السنة الثانية عشرة، العدد السابع، نيسان2016

السنة الثانية عشرة، العدد السابع، نيسان2016

مختارات آبائية

ضد الحقد، القديس نيقوديموس اﻵثوسي

لاهوت

الروح القدس والسلطة، الميتروبوليت باسيليوس كريفوشيين

عظة

الحبّ والحرّيّة، اﻷرشمندريت توما بيطار

ليتورجيا

الذكرانيَّات المقدَّسة، مداخلة للمغبوط الذِّكر الأستاذ يوحنا فوندولّيس

رعائيات

الواقع الأنطاكي على ضوء الدليل الرعائي، الأب أنطوان ملكي

اللقاء الأرثوذكسي الكبير في كريت، الأب أنطوان ملكي

حياة روحية

هل الكماليةهي ديانة القرن الحادي والعشرين؟ الأب الراهب سبيريدون بالاندين

حياة روحية \ ثمار الروح

اللطف، من ثمار الروح القدس، كالينيكوس ميتروبوليت بيرياس

ضد الحقد

ضد الحقد*

لأبينا في القديسين نيقوديموس الآثوسي المتوشح بالله

لذلك نطلب أن تصحوا يا أيّها الآباء الجزيلي الإحترام ويا إخوتنا المحبوبين بالمسيح، تعالوا وأدركوا الأذي المسبّب لكم من العدو الشرّير. تخلّصوا من الضغينة. استأصلوا من أفئدتكم الحقد على الإخوة واغرسوا المحبّة فيها التي هي رباط الكمال كما يقول بولس المغبوط (كولوسي 14:3) .ما معنى رباط الكمال؟ يقول الذهبي الفم مفسّرًا إياهاما يريد الرسول قوله هو أن سائر هذه الأمور، أي الفضائل، هي موثوقة بجملتها بالمحبّة. مهما قد تذكر من مآثر حسنة بغياب المحبة هو لا شيء بل يذوب كليًّا. فإنه إذاما أنجز امرءٌ إنجازات عظيمة، مهما كانت، فهي بأجمعها باطلة إذاما لم تكن لها المحبّة.” أيها الآباء اهجروا (تخلوا) الإفتراءات على إخوتكم واستبدلوها بالمديح (بالتمجيد) وليتذكر كل واحد ما يقوله الرسول: “أخيرًا أيها الإخوة كل ما هو حق، كل ما هو جليل، كل ما هو عادل، كل ما هو طاهر، كل ما هو مسرّ، كل ما هو صيته حسن، ان كانت فضيلة وان كان مدح ففي هذا افتكروا.” (فيليبي 8:4)

نختم اعترافنا ودفاعنا بهذه العبارة المختصرة بل هي جريئة وحقّة. أيها الإخوة والآباء اذا لم تستأصلوا الضغينة من أفئدتكم ولم تغرسوا مُنمّين المحبة وإذا ما كنتم لا تكفّوا عن الإفتراءات ضد إخوتكم، فاعلموا – واغفروا جرأتنا هذه – أن مكوثكم في الجبال والتلال هو دون جدوى. فكل جهاداتكم النسكية وأتعابكم وكدحكم هي بدون جدوى. هل نتفوّه بما هو أعظم؟ وحتى لو كابدتم استشهاد جسدي من أجل المسيح لكن البغضاء في صميمكم ولا تحبّون إخوتكم، فباطل هو استشهادكم. وهذا ليس بكلامنا بل ليوحنا الذهبي الذهن والفم الذي يقول: “ليس من شيء أعظم أو مضاهٍ للمحبة ولا حتى الإستشهاد الذي هو أوّل سائر المآثر الصالحة. كيف يكون هذا؟ أنصت. محبة دون استشهاد تؤدّي بالإنسان أن يغدو تلميذًا للمسيح، لكن باستشهاد دون محبة فلا يسعه إحراز (بلوغ) هذا.

إذًا أيها الإخوة والآباء، متخلّين عن الضغينة والحسد كما والإفتراءات الشريرة ضد الإخوة، دعونا نتّخذ المحبة التي هي إيماءة وعلامة مميّزة لتلاميذ المسيح ولنحتضن السلام الواحد تجاه الآخر مع الإتحاد والإنسجام، بالطريقة هذه دعونا نقدّم صلواتنا بسلام إلى الله أمير السلام، الذي وهبنا السلام بواسطة دم صليبه، والذي يمنح السلام للقاصين والدانين حسب الرسول ممجدين بصوت متفق وقلب واحد اسم الآب والإبن والروح القدس الكلي القداسة، الإله الواحد المثلث الأقانيم الذي ينبغي له كل المجد إلى مدى الدهور. آمين.

* من كتاب اعتراف الإيمانلأبينا في القديسين نيقوديموس الآثوسي المتوشح بالله، نقلها إلى العربية رهبان دير حماطورة، قيد الطبع.

الروح القدس والسلطة

الروح القدس والسلطة

الميتروبوليت باسيليوس كريفوشيين

نقلها إلى العربية الياس رزوق

“الرّيح (πνεῦμά1) تهبّ حيث تشاء”، قال الربّ يسوع حينما كلّم نيقوديموس، “تسمع صوتها لكنّك لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب” (يو8،3). يعطي الروح الحرّيّة، كما يشهد القديس بولس مشدّدًا: “وحيث روح الربّ هناك حرّية”(2كو17،3). ويحثّنا الرسول على أن لا نطفئ الروح (تس15،5)، و أن لا نرتبك أَيْضًا بِنِيرِ عُبُودِيَّةٍ (غلا 1،5). لأننا لم نأخذ “رُوحَ ٱلْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْنا رُوحَ ٱلتَّبَنِّي ٱلَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: يَا أَبَا ٱلْآب” (رو 15،8)،فقد حرّرنا الربّ لكي نثبت في الحرّية التي حرّرنا هو بها (غلا 1،5)؛ هذه الحرّية الشخصية التي لا تتأتى من حكم ضمير الآخَر، بحسب الرسول بولس نفسه (1كو29،10) بل من المسيح الذي بها حررنا (غلا 1،5).

لكن القديس بولس لا يعود ليذكر هذه الحرّيّة الشخصيّة حين يكتب لأهل غلاطية ليحذّرهم من الذين يريدون أن يحوّلوا إنجيل المسيح. ” وَلَكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلَاكٌ مِنَ ٱلسَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا! “(غلا 1،8-7) . فقد قرّر الرسول بولس الصعود إلى أورشليم بعد تلقّيه لإعلان، لكي يعرض للرسل الباقين الإنجيل الذي يكرز به  لِئَلَّا يكُونَ قد سْعَى بَاطِلًا (غلا 2،2)، وهو مدركٌ تمامًا أن اللّه هو الذي أفرزه من بطن أمّه ودعاه بنعمته ليعلن فيه ابنه (غلا1، 15-16).

نرى في هذا اعترافًا للرسول بولس بسلطةٍ، أكانت سلطة الإنجيل الذي ائتُمن على الكرازة به أم سلطة الرسل الباقين، وقد خضع القديس بولس لهذه السلطة التي هي أعلى من حرّيّته بالكرازة. وكان ذلك كله “بموجب إعلان”(غلا 2،2).

نرى في ذلك، كما في كلّ كتابات الرسول بولس، تمييزًا بين أمرٍ أُعلن له من الربّ (1كو25،7) وبين رأيه الخاص، مع أنّه مدرك بأنّ عنده روح الله (1كو40،7).

لذا، وبالرغم من أقوال بعض اللاهوتيين الكاثوليكيين أو الأرثوذكسيين، يمكننا القول بأنّ مبدأ سلطة الكتاب المقدّس أو الكنيسة هو مبدأ من الإنجيل. و لهذه السلطة أساس في شخص الربّ يسوع المسيح الكلمة المتجسّد ورأس الكنيسة الذي أُعطيَ كلّ سلطانٍ في السماء وعلى الأرض من بعد قيامته (متّى18،28). و قد شدّد الرسل الإنجيليّون على أن كلام يسوع كان بسلطان (لو32،4) و أنّه كَانَ يُعَلِّمُ الجموع كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَٱلْكَتَبَةِ (متى 29،7). من هنا نرى أن كلام الربّ يسوع يتميّز عن الكلام الإنسانيّ البحت بالمصدر الإلهيّ لهذا الكلام وبفعاليّته. من المفيد التنبيه إلى أن كلمة ἐξουσία باللغة اليونانية المستخدمة في الآيات المذكورة تعني “السلطان” كما تعني “القوّة” و”الاقتدار”. هذا السلطان الذي منحه المسيح لتلاميذه موصيَاً إيّاهم أن يكملوا تعليمه . ” فَٱذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ ٱلْأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِٱسْمِ ٱلْآبِ وَٱلِٱبْنِ وَٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ. ٢٠ وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ (متّى28،19-20) “. “اَلَّذِي يَسْمَعُ مِنْكُمْ يَسْمَعُ مِنِّي، وَٱلَّذِي يُرْذِلُكُمْ يُرْذِلُنِي، وَٱلَّذِي يُرْذِلُنِي يُرْذِلُ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي” (لو10،16). أمّا قول الربّ “وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ ٱلْأَيَّامِ إِلَى ٱنْقِضَاءِ ٱلدَّهْرِ” (متّى 20،28) فهو ضمانة أصالة وصحّة التعليم الرّسولي.

هذه السلطة ليست قوّةً خارجيّة تُفرَض على وعينا كالقوانين، بيد أنها كانت تتّخذ هذا الشكل أحيانًا كما نراها في تاريخ تجلّيها في حياة الكنيسة. إنها سلطةٌ روحيّةٌ تُمارَس في الرّوح القدس وبِه، روح الربّ الذي حيث يكون هو هناك حرّيّة (2كو 17،3). وروح الله، الفاحص لكلّ شيء حتى لأعماق الله، يدخل إلى أغوار نفس الإنسان، يفحصها وينقبها وهو العارف الأوحد بما فيها. ويكشف للإنسان الأشياء الموهوبة له من الله (1كو2، 10-12). هكذا، من الداخل، ندرك بالروح هذه الأشياء لأنها لا تُفرض علينا من الخارج. لذا نقول مع الرسول بولس أن الإنسان الطبيعيّ- غير الروحي، لا يقبل ما لروح الله لأنّ عنده جهالة فهو غير قادر على معرفته، أما الإنسان الروحي فيحكم في كل شيء وهو لا يحكم فيه من أحد بل بالروح الذي فيه (1كو 2، 10-15). هذا الروح الذي هو أساس إدراكنا للبنوّة الإلهيّة، أي معرفتنا بأننا أبناء الله. “اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لِأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلَادُ ٱلله” (رو 16،8)، ويعلن لنا ألوهيّة المسيح وسيادته وسلطانه، لأنّه” لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» إِلَّا بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ” (1كو 3،12).

تنبغي الإشارة إلى أن عمل الروح القدس، مع أنه يتوجّه إلى الإنسان في كل ما هو شخصي وداخلي، لكنه يبقى ذا وجه جماعي وكنسي يكمّله. وكما أنّ فعل الروح القدس هذا يتوجّه إلى أعماق الانسان-الفرد ونفسه، كذلك يفعل الرّوح القدس في الجماعة والكنيسة. لأنّه علّم الرسل (لو 12،12)، وتكلّم فيهم (متّى 20،10) و أكمل ما علّمهم إيّاه الرب يسوع (يو 26،14) و أخبرهم بالأمور الآتية (يو 13،16). فهو روح الحقّ (يو 17،14؛ 15،26؛ 13،16)، روح الحكمة والإعلان (أف 17،1).

نال الرسل القوّة حينما حلّ عليهم الروح القدس (أع 8،1)، وكان معهم في رؤيتهم للأمور و في قراراتهم (أع 8،15). فهو الذي يقيم الأساقفة ليعوا كنيسة الله ( أع 28،20)، وهو الذي يكلّم الكنائس داعيًا إيّاهم لسماعه (رؤ 7،2). أمّا عقاب الإنسان الذي يكذب على الروح القدس فهو الموت (أع 5، 5-3)، ولن يُغفَر لمن يجدّف عليه، لا في هذا العالم ولا في الآتي(متّى 12،32-31). الرّوح محرِّر و مسلّط، ملهِمٌ و معلِّمٌ يُعطى للذين يطيعون الله (أع32،5). هو روح اتّحادٍ (أف 3،4) و طاعةٍ وروح نظام، ” لِأَنَّ ٱللهَ لَيْسَ إِلَهَ تَشْوِيشٍ بَلْ إِلَهُ سَلَامٍ” (1كو33،14). وبهذا الرّوح المُعطى لنل من الله، ندرك أنّنا ثابتون في الله وهو فينا (1يو13،4).

لكن هنا مسألة جديدة: كيف لنا أن نعرف فعلًا إذا كان كان الرّوح القدس هو الذي يتكلّم في إخوتنا أو فينا؟ كيف لنا أن نميّز بين أعمال الباطل وأعمال الرّوح القدس؟ و أيّ سلطةٍ إذًا للإعلانات المُقدّمة على أنّها من الرّوح القدس؟

يشدّد الرسول يوحنّا على أهمّيّة الفحص في هذه المسألة: “أَيُّهَا ٱلْأَحِبَّاءُ، لَا تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ ٱمْتَحِنُوا ٱلْأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ ٱللهِ؟ لِأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى ٱلْعَالَمِ” (1يو1،4). وقد أعطانا الربّ يسوع الإجابة عن الأسئلة بأن “من ثمارهم تعرفونهم” (متّى 20،7). أمّا ثمار الروح الصالحة فيعدّدها الرسول بولس في رسالته إلى أهل غلاطية: “مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلَامٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلَاحٌ، إِيمَانٌ، ٢٣ وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ “(غلا 5،22-23). ويتابع:” ضِدَّ أَمْثَالِ هَذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ” (غلا 5،23)، مُعلّمًا أن المعايير النّاموسيّة والخارجيّة لا تكفي لاستبانة أعمال الرّوح القدس، لأنّ أساس استبانة هذه الأعمال هو المعايير الدّاخليّة للفرد أو الجماعة. لأنّ الروح القدس هو روح نظامٍ وطاعةٍ أبويّة وسلام، وهة قبل كلّ شيءٍ روح قداسة ومحبّة. هذا ما يميّز الروح القدس عن الباطل وما يتميّز به رسل المسيح الحقيقيون (يو 35،13).

يشرح الرسول يوحنا في إنجيله أن المعيار الأساسيّ لتمييز الأرواح مرتبطٌ بالرب يسوع المسيح بالذات، وهو الاعتراف بتجسّد كلمة الله وبكلّ ما يفرض ذلك من حقّ”بِهَذَا تَعْرِفُونَ رُوحَ ٱللهِ: كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي ٱلْجَسَدِ فَهُوَ مِنَ ٱللهِ، ٣ وَكُلُّ رُوحٍ لَا يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي ٱلْجَسَدِ، فَلَيْسَ مِنَ ٱللهِ. وَهَذَا هُوَ رُوحُ ضِدِّ ٱلْمَسِيحِ […] مِنْ هَذَا نَعْرِفُ رُوحَ ٱلْحَقِّ وَرُوحَ ٱلضَّلَالِ”(1يو4،2-6). وكما يقول الربّ لرسله:” وَمَتَى جَاءَ ٱلْمُعَزِّي ٱلَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ ٱلْآبِ، رُوحُ ٱلْحَقِّ، ٱلَّذِي مِنْ عِنْدِ ٱلْآبِ يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي. ٢٧ وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا لِأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ ٱلِٱبْتِدَاءِ.” (يو26،15). هذه الشهادة بتجسّد ابن الله وألوهيّته هي إذًا عمل أساسيّ من أعمال روح الحقّ. ويكتسب هذا الاعتراف كلّ قيمته من استقلاليّة الروح القدس – المنبثق من الآب – عن الإبن من ناحية مصدر انبثاقه.

هذا يوصلنا إلى التساؤل حول ما إذا كان سلطان الروح القدس مختلفٌ ومستقلٌّ عن سلطان الابن وما هي إذاً العلاقة بين هذين السلطانين.

يمكننا القول أنّ الإبن والروح القدس هما إعلانان للآب الذي هو مصدر لكليهما؛ “ساعدا الآب” كما يقول القدّيس إيرينيوس. هكذا، أخبر الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب عن الآب الذي لم يره أحدٌ قط(يو27،5). وقد أعطى الآب الابنَ كلَّ سلطانٍ في السماء وعلى الأرض( متّى 18،28) وأعطاه أيضًا سلطان الدّينونة لأنّه ابن الإنسان (يو27،5)، أي المسيح الكلمة المتجسّد. أمّا الروح القدس المنبثق من الآب، فقد أرسله المسيح الابن إلى العالم من قِبل الآب (يو26،15) ليشهد للمسيح ويرشدنا إلى جميع الحقّ (يو13،16). وكما يقول الربّ يسوع أنّ كلّ ما للآب هو للمسيح الابن و الروح يأخذ ممّا للابن ليخبرنا (يو15،16). إنّها وحدانيّة الثالوث السرّية في تنوّع أعماله، ولم ترد الكنيسة الأرثوذكسيّة، الأمينة لتقليد الآباء، عقلنة هذه الوحدانيّة.

إنّ مسألة السلطان ومصدره، ومسألة دور الروح القدس والمكانة التي له في الإنجيل هي مسائل تخضع للفحص من منظور أعمال الثالوث كي لا نقع في الخطأ والتناقض بسهولة. فإمّا أن نناقض أعمال الابن وأعمال الروح القدس أو نخضع الأخيرة للأولى.

في الحالة الأولى نكون من القائلين بوجود تناقضٍ بين سلطان الابن وحرّيّة الروح القدس. أمّا إخضاع أعمال الروح القدس لسلطان الابن فهو رفضٌ لعنصرَي الخبرة والبنوّة في الكنيسة لصالح نظامٍ هرميٍّ مؤسّسيّ. لذلك فإنّ وجهتي النظر هاتين هما من دون شكّ زائفتان. أوّلًا لأنّه من غير الصحيح أن نقول بتضادٍّ بين الابن والروح القدس كمبدأين للسلطة والحرّيّة. فالمسيح الذي هو الحق(يو6،14) يحرّرنا فنكون بالحقيقة أحرارًا (يو 8، 32-36). و من جهة الروح القدس فهو روح نظامٍ وطاعةٍ ووحدة، وبه تُحفظ في الكنيسة وديعة الإيمان. لا تناقضَ بين الابن والروح القدس، بل على العكس، يكمّل الروح عمل الابن ويعلن ألوهيّته. هذا الدور الإعلانيّ النبويّ الخاصٌّ بالروح القدس، هو بالتحديد الذي يطرح مسألة السلطة بالكنيسة.

لا تنكر النبوءات هذه السلطة. أمّا الإنجيل فيطلعنا على سلطة الروح القدس التي تمارَس بالروح ذاته و بطريقةٍ داخليّةٍ عميقةٍ يصعب تحديدها وتستحيل قوننتها. لنتذكر على سبيل المثال أنّ المجامع المسكونيّة التي لها السلطة الأعلى في الكنيسة، لم تُعتبَر يومًا مؤسّساتٍ كنسيّةً دائمة بل أحداثًا نبويّةً استثنائيّة.

يعطي روح الحقّ للكنيسة بأجمعها سلطةً معصومةً لكنّه لا يعطي العصمة للأفراد أعضاء الكنيسة. ويرسل الروح في اوقات الشّدائد أشخاصًا قدّيسين من أساقفة كالقدّيس أثناسيوس بطريرك الإسكندريّة (299- 373 م) أو رهبان كالقدّيس مكسيموس المعترف (580-662 م) للدفاع عن الحقيقة المهدَّدة أو لتجديد الحياة الروحيّة.

لهذا يعمل أبطال الإيمان هؤلاء والمجدّدون الروحيّون ويتكلّمون بسلطان. ولكن، وبما أنّ الروح القدس هو روح نظامٍ وسلام، فهو يقود الكنيسة من خلال أتباع الرسل الذين تلقّوا الروح القدس في يوم العنصرة. وهو يأتمنهم على سلطته ( أع 28،15). و بالتأكيد، يحصل هذا كلّه باتّحادٍ عميقٍ مع الربّ يسوع بما أنّ الروح المستقرّ على المسيح (متّى 18،12)، يأخذ ممّا للمسيح (يو15،16)، وهو لا ينفصل عنه في انبثاقه من الآب، الذي هو مصدر كلّ سلطان.

* Publié dans le Messager de l’exarchat du patriarche russe en Europe occidentale, n° 68 (1969), p. 205-209.

1- En grec (πνεῦμά), comme en hébreu (ruah), le mot signifie « esprit » et « vent » (NdR).

2- IRENEE DE LYON, Contre les hérésies, IV, 20, 1, t. II, Paris, Éd. du Cerf, coll. « Sources chrétiennes » n° 100, 1965, p. 626-627 (NdR).

3- Voir « L’autorité et l’infaillibilité des conciles œcuméniques », p. XX-XX (NdR).

4- Le « repos de l’Esprit sur le Christ » — c’est-à-dire la présence de l’Esprit dans le Fils, révélée lors du baptême dans le Jourdain et confirmée par Jésus lui-même (Lc 4, 18.21) — est la formulation traditionnelle orthodoxe du mode de relation du Christ à l’Esprit Saint. Due à saint Jean Damascène, la formule fut reprise par saint Grégoire Palamas et dans la célébration liturgique byzantine (aux grandes vêpres de la Pentecôte) (Voir B. BOBRINSKOY, Le Mystère de la Trinité, Paris, Éd. du Cerf, 1996, p. 104-105 et p. 303; J. LISON, L’Esprit répandu. La pneumatologie de Grégoire Palamas, Paris, Éd. du Cerf, 1994, p. 36) (NdR).

Suite « Dieu, l’homme, l’Église » Lecture des Pères Par Basile Krivochéine Les Éditions du « CERF » Paru en. Décembre 2010, 302 pages

1كلمة يونانية تعني الريح والروح كما تحمل كلمة روح العبرانية هذين المعنيين (πνεῦμά)

الحبّ والحرّيّة

الحبّ والحرّيّة*

اﻷرشمندريت توما بيطار

الرّبّ يسوع يوصي تلاميذه، ولا يأمرهم. بين الوصيّة والأمر فرق شاسع. في الوصيّة هناك عشراء، هناك صداقة، هناك مودّة، هناك محبّة، هناك قربى. الأب، عادة، يوصي أولاده. الرّجل الشـّيخ يوصي الفتية، الرّجل الحكيم يوصي مَن هم أقلّ حكمةً منهأمّا الأمر، فيصدر عن صاحب سلطان. والرّبّ يسوع، على الرّغم من أنّه صاحب سلطان، لا يأمر، ولا يشاء أن يأمر؛ لأنّه جاء لا ليُخدَم، بل ليَخدِم (مر10: 45). لم يأتِ كرئيس، بل جاء كخادم للجميع. وهو لا يشاء أن يعطي الانطباع أنّه كالرّؤساء، في هذا الدّهر، الّذين يأمرون، وكلمتهم تكون قاطعة من جهة النّاس. الرّبّ يسوع ينعطف على تلاميذه؛ ومن ثمّ، ينعطف علينا، ليوصينا بالوصيّة الوحيدة، وصيّة المحبّة: “أوصيكم أن يحبّ بعضكم بعضًا“. الحقيقة أنّ محبّة الله لنا ومحبّتنا لله تظهران من خلال محبّتنا بعضنا لبعضنا الآخر. مَن لا يحبّ أخاه، فلا يكون محبًّا لله، ولا يعكس محبّة الله له. وهذه المحبّة علينا أن نتعاطاها في العالم الّذي لا يحبّ، ولا يعرف أن يحبّ. على العكس، في العالم، هناك مصالح، وليست هناك محبّة. لذلك، الّذين لا يسلكون وفق منطق العالم، أي منطق المصلحة، والمداهنة، والرّياء، والكذبفإنّ العالم يُبغضهم. العالم لا يمكنه أن يستوعب محبّة الله، ولا أن يقبلها. محبّة الله تنكر العالم، لأنّ العالم الّذي تكلّم عليه الرّبّ يسوع، هنا، ليس العالم الّذي خلقه الله. العالم الّذي خلقه الله عالم مُبارَك. الخليقة تساوي العالم. لكن، هنا، العالم يساوي الخطيئة، الّتي أضحت متمثِّلة في المجتمع بشكل مؤسّسة، وأصبحت خطيئة منظَّمَة. لذلك، أركان العالم هي، بالضّبط، أركان الخطيئة، أوّلاً وأخيرًا. العالم يحبّ خاصّته الّذين، عمليًّا، يحبّون ذواتهم، ويحبّون الخطيئة. في عالم كهذا، لا مكان، في الحقيقة، للوصيّة الإلهيّة؛ ومن ثمّ، لا مكان للمحبّة الأصيلة.

أنتم لستم من العالم، أنا اخترتكم من العالم. لأجل هذا يبغضكم العالم“. نحن ننتمي إلى عالم آخر، وعلينا أن ندرك أنّنا لا ننتمي إلى هذا العالم. وإذا رأى النّاس، في هذا العالم، أنّنا مختلفون عنهم، فهذا لا يجوز أن يكون سببًا لكي نكون مثلهم، لكي نعمل أعمالهم، لكي نفكّر كما يفكّرون! نحن مختلفون عن العالم، لا بالضّرورة لأنّنا بشر قدّيسون، بل لأنّ علينا أن نكون قدّيسين. نحن ننتمي إلى الله، ننتمي إلى قداسة الله. لذلك، ننتمي إلى فكر آخر، ننتمي إلى طريقة أخرى، في الحياة. لهذا، نحن ننتمي إلى الملكوت على الأرض. طبعًا، هذا يستلزم أن يُحاذر كلٌّ منّا اقتبال فكر العالم، وطريقته، وخبراته. هذه علينا أن نجتنبها في كلّ الأحوال. لا يمكن الإنسان أن يكون محبًّا للعالم ومحبًّا لله، في آن. تعلمون القول الإلهيّ: “محبّة العالم عداوة لله” (يع4: 4)، ولا تحبّوا العالم ولا الأشياء الّتي في العالم، لأنّ محبّة العالم عداوة لله” (1يو2: 15). إذا أردنا أن نتبيّن هذا الاختلاف بيننا، نحن الّذين ينتمون إلى ملكوت الله، وبين العالم؛ فبإمكاننا أن نأخذ أمثلة عديدة. مثلاً، العالم يعتبر أنّ الكذب أمر مقبول، إذا كان ينفع مصلحة الإنسان والمجتمع. كذلك الأمر، الأمانة، في العالم، ليست مطلوبة. المطلوب هو أن يسعى كلّ إنسان لمصلحته ومصلحة جماعته، وحتّى لمصلحة وطنه. هذه ليست أمانة، أبدًا! الأمانة أن يكون الإنسان أمينًا للقيم، للمبادئ، للوصيّة الإلهيّة الّتي أسلمنا إيّاها الرّبّ يسوع. في العالم، مثلاً، الزّنى أمر عاديّ جدًّا! لا بل هو شيء مرغوب فيه، ويُعتبَر مرتبطًا بالطّبيعة! هذا ليس، أبدًا، ما نفكّر فيه، أو ما نقبلهبإمكان الإنسان أن يسترسل في الحديث عن أركان العالم الّتي تختلف، تمامًا، عن أركان ملكوت السّموات، وعن أركان الكنيسة. لهذا السّبب، لا يمكننا، أبدًا، أن نجعل حياتنا من طينة هذا العالم. نحن من طينة مختلفة! نحن نقرأ في غير كتاب! نحن نقرأ في كتاب الله، وننتمي إلى جسد المسيح! هذا علينا أن نحافظ عليه، دائمًا، في هذا العالم! ليس المطلوب أن نخرج من هذا العالم، إنّما أن نحافظ على أنفسنا، بنعمة الله، في هذا العالم. نحن في هذا العالم، لكنّنا لسنا من هذا العالم. طبعًا، هذا ليس بالأمر السّهل، أبدًا؛ لأنّ الإنسان لا بدّ له من أن يشعر، إذا ما سلك في هذا المسار، بأنّه غريب! ولا بدّ للآخرين، أيضًا، من أن ينزعجوا منه، لأنّه مختلف عنهم. لكن، هذا، بالضّبط، هو الواقع المستمَدّ من الوصيّة الّتي أسلمنا إيّاها الرّبّ يسوع؛ ونحن، بكلّ بساطة، أبناء الملكوت على الأرض! نحن ننتمي إلى مملكة أخرى، وإلى ذهنيّة أخرى، وإلى مفاهيم أخرى. كلّ هذا يجب أن يجعلنا، لا أمناء فقط لله؛ إنّما، أيضًا، نسلك بفرح وسرور في ما أوصانا به الرّبّ الإله؛ إذ ذاك، نحقّق هويّتنا. نحن لنا هويّة مختلفة! الرّبّ يسوع، هنا، يقول إنّه قد أعطانا نفسه مثلاً. هو في العالم قد اضطُهد. فإذا كنّا نحن له، فعلينا أن نتوقّع أن نُضطَهَد نحن أيضًا: “إن كانوا قد اضطهدوني، فسيضطهدونكم أنتم أيضًا، وإن كانوا قد حفظوا كلامي، فسيحفظون كلامكم أيضًا“.

طبعًا، هناك أناس، في هذا العالم، يحافظون على الأمانة لله. ليس كلّ النّاس، في نهاية المطاف، يتعاطَون بعداوة مع الله. هناك، أيضًا، أناس لم يحنوا ركبة لبعل” (رو11: 4)، الله عارف بهم، وهؤلاء سيسمعون الكلمة ويحفظونها. يسوع جاء وكلّم العالم بالحقّ. وكلّ الّذين كانت فيهم نفحة الحقّ، هؤلاء سمعوا وحفظوا. أمّا الّذين لم يشاؤوا أن يسمعوا، فالكلام الّذي كلّمهم به الرّبّ يسوع يكون دينونة لهم، يكون خطيئة لهم: “لو لم آتِ وأكلّمهم لم تكن لهم خطيئة“! كلمة الرّبّ يسوع إمّا تبرّرنا، أو تجعلنا خطأة. لهذا، علينا أن نتعاطى مع الكلمة الإلهيّة بالكثير من الجدّيّة والرّصانة، لأنّها هي الّتي تبرّرنا، وهي الّتي تديننا. ثمّ إنّ مَن يُبغض التّلاميذ يُبغض الرّبّ يسوع؛ ويبغض، أيضًا، الآب السّماويّ. الرّبّ يسوع عمل كلّ ما يمكن أن يُعمل لكي يُخرج النّاس من الخطيئة الّتي يتمرّغون فيها، في العالم. هو شفى المرضى، وطهّر البرص، وأقام الموتى، وطرد الشـّياطين، وعلّم الوصيّة: “لو لم أكن قد عملتُ بينهم أعمالاً لم يعملها آخر، لم تكن لهم خطيئة“! الرّبّ يسوع عمل ويعمل، في الحقيقة، كلّ ما نحن في حاجة إليه للخلاص. لكن، إذا كان الإنسان لا يشاء أن يسمع، ولا يشاء أن يقبل، ويعاند، ويتمسّك برأيه وأهوائه؛ فإنّه، إذ ذاك، يجعل خطيئةً على رأسه. الحقيقة أنّ الإنسان الّذي يحبّ نفسه يُبغض الرّبّ يسوع المسيح بلا سبب، ولا يحتاج إلى سبب، أبدًا، لكي يدخل في عداوة مع الله. السّبب هو أنّ قلبه ليس نقيًّا، هو أنّه لا يشاء أن يسمع الكلمة، لا يشاء أن يقبلها لأنّها تزعجه، لأنّها تناقض أهواءه، تناقض رغباتهمشكلة الإنسان الأساسيّة أنّه يريد أن يعيش على هواه! كثيرون، في الحقيقة، يفضّلون التّفلّت، لأنّه يجعلهم يشعرون بأنّهم أحرار. طبعًا، وصيّة المسيح تقيّد الإنسان، لكنّها تقيّده إلى الحرّيّة، لا إلى العبوديّة، أبدًا. إنسان الخطيئة يتصوّر أنّ الحرّيّة معناها أن يفعل الإنسان ما يشاء. طبعًا، هذا يجعل الإنسان يسقط في الخطيئة. ومَن يسقط في الخطيئة، يفقد حرّيّته، ويصير عبدًا لها. أمّا الرّبّ يسوع، فإذ يعطينا وصيّته، يعطينا، في الحقيقة، فرصة للحرّيّة الحقّ، الّتي هي أن يعرف الإنسان أن يقيّد نفسه بوصيّة الله، لأنّها تفتح له أبواب الحرّيّة الحقّ المرتبطة بالحبّ، وإن كانت، في الظّاهر، تقيّد الإنسان. الإنسان الّذي لا يقتبل وصيّة الحبّ لا يمكنه أن يكون حرًّا، بل يكون عبدًا لنفسه وللخطيئة. لذلك، بوصيّة الحبّ وحدها يصير الإنسان حرًّا بمعنى الكلمة.

إذًا، الحرّيّة، تحديدًا، هي أن يكون الإنسان حرًّا من هواه، حرًّا من عبادته لنفسه، حرًّا من مشيئته الخاصّة. إذ ذاك، يكون الإنسان حرًّا. أمّا الحرّيّة المطلقة، أي أن يصنع الإنسان ما شاء ومتى شاء، فهذه ليست حرّيّة، هذه خدعة من خـِدع الشـّيطان الّذي يوهمنا بأنّنا، إذا فعلنا ما نشاء، إذا فعلنا ما نرغب فيه، نصير أحرارًا. هذا كذب! بالنّسبة إلى الله، إذا أردتَ أن تصير حرًّا، فعليك أن تحبّ، عليك أن تتعلّم كيف تخرج من نفسك، كيف تخرج من أهوائك. إذ ذاك، متى فعلتَ ذلك، تصير حرًّا بمعنى الكلمة. إذًا، الإنسان الّذي يحبّ العالم، أي الّذي يحبّ نفسه وإرادته وأهواءه، هذا يُبغض الرّبّ يسوع المسيح بلا سبب! الرّبّ الإله يعطيه كلّ الأسباب حتّى يتحرّر، حتّى يتنقّى، حتّى يتقدّس، حتّى يحبّ، لكنّه (أي الإنسان) لا يشاء لأنّه يفضّل أهواءه على كلّ شيء آخر. والرّبّ يسوع يعطينا المعزّي لكي يشهد لِما قاله إلى الأبد. إذًا، نحن، كلّ يوم، نتلقّى شهادة الرّوح القدس عن الآب السّماويّ، وعن الرّبّ يسوع الّذي أعطانا وصيّة المحبّة. المطلوب أن نكون متعاونين مع الرّوح القدس، وأن نشهد معه، لأنّ المفترَض بنا أن نكون قد تمرّسنا بالحرّيّة الحقّ والمحبّة الحقّ: “أنتم أيضًا تشهدون لأنّكم معي منذ الابتداء. قد كلّمتكم بهذا لكي لا تشكّوا، إذ تكون هناك، دائمًا، أسباب للشـّكّ بالرّبّ يسوع. لكنّ الرّبّ يسوع أعطانا، أوّلاً، الوصيّة، ثمّ أعطانا القيامة ختمًا للحقيقة، لكي لا نشكّ فيما بعد. إنّما علينا أن نكون واقعيّين، وأن نفهم أنّ العالم سوف يُخرجنا من المجامع، أي إنّه لن يقبلنا في وسطه، بل سيضايقنا، سيزعجنا، سيتسبّب لنا بآلام كثيرة، وسوف تأتي ساعة يظنّ فيها كلّ مَن يقتلكم أنّه يقدّم عبادة لله“!

إذًا، نحن قطيع مُباع، عمليًّا، للموت من أجل الحقّ، للموت من أجل الوصيّة، للموت من أجل الله! العالم لا يمكنه إلاّ أن يضطهدنا، لأنّه حامل الخطيئة، والخطيئة حاملة لروح الشـّيطان، والشـّيطان يحاول، بكلّ الطّرق، من خلال عملائه، من خلال نَفَسه، من خلال تعليمه، أن يُفسد علينا الوصيّة الّتي أسلمنا إيّاها الرّبّ يسوع. لكن، علينا أن نتوقّع الأسوأ، إذا ما سلكنا بأمانة من جهة الله. “سوف تأتي ساعة يظنّ فيها كلّ مَن يقتلكم أنّه يقدّم عبادة لله“! هذا منتهى العمى! حين يصل الإنسان إلى حدّ يضطهد فيه مَن هم لله باسم الله، فإنّ الحسّ فيه، إذ ذاك، يكون قد مات، ويصير لا يرى أبدًا، ولا يميّز أبدًا بين ما هو للحقّ وما هو للباطل. كلّ هذا لا بدّ من أن يأتي علينا. لكن، مَن يصبر إلى المنتهى، فهذا يخلص” (متّى10: 22). علينا أن نتمسّك بالأمانة، في كلّ حين؛ والرّبّ الإله يعطينا، في نهاية المطاف، أن ننتصر: “كلّ الأمم أحاطوا بي، وباسم الرّبّ قهرتهم” (مز117: 10).

آمين.

* عظة حول يو15: 17- 27، 16: 1- 2، في السّبت 24 نيسان 2010

الذكرانيَّات المقدَّسة

الذكرانيَّات المقدَّسة

مداخلة للمغبوط الذِّكر الأستاذ يوحنا فوندولّيس

موضوعُ هذه المداخلةِ هو الذكرانيَّاتُ المقدَّسة، أي الطلباتِ التي ترفعُها الكنيسةُ المقدَّسةُ من أجلِ إخوتِنا الراقدين، و هي تنقسمُ إلى جزئين. في الجزءِ الأوَّل، نحاولُ أن نعطيَ صورةً تاريخيةً عن الموضوع، أي سنرجعُ إلى التقليدِ حولَ الذكرانيَّاتِ و كذلك ممارسةِ الكنيسةِ منذُ البداية، إلى أن صارَ الترتيبُ الليتورجيُّ جامداً. هذه التطرُّقُ الى التاريخ، حتَّى في هذه الحالة، و في أيِّ موضوعٍ عباديٍّ أخر، لا يصيرُ لأسباب فضوليَّةٍ تاريخيَّة، بل سببٍ جوهريٍّ و أساسيّ. هكذا، نحمي شرعيَّةَ ممارساتِنا الليتورجيَّةِ و بالتالي الطلباتِ من أجلِ الراقدين، التي تُتمِّمُها الكنيسةُ من أجلِ راحةِ نفوسِهم و تعزيةِ الاحياء. هكذا تُفكِّرُ الكنيسةُ الأرثوذكسيَّةُ التقليديَّة، و تتكلَّمُ في اللاهوتِ و تعمل. يُبرِّرُ التقليدُ ممارستَنا الحاليَّةَ و يؤكِدُ صحَّتَها. نحنُ لا نُجدِّدُ بل نتَّبعُ الترتيبَ الذي تسلَّمناه من ربِّنا يسوعَ المسيح، و الرسلِ القدِّيسينَ و آباءِ الكنيسة. فالبتقليد، نَثبُتُ بتواضعٍ و ثقة، و باسمِه نُتابعُ الحياةَ الروحيَّةَ و العباديَّةَ في أحضانِ الكنيسة مُستدعينَ رحمةَ الله, مؤمنينَ أنَّ مراحمَه ستغلبُ كثرةَ خطايانا. نقولُ هذا بدالَّةٍ في أفاشينِ إحناءِ الركبِ في غروبِ العنصرة، التي هي في الأساسِ صلواتٌ للراقدين:” قابِل مآثمَنا برأفتِك، و تغاضَ عن كثرةِ زلاَّتِنا بلجَّةِ تحنُناتِك” (الإفشين الأول).

في الأسئلةِ التي يطرحُها المؤمنونَ وغيرُ المؤمنين عن الأهمِّيَّةِ و الفائدةِ من الطلباتِ التي يرفعُها الأحياءُ من اجلِ راحةِ نفوسِ الراقدين، طالما أنَّه ليس من توبةٍ في الجحيم، سنجيبُ نحن بأنَّ هذا ما درجت عليه الكنيسةُ منذُ العصورِ الأُولى. هذه السذاجةُ ظاهريًّا هكذا تسلَّمنا، تُشيرُ الى ثقتِنا الكلِّيَّةِ و رجائِنا الثابتِ و الحيِّ برحمةِ الله، كذا التأكيدُ على أنَّ ممارسةَ الكنيسة، التي تُعبِّر عن إيمانِها و حقيقةِ كشفِ الله ِفي يسوعَ المسيحِ للعالم، تُشكِّلُ لنا كلِّنا الضمانةَ أنَّ صلواتِنا تصيرُ وفقَ مشيئةِ الله و هي مفيدةٌ لنفوسِ المنتقلين. بأيَّةِ طريقةٍ سيصيرُ هذا الأمر، سندَعِ الأمرَ لعمقِ محبَّةِ الله. هذا هو جوابُنا تقريباً على الموضوع، الذي يتعلَّقُ بالذكرانيَّاِت من وجهةِ نظرٍ ليتورجيَّة. كيف يُواجَه الموضوع نظريًّا، على أساسِ تعليمِ الكنيسةِ عن الأخرويَّات، و الحياةِ بعدَ الموتِ و القيامةِ و شركةِ القدِّيسين، هذه مواضيعُ تمَّ تحليلُها في مداخلاتٍ نظريَّةٍ سابقة. و لكنَّنا سنبقى في الإطارِ التاريخيِّ – الليتورجيِّ فقط.

لقد حدَّدتِ الكنيسةُ، مباشرةً منذُ البدء صلواتٍ خاصَّةً من أجلِ راحةِ نفوسِ آبائنا و إخوتِنا الراقدين. هذا يشكِّلُ نتيجةَ الإيمانِ و تعليمَه أنَّ المؤمنينَ الراقدينَ يعيشون، حتَّى بعدَ الموتِ، في االمسيحِ و أن شركةَ الإيمانِ و المحبَّةِ بينَ الأحياءِ و الأمواتِ لا تنقطع، يعبَّرُ عنها بالصلواتِ المتبادلة. يطلبُ الأحياءُ من أجلِ الموتى و الموتى من أجلِ الأحياءِ، بالطبعِ القديسونَ، الذين لهم داَّلةٌ عندَ الله. هكذا تتحدَّدُ الصلواتُ و الخدمُ من أجلِ الراقدينَ في ذكراهم ، أي الذكرانيَّات. بهذه الطريقة تُتابعُ الكنيسةُ التقليدَ و الممارسةَ العمليَّة، أي العاداتِ في الخدمِ الخاصَّةِ بالأموات التي كانت موجودةً في زمنِ مجيء المسيحِ بالجسدِ و إنشاءِ الكنيسةِ و انتشارِها. و بعدَ امتدادِ حضورِها، أعطتِ الكنيسةُ لبعضِ الاعتقاداتٍ معنًى جديداً و تابعَت فيها.

توجدُ في العهدِ القديمِ شهاداتٌ عن الممارسةِ اليهوديةِ قبل المسيح. ففي طوبيا 4، 17 يوجدُ التعليمُ التاليضع خبزَكَ عندَ قبرِ الأبرار، و هذا يُشيرُ إلى إقامةِ مائدةٍ عندَ القبورِ أو تقدماتِ رحمةٍ للفقراء، و هذا بكلِّ وضوحٍ من اجلِ ذكرى المنتقلين. و قد أرسلَ يهوذا المكابيُّ إلى هيكلِ أورَشليم كلَّ ما هو مطلوبٌ لكي تتِّمَ الذبيحةُ من أجلِ الذين سقوط في الحرب . فالقرابةُ مع الممارسةِ المسيحيةِ اللاحقةِ واضحة.

كان عابدو الأوثان أيضاً، يقدِّمونَ ضحايا و تقدماتٍ من أجل الموتى. من عهدِ هوميروس، كانت موائدُ الرحمةِ بعدَ الدفنِ معروفةً، و الكلُّ كانَ يعتقدُ بأنَّ الميتَ يُشاركُ الجالسينَ الطعام. هذه الموائدُ كانت أيضاً تُقام بترتيبٍ في أيَّامٍ محدَّدةٍ بعدَ الدفنِ و في اليومِ الثالثِ وفي التاسعِ و الثلاثينَ و في كلِّ سنةٍ يومَ ميلادِ الميت. القرابةُ هنا مع الممارسةِ المسيحيَّةِ أكثرُ وضوحاً.

لقد تابعَ المسيحيُّونَ ما ذُكرَ أعلاه بطريقةٍ مزدوجة الإحسانَ من اجلِ المنتقلين، كتعبيرٍ عن المحبَّةِ تُجاههم و تجاهَ الذين يصلُّونَ من أجلِهم، و الصلوات. و كما وردَ في الاوامرِ الرسوليَّة ( أواخر القرن الرابع) يتوجَّبُ أن تُقدمَ حسناتٌ للفقراءِ من ممتلكاتِالميت و من أجلِ ذكراه“.و يحثُّ على ذلك الذهبيُّ الفم، و إيرونموس، و ترتليانوس، أثناسيوس المنحول و آباءٌ آخرونَ و كتَّاب كنسيُّون. و لكن بالمقابل كانت تُقامُ موئدُ عندَ قبورِ الموتى أو حسنات ، و هذه ما زالت حتَّى يومِنا هذا و لكنَّها مختلفةٌ بينَ منطقةٍ و أُخرى. و المائدةُ التي تُقام من أجلِ راحةِ نفسِ الراقدِ ليست منفصلةً عن عملِ الرحمة، لأنَّ الجميعَ يشتركُ فيها، ليس فقط الأهلُ الأقاربُ و أصدقاءُ الراقد بل الكهنةُ و الفقراءُ و الغرباء. جديرٌ بالذكرِ هو المعنى الروحيُّ، الذي تُعطيهِ التعاليمُ الرسوليَّة، للذين يشاركونَ في هذه الموائد: كعملِ صلاةِ و شفاعةِ الأحياءِ من أجلِ الراقدين، بما أنَّكم مدعوُّونَ إلى ذكراهم، فكُلوا بترتيبٍ، و خوفِ الله، ذلك أنَّكم قادرونَ أن تتشفَّعوا من أجل المنتقلين” (الأوامر الرسوليَّة)

و على أيِّ حال، يوجدُ في الأوامر الرسوليَّة، لا فقط صلواتٌ و طلباتٌ من أجلِ إخوتِنا الراقدين في المسيح، و التي هي في الأساسِ حاويةٌ أيضاً الطلباتِ المستخدمةَ في الأفاشينِ المألوفةِ عندَنا و أغفر له كلَّ خطيئةٍ فعلَها طوعياً أو كرهياً و …. رتِّبه في بلدةِ الأتقياء، و أسكنه في أحضانِ إبراهيم, و إسحاقَ و يعقوبحيثُ لا وجعَ ولا حزنَ و لا تنهُّدبل أيضاً شهاداتٌ على أنَّ الذكرانيَّات، التي تُقام في اليومِ الثالثِ و التاسعِ و الأربعينَ و السنة، قد حدَّدّها الرسلُ القدِّيسون. و قد أُعطيَ تبريرٌ لاهوتيٌّ و كتابيٌّ لكلِّ يومٍ من هذه الأيَّام: ” تمِّموا ذكرانيَّةً في اليومِ الثالث، بالمزاميرِ و القراءاتِ و الصلواتِ للقائمِ من بينِ الأمواتِ في اليومِ الثالث، و في التاسعِ من أجلِ تذكُّرِ الراقدين و اليومِ الأربعين بحسبِ العادةِ القديمة، لأنَّ موسى هكذا امرَ الشعب,و تذكاراً سنوياً من اجلِ تذكارهِ“. و قد قُدِّمت شروحاتٌ لاهوتيِّةٌ مماثلةٌ واستشهادٌ بالعهدِ القديمِ أو المعنى اللاهوتيِّ للأرقامِ و خاصَّةً في حياةِ السيدِ و ظهوراتِهِ بعدَ القيامة، و ذلك لتبريرِ اختيارِ أيَّامِ تتميمِ الذكرانيَّات: الثالوثُ القدُّوس، دفنُ السِّيد لثلاثةِ أيَّام(الثالث)، الطغماتُ الملائكيَّةُ التسعة، أو العددُ المقدَّس 3*3 أو ظهورُ السيِّد في اليومِ الثامنِ بعدَ يومِ القيامة (التاسع)، و صعودُه إلى السماءِ بعد أربعينَ يوماً من القيامةِ (الأربعين). يوردُ القدِّيسُ سمعانُ التسالونيكيُّ تفاسيرَ أُخرى كانت منتشرةً في عصرِه، كانت تُقابلُ أيَّامَ الذكرانيَّاتِ بمراحلِ الحملِ بالجنينَ و تشكُّلِهِ من جهة، و انحلالِ الجسدِ الطبيعيِّ بعدَ الدفنِ من جهةٍ ثانية. كانت هذه التفاسيرُ تستندُ إلى العلومِ الطبِّيَّةِ في ذلك العصر، و لم يتبنَّاها القدِّيسُ سمعان، الذي بكلِّ استقامة فضَّلأن يفهم كل شيء روحياً و إلهياً، ولا يفسِّرُ ما يختصُّ بالكنيسةِ على أساسِ الأحاسيس“. على كلِّ حال، المهمُّ هو أنَّ الكنيسةَ حافظة على أخلاقِ ما قبل المسيحيَّة، و التي لم تتعارض مع تعليمِها، و قد أسبغت عليها معنى مسيحياً جديداً و عدَّلت بعضا منها لأسبابٍ لاهوتيَّة. هكذا عملت عندما بدَّلت الثلاثينَ يوماً إلى أربعين، و الواضحُ أن ذلك جاءَ بسببِ التأثيرِ اليهوديِّ و ليتناسبَ مع صعودِ السيِّد. و هكذا تتمَّمُ الذكرانيَّاتُ السنويَّة، و ليس ذكرى بلا معنى كالتي تُقامُ في يوم ميلادِ الناس، بل في يومِ الولادةِ بالمسيحِ والرقادِ والولوجِ إلى الحياةِ الحقيقيَّة، أي في يومِ رقاد،المؤمنين،يومِ ميلادهمترتيبٌ حكيمٌ جداً.

نتعلَّمُ من مختلفِ تبيكوناتِ الأديارِ المحفوظةِ تقاليدَ خدمِ الجنَّاز، و التي تحفظُها الأديارُ و الكنائسُ التي في العالم. تصير كلَّ يوم على مدى أربعينَ يوماً، في خدمِ الغروبِ و السحر، طلبةٌ خاصةٌ من أجلِ الراقدِ و تُقدَّمُ من أجل راحةِ نفسهِ الذبيحةُ غير الدموية. يتطرَّقُ الأباء، بشكلٍ خاصٍّ إلى أهمية إقامة القداس الإلهيِّ من أجل المنتقل، و أهميةِ ذكرهِ فيه و الاستفادة منه، و من بينِ هؤلاءِ الأباءِ القديس كيرلُلس الأوراشليميّ ( القرن الرابع)، الذي يُشدِّدُ على الفائدة الكبرىالتي تحصل للنفوس التي تُقدَّمُ من أجلِها في الذبيحةِ المقدسةِ الرهيبة” ( التعليمُ الميستاغوجيّ، الفصل الخامس)، و كذلك القدِّيسُ سمعان التسالونيكيّ ( القرن الخامس عشر) الذي يُطابقُ التقليدَ الليتورجيَّ حول القدَّاسِ الإلهيِّ، لأنَّه بهذه الطريقة بواسطةِ أجزائِهم الموضوعةِ على الصينيَّةِ المقدَّسة، يشتركونَ أسراريًّا، و بشكلٍ غيرِ منظورٍ بالنعمة، و يتناولون، و يطلبون، و يخلصونَ و يبتهجونَ في المسيح السيِّد ( الحوار، فصل 373). اذا رقدَ أحدٌ ما في فترةِ الصياِم الأربعينيِّ، حيث لا يمكن أن يُقامَ أربعونَ قداساً له، عندئدٍ يصيرُالتدبيرُ التالي: يُتمَّمُ الثالثُ في أوَّلِ سبت، و التاسعُ في السبتِ الثاني و تُتَمَّمُ القداديسُ الأربعونَ ابتداءاً من يومِ الاثنين الذي يلي أحد توما. هذا الترتيبُ مهمٌّ جداً.

سنأتي الانَ إلى الجزءِ الثاني من المداخلة. فلنحافظ على التعليمِ الأساسيِّ و هو أنَّ ما هو أساسيٌ في ذكرانيَّةِ الراقدِ يصيرُ في القدَّاسِ الإلهيِّ و بكلماتٍ أُخرى، إنَّ الخدمةَ الحقيقيَّةَ للذكرانيَّةِ مُرتبط ، بشكلٍ ثابت، بتتميمِ سرِّ الشكرِ الإلهيِّ، كما رأينا من قبلُ في سر المعموديةِ والزواجِ والزيت….

عدا عن الذكرانيَّاتِ الفرديَّةِ التي تصيرُ في اليومِ الثالثِ والتاسعِ والأربعينِ و في الذكرى السنويَّةِ لرقادِه، أدخلَتِ الكنيسة، في كلِّ الخدمِ طلباتٍ من أجلِ راحةِ النفوسِ و الغبطةِ الأبديَّةِ لآبائِنا و إخوتِنا الراقدين، أي طلباتٍ عامةً أو أفاشين، تُذكرُ فيها الأسماء. هكذا لدينا طلباتُ صلاةِ الغروب، و السحريَّة و القدَّاسِ الإلهيّ إرحمنا يا ألله …. و أيضاً نطلب من أجل الذكرِ المغبوطِ و الراحةِ الأبديةِ لنفوس ….”، و خدمة التقدمة، و الطلباتُ لنصلِّ…” في صلاةِ نصفِ الليلِ والنوم، و الطروباريَّةُ الخاصة بالأمواتِ في الساعة الثالثة، و بشكل خاصٍّ في القسم الثاني من صلاةِ نصفِ الليلِ اليوميَّة، التي تُصنَّف في المصادرِ تريصاجيون من أجلِ الموتى“, و تحتوي على مزمورين (120 و 133) ثم قدوس الله و ثلاثُ طروباريَّاتٍ خاصَّة بالراقدين ( أُذكر يا ربُّ عبيدك بما أنَّك صالح…) ، ووالديَّه و إفشين (” أُذكر يا ربُ أباءَنا و إخوتَنا الذين رقدوا على رجاءِ القيامةِ والحياةِ الأبديَّة…”)

إنَّ سبوتَ السنةِ كلَّها مخصَّصةٌ للراقدينَ و الطلباتِ من أجلِهم. فيها يُرتَّلُ كلُّ ما يختصُّ بالراقدينَ من طروباريَّاتٍ و قوانينَ بحسبِ لحنِ الأسبوع، و تُتمَّمُ كذلك الذكرانيَّاتُ بشكلٍ قانونيّ. و هناك سبتانِ خاصَّانِ في السنَّة، السبتُ الذي يقعُ قبلَ أحد مرفعِ اللحم و السبتُالذي قبلَ أحدِ العنصرة، هما يومانِ مشتركانِ تُقامُ فيهما ذكرانيَّاتٌ عامَّةٌ إذ نتمِّمُ ذكرى جميعِ المسيحيِّينَ الأرثوذكسيِّين، من آبائنا و إخوتنا الراقدين منذ الدهر“. يرجعُ اختيارُ يومِ السبتِ كيومِ ذكرى الراقدين، من ناحيةٍ إلى خاصيَّتِهِ كيوم راحةكما جاءَ في التكوينِ أنَّ الله الخالقَ استراحَ من أعمالِ الخلق (تك2:2)، و كذلك بالنسبةِ لذاك السبتِ من أسبوعِ الآلامِ المقدَّسةِ حيثُ سبَتَيسوعُ المسيحُ السيِّدُ في القبر. كانت توجدُ أعيادٌ سنويةٌ للموتى في العالمٍ ما قبل المسيحيَّة، و قد قابلتها الذكرانيَّاتُ العامَّةُ التي تُقام في السبتَين المحدَّدينِ لذكرى النفوسِ الراقدة. في السبتِ الواقعِ قبل أحد مرفع اللحم، يوجدُ بينَ الأوديةِ السادسةِ والسابعةِ من قانونِ السحر سنكسارٌ كتبَه نيكيفوروس كاليستوس كسانثوبوليس، يُحلِّلُ فيه التعليمَ الكنيسةِ عن الحياةِ بعد الموت، و يعرضُ تفصيلاً عن الذكرانيَّاتِ و كم تستفيدُ نفوسُ الراقدينَ منها.

من كتاب مواضيع ليتورجيَّةالجزء الثالث

للأستاذ المغبوط الذِّكر يوحنا فوندولّيس

إصدار الخدمة الرسوليَّة أثينا 2007 (ص29-36)

نقله إلى العربيَّة رهبانُ دير رقاد والدة الإلهحمطوره

الواقع الأنطاكي على ضوء الدليل الرعائي

الواقع الأنطاكي على ضوء الدليل الرعائي

الأب أنطوان ملكي

أعدّ المجمع الأنطاكي المقدّس الدليل الرعائيونشره سنة 2012 ، وهو مؤلَّف من كتابين وملحق. الكتابان هما دليل الكاهن والدليل الرعائي إلى الأسرار. وضع الميتروبوليت جورج خضر الكتاب الأول وتبنّاه المجمع، كي يكون مرشداً في الفهم ولبحيلة الروحية والنمو في روح العائلة الواحدة آباءً وأبناء، وقد تبنّاه المجمع المقدّس، على ما يرد في تقديم المثلّث الرحمات غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع.

في الفصل ما قبل اﻷخير من الكتاب الأول وعنوانه الرعايا غير الأرثوذكسية وأهل الأديان، في الصفحة 88، يرد التوجيه التالي: “تقضي بعض المناسبات الاجتماعية أن يحضروها عندنا، ولا سيّما المآتم. أكرمْ حضورهم بيننا، وأعطِ قساوستهم الكرامة التي تليق بهم، ولا سيّما إذا كانوا من الكنائس الرسولية. لا مانع من أن يرتّلوا مع مَن يرتل عندنا إذا رأوا أن هذا تكريم لهم. غير انك تعرف أنّ المشاركة بالقدسات غير مباحة في تعليمنا وتعليمهم، بمعنى أن كهنتهم وكهنتنا لا يقيمون قدّاساً معاً، ولا يتناولون معاً“.

في هذا التوجيه قسمان. الأول حول التصرّف في المناسبات الاجتماعية والثاني حول المشاركة في القدسات. ما يلي قراءة تحليلية لهذا التوجيه على ضوء التقليد كما الممارسة القائمة.

حول القسم الأول

يحمل النصّ بذور أكثر من مشكلة.

أوّلها استعمال عبارة مآتم والمآتم هي مناسبة اجتماعية. أما صلاة الجنّاز فهي عمل (ليتورجيا) كنسي. نحن لا نسأل مَن يحضر المآتم وأصلاً لا داعٍ للسؤال. لكن ماذا عن الاشتراك في صلوات الجناز، خاصةً بالشكل الحالي.

القول بإعطاء قساوستهم الكرامة التي تليق بهم هو كلام مطاط. فبعضنا يرى أن جلوس الكاهن غير الأرثوذكسي في مكان قريب من الهيكل منفصل عن العامة هو الكرامة المقصودة. بينما يرى بعضنا الآخر أن عدم اشتراك الكاهن غير الأرثوذكسي في الخدمة هو قلة احترام. وفي الاشتراك بالخدمة يرى البعض أنّ ما من داعٍ لأن يلبس غير الأرثوذكسي أيّ بطرشيل، فيما غيره لا يرى في لبسه بطرشيله أي مشكلة، ويذهب البعض إلى إعطائه بطرشيلاً من عندنا. البعض يرى أن قراءة الطروبريات (أرِحْ يا مخلصنا وما يتبعها) كافية ﻹظهار الاحترام، بينما البعض الآخر يعطي الكاهن غير الأرثوذكسي دوراً مساوياً لأي كاهن آخر وبالتالي له أن يقرأ ما يصل إليه من الطروباريات أو قطع اﻹفلوييتاريا أو المكارزمي، حتّى أن البعض يسمحون له أو يطلبون منه أن يقرأ أفشين الحل الصغير في التريصاجيون، أو الإنجيل في الجناز.

اﻷسوأ من كل هذا، أن الناس باتت معتادة على هذا التذبذب في الممارسة ولم يعد يستفزّها أن ترى مطراناً كاثوليكياً في كامل حلته يشارك المطارنة اﻷرثوذكس الوقوف في الباب الملوكي، وبالتالي يعطي البركة ويقرأ الإنجيل ويعظ.

هذا الوصف القصير يظهر مدى الأذى الناتج عن أن يكون التوجيه في الدليل مطاطاً. والمؤسف أن هذه المطاطية تعمل ضد مَن يبتغي الدقّة من الكهنة وتشجّع على اضطهاده ونبذه ووصمه بالتعصّب والتقوقع والانتماء للقرون الوسطى.

حول القسم الثاني

يذكر الدليل أنّ المشاركة بالقدسات غير مباحة في تعليمنا وتعليمهم، بمعنى أن كهنتهم وكهنتنا لا يقيمون قدّاساً معاً، ولا يتناولون معاً“. أيضاً هنا عندنا سيل من الأسئلة التي تترَك لكل كاهن ومؤمن ليجيب عنها ويسلك على أساسها.

هل بإمكان علمانيينا وعلمانييهم المناولة معاً. على أي أساس؟ البعض يجيب بنعم ومن دون أساس ويبيح الكأس، وقلة نادرة تتحفّظ وتتألّم.

لماذا لا تصحّ مشاركة الكهنة وتصحّ مشاركة العلمانيين؟ في تقليدنا الذي يصوغه الشرع الكنسي بشكل قوانين، يرِد عند كل مخالفة أنّ مَن قام بها إذا كان كاهناً ينطبق عليه هذا الدواء للتوبة ومَن كان علمانياً ينطبق عليه دواء آخر. إذاً، المخالفة مخالفة بعض النظر عمَن يرتكبها. هذا الفصل بين الكهنة والعلمانيين حدوده عندنا أن يعتبر الكاهن تقوياًنفسه خاطئاً أما الشعب فمخطئ بسبب الجهل. كلام الدليل المَشار إليه أعلاه يبقي الشعب في جهلهمما يشدّ الكهنة نحو هذا الجهل ويغرقهم فيه.

يرد أيضاً في التوجيه نفسه تذكير بأنّ كنيسة أنطاكية اتفقت مع سريان أنطاكية على المناولة المشتركة، ما الأساس اللاهوتي لهذه الوحدة؟ هل تخلّى السريان عن أيّ فكرة أو مبدأ أو شخص مدان من الأرثوذكسية؟ هل تفكّرت أنطاكية بتأثير هذا القرار على الوحدة المسيحية الحقّة وبوحدة الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة قبل اتخاذ هذا القرار؟

لماذا أثير هذا الموضوع اليوم؟ طبعاً، إن شاء الدارس أن يكتب عن كل الانحرافاتالأنطاكية لكثرَت الصحف المكتوبة“. لكن محرّك هذا المقال هو هذه الفوضى في إقامة الصلوات المشتركة، خاصةً ما أظهرته الصور على شبكات التواصل الاجتماعي وفي الإعلام في الشهرين اﻷخيرين. فاشتراك كاهن فرن الشباك في زياح شعانين الكاثوليك وخروجه إلى الشارع ببدلته كاملة ملفت للنظر. تحوّل كرنفال توحيد الفصح في ضهور الشوير إلى مادة إعلانية وميدان للتباهي بأن البلدية عملت ما لم يعمله غيرها، وأعلنت وحدة من عندها، أيضاً مثير للكثير من الأسئلة حول الغاية من كل هذا ومَن يقف وراءه ومَن يسكت عنه. همروجة الخميس العظيم في قلعة الأرثوذكسية أميون حيث، وليس للمرة اﻷولى، يشارك مجموعة من كهنة الموارنة في قراءة الأناجيل لابسين حلل كاهن الرعية الكثيرة ويباركون ويتبدّلون على حمل الصليب في الزياح.

كل هذه انحرافات وما من اسم آخر لها، مهما كثُر الذين يصفقون لها أو يديرون وجوههم حتى لا يروا. دلالة الموت السريري الأولى في أنطاكية أن أحداً من الذين حملوا النعمة التي تكمّل كل ضعفلا يعلّق على هذه المناظر من ذاته. وعند السؤال، يسكت هذا بحجة أنه لا يريد أن يزعّل المطران أو الحاكمين من حاشيته، وذاك بحجة الطاعة، وآخر خوفاً من المتنمّرين في رعيته.

أمام هذا الواقع في الممارسة، من حقنا أن نسأل: هل من الفكر اللاهوتي ناشط في أنطاكية؟ أيكفي أن يكون نشاط هذا الفكر محدوداً بالمقالات وبعض المنشورات والتدوينات التي لا رقيب عليها ولا مصحّح؟ هل فعلاً المطارنة قاطعون باستقامة كلمة الحق؟ أين كلمة الحق؟ مَن يعمل على إيقاف تبادل الإدانات؟ ماذا يعمل المجمع لرفع التراكمات؟ أين اللجان التي تراقب وتصحح وتنصح وتحسّن؟ ما قيمة إصدار دليل رعائي أوّل مَن يخالفه هم الأساقفة؟ ما قيمة دليل ليس من جهاز وراءه يراقبه ويقيّم حسن تطبيقه؟ أيّ غدٍ ينتظرنا؟ مَن يرفع إحباط الغيارى؟ مَن يداوي خيبة الذين طال انتظارهم؟ مَن يخبرنا أنّه متى جاء المسيح يجد الإيمان الحقيقي في أنطاكية؟

إن هذا السيل من الأسئلة الوجودية يزداد قوة من حدث إلى آخر وكأن أنطاكية تستعجل المجيء الثاني: “«إنَّ الْوَقْتَ قَرِيبٌ. مَنْ يَظْلِمْ فَلْيَظْلِمْ بَعْدُ. وَمَنْ هُوَ نَجِسٌ فَلْيَتَنَجَّسْ بَعْدُ. وَمَنْ هُوَ بَارٌّ فَلْيَتَبَرَّرْ بَعْدُ. وَمَنْ هُوَ مُقَدَّسٌ فَلْيَتَقَدَّسْ بَعْدُ. وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ.أَنَا الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، الأَوَّلُ وَالآخِرُ»… آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ”.(رؤيا 22)

اللقاء الأرثوذكسي الكبير في كريت

اللقاء الأرثوذكسي الكبير في كريت

الأب أنطوان ملكي

العالم اﻷرثوذكسي منشغل في هذه اﻷيام بالتحضير للقاء (المجمع) اﻷرثوذكسي الكبير الذي سوف ينعقد في جزيرة كريت اليونانية في حزيران 2016. حجم الكتابات، التي تحلل وتشرح وتخمّن وتخبّر، يتزايد عاكساً حجم التفاعل في كل العالم مع هذا الحدث الذي طال انتظاره. فاﻹعلام بكافة خلفياته تطرّق إلى هذا الحدث (هافنغتون، تايمز، الفاتيكان وغيرها) وأكثر منه شبكات التواصل الاجتماعي. تختلف المواقف واﻵراء بحسب القراءات فمنها التاريخي ومنها السياسي ومنها اللاهوتي ومنها ما يجمع كل هذه أو بعضها.

في ما يلي عرض لبعض المواقف الأرثوذكسية بهدف الإضاءة على تفاعل بعض الكنائس الأرثوذكسية مع الحدث، ومن ثم مقارنتها بالتفاعل الأنطاكي.

كل الأرثوذكسيين متفقون على أهمية الاجتماع، وكل الكنائس الأرثوذكسية مشاركة بانتظام في اللقاءات التحضيرية خاصةً التي جرت في السنوات الثلاث اﻷخيرة. في أنطاكية، أصدرت البطريركية كتاباً يصف بدقة مجريات اﻷمور وصولاً إلى نقطة محددة من الزمن.

بعض الكنائس عقدت لقاءات موسّعة ومؤتمرات لدراسة هذه الوثائق واتّخاذ الموقف الأفضل منها. بعض الكنائس سمّت وفودها ومنها ما يضمّ علمانيين ورهبان وراهبات.

في اﻷصل طُرِح عشر نقاط للدرس رُفِض منها موضوع الاستقلال الذاتي، مراجعة الذبتيخا، توحيد التقويم، ومساهمة الكنيسة في إحلال السلام والحريّة والأخوّة. النقطتان اﻷولى والرابعة ضُمِّنَتا في الوثائق الست التي صدرت عن الاجتماعات التحضيرية وتمّ نشرها بهدف دراستها حتى يُصار إلى تعديلها أو قبولها كما هي خلال الاجتماع في حزيران 2016. الوثائق كانت تصدر في اليونانية والإنكليزية والروسية، فيما تقوم كل كنيسة بترجمتها إلى لغتها حتّى يتسنّى لمؤمنيها الاطّلاع عليها ودراستها. المواضيع اختارها رؤساء الكنائس في اجتماع دعا إليه البطريرك المسكوني وانعقد في شامبيزي – سويسرا بين 21 و28 كانون الثاني 2016.

الوثائق مع بعض التعليق

1) العلاقات بين الكنيسة الأرثوذكسية والباقي من العالم المسيحي (Relations between the Orthodox Church and the rest of the Christian world): هي الوثيقة التي خضعت لأكبر كمّ من التعليقات والدراسات لأنّها تتطرق إلى العمل المسكوني وهو تحدّ كبير بالنسبة للأرثوذكسية والخطر الأكبر عليها الذي سبّب انقسامات فيها وما زال يهدد بمثلها. انتقد عدد من اللاهوتيين هذه الوثيقة بأنها لا تعلِن أن الكنيسة الأرثوذكسية هي الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية“. ردّت كنيسة بلغاريا بمجمعها بأن خارج الأرثوذكسية لا يوجد إلا الهرطقات والمنشقين. كنيسة جورجيا رفضت الوثيقة برمّتها. رهبان الجبل المقدّس رفضوا هذه الوثيقة معتبرين أن الإبهام في اللغة المستعملة وبخاصة تسمية الهرطقات والجماعات المنشقة بالكنائس ليس أرثوذكسياً. مجمع الكنيسة الروسية خارج روسيا اعترض على اﻹكليسيولوجيا التي تتبناها هذه الوثيقة مشدداً على أنها غير أرثوذكسية. إلى هذا فإن عدداً من اللاهوتيين الأرثوذكس كتب رافضاً هذه الوثيقة ودائماً لنفس الأسباب التي توحي بأن مَن كتبها يشرب من مَعين مجلس الكنائس العالمي والحركة المسكونية السائدة.

2) رسالة الكنيسة اﻷرثوذكسية في العالم المعاصر (The mission of the Orthodox Church in the modern world)، وهي تتطرَق إلى موقف الكنيسة إلى الكثير من القضايا المطروحة عليها في السياسة والاجتماع والاقتصاد. بطريرك روسيا كيرللس يرى أن هذه الوثيقة هي اﻷهمّ بين كل الوثائق ويتوقع أن يأخذ درسها حيزاً كبيراً من وقت اللقاء الكبير. علّق عدد من اللاهوتيين على محتواها أهمهم الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس الذي رأى في رسالة وجهها إلى مجمع كنيسة اليونان أن استعمال مفهوم الشخصأو عبارة الشخص البشريليس دقيقاً أرثوذكسياً ويعكس الأنثروبولوجيا الكاثوليكية بينما اللاهوت الأرثوذكسي يحكي عن الإنسان ويعطيه الاعتبار. مجمع الكنيسة الروسية خارج روسيا تساءل كيف يمكن للكنيسة أن تشهد للحرية والسلام واﻷخوّة إن لم يكن على أساس إكليسيولوجي وعقائدي صحيح.

3) الشتات اﻷرثوذكسي (The Orthodox Diaspora)، وفيها تأكيد على ضرورة قيام مجالس أساقفة محلية وتثبيت لحق كل من الكنائس برعاية أبنائها في الشتات. هذه الوثيقة جاءت مخيّبة للكثيرين ممّن كانوا يأملون بأن هذا اللقاء سوف يحلّ معضلة الشتات ويخرِج الأرثوذكسية في الشتات من واقع انقسامها الإثني ويقدّم نموذجاً صحيحاً عن الوحدة الأرثوذكسية.

4) استقلال الكنائس وسبل إعلانه (Autonomy and its Manner of Proclamation)، تثبّت هذه الوثيقة حقّ كل كنيسة مستقلّة بمنح أي جزء منها الدرجة من الاستقلالية التي تراها مناسبة، على أن لا يكون هذا الجزء في الشتات. أيضاً جاءت هذه الوثيقة مخيّبة خاصةّ للعاملين على أن يروا كنيسة مستقلّة في أميركا الشمالية.

5) سر الزواج ومعوقاته (The Sacrament of Marriage and its Impediments)، تتطرّق هذه الوثيقة إلى التحديات التي تهدد العائلة في العالم المعاصر وأشكال الزيجات المطروحة اليوم في الغرب بخاصة.

6) معنى الصوم وتطبيقه اليوم (Significance of Fasting and its Application Today)، تثبت الوثيقة الصفة الإلزامية ﻷصوام الميلاد والرسل والسيدة على المستوى الأرثوذكسي عامة. فالصوم اليوم يطرح تحديات كثيرة على المؤمنين خاصة مع التأثيرات المتأتية من الغرب في تصنيف المأكولات وربط الصوم باﻹماتة وغيرها من اﻷفكار الغريبة عن اﻷرثوذكسية. في 1921 كان البطريرك المسكوني في حينه ملاتيوس ميتاكساكيس [1] قد طرح فكرة التخلي عن هذه الأصوام وعن صوم الأربعاء والجمعة.

إلى هذا صدر الكثير من الدراسات والمواقف التي تتناول هذا اللقاء، منها ما قارنه بالفاتيكان الثاني، ومنها وما رأى فيه حدثاً أرثوذكسياً غير مسبوق، ومنها ما انتقد شؤوناً تتعلّق بالتسمية واﻹجراءات وغيرها، في ما يلي عرض مختصر ﻷهمها:

أ. أول نقاط عدم الاتفاق هي حول الاسم. يرفض العديد من اللاهوتيين تسمية المجمع، إذ يرون أنّ المجمع ينبغي أن يضمّ أساقفة وبالمبدأ كل الأساقفة من دون استثناء، بينما الحاصل هو حصر الحضور بممثلين لكل كنيسة ما يستبعد حضور أغلبية اﻷساقفة.

ب. هناك عدة اعتراضات على تنظيم وإدارة اللقاء أولها الاعتراض على آليّة التصويت في الاجتماعات. فمن جهة أولى، التقليد هو أن لكلّ أسقف صوت وليس لكل كنيسة صوت. ومن جهة أخرى عملية، أن اﻷمر لا يستقيم حسابياً، إذ كيف يمكن أن يكون لكنيسة روسيا صوت بمقابل صوت مساوٍ لكنيسة فنلندا مثلاً. فاﻷولى تضمّ مئتي مليون أرثوذكسي بينما الثانية لا يتعدى تعدادها المئة ألف. وهنا أيضاً يعترض العديد من مكوّنات الكنيسة، وأهمهم الجبل المقدّس آثوس، على أن هذه الآلية غير أرثوذكسية ومستقاة من الغرب. مجمع الكنيسة الروسية خارج روسيا علّق على كلام وارد يقول أن لهذا اللقاء سلطة لدى كل اﻷرثوذكس، مؤكّداً أن هذه السلطة ليست عقائدية ولا قوة شرعية لها.

ج. أكثر من جهة اعترضت على مفهوم الحوار المعتَمَد في هذه النصوص. من أهم المعترضين الجبل المقدّس أثوس إذ يعلّق على العبارة التي تقول بأن الحوار يقوم على إيمان وتقليد الكنيسة القديمة والمجامع المسكونية السبعة، ويعترض على أن هذه الفكرة خاطئة إذ كأن الكنيسة اﻷرثوذكسية لا تاريخ لاحق لها أو أنّه تاريخ فاسد. أيضاً من أهم المعترضين، كأفراد، الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس والميتروبوليت أثناسيوس مطران ليماسول في قبرص، وهو يتساءل عن أي وحدة هو الكلام فيما خارج الكنيسة الأرثوذكسية لا يوجد إلا الهرطقات.

د. أخيراً يرى آباء الجبل المقدس أن في تنظيم اللقاء بهذا الكل تقويض لمجمعية الكنيسة الأرثوذكسية وبثّ للاهوت الداعم للأوليّة (على مثال الكثلكة) وذلك عن طريق تخفيض عدد الأساقفة المشاركين وإعطاء المزيد من السلطة لرؤساء الكنائس.

أين أنطاكية من كل هذا؟

لا يبدو أن في أنطاكية أي عمل يُذكَر سوى الكتاب الذي أصدرته البطريركية. لا نقرأ دعوة من أسقف للصلاة من أجل أعمال اللقاء. المركز الأنطاكي الأرثوذكسي للإعلام لا يعلمنا بشيء. هل في المجمع لجنة تدرس أم أنه يدرس كله مجتمعاً أو لا يدرس؟ هل عُيّن الوفد المشارك؟ هل تدارس أساتذة معهد اللاهوت هذه النصوص على غرار المعاهد اﻷخرى في العالم؟ أليس مهماً أن يتابع الشعب هذا الحدث؟ هذه أسئلة بحاجة إلى إجابات.

[1] ، ملاتيوس ميتاكساكيس كان ماسونياً علناً ويدعو إلى التخلّي عن الكثير من الأمور التي تعكس تقليد الأرثوذكسية وتقاليد شعوبها، حاول أن يعقد مجمعاً أرثوذكسياً عاماً وفشل إذ لم يحضر كل الأرثوذكس، ومع هذا أصرّ على تسمية اللقاء الذي حصل مجمعاً، وأهم ما صدر عنه هو تبنّي عدد من الكنائس ومنها أنطاكية للتقويم اليولياني المعدّل.

هل الكمالية هي ديانة القرن الحادي والعشرين؟

هل الكمالية هي ديانة القرن الحادي والعشرين؟

الأب الراهب سبيريدون بالاندين

نقلتها إلى العربية جولي عطية

الكماليّةُ (أو السعي إلى الكمال) هي اقتناعُ المرءِ بأنَّ الكمالَ (فيه أو في سواه) يجبُ أن يكونَ مطمحَ كُلِّ إنسان. بَرزَ مفهوم الكماليّة في أوساط البيئة البروتستانتية في القرن التاسع عشر، ليتحوّل بعدها إلى كماليّة كلاسيكيّة صاغها ايمانويل كانت Kant، وغوتفريت ليبنيتس Leibnits، والماركسيّون. كانت في البداية تعني سعي المرءِ إلى كمال دُستُورِهِ الأخلاقيّ، وتنميتَهُ لما عنده مِن وزَناتٍ ومواهب. إنّ مفهوم الحاكم المطلَق عند نيتشه، والذي يُترجم أحيانًا إلى سوبرمان، هو أيضًا نوعٌ من هذه الكماليّة.

ما الفرق بين فكرة المسيح في قوله كونوا أنتم كاملين كما أنّ أباكم الذي في السماوات هو كامل” (مت 5: 48) والكماليّة الكلاسيكيّة؟ في المسيحيّة، الخير هو فقط ما يُصنع باسم الله، والسعي إلى الكمال هو التطهّر الذاتي، بمساعدة الله، من كلّ فسادٍ في طبيعتنا. فخيرُ طبيعتنا الساقطة يمتزج بالشرّ، ليتحوّل الخير إلى شرّ، تمامًا كما يتحوّل الطعام الجيّد واللذيذ إلى طعامٍ سامّ حين يمتزج بالسمّ.

انتبهوا ألاّ تصنعوا الخير الذي في طبيعتكم الساقطة! بِصُنعكم هذا النوع من الخير، ستنمّون طبيعتكم الساقطة واعتدادكم بأنفسكم وكبرياءكم، وستوشكون أن تصيروا مثل الشياطين (القدّيس اغناطيوس بريانشنينوف، هبةٌ إلى الرهبنة المعاصرة“). تَعتبِر المسيحيّة أنّه لا يمكن لأيِّ عملٍ أن يكون كاملاً، ولو كان أكثر الأعمال صوابًا ولطفًا، إذ إنّه يتأثّر بنَقصِنا الشخصيّ؛ والتعويض عن هذا الخلل يتمّ عبر التواضع ولوم الذات. إنّ الكماليّة تسعى إلى تطوير أخلاقيّاتٍ مجرّدة عند الفرد، عن طريق الطبيعة البشريّة الساقطة دون سواها.

وتختلف الكماليّة المُعاصرة عن تلك التقليديّة، فقد تحوّلت، إلى حدٍّ كبيرٍ، إلى التزامِ أفضل المعايير في الحياة اليوميّة، واعتماد ذهنيّة كلّ شيء أو لا شيء، والتركيز المفرط على الفشل والثبات. واستنادًا إلى غوردون فليت، أستاذ علم النفس في جامعة يورك بتورونتو، الكماليّة مرضٌ نفسيٌّ، يتمّ التعبير عنه بنوعٍ من الهوس بالأشياء الصغيرة والأمور التافهة، ومحاولة الوصول إلى نتاجٍ مثاليّ، أي الكمال“. وعمومًا، يصعُب الاختلاط بالأشخاص الكماليّين الذين لا يملكون أصدقاءً ولا يتقبّلون أنّهم يعانون مرضًا نفسيًّا؛ وداخليًّا، يشعرون بالفخر ويعتقدون أنّهم مميّزون وبارزون. نجد هذا النوع من الناس في كلّ مكان، وبشكلٍ خاصّ في ميدان التربية، حيث تبرز متلازمة التلميذ الممتاز” (excellent pupil syndrome)، أي التسابق من أجل نيلِ العلامات العُليا، والخوف من خسارة مقام الفتاة الجيّدةأو من العجز عن تلبية توقّعات الأهل والمعلّمين، والرغبة بالانضمام إلى جامعةٍ عريقة. كما وتظهر الكمالية في مجال السياحة (الهوس بالسياحة)، وفي سعي الإنسان اللامتناهي إلى أن يجعل نفسه أكثر جمالاً، بمساعدة اللياقة البدنيّة وعمليّات التجميل. وفيما يخصّ المهنة (الأشخاص الكماليّون في هذا المجال هم الأكثر عرضةً للإصابة بالعصاب أو الكآبة)، يَتَظَهَّرُ هذا المَرَضُ في تَحَوُّلِ المسؤوليّةِ إلى ما يُنافِي المنطق، عندما يؤمنُ المرءُ يقينًا أنّ لا أحدَ سواه يستطيع إنجاز المهمّة بشكلٍ جيّدٍ، ويحاول على مدى ساعات أن يُتمّ بكمالٍكلّ عملٍ يُطلب منه، فيبدو بالنتيجة عاجزًا.

بعد أن حذفَ الناس الجزء الثاني من قول المسيح كونوا أنتم كاملين كما أنّ أباكم الذي في السماوات هو كامل” (مت 5: 48)، اختصروا الجزء الأول إلى أقصى حدّ. وكالفن Calvinهو من ادّعى بأنّ النجاح في المسيرة المهنيّة هو المعيار الرئيس الذي يحدّد خلاص الإنسان. وهذا كان أساس مفاهيم السوق والمنافسة والنجاح الشخصي في المجتمع الغربي المعاصر. لاحظوا نتيجة العقائد البروتستانتية! ولو تكلّم الفلاسفة في المستقبل على تغييرٍ إيجابيٍّ ضروريٍّ على مستوى الأخلاقيات، وعلى تنمية المواهب، فالكماليةُ اليوم هي توقٌ مفرطٌ إلى الرفاهية المادّية غير المحدودة، والجمال الجسدي، والمناصب العليا في المجتمع، ويُعتبر كاملاًكلّ مَن حقّقَ هذه الأهداف.

انتقد تشاك بالاهنيوك Chuck Palahniuk، بشكلٍ لاذعٍ وذكيّ، هذا السعي التافه والأناني إلى الكمال، وهجا الأسلوب المؤلم في التعبير عن الذات، وديانة المجتمع الاستهلاكي، وذلك في روايته نادي القتال” (Fight Club)، والتي صوّرها دايفيد فينشر فيلمًا عام 1999. بطلُ الرواية موظّفٌ يفقد صوابه شيئًا فشيئًا في البيئة المدنيّة، فهو شخصٌ كماليٌّ أدركَ أنّه أمضى حياته كلّها في شراء طاولات القهوة بشكل يين يانغ، ومصابيح ريسلامبا ذات الأوراق الصفراء صديقة البيئة (يسأل البطل نفسه: “كيف بوسعي أن أعيش من دونها؟“)، والصحون الزجاجيّة ذات الدوائر الصغيرة، وغيرها من السلع المرتفعة المعايير. ثمّ يصرخ: “لا أريد أن أكون مكتملاًبعد الآن، لا أريد أن أكون مكتفيًا، ولا أريد أن أكون كاملاً“!، ويختار طريق الدمار، لكي يحرّر نفسه من استبداد الكماليّة والأصناف التجاريّة الحديثة، وليتوقّف عن أن يكون مستهلكًا مثل البقرة التي تمضغ ما سبق واجترّته.

بالطبع، لا يكمن حلُّ هذه المشكلة في تفجيرِ الشقّة السكنيّة خاصّتك، أو تأسيس نوادي قتالٍ تحت الأرض وتنظيمٍ إرهابيّ مثل مشروع الفوضى” Project Mayhem. السبيل الوحيد للتحرّر من قوّة هذا العالم هو التحوّل نحو يسوع المسيح بالأسلوب الأرثوذكسي الصحيح من الناحية العقائديّة: “تعالوا إليّ يا جميع المتعَبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم” (مت 11: 28). إنّ الحياة في المسيح، والتطهّر من الأهواء والحقد بواسطة نِعَم الروح القدس، وعمل الخير باسم يسوع المسيح، يشكّلون السبيل الحقيقي الذي يتّسم بالحريّة الأصيلة وتحقيق الذات بواسطة محبة الله. على أيّة حال، ما يُبرز جدّية المشكلة هي الشهرة الواسعة التي حاز عليها كتاب بالاهينوك وفيلم فينشر (ويُثبت ذلك انتساب أكثر من 11 ألف شخصٍ، في واحدٍ من المواقع الاجتماعيّة فقط، إلى مجموعاتٍ مرتبطةٍ بهذا الفيلم). يشعر الكثيرون بصدق لغة الفن، وهو قمّة الثورة، لكنّهم، مثل تايلر دوردن (بطل الرواية)، لا يمكنهم غالبًا أن يصنعوا القرار المناسب (تقع مسؤوليةُ ذلك على عاتق الكنيسة أيضًا).

فضلاً عن ذلك، يتمّ انتقاد انهماك المجتمع المعاصر بـالخبزات والسمكاتفي ثلاثيّة فيلم “The Matrix” المشهورة، والتي أُطلقَ جزؤها الأوّل والأشهر عام 1999 أيضًا، ما يشكّل مصادفةً هامّةً (وقد سجّل نسبةً مرتفعةً من المشاهدة!). يُظهر هذا الفيلم مجتمعَنا شعبًا أسيرًا، وبطارياتٍ تحافظ على حالةٍ من الابيقورية الزائفة في عالمٍ افتراضي.

كذلك، تنتقد لورين ويسبرغ السعي إلى الكمال الذي يتجلّى بوصوليّةٍ عديمةِ الرحمة، ومادّيةٍ محنّكة، وذلك في روايتها الشيطان يلبس برادا” The Devil Wears Prada. نُشفق في هذه الرواية على أندريا التي لا تعود مهتمّةً بحياتها الكماليّة الفاتنة، وتختار بدلاً منها حريّتها الشخصيّة والحياة الحقيقيّة.

أعتقد أنّ الكماليّة المعاصرة هي نوعٌ من الكبت، هي ديانة القرن الحادي والعشرين، ومعتقد البشرية المعاصرة الذي قوّى جماعات التائقين إلى الكمال“. هياكل هذا المعتقد هي محلاّت الألبسة والمتاجر الكبيرة، حيث العيد الدائم للمستهلك، وحيث يقايضون ساعات العمل بأحدث العلامات التجارية، وينسّق المهندسون طاولات القهوة والمصابيح بأسلوبٍ مؤثّرٍ بالنفسخدّام هذا المعتقد هم مديرو العلامات التجاريّة الذين يبتكرون أسماءً مغريةً لمنتجاتهم. وقد قال سامفيل أفيتيجان، أحد أبرز الخبراء في هذا المجال، مجيبًا بتواضعٍ على سؤال مجلّة “Expertعمّا إذا كان مدير العلامات التجارية مشابهًا للمسيّا: “هو أكثر من راعٍ وأبٍ روحيّ، ولو بدا قولي ساخرًا. يذهب الناس إلى متاجر IKEA في أيّام الآحاد، متجاوزين الكنيسة، وهم في الواقع يحاولون أن يحلّوا المشاكل النفسيّة ذاتها“. الجدير بالذكر أنّ هذه الكماليّة العكسيّة مستندةٌ إلى توقٍ معكوسٍ ومنحرفٍ للبشرية إلى الكمال الروحي، هي استبدالٌ للفضائل الحقيقيّة، تُجسِّد المثال المتحرّر من الأخلاق في المجتمع المعادي المسيحية.

The article is based on materials from free sources and interview with Pavel Buslaev “Pseudoliturgy of Hypermarkets: The Sacred without God”.

من ثمار الروح: اللطف

من ثمار الروح: اللطف

كالينيكوس، ميتروبوليت بيريا
نقلته عن اليونانية ماريّــا قباره

أمّا ثمر الروح فهو…. اللطف“.

إنّها فضيلة صعبة الاقتناء. تعطي الإنسان حياة جديدة ومحبة لا متناهية بالروح القدس. يقول بولس الرسول: “المحبة تتأنى وترفق“(1كور4:13)

لا يوجد إنسان لا يلاقي الإساءات من الآخر، فهناك من يسيؤون فهمنا أو لا يفهموننا بالمرّة، وهناك من لا يقدّرون خدماتنا. وعندما نفعل معهم خيراً يجازوننا بالشرّ. وهناك من نتوقّع منهم العَون فلا نجد إلاّ التحطيم. فلا تتضايق عندما تتوقَّع خيراً من الناس ولا تجد. وعندما يسيطر الروح القدس على سلوكنا يعلّمنا اللطف مع الذين يسيئون إلينا. “فالبسوا كمختاري الله القدّيسين المحبوبين أحشاء رأفاتٍ ولطفاً وتواضعاً ووداعة وطول أناة، محتملين بعضكم بعضاً، ومسامحين بعضكم بعضاً إن كان لأحدٍ على أحدٍ شكوى. كما غفر لكم المسيح هكذا أنتم أيضاً” (كولوسي 12:3 و13).

قال بولس الرسول: “ظهر لطف مخلِّصنا الله وإحسانه، لا بأعمالٍ في برٍّ عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلَّصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس، الذي سكبه بغنى علينا، بيسوع المسيح مخلِّصنا” (تيطس 4:3-6). قال هذا وهو يذكر جيداً لطف الله عليه هو شخصياً، فقد أدركه وهو في الطريق إلى دمشق ليلقي القبض على المؤمنين بالمسيح هناك، فلم يتركه في شرِّه بل أدركه وخلَّصه. وكان بولس، حتى ذلك الوقت، يعتقد أنّه بار، لأنّه في غيرةٍ جسدانية كان يقاوم الكنيسة، ولكن لطف الله فتح عينيه على الحق، فجاهد في سبيل نشر الإنجيل،

وقال: “أسعى لعلّي أُدرك الذي لأجله أدركني المسيح يسوع” (فيلبي 12:3).

الإنسان اللطيف هو الذي يعامل كلّ الناس معاملةً رقيقة، وهو الذي ينفِّذ الوصية الرسولية: “معتنين بأمورٍ حسنة قدام جميع الناس” (رومية 17:12).

قال أحد الرواة: ” حدثت منافسة بين الشمس والريح، مَن منهما يستطيع أن يجعل المسافر يخلع معطفه. فأخذت الريح الفرصة الأولى وهبَّت بشدّة وعنف. ولكن كلّما اشتدَّ هبوبها تمسَّك المسافر بمعطفِه أكثر. وعندما فشلتْ الريح أخذت الشمس الفرصة وأشرقت بدفئها اللطيف، بغير عنفٍ ولا ضوضاء ولا إثارة أتربة، فخلع المسافر معطفه“. وهذا يعلّمنا أنّ الطريق لربح الآخرين هو اللطف. فإن كنّا نريد أن نربح أهل بيوتنا، وجيراننا، وزملاءنا، وأعداءنا، فلنأسِرهم بلطفنا ومعاملاتنا الرقيقة.1

لو أعطينا الروح القدس فرصة السيطرة على حياتنا، سيعلّمنا أن نكون لطفاء شفوقين متسامحين كما سامحنا الله في المسيح. وعند ذلك فقط سنقدر أن نربح قلوب الكثيرين كما كسب الله قلب يعقوب وداود وسائر المؤمنين.

1المترجم

السنة الثانية عشرة، العدد السادس، آذار2016

 

السنة الثانية عشرة، العدد السادس، آذار2016

مختارات آبائية

حول الصليب، القديس أثناسيوس الكبير

رعائيات

الرّاعي الصّالح باب الحظيرة! اﻷرشمندريت توما بيطار

الرعاة والراعي، اﻷب أنطوان ملكي

استقامة الرأي واستقامة الممارسة، اﻷب أنطوان ملكي

حياة روحية \ ثمار الروح

طول الأناة، من ثمار الروح القدس، كالينيكوس ميتروبوليت بيرياس

مسكونيات

الهراطقة: شفاة غير مشفيّين، المتقدّم في الكهنة الأب جورج ميتالينوس

جورج فلوروفسكي: نهجه في المسكونية، اﻷب أنطوان ملكي

الفردانيّة وضلالة الكاريزماتيك، المتقدّم في الكهنة مايكل جيليس