسه، والله سيكون معك

أكثر من أي شيء آخر، أخشى أن تتأذى من الرِفقة السيئة. الرفيق الذي لا يفكّر إلا بالنساء والأوقات الطيبة هو رفيق سيئ بالتأكيد. إذ كما يقول الكتاب، الْخَمْرُ وَالنِّسَاءُ تَجْعَلاَنِ الْعُقَلاَءَ أَهْلَ رِدَّةٍ (ابن سيراخ 2:19). ابتعد عن مثل هؤلاء الناس، فالعادات الرخوة والشهوانية تتجذّر فينا بسرعة وسهولة، وأنه من الصعب جداً التخلص منها. قلّة هم الذين يحررون أنفسهم تماماً من العادات الشريرة، ومعظمهم قد انهوا حياتهم في هذه الأهواء إلى حين دينونتهم الأبدية، فليجنبنا إياها الرب الرحيم، أنت وأنا. أنا على ثقة أنّ فيك روح مخافة الله التي تمكّنك من حماية نفسك من الخطيئة والاسترشاد نحو الفضيلة. هذه القراءات التي أبعث بها إليك يمكن أيضاً أن تساعدك في هذا المجال. احفظ هذه المبادئ قدر استطاعتك، وبالتأكيد “يتجدد كالنسر شبابك”

أما بالنسبة لي، فأنا أعيش منفرداً في نفس المكان كما من قبل. المجد لله! أنا في صحة جيدة ومحفوظاً بنعمة الله

من عظة أحد حاملات الطيب 1991

من عظة أحد حاملات الطيب 1991

المتروبوليت أنطوني بلوم

نقلها إلى العربية كمال كدر

باسم الآب والابن والروح القدس آمين

نتذكر اليوم النسوة الحاملات الطيب، ويوسف الرامي ونيقوديموس، أناسٌ بالكاد ذُكروا في سياق الإنجيل. لكنهم، عندما بدا كأن المسيح قد غُلب وأن الموت والرفض والإهانة والكراهية قد انتصرت، تحلّوا بالأمانة والشجاعة: الأمانة من القلب والشجاعة المتولدة فقط من الحب

في لحظة الصلب، كل التلاميذ هربوا عدا واحد وهو يوحنا الذي وقف عند أقدام الصليب مع والدة الإله. كل الآخرون تخلّوا عن المسيح عدا مجموعة صغيرة من النسوة اللواتي وقفن على مسافة قصيرة من الصليب. وعندما مات يسوع أتين ليدهن جسده الذي قد طلبه من بيلاطس يوسفُ الرامي غير خائفٍ من أن يُعرفَ كتلميذٍ له، لأنه سواء في الحياة أو في الموت، المحبة والأمانة قد انتصرتا

دعونا نعلّق على هذا. من السهل أن نكون تلاميذ للمسيح عندما نكون على قمة الأمواج بمعنى عندما نكون في حماية بلدانٍ لا اضطهاد فيها، ولا رفض لنتحمله، ولا خيانة ممكن أن تقودنا إلى الاستشهاد أو أن نصبح ببساطة ضحايا للسخرية والاستهزاء

دعونا نفكّر بأنفسنا ليس بالنسبة للمسيح فقط بل بالنسبة لبعضنا البعض، لأن المسيح قد قال أنه مهما فعلنا لبعضنا البعض وللأصغر والأقل أهمية نكون قد فعلناه له. دعونا نسأل أنفسنا كيف نتصرف تجاه شخص قد رُفض، قد استُهزئ به، قد رُفض من جماعته، قد أدين من الناس أو من أناسٍ يعنون لنا. هل نبقى أمناء له؟ وهل عندنا الشجاعة لنقول: هو كان وسيبقى صديقنا إن قبلتَه أو رفضتَه؟ ليست هناك من أمانةٍ أعظم من الأمانة والإخلاص التي تتجلى عند الهزيمة

دعونا نعتبر ذلك لأننا كلنا منهزمون بطريقة ما. لكننا نجاهد بما عندنا من طاقة صغيرة أو كبيرة لنكون كما يجب أن نكون، ونحن منهزمون في كل لحظة

يجب ألا ننظر إلى الآخر بعطفٍ فقط بل بأمانة الأصدقاء المستعدين للوقوف إلى جانب الشخص الذي يسقط، يسقط بعيداً عن النعمة، يسقط بعيداً عن مثاله، ويخيّب كل الآمال والتوقعات التي قد وضعناها عليه. حينئذٍ دعونا ندعمه ونقف إلى جانبه، دعونا نكون أمناء ونبرهن أن حبنا ليس مشروطاً بأمل النصر لكنه عطية قلبية مجانية عظيمة ومغبوطة. آمين.

21 نيسان 1991

قوّة الكلمة الإلهيّة

*قوّة الكلمة الإلهيّة

الأرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، لاحظوا الكلام الّذي ورد في إنجيل يوحنّا. “قال الرّبّ لتلاميذه: الكلام الّذي أكلّمكم به لا أتكلّم به من عندي، لكنّ الآب المقيم فيّ هو يعمل الأعمال”

أوّلاً، يقول الرّبّ يسوع إنّ الكلام الّذي يتكلّم به ليس من عنده. هو لا يتكلّم بما هو له، هو لا يعطي رأيًا، هو لا ينظّر، هو لا يتكهّن، هو لا يعبّر عن قناعته الخاصّة كإنسان؛ بل يقول كلام الآب السّماويّ. وطبعًا، لكي يتمكّن الرّبّ يسوع من أن يفعل هذا الأمر، فلا يكفي أن يكون هو والآب واحدًا؛ لأنّه هو كان كذلك، منذ الأزل. لكن، إذا ما تكلّم بهذا الكلام، فهو يتكلّم به كإنسان. فإذا كان، كإنسان، يتكلّم كلام الآب السّماويّ؛ فهذا معناه، أوّلاً، أنّه يتكلّم بهذا الكلام طوعًا، وليس مرغَمًا؛ ثانيًا، هو يتكلّم بكلام الآب السّماويّ، لأنّه قد أخذ صورة عبد؛ أي ليست له، بعدُ، كلمة يقولها. العبد لا يقول شيئًا من عنده، أبدًا؛ بل يسمع ما يقوله سيّده، يردّد ما يقوله سيّده، ينقل ما يقوله سيّده. لذلك، يُقال عن العبد: فلان عبد فلان. هو يتكنّى بكنية سيّده. هويّته من علاقته بسيّده. والرّبّ يسوع، هنا، هو عبد يهوه. هو يتكلّم كلام يهوه، هو يتكلّم كلام الآب السّماويّ، ولا يتكلّم من عنده كإنسان. كإنسان، ليس عنده كلمة يقولها

ثمّ هناك، في هذا القول، شيء آخر لافت. بعد أن قال إنّه لا يتكلّم بهذا الكلام من عنده، قال: “لكنّ الآب المقيم فيّ هو يعمل الأعمال”. هنا، نلاحظ قولَين لافتين

أوّلاً، يقول إنّ الآب مقيم فيه. إذًا، الآب السّماويّ لا فقط يوحي للابن بما عليه أن ينطق به، بل هو مقيم فيه، أيضًا. فإذا كان مقيمًا في الابن، وإذا كان الابن صامتًا من جهة نفسه، أي لا يشاء أن يتكلّم بشيء من عنده؛ فالكلام الّذي يتفوّه به يكون الآبُ، عمليًّا، هو الّذي يتفوّه به؛ إنّما في الابن ومن خلاله، وإلاّ ما معنى أن يكون الآب مقيمًا في الابن؟

ثانيًا، الرّبّ يسوع، هنا، لا يقول: “الآبُ يتكلّم فيّ”، بل يقول: “الآب المقيم فيّ هو يعمل الأعمال”! في الوقت الّذي ينتظر فيه الإنسانُ أن يسمع السّيّد يقول: “الآب هو الّذي يتكلّم”؛ يقول الرّبُّ يسوع: “الآب هو الّذي يعمل الأعمال”. ما معنى ذلك؟! معنى ذلك أنّ الكلام الّّذي يتكلّم به الابن ليس فقط من الآب السّماويّ، بل هو عمل من أعمال الآب السّماويّ. الكلام هو عمل! عند الإنسان، هناك فرق بين الكلام والعمل، هناك مسافة بين الكلام والفعل. عند الله، ليس الأمر كذلك! عند الله، الكلام هو عمل، الكلام هو قوّة. على هذا، نفهم كيف أنّ الله، منذ البدء، حين كان يتكلّم، كان كلامه، بصورة تلقائيّة، يظهر عملاً. مثلاً، قال الرّبّ يسوع للأخرس: “انفتح”، فانفتح لسانه للحال. الكلام هو فعل! ونحن نراه كفعل! وهذا كان، كما قلت، منذ البدء. حين خلق الرّبّ الإله الخليقة، قال، مثلاً: “ليكن نور”، فكان نور. هذا لأنّ كلامه فعل! ولهذا السّبب، قال الرّبّ يسوع لتلاميذه: “الكلام الّذي أكلّمكم به هو روح وحياة” (يو6: 63). هو روح، لأنّ الكلمة الإلهيّة هي روح منبَثٌّ في مَن يكلّمه الرّبُّ الإله. الرّبّ يسوع، متى تكلّم، فإنّه يبثّ روحًا. وفي آن معًا، هو يبثّ حياةً. هذا ليس معنًى مجازيًّا، إنّما هو معنًى روحيّ عميق، يتخطّى فهمَ الإنسان للكلام، وقدرتَه على تعاطي الكلام كأفعال. الإنسان، حين يتكلّم، يحتاج إلى واسطة لكي يتحوّل كلامه إلى فعل. أنا، متى قلتُ، مثلاً، في ذهني: “كرسيًّا”؛ فإنّ الكرسيّ لا يوجد بمجرّد أنّي قلتُ “كرسيًّا”! متى عزمتُ في نفسي على أن أصنع كرسيًّا، فإنّي أحتاج إلى واسطة: أحتاج إلى خشب، وإلى مهارة معيّنة، وإلى مسامير، وإلى طلاء، وإلى نوع من اللاّصق، وإلى وقت… بالنّسبة إلى الرّبّ الإله، الأمر ليس كذلك. الرّبّ الإله يقول “كرسيًّا”، فتصير الكلمة كرسيًّا. لهذا، الكلام الإلهيّ هو الله حاضرًا فيه، وفاعلاً. قيل عن أحد النّسّاك، الّذين كانوا بسطاء ومحبّين لله، إنّه كان، مرّة، يقرأ في الكتاب المقدّس؛ لكنّه لم يكن يقرأه ليفهم المعنى فقط، لم يكن يقرأه كما نقرأ كتابًا عاديًّا لنفهم ماذا يريد الكاتب أن يقول؛ بل كان يقرأه بالرّوح، كان يقرأه باعتباره كلامَ الله، باعتبار أنّ الله حاضر في هذا الكلام. فلمّا وصل إلى المكان الّذي فيه “مَن قال لهذا الجبل: [انتقل، وانطرحْ في البحر]، فإنّه يكون له” (متّى21: 21)، للحال، كان هناك جبل أمامه أخذ يتحرّك من مكانه! أما قرأتم قصّة القدّيس يوحنّا الدّيلميّ؟! يوحنّا الدّيلميّ بنى لرهبانه ديرًا في أعلى الجبل. وكانوا يعانون، لأنّ الماء كان في أسفل الجبل، وكان عليهم أن يتكبّدوا مشاقًّا ليست بقليلة لتأمينه؛ فجعل يوحنّا الدّيلميّ نفسه في الصّلاة، أي جعل نفسه في الرّوح، وسأل الله أن ينقل الدّير من فوق إلى تحت، ليجعله قرب النّهر؛ للحال، تحرّك الدّير، وانتقل إلى قرب النّهر، ولم يتزعزع فيه شيء، على الإطلاق، كأنّ الإنسان أخذ بيتًا من ورق، وأمسكه، ونقله بأصابعه من مكان إلى مكان آخر

إذًا، هذا كلّه يشير إلى قوّة الكلمة الإلهيّة. إذا كنّا نحن لا نشعر بقوّة الكلمة الإلهيّة، فهذا لأنّ قلوبنا بليدة؛ ولأنّنا، في العمق، لسنا، تمامًا، مؤمنين بالله. إيماننا، بالأحرى، إيمان عقلانيّ، نظريّ؛ لكن، مَن كان في الرّوح، وكان مؤمنًا؛ أي مَن كان، في روحه، قد أفرغ نفسه وأخذ صورة عبد؛ فإنّه يدرك قوّة الله الّتي في الكلمة؛ الّتي هي، بخاصّة، في اسم الرّبّ يسوع. اسم الرّبّ يسوع هو قوّة الرّبّ يسوع مقيمةً في اسمه. اليهود، قديمًا، كانوا يدركون هذا الأمر جيّدًا. لهذا السّبب، اسم الله “يهوه” لم يكن أحد يجرؤ على أن يتلفّظ به في العلن. وبالإضافة إلى ذلك، لم يكن أحد يجرؤ على أن يتطلّع إلى الاسم. الاسم كان رهيبًا، في أذهان، على الأقلّ، الأتقياء من اليهود. والّذين كانوا ينسخون النّصوص الكتابيّة، حين كانوا يصلون إلى اسم الله؛ أوّلاً، كانوا يلفّون يمينهم بقماشة خاصّة؛ وكانوا يستعملون ريشة خاصّة لكتابة الاسم؛ وكانوا أيضًا، متى أعدّوا العدّة لكتابة الاسم، يكتبونه وعيونهم مغمَضَة. طبعًا، بالنّسبة إلينا، اليوم، هذا قد لا يعني شيئًا. لكن، بالنّسبة إلى الوجدان العبريّ، هذا كان يعني أنّ الله، في أذهان النّاس، كان حاضرًا في اسمه. وهذا كان السّبب الّذي حدا باليهود إلى أن يستعيضوا عن اسم الله بأسماء أو صفات أخرى. من هنا جاءت، مثلاً، لفظة “سيّد” و”ربّ”، و”كيريوس”، و”إيلوهيم”… هذه كلّها كانت بدائل عن الاسم، لأنّ النّاس يحتاجون إلى أن يتعاطوا الاسم الإلهيّ. وبما أنّهم أعجز من أن يتعاطوه مباشرة، كانوا يشيرون إليه باستعمال بدائل عنه. لهذا، أعود وأقول: إذا كنّا نحن لا نشعر بقوّة كلمة الله؛ وبخاصّة، بقوّة الاسم الإلهيّ؛ فهذا عائد إلى بلادة قلوبنا، وعدم نقاوة نفوسنا. القدّيس سيرافيم ساروفسكي، مثلاً، حين كان يقرأ الكتاب المقدّس، لم يكن يجلس مرتاحًا على أريكة، ويمدّ رجليه، أو يجعل رِجلاً فوق رِجل! حين كان يريد أن يقرأ الكتاب المقدّس، كان يحمله بين يديه، ويُضيء شمعة، وينحني كأنّه في فعل عبادة، وكان يقرأه بخشوع كامل، كأنّه في وضع السّجود والتّسبيح، وليس في وضع القراءة العاديّة! منذ فترة، كنتُ في دار جمعيّة الكتاب المقدّس، فعجبتُ كيف يتعاطون الكتاب المقدّس. بالنّسبة إليهم، العمليّة هي عمليّة بيع وشراء! يأخذون كتابًا، ويعطون كتابًا، ويجعلون كتابًا هنا أو هناك، في مكان لائق، في مكان غير لائق! ويجعلون أشياء وأشياء على الكتاب المقدّس!… بالنّسبة إليهم، أصبح الكتاب المقدّس مجرّد كتاب! وهم يتعاطونه بهذه الطّريقة، بالضّبط، لأنّهم يعتبرون أنّ الشـّيء الأساسيّ المهمّ هو معاني الكتاب. لذلك، لا يخطر في بالهم أنّهم يسيئون بشيء إلى الله، حين يتعاطون الكتاب بالطّريقة الّتي يتعاطونه بها! لكنّ الكتاب المقدّس أكثر من خطوط، وأكثر من معانٍ. الكتاب المقدّس هو حضور الله، بالذّات، بقوّته، طبعًا. الله حاضر، بقوّته، في الكتاب المقدّس. الأرثوذكسيّون لا يزالون، إلى حدّ بعيد، يحافظون، في تراثهم، وليس بالضّرورة في ممارساتهم، على هذا الأمر. مثلاً، حين يمسكون بالكتاب المقدس، فبصورة تلقائيّة، يقبّلونه؛ وحين يريدون أن يردّوه إلى موضع معيّن، يقبّلونه، أيضًا، ويجعلونه في هذا المكان؛ وحين يريدون أن يقرأوا فيه، يصلّون لكي يعطيهم الرّبّ الإله روح الفهم. روح الفهم أكبر بكثير من معاني الكلمات. الإنسان يمكن أن يفهم معنى الكلمات؛ لكنّه لا يفهم، بالضّرورة، الرّوح المنبثّ في هذه الكلمات

إذًا، المطلوب، بالضّبط، هو أن نفهم بالرّوح، لا أن نفهم بالعقل، فقط. طبعًا، الإنسان لا بدّ له من أن يستعمل عقله، ولا بدّ له من أن يفهم الأمور في مستوى العقل. لكن، ما هو أهمّ من ذلك هو الفهم بالرّوح. حين نقرأ، مثلاً، كلمة “يسوع”، نفهم ماذا تعني! تعني “المخلّص”، مَن يخلّص شعبه من خطاياه؛ لهذا السّبب سُمّي الرّبّ بـ”يسوع”. لكن، نحن لا نتوقّف عند هذا الحدّ. نحن، حين نأتي بإزاء الكلمة الإلهيّة، وبخاصّة الاسم الإلهيّ، علينا، داخليًّا، أن نكون في موقف خشوع؛ لأنّنا بإزاء الحضرة الإلهيّة المنبثَّة في كلام، والمعطاة لنا؛ لكي تكون لنا، بهذا الكلام، حياةٌ جديدة، وروحٌ جديد. إذ ذاك، يصير الكلام الإلهيّ، في حياتنا، فعلاً إلهيًّا؛ ولا يبقى مجرّد كلام. فإذا فطنّا لهذا الأمر، وإذا تعاطيناه كما يليق؛ نكون قد أدركنا ما قاله الرّبّ يسوع، حين ردّد أنّ الكلام الّذي يتكلّم به ليس من عنده، لكنّ الآب المقيم فيه هو يعمل الأعمال

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

 عظة حول يو14: 10- 21 في السّبت 4 حزيران 2011

لماذا الخطيئة ليست مشكلة أخلاقية؟

لماذا الخطيئة ليست مشكلة أخلاقية؟

الأب ستيفن فريمان

نقلتها إلى العربية جولي عطية

لم يسبق للعديد من القرّاء أن سمعوا بالتقدّم الأخلاقي، لذلك لم أُفاجأ عندما طُلب مني الكتابة بعمق عن هذا الموضوع. سوف أتناول موضوع الخطيئة، فإذا فهمنا بشكل صحيح طبيعتها ومظهرها الحقيقي، ستتّضح تباعًا فكرة الأخلاق. سأُظهر أولاً الفرق بين مفهوم الأخلاق والمفهوم اللاهوتي للخطيئة، فهما عالمان مختلفان

لفظة “أخلاق” هي مصطلح شامل يصف عامّة مدى الالتزام (أو عدمه) بمجموعة المعايير السلوكية. ونلاحظ، انطلاقًا من هذا المفهوم، أنّ الجميع يلتزم بشكلٍ من أشكال الأخلاق. فالملحد الذي لا يؤمن بالله يبقى عنده حسّ داخلي يميّز الصواب من الخطأ، ويضع لنفسه وللآخرين مجموعة توقعات. لكن لا يوجد مجموعة معايير أخلاقية متفق عليها عمومًا. فالشعوب المختلفة والثقافات المتباينة عندها مفاهيم أخلاقية متنوّعة، وأساليب مختلفة لمناقشة ما يعنيه مصطلح “أخلاق”

لقد لاحظت وكتبت أنّ معظم الناس لن يتقدّموا على المستوى الأخلاقي. هذا لأقول إنّنا لا نصبح أفضل عبر الالتزام بالمعايير والممارسات التي نعتقدها صائبة من الناحية الأخلاقيّة، فنحن مستقيمون أخلاقيًّا بالقدر الذي سنكونه أبدًا

وهذا يختلف جوهريًّا عن ما يسمّى “خطيئة” من الناحية اللاهوتية. فعدم الالتزام بمعايير أخلاقية معيّنة قد يخفي بعض ملامح الخطيئة، لكنّ السقوط الأخلاقي ليس كالخطيئة. كذلك، الاستقامة الأخلاقية ليست هي “الاستقامة”. يستطيع الإنسان أن يكون مستقيمًا على المستوى الأخلاقي خلال حياته كلّها (نظريًّا) وأن يكون في الوقت عينه غارقًا في الخطيئة. وفهم ماهيّة الخطيئة سيوضّح هذا

“الخطيئة” لفظة تُستعمل غالبًا بأسلوب خاطئ. فهي مستخدمة شعبيًّا للتعبير عن التجاوزات الأخلاقية (كسر القوانين)، أو دينيًّا عن مخالفة قواعد الله. لذلك فعندما يسأل أحدهم: “هل خطيئة أن نفعل كذا وكذا وكذا؟”، فهذا يعني “هل فِعل كذا وكذا وكذا هو ضدّ قواعد الله؟” وهذا التفكير غير صحيح، فالخطيئة تختلف عن مخالفة القواعد، ويتكلّم عنها الرسول بولس بمعنى مغاير: “فإني أعلم أنه ليس ساكن فيّ، أي في جسدي، شيء صالح. لأنّ الإرادة حاضرة عندي، وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد. لأنّي لست أفعل الصالح الذي أريده، بل الشرّ الذي لست أريده فإياه أفعل. فإن كنت ما لست أريده إياه أفعل، فلست بعد أفعله أنا، بل الخطيئة الساكنة فيّ” رو 7: 18-20

“الخطيئة الساكنة فيّ”؟ يبدو أنّ “مخالفة القواعد” تعبير لا يناسب هذه الصيغة، فللخطيئة معنى مختلف كليًّا. ونرجع مجدّدًا إلى بولس الرسول لفهم هذا المعنى: “لأنكم لما كنتم عبيد الخطيئة، كنتم أحراراً من البرّ. فأي ثمر كان لكم حينئذ من الأمور التي تستحون بها الآن؟ لأن نهاية تلك الأمور هي الموت. وأما الآن إذ أُعتقتم من الخطيئة، وصرتم عبيدا لله، فلكم ثمركم للقداسة، والنهاية حياة أبدية. لأنّ أجرة الخطيئة هي موت، وأما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا” (رو 6: 20-23)

وهنا تبدو الخطيئة شيئًا يستعبدنا، ونهايته الموت. فما هي الخطيئة؟

الخطيئة كلمة تعبّر عن حالة، أو بشكل أصحّ، عن حالة (أو عن عملية) عدم وجود. هي حركة ابتعاد عن وجودنا الصحيح، أي عن نعمة الله لخليقته. الله فقط عنده الوجود الحق، هو وحده قائم بذاته. وكل شيء آخر متعلّق بالله، ومعتمد في كل لحظة عليه ليوجَد. فعندما خلقنا الله، بحسب الآباء، أعطانا الوجود. وعندما ننمو في الشركة معه، نتحرّك نحو الوجود الحسن. أما عطيّته النهائية لنا، أي الاتحاد الذي نصبو إليه، هو الوجود الأبدي

لكن هناك فعل معاكس لحياة النعمة. إنها حركة نحو عدم الوجود، حركة ابتعاد عن الله ورفض للوجود الحسن. تُدعى هذه الحركة “خطيئة”. وقد نُستعبد لها مثل الورقة العالقة في تيار المياه. الخطيئة ليست قائمة بحدّ ذاتها (لأنّ اللاوجود لا وجود له)، إنما يصفها الكتاب المقدس بكلمات كـ”الموت” و”الفساد”. و”الفساد” أو “العفن” (φθορά) كلمة ممتازة لوصف الخطيئة، لأنها الذوبان التدريجي (حركة ديناميكية أو عملية) لشيء كان حيًّا، أي تحلّله التدريجي إلى تراب

وهذا يختلف، على نحو مدهش، عن مخالفة القواعد الأخلاقية. فكسر القاعدة يُنتج خطأً ظاهريًّا فقط، أي مجرّد خرق قانوني أو قضائي، بينما لا شيء يتغيّر في الجوهر. لكنّ الكتاب المقدس يتكلّم عن الخطيئة بعمق أكبر، لأنها بحدّ ذاتها تغيير في الجوهر وتَحلُّل لوجودنا

وهنا يبدو ضروريًّا أن نعيد التفكير بأسلوب مبدع. فعادات ثقافتنا تعالج الخطيئة من الناحية الأخلاقية. وهذا فعل بسيط، يتطلّب جهدًا قليلاً، ويرضي الجميع من حولنا. لكنّ هذه المعالجة خاطئة لاهوتيًّا، ولا نجد معالجات أخلاقية مشابهة ضمن كتابات الكنيسة، بخاصة ضمن كتابات القرون الماضية القليلة. وعندما يتم أسر لاهوت الكنيسة في إطار الأخلاق، فهذا يُعدّ عبودية حقّة لا تعبّر عن الفكر الأرثوذكسي

إذًا كيف نفهم الفرق بين الصواب والخطأ، كيف نفهم النمو الروحي والخلاص بحدّ ذاته، إذا لم تكن الخطيئة مشكلة أخلاقية؟ لا ينبغي أن نتغاضى عن خياراتنا الخاطئة وأهوائنا المضطربة (العادات السلوكية)، بل أن نعتبرها عوارضَ ومظاهر لعمليةٍ أعمق تجري. فرائحة الجثّة ليست المشكلة الحقيقية، ومعالجة الرائحة ليست كالقيامة

عمل المسيح هو عمل القيامة. حياتنا في المسيح ليست مسألة تقدّم أخلاقي، إنما حياة من الموت. نحن مدفونون في موته، وهو موت حقيقي، بكل ما للموت من معنى. لكنّ موته ليس لفساد، لأنه دمّر الفساد. معموديتنا في موت المسيح هي معمودية لعدم الفساد، وإعادة الشركة المقطوعة مع الله.

إذًا، ما هو مظهر الشفاء؟ أخطأ أن ننتظر حصول بعض التقدّم؟

استنادًا إلى خبرتي في الحياة (وأنا كاهن منذ 34 سنة)، وإلى قراءة الآباء والتقليد، تبدو هذه التوقعات في غير مكانها. لقد حيّرني ذلك على مدى سنين، وقد استنتجت أنّ خلاصنا مشابهٌ لحقيقة الأسرار. ماذا ترى في القداس الإلهي؟ هل يتحوّل الخبز والخمر في عملية تطوّرية؟ هل نرى تحوّلاً أمام أعيننا؟

يبدو أنّ خلاصنا مستتر، حتى عن أنفسنا أحيانًا. الإيمان المسيحي رؤيوي بطبيعته، هو “إظهار لما هو مستتر”. والأمثال مليئة بصور المفاجأة: كنز مكشوف،… للخلاص طريقته في الظهور. غالباً ما أفكّر في أن الليتورجيا هي تصوير لهذا الأمر

السعي إلى خلاصنا يقتضي الابتعاد عن مظاهر الأشياء. فهو يتطلّب إعادة توجيه عميق وأساسي لحياتنا، كما يتطلّب عملاً داخليًّا للتوبة. أما الحياة الأخلاقية فهي حياة نعيشها في الظاهر، إذ إنّ الملحدين أنفسهم يتصرّفون بأسلوب أخلاقي. لكن عندما نتحوّل نحو المسيح الذي في داخلنا، نتحرّك أبعد من الظاهر، ونبدأ بملاحظة كم أنّ أعمالنا زائلة ومرتبكة

هذه بالأحرى أعمال الذات المزيّفة، أي الأنا المحطّمة الخازية التي تجاهد بشكل محموم “لتصير أفضل”. لكنّ بلوغ مركز الحياة الروحيّة المسيحية لا يتم عن طريق تحسين الأنا، بل عن طريق “الموت عن الذات”، حيث نخسر وجودًا لا يمتّ بصلة إلى ذاتنا الحقيقية، ونكتشف وجودًا آخر هو وجودنا في المسيح. بيد أنّ ما نراه مختلفٌ غالبًا، لأنّنا وبينما نجد الحقيقة، يبقى الآخر متمسّكًا بوجوده المزيّف، وهذا ما نراه وما يراه الآخرون. ويبقى عمل الخلاص المستتر غير مرئيّ

ليس غريبًا في حياة القديسين أن تبقى حياة أحدهم مستترة إلى حين موته. كانت هذه حالة القديس نكتاريوس الذي من آيينا، فقد كان مرفوضًا من الكثيرين ومقدَّرًا من القليلين. لكن عند موته، بدأ بإجراء العجائب وبدأت القصص تظهر على العلن

وبشكل سرّي، يبدو أنّ هذه الحياة تبقى مستترة عن القديس نفسه (تمامًا كما تبقى حياتنا الحقيقية مخفيّة عنّا). أظنّ أنّ الله يحفظنا من ثقل هذه المعرفة بما يخدم خلاصنا

“اهتموا بما فوق لا بما على الأرض. لأنكم قد متّم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله. متى أظهر المسيح حياتنا، فحينئذ تظهرون أنتم أيضا معه في المجد” كول 3: 2-4

وهنا يظهر مجدّدًا طابع الحياة المسيحية الأخروي. نحن أموات وحياتنا الحقيقية مستترة مع المسيح في الله، وستظهر عندما سيظهر

إذًا، ماذا نرى في هذه الحياة؟ الإجابة البسيطة واضحة: المسيح. نحن لا نسعى وراء تقدّمنا الذاتي بل نحو المسيح. ويتوقّف تقدّمنا عن أن يكون مهمًّا عندما نجد المسيح. وكلّما وجدناه أكثر، كلّما اتّضحت لنا الطبيعة المزيّفة لأنانيّتنا، فعندها نستطيع القول: “أنا أسوأ الخطأة”

كيف عكست آلامُ المسيح سقوطَ آدم

كيف عكست آلامُ المسيح سقوطَ آدم

جون سانيدوبولوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

– المسيح صام طوعياً وبنجاح أربعين يوماً في القفر وتخطّى تجارب الشيطان، لأن آدم طوعياً ولكن دون جدوى لم يحفظ الصوم الذي أمر به الله بالامتناع عن شجرة المعرفة بعد أن أغواه الشيطان

– المسيح وبّخ بطرس على أنه متقبل لوحي شيطاني لأنه جرّب أن قنعه بعدم الذهب إلى أورشليم ليُصلَب، لأن آدم استسلم لإيحاء حواء التي أُوحي إليها من الشيطان بأكل ثمرة شجرة المعرفة المحرّمة

– يسوع أخضع إرادته للآب في بستان الجتسمانية لأن في بستان عدن آدم عصى إرادة الآب

– المسيح صُلِب على خشبة الشجرة، لأن سقطة آدم صارت من خلال شجرة محرّمة

– يدا يسوع ثُقِبَتا بالمسامير لأن آدم أمسك الثمرة المحرّمة

– يسوع صُلِب خارج أسوار أورشليم أن آدم طُرِد من عدن

– يسوع قبل االعنة وصار ملعوناً ليُبطِل لعنة آدم

– يسوع كان عرياناً على الصليب وتقاسك الجنود ثوبه لأن آدم خسر براءته في عدن ولبس جلداً حيوانياً عند طرده من الفردوس

– أمّ يسوع كانت على قدمي الصليب لأن آدم تناول من الشجرة المحرّمة مع حواء أمّ الجنس البشري

– المسيح أُعطي خلاّ ممزوجاً بمرارة ليشرب لأن آدم أكل ثمرة شجرة المعرفة

– يسوع صُلب بين اثنين يمثّلان طريق الحياة وطريق الموت، لأن آدم في عدن تمثّل بشجرتين مثلتا الحياة والموت

– يسوع فتح أبواب الفردوس للص التائب، لأن آدم كان قد أغلقها

– يسوع طُعِن بجنبه بعد موته لأن آدم بعد حواء أُخِذَت من جنب آدم بعدما غرق في نوم عميق

عزلة الإنسان المعاصر

عزلة الإنسان المعاصر

الأب ستيفان فريمن

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

قد لا يبدو الاستقرار في مكان واحد أمراً صعباً كمثل النذور الرهبانية أي الفقر والعفة والطاعة. لكن في الواقع إنه الأصعب. فشيطان نصف النهار الذي يحزن الرهبان (والعلمانيين) هو رغبة الإنسان بترك مكانه الخاص والخروج للزيارات حيث تتجلّى النميمة وغيرها من الشهوات الأكثر سوءاً. الاستقرار في مكان واحد هو المعركة الأكثر صعوبة والتي ظهرت في أكثر أشكالها تطرفاً في الشرق مع القديسين العاموديين، أي الذين عاشوا على العامود، كمثل القديس سمعان الذي تخطى علو عاموده العشرة أمتار

في العالم المعاصر، الاستقرار هو سلعة نادرة…. في وقت ما كان الذهاب إلى السوق بمثابة رحلة تتضمّن الكثير من اللقاءات بالمعارف والأصحاب، أمّا اليوم فكل شيء تغيّر. كل هذا قد يثير الاهتمام من وجهة نظر اجتماعية إلا إنّه أثّر في حياتنا بشكل عميق. في الماضي كان الأمر الأكثر شيوعاً أن يلتقي شاب من منطقة ما بفتاة من المنطقة نفسها، أو أن يدلّوه عليها، فيتعارفان ويتزوجان وينشآن بيتاً وأولاداً في الجماعة التي نشآ هما أنفسهما فيها، بالقرب من الأقرباء والأصدقاء وشبكة العلاقات التي أحاطت بهما ورعتهما (أو ضايقتهما). بالمقابل كانت نسبة الطلاق والجريمة منخفضة جداً في أغلب الأماكن. الجماعات المستقرة تميل نحو إيجاد عائلات راسخة وهذا ما تعززه شبكات العلاقات. هذا الثبات النسبي في الحياة هو الشكل الذي خبرته الكائنات البشرية في معظم تاريخا

في القرن الحادي والعشرين، الشكل الأكثر شيوعاً هو أن يلتقي شاب ما بفتاة في الجامعة أو في العمل، يتزوجان، وينتقلان إلى مكان عملهما. في الشرق كما في الغرب، تنحصر العائلة في البيت الذي يُزار في الأعياد. ونضيف إليه في الشرق المكان الذي فيه مقبرة الأجداد والآباء. أما شبكة المعارف فبالكاد تتخطّى زملاء العمل. هذا يقودنا إلى عزلة الإنسان المعاصر. قد تكون الإنترنت قد زادت من تواصلنا ولكن بشكل افتراضي، يقوم إلى حد كبير على إرادتنا. على سبيل المثال، إن لم أرغب بنشر أي شيء فلا يمكن لأحد أن يلزمني بذلك. على عكس الماضي حيث كان إن قرع بابي زائر عليّ أن أفتح. جماعة الإنترنت ليست جماعة طبيعية. لا يمكن للناس أن يتلامسوا أو أن يسمعوا بعضهم البعض يضحكون (بالرغم من وجود الpoke في الفايسبوك أو “هاهاها” أو السميلات “smilies”). أنا أنشر صورة فيعرف الآخرون شيئاً مما أبدو عليه، أو أنشر تسجيلاً فيعرفون شيئاً من صوتي. لكنهم لا يعرفونني متحدثاً. إلى هذا، يعرف الآخرون ما أريدهم أن يعرفوه وليس ما بإمكانهم معرفته، هذا إذا كان الناس صادقون في ما ينشرون، أي أن ينشروا صورهم كما هم وليس كما يشتهون أن يكونوا

لقد فقد الإنسان المعاصر استقراره، والأغلب لأسباب اقتصادية، ومعه خسر ثمار الاستقرار أي الجماعة الفعلية التي تقوم على إجماع بسيط بإرادة العيش معاً وهذا ما يجعل الحضارة حضارة. وهذه الحضارة تتجلّى في فنون الإنسان وممارساته اليومية وثقافته. ما هي حضارة الإنسان غير المستقرّ: الجريمة والطلاق والعنف، وتتجلّى كلها في إنتاجه الفني وألحان أغنياته وكلماتها، وحتّى في ألعاب أولاده

الإنسان بحاجة إلى الاستقرار وعليه هو أن يصنعه بخياراته. النمو الجماعي كما النمو الشخصي لا يتحقق بسهولة في التنقل

الكنيسة الأرثوذكسية هي مثال مميّز عن الاستقرار والثبات. بإمكاننا أن نقرأ ما كُتِب منذ قرون ونفهمه، حتّى أنّ الكثير منه ما زال ينطبق على زماننا، كالكتاب المقدس وكتابات الآباء. العلاقة مع كل ما “عتيق” و”تقليدي” في هذه الكنيسة يساهم في زرع الاستقرار. من هنا أيضاً يأتي دور آخر تؤدّيه الرهبنة وهو المساهمة في تنمية الاستقرار بكونها مثال للعلمانيين

هناك استقرار يأتي ضمن ذاك الجزء من الحياة، استقرار لا يمكن للإنسان أن يوجده بل يمكنه أن يخضع له. يستطيع الإنسان الأرثوذكسي أن يسعى لتجرّع معنى هذا الكلام كل يوم… فالاستقرار قصير الأمد. فقط عندما ينخرط الإنسان في جماعة أكبر ضارِبة في الماضي، يبدأ بالإحساس بالاستقرار. وما من استقرار في مدينة ما يقارِع استقرار التقليد ذي الألفي سنة. العيش في جيرة ملكوت الله حيث القديسون يعرفون أسماء الجميع ويشجعونهم ويعضدونهم

فليعطِنا الرب نعمة البلوغ الاستقرار فيه

ملاحظات حول العمل المسكوني

ملاحظات حول العمل المسكوني

الميتروبوليت هيلاريون

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

مقتطف من محاضرة ألقاها الميتروبوليت هيلاريون مطران فولوكولامسك، رئيس دائرة العلاقات الخارجية في البطريركية الروسية، في جامعتي وينشستر وكامبردج في 5 و6 شباط 2015. العنوان الأصلي للمحاضرة الكاملة هو “هل من مستقبل للعمل المسكوني؟”

حالياً، الحوار بين المسيحيين بلغ مرحلة حيث السؤال المطروح عليّ كموضوع للمحاضرة، “هل من مستقبل للعمل المسكوني؟” يكتسب موقعاً خاصة. فالظاهر أنّه بعد عقود من الحوار يتوقّع الإنسان التقاءً ملموساً حول بعض المواقف. فبالرغم من كل ذلك، لم يحدث هذا اللقاء، إذ لم تتحقق استعادة الوحدة التي أمر بها الربّ بين المسيحيين. على العكس، في هذه الأثناء، الفروقات بين الأرثوذكس والكاثوليك من جهة، كما الفروقات ضمن العالم البروتستانتي نفسه من جهة أخرى، صارت أكثر خطورة مما كانت عليه قبل خمسين أو سبعين سنة عندما كانت الحركة المسكونية في طفولتها. إلى هذا، فالاختلافات الحالية لا تقتصر على الأمور العقائدية التي تجري مناقشتها في اللجان الخاصة الثنائية والمتعددة الأطراف. الاختلاف اليوم يلامس مجال الأخلاق، وهو المجال الذي يمكن للشهادة المسيحية ألا تتأثّر بالضرورة بالاختلاف العقائدي. ما هو سبب هذه الاختلافات وهل من إمكانية لتخطيها

أحد أهمّ التحديات التي جابهت العالم المسيحي بأكمله في العقود القليلة الأخيرة هي العلمنة (secularism). إن تاريخها يعود إلى الثورة الفرنسية، مع هذا، لم يبلغ الوعي العلماني إلى الهيمنة على كل مستويات المجتمع الغربي إلا في القرن العشرين. إن أفكاره، المرتبطة بلا انفصام بفلسفة المادية والإلحاد، بدأت بأسر أفكار لا الفلاسفة وحسب بل السياسيين أيضاً. إن خطاب العديد من السياسيين والشخصيات الاجتماعية يتحوّل أكثر عدائية للمسيحية في دعواتهم إلى إخراج الدين من الحياة العامة ورفض المعايير الأخلاقية الأساسية المميزة لجميع التقاليد الدينية الأساسية

تحمل العلمانية اليوم في أوروبا طابع التشدد من حيث أنها تشوه الأشياء والرموز الدينية المقدسة. أحد الاتجاهات الرئيسية لهذا النشاط في الوقت الحاضر هو التدمير المنهجي للفهم التقليدي للزواج والأسرة. هذا ما تؤكده الظاهرة المعاصرة للمساواة بين ارتباط مثليي الجنس بالزواج التقليدي، من خلال الدعاية القوية لهذا النوع من العلاقة ومنح الأزواج من نفس الجنس الحق في تبنّي الأطفال وتنشئتهم

لقد تغير أيضاً الموقف من فكرة الحياة الإنسانية كقيمة لا يمكن تعويضها. القتل الرحيم قانوني في عدد من البلدان، والخروج الطوعي من الحياة لأسباب طبية هو أيضاً قيد النظر، حتّى للرضع. الإجهاض، أي قتل الأطفال في رحم الأم، صار قانونياً وهو يشكّل منذ فترة طويلة القاعدة. إن طريقة الحياة المنتشرة في صفوف الشباب: عبادة الاستهلاك، الفوضى الأخلاقية، الإباحية الجنسية والفهم الخاطئ للحرية كلها تُبرَّر بحجة أن من المفتَرَض أن يكون لكل إنسان الحق في السعادة الشخصية

من وجهة نظر تعاليم الكتاب المقدس هذا كلّه دليل على أزمة روحية عميقة في الحضارة المعاصرة. إن مفاهيم الخير والشر صارت أكثر غموضاً من أي وقت مضى في المجتمعات التي كانت، حتى وقت قريب، تعتبر نفسها مسيحية. لقد ضلّ الشخص البشري طريقه في العلاقة مع العالم الخارجي وصار أعزلاً في مواجهة أهوائه. لقد رُفِعَت حقوق الأفراد إلى موضع أعلى من مصالح الغالبية العظمى من السكان، ما يؤدي إلى تعاظم التوتر الاجتماعي

جواب الكنائس المسيحية على هذه التحديات ماذا ينبغي أن يكون؟ فمن الواضح يجب أن يقوم على الوحي الإلهي وحده كما تسلّمناه في الكتاب المقدس. فالكتاب المقدّس هو الأساس المشترك الذي يجمع كل الطوائف المسيحية، بما في ذلك الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت. يجوز لنا اتخاذ مقاربات مختلفة جوهرياً في تفسير الكتاب المقدس، ولكن لدينا كتاب مقدس واحد، وتعليمه الأخلاقي واضح تماماً

في نفس الوقت نرى كيف أنّ بعض الكنائس المسيحية تفضل الاسترشاد بمعايير أخرى في تعاملها مع القضايا الأخلاقية. إن وجود مؤثّرات، غير لاهوتية بل اجتماعية وحتى سياسية، على العقيدة الأخلاقية يجعلها على نحو متزايد بعيدة عن تلك التي نجدها في صفحات العهد الجديد، أي في الرسالة التي حملها المسيح والرسائل التي كتبها القديس بولس

إن التحدث عن نظام واحد من القيم الروحية والأخلاقية المقبولة من جميع المسيحيين أصبح الآن أكثر صعوبة. يوجد اليوم نسخ مختلفة من المسيحية التي يعبّر عنها مختلف الطوائف. من هذا المنظور جميع المسيحيين في هذا العصر يمكن تقسيمهم إلى مجموعتين: التقليدية والليبرالية. إن ثغرة كبيرة تفصل بين التقليديين والليبراليين ليس مثله ما يفصل الأرثوذكس والكاثوليك أو الكاثوليك والبروتستانت. يؤكد بعض القادة المسيحيين أن على الكنيسة أن تكون على قدر كافِ من الشمولية حتى تدرك المعايير السلوكية البديلة وتباركها رسمياً. التقليديون، بدورهم، يتّهمون الليبراليين بنبذ المعايير المسيحية المشتركة الأساسية وتمييع أسس التعاليم الأخلاقية المسيحية

تعتقد الكنيسة الأرثوذكسية بأننا في هذه الحالة لا نتعامل مع تقليدية عفا عنها الزمن بل مع الإخلاص للوحي الإلهي الوارد في الكتاب المقدس، وبالتالي مع أصالة البشارة المسيحية. وإذا كان المسيحيون المسمّون ليبراليين يرفضون الفهم التقليدي للقواعد الأخلاقية، فهذا يعني أننا نواجه مشكلة أكثر خطورة إذ يتّضح أننا منقسمون ليس فقط على القضايا التي تحمل طابعاً “تقنياً”، من وجهة نظر العالم الخارجي، وتتصل حصراً بالحوار المسيحي الداخلي. حالياً نحن منقسمون حول جوهر هذا الشهادة الذي نحن مدعوون لحملها إلى العالم الخارجي. نحن لم نعد نتكلم بصوت واحد، لم نعد نبشّر بتعليم أخلاقي واحد، لم نعد قادرين على تقديم دفاع مشترك موحد من المبادئ الأخلاقية التي تقوم عليها حياة الجماعات المسيحية على مر القرون، وعليها تمّ بناؤها

توحيد الفصح بين الشعبوية والهمّ الكنسي

توحيد الفصح بين الشعبوية والهمّ الكنسي

الأب أنطوان ملكي

 

يمكن تعريف الشعبوية كنوع من الخطاب الذي يدغدغ عواطف الجماهير لكسب تأييدهم وللحفاظ على نسبة معينة تعطيهم مصداقية وشرعية. وعكس الشعبوية هو تقديم المعلومات والأرقام والبيانات بشكل يخاطب عقل الناس لا عواطفهم

لماذا الكلام عن الشعبوية؟ لأننا في فترة فصح 2015، قرأنا عدة أخبار عن احتفالات عشوائية توحّد فيها تعييد الفصح بين المسيحيين في بعض المناطق، وهذه الأخبار رافقها كلام يأتي ضمن الخطاب الشعبوي الذي يسعى إلى وحدة اجتماعية تضمن للمجتمع بعض أشكال سلامه أو أوهامه، لا ضمن الخطاب الرزين الساعي فعلاً إلى وحدة إيمانية ضمانتها المسيح

ورد على على صفحة koura.org من الفايسبوك خبر منه “ترأس الأب الياس نصار خدمة الآلام في كاتدرائية مار جاورجيوس الدهليز في أميون بمعاونة المونسينيور الماروني جورج عبود وكل من الآباء الموارنة شارل قصاص ٬ جورج عبود ٬ يوسف الزغبي وميلاد مخلوف ولفيف من الشمامسة. وخدمت جوقة الرعية في حضور حشد من الشخصيات والمؤمنين. وفي المناسبة ألقى الأب نصار عظة نوّه فيها بالوحدة المسيحية٬ والخدمة التي جمعته مع آباء من الكنيسة المارونية. متمنياً أن يلقى هذا المشهد اهتمام قادة كنائس العالم ويعملوا على توحيد الكنيسة كما الآباء فيها والمؤمنون موحدون”

في الإطار نفسه ورد على شاشة الأو تي في خبر عن صلاة مشتركة في عيد الفصح في ضهور الشوير في تقرير أعدته غريس ميخائيل، ونشرته صفحة tayyar.org. من أهم ما ورد في الخبر أن “أبناء الضهور العلمانيين هم من منظمي الحدث، وهم نموذج بتمسكهم بإيمانهم لا للطائفية”، عن لجنة توحيد عيد الفصح في ضهور الشوير يقول فريد الصباغ: “نشاطنا بضيعتنا ديني محض، ونحن اصحاب فكرة الطائفة 19 وهي التي تدعو للعلمانية، ولأن كلّ إنسان حرّ بايمانه. وليكون الوطن هو جامع كل المواطنين”. وتقول أحدى السيدات: “نحن بضهور الشوير ما اكتفينا بالوحدة الكنسية، كان عندنا على عيد الميلاد وحدة وطنية وتجسدّت بتراتيل مسيحية اسلامية بكنيسة بضهور الشوير”. خادم رعية الشوير للموارنة الأب جوزف مخلوف يقول: “لا اعتراض من رؤسائنا، ومطران الكاثوليك الحالي والذي سبق يؤيدون ذلك، وكذلك مطران انطلياس المارونية”

الشعبوية في هذا الكلام واضحة وضوح الشمس: ما علاقة العلمانية بنشاط ديني محض؟ ما علاقة الطائفة 19 باحتفال الطوائف الأخرى خاصةً إذا كانت تدعو إلى العلمانية؟  ما علاقة كل هذا بالوطن الذي هو للجميع؟ واضح أن العبارات تعكس انفصاماً خطيراً يفرغها من كل معانيها المباشرة أو التي يمكن استخلاصها

يرى الباحث الفرنسي بيير أندريه تاغييف أن الشعبوي قد لا يهدف بالضرورة إلى تضليل الآخرين لأنه يبدأ أصلاً بتضليل نفسه. فالشعبوية تزعم أن “السياسة شيء سهل ويمكن إدراكه بالنسبة للجميع وأن اعتباره معقداً يعود إلى مكيدة وضعها النخبويون لإبقاء المواطنين العاديين خارج عملية صنع القرار” [1]. هذا الوصف ينطبق تماماً على كلام الخوري الياس نصار الذي يرى أن دعوته لكهنة الموارنة للمشاركة في صلاة في كنيسته، مخالفين قوانين كنيستهم كما يخالف هو قانون كنيسته، إنما هي دعوة بطولية “رسولية” يريدها أن تضمّ العالم كلّه. كذلك ينطبق هذا التوصيف للشعبوي على كل ما ورد في تصريحات المعنيين في تنظيم هذه الاحتفالية في ضهور الشوير

أين الهمّ المسيحي؟

بدايةً، الوحدة المسيحية لم تعد سؤالاً بل هي مسعى فعلي تلتزم به كل المجموعات المسيحية في كافة مناطق العالم. فالانقسام ليس حكراً على لبنان والشرق الأوسط، وإن يكن أبناء الشرق الأوسط يتحسسون جسامة الانقسام أكثر من غيرهم بسبب من تركيبتهم الاجتماعية، حيث نسبة الزيجات المشتركة بين الأرثوذكس والموارنة مرتفعة وحيث يلتقي الروم الأرثوذكس والكاثوليك في كثير من الأصول والفروع العائلية. على الأكيد، لا يتوقع أحد من الكاثوليكي الإسباني أو من الأرثوذكسي اليوناني أن يعرفا قيمة الانقسام المسيحي وتأثيره على الحياة اليومية والعمل الرعائي في سلوك المسيحيين، حتى ولو كانوا أساتذة في اللاهوت. من هنا، قد يكون ضرورياً أن يكون حضور مسيحيي المناطق المختلطة أكبر في جلسات الحوار

لكن الأخبار كالتي وردت أعلاه تطرح أسئلة عن مدى النفع الذي قد تقدمه لقضية الوحدة المسيحية. فالوحدة المسيحية هي القضية وليس توحيد تاريخ الفصح، واختزال الوحدة بتوحيد العيد هو مقاربة دهرية لا تمتّ إلى الإيمان بصلة

تقتضي المقاربة الدهرية لأي أمر أن يكون معياره هذا الدهر. ولكي لا نطيل الشرح وندخل في صلب الموضوع، المقاربة الدهرية لتعييد الفصح تجرّده من العمق في معانيه الروحية وتأخذ ما يطفو على الوجه منها لتضعه في قالب قابل للتبدل بحسب الأفراد والمجموعات والمجتمعات. فأن يصير عيد الفصح عيد البيض قد لا يتعدّى كونه ضعفاً تربوياً قد يكون في خلفيته دهرية إنما هي بالغالب سطحية. أما تصوير الاختلاف بين الشرق والغرب في تاريخ التعييد للفصح على أنه أسوأ من الانقسام أو كأن كل ما في الانقسام هو تاريخ العيد، فهو خطر ومذوّب للحق. فالغرب انشقّ عن الشرق في 1054 ميلادية، واعتمد التقويم الغريغوري في 1594. فيكون عدد التعييدات بعد الانشقاق في نفس التاريخ 540 أما التعييد في تاريخين مختلفين فهو 421. هل كان هناك وحدة خلال ال540 سنة المذكورة؟ لا لم يكن؟ لماذا لم يجد الناس أزمة في الأمر؟ لأن الهمّ كان الوحدة وليس التعييد

كلّ المتحمسين اليوم لتوحيد العيد أسبابهم اجتماعية لا لاهوتية. طبعاً، أسباب اختلاف تواريخ العيد ليست لاهوتية. الأمر اللاهوتي الوحيد في شأن تاريخ العيد هو قانون المجمع المسكوني الأول الذي يمنع التعييد مع اليهود أو قبلهم، وهذا ما خالفه الغرب ما يزيد على الستين مرة في ال421 سنة الماضية. وحتّى الأسباب الاجتماعية التي يوردها المتحمسون لتوحيد العيد في بلادنا، رفضها الموارنة لأنهم يرون أن وحدتهم الداخلية أهم من الوحدة الاجتماعية. فقد سمح البابا يوحنا بولس الثاني لكاثوليك الشرق بأن يعيدوا مع الأرثوذكس إذا ارتأوا ذلك، وهذا ما حصل في عدة أماكن كوادي النصارى وصافيتا في سوريا وضهور الشوير في لبنان. أما الموارنة فكان رأيهم ما نفع أن أعيّد أنا والمسيحي الآخر في لبنان في يوم لا يعيّد فيه الموارنة في الغرب وعددهم أكثر من نصف الموارنة في العالم. هذا سؤال لا يمكن طرحه على الأرثوذكس المتحمسين لتوحيد العيد لأن ما يجري هو أن الكاثوليك يأتون إليهم وليس العكس. وقد يتباهى بعضهم ظاناً أنه غلب الكاثوليك، وهذا موقف أسوأ من موقف مَن يرفض توحيد العيد. فمَن يرفض التوحيد قد يكون غيوراً على الكنيسة أو قد يكون غيرَ محب للآخرين، أما مَن يرى أنه غلب الكاثوليك إذ عيّدوا معه فهو مراءٍ يقول غير ما يضمر

كل التواريخ هي اصطلاحات. الوحدة الحقيقية تتخطى الكلام. الوحدة الحقيقية هي في الحق والحق هو تعليم الكنيسة كما سلّمه الرب للرسل والرسل للآباء، أما أخطاء الأفراد والجماعات أو فضائلهم فتأثيرها أن تخفي الحق أو تظهّره لا غير. لقد توصّل الأرثوذكس اليوم إلى القناعة بأن الحروب الصليبية يجب ألا تمنع الوحدة المسيحية، لكن في المقابل ينبغي أن يتخلّوا فعلياً عن العقلية التي أدّت إلى قيام هذه الحروب. المشاكل التي يواجهها العالم اليوم، من تلك التي يطرحها العلم إلى تلك التي تستغلها الأنظمة السياسية مروراً بكون المسيحيين هم المجموعة الأكثر تعرضاً للاضطهاد في القارات الخمس، سواء رأى الناس أن أسبابها أخلاقية أو غير ذلك، كل هذه المشاكل جعلت المسيحيين من كل الطوائف يعترفون بوجوب توحيد خندقهم في وجه كل المحاولات التي تسعى لمسح وجه المسيح عن هذا العالم وتسليمه إلى ضده. لكن توحيد الخندق لا يعني وحدة الكنيسة إلا إذا عاد الفهم العقائدي اللاهوتي واحداً ومشتركاً

فقد المسيحيون الوحدة لأسباب لاهوتية والوحدة تعود عندما يعود المسيحيون إلى الاتفاق حول هذه الأسباب. السياسة لا تصنع وحدة وتاريخ الكنيسة يثبت أن كل المحاولات التي استعان فيها أحد الأطراف المسيحية بالحكّام للتوصل إلى وحدة أنتجت رداً عكسياً، منذ أول انشقاق في انطاكية إلى كل ما جرى في أوروبا على يد الجرمان ومن ثم الهنغار والبولنديين وصولاً إلى الأوزتاشي في كرواتيا وإلى ما يحاوله أوكرانيو الغرب اليوم

يجري اليوم في العالم نشاطات كثيرة محورها الخدمة المشتركة ونتائجها تدفئ القلوب. وفي المقابل تقوم نشاطات عديدة لا تبث إلا الاشمئزاز والقلق. مطلوب موقف واضح من الرئاسات الكنسية، لأن الشعب بغالبيته تنقصه الثقافة الإيمانية. كاهن ضهور الشوير قال أنّ لا اعتراض من الرؤساء وسمّى مطراني الروم الكاثوليك والموارنة ولم يذكر مطران الأرثوذكس. هل هذا يعني أن موافقته مضمونة أو أن الاحتفال أُقيم من غير علمه؟ هل استحصل خوري أميون على إذن من مطرانه قبل أن يتكرّم بدعوة كهنة الموارنة؟ في الحالين، إذا كان الأمر جرى من دون معرفة الرئاسة الكنسية الأرثوذكسية، فتكون المخالفة مضاعفة ويجب أن يُصار إلى وضع حد لها. أما إذا كان الاحتفالان أقيما بموافقة الرئاسة، فسلسلة الأسئلة تطول، بدءً من العلاقة مع الكنائس الأرثوذكسية الأخرى، وصولاً إلى مستقبل الأرثوذكسية في بلاد لا تعرف شيئاً عن مستقبلها

[1] أمير طاهري. “تقديم الشعبوية باعتبارها سياسة”. جريدة الشرق الأوسط، الاربعـاء 24 رجـب 1428 هـ 8 اغسطس 2007 العدد 10480. http://archive.aawsat.com

لا تفعل بنفسك سؤاً

*لا تفعل بنفسك سؤاً

الأب أنطوان ملكي

نقرأ في كتاب أعمال الرسل أن الرسل غالباً ما يتعرّضون في بشارتهم إلى ثورة وهياج مجامع اليهود عليهم. في قراءة اليوم، نجد أن مصدر التعرّض هو امرأة بها روح شرير تشوّش على الوعظ والخدمة بصراخها أياماً كثيرة. ونقرأ أن الرسول بولس ضجر من محاولاتها، لا بمعنى الضجر أي عدم الاحتمال من التكرار، بل هو خاف من أن يظن الناس أن المسيحية التي يبشر بها على علاقة بالعرافة الشيطانية أو هي نوع منها ويختلط الأمر في أذهانهم لأن عقليتهم هي أقرب إلى عا النوع من الأشياء منها إلى الأمور السامية التي تحملها المسيحية. فالشيطان الذي حرّك الجارية التي كانت مستعبَدَة له، شأن كل العرّافين في كل الأزمان، لم يحرّكها إلى مهاجمة الرسل والبشارة بل إلى الشهادة لها، لذا هي تصرخ بأقوال توافق الإيمان وتشهد للرسل ولبشارتهم

قد تكون الجارية تبعت الرسل ظنّاً بأنها قد تنال منهم أجرة أو مديحًا علنيًا إذا أعلنت عنهم. لكن الآباء الذين فسّروا هذه المقطع من الكتاب المقدس يرون أنها أرادت الشهادة حتى متى قبِل الناس شهادتها علانية تعود فتضلّهم. فهي تنطق بالحق لا حبّاً بالحق بل كفخٍ لإسقاط سامعيها في الضلال على غرار ما كانت تقوم به الشياطين حين تتبع السيد صارخة: “هذا هو قدوس الله”. لهذا منعها الرسول بولس من الكلام، لأنها تكلمت بخبثٍ لتجعل من نفسها موضع ثقة. إن عملها يجمع الرياء إلى قلة المعرفة، فالرب يسوع لا يقبل شهادة إنسان (يو 5: 34)، فكم بالأولى لا يقبل شهادة شيطان أو ممن يتعاملون معه على ما يرد في حكمة ابن سيراخ “التسبيح لا يليق بفم الخاطئ” (9:15)

الحدث الذي نتحدث عنه ليس مشهداً من الماضي بل هو مشهد يتكرر كل يوم في زماننا الحالي. كثيرة هي مصادر التشويش على الإيمان التي في البداية تشهد، شكلياً أو بشكل مجتزئ للإيمان، حتّى يطمئن إليها السامعون ويثقون بها، فتنتقل إلى المرحلة التالية حيث يرتفع منسوب الثقة وتتحرر من شك السامعين فتضللهم. إن خبث عدو الله يتخفّى في زماننا تحت أشكال مختلفة، وهو غالباً ما يأخذ ستار الدين، فيبدو في الفترة الأولى شاهداً للمسيحية، حتى متى وثق الناس به يبدأ بتضليلهم والهجوم على تفاصيل الإيمان المسيحي، فتبدأ العثرة بالتشويش ومن ثمّ يأتي التشكيك حتى ينتهي الإنسان في العثرة. هذا التوصيف ينطبق على محطات التلفزة والراديو المتعددة التي لا تنتمي إلى الكنيسة كما ينطبق على البدع والشيع التي قد تطرق أبوابنا، أو قد نلتقي بأفرادها أو بالمتأثّرين بهم في أي مكان في حياتنا اليومية. ولا ينطبق هذا الحال فقط على مَن هم خارج الكنيسة بل أحياناً على مَن فيها، من رعاة أو من مؤمنين. فكل راعٍ لا يتّبع الدقة في عمله الرعائي والأسراري بل يبتدع يكون بمثابة هذه الجارية. فهو يشهد بلسانه مستفيداً من ثقة المؤمنين لكن نتيجة عمله الفعلية هي التشويش والتضليل. وكل مؤمن من الذين لا يألون جهداً في استجرار الممارسات والأفكار من خارج الكنيسة إليها، وفي انتقاد تعليمها والتركيز على ضعفات رعاتها، يكون بمثابة هذه الجارية التي انتهرها الرسول بولس

لا يأتي تفسير هذه القراءة للفت النظر إلى وجود مشكلة وحسب بل للإضاءة على حلها. فالتخبّط الروحي لإنسان القرن الحادي والعشرين واضح، أما دور الكنيسة اليوم، برعاتها وشعبها، فهو أن تحمل الصرخة التي نادى بها الرسول بولس السجّانَ لكل الناس في كل العالم: “لا تفعل بنفسك سؤاً”، إذ إنه لا يقدر أحد أن يؤذي الإنسان ما لم يؤذِ هو نفسه. إن دور الإيمان هو فتح عيني الإنسان حتى يكون موقفه كمثل ذلك السجّان أيضاً: “ماذا ينبغي أن أصنع لكي أخلص؟” هنا لا بدّ للكنيسة بمؤمنيها أن تكون واقفة إلى جانب هذا الإنسان لتقول له: “آمِنْ بالربّ يسوع المسيح فتخلّص” فترشده إلى الإيمان وتدعوه إليها قائلة: “تعالَ وانظرْ”

 تأمّل في أعمال الرسل 16:16-34، القراءة في أحد الأعمى*