Monthly Archives: February 2013

السنة التاسعة، العدد الرابع، كانون الثاني 2013

السنة التاسعة، العدد الرابع، كانون الثاني 2013

 

مختارات آبائية

العبودية الحقيقية والحرية في المسيح

القديس نيكولا فيليميروفيتش

 

دراسات آبائية

النسك في المسيح بحسب القديس باسيليوس الكبير

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

 

عظة

الأقمار الثـّلاثة

الأرشمندريت توما بيطار

 

لاهوت

خبرة التألّه بحسب الأب يوحنا رومانيدس

أعدّها الأب أنطوان ملكي

 

حياة روحية

التعامل مع الغضب

 

قصة

قوّة صلاة يسوع

أليزابيت

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

 

أبطال روحيون

المبارَك سمعان، حمّال بيريا البسيط

المبارَك سمعان، حمّال بيريا البسيط

المبارَك سمعان، حمّال بيريا البسيط

 

في العام 1922، جاء بين نازحي آسيا الصغرى ولد يتيم اسمه سمعان. استقرّ سمعان في بيريه في كوخ صغير لوحده. اقتنى عربةً عمل عليها كحمّال ينقل الأغراض إلى مرفأ بيريه. كان أميّاً وكان يجهل الكثير من أمور إيماننا، إلا إنّه كان ذا بساطة مبارَكة وإيمان بريء لا شكّ فيه.

عند بلوغه سن الزواج تزوّج ورُزِق ولدين وانتقل إلى السكن في نيكيا. كان يذهب في كل صباح إلى مرفأ بيريه ليكسب رزقه. وكان كل صباح يمرّ بكنيسة القديس اسبيريدون، فيدخل ويقف أمام الأيقونات. فينزع قبّعته ويقول: “صباح الخير يا مسيحي. هذا أنا سمعان. ساعدني لأكسب خبزي”.

في الليل، عند انتهائه من عمله كان يمرّ بالكنيسة، ومجدداً يقف أمام الأيقونات ويقول: “مساء الخير يا مسيحي، هذا أنا سمعان. أشكرك لأنّك ساعدتني اليوم أيضاً مرة أخرى”. وهكذا مرّت سنو سمعان المبارك.

حوالي العام 1950، أصيب كل أفراد عائلته بالسلّ ورقدوا بالرب. بقي سمعان وحيداً، وتابع عمله من دون تأفف. لم يمرّ يوم من دون أن يتوقّف بكنيسة القديس اسبيريدون ليتمنّى للمسيح صباحاً سعيداً ومساء ً سعيداً، طالباً المساعدة وشاكراً عليها.

شاخ سمعان وسقط مريضاً وأُدخِل المستشفى.  بعد حوالي الشهر دار بينه وبين إحدى الممرضات الحوار التالي:

– أيها الجد، ها أنت هنا منذ أيام كثيرة ولم أرَ أحداً يزورك. أليس لك أحد في هذا العالم؟

– يا فتاتي، كل صباح وكل مساء يأتي المسيح ويعزّيني.

– وماذا يقول لك؟

– صباح الخير يا سمعان. هذا انا المسيح. أصبرْ. مساء الخير يا سمعان. هذا انا المسيح. أصبرْ.

افتكرت الممرضة أن هذا الأمر غريب وطلبت من الأب الروحي خريستوذولوس فاسوس أن يأتي ويعاين سمعان إذ قد يكون مُضَللاً. زاره الأب خريستوذولوس وتحادثا وسأله عمّا أخبرته الممرضة وأجاب سمعان الأجوبة نفسها بأن، في الساعة التي كان سمعان اعتاد المرور خلالها بالكنيسة ليسلّم على المسيح، يأتي المسيح كل صباح ومساء ليسلّم على سمعان. فسأله الأب الروحي:

– قد يكون هذا من نسج مخيلتك

– لا أيها الأب، أنا لست واهماً. إنّه المسيح.

– هل أتى اليوم؟

– نعم أتى.

– وماذا قال؟

– صباح الخير يا سمعان. هذا أنا المسيح. أصبرْ. بعد ثلاثة أيام، في الصباح الباكر، سوف آتي بك إلى قربي.

في اليومين التاليين، أتى الأب خريستوذولوس إلى المستشفى وتحدّث إلى سمعان وسأله عن حياته، وفهم أنّ هذا الإنسان قد يكون صِدّيقاً. وفي اليوم الثالث بكّر الأب خريستوذولوس إلى المستشفى ليرى ما إذا كانت رؤيا سمعان حول موته سوف تتحقق. فجلس قربه يتبادلان الحديث، وفجأة صرخ سمعان: “ها المسيح قد أتى!” ورقد رقاد الأبرار. فليكن ذكره مؤبّداً.

إليزابيت

إليزابيت

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة


إليزابيت، زوجة أنسطاسيوس الفخّاريّ أو أنسطاسيوس أو أبوستوليد، هي امرأة فاضلة تقيّة جدًّا  حوّلت بيتها مكانًا للتسبيح، فبدا شبيهًا بدير صغير. اعتادت أن توقف أولادها الستّة يوحنّا وباسيليوس وألكسندروس وحنّة وبربارة وأولغا سبع مرّات في اليوم أمام الأيقونات المقدّسة  لتلاوة المزامير. لم تكتفِ بذلك، بل درجت على إيقاظهم بعد منتصف الليل للصلاة، في الوقت الذي تكون فيه عيونهم مثقلة بالنعاس. يا لتقى هؤلاء الأولاد، ويا امحبّتهم كبيرة لوالديهما!! كان باسيليوس الأكثر حماسًا بين إخوته للنهوض ليلاً للصلاة، مؤثرًا محبّة المسيح سيّده على كلّ شيء آخر، لذا لم يكن استعداده يكلّفه إلاّ قفزة واحدة جدّيّة لينتصب بكلّ نشاط، نافضًا عنه كسل النوم. وأمّا إخوته الباقون، فكانوا يعبّسون ويتذمّرون قائلين: “ماذا نقوم نعمل، يا أمّنا في مثل هذه الساعة؟!”. فكانت تجيبهم، باستغراب وتعجّب، “طبعًا من أجل الصلاة يا أولادي!”. إنّها لخطوة مباركة لفاسيلي الصغير في سعيه الدؤوب، والقاسي، في مجال الحياة الروحيّة، التي دعاها الآباء بـ “فن الفنون وعلم العلوم”.

اضطرّ أنسطاسيوس أن يترك أولاده للعمل بعيدًا خارج البلاد، تاركًا إليزابيت وحدها مع أولادها الستّة. عانى باسيليوس كثيرًا من فراق أبيه، الذي كان يكنّ له محبّة عظيمة، فأصبحت والدته الآن موضع محبّته الوحيد.

أمّا إليزابيت، المرأة القدّيسة، فقد اعتادت على الصلاة ووجهها يسبح بالدمع المنسكب على وجنتيها كمن ينبوعين لا ينضبان. كانت تهتمّ النهار كلّه، وبعناية فائقة، بالأعمال المنزليّة، ولكن ما إن يحلّ المساء، حتّى تبدو على عجلة من أمرها، لكي تُرقد أولادها، ثمّ… تتفرّغ لصلواتها. فبعد أن يناموا تنسحب بهدوء، حابسة أنفاسها، لتبلغ الغرفة الملاصقة لغرفة صغارها. اختارت لها قلاّية حقيرة داخل إحدى التجاويف في الصحراء جعلتها كنيسة لها حيث تمضي لياليها في السهر والصلاة، لتنعم في ظلّها بأويقات من العذوبة والفرح السماويّين، فباتت موضعها المفضّل. كان الليل خاصّتها، تخلد فيه إلى عزلتها، حبيسة، منسيّة، تصلّي لمسيحها وسيّدها. أحبّت في هذا الكوخ المعتم النور المنبعث بأشعّته المرتجفة المنبعث من خلال نافذة صغيرة تكاد لاتُرى، وضوء قناديل الزيت الخافت، والمتراقص في زجاجاتها الحمراء، ناشرًا بريقها على الأيقونات، ومضفيًا عليها دفئًا وحنانًا. كانت اليزابيت تبقى ساعات طويلة ساجدة متوسّلة بدموع حرّى من أجل خلاص أولادها وأخصّائها، إلاّ أنّ النعاس كان يفاجئها، منقضًّا عليها، حتّى لا تعود تقوى على مقاومته، فيغلبها النوم وهي جاثية على أرض قد ابتلّت من انسكاب دموعها، لتصير موحلة.

لم يكن باسيليوس ليعرف النوم حيث يرقد في غرفته المجاورة لقلاّية أمّه، إذ لم يكن يحتمل سماع بكائها. كان دائم التفكير بجسامة ألمها، لماذا تنتحب بهذا الشكل، ولكن، وبما أنها لم تخبره سبب حزنها صار يتألّم هو، أيضًا، لألمها، فأثّر فيه أيّما تأثير، لا بل أضناه وعذّبه. حبّذا لو يعلم مصابها لأسرع لنجدتها، ولكنّه، كطفل، لم يكن لديه سوى قلب مفعم بالمحبّة يطفر نحوها، ويعبّر عن حبّه لها بدموع كانت تهزّ كيانه في وحدته بالقرب من الحجرة التي كانت تصلّي فيها. لم تغادره الأفكار بشأن أمّه حتّى وهو في المدرسة، إذ يتصور أمامه دموعها الليليّة المنسكبة، فيقضُه الحزن، ويأخذه البكاء دون توقّف، ورأسه غارقًا بين ذراعيه لكي لا يلاحظه أحد، وقلبه ينفطر ألمًا وحزنًا. لم يكن ليسمع، أبدًا، الجرس المنذر بانتهاء الدرس، ولا تلفته ضجّة الأولاد المندفعين إلى ساحة المدرسة. فلاحظه المعلّم، يومًا، ورأى الأسى باديًا على وجهه، فاقترب منه، واضعًا يده على كتفه، وسائلاً إيّاه: “فاسيلي، ما بك؟ أأنت تبكي؟”. ارتجف باسيليوس من هذه المباغتة، وأخذ يتمتم بضع كلمات متلعثمة وغير مفهومة: “يؤلمني رأسي … وهناك وجع في بطني ….”. ويعود في اليوم التالي ليبكي، أيضًا، ويخلق الأعذار، متعلّلاً بأعراض مرضيّة يعاني منها، وهكذا لم يكن يمرّ يوم إلاّ والطفل يشكو من ألم ما.

أقلق هذا الأمر المعلّم، فاصطحب الولد إلى أمّه مستفسرًا وقائلاً: “ممّ يشكو ابنك، يا اليزابيت؟ إنّه دائم البكاء، وفي كلّ يوم يشكو من ألم جديد، فتارة من صداع رأسه، وأخرى من معدته، ولا أدري غدًا من ماذا. ربما يجب عرضه على طبيب”. فهمت اليزابيت، لتوّها، بأنّ ما يعانيه ابنها ليس مرضًا جسديًّا، وإنّما هناك أمر آخر، ألم غامض يخفيه عنها دون شكّ. انتظرت الأمّ ابتعاد المعلّم، لحتضن ولدها، قائلة: “يا فاسيلي، يا صغيري، ممّ تشكو؟ أين يؤلمك؟”. فأجابها: “لست متألّمًا، وإنّما أبكي لبكائك. إنّي أكتئب جدًّا عندما أسمع نحيبك كلّ ليلة، فهل تبكين، يا أمّي، لأنّنا فقراء؟ أمن أجل هذا تحزنين؟”. ردّت إليزابيت بابتسامة رقيقة: “مسكين أنت، يا فاسيلي. كلا، يا ابني، أنا أبكي من أجل خطاياي. أصلّي، وأتوسّل، إلى المسيح لكي يخلّصنا جميعنا. يخلّصني أنا، يخلّص العالم، ويخلّصك أنت بالتحديد… أصلّي لك أكثر من الجميع. أنت، يا فاسيلي، لست كباقي الأولاد، فأنا أرى ظلال النعمة الإلهيّة ترتسم على محيّاك، وهناك ما يشير إلى أنّ الله قد انتقاك، لتكون له، يومًا، إناء مختارًا يسير في دربه، ولهذا، فأنا أتضرّع إلى خالقي لكي يجعلك، بحسب تدبيره ومشيئته، من أخصّائه. الحياة العالميّة، يا ولدي، لاتقدّر بشيء بالنسبة للأخرى السماويّة الأكثر سموًّا. لا يضلّنّك هذا العالم، ولا يغرّنّك بمجده، فتضيع. انظر إلى اهتماماتي كم هي كثيرة! إنّها ترهقني وتضنيني. ليتك تصير راهبًا أو كاهنًا! أجبني، يا ولدي، على ما أريد أن أسألك إيّاه أمام هذه الأيقونات المقدّسة. أتعدني بأنّ تكرّس ذاتك بالكلّيّة لله محبّة به؟ نظر فاسيلي إلى عينيّ أمّه الطافحتين بالحنان، ورأى دموعها تغسل وجهها المحبوب، فبقي صامتًا هنيهة مفكّرًا، ثمّ أجاب بتصميم: “نعم، يا أمّي، أعدك”. امتلأت اليزابيت فرحًا لدى سماعها جواب ابنها وقالت: :آه، يا فاسيلي ولدي المحبوب! عليك، إذًا، من اليوم، فصاعدًا، أن تحرص على أن تكون أكثر يقظة من باقي الأولاد، وأن تصلّي أكثر، وأن ترافقني ليلاً للصلاة. نظر الطفل إلى أمّه من خلال أهدابه المبلّلة بالدمع، مجيبًا إيّاها: “نعم، يا أمّي”. هذا ما قاله فقط.

 

هذا مقطع من كتاب عصفور غلفيريا L’oiseau de Guelvéri. الذي تترجمه راهبات الدير إلى العربيّة، وهو للكاتبة Presbytére Anna Vie de Jérôme d’Egine, Géronda et Saint Ancien. Collection: la lumière du Thabor. Edition: L’âge d’homme.

قوّة صلاة يسوع

قوّة صلاة يسوع

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

 

انتهت الخدمة الطقسيّة الصباحيّة في الساعة الخامسة صباحًا، فهرولت إلى قلاّيتي لأنال قسطًا من الراحة، وإذا برؤيا مروّعة تحدث لي: “رأيت نفسي في سان بطرسبرج، وبالتحديد في جزيرة فاسيلييف، متوجّهة لحضور القدّاس الإلهيّ في كاتدرائيّة القدّيس نيقولاوس، وأنا ألبس إسكيمي الرهبانيّ، وأجلس في عربة صغيرة.

وفجأة، وجدت نفسي في ساحة مظلمة، خائفة، تتملّكني الرعدة، أركض في اتّجاهات مختلفة بحثًا عن مخرج من هذا الساحة الرهيبة. وللحال رأيت مئات الأشخاص قادمين نحوي بوجوههم الحزينة المظلمة. فسألتهم: “من أنتم؟”. فأجابوني: “إنّنا أناس عبروا إلى الحياة الأبديّة، كما عبرت أنت تمامًا”. ما شعرت به، في تلك اللحظة، يفوق الوصف! لقد تسرّب الخوف والهلع إلى كياني كلّه، وقد فهمت أنّي كنت قد تركت خلفي حياتي على الأرض، ودخلت إلى الحياة التي بعد الموت، ولكن من دون أن أتوقّع ذلك أو استعدّ له. ثمّ ما لبث أن جاء شابّ مشعّ، حجب نورُه ملامحَه عنّي، فتقدّم نحوي وقال: “اتبعيني”. وأخذني إلى المكان الذي تحاكَم فيه الأرواح. سرنا فوق الغابات والمباني والسهول التي لا نهاية لها. ثمّ قادني إلى حجرة حيث اجتمع فيها الكثير من العلمانيّين، من رجال ونساء وأولاد بالغين، وقد لفّهم الحزن جميعًا. ولاحظت سيّدة تجلس إلى طاولة كبيرة في منتصف الحجرة، فأخذت تحدّق إليّ وهي تقول: “إنّ هذا المكان مُعَدّ لك حتّى المجيء الثاني للربّ”.

أمّا أنا، فمن اضطرابي لم أردّ لها جوابًا، بل نظرت إلى الناس المجتمعين هناك، وسألتهم: “ماذا تفعلون هنا؟ هل تصلّون إلى الله في هذا المكان؟”. فأجابوني بحسرة: “نحن لا نستطيع أن نصلّي في الحياة الأبديّة، وبما أنّنا أمضينا حياتنا الأرضيّة بالتراخي واللاّمبالاة، فليس لدينا، الآن، الجرأة الكافية لندعو باسم الربّ. لقد كانت حياتنا الأرضيّة فرصة لنهتمّ بخلاص نفوسنا وتنقيتها، غير أنّنا لم ندرك قيمة تلك الفرصة. كثيرًا ما قرأنا مقولة الرسول بولس: “صلّوا بلا انقطاع” (تسا 5: 17)، وأدركنا أنّه من واجبنا أن نصلّي صلاة يسوع كلّ أيّام حياتنا، ومع كلّ نفس نستنشقه، بيد أنّنا لم نعر الأمر اهتمامًا. وهكذا، فكما أنّه يستحيل على المرء أن يعيش من دون هواء، هكذا أخذت أرواحنا تجفّ، وتموت، من دون الصلاة الدائمة. نعم، كنّا نعيش بشكل صحيح، ونتمّم جميع واجباتنا إلاّ الأمر الأهمّ ألا وهو الصلاة”.

ما إن سمعت هذا، حتّى بدأت، للحال، بالصلاة ورسم إشارة الصليب، فماذا حدث للوقت؟! يا للهول!!! أحسست وكأنّ صوتي يعود إليّ! نظرت حولي، فرأيت سقفًا معدنيًّا، وجدرانًا وأرضيّة خشبيّة مطليّة، فدبّ الذعر في أوصالي لعلمي باستحالة الهرب من هذا الوضع التعيس. ثمّ سمعت الناس من حولي يقولون: “هنا في الحياة الأبديّة، لا راحة لنا إلاّ عندما يذكرنا أولئك الذين مازالوا على قيد الحياة أمام الربّ”.

ثمّ أخذت، بعد ذلك، تلك السيّدة تتحدّث إليّ قائلة: “هؤلاء الناس، الذين تشاهدينهم، كانوا مسيحيّين صالحين. أحبّوا الربّ، وخدموا القريب، لكنّهم استخفّوا ببعض النواحي الروحيّة، فآل بهم المصير إلى هنا”. فصرخت: “آه، كم أتعذّب وأعاني، وكأنّ نارًا تحرقني، لا بل أنّ عظامي تتفكّك!”. فاقتربت السيّدة منّي، وسألتني: “تُرى، أيّ نوع من الحياة كنت تتمنّين؟”. فأجبت، وأنا أرتجف: “آه، يا سيّدتي، كنت أتمنّى أن أتمتّع بالحياة الأبديّة، ورؤية الله ووالدة الإله وكلّ الطغمات السماويّة”. فابتسمت السيّدة وقالت: “إنّ القدّيسين، فقط، الذين جاهدوا في حياتهم، لاقتناء الصلاة الدائمة عبر صلاة يسوع، والتي تؤهّلهم ليغدوا مسكنًا لله يستريح فيه، يتمتّعون بما ذكرت. أمّا أنت، وعلى الرغم من أنّك راهبة، إلاّ أنّك لم تماثليهم. واعلمي، جيّدًا، أنّه بواسطة هذه الصلاة، تسكن نعمة الله في الإنسان، وعندما تنفصل روحه عن جسده، لا يشعر بهذه الرعدة التي تتملّكك الآن لأنّه يكون مع المسيح. الفردوس هو داخل قلوب الناس، لأنّه حيث يكون الربّ، فهناك الفردوس أيضًا. عليك أن تروي رؤيتك لجميع المسيحيّين من رهبان وعلمانيّين، وأن تنذريهم بأنّ إهمالهم سيقودهم إلى الهلاك لا محالة. لا تتكلّمي عنها لغير المؤمنين وأصحاب الإيمان الضعيف. الله قادر على إقامة ميت منذ مئات السنين، ليشهد بأنّ هناك حياة بعد الموت، ولكنّهم لن يصدّقوه ويقتلوه”.

بينما كانت السيّدة تنطق بهذه الكلمات، شعرت ببعض الأمل بعودتي إلى الأرض، فصار كلّ الموجودين في الحجرة المعدنيّة يرمقونني بنظراتهم الساخطة المرّة، ثمّ التفتوا نحو السيّدة وهم يزمجرون: “حسنًا، هل تنوين إخراجها من هذه الحجرة المليئة بالخوف والعذاب؟”. وأمّا السيّدة، فلم تلتفت إليهم، بل واصلت حديثها قائلة: “إذا مات أحدهم وهو يردّد صلاة يسوع، لا يخشى من المثول بحضرة الربّ، بل ولن ينفصل عنه إلى الأبد. وكذلك الأمر لمن يردّد: “أيّتها الفائق قدسها والدة الإله خلّصينا”، لن ينفصل عن والدة الإله. وإذا مات أحدهم، ولم يستطع أن ينطق ولو بكلمة واحدة، ولكنّه جاهد ليحافظ على هذه الصلاة أثناء حياته على الأرض، فإنّ روحه تردّدها بدلاً منه وهو على فراش الموت. لا يوجد توبة بعد الموت، وهذا أمر بديهيّ، وإنّما التوبة والتغيير الروحيّ يحصلان للإنسان وهو على الأرض”.

ثمّ أضافت: “أيّها الرهبان!! أيّها الرهبان!! إنّكم تدعون أنفسكم رهبانًا وراهبات، قائلين إنّكم تخلّيتم عن الأشياء الدنيويّة، ولكن كيف تعيشون؟ إنّكم لا تكلون بمشاكلكم إلى والدة الإله، بل تنشغلون بتأمين حاجيّاتكم الزمنيّة قائلين: “أنا بحاجة إلى هذا أو ذاك، وأنا لا أستطيع العيش من دون هذا الشيء أو ذاك”. اعلموا أنّ والدة الإله لا تعتني بهكذا رهبان، سواء في هذه الحياة أو في الحياة الأخرى. إنّها تعتني بمن يعهدون إليها بجميع مشاكلهم، والذين يتحمّلون الضيقات والفقر والمرض، واثقين بأنّ ما يعرض لهم إنّما يحصل بإرادة الله، وهم يتحمّلونها حبًّا به وبملكة السماء. هل تريدينني أن أريك إهمال الرهبان؟ انظري”.

ورأيت، فإذا ببعض الراهبات قادمات صوبي كانوا خادمات المذبح، وقد استجزن لأنفسهنّ بالاحتفاظ ببعض الأموال المقدّمة كإحسان، ولذلك يحملن بأيديهنّ قطعة من الورق مذكور عليها أسماء الناس التي تعود الأموال إليهم. ثمّ تبعتهنّ أخريات كنّ يرتّلن في الكنيسة، ولم يحافظن على عفّتهنّ ونقاوتهنّ، ولذلك يكسو الأسى وجوههنّ. فقلت لهنّ: “كم أتشّوق لسماع ترنيمة لوالدة الإله، فهل تسمعنني شيئًا؟”. فأجببني: “لم تعد لدينا الجرأة للترتيل، لأنّنا عندما كنّا نعيش في الدير، لم نخدمها بقلوب نقيّة”. ثمّ بكين بمرارة، وهن يقلن: “نعم، بسبب تغافلنا وتهاوننا حُرمنا نعمة الترتيل لله ولوالدته الكلّيّة القداسة”.

وبعد هذا رأيت الشابّ الذي كان قد أخذني إلى حجرة المحاكمة قد أتى قائلاً: “سنعود الآن إلى المكان الذي فصلت فيه روحك عن جسدك”.

استيقظت، لأجد نفسي في سريري أرتعد هلعًا. رسمت إشارة الصليب، وحاولت أن أصلّي وأنا أجول بنظراتي في كلّ أنحاء القلاّية، ثمّ تمتمت: “الحمد لله كان مجرّد حلم”. وما إن نطقت بهذه الكلمات، حتّى وجدت نفسي، مرّة أخرى، في الحياة الثانية أمام الشابّ نفسه الذي قال لي: “لا تظنّي أنّك كنت تحلمين، بل كنت، حقيقة، في الحياة التي بعد الموت”.

– ركعت أمامه قائلة: الويل لي أنا تعيسة!! لقد عدت إلى هنا مرّة أخرى. كم أتمنّى لو أستطيع الهرب بعيدًا!

– اتبعيني. سنزور الكثير من الأماكن لعشرين يومًا، وبعدها سوف نعود إلى المكان الذي أعدّ لك لتبقي فيه حتّى المجيء الثاني للربّ.

– بكيت، ولم أكن أقوى على المشي. فاستدار، ونظر إلي بعطف، فسألته: هل أنت ملاكي الحارس؟

– نعم.

– صلّ إلى الله عساه يرحمني، وأعدني أنت إلى الأرض، لأقدّم فيها توبة نصوحًا عن أفعالي وزلاّتي.

– سوف أعيدك شرط أن تخبري بكلّ ما رأيت وسمعت هنا.

ركعت، ووعدت بأن أفعل كلّ هذا. فقال لي الملاك: “لا يملك الله على كلّ قلبك بعد، فإنّه لا يزال منقسمًا، ولكنّك وعدت بالجهاد من أجل هذا. أخبري بما رأيت، ولا تخافي. سأكون معك، وسألاحظك وأنت تفين بما وعدت”.

وللحال عدت إلى سريري، فرأيت الشابّ يقف قربه. أسرعت إلى رفيقاتي الراهبات اللواتي يشاركنني القلاّية وأنا أهتف: “كنت في الحياة الأخرى”. وبعدها هرولت نحو الباب لأخبر كلّ من ألتقي به من دون أن أخفي شيئًا، وأنا في حالة من النشوة والابتهاج غير العاديّين، فاختفى الشابّ، عندها، عبر الحائط.

سارعت الأخوات، وأحطن بي وهنّ مندهشات من التغيّر الفجائي الذي طرأ عليّ في فترة قصيرة جدًّا. فلقد شاهدنني هادئة منذ عشرين دقيقة، وأنا أشارك في الخدمة الكنسيّة. فركعت أمامهنّ، وأخبرتهنّ بعزمي على التغيّر ابتداء من هذه اللحظة، إذ لا يمكن مقارنة أيّ فزع على الأرض بالرعب الذي تعرّضت له في الحياة بعد الموت. ولازلت، حتّى يومنا الحاضر، أتكلّم مع الجميع باستمرار، ومن دون أيّ تردّد، أو إحراج، عمّا رأيت.

عن الترجمة اليونانيّة للكتاب الروسيّ “معجزات أورثوذكسيّة في القرن العشرين”. صفحة 305-311.

التعامل مع الغضب

التعامل مع الغضب

 

أغلب الناس يعتقدون أنهم عندما يكونون غاضبين، هم بحاجة إلى إخراج الغضب من جهازهم. يوجد الكثير من كتيبات المساعدة الذاتية في علم النفس الشعبي التي تقترح الوسادة بدلاً من الشخص الذي أثار غضبنا، حتى نتوصّل إلى إعتاق علاجي وننفّس الضغط من طنجرة الضغط الخاصة بنا. يتبيّن أن نظرية التنفيس لا تحفظ المياه، ولا حتّى نقطة تجريبية واحدة. تظهِر الدراسات الحديثة أنّ “تنفيس الغضب” يجعل الإنسان أكثر غضباً وأكثر كَرَباً. ما من “ثأر” عندما يتعلّق الأمر بالأفكار الغاضبة. إذا رجعنا إلى شخص قد آذانا، نفكّر بالحادث أكثر وليس أقلّ، وهكذا نعاقب ذواتنا، وليس الآخر، بأفكارنا الغضبية.

أظهر البحث أيضاً أنه عندما نعاقب شخصاً قد أساء إلينا، نفكّر أكثر بعمل الشخص السلبي، والتفكير أكثر بالشخص يجعلنا نشعر بالكَرَب، والشعور بالكَرَب يجعلنا نحملق أكثر بضيمنا، وهكذا تنشأ حلقة مفرَغة تدور حول ذاتها، مراراً وتكراراً. بتعبير آخر، التنفيس لا ينفّس حقاً، إنّه لا يؤمّن الإعتاق، بل بالمقابل يربطنا بأفكارنا السلبية. لهذا السبب، مبدأ العين بالعين والسن بالسن في الحياة لا يجلب السلام الدائم، ولهذا السبب قال المسيح الذي هو سلامنا الأبدي: “لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا”.

ينبغي على المسيحيين أن يعرفوا أكثر من الانتقام. لقد أشار القديس أوغسطين إلى أن المقصود من العين بالعين والسن بالسن كان إخماد الغضب بعدم السماح للشخص بأن يسبب جرحاً أكثر سوءاً مما تلقّى، حتى لا تنتشر لهب الغضب أكثر. لقد سمح بالتنفيس “المضبوط” لكنه كان بعيداً جداً عن الحل المثالي. إلى هذا، يسأل أسقف هيبو العالم: “مَن هو الذي إذا ما سمع إنساناً يهينه يكتفي بردّ كلمة واحدة، أي بالضبط ما يعادل الإهانة (من شرح العظة على الجبل).

يكتب القديس: “ما من ظلم في أن تطلب استرجاع دَين، مع أن في العفو عنه كرم. لنأخذ الكلام بقَسَم: مَن يقوم بذلك هو في خطر أن تكون شهادته زوراً، بينما مَن يقسِم لا يكون في هذا الخطر أبداً. بالطريقة عينها، مَن لا يشتهي الانتقام هو بعيد بالكليّة عن خطيئة الانتقام العادل أكثر ممن يطلب أن يسدد ما عليه وحسب. إنه لخطيئة أن يُطلَب أكثر ما هو متوجَب، مع أن المطالبة بدَين ليست خطيئة. لذا أفضل حماية من خطيئة الطلب غير العادل هي في عدم طلب أي شيء”. في ما يتعلّق بموضوعنا، التنفيس المضبوط خير من التنفيس غير الضبوط، ولكن عدم التنفيس هو أفضل ردود الفعل الممكنة.

إذاً، ما يحدده علماء النفس اليوم في القرن الحادي والعشرين، قد سبق وتلقّاه الآباء القدماء من كلمات المسيح قبل عصور. القديس يوحنا الذهبي الفم، بوجه خاص، أشار إلى أن الرد على الكلمات المؤذية بمثلها يزيدها قوة، بينما يضعفها التبسّم إذا كانت كلمات غبية، أو قبولها باتّضاع كالعشّار في حضور الفريسي إذا كانت كلمات صحيحة.

لكن بالإجابة بالمثل “نجلب العار على أنفسنا فنظهر مذنبين من جهة الأشياء المذكورة فتضطرب نفوسنا ما يمنح عدونا البهجة ويغضب الله ويزيد من خطايانا السابقة”. ماذا علينا فعله بدل ذلك هو “الالتجاء إلى ميناء الثبات الصبور المتألّم حتّى نجد راحة لنفوسنا”.

لقد وجد آباء الكنيسة، منذ زمن طويل، أن التنفيس لا يعمل فعلاً وحاولوا تشجيع سريعي الغضب على تنمية ضبط النفس. إن الدرب نحو السلام ليس التطهر من خلال التنفيس بل بإفراغ الذات من خلال التواضع والغفران والمحبة.

خبرة التألّه بحسب الأب يوحنا رومانيدس

خبرة التألّه بحسب الأب يوحنا رومانيدس

أعدّها الأب أنطوان ملكي

 

على الرغم من أهمية التمييز بين حقيقة المخلوق وغير المخلوق في اللاهوت الآبائي، فإن لاهوت العصور الوسطى السكولاستيكي في الغرب خلط بين هاتين الفئتين وفئتَي حقيقة المتغير وغير المتغيّر. في اللاهوت السكولاستيكي، الذي كان فعلياً مزيجاً من الأرسطوطالية والأفلاطونية، صارت مجموعتا التعابير متقاطعة.

يحكي أرسطو عن محرّك غير متأثّر بالحركة ويدّعي أنّ هناك حوالي التسعة والأربعين من الكيانات في حالة من الفعليّة الخالصة. ومع أنها لا تتحرّك، إلا إنها تسبب الحركة في الكيانات الأخرى، كمثل المغناطيس الذي يحرك الأشياء الأخرى بالجذب. وجود الاستنجاز (entelechy)، التحقيق الذاتي للطبيعة المميزة للأشياء، هو ما يحرّك الحركة إلى التمام. من خلال الاستنجاز، تحقق بعض الأشياء التي في حالة ما حالتها الفعلية أو الفعّالة. مثلاً، بذرة شجرة هي شجرة إمكانية شجرة. عندما تسقط على الأرض وتجد الشروط الملائمة للنمو، تبرعم وتصير شجرة فعليّة. عندما تكون احتمال شجرة، لا تكون مكتملة بعد، لأن استنجازها المتأصّل لم يكمل بعد مسار نموه. بالنسبة لبذرة، بلوغ الكمال هو في الصيرورة شجرة.

أما بالنسبة لأرسطو، فهناك محرّكات ثابتة لا تملك هذه الإمكانية الذاتية، بل هي في حالة من الفعليّة المحضة أو هي فعّالة بالطبيعة. فهو يتمسّك بأنّها دائمة الوجود وهي تحرّك الأشياء عن طريق الجذب. كل ما يخضع لهذا التحوّل من الحالة الممكنة إلى الحالة الفعّالة يتحرّك نحو كماله، والقوة الجاذبة التي تقوده نحو هذا الكمال تنشأ في المحرّك الثابت. هذا تعليم أرسطو في كلمات قليلة.

هنا نلتقي بالأفكار نفسها حول هذا الموضوع في الأفلاطونية الجديدة التي نلتقيها عند أرسطو. أفلاطون، من جهة أخرى، لم يتطرق إلى هذا الموضوع، على حد علمنا. ولكن بين آباء الكنيسة، نجد القديس ديونيسيوس الأريوباغي متَهَماً بالأفلاطونية والأفلاطونية الجديدة، مع أنه يخبرنا بشكل واضح أن الله ليس محركاً ثابتاً فقط، بل هو محرَّك أيضاً. بتعبير آخر، الله لا يحرّك الأشياء وحسب، بل هو نفسه يتحرّك ايضاً، حيث ان فيه جانب قابل للألم والتحوّل. بشكل طبيعي، كتابة القديس ديونيسيوس لهذا الكلام تناقض أرسطو والأفلاطونيين الجدد. وهذا إثبات لا يمكن ضحده بأن القديس ديونيسيوس الأريوباغي لم يكن بأي شكل من الأشكال من عصبة الأفلاطونيين الجدد، مع أنه استعمل لغتهم.

الإيحاء بأن الله ليس محركاً ثابتاً، بل هو محرَّك أيضاً، هو هرطقة لدى الأفلاطونيين الجدد والأرسطوطاليين. إنها فكرة لا تصمد في امتحان المنطق وبالتالي تشير إلى أن الآباء لم يمارسوا الفلسفة. عندما يقول الاباء أن الله هو محرّك ثابت ومحرَّك أيضاً، يظهرون لنا عدم إمكانية تطبيق أي من الفئات البشرية على الله. إذا حاولنا تطبيقها، فسوف نقع في تناقضات منطقية عند كل منعطف. مع هذا، هذه الحقيقة عن الله، ليست مستمَدة من الفلسفة بل من خبرة التألّه. بالخبرة، يعرف الآباء أن مفاهيمنا عن الله تفقد قيمتها عندما نحدّق مباشرة بالله نفسه ونلمح تلك الحقيقة، التي لا تختلف عن الله بذاته.

وعليه، تُستَعمَل مفاهيمنا عن الله كوسيلة لمساعدة شخص ما ليرى الله. عندما نلمح هذا الشخص الله، يزول الإيمان والرجاء، والمحبة وحدها تبقى. هذه هي كلمات القديس بولس التي لا لبس فيها. عندما تلمح الله الذي هو المحبة، يوضَع جانباً الإيمان بالله وكل المفاهيم المرتبطة بالإيمان والرجاء، وكل المفاهيم المرتبطة بالرجاء. تُستَبعَد المفاهيم لأن معاينة المحبوب بذاته تحل مكانها. خلال خبرة التألّه أو التمجيد، هذه المحبة هي معاينة الله. فمن ثمّ يتمجّد الشخص. فهو يعاين المسيح في المجد ويشترك في مجد المسيح. إنه يختبر الاشتراك في الله.

يتّصل الناس عادةً بشخص ما على أساس الانطباع الذي كوّنوه عنه. ولكن عندما يحدّق الإنسان مباشرة بالمسيح خلاف خبرة التألّه، حيث يكشف المسيح ذاته في طبيعته الإلهية البشرية الممجّدة، يعجز الإنسان عن الاحتفاظ في فكره بأي مفهوم بشري أو أي رأي سابق كان قد كوّنه عن المسيح، إذ لا شيء في الخليقة إطلاقاً، مادياً كان أو غير مادي، باستثناء جسد المسيح البشري، يشبه الحقيقة غير المخلوقة ومجد المسيح الممجّد اللذين يعاينهما في تلك اللحظة. يقبل الإنسان المسيح لمجرد رؤيته له. لا يستطيع الإنسان أن يصفه. لا يستطيع أن يتحدّث بموضوعية عنه لأن العبارات البشرية تعجز عن وصف حقيقة المسيح غير المخلوقة أو طبيعته الإلهية. وسبب هذا أنّه لا يوجد اي تشابه بين المخلوق وغير المخلوق.

عند هذه النقطة، علينا أن نشدد أنّ في التقليد المسيحي، خبرة التألّه ليست مرتبطة قطعاً بأي شكل من أشكال الوجد (ecstasy). التألّه ليس نشوة، ليس أمراً يختبره العقل البشري وحده. خلال خبرة التألّه، يشترك الإنسان بكليّته في تلك الخبرة، حتى الجسد يشترك بكل حواسه في تسلسل عمل عادي. عندما يعاين الشخص المسيح في المجد، يكون في كامل انتباهه، فهو لا يرى شيئاً ما في فكره، بل بجسده أيضاً.

في كتاب أيوب، تقرأ إشارة إلى أن جسد أيوب رأى الله (26:19 و5:42). بتعبير آخر، شارك جسد ايوب في معاينة مجد الله. هذا هو التقليد اليهودي في أفضل ما فيه.

خلال خبرة التمجيد أو التألّه، لا يفقد جسد الإنسان الاتصال مع ما يحيط به. لكن هذا يفترض أن هذا الإنسان اعتاد رؤية مجد الله إذ قد سبق أن كانت له خبرات مشابهة. يكون الإنسان مشوّشاً فقد في البداية وقد يعمى لفترة ما بسبب التألّق المفرِط للنور غير المخلوق، لكنه لا يفقد قدراته العقلية. عقله يعمل بشكل طبيعي، بإمكانه أن يفكّر تماماً كأي شخص آخر، لكن إدراكات حواسه قد تضعف لأنه غير معتاد بعد على النور غير المخلوق. قد يعمى مؤقتاً كما عمي الرسول بولس غندما رأى مجد المسيح الممجّد على طريق دمشق. عندما نقول أن الرسول بولس عمي لا نعني أن عينيه تضررتا، بل أنه فقد بصره مؤقتاً بسبب اللمعان الغامر لنور مجد المسيح. عندما تحررت حواس الرسول، عاد ليرى بشكل طبيعي. استعادة نظره ليس معجزة جرت بل الأمر ببساطة هو أنّه لم يعد يرى لفترة ما لأن عينيه كانتا مغمورتَين. عندما يصير النور غير المخلوق منظوراً يكون أكثر لمعاناً وشدة من نور الشمس، مع أنّه بطبيعته مختلف عن نور الشمس. إنّه نور التجلّي الحقيقي. بالحقيقة، هذا النور ليس حتّى النور كما نفهمه ونألفه. لمَ لا؟ لأنّ النور غير المخلوق يسمو على النور.

عندما تأتي معاينة النور إلى نهايتها، فالإنسان الذي في حالة التمجيد يستمر في علاقاته الطبيعية مع الآخرين في حياته خلال كل الفترة التي يبقى فيها متأثراً بطاقة التألّه. هذا نراه في القديسين بشكل واضح. مع أن القديس هو في حالة فوق الطبيعة أثناء خبرة التألّه، فهو يستمر في الاختلاط بالمحيطين به كما في السابق. الفرق الوحيد هو أنه لا يأكل ولا ينام ولا يرتاح خىل تلك الفترة لأن هذه الحالة هي فوق الطبيعة وحياته تتغذى بنعمة الروح القدس فقط. إذا دامت هذه الحالة لأربعين يوماً وأربعين ليلة، كما حدث لموسى على جبل سيناء، لا ينام الشخص في تلك الحالة ولا يتعب ولا يأكل ولا يشرب لكل تلك الأيام والليالي. بتعبير آخر، إنه يكون حراً من أهواء الجسد غير المعابة أو أهواء الجسد الطبيعية وتُعَلَّق هذه الظواهر التي تتم بسبب عمل الجهاز الهضمي ومتطلبات النوم. فيصير الإنسان ملاكاً أرضياً. ولكن بمعزل عن هذا الفرق، فهو يتصرّف كأي شخص آخر: يسير ويحادث ويتفاعل اجتماعياً ويعلّم وغيره، فيما هو في هذه الحالة.

التقليد الشعبي من قرى آسيا الصغرى، خاصة في أيام الاحتلال التركي، يروي قصصاً عن كاهن إحدى القرى الذي كان في هذه الحالة خلال الليتورجيا الإلهية، مع هذا هو استمر في القراءة والترتيل والإعلان وختم الصلاة. كما أنه أيضاً واضح في سيرة القديس سيرافيم ساروفسكي وخاصةً محادثته مع موتوفيلوف. كيف نفسّر ذلك؟ مع أن الصلاة النوسية، المستمرة في القلب، تنقطع خلال اختبار التألّه، هذا لا يعني أن العبادة العقلية ينبغي أن تتوقف. يمكن للعقل أو للفكر أن يستمر في الصلاة من النصوص، خاصةً أنه يقوم بذلك لتعليم الاخرين. بالطبع، الكاهن الذي يختبر التألّه خلال القداس افلهي ليس بحاجة إلى نصوص الصلاة لمنفعته الشخصية، بل هو يقوم بذلك لمنفعة الآخرين المشاركين في القداس والذين بحاجة لأن يسمعوه. فهو يتابع القداس إلى النهاية.

بعض لاهوتيي هذه الأيام الأكاديميين ينظرون إلى هذه القصص من أسفل أنوفهم ويهزؤون بها. إنهم لا يدركون أن التقليد الشعبي المتعلّق بهذه المواضيع هو في مدى خبرة الاستنارة والتمجيد التي يدعمها مجمل التقليد الابائي الذي يقدم لنا التفسيرات اللاهوتية لهذه الظاهر. إذاً، واضح أننا لا نستطيع أن نشبّه هذه الظاهر بنشوات الأفلاطونيين الجدد، أو حتّى بانتشاءات المدرسة الأفلاطونية الوسطى، إذا أخذنا كتابات القديس يوستينوس الفيلسوف الشهيد كمفتاح لتفسير تعليم هذه المدرسة. أشير إلى المدرسة الأفلاطونية الوسطى لأن بعض مؤرّخي الفلسفة يدّعون أن الأفلاطونية لم تكن ديناً بل صارت ديناً في شكل الأفلاطونية الحديثة ابتداءً من أفلوطين وتلاميذه.

لكن في الجزء الأول من حوار الشهيد يوستينوس مع تريفو، يصف القديس كيف هو شخصياً صار تابعاً للفلسفة الأفلاطونية، كيف وجد فيلسوفاً أفلاطونياً اتّخذ مسؤولية تعليمه وكيف كان يتوقّع أن يرى الله في أي لحظة. هذا يعني أن يوستينوس الشهيد الذي عاش فترة مهمة من الزمن قبل ظهور الفلسفة الأفلاطونية الجديدة، قضى وقته ممارساً الرياضة الروحية أو التمارين الروحية. لقد آمن أن بهذه الطريقة قد يلاقي الوجد في أي لحظة ويرى الله. هذا ايضاً يعني أن معلّمه لم يكن محض فيلسوف، بل بالأحرى نوع من الأب الروحي، معلم أو زعيم طائفة دينية (guru) كما نسميه اليوم، الذي قاده إلى الخبرات الدينية، التي هي بالنسبة لنا خبرات شيطانية. يناقش اللاهوتيون الهدوئيون هذه الأمور بشكل مطوّل. مثلاً، ندد القديس غريغوريوس بالاماس خبرات الأفلاطونيين الوجدانية على أنها شيطانية. اليوم، لأن هذه اللغة لا تصيب بعض الأشخاص بشكل جيد، لأنهم عبارة “شيطاني” لا تروق لهم، فهم يستبدلون هذه الكلمة بمصطلحات معاصرة مأخوذة من علم النفس أو من التخاطر النفسين ويسمّون هذه الخبرات هلوسات أو ظواهر تخاطرية. بالحقيقة، إن الذين يبحثون عن النشوات يعانون فعلياً من هذه الهلوسات. مع ذلك، فإن آباء الكنيسة يرون بشكل واضح أن كل هذه الظواهر شيطانية.

الأقمار الثـّلاثة

الأقمار الثـّلاثة

الأرشمندريت توما بيطار

 

يا إخوة، نعيّد، اليوم، للآباء القدّيسين الأجلاّء، معلّمي المسكونة: باسيليوس الكبير، وغريغوريوس اللاّهوتيّ، ويوحنّا الذّهبيّ الفم. لعلّكم تعلمون أنّ لكلّ واحد من هؤلاء المعلِّمين عيدًا خاصًّا به. لكن، في وقت من الأوقات، كانت هناك أحزاب، في كنيسة المسيح، تُقدِّم الواحدَ على الآخر. وبنتيجة ذلك، ظهر القدّيسون الثّلاثة لأحد الأساقفة؛ وأعلموه بأنّهم، عند الله، متساوون. لهذا السّبب، جرى التّعييد للثّلاثة معًا في هذا اليوم. ما أهمّيّة هؤلاء المعلِّمين الممتازين؟! أهمّيّتهم تكمن في أنّ الرّبّ الإله ارتضى أن يُوجَدوا في وقت كانت الكنيسة خلاله في أمسّ الحاجّة إلى تثبيت. المسيحيّة، في القرون الثّلاثة الأولى، كانت مُعرَّضَة لأن تبتلعها الهرطقات. كانت هناك حركات فكريّة، وفلسفيّة، ودينيّة عديدة؛ وكان سهلاً جدًّا أن تختلط تعاليمُ المسيحيّة بتعاليم هذه الفلسفات والهرطقات؛ فأنعم الرّبّ الإله علينا بالعديد من المعلِّمين الّذين سبقوا المعلِّمين الّذين نعيّد لهم، اليوم، ومنهم مَن كان لاحقًا لهم. لكن، كان لهؤلاء الثّلاثة دور بارز جدًّا في تثبيت الإيمان الأرثوذكسيّ وتوضيحه، في كنيسة المسيح. ولعلّ من المفيد أن نشير إلى بعض الأمور الّتي امتاز بها كلٌّ منهم.

أوّلُ هؤلاء الثّلاثة القدّيسُ باسيليوس الكبير، الّذي كان إنسانًا مثقَّفًا بثقافة الدّنيا. في ذلك الزّمان، كان الّذين ينالون حصّة وافرة من التّعليم قلّة. باسيليوس حظي بنصيب وافر من التّعليم الدّنيويّ. وفي تلك الفترة، الّتي كان فيها منكَبًّا على تعاليم الدّنيا، كان بعيدًا، إلى حدّ ما، عن كنيسة المسيح. كان مأخوذًا بالعلم، والمعرفة، والكتب، والفلسفات؛ فدخلت في الصّورة أختُه مكرينا، وكان لها دور بارز في تغيير وجهة نظره، وفي هدايته إلى الرّبّ الإله؛ فاهتدى، وصار غيورًا على كنيسة المسيح، حتّى إنّه اعتبر أنّ السّنوات الّتي أمضاها في تحصيل علوم الدّنيا كانت سنواتٍ ضائعة. وكان يتحدّث عن العلم كأنّه يُسكـِر الإنسان، لكنّه لا قيمة له. بعد أن اهتدى بكلّ معنى الكلمة، راح يبحث عن المعرفة الّتي من فوق، الّتي من عند أبي الأنوار. وهذا جعله يندفع إلى حياة التّوحّد، إلى الحياة الرّهبانيّة؛ فعاش كراهب لبعض الوقت. وهو الّذي وضع قوانينَ للحياة الرّهبانيّة المشتركة، ما زالت مفيدة وذات قيمة كبيرة إلى يومنا هذا. إذًا، عاش كراهب، بكلّ معنى الكلمة. أراد أن يستقي المعرفة الإلهيّة من الصّوم، والصّلاة، والنّسك، والكأس المقدّسة. سكن فيه روح الرّبّ، وبات يلهج بالكلمة الإلهيّة بشكل أخـّاذ. وقد دافع عن إيمان الكنيسة، في ذلك الزّمان، دفاعًا طيّبًا. في زمانه، كانت هرطقة آريوس لا تزال منتشرة. دافع عن الإيمان القويم، وحدّده بدقّة، لم يسبق للّذين سبقوه أن حدّدوه بها. إذًا، هذا إنسان صار ناسكًا؛ وصار مدافِعًا عن إيمان الكنيسة، ومعلِّمًا فيها؛ وصار، أيضًا، أسقفًا على مدينة قيصريّة. وكانت له شخصيّة مميّزَة. روح الرّبّ فيه كان قويًّا جدًّا. لذلك، دخل في صراع، لا فقط مع الهراطقة الآريوسيّين وسواهم، بل أيضًا مع الأباطرة، الّذين كان بعضهم يميل إلى هذه الهرطقات. كان صلبًا في موقفه، على الرّغم من كلّ المحاولات الّتي قام بها الأباطرة للقضاء على أبرشيّة قيصريّة، وعلى مقاومته. من ناحية كونه أسقفًا، كان ممتازًا، ومنظِّمًا جيّدًا، وإنسانًا لا يعرف معنى الرّاحة. ولأجل مجد الله، كان باسيليوس إنسانًا ضعيفًا بحسب الجسد، مريضًا بشكل شبه دائم. حتّى إنّه، كما يقول عن نفسه، لم يمرّ عليه يوم واحد من دون آلام جسديّة مُبرّحة. ومع ذلك، كانت نفسه قويّة جدًّا، ولم يُثـْنِه ضعفه الجسديّ، ولا آلامه الجسديّة عن التوثّب في عمل الله، وفي خدمة الله، وفي خدمة كنيسة المسيح. كان جبّارًا، بكلّ معنى الكلمة؛ أو، بالأحرى، روح الرّبّ فيه كان جبّارًا. لهذا، أضحى باسيليوس مثالاً جيّدًا للأساقفة، عبر تاريخ الكنيسة. إذًا، عندنا ناسك ممتاز، ولاهوتيّ ممتاز، وأسقف ممتاز، وكاتب مُفوَّه! كانت الكلمة تجري على لسانه فيّاضَةً، كما في كتابه عن الخلق في ستّة أيّام، مثلاً، وفي رسائله الّتي كتب عددًا كبيرًا منها، مدافِعًا فيها عن الإيمان القويم. وله، أيضًا، تُعزى عجائب كثيرة، حتّى إنّ هناك مَن يُحصي ما لا يقلّ عن ثلاث مئة عجيبة جرت به. إذًا، هذا إنسان سكن فيه روح الرّبّ، وفعل فيه بشكل ممتاز. وكلّ ذلك فعله القدّيس باسيليوس في سحابة من العمر لم تتجاوز الخمسين عامًا، إذ رقد في سنّ الخمسين، وكان معتَلاًّ! لكنّ روحه لم تنثلم! لم تنجرح بما عاناه من آلام وأتعاب. وقد رقد، أخيرًا، عام 379 م، بعد شهادة جبّارة أدّاها لروح الرّبّ، في كنيسة المسيح. هذا إنسان يعادل جيشًا من الخدّام، في كنيسة المسيح. الرّبّ الإله قادر بإنسان واحد أن يُحيي أمّةً برمّتها.

إلى جانب القدّيس باسيليوس الكبير، عندنا القدّيس غريغوريوس اللاّهوتيّ. هذا كان، في بداية مسيرته، يسلك في ظلّ القدّيس باسيليوس، وكان صديقًا له. وقد درسا معًا؛ وكانا، وفق الكتابات الّتي وصلتنا، كأنّهما روح واحدة. لقد تأثّر القدّيس غريغوريوس جدًّا بالقدّيس باسيليوس وبشخصيّته، وأخذ عنه الكثير. لكنّه، في آن معًا، كان كثير التّذمّر؛ لأنّ القدّيس باسيليوس كان قويًّا إلى درجة جعلت القدّيس غريغوريوس يشعر بأنّه مقموع. لذلك، لم يكن بارزًا، في بداية الأمر. لكنّه كان شاعرًا مسيحيًّا ممتازًا، وكانت له رسائله وكتاباته.  غير أنّه تجلّى، في الحقيقة، بعد رقاد القدّيس باسيليوس؛ لأنّه، فيما كان مغمورًا في مكان ما من آسيا الصّغرى، إذا به يُستدعى إلى القسطنطينيّة، الّتي كانت كنائسها كلّها، في ذلك الوقت، في قبضة الآريوسيّين الهراطقة. وصل القدّيس غريغوريوس إلى القسطنطينيّة، وكان له صديق يملك بيتًا رحبًا؛ فاجتمع حول القدّيس بعض الّذين كانوا لا يزالون على الأرثوذكسيّة، محافظين على الإيمان القويم، وكانوا قلّة. سُمّي المكان “كنيسة القيامة”. هناك، تفوّه القدّيس غريغوريوس بأعظم ما ورد من مقولات لاهوتيّة. وهو صاحب الخطب اللاّهوتيّة الخمسة، الّتي تُعتبَر أبرز الخطب الخاصّة باللاّهوت الأرثوذكسيّ. وبسببها، عُرف القدّيس غريعوريوس بـ”اللاّهوتيّ”. وبذلك، يكون هو اللاّهوتيَّ الثّاني، بعد يوحنّا الحبيب، الّذي كان اللاّهوتيَّ الأوّل. ولفظة “لاهوتيّ” تعني أنّه عرف الله معرفة يقينيّة، عرفه في خبرته، عرفه في نوره. لهذا السّبب، لقب “اللاّهوتيّ” كان لقبًا مميّزًا، لا يعطى لأيٍّ كان. هناك، فقط، ثلاثة أشخاص يُعرفون، في الكنيسة الأرثوذكسيّة، باللاّهوتيّين: يوحنّا اللاّهوتيّ، وغريغوريوس اللاّهوتيّ، وسمعان اللاّهوتيّ الجديد. إذًا، عظمة غريغوريوس تجلّت، بشكل ممتاز، في القسطنطينيّة، في تلك الفترة من الزّمن. وبعد حين، بنعمة الله، قويت الأرثوذكسيّة على الآريوسيّة، حتّى تغّيرت الأمور بالكامل، وعادت السّيادة للكنيسة الأرثوذكسيّة وللتّعليم القويم. هذا حصل، بشكل خاصّ، بعدما تملّك ثيودوسيوس الأوّل، الأمبراطور الكبير، على القسطنطينيّة؛ وبعدما عُقد في القسطنطينيّة المجمع المسكونيّ الثّاني سنة 381 م. وقد اختير غريغوريوس رئيس أساقفة على القسطنطينيّة. لقب “بطريرك”، في ذلك الزّمان، لم يكن قد شاع. لكنّ غريغوريوس ما لبث أن قدّم استقالته من رئاسة أسقفيّة القسطنطينيّة، وانصرف ليكتب الشـّعر المسيحيّ الجميل، الممتاز. ويُظَنّ أنّه رقد في مطلع التّسعينات من القرن الرّابع للميلاد، حوالَي العام 392 م. إذًا، نحن ندين للقدّيس غريغوريوس بتثبيت الأرثوذكسيّة بهذه الخطب العظيمة، وبهذه الأشعار الممتازة، الّتي تكلّم فيها روحُ الرّبّ الّذي كان فيه.

ونأتي، أخيرًا، إلى القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم. وهو أعظم واعظ، في تاريخ كنيسة المسيح. لم يتكلّم أحد في الكتاب المقدّس كما تكلّم القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم. بدأ حياته راهبًا في بيته؛ وبعد ذلك، راهبًا في جبال أنطاكية إلى الجنوب. عاش في نسك شديد. ومن كثرة تشدّده على نفسه، ساءت صحّته، و”انضربت” معدته؛ فاضطرّ إلى النّزول إلى أنطاكية. وقد صار كاهنًا فيها. في ذلك الزّمان، لم يكن شائعًا أن يعظ الكاهن. لكنّ الأسقف فلاﭬـيانوس كان يُفسح في المجال للقدّيس يوحنّا لكي يعظ؛ فوعظ بعضًا من أبرز مواعظه في التّماثيل، في أنطاكية بالذّات، في أصعب مرحلة مرّت فيها المدينة. كان بارزًا، ومحبوبًا جدًّا. وكانت عظاته، أحيانًا، تطول حتّى إلى السّاعتين، وكان النّاس يندهشون من كلامه، حتّى إنّهم كانوا يقاطعونه، ويصفّقون له. واجتمع عدد من الكتبة، الّذين راحوا يسجّلون مواعظه. برز يوحنّا إلى درجة أنّه صار معروفًا، وذاع صيته، في كلّ الأمبراطوريّة. فلمّا حدث تغيير ما في القسطنطينيّة، وكانت هناك حاجة إلى رئيس أساقفة جديد عليها، وقع اﻻختيار عليه. وهناك، تجلّى بكلّ معنى الكلمة. بقي إنسانًا فقيرًا في عيشه: كان لا يأ كل إلاّ القليل؛ ولا يهتمّ، أبدًا، بالدّعوات الّتي تُوجَّه إليه؛ ولا يدعو أحدًا إلى مائدته؛ لأنّه كان قد التزم الفقر الرّهبانيّ. بالإضافة إلى أنّه انبرى ليبيع الكثير من مقتنيات دار رئاسة الأسقفيّة، ليوزّع على الفقراء والمحتاجين. وكان يعمل على استئصال الفساد من الكنيسة، في ذلك الزّمان. الّذين يحبّونه كانوا كثرًا، وكذلك الّذين يكرهونه. وقد دخل في صراع مع الأمبراطور، والأمبراطورة، بشكل خاصّ. هذه أرادت أن تصنع لنفسها تمثالاً، فانتقدها علنًا. لم يكن القدّيس يوحنّا يبالي، إلاّ بالحقيقة الإلهيّة. كان مستعدًّا لأن يتصدّى لأيٍّ كان: للأباطرة، ورؤساء الكهنة، وكلّ البارزين من النّاس. همّه، أوّلاً وأخيرًا، أن يثبّت كنيسة المسيح، وأن يقول كلمة الحقّ فيها. لذلك، عانى معاناة شديدة. وأخيرًا، نُفي؛ وعاش في المنفى بضع سنوات. وقد رقد، في الحقيقة، فيما كانوا ينقلونه من مكان إلى آخر، لأنّهم شاؤوا له أن يموت من التّعب. رقد في العام 407 م. لكنّ ما خلّفه من تعليم، وما تركه من سيرة بقي نورًا تستنير به الكنيسة، جيلاً بعد جيل، إلى اليوم.

إذًا، عندنا، هنا، ثلاثة أقمار تلألأت في فضاء كنيسة المسيح. هؤلاء كان لهم تأثير هائل في الكنيسة، وفي المؤمنين. واحتفالنا بهم، اليوم، هو شكران لله، في الدّرجة الأولى، على أنّه لا يترك كنيسته، وأنّه يعطيها ما تحتاج إليه في الوقت المناسب، ويرسل الرّعاة الموافقين حيث ينبغي. الرّاعي الصّالح، عندنا، نعمة من عند الله. لذلك، قيل: “اطلبوا من ربّ الحصاد أن يرسل فَعَلَةً إلى كرمه” (لو10: 2). ونحن على ثقة بأنّ الرّبّ الإله كان، وما زال، وسيبقى، يرعى كنيسته مباشرة. نحن لا نخاف على الكنيسة، لأنّ الرّبّ الإله هو بشخصه يرعاها، ويهتمّ بها. المهمّ أن نعرف كيف نسلك متعاونين مع روح الرّبّ، حتّى يتجلّى عمله فينا. فإن لم نفعل، إن لم نكن طيِّعين لله؛ فإنّ الرّبّ الإله يؤدّبنا: أحيانًا، بالأساقفة؛ وأحيانًا، بغير الأساقفة. المهمّ أن نفهم أنّنا، بتعاوننا مع روح الرّبّ، نساهم في إنهاض الكنيسة. وهذه مسؤوليّة كلّ واحد منّا. على كلّ واحد منّا أن يساهم في إنهاض كنيسة المسيح: أوّلاً، في نفسه، في سلوكه بأمانة من جهة الوصايا الإلهيّة؛ وثانيًا، من جهة غيرته على الآخرين، في كنيسة المسيح، من جهة محبّته لهم، وبذله ذاته من أجلهم. لا يظنّنّ أحد أنّ الكنيسة هي عمل الأساقفة أو الكهنة، فقط! لا، أبدًا! الكنيسة كلّنا يعمل فيها، وكلّنا يسعى فيها للشـّهادة بكلمة الإنجيل، وللسّلوك في أحكام الله، ولحفظ الأمانة للرّبّ يسوع المسيح. هذا هو مسيرنا، وهذا ما علينا أن نتمسّك به، حتّى يكون لنا نصيب في ما فعله الأقمار الثّلاثة: باسيليوس الكبير، وغريغوريوس اللاّهوتيّ، ويوحنّا الذّهبيّ الفم، الّذين ثبّتوا الإيمان في الكنيسة. ونحن، أيضًا، علينا أن نعمل على حفظ الإيمان، وتثبيته، إلى قيام السّاعة.

آمين.

عظة ألقيَت في عيد الأقمار الثلاثة، السّبت 30 كانون الثّاني 2010، حول  متّى5: 11- 23

 

النسك في المسيح بحسب القديس باسيليوس الكبير

النسك في المسيح بحسب القديس باسيليوس الكبير

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

 

يعادل مصطلح “الحياة الرهبانية” مصطلح “الحياة النسكية لأن الراهب يمارس النسك في المسيح ويحفظ وصايا المسيح لكي يصل إلى الاتحاد بالله.

لقد تكلم المسيح عن الطريق الضيق المؤدي إلى الحياة، وبالتالي يكتب القديس باسيليوس الكبير قائلاً: “لو أنك بدأت هكذا وانتهيت بنفس الطريقة، فإنك تكون قد عبرت الطريق الضيق في فترة النسك القصيرة”. يكون وقت النسك في هذه الحياة الحاضرة قصيراً مقارنة بالأبدية، لذا ينبغي على الراهب أن يعبر هذا الطريق الضيق محافظاً على كل قواعد هذه الرحلة حتى لا يتوه عن الطريق.

يعني النسك في الواقع حفظ وصايا المسيح في حياتنا اليومية، على الرغم من مقاومة إنساننا العتيق بأهوائه وشهواته. لقد أصبحت الحياة الساقطة طريقة حياة بالنسبة للإنسان، بالتالي يوجد احتياج لولادة جديدة. يقول القديس باسيليوس أنه ينبغي على الناسك أن يدرك أنه لا يستطيع تجنب الحرب ضد الشيطان وأنه لا يستطيع هزيمته “ما لم يبذل مجهوداً كبيراً في حفظ تعاليم الإنجيل”.

يوجد نوعان من النسك، نسك الجسد ونسك الروح. يرتبط النسك الجسدي بتطهير الحواس، والشدائد الجسدية، وضبط الطعام، والحذر من جهة الملابس، وجعل المرء كل حياته في خضوع. لا ينبغي على الراهب أن يستند على أصوله النبيلة، ولا أن يطلب الكرامة من الآخرين. ينبغي عليه أن يتراجع عن الظهور في المجتمع. يعني نسك النفس التوبة، وإدانة الذات، والشعور بعدم الاستحقاق.

يرتبط النسك ارتباطاً وثيقاً بشفاء الأهواء واكتساب الفضائل. عندما يحفظ الناسك مشيئة الله، فإن الأهواء (التي تنبع جميعها من محبة الذات) تُبتَر ويمتلئ من مواهب الروح القدس. يقول القديس باسيليوس أنه ينبغي على الراهب أن ينتبه لهوى النهم، لأنه يثير الشهوات الجسدية، وينبغي عليه أن يتقدم في الفضيلة. “فلتتقدم في الفضائل حتى تقترب من الملائكة”.

يعي القديس باسيليوس الكبير جيداً أنه ليس كل من يعيش في دير سوف يخلص: “لا تظن أن كل الذين يعيشون في دير سوف يخلصون، كل من الرديء والجيد”. ليس الجميع يخلصون لأنه على الرغم من أن الكثيرين يقتربون من حياة الفضيلة “إلا أن القليلين فقط هم من يقبلون نيرها”. يحثنا الإنجيل على ممارسة القوة من أجل التقدم نحو الخلاص. تعني كلمة “قوة” خضوع الجسد. “لو أردت الإمساك بملكوت الله، كن عنيفاً. اخضع عنقك لنير خدمة المسيح”. ينبغي على الناسك أن يحكم النير حول رقبته من خلال الطاعة وأن يتحرر من الحِمل من خلال عمل الفضائل، من خلال الصوم، والسهر، والطاعة، والهدوء، والتسبيح، والصلاة، والدموع، والعمل اليدوي، وتحمل الآلام الآتية من الشياطين والآخرين.

بوجه عام، ينبغي على الناسك أن يجاهد لكي يحفظ وصايا الله بحيث أنه، من خلال جهاده الشخصي ومعونة النعمة الإلهية، يخلع الإنسان العتيق ويرتدي الإنسان الجديد. كما يكتب القديس باسيليوس قائلاً: “اجعل حياتك الممتازة مصدراً للنفع بحيث تجد الكنز المخفي في يوم الحاجة”.

العبودية الحقيقية والحرية في المسيح

العبودية الحقيقية والحرية في المسيح

القديس نيكولا فيليميروفيتش


“لأَنَّ مَنْ دُعِيَ فِي الرَّبِّ وَهُوَ عَبْدٌ، فَهُوَ عَتِيقُ الرَّبِّ. كَذلِكَ أَيْضًا الْحُرُّ الْمَدْعُوُّ هُوَ عَبْدٌ لِلْمَسِيحِ.” (1كورنثوس 22:7)

إن الخبر العظيم الذي تعلنه  المسيحية يومياً للعالم هو أن ما من شيء يأخذ قيمته بالكامل بحسب شكله الخارجي بل بحسب جوهره. لا تقيّموا الأشياء بحسب لونها وشكلها بل بحسب معناها. لا تقيّموا إنساناً بحسب موضعه وملكيته بل بحسب قلبه، حيث يتّحد إحساسه وعقله وإرادته.

فبحسب هذا التعليم الجديد دائماً بالنسبة للعالم، العبد ليس من هو مستعبَد خارجياً، ولا هو حرٌّ مَن يملك حرية مادية خارجية. بحسب المفهوم الدنيوي، العبد هو مَن لا يتمتّع بالدنيا إلا بالحد الأدنى والحرّ هو مَن يكثِر من التمتّع فيها. بحسب المفهوم المسيحي، العبد هو مَن لا يتمتع بالحياة مع المسيح الحلو إلا بالحدّ الأدنى، والحرّ هو مَن يكثِر من هذه المتعة.

إلى هذا، بحسب المفهوم الدنيوي، العبد هو مَن لا يطبّق إرادته إلا قليلاً فيما غالباً يطبّق إرادة الآخرين، والحرّ هو مَن يطبّق إرادته في أغلب الأحيان ودون ذلك بكثير إرادة الآخرين. مع ذلك، بحسب المفهوم المسيحي، العبد هو مَن يمارس رغباته أكثر من رغبات الآخرين، والحرّ هو مَن ينفّذ إرادة الله إجمالاً وإرادته الذاتية في ما نَدَر.

حرية الإنسان القيّمة والحقيقية هي أن يكون عبداً للربّ، أمّا أن يكون عبداً للعالم ولذّاته وللخطيئة والرذيلة فهي العبودية القاتلة. قد يفكّر الإنسان في الملوك أصحاب العروش: أهناك على الأرضِ مَن هو أكثر حرية من هؤلاء؟ مع هذا، كثيرون من الملوك كانوا العبيد الأكثر انحطاطاً والأكثر تفاهة على الأرض. قد يفكّر الإنسان في المسيحيين المكبّلين في الملاجئ: أهناك عبيد أكثر بؤساً من هؤلاء على الأرض؟ مع هذا، الشهداء المسيحيون في السجون أحسّوا بأنّهم رجال أحرار ممتلؤون بالسرور الروحي، فرتّلوا المزامير ورفعوا صلوات الشكر لله.

الحرية المربوطة بالأسى والحزن ليست حرية بل عبودية. وحدها الحرية في المسيح مربوطة بفرح لا يُوصَف. الفرح الذي يدوم هو علامة الحرية الحقيقية.

أيها الرب يسوع، الإله الطيّب الوحيد، يا مَن تمنحنا الحرية عندما تربطنا بشدة إليك، اجعلنا عبيدك في أسرع ما يمكن حتى لا نعود مستعبّدين للسادة القساة البطّاشين. لك المجد والشكر دائماً. آمين