مختارات في تربية الأطفال

مجموعة من آباء الكنيسة القديسين

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

القديس البار يوحنا كرونشتادت

أيها الأولياء والمعلمون، احفظوا أطفالكم متحررين من النزوات، لأنه إن لم تفعلوا ذلك، فسيتجاهلون قريبًا قيمة محبتكم، ويلوثون قلوبهم بالكراهية، ويفقدون المحبة الحارة الصادقة والدفء في وقت مبكر جدًا. عندما يكبرون، سوف يتذمرون منكم بمرارة بسبب تدليلهم أكثر من اللازم ورضوخكم لأهوائهم. النزوات هي جراثيم فساد القلب، تآكل القلب، العثة التي تفسد المحبة، بذرة الغضب، ورجس أمام الرب.

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذا انطبع التعليم الحسن على نفس غير ناضجة، فلن يتمكن أحد من محوه عندما تصبح تلك النفس ناضجة وغير مرنة، كما يحدث غالبًا مع ختم الشمع. هنا مخلوق خائف ومرتعب من مظهرك وكلمتك، ومن كل ما تفعله. استخدم قوتك عليه لفعل ما هو جيد. سوف تكون أول من يستمتع بثمار جهدك إذا ربّيت ابنًا صالحًا، وبعد ذلك سيفرح الله به أيضًا. أنت تفعل ذلك من أجل ذاتك.

القديس نيلس السينائي

ينبغي على الراغبين في تربية أطفالهم بجدية أن ينشئوهم في التقشف والمصاعب بحيث يتمتع الأطفال بثمار عملهم في النهاية، بعد أن يتميزوا في الدراسات والسلوك.

القديس إغناطيوس بريانشانينوف

إعلم أن حياتك تهمّ ابنتك كثيراً أكثر من اي شيء آخر تذكره

القديس تيخن الزادونسكي

يجب أن لا تستخدم العقوبات القاسية، كما يأمر الرسول أيضًا، “أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ لِئَلاَّ يَفْشَلُوا” (كولوسي 21:3). جِدوا الطريق الوسط، كما هو مذكور أعلاه.

القديس فيلاريت موسكو

صحيح أن الأساليب الحديثة في التنشئة تجعل الأطفال أكثر ميلًا إلى المعاندة. غالبًا ما أُفاجأ برؤية كم في سلوك الأطفال من الغطرسة والطيش بحضور آبائهم ، في حين يبدو الوالدان مترددين للغاية في لمسهم.

القديس مكاريوس أوبتينا

في الواقع، من الصعب الحفاظ على الشاب سالماً من سيل الحرية الذي غطى وجه الأرض وأغرق العقل البشري، المظلم بسبب عدم الإيمان، في مياهه القذرة. ازرعوا بذور الإيمان الأرثوذكسي في قلوب أطفالكم بمساعدة الله. اسقوا تلك البذور بخوف الله الذي يؤدي إلى المحبة باتّباع وصايا الرب. إن بذور التقوى المزروعة في تربة قلوبهم الشابة سوف على الأرجح تثمر ثمار القداسة والإيمان الأرثوذكسي القوي.

القديس ثيوفانس الناسك

كلمة المحبة لا تزعج أبدًا. الكلمة المتعجرفة لا تثمر. يجب أن تصلي طوال اليوم وطوال الليل لكي يجعل الرب أطفالك يتجنبون الأخطار. الله رحيم!

صلاة الأهل من أجل أولادهم

صلاة الأهل من أجل أولادهم

ترجمة رولا الحاج

يا ربّي يسوع المسيح، يا ابن الله، من أجل صلوات والدة الإله الفائقة القداسة، استجبْ لي، أنا عبدك غير المُستحق. يا ربّ، احفظ بالرحمة أولادي، فَهُم عبيدُك. ارحمْهم وخلّصهم، من أجل اسمك. يا ربّ، اغفر زلاتهم الطوعيّة وغير الطوعيّة التي بمعرفة وغير معرفة. يا ربّ، ثبّتهم بالحق على طريق وصايك وأنِر عقولهم بنورك من أجل خلاص نفوسهم وشفاء أجسادهم.

باركهم، يا ربّ، في المنزل وفي المدرسة، وفي رحلاتهم وزياراتهم، وفي كل مكان سيادتك. احفظهم  واحمِهم، يا ربّ، من الرصاص الطائش، والقتل، والسمّ والحريق ومن الجروح المُميتة والموت الفجائيّ. احفظهم، يا ربّ، من كلّ الأعداء المنظورين وغير المنظورين، ومن كلّ شرٍّ وخطرٍ وشِدّة. واسحَق الشيطان تحت أقدامهم.

أيّها الطبيب السماويّ، اشفِ أولادي من كلّ مرضٍ، ونَجِّهم من كلّ دنَسٍ، قوِّهم على كلّ شهوة صغيرة وشغف شهوانيّ، وخَفِّف مُعاناتهم الروحيّة. اجعلهم يشمئزّون من كلّ رجاسة، واجعلهم مُندفعين لحياة كريمة. أيّها الرّب الرحيم، احفظهم بنعمة روحك القدّوس وبحياة مديدة، احفظهم في الصحة والعفّة في كلّ تقوى وحبّ، وهبهم أن يعيشوا بوفاق مع جميع جيرانهم، القريبين والبعيدين. كثِّرهم، أيّها المسيح الإله، وشدّد قدراتهم العقليّة، وقواهم الجسديّة، ونقاوة القلب. هَبهُم إبصار خدمَتك. باركهم ليسلكوا حياة ورعة، وإذا كانت مرضيّة لديك، ادعُهُم إلى الحياة الملائكيّة أو امنحهم حياة زوجيّة نبيلة وانجابٍ شريف.

اغفر لي برحمتك خطاياي وهفواتي التي اقترفتها في الدعوة الوالديّة المُقدّسة، واحمِ أولادي من قدوتي السيئة. من أجل اسمك، أيّها الرب الرحيم، امنحني، أنا عبدك الخاطىء وغير المُستحق، البركة الوالديّة من أجل أولادي، في هذا الوقت الحاضر، والصباح والظهر والليل، وأيضًا في ملكوتك الأبديّ، والعظيم الجلال والكليّ القدرة. آمين.

هل تعلم؟

هل تعلم؟

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

 

** هل تعلم ما هي الخدم الكنسيّة اليوميّة؟

++ إنّها صلاة نصف الليل (قليل من الناس يعرفونها بينما تقام في الأديار صباحًا باكراً). وصلاة السحر وتُقام عادة بعد صلاة نصف الليل. الساعة الأولى وترمز إلى ساعة القيامة (حين أتت حاملات الطيب إلى القبر باكرًا جدًّا) وإلى وظهور النور، وهي صلاة قصيرة تلي خدمة السحر، وفي نهايتها نتلو الرسائل والإنجيل المختصّيْن باليوم.

++ الساعات (وتقال، حاليًّا، في الأديار فقط ما عدا يوم الجمعة العظيم حيث تقال في كلّ الكنائس)، وهي: الساعة الثالثة (وفي هذا الوقت حلّ الروح القدس على التلاميذ)، والسادسة (وفيها عُلّق السيّد على الخشبة)، والتاسعة (وفيها مات يسوع على الصليب).

++ ويجب أن نعلم أنّ هذه الساعات ليست كما هي أوقاتنا اليوم، فمثلاً الساعة الثالثة هي التاسعة صباحًا تقريبًا، والسادسة هي الساعة الثانية عشرة ظهرًا، والتاسعة هي الساعة الثالثة بعد الظهر تقريبًا.

** هل تعلم متى يبدأ اليوم الكنسيّ، ومتى ينتهي؟

يبدأ اليوم الكنسيّ في خدمة صلاة الغروب، وينتهي في الساعة التاسعة التي نتلوها قبل صلاة الغروب.

الطفل وشجرة التفّاح

الطفل وشجرة التفّاح

 

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

 

كان هناك شجرة تفاح في غاية الضخامة، وكان طفل صغير يلعب حول هذه الشجرة يوميًّا، ويتسلق على أغصانها ويأكل من ثمارها، ثمّ يستلقي قليلاً ليغفو في ظلّها. كان الطفل يحبّ الشجرة، وكانت الشجرة، بدورها، تحبّه وتفرح بلعبه معها.

مرّت الأيّام، وكبر هذا الطفل، وعاد لا يلعب حول الشجرة، ولا ينام في ظلّ أغصانها، فقالت له الشجرة ذات يوم: “تعال والعب معي كما كنت تفعل”. فأجابها الولد: “لقد كبرت، يا شجرتي العزيزة، وتبدّلت طريقة لعبي، فأنا أريد أن يكون لديّ بعض الألعاب كرفاقي، ولكنّي أحتاج إلى كمّيّة من النقود لشرائها”. فأجابته الشجرة: “أنا، للأسف، ليس لديّ نقود، غير أنّه يمكنك أن تقطف التفّاح الذي على أغصاني، وتبيعه، فتحصل، بذلك على النقود التي تحتاجها”. سُرّ الولد كثيرًا، وأسرع فتسلق الشجرة، وجمع كلّ ثمار التفّاح، ثمّ نزل وبدأ يركض ليبيعها. ومنذ ذلك اليوم لم يعد الولد للقاء الشجرة، التي حزنت غاية الحزن لغيابه.

وذات يوم رجع هذا الولد إلى الشجرة، ولكنّه كان قد أصبح رجلاً، فعرفته الشجرة، وفرحت غاية الفرح وهي تراه قد عاد إليها، وقالت له: “هل جئت لتلعب معي؟”. فردّ قائلاً: “أنا لم أعد طفلا لألعب حولك، فقد أصبحت رجلاً، ولديّ عائلة. لذا، فأنا أحتاج إلى بيت يكون لهم مأوى من تقلّبات الطقس. فهل يمكنك أن تساعديني؟”. فقالت الشجره : “آه، إنّي آسفة جدًّا، فأنا لا أملك بيتًا، ولكن يمكنك أن تأخذ جميع أغصاني لتبني بها لك بيتًا”. فقطع الرجل كلّ الأغصان التي كان بحاجة إليها، ثمّ ترك الشجرة وهو سعيد، وكانت الشجرة، أيضًا، سعيدة لسعادته.

ومرّ، أيضًا، وقت طويل دون أن يعود الرجل لتفقّد الشجرة، فحزنت لغيابه، وظلّت تترقّب متى يأتي إليها. وذات يوم حارّ جدًّا عاد الرجل مرّة أخرى، فرأته الشجرة عن بعيد، وفرحت جدًّا لرؤيته يسرع إليها، فقالت له: “ألعلّك أتيت لتتذكّر طفولتك وتلعب معي؟”. فقال لها الرجل: “أنا في غاية التعب، وقد بدأت أشيخ، وأريد أن أبحر إلى مكان لأرتاح فيه، فهل بإمكانك أن تؤمّني لي مركبًا؟. فأجابته بابتسامة رقيقة: “يمكنك أن تأخذ جزعي، وتصنع منه مركبًا يساعدك على الإبحار أينما شئت، فترتاح وتفرح”. فسمع الرجل كلام الشجرة، وهوى بفأسه وقطع جذعها. وما هي إلاّ أيّام قليلة حتّى صنع مركبه، وسافر مبحرًا ولم يعد لمدّة طويلة جدًّا.

وبعد غياب طويل دام سنوات عدّة، عاد الرجل إلى الشجرة، ولكنّها قالت له هذه المرّة: “إنّي آسفة جدًّا، يا ابني الحبيب، لم يعد عندي أيّ شئ لأعطيه لك، فهل أتيت لتأخذ تفّاحًا؟” قال لها مبتسمًا: “لا، لم يعد عندي أسنان لأقضمها “. فسألته ثانية: “وهل أتيت لتتسلّق أغصاني؟”. فأجابها الرجل بحزن: “كلا، لقد أصبحت عجوزًا، وعدت لا أستطيع التسلّق”. فقالت: “وأنا، كذلك، لا يوجد لدي ما أقدّمه، فكلّ ما أملك الآن هو جذور ميّتة”. قالت هذا وبدأت تبكي. فأجابها وقال لها: “كلّ ما أحتاجه في هذه الأيّام هو مكان لأستريح به من تعب السنين”. فأجابته وقالت له: “جذور الشجرة العجوز هي أنسب مكان لك للراحة، فتعال، تعال واجلس معي هنا تحت الأرض، واسترح إلى الأبد. فنزل الرجل إليها، وكانت هي تتأمّله أثناء نزوله وهي سعيدة به والدموع تملأ عينيها، وقد علت على فمها ابتسامة حزينة، فلقد أتى الوقت، أخيرًا، ليبقى معها ولا يعود يتركها.

أحبّاءنا، هل عرفتم من هي هذه الشجرة؟ إنّه والديكم الذين يقدّمون كلّ ما عندهم لتعيشوا حياة هانئة سعيدة وهم في غاية الفرح؟ فماذا تقدّمون أنتم لهم؟!!

الشمعة والورقة

الشمعة والورقة

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

 

وقفت الشمعة كعادتها بعد نهاية اليوم وغياب ضوء الشمس المبهر لكي تضيء المكان كلّه، وكان نورها جميلاً جدًّا وسط العتمة. وقفت الشمعة منتصبة فخورة بعملها، لأنّها كانت تعلم جيّدًا بأنّها تقوم بعمل هامّ وجميل ومفيد للآخرين.

وفي أحد أركان المكان نفسه كانت تجلس هناك ورقة تنظر جمال الشمعة الفرحة وتتأمّلها متنهّدة وغارقة في حزنها وضيقها الشديدين، وتقارن عملها بعمل الشمعة: فالشمعة تضيء للجميع، أمّا هي، فلا فائدة من وجودها ولا أهمّيّة، وكم تمنّت لو تستطيع أن تصبح شمعة، فيفرح الناس بها وهي تفرح لفرحهم.

وفي أحد الأيّام جلست الورقة تنظر إلى الشمعة وضوئها وهي تبكي وتطلب من الله بحرارة كي يعطيها ضوءًا كضوء الشمعة حتّى تضيء مثلها. فسمعها إبريق المياه الذي كان يقف إلى جانبها، وتعجّب جدًّا من بكائها، وسألها:

– آه، أيّتها الورقة العزيزة، لماذا تبكين هكذا؟

– إنّي حزينة جدًّا أيّها الإبريق العزيز.

– ما الذي أصابك؟

-لا شيء. بل أنا حزينة على حالي.

– وما هو حالك يا ترى؟ إنّي أراك بأحسن حال.

– أنت لا تعلم شيئًا. ألا ترى أنّي ورقة عديمة النفع؟

– ماذا تقولين؟ عديمة النفع؟

– نعم.

– أنت مخطئة جدًّا يا عزيزتي، فنحن…

– أرجوك دعني في مصيبتي، ولا أريد أن أسمع شيئًا حول هذا الموضوع.

وهكذا ابتعد الإبريق حزينًا على الورقة، وقرّر أن يفاتحها بالموضوع في وقت آخر، لكي يقنعها بأنّ لكلّ مخلوق وظيفة في هذه الحياة ودور، وبأنّ كلّ واحد منّا يقوم بما يتناسب وصفاته ومقدرته.

وأمّا الورقة، فقد قرّرت، بدورها، أن تغيّر واقعها بنفسها، فتقدّمت واقتربت من الشمعة المشتعلة، ومدّت أحد أطرافها إلى لهبها، حتّى تشتعل هي الأخرى وتضيء مثلها. وبالفعل اشتعل أحد أطراف الورقة، فشعرت بألم شديد، وبدأت تصرخ وتستغيث وهي ترى نفسها تحترق. فاشتمّ الإبريق رائحة الحريق، وأسرع لينقذ صديقته الورقة، وبدأ يصبّ من مياهه عليها حتّى استطاع بعد جهد أن يطفئها.

وبعد أن أنقذها من موت أكيد، نظر إليها معاتبًا، وأمّا هي، فلم تجسر على النظر إليه لشدّة خجلها منه. وبعد لحظات من الصمت، قالت الورقة للإبريق:

– أرجوك، يا عزيزي، أن تسامحني، فلقد كنت ورقة متكبّرة لا تقنع بواقعها.

– حسنًا، أيّتها الورقة العزيزة، أرجو أن تكوني قد أخذت درسًا مهمًّا في الحياة.

– ولكن، قل لي، ألا تفكّر أنت بأنّك عديم النفع مثلاً؟

– أبدًا، فأنا مسرور بأنّي ألبّي حاجة كلّ من كان عطشانًا وبحاجة إلى نقطة مياه يرطّب بها قلبه، ولا سيّما أثناء الصيف حيث الحرارة المرتفعة.

– حسنًا، ولكن ما هي فائدتي أنا؟

– أنت لك فوائد كثيرة، فأنت تملئين المكتبات، وعليك يكتب جميع الناس: الطبيب يكتب وصفته العلاجيّة للمريض، والمحامي يكتب عليك صكّ الإفراج عن سجين، والكاهن يكتب عليك صلواته والتلميذ يكتب وظائفه و… و…

– (بابتسامة عريضة) أوه لم أكن أعرف أنّي مشهورة وذات قيمة إلى هذه الدرجة. لقد أفرحت قلبي. شكرًا لك.

– ولكن، وقبل أن أتركك لا بدّ أن أقول لك ما يقوله القدّيس بطرس الرسول في رسالته الأولى…

– آسفة إن قاطعتك، ولكن هل كتب الرسول بطرس أكثر من رسالة؟

– نعم، لقد كتب رسالتين. والآن هل تريدين أن تسمعي  ما كتبه؟

– آه، نعم، بكلّ سرور.

– لقد كتب: “ليكن كلّ واحد بحسب ما أخذ موهبةً يخدم بها بعضكم بعضًا”. فهل ما زلت غير مقتنعة بفائدة وجودك؟

– آه، كلا. إنّي أشكرك.

– لا بل اشكري الله، إذ لو لم أكن قربك لكنت احترقت بكلّيّتك، واعلمي بأنّ الله لا يخلق شيئًا لا فائدة له. والآن، دعينا نأخذ لنا صورة تذكاريّة أنت وأنا والشمعة لكي نتذكّر على الدوام فائدة كلّ واحد منّا في الحياة.

– (بفرح) نعم، هيّا بنا.

أولاد مؤمنون

أولاد مؤمنون

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

خلال الحرب العالميّة الأولى، اضطرّت راهبات أحد الأديار في روسيّا لترك ديرهنّ بسبب اقتراب الأعداء الألمان. فذهبت عشرون راهبة ومئتان من أطفال ميتم الدير إلى دير آخر.

وضع الملحدون صوفيا فيودوروفنا لتهتمّ بأولاد الميتم، فقالت: “لقد عيّنني الملحدون حاضنة لأيتام الدير، وغالبًا ما كانت نادينكا وليوبوشكا تأتيان ليفضيان إليّ بمكنوناتهما. كان والداهما شيوعيّين، لكنّ الفتاتين الصغيرتين كانتا مؤمنتين. في إحدى المرّات أشفقت على ليوبوشكا من كلّ قلبي وقلت لها: “أنت تفتقدين إلى الكنيسة إليس كذلك؟ إذًا، تسلّلي إلى داخل الكنيسة أثناء لعبِك مع الأولاد الآخرين، وصلِّي هناك من أجل عائلتك”. وهذا ما فعلته ليوبوشكا بالتحديد. إذ بعدما انتهت من اللعب، مضى الأولاد وبقيت ليوبوشكا وحدها، فدخلت بيت الله بهدوء، وصلّت ثمّ خرجت. ومرّة أخرى، قالت لي الفتاة “أه! كم أتمنّى أن أتناول!”، فقلت لها: “عندما تنتهي من اللعب اذهبي إلى الراهبة التي عند الشموع وأخبريها برغبتك”. فسألتني: “أيجب أن أرتدي ثيابًا نظيفة؟”. فأجبتها: “لا، فثياب اللعب ملائمة جدًّا طالما أنّ نفسك نظيفة”. أعان الله ليوبوشكا على قضاء رغبتها المبارَكة، ومن دون علم أمّها تناولت القربان المقدّس. فأتت إليّ ركضًا مبتهجة قائلة: “أنظري، أيّتها الأخت، لقد تناولت”!!

كان الأولاد يذهبون إلى الكنيسة باستمرار، وكان الأساتذة الشيوعيّون يسألونهم: “هل تجبركم الراهبات على الذهاب إلى الكنيسة؟”، فكان يجيبون: “لا، بل نحن نحبّ الذهاب إليها!”.

لم تكن الحياة لطيفة بالنسبة للأولاد تحت حكم الشيوعيّين، فالغذاء غير جيّد، وفي الشتاء كانوا يتنقّلون بأحذية مثقوبة ومن دون جوارب. وذات مرّة علّق المسؤولون صورًا لقادتهم في غرفة طعام الأولاد، فنظرت إحدى الفتيات الصغيرات إلى الصور، وقالت ببراءة الأطفال: “آه! كم هم بشعون!”. فأشار صبيّ صغير إلى الأيقونات، وسأل: “وهل هذه جميلة؟” فصرخت الفتاة “ماذا تقول؟ إنّها جميلة جدًّا جدًّا”. وذات مساء وضعتُ للأطفال بطاطا مسلوقة ليأكلوها، ثمّ تركت الغرفة. وقد أُصبتُ بالهلع عند عودتي، إذ رأيت أنّهم ألصقوا قشر البطاطا على الأفواه في الصور. فنزعت هذه الزينة بسرعة عن الصور حتّى لا يراها أحد المسؤولين. وفي الصباح ذُعرت عندما أتيت إلى غرفة الطعام، ووجدت ثقوبًا بدل الأعين في كلّ الصور. فقد كان أطفالنا العابثون قد قصّوا أعين “الرجال العظام”.

بعد صوفيا فيودوروفنا أتت ماريا فيودوروفنا كمراقِبة. ما إن وصلت حتّى جمعت الأطفال، وراحت تعظهم معلّمةً إيّاهم عن الإلحاد: “كل شيء هو من الطبيعة. العالم كان دائمًا وسيبقى إلى الأبد. إنّه يحرّك نفسه بنفسه”. فأجاب أحد الأطفال: “ولكن حتّى العربة الصغيرة لا تسير بنفسها من دون سائق. والأحصنة، أيضًا، يجب أن يقودها السائس. وأنتِ تريدين أن يكون العالم بأسره محرَّكًا من نفسه؟!”. وأضافت إحدى الفتيات “نعم، ولا القطار يستطيع أن يسير من دون سائق”. ظهر على ماريا الارتباك، إذ بماذا تجيب على ملاحظات الأطفال الذكيّة، فقالت مؤكّدة: “الله لم يخلق الإنسان. لقد تطوّر من القرد”. وإذ بصوت صغير يسأل متهكّمًا: “إذن مَن خلق القرد؟ أأتى من نفسه؟!”.

يا للعبارات الذكيّة التي أتى بها الأولاد!! ويا للدعاية الحمقاء التي قدّمتها ماريا فيودوروفنا!! لا شكّ بأنّ الحكمة الإلهيّة هي التي أنارت الأطفال، والروح القدس هو الذي كان يتكلّم بشفاههم النقيّة وليس هم. وهكذا قرّرت ماريا ألاّ تتناقش مع الأولاد بعد هذا الدرس.

ويوم عيد الفصح اللاّمع أخبرت ماريا الأولاد بأنّها سوف تقفل البيت، وتضع المفتاح تحت وسادتها وتنام. ابتسم الأولاد وقالوا بهدوء: “اذهبي اقفلي الباب وضعي المفتاح تحت وسادتك ونامي، فالأمر سيّان، نحن سوف نكون في الكنيسة”. وبالحقيقة قام الأولاد بما قالوا، فلقد كانوا جميعًا في الكنيسة، وكان عددهم في ذلك الحين خمسين. نظرت راهبات الدير إلى الأطفال بدهشة، ورحن يسألنهم كيف تمكّنوا من الخروج من البيت المقفَل. لقد تسلّق الأولاد، بمعونة الله، نوافذ غرف النوم الصغيرة، ونزلوا عن طريق المزاريب دون أن يخشوا الوقوع من الطابق الثالث، لقد أتوا إلى الكنيسة لينضمّوا إلى جماعة المؤمنين لتمجيد قيامة ربّنا الممجّدة اللاّمعة، وليشتركوا في المناولة المقدّسة. في ذلك الوقت كانت ماريا نائمة، ولم تلحظ أنّ الأولاد ذهبوا إلى الكنيسة عن طريق المزاريب، ومن ثمّ عادوا بأمان إلى غرفهم، وناموا بسلام في أسرّتهم.

الذراع المكسورة

الذراع المكسورة

 

عندما كان نبيل عائدًا إلى المنزل في ساعة متأخّرة من الليل بعد سهرة مع أصدقائه صاخبة، انزلقت قدمه وسقط على الأرض، وأخذ يصرخ من الألم والخوف معًا، فسمعه سكّان أحد المنازل القريبة ونقلوه إلى المستشفى. وهناك علم من الطبيب بأنّ ذراعه الأيسر قد كُسر، وبأنّه يحتاج إلى عمليّة جراحيّة، وأنّه سيبقى بضعة أيّام في المستشفى.

وأثناء الليل، وإذ كان متألّمًا جدًّا لم يستطع أن ينام، ولكي يبعد عنه الشعور بالألم، تناول المجلّة التي كانت أخته قد اشترتها له، وأخذ يقرأ فيها هذا الحوار الممتع الذي جرى بين ذراع أيمن صحيح وذراع أيسر مكسور. شدّه هذا الحوار، إذ وجده يماثل حاله، فقرأ ما يلي: قال الذراع الأيمن للأيسر:

– بالحقيقة، أيّها الذراع المحبوب، إنّنا لا نفتقدك بالكلّيّة، لأنّ كلّ الأعضاء مسرورة بأنّ الكسر قد لحق بك وليس بي، فمن دوني يعجز الجسد كلّه عن إداء مهمّته، أمّا أنت فلست مهمّا بهذا المقدار.

– فأجاب الذراع الأيسر باتّضاع: أنا أعلم أنّك عضو هامّ جدًّا، وأنّك أعظم منّي بما لا يقاس.

– لقد نطقت بالصواب، فبدون مساعدتي لا يستطيع صاحبي أن يكتب رسالة ما، ولا أن يمسك القلم.

– ولكن، يا صاحبي، من الذي يمسك بالورقة حين يكتب صاحبك الرسالة؟

– لا يهمّ. لكنّه يستخدمني، دومًا، عندما يحتاج أن يطرق شيئًا بالمطرقة.

– هذا صحيح. ولكن من يمسك له المسمار؟

– وهذا أيضًا غير مهمّ. ولكن انتبه من منّا يمسك قبّعة صاحبنا عندما يريد أن يحيّي بها أصدقاءه وجيرانه؟

– ولكن لكي يسلّم على معارفه بارتياح، أسرع أنا وأمسك له حقيبته الصغيرة.

– (باستخفاف) ولكنّه يستطيع أن يضعها على الأرض أيضًا، ويقدّم السلام والتحيّة.

– واليوم عندما وقع وكُسرت أنا، تُرى من ساعده في ارتداء ملابسه؟ نعم، أيّها الذراع الأيمن، لا شكّ أنّه لا يستطيع أن يستغني عن خدماتك، ولكنّه، في الوقت نفسه، يحتاجني، أنا أيضًا، إذ من دوني لا يستطيع أن يمارس الكثير من أعماله. إنّه محتاج إليك كما هو محتاج إليّ. فكفانا هذرًا وثرثرة، وهلمّ نعمل معًا، لأنّ لكلّ منا دوره.

وهنا طأطأ الذراع الأيمن رأسه إذ وجد أنّ الذراع الأيسر مصيب في قوله.


أحبّاءنا، لكلّ واحد منّا دوره في هذه الحياة، وكلّ منّا يحتاج إلى الآخر مهما قلّت أهمّيّته أو مواهبه. كلّ واحد منّا عزيز وحبيب على قلب الربّ، فلا نستخفّنّ أو نزدرينّ بأحد، بل لنتكاتف مع بعضنا البعض لتنجح أعمالنا، وتستقيم كلّ أمورنا سواء أكان هذا في البيت أو في المدرسة أو في الكنيسة أو في أيّ مكان وُجدنا فيه. ولكي تصدّقوا قولنا هذا دعونا نقرأ معًا هذه القصّة اللطيفة:

اعتادت النملة “سرور” أن تعود كلّ يوم إلى حجرتها متهلّلة. كانت تروي للنمل أصحابها عن الخالق المبدع الذي أوجد هذا العالم الجميل. فكانت تخلق جوًّا من الفرح. وإذ عادت، يومًا، وهي تغنّي وتسبّح الله، سألها أصحابها: “قولي لنا ما الذي أعجبك اليوم يا سرور؟ نراك متهللة جدًّا أكثر من أيّ وقت مضى”. فقالت لهم سرور: “بعد أن انتهيت من عملي معكم انطلقت أتمشّى على إحدى الصخور، ووقفت أتأمّل السماء الزرقاء الجميلة. فعبرت بي يمامة تطير، كان جناحاها الجميلان أشبه بمروحتين رائعتين. فقلت لها: “يا لك من يمامة جميلة! لقد أبدع الخالق فأعطاك جناحين جميلين، وصوتًا عذبًا. إنّي أرى لمسات الخالق المبدع واضحة فيك”.

وبينما كنت أتحدّ      ث معها إذا بتيّار جارف يقتحم المكان، فانجرفتُ في الماء. أسرعت اليمامة إليّ، وقد أمسكت بمنقارها فرعًا صغيرًا من الشجر تسلّقتُ عليه، ثمّ انطلقت بي اليمامة تحملني بعيدًا عن الماء. لقد أنقذتني من موت محقَّق! شكرتُها على محبّتها ولطفها وحنانها.

وبعد قليل نامت اليمامة على فرع شجرة، وإذا بصبيّ يراها، فأمسك بمقلاع ليصوّب حجرًا عليها ليصطادها. أسرعتُ إليه ولدغتُه في قدمه فصرخ وقفز. استيقظت اليمامة وطارت في الجوّ، ولم يستطيع الصبيّ أن يصطادها. لقد أنقذتُها من يد الصبيّ القاسية. إنّي أشكر الله الذي أعطاني أن أنقذ اليمامة. حقًّا إنّي محتاجة إليها، وهي محتاجة إليّ! ليت البشر يدركون ذلك، فلا يحتقر أحدهم الأخر. القويّ محتاج إلى الضعيف، كما يحتاج الضعيف إلى القويّ. الكبير يحتاج إلى الصغير، كما يحتاج الصغير إلى الكبير”.

 

 

 

 

قصص مختارة للصغار

قصص مختارة للصغار

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

 

 

الرجل والطائر

سقط طائر غريب في يد صيّاد، فبدأ الطائر يتحدّث مع الصيّاد، فدهش منه وسأله:

– هل تتحدّث بلغتنا؟

– إنّي أعرف لغات كثيرة، ووهبني الله حكمة، فهل تريد أن أقدّم لك ثلاث حكم تسندك كلّ أيّام حياتك؟

– نعم، أكون شاكرًا لك إن قدّمت لي هذه الحكم الثلاث.

– إنّي مستعدّ أن أقدّم الحكم على أن تعدني بأن تطلقني حرًّا.

– أعدك، وسأفي بوعدي.

– اسمع، إذًا، الحكم الثلاث، إنّ حفظتها تنجو من كلّ كارثة وتنجح في حياتك: الحكمة الأولى: لا تندم قطّ على خير فعلته، والحكمة الثانية: لا تصدّق  من لا يوثَق به، والحكمة الثالثة: لا تطلب أن تنال ما هو مستحيل.

عندئذ أطلق الرجل الطائر حسب وعده، فبسط الطائر جناحيه فرحًا وطار. ثمّ وقف على غصن شجرة مرتفعة، ونادى الصيّاد قائلاً: “يا أيّها الصيّاد الغبيّ، كيف تطلقني؟ لقد ضاعت منك أعظم ثروة في العالم، إذ أحوي بداخلي جوهرة لا تقدّر بثمن. إنّها تحمل قوّة سحريّة بها صرت أنا حكيمًا”.

اغتاظ الصيّاد جدًّا لفقده الجوهرة السحريّة، وصمّم أن يصطاد الطائر ويذبحه ليحصل عليها. وهكذا بدأ الصيّاد يتسلّق الشجرة بصعوبة بالغة حتّى بلغ منتصفها، فسقط وانكسرت رجله فصار يصرخ. فنظر إليه الطائر وقال له في سخرية: “يا لك من صيّاد غبيّ. لقد قدّمت لك الحكمة ولم ترد أن تتعلّم شيئًا. سألتك، أوّلاً، ألاّ تندم على خير فعلته، وها أنت قد ندمت على إطلاقي حرًّا. وطلبت منك ألاّ تصدّق ما لا يوثق فيه، وها أنت تصدّق طائرًا يسخر بك، ويدّعي أنّه يحمل جوهرة سحريّة في داخله، الأمر الذي لا يقبله عقل. ولم تنفّذ الحكمة الثالثة وهي أن تطلب أن تنال ما هو مستحيل، فتسلّقت الشجرة لتمسك بطائر حرّ يقف على قمّة الشجرة. إنّك لم تنتفع بكلمات الحكمة. إنّي حزين بسبب حماقتك،  ولكنّك لست أنت الأحمق فقط، بل هناك الكثير من البشر أمثالك حمقى”.

وما إن قال العصفور هذا، حتّى طار فرحًا يغرّد يرفرف بجناحيه منتقلاً من غصن إلى آخر، فيما بقي الرجل أسفل الشجرة يهزّ رأسه أسفًا وألمًا.


مَن هو القدّيس

دخل سمير الكاتدرائيّة وسار مع والدته وهو ينظر إلى نوافذ الكنيسة التي صُوِّرت عليها أيقونات القدّيسين بالزجاج المعشّق (نوع من الفن الزجاجيّ) الجميل. فأخذ سمير يسأل والدته: من هذا القدّيس؟ فتجيبه إنّه القدّيس متّى البشير الإنجيليّ، أو القدّيس أنطونيوس الكبير، أو…أو…

عاد سمير إلى المنزل، وصار يروي لأخته الأكبر منه سنًّا عن أيقونات القدّيسين الجميلة التي شاهدها. فسألته أخته: “تُرى من هو القدّيس؟”. فأجاب الطفل: “إذا ما وقف الإنسان في فناء الكنيسة، ونظر إلى نوافذها أو إلى جدرانها المليئة بأيقونات القدّيسين يرى النور يشعّ منهم. فالقدّيس هو الشخص الذي يشعّ منه النور الإلهيّ”. هزّت أخته رأسها موافقة في صمت.

هذا هو تعريف القدّيسين الذين نرى فيهم نور السيّد المسيح متجلّيًا. فإن كنّا نمجّد القدّيسة مريم والدة الإله ونطوّبها، أو نطلب شفاعة نبيّ من الأنبياء أو شهيد من الشهداء إنّما نرى مسيحنا يتمجّد من خلال عمل نعمته فيهم، ولذلك نطلب شفاعتهم.

أمّا بالنسبة لكم، يا أحبّاءنا، فيليق بكم، أوّلاً، أن تقتدوا بهم، وتطلبوا نعمة الله لتعمل فيكم، فيتحقّق فيكم قول السيّد المسيح: “أنتم نور العالم” أو “ليضئ نوركم أمام الناس فيمجّدوا أباكم الذي في السموات” (متى 16:5). وثانيًا: أن يكون لكلّ واحد منكم شفيعه الذي يصلّي له ويطلب منه ما يشاء.

 

 

الكنـــــــــــــز

وقف داني ككلّ يوم وراء الباب يتفرّج على جدّته وهي تفتح خزانتها القديمة بمفتاحها الكبير، لتخرج من العلبة الحديديّة، ذات المفتاح الذهبيّ، الليرة الذهبيّة التي كانت قد خبّأتها فيها.

وفجأة علا رنين الهاتف، فأسرعت الجدّة لتردّ، تاركة العلبة مفتوحة، فدخل داني، وأخذ الليرة الذهبيّة، وفيما كان يهمّ بالخروج تعثّر ووقعت الليرة من يده، واختفت. أخذ داني يفتّش عليها بسرعة فائقة قبل أن تأتي الجدّة وتلاحظه، ولحسن الحظّ عثر داني على الليرة، فخبّأها في جيبه، وانسلّ من الغرفة قبل أن تصل إليها جدّته.

ما لبث داني أن سمع صوت جدّته تصرخ قائلة: “لقد ضاعت الليرة، لقد فُقد الكنز الذي كنت أملكه، لقد خسرت ما أورثني إيّاه أجدادي”. خاف داني كثيرًا، وندم على فعلته هذه، وقرّر أن يعترف بالحقيقة، ويعتذر من جدّته.

عرفت الجدّة بما حصل، وتأسّفت على غلطة داني، ولكنّها سامحته طالبة منه أن ينتبه مرّة أخرى، ولا يخضع للفكر الشرّير. وأمّا داني فقال لجدّته:

– لم أكن أعرف، يا جدّتي، بأنّ هذه الليرة لها قيمة كبيرة لديك.

– ابتسمت الجدّة وقالت له: سوف أقول لك سرًّا كبيرًا أرجو أن يبقى بيني وبينك. إنّ قيمة هذه الليرة لا يكمن في أنّها ورث عن آبائي وأجداي، فقط، بل لأنّ صورة الملك مطبوعة عليها، ولا يوجد منها عدد كبير. والذي جعلني أتمسّك بها كثيرًا لكون جدّتي أخذتْها من الملك نفسه.

– ولكن، يا جدّتي، يوجد كثير مثلها.

– لا، يا حبيبي، إنّ بقيّة الليرات تختلف اختلافًا بسيطًا عنها يكاد لا يُرى.

– وهل قيمتها كبيرة لهذه الدرجة؟

– نعم، فبقدر ما هذه الليرة صغيرة الحجم، بقدر ما تزداد قيمتها سنة بعد سنة. ثمّ لا تنسَ أنّ هذه الليرة ستصبح ملكًا لك بعد انتقالي إلى السماء.

– وماذا سأفعل بها؟

– احتفظ بها قدر الإمكان، واحترس أن تضيع منك أو أن تبيعها. إنّ هذا الكنز يشبهك تمامًا، فبالرغم من أنّك صغير، ولكنّ قيمتك كبيرة جدًّا، أتعلم لماذا؟

– لماذا؟!!

– لأنّك تحمل صورة الملك، صورة ربّنا يسوع المسيح.

– أنا أحمل صورته؟ كيف ذلك؟!!

– نعم، يا حبيبي، فإنّك من اليوم الذي اعتمدت فيه، ومسحك الكاهن بالميرون المقدّس، انطبعت صورة الملك السماوي فيك. ولذك قلت لك أن تحتفظ بهذا الكنز، ولم أكن أعني الليرة الذهبيّة، فقط، بل الكنز الحقيقيّ الذي هو الربّ يسوع المسيح. احتفظ بحضوره داخلك، وصلِّ له، وخاطبه صباحًا ومساء وفي كلّ وقت إن استطعت. لا تقبل الأفكار الشرّيرة من كذب وحسد والكلام على الآخرين وإهمال الواجبات الدينيّة… وهكذا تحتفظ بصورته فيك نقيّة وجميلة. أتعدني بذلك؟

– نعم، سأحاول. ولكنّ قد أخطئ، فماذا يحلّ بالصورة؟

– عندما تخطئ، اعترف بخطئك، واطلب السماح من الربّ، ولا تعاود اقترافه ثانية، فتعود الصورة إلى جمالها.

 

الفيل الصغير

ابتعد الفيل الصغيـر عن المرعى الذي اعتاد أن يرعى فيه كلّ يوم، فلمّا أراد الرجوع إلى أمّه ضلّ الطريق. وفي أثناء بحثه عن الطريق وصل الفيل الصغير إلى غابة كثيفة الأشجار وقد أقبل الليل، فقابله ثعلب مكّار يعيش في تلك الغابة. قال الثعلب للفيل الصغير:

–  ماذا تفعل في الغابة في هذه الليلة الشديدة الظلام؟

– إنّي ضللت الطريق إلى بيتنا، ولا أستطيع الرؤية في الظلام.

– لابأس عليك. تعال، واسترح قليلاً في بيتي، ثمّ نذهب معًا نبحث عن بيتكم.

قال الثعلب ذلك، وهو يُمَنّي نفسه بأكلة دسمة، تكفيه أيّامًا كثيرة.

شكر الفيل الصغير الثعلب على كرم أخلاقه، ولكنّ الثعلب الغدّار كان يدبّر للفيل مكيدة، فقال له: “انتظرني هنا هنيهة، ريثما أذهب لأشرب من النهر القريب”. راح الثعلب يحفر في الطريق إلى النهر حفرةً عميقة، حتّى يسقط فيها الفيل، فيسهل عليه افتراسه، وأكل لحمه اللذيذ. ولمّا فرغ الثعلب من حفر الحفرة، غطّاها بفروع الشجر، وكانت البومة الطيّبة تقف على شجرة هناك، فرأت ما فعله الثعلب، وأدركت قصده. فطارت إلى حيث ينتظر الفيل الصغير، وحكت له كلّ ما رأته، وحذّرته من مكر الثعلب، وطلبت منه أن يتصرّف بحكمة، ثمّ عادت إلى مكانها فوق الشجرة .جاء الثعلب وقال للفيل:

– هيّا بنا، يا صديقي، نبحث عن بيتكم.

– أيّ طريق سنسلك؟

– طريـق النهر.

– حسنًا. سرْ أنت أمامي، ودعني أمسك بذيلك.

– لماذا أسير أمامك، ولماذا تمسك بذيلي؟

– لأنّي لا أرى في الليل جيّدًا، وإمساكي بذيلك يطمئنني أنّي أسير في الطريق الصحيح. نعقت البومة فجأةً تحذّر الفيل الصغير، فارتعب الثعلب، وحاول أن يخلّص ذيله من خرطوم الفيل، ولكنّ الفيل دفعه دفعة قويّة بخرطومه، فسقط في الحفرة. جاءت البومة إلى الفيل، وهنّأته بسلامته، وعرضت عليه أن تساعده في العثور على بيته. سار الفيل والبومة تركب فوق ظهره، وتدلّه على الطريق .سار الفيل مسافةً طويلة، وفجأةً صاح وقال للبومة:

– لقد طلع النهار، فأنا أشعر بحرارة الشمس، وأستطيع أن أرى معالم الطريق، ها نحن وصلنا إلى المرعى القريب من بيتنا.

– هذا صحيح، فأنا لا أبصر جيّدًا في ضوء النهار.

– لا بأس ستنزلين عندنا، أيّتها الصديقة، حتّى يأتي الليل.

– أنت صديقٌ وفيٌّ، وسوف أزورك، دائمًا، في الليل.

– وأنا سوف أزورك، دائمًا، في النهار .

أحبّاءنا، ما أجمل الصدق، فإنّه يجعل الناس يلتفّون حولنا ويحبّوننا، وأمّا الكذب، فبالعكس ينفر الناس منّا ويبتعدون عنّا، لأنّهم لا يثقون بالكذّاب.

 

 

هل تعلم؟

هل تعلم ماذا كان يدعى المسيحيّون أيّام الرسل؟

هناك ثلاث تسميات شاعت أيّام الرسل دُعي بها المسيحيّون: مؤمنون وقدّيسون وإخوة أو أخوات، وهي تعبّر عن حياة أولئك المسيحيّين الأوائل. فتسمية مؤمنين كانت تعبّر عن إيمانهم الجديد بالمسيح يسوع، وحياة الإيمان القويّ التي كانوا يحيونها. وتسمية قدّيسين كانت تعبّر عن تصرّفاتهم الحسنة وعلاقتهم الحارّة بالله. وأمّا التسمية الثالثة إخوة أو أخوات، فكانت تعبّر عن علاقة المحبّة الشديدة التي كانت تربطهم ببعضهم البعض كأعضاء في جسد المسيح الواحد. إنّها تسمية تلائم سلوكهم المسيحيّ.

افحصوا أنفسكم، يا أحبّاءنا، إن كنتم، أنتم أيضًا، مثلهم تتمتّعون بالتسمية نفسها التسمية والصفات عينها؟

 

 

السباق السنوي

اليوم يبدأ السباق السنويّ للدرّاجات، فتجمّع الأولاد للسباق، ومن بينهم البطل مارك الذي اعتاد أن يكسب السباق كلّ سنة، وذلك بفضل معلّمه الذي كان يدرّبه، دائمًا، ويشجّعه ويدلّه على الطريقة الصحيحة للفوز. ولكنّ مارك كان قلقًا هذه المرّة، لأنّ السباق سيكون في طريق صعب فيه أشجار كثيرة قد تجعله يضيّع معالم الطريق بسهولة. ولكنّ المدرّب شجّعه، ووعده أن يكون إلى جانبه إن حصلت له أيّة مشكلة، أو تعرّض لأيّ عائق، فوثق مارك بوعود مدرّبه، وأبعد القلق عنه.

وفي الصباح الباكر بدأ المتسابقون يركبون درّاجاتهم، وكلّ منهم يعلّل نفسه بالفوز، وطبعًا كان مارك في مقدّمتهم. أُعطي الإنذار ببدء السباق، فانطلق الجميع يسابقون بعضهم بعضًا، إلى أن وصلوا إلى طريق كثيف بالأشجار غطّت لوحات اتّجاه السير، فتاه معظم المتسابقين، وضلّوا الطريق. أمّا مارك، فقد اتّبع إرشادات مدرّبه، وركّز انتباهه على الطريق الصحيح. ولكن، وفجأة حصل له أمر غير متوقَّع، فلقد أخذ أحد المتسابقين يحاول ضرب درّاجة مارك ليعطّل له جريه. فحاول مارك، عندئذ، أن يسرع أكثر ليتخلّص منه، ولكنّه اصطدم بإحدى الأشجار ووقع على الأرض، وقد جُرحت رجله. ضحك عليه زميله الذي كان يحاول عرقلته، واستمرّ يجري بأقصى سرعة محاولا كسب الوقت قبل أنت يقوم مارك.

بقي مارك قرب درّاجته حزينًا لا يستطيع الوقوف، وقد صار موضع استهزاء كلّ المتسابقين الذين كانوا يمرّون قربه دون أن يحاولوا مساعدته، بل صار بعضهم ينعته بنعوت غير لائقة، وآخرون جعلوا يقهقهون عاليًا، مؤكّدين لمارك هزيمته هذه المرّة. أمّا مارك، فأخذ يهمس بحزن: “أين أنت يا مدرّبي الحبيب، لا شكّ أنّك نسيتني، وعدت لا تهتمّ بي، وإلاّ لبادرت إليّ في هذه الصعوبة. أين وعودك، يا مدرّبي الأمين؟ آه لا بدّ أنّي سأخسر هذا السباق”. قال مارك هذا ثمّ بكى.

وفجأة أحسّ مارك بيدين تلمسانه بكلّ حنان، فنظر ليرى من هذا الأب الحنون الذي تداركه، وإذا به أمام مدرّبه الذي رفعه بسرعة، واحتضنه بمحبّة كبيرة، لكنّ مارك استمرّ في البكاء، وأخبره بما حصل معه، وكيف أنّه سيخسر السباق هذه السنة. أخذ المدرّب الحنون يطمئن ولده بأنّه لا زالت لديه الفرصة، وإنّ السباق لم ينتهِ بعد، ثمّ أخذ يفحص له جروحه، فوجدها طفيفة لا تستدعي العلاج، فنظّفها له، ثمّ ساعد مارك على الوقوف وهو يشجّعه قائلاً: “إنّ كلّ المتسابقين كانوا مشغولين بالاستهزاء بك، فلم يلاحظوا العلامات الموجودة على الطريق، والتي توضّح لهم طريق السباق الصحيح، وهذا ما جعلهم يسيرون في طريق أطول، وربّما خاطئ أيضًا. فانهض، إذًا، ولا تيأس، بل استمرّ في الجهاد”.

شعر مارك أنّ الأمل في النجاح لا يزال موجودًا، فركب درّاجته، وقد شمله حماس وفرح كبيرين، وأحسّ بأنّ مدرّبه يقف إلى جانبه، فأخذ يسير بأقصى سرعة يستطيعها، وهو ينظر إلى اللوحات الموضوعة على الطريق، ووصل مارك في اللحظة الأخيرة إلى خطّ النهاية، وكسب السباق بأعجوبة.

وهنا أحسّ مارك بأنّه يجب أن يشكر مدرّبه المحبوب على تدريبه له ومتابعته وتشجيعه، ولكنّ الأهمّ من ذلك يجب أن يعتذر منه على شكّه بتركه له ولو للحظة بسيطة على الرغم من ثقته الكبيرة به، وبأنّ مدرّبه لم يَعِدْهُ مرّة بالفوز إلاّ وحقّق وعده. فأسرع إليه، وارتمى في أحضانه يقبّله ويشكره على مساعدته. ثمّ نظر إليه بعين منكسرة، وطلب منه الاعتذار على شكّه بحبّه وعنايته به.

أحبّاءنا، نحن، أيضًا، كثيرًا ما تصادفنا المشاكل أو الصعوبات، ونحسّ بأن ربّنا نسينا، وعاد لا يهتمّ بنا. ولكنّ هذا الشعور خاطئ تمامًا، بل  على العكس، فالربّ يرافقنا باستمرار، وعينه تلاحظنا وتراقبنا، وفي وقت الشدّة أو الصعوبة يكون قربنا ليشدّدنا، ويحمينا من كلّ ضرر قد يصيبنا، وإن كنّا لا نحسّ بوجوده. فلنكن واثقين، دائمًا، بمحبّته مهما كانت الظروف التي تحيط بنا، لأنّه هو الذي قال لنا بلسان أحد أنبياء العهد القديم المدعوّ زكريّا: “لأنّه من يمسّكم يمسّ حدقة عيني” (زك 2: 8). أفلا يكفيك هذا القول كبرهان قويّ على محبّة الربّ الشديدة لنا؟!!

 

 

قصص للأطفال


قصص للأطفال

إعداد راهبات دير مار يعقوب، دده

الشمعة المطفأة

كانت ﭘولا ابنة صغيرة وحيدة لوالدها يحبّها جدّاً. لذلك فحينما مرضت، ولم تفلح في علاجها كلّ جهود أمهر الأطبّاء؛ صار والدها كالمجنون يجوب كلّ مكان لكي تستعيد ﭘولا صحتها. ولكن للأسف الشديد لم تتعاف، بل انطلقت إلى أحضان حبيبها يسوع.

حزن والدها جدّاً، وابتعد عن أصدقائه، وما عاد يريد الخروج من المنزل، ورفض أن يأكل أو يشرب، ورفض أيضاً الذهاب إلى الكنيسة، وهكذا بقي وحيداً كئيباً.
وفي ليلة من الليالي، رأى في منامه حلماً وكأنّه في السماء يشاهد موكباً كبيراً من الملائكة الصغار يسيرون في صفّ واحد طويل، متوجّهين نحو عرش الله العظيم اللاّمع ببياض أنصع من الثلج. وكانّ كلّ ملاك صغير لابساً ثوباً أبيضاً، ويحمل بيده شمعداناً. لكنّه لاحظ أنّ شمعدان أحدهم غير مشتعل، بل مطفَأً. فحدّق النظر، فإذا بالملاك حامل هذا الشمعدان المطفأ هو ابنته الحبيبة. فاندفع نحوها بسرعة فائقة ممّا أدّى إلى اضطراب الموكب، وأمسك بذراعيها، ملاطفاً إيّاها بحنوٍّ، ثمّ سألها:
– ما هذا، يا ابنتي العزيزة، إنّ شمعتك الوحيدة المُطفأة”؟
– كثيراً ما أشعلوها لي، لكنّ دموعك، يا أبي الحبيب، تطفئها دائماً. أنا أعيش حياة كلّها نور وفرح مع يسوع والملائكة.
استيقظ الوالد من نومه، وعلم بأنّ ابنته أعطته درساً مفيداً كي لا يحزن. ومنذ تلك الساعة ما عاد منعزلاً، بل خرج وبدأ يندمج ويختلط مع أصدقائه القدامى. وذلك حتى لا تعود شمعة ابنته تنطفئ بسبب دموعه التي لا فائدة منها، خاصّة وقد علم أنّ ابنته الحبيبة سعيدّة جدّاً في أحضان يسوع، تشترك مع الملائكة الصغار في الترتيل له تراتيل حلوة جدّاً.

جئت إليك ثلاث مرّات

 

كان الإسكافيّ القرويّ فيكتور يحبّ الله كثيراً، كريماً، أميناً عمله، يتّسم بالبشاشة في لقائه مع الناس. وكثيراً ما كان يصلّي إلى الربّ يسوع قائلاً: “يا يسوع الحبيب إلى قلبي جدّاً، كم أتمنّى لو أراك، وكم أودّ لو ألتقي بك”.
وفي إحدى الليالي رأى فيكتور يسوع في الحلم يَعِدُهُ بأنّه سيأتي إليه في اليوم التالي. قام من النوم فرحاً، وذهب إلى الغابة القريبة، وقطف بعض الأزهار الجميلة الملوّنة، وزيّن بها حجرته البسيطة التي كان يمارس فيها عمله، وفيها أيضاً ينام ويطبخ… وبدأ يصلّي فرحاً وهو يمارس عمله منتظراً مجيء المخلّص. وفجأة رأى شيخاً بدت عليه علامات التعب الشديد، وفي بشاشة أخذ يتحدّث معه، وبكلّ احترام سأله أن يستريح قليلاً عنده. فجلس الشيخ، وإذا بالإسكافيّ يتطلّع إلى حذائه، فيجده عتيقاً مهلهلاً مملوءاً ثقوباً، فأحضر إليه حذاء جديداً وقدّمه له هديّة. اعتذر الشيخ بأنّه لا يملك ثمن الحذاء، أمّا الإسكافيّ فقال له أن يصلّي من أجله وهذا يكفيه لكي يباركه الله.
وبعد أن فارق الشيخ الإسكافيّ، بقي فيكتور يترقّب مجيء الضيف الإلهيّ. وإذا بسيّدة عجوز تسير أمامه ببطء شديد تحت ثقل الحمل الذي على كتفيها، فطلب منها الإسكافي أن تستريح هي أيضاً قليلاً عنده، ثمّ أحضر لها بعضاً من الطعام الذي كان قد أعدّه لنفسه، فصارت تأكل فرحة إذ كانت جائعة وهي تشكره على محبّته وسخائه.
وعند الغروب لاحظ فيكتور صبيّاً صغيراً يبكي في الطريق، فترك ما كان في يده وذهب يسأله عن سبب بكائه، فقال له الصبيّ بأنّه ضلّ الطريق. وفي حنان كبير هدّأ نفس الصبيّ، وقال له إنّه يعرف والديه، وإنّه سيرافقه إلى بيته. وبالفعل ترك دكّانه، وانطلق مع الصبيّ، وكان يسرع في خطواته ذهاباً وإياباً خشية أن يأتي السيّد المسيح ولا يجده.
وإذ حلّ المساء أغلق فيكتور دكّانه وجلس يفكّر هل يأتي السيّد المسيح في المساء، وماذا سيفعل عندما يأتي، وبدأ يقول لنفسه: سوف أغسل يديه وقدميه اللتين ثقبتهما المسامير، وأجلس عند قدميه أستمع إلى صوته الحنون، وأقدّم له طعاماً من صنع يديّ”. مرّت الساعات ولم يظهر له السيّد المسيح، فبدأ فيكتور يعاتبه قائلاً: آه يا يسوع، ألم تعدني بأنّك سوف تأتي إليّ ليفرح قلبي بقدومك، فلماذا لم تأت؟ ثم ما لبث أن ذهب إلى النوم وهو حزين. وفي الليل ظهر له يسوع في الحلم قائلاً: لقد وفيت بوعدي لك يا فيكتور وأتيتك ثلاث مرّات: جئت إليك في شكل شيخ منهك القوى، وقدّمتَ لي حذاء جديداً بحبّ وبشاشة، ثم أتيتك بشكل سيّدة عجوز، وقدّمت لي طعاماً من صنع يديك، وأخيراً جئت إليك في شكل صبيّ تائه، وسرت معي إلى المنزل”.
استيقظ فيكتور فرحاً، وركع يشكر يسوع لأنّه التقى به من خلال المحتاجين والفقراء والتائهين والمتعَبين. ثمّ أسرع إلى الكتاب المقدّس وقرأ المقطع التالي:
“تعالوا يا مبارَكي أبي رِثوا الملكوت المعدّ لكم منذ تأسيس العالم لأنّي جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني… وكنت غريباً فآويتموني وعرياناً فكسوتموني… ومريضاً فزرتموني ومحبوساً فأتيتم إليّ” (متى 34:25-37)
ورسم فيكتور نفسه بإشارة الصليب المقدّس وهو يقول لنفسه: ساعدني يا ربّ في هذا الصوم المبارك أن أقوم بما توصينا به.

 

أيقونة حارسة البوابة

 

 

كانت أرملة غنيّة جدّاً لها ابن وحيد، وكان عندها أيقونة لوالدة الإله. واتّفق أنّ جنود الملك ثاوفيلس جاؤوا إلى مدينة هذه الأرملة بقصد التفتيش عن الأيقونات ونزعها من المنازل. فدخلوا منزل هذه الأرملة، ورأوا الأيقونة، وفرحوا فرحاً عظيماً، وقالوا للأرملة: إمّا أن تعطينا الأيقونة حسب أوامر الملك أو نذيقك مالا تتصوّرينه من العذابات. فطلبت الأرملة فرصة إلى الغد، فقبلوا بذلك. وبعد انصرافهم، دخلت هي وابنها إلى الغرفة حيث توجد الأيقونة، وركعا سويّة، وراحا يصلّيان بحرارة مدّة طويلة. ثمّ أخذت المرأة الأيقونة، وانطلقت مع ابنها إلى الشاطئ وهي تصلّي: يا سيّدة العالم إنّي أسألك أن تنجيني بقوّتك من غضب الجنود، وتسلّمي أيقونتك هذه من ضرر المياه. ومع قولها هذا رمت الأيقونة في البحر، ويا للعجب، فإنّ الأيقونة سارت في البحر منتصبةً لا مطروحة.
وبعد أن عادا إلى المنزل، قالت المرأة لابنها: يا ولدي، لا شكّ أنّ السيّدة العذراء سوف تحمينا من المضطهدين، ولكنّنا يجب أن نحترس منهم، لذلك أنصحك بالذهاب من هنا لئلا يصيبك مكروه. أمّا أنا، فإنّي مستعدّة أن أتحمّل كلّ العذابات وحتّى الموت من أجل والدة الإله. وهكذا ذهب الشابّ إلى الجبل المقدس آثوس في بلاد اليونان حيث يوجد الكثير الكثير من الأديرة والرهبان ودخل أحد الأديرة المدعو إيفيرون حيث صار راهباً.
وذات يوم بينما كان الرهبان جالسين عند شاطئ البحر قرب الدير، وفيما هم يتحادثون ببعض الأمور الروحيّة، ظهر لهم بغتة عمود في البحر مثل لهيب النار يصل رأسه إلى السماء. فلمّا أبصروا ذلك اندهشوا وصرخوا يا ربّ ارحم. فتحمّس أحدهم ويدعى جبرائيل ونزل إلى الماء، ووجد أنّ العامود يظلّل أيقونة لوالدة الإله، فأخذها بفرح ومشى على الماء، وأتى بها إلى الدير. ولكن ما إن رأى الشابّ الأيقونة حتّى صرخ مندهشاً وقال: إنّها نفس الأيقونة التي رمتها أمّي في البحر، فسجد لها بإيمان، وقبّلها بشوق وهو يقول: افرحي يا عروساً لا عروس لها. وهكذا نجّت الأيقونة نفسها من ضرر المياه. فوضعوها فوق بوابة الدير ريثما يجهّزون لها مكاناً في الكنيسة. وفي اليوم التالي نقلوها إلى الكنيسة. لكنّهم رأوها في الصباح فوق البوابة مجدّداً. فنقلوها إلى الكنيسة ثانيةً. لكنّها عادت فانتقلت إلى السور فوق البوابة. وبعدما تكرّر الأمر مرّات عديدة، ظهرت والدة الإله لأحد الرهبان قائلة: لم آتِ إلى هنا لتحموني أنتم داخل الكنيسة إنّما أتيتُ لكي أحميكم أنا لذا فمكاني هو فوق البوابة. منذ ذلك الحين عُرفت الإيقونة بالسيدة حارسة البوابة وهي ما تزال حتّى اليوم في الدير تعمل معجزاتٍ كثيرة.
لقد أردنا، يا أحبّاءنا، أن ننقل إليكم هذه الأعجوبة عن الأيقونة، لأنّ هذا الأحد الأول من الصوم يُدعى “أحد الأرثوذكسيّة”، وذلك لأنّه في مثل هذا اليوم أكّدت الملكة ثاوذورة أنّه علينا أن نكرّم الأيقونات بعد أن كان زوجها الأمبراطور ثاوفيلس قد منع إكرامها ونزعها من جميع الكنائس. وفي مثل هذا اليوم اجتمع الشعب في الكنيسة يوم الأحد، وصار زياح شاركت فيه الملكة ثاوذورة، وكان الشعب يحملون الأيقونات والصلبان والأنجيل المقدّس. لذلك نحن أيضاً في مثل هذا اليوم من كلّ عام نحمل أيضاً الأيقونات أثناء القدّاس الإلهي.
يجب علينا أن نقدّم كلّ احترام وسجود لأيقونات السيّد المسيح ووالدة الإله والقدّيسين والملائكة، ونطلب شفاعتهم لنا. إنّنا بإكرامنا الأيقونة نكرّم صاحب الأيقونة المرسوم عليها، كما نكرّم صور والدينا وإخوتنا ونحترمها.
نسجد ونقبّل باحترام أيقونة السيّدة وسائر القدّيسين

 

 

 

 

 

 

أين يختفي السمّ؟

 

سرد أحد الآباء القدّيسين هذه القصّة لأولاده الروحيّين فقال: منذ زمان بعيد كانت تعيش في الصين فتاة اسمها “ليلي” تزوّجت وذهبت إلى بيت حماتها لتعيش مع زوجها في بيت أسرته حسب عادة البلاد هناك.

 

ولم يمضِ قليل من الوقت إلاّ ووجدت “ليلي” أنّها لم تعد قادرة على المعيشة مع حماتها على الإطلاق. فإنّها وجدت أن شخصيّتها لا تتناسب، بل وتختلف كلّ الاختلاف مع شخصيّة حماتها، وكذلك شخصيّة حماتها تختلف أيضاً معها، فـ “ليلي” تغضب من عادات حماتها، والحماة تنتقد “ليلي دائماً.

ومرّت الأيّام وعبرت الأسابيع و”ليلي” وحماتها لا تكفّان عن العراك والجدال. ولكن، ما جعل الأمر أسوأ هو أنّه بحسب التقليد الصينيّ يجب على الكنّة أن تخضع لحماتها وتطيعها في كلّ شيء. وقد تسبّب هذه المشاحنات المستمرّة لزوجها الحزن والألم الشديد. وأخيراً، وجدت “ليلي” أنّها لا يمكنها أن تقف صامتة هكذا أمام سوء أخلاق حماتها، ولا يمكن أن تقبل تحكّمها في ما بعد، فقرّرت أن تفعل أيّ شيء لتلافي ذلك.

وفي اليوم التالي توجّهت “ليلي” إلى صديق حميم لوالدها، السيّد هويانج، تاجر أعشاب طبيّة في القرية التي تعيش بها، وأخبرته بكلّ الوضع، وسألته إن كان يمكنه أن يعطيها بعض الأعشاب السامّة حتّى تحلّ مشكلتها مع حماتها مرّة واحدة وإلى الأبد. فكّر هويانج مليّاً، ثمّ قال لها: انظري يا “ليلي” سوف أساعدك على حلّ مشكلتك، ولكن عليك أن تنصتي لما سأقوله لك وتطيعيني. فردّت “ليلي”: حاضر سوف أفعل كلّ ما تقوله لي. ودخل هويانج إلى الغرفة الداخليّة لدكّانه، ورجع بعد عدّة دقائق حاملاً رزمة من الأعشاب، وقال لـ “ليلي”: انظري، أنت لا تستطيعين استخدام سمّ سريع المفعول لتتخلّصي من حماتك، لأنّ ذلك سوف يثير الشكّ في نفوس أهل القرية. لذلك فقد أعطيتك بعض الأعشاب السامّة لكي يسري السمّ في جسمها رويداً رويداً. وعليك يوماً بعد يوم أن تعدّي لحماتك شراباً لذيذاً، وتضعي فيه قليلاً من الأعشاب، ولكي تتأكّدي من أنّه لن يشكّ فيك أحد حينما تموت، فلا بدّ أن تكوني واعية جدّاً أن تتصرّفي معها بطريقة ودّيّة جدّاً. فلا تتجادلي معها وأطيعيها في كلّ رغباتها، بل عامليها كأنّها ملكة البيت.

سرّت “ليلي” جدّاً، وشكرت السيّد هويانج، وأسرعت إلى البيت لتبدأ خطّة القتل لحماتها! ومرّت الأسابيع وتتابعت الشهور، و”ليلي” تُعدّ الشراب الخاصّ الممتاز كلّ يومين لحماتها، وتعاملها كأنّها أمّها.

وبعد مرور ستّة أشهر، تغيّر كلّ شيء في البيت. فقد بدأت “ليلي” تمارس ضبطها لغضبها من حماتها، حتّى أنّها أنّها لم تعد تتصرّف معها بحماقة. وظلّت ليلي لا تدخل في مجادلات مع حماتها لمدّة ستّة أشهر، لأنّ حماتها بدأت تعاملها بحنوّ أكثر. وهكذا تغيّر سلوك الحماة تجاه “ليلي”، وبدأت تحبّها وكأنّها ابنتها. بل صارت تحكي لصديقاتها وأقاربها بأنّه لا يوجد كنّة أفضل من “ليلي”. وبدأت “ليلي” حماتها يتعاملان معاً كأمّ حقيقيّة مع ابنة حقيقيّة. أمّا زوج “ليلي”، فعاد سعيداً جدّاً وهو يرى ما يحدث.

ولكنّ “ليلي” كانت منزعجة جدّاً من أمر بات يقلقها. فتوجّهت إلى السيّد هويانج وقالت له: “سيّدي هويانج، أرجوك أن تساعدني لتجعل السمّ الذي أعطيتني لا يقتل حماتي!!! فقد تغيّرت إلى سيّدة طيّبة، وصرت أحبّها كأمّي. أنا لا أريدها أن تموت بالسمّ الذي وضعته لها في الطعام!!!”

ابتسم هويانج، وأطرق برأسه قليلاً، ثمّ قال لها: “لا تنزعجي يا “ليلي”، فأنا لم أعطك سمّاً، لأنّ الأعشاب التي أعطيتها لك كانت فيتامينات لتقوية صحّتها. السمّ الوحيد كان في ذهنك أنت وفي مشاعرك تجاهها. ولكنّ كلّ هذا قد زال بمحبّتك التي قدّمتها لها”.

ولمّا فشلوا في إقناعه، تدخّل هذا الخادم التقيّ، ونجح في إقناعه، واصطحبه إلى آخر المتكآت وجلسا سويّاً وصلّيا. ثمّ فور انتهاء القدّاس، استأذن هذا الإنسان الفقير من الخادم التقيّ وهمّ بالانصراف.

ولكنّ الخادم أشفق عليه، وفكّر في الحصول على بركة بسببه. فعرض عليه بإلحاح أن يتناولا طعام العيد سويّاً. وقال في داخله: “ما الفائدة في أن أتناول وجبة العيد بمفردي أو مع الأهل والأصدقاء؟ البركة والسعادة والشبع الحقيقيّ في أن أُشبع الجوعان حسب قول السيّد له المجد: “جعت فأطعمتموني” (متى 35:25).

واصطحب الخادم هذا الإنسان الفقير في فرح وسعادة إلى منزله. ولكن سرعان ما وجدت هذه السعادة الروحيّة ما يحاول إطفاءها، إذ اعترض أهل هذا الخادم على تصرّفه بشدّة، واتذهموه بعدم الحكمة إذ كان يكفي أن يعطيه صدقة ويتركه يمضي في سبيله. وليس من الضروريّ دخول إنسان لا يعرفونه إلى منزلهم.

وبعد إصرار ومباحثات، نجح الخادم في أن يستضيف ضيفه الفقير في قبو المنزل. وكون هذا الخادم غير متزوّج، فقد فضّل ألاّ يترك ضيفه الفقير يأكل بمفرده، فقام بإعداد مائدة صغيرة لتناول وجبة العيد.

ويقول هذا الخادم معلِّقاً على ما حدث على المائدة: كنت متوقّعاً من هذا الإنسان الفقير البسيط أحد تصرّفين: إمّا أن يخجل وينتظر من يقدّم له الطعام، أو أن ينقضّ على المائدة أمام إغراء المأكولات وأمام جوعه وحرمانه. ولكنّ الذي حدث عكس هذا وذاك، فإذ بهذا الإنسان الفقير لمّا اتّكأ أخذ خبزاً وبارك وكسر وناول، والدهشة الكبرى كانت أنّه بعد كسر الخبز اختفى للتوّ. (لو 35:24)

إنّه المسيح الذي يريد أن يتّكئ على موائدنا، ونحن نرفض في قسوة وغباوة وعجرفة. اقبلوه بهيئته البسيطة ومنظره المتواضع.

إن كنتم تريدون أن يكسر المسيح لكم الخبز، فلا تمدّوا أيديكم إلى موائدكم، ولا يهنأ لكم بال إلاذ بعد أن يكسر الفقير أوّلاً الخبز على موائدكم، وتذكّروا قول الربّ له المجد: “الحقّ أقول لكم ما فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي قد فعلتموه” (متى 40:25)

فلقد تعرّض أحد معارف الأستاذ الجامعيّ المعروف سيمانوفسكي لداء السلّ الذي أثّر تأثيراً قويّاً على بلعومه إذ كانت الجراح تغطّي البلعوم كلّه ممّا أدّى إلى اختفاء الصوت كلّيّاً، وجعل الجميع يعتقدون بأنّ العليل سوف لا يحيا أكثر من عشرة أيّام. فما كان من الأهل إلاّ أن أبرقوا إلى الأب يوحنّا يلتمسون قدومه إليهم بأقصى سرعة إن أمكن، فوصل إليهم بعد خمسة أيّام. وما إن رأى حالة المريض حتّى بادرهم بسؤاله: “لماذا لم تعلموني بأنّ حالته خطيرة، لكنت أحضرت معي بعضاً من المناولة المقدّسة. ولمّا كان المريض في حالة النزع الأخير راح ينظر بتوسّل إلى الأب الذي استدار نحوه وقال: “أتؤمن أنّي أستطيع أن أساعدك بقوّة الله؟ فأبدى المريض الموافقة بحركة من رأسه. عندها نفخ الأب في فم المريض بشكل صليب ثلاث دفعات، ثمّ تطلّع إلى الطاولة الصغيرة قرب سرير المريض حيث كانت قد تكدّست أدوية مختلفة، وضربها بقوّة فوقعت بعض الزجاجات أرضاً وتكسّرت. ثم قال: “ارمِ هذه الزجاجات كلذها. إنّها لا تفيدك شيئاً. تعال إلى كرونستادت لأناولك القدسات الإلهيّة. إنّي أنتظرك”.

وعند المساء حضر الأستاذ سيمانوفسكي لعيادة المريض، ولمّا أُخبر بأنذه في صباح اليوم التالي سوف يقصدون كرونشتادت قال بأنذ المريض سوف يموت في الطريق. ولكن المريض كان يثق جدّاً بالقدّيس يوحنّا، فأصرّ على الذهاب إليه.

بقي هناك يومين حيث ناوله القدّيس الأسرار الإلهيّة. وعند عودته إلى البيت، ذُهل الأستاذ لأنّ الجراح كانت قد التأمت كلّها غير أنّ الصوت بقي ضعيفاً. فاعترف عندئذ سيمانفسكي أمام الجميع قائلاً: “إنّها ظاهرة غريبة. حقّاً إنّها معجزة”. وهكذا عاش المريض المحتضر بعدها خمساً وعشرين سنة أخرى.

 

 

 

 

 

 

 

 

الراهب واللصوص

تاه أحد الرهبان في البرّيّة وأضاع طريق العودة، فراح يسير ساعات طويلة دون هدف إلى أن التقى بأشخاص عابري الطريق وكانوا لصوصاً أشراراً، فتوسّل إليهم أن يدلّوه على الطريق الصحيح، ولكنّهم استهزأوا به ودلّوه خطأ. فهم الراهب قصدهم، ولكنّه بقي صامتاً، ورافقهم إلى أن وصلوا إلى نهر كان عليهم اجتيازه، وفجأة ظهر لهم تمساح مخيف هدّد حياتهم بالخطر لو لم يتداركهم الراهب وينجّيهم معرّضاً نفسه للخطر بدلاً منهم. تأثّر أحد اللصوص من موقف الراهب، فوقع عند قدميه يطلب منه الغفران معترفاً بأنّهم لو استطاعوا عبور النهر لكانوا قتلوه من دون شفقة. ولكنّ طيبته وحُسن معاملته لهم غيّرتهم وردعتهم عن فعل الشرّ.

عرفناه عند كسر الخبز

ذهب خادم تقيّ إلى الكنيسة لحضور قداس العيد. وعند دخوله الكنيسة وجد إنساناً فقيراً متواضع الحال بسيط المظهر، يحاول الخدّام منعه من الجلوس في المتكآت الأولى لأنّها مخصّصة لكبار رجالات الدولة وكبار الزوّار الذين يرتادون الكنيسة في الأعياد.

ولمّا فشلوا في إقناعه، تدخّل هذا الخادم التقيّ، ونجح في إقناعه، واصطحبه إلى آخر المتكآت وجلسا سويّاً وصلّيا. ثمّ فور انتهاء القدّاس، استأذن هذا الإنسان الفقير من الخادم التقيّ وهمّ بالانصراف.

ولكنّ الخادم أشفق عليه، وفكّر في الحصول على بركة بسببه. فعرض عليه بإلحاح أن يتناولا طعام العيد سويّاً. وقال في داخله: “ما الفائدة في أن أتناول وجبة العيد بمفردي أو مع الأهل والأصدقاء؟ البركة والسعادة والشبع الحقيقيّ في أن أُشبع الجوعان حسب قول السيّد له المجد: “جعت فأطعمتموني” (متى 35:25).

واصطحب الخادم هذا الإنسان الفقير في فرح وسعادة إلى منزله. ولكن سرعان ما وجدت هذه السعادة الروحيّة ما يحاول إطفاءها، إذ اعترض أهل هذا الخادم على تصرّفه بشدّة، واتذهموه بعدم الحكمة إذ كان يكفي أن يعطيه صدقة ويتركه يمضي في سبيله. وليس من الضروريّ دخول إنسان لا يعرفونه إلى منزلهم.

ويقول هذا الخادم معلِّقاً على ما حدث على المائدة: كنت متوقّعاً من هذا الإنسان الفقير البسيط أحد تصرّفين: إمّا أن يخجل وينتظر من يقدّم له الطعام، أو أن ينقضّ على المائدة أمام إغراء المأكولات وأمام جوعه وحرمانه. ولكنّ الذي حدث عكس هذا وذاك، فإذ بهذا الإنسان الفقير لمّا اتّكأ أخذ خبزاً وبارك وكسر وناول، والدهشة الكبرى كانت أنّه بعد كسر الخبز اختفى للتوّ. (لو 35:24)

إنّه المسيح الذي يريد أن يتّكئ على موائدنا، ونحن نرفض في قسوة وغباوة وعجرفة. اقبلوه بهيئته البسيطة ومنظره المتواضع.

إن كنتم تريدون أن يكسر المسيح لكم الخبز، فلا تمدّوا أيديكم إلى موائدكم، ولا يهنأ لكم بال إلاذ بعد أن يكسر الفقير أوّلاً الخبز على موائدكم، وتذكّروا قول الربّ له المجد: “الحقّ أقول لكم ما فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي قد فعلتموه” (متى 40:25)


الشفـاء بـواسطـة المناولة المقدّسة

اعتاد القدّيس يوحنّا كرونشتادت أن يشفي الكثيرين بواسطة نعمة المناولة الإلهية:

فلقد تعرّض أحد معارف الأستاذ الجامعيّ المعروف سيمانوفسكي لداء السلّ الذي أثّر تأثيراً قويّاً على بلعومه إذ كانت الجراح تغطّي البلعوم كلّه ممّا أدّى إلى اختفاء الصوت كلّيّاً، وجعل الجميع يعتقدون بأنّ العليل سوف لا يحيا أكثر من عشرة أيّام. فما كان من الأهل إلاّ أن أبرقوا إلى الأب يوحنّا يلتمسون قدومه إليهم بأقصى سرعة إن أمكن، فوصل إليهم بعد خمسة أيّام. وما إن رأى حالة المريض حتّى بادرهم بسؤاله: “لماذا لم تعلموني بأنّ حالته خطيرة، لكنت أحضرت معي بعضاً من المناولة المقدّسة. ولمّا كان المريض في حالة النزع الأخير راح ينظر بتوسّل إلى الأب الذي استدار نحوه وقال: “أتؤمن أنّي أستطيع أن أساعدك بقوّة الله؟ فأبدى المريض الموافقة بحركة من رأسه. عندها نفخ الأب في فم المريض بشكل صليب ثلاث دفعات، ثمّ تطلّع إلى الطاولة الصغيرة قرب سرير المريض حيث كانت قد تكدّست أدوية مختلفة، وضربها بقوّة فوقعت بعض الزجاجات أرضاً وتكسّرت. ثم قال: “ارمِ هذه الزجاجات كلذها. إنّها لا تفيدك شيئاً. تعال إلى كرونستادت لأناولك القدسات الإلهيّة. إنّي أنتظرك”.

وعند المساء حضر الأستاذ سيمانوفسكي لعيادة المريض، ولمّا أُخبر بأنذه في صباح اليوم التالي سوف يقصدون كرونشتادت قال بأنذ المريض سوف يموت في الطريق. ولكن المريض كان يثق جدّاً بالقدّيس يوحنّا، فأصرّ على الذهاب إليه.

بقي هناك يومين حيث ناوله القدّيس الأسرار الإلهيّة. وعند عودته إلى البيت، ذُهل الأستاذ لأنّ الجراح كانت قد التأمت كلّها غير أنّ الصوت بقي ضعيفاً. فاعترف عندئذ سيمانفسكي أمام الجميع قائلاً: “إنّها ظاهرة غريبة. حقّاً إنّها معجزة”. وهكذا عاش المريض المحتضر بعدها خمساً وعشرين سنة أخرى.

عـدم الجـرأة

 

سافرت جنان لتتفقّد والدتها المريضة، وقد تركت في البيت ابنتها الكبرى ماريّا (14 سنة) ونادين (8 سنوات). أرادت ماريّا أن تعلّم أختها العمل في المنزل، فأوكلت إليها أن تمسح الغبار عن الأثاث. فرحت نادين بهذه المهمّة، وصارت تقوم بها بكلّ نشاط. ولكن، للأسف الشديد، وقع من يدها، أثناء عملها، إناء زجاجيّاً من الكريستال الثمين الذي تلقّته أمّها هديّة في يوم عيد ميلادها من صديقة لها عزيزة.

حزنت نادين جدّاً لما جرى، وبدأت تبكي. فجاءت ماريّا على صوت بكائها، وعرفت ما حدث، فلم تتكلّم البتّة، بل راحت، بكلّ هدوء، تلملم القطع المكسّرة.
وبعد أن هدأت نادين قليلاً، قالت لها: “سوف تأتي والدتنا غداً، ومن المؤكّد بأنّك سوف تخبرينها بما حدث”. لم تجب نادين شيئاً لأنّها كانت خائفة، وهي بالطبع خجولة جدّاً، ولا تملك الجرأة الكافية لتبوح بما عندها.
وفي اليوم التالي قدمت جنان، ولاحظت أنّ ابنتها نادين قد استقبلتها باضطراب، ولكنّها تجاهلت ذلك لتعلم السبب. وبعد وجبة الغداء، انفردت جنان بابنتها ماريّا وسألتها عن سبب اضطراب نادين، فأخبرتها ماريّا بكلّ ما حدث. أسفت جنان لفقدانها الإناء، ولكنّها طلبت من ماريّا أن تشجّع أختها على الإقرار، مؤكّدة لها بأنّ محبّتها لها تفوق كنوز الدنيا كلّها. وهكذا حاولت ماريّا تشجيع أختها، فوعدتها نادين بالتنفيذ.
مرّ أسبوع، ولم تنفّذ نادين ما وعدت به، وفي كلّ مرّة كانت تقول لأختها:
– تنقصني الشجاعة يا أختي.
– ولكن، لماذا يا نادين، فأنت فتاة في الثامنة من عمرك، ويجب أن تتعلّمي أن تقرّي بكلّ عمل سيّئ تقومين به، لأنّ هذا الأمر يجعلك مرتاحة الضمير، وينعم قلبك بالفرح والسلام.
– حسناً، سوف أحاول مرّة أخرى. أرجوك صلّي من أجلي.
وأيضاً، وأيضاً، لم تنجح نادين في محاولاتها. إلى أن كان ذات مساء، وقد جلست ماريّا تتحدّث معها، محاولة تشجيعها، فقالت لها:
– أتعرفين قصّة الفئران والقطّ؟
– كلا، وما هي.
– اسمعيها إذاً.
كان هرّ جميل أبيض اللون كبير الحجم يجول في البيت والحديقة يبحث عن الفئران ليأكلها، وبالفعل أكل فئراناً كثيرة حتّى اضطرّ الباقي إلى الاختفاء في جحورهم مدّة طويلة. جاعت الفئران، ولم تجرؤ على الخروج لكي تأكل.
وذات يوم، أراد الهرّ أن يقوم برحلة حول العالم، فانتهزت الفئران الفرصة، وخرجت تأكل وتجمع الكثير من الأطعمة في جحورها. وإذ اقترب الشهر أن ينتهي، عقدت الفئران مؤتمراً للبحث كيف يتدبّرون الأمر، وقد قرب قدوم حضرة الهرّ.
وبعد مناقشات طويلة قال أحد الفئران:
– الأمر سهل جدّاً، لقد وجدت حلاّ للمشكلة.
– وماهو، يا ترى، هذا الحلّ؟
– نعلّق جرساً في رقبة الهرّ، حتّى متى تحرّك نهرب منه.
– يا لها من فكرة صائبة، ويا لك من فأر ذكيّ حكيم وفهيم.
أصدر مؤتمر الفئران قراراً بالإجماع بضرورة تعليق جرس في رقبة الهرّ، وآخر في رقبة القطّة عروسه، وأنهى المؤتمر اجتماعه بتعيين لجنة لتنفّذ هذا القرار الجماعيّ المهمّ.
وفي اليوم التالي اجتمعت اللجنة التنفيذيّة، وبدأ يتساءل كلّ واحد منهم: من الذي سيقوم بتعليق الجرس؟ ولم يوجد من يجرؤ أن يحقّق عمليّاً ما أجمع عليه مؤتمر الفئران! وهكذا بسبب فقدهم الجرأة لم يحصلوا على الأمان وبقي قرارهم معلّقاً في الهواء. وأنت أيضاً، يا أختي، رغم أنّك قرّرت الإعتراف بخطئك، ولكن بسبب عدم جرأتك لم ينصلح الموقف، وبقي الأمان بعيداً عنك.
– ولكنّي، يا أختي، لست فأرة.
– وأنا أعلم ذلك أيضاً، وإنّما يجمعكم موقف واحد وهو عدم الجرأة وفقدان الأمان والراحة، ولقد رويت لك هذه القصّة لأريك كيف أنّ عدم الجرأة يعيق تحقيق الأعمال الحسنة، ويجعل الإنسان يشعر بالضعف والفشل، وينسى أنّ:

 

الطفل المسيحيّ جريء، لأنّ لأنّ الربّ يسوع قويّ في داخله.

وهكذا بعد وقفة صلاة، طلبت فيها نادين المعونة من الربّ يسوع اعترفت لأمّها بكلّ ما حدث. عند ذلك ضمّتها أمّها إلى صدرها، وهنّأتها على شجاعتها، فعاد الفرح والسلام يلمعان على وجه نادين من جديد.

 

 

شفاعة القدّيس جاورجيوس

عجزت نجوى عن إقناع ابنها مروان ذي العشر سنوات بالاهتمام بأموره الروحيّة رغم نصائحها المستمرّة حول ضرورة الصلاة والذهاب إلى القدّاس الإلهي، والتناول من الأسرار الإلهيّة إلى ما هنالك من أمور روحيّة ضروريّة لحياة كلّ إنسان في هذه الدنيا. ولكنّ مروان كان دائماً متهاوناً كسولاً يفضل اللّعب أو قراءة المجلات أو متابعة بعض المسلسلات التلفزيونيّة الشيّقة، بالنسبة إليه، أكثر من كلّ ما يتعلق بحياته الروحيّة.

وذات يوم، وأثناء تناول وجبة الغذاء مع والديه، سأل أمّه قائلاً:

– ماما، ما الاسم الذي أعطيتني إيّاه يوم معموديّتي؟

– إنّ لك اسماً، يا حبيبي، جميل جدّاً لقدّيس كبير وعظيم في الكنيسة، وهو القدّيس جاورجيوس الذي نعيّد له في 23 نيسان. ولكن، لماذا تسألني هذا السؤال؟

– لقد قالت لنا معلمّة التربية الدينيّة في المدرسة أنّه علينا أن نعرف اسم شفيعنا في المعموديّة لكي نصلّي له كلّ يوم مساء قبل أن ننام.

– جميل جدّاً. وأنت تملك، كما أذكر، مسبحة كنت قد اشتريتها من الدير أليس كذلك؟

– نعم.

– إذن، عليك أن تطلب شفاعة القدّيس جاورجيوس كلّ ليلة بتلاوة المسبحة.

– وماذا أقول فيها؟

– يا قدّيس الله جاورجيوس تشفّع فينا، وهو سوف يطلب من الله، بدوره، أن يحمينا ويباركنا، ويوفّقنا في أعمالنا.

ورغم كسل مروان ولامبالاته في الأمور الروحيّة، إلاّ أنّه كان يواظب يوميّاً على تلاوة هذه الصلاة. وذات ليلة وبينما كان نائماً، رأى حلماً أخذ يقصّه على والدته في صباح اليوم التالي، فقال:

“لقد رأيت وكأنّني موجود في حقل واسع جدّاً لا أستطيع وصف جماله، إذ كان مغطّى بأنواع الزهور والورود الرائعة، وفيما أنا أتمشّى فيه أتأمّل جماله، إذا بيد ضابط شابّ بهيّ يمسك بيدي وهو يقول: أتريد أن ترى الربّ يسوع؟ فقلت له بحماس: طبعاً، ولكن أين ومتى؟ فأجابني الجنديّ: الآن، إن أردت. فقلت له: ولكن من أنت يا سيّدي؟ فردّ قائلاً: أنا القدّيس جاورجيوس الذي تصلّي له كلّ ليلة.

وهكذا سرنا بين الورود الجميلة ذات الروائح العطرة إلى أن وصلنا إلى قصر كبير ذهبيّ يشع بنور وهّاج. فقال لي القدّيس: استعدّ، يا مروان، لأنّنا سوف ندخل، الآن، إلى هذا القصر حيث يجلس الربّ يسوع على عرش جميل جدّاً لكي نسجد له، ونشكره على عطاياه لنا. فقلت بفرح كبير: نعم، سوف أقبّل قدميه، وأشكره، وأسأل منه الصحة لوالديّ. فابتسم القدّيس ولم يجب. ثمّ أكملنا سيرنا إلى أن وصلنا إلى عتبة باب القصر، وفيما كنّا ندخل، إذا بصوت يقول: قف أيّها القدّيس جاورجيوس، لا تدع هذا الطفل يدخل معك. ادخل أنت وحدك. فخفت أنا كثيراً، ووقفت في مكاني جامداً لا أجسر على التقدّم خطوة، ورأيت، من بعيد، العرش الإلهيّ، ولكنّي لم أستطع أن أرى الربّ يسوع بوضوح.

تقدّم القدّيس إلى أن وصل إلى العرش، فقال له الربّ يسوع:

– نعم، أيّها القدّيس جاورجيوس، إنّي غير راضٍ عن مروان، فهو كسول لا يصلّي، ولا ينتبه إلى حياته الروحيّة، فكيف سأدعه يدخل لأباركه؟

– نعم، يا ربّ، ولكنّه طفل صغير.

– صحيح إنّه صغير، ولكنّ أمّه كانت دوماً تريد إرشاده وهو يرفض السماع لها، ويهمل كلّ حياته الروحيّة، ولذلك فهو غير مستحقّ للدخول ولا لينال بركتي.

– فركع، عندئذ، القدّيس على ركبتيه وهو يقول للربّ: سامحه يا ربّ، وأنا أتكفّل به، وأعدك بأنّه، منذ الآن، سوف يهتمّ بكلّ ما تريده منه. لا تنس، يا يسوع، أنّه في كلّ ليلة يصلّي لي. فمن أجل هذه الصلاة سامحه ودعه يدخل لينال بركتك ومحبّتك.

فابتسم الربّ يسوع لدى سماعه هذه الكلمات، وقال: من أجل محبّتك أنت لمروان سوف أصفح عنه، فدعه يدخل. ثم تقدّم منّي القدّيس، وأمسك بيدي حيث قادني إلى العرش، فنظر إليّ الربّ يسوع بكلّ محبّة وعطف، وباركني قائلاً: “من أجل شفاعة القدّيس جاورجيوس سوف أباركك، ولكن عدني بأن تصلح حياتك”. فبكيت وقلت: “نعم يا ربّ أعدك”. فاحتضنني، عندئذ، الربّ وقال لي: “أنا أحبّ الأطفال كثيراً، وكما أحبّهم أريد أن يحبّوني، وأن يهتمّوا بحياتهم الروحيّة، لكي تكون لي شركة متينة معهم”. وبعد ذلك استيقظت.

ما إن سمعت نجوى حلم ابنها، حتّى بكت بدورها، وقالت لمروان بحنان: “أرأيت، يا مروان، كم هو حلو الربّ يسوع”. فأجاب الصبيّ: “نعم، يا أمّي، إنّي أحسّ بمحبّته في قلبي، وأنا منذ اليوم سوف أعمل كلّ ما يرضيه.

– إذن، هلمّ بنا نركع أمام أيقونته لنشكره ونصلّي له.

 

تذكّر عطاياي

كان ﭙول دائم التذمّر، لا يرضيه شيء، ولا يرى شيئاً جميلاً في هذا العالم، ولذلك فهو حزين لا يعرف للسعادة طعماً، ولا يوجد شيء يبهجه مهما حاول أهله وأصدقاؤه أن يوفّروا له الفرح.

وذات يوم، ركب الباص، وكان حافلاً بالأولاد من كلّ الأعمار، فصدف أن جلس إلى جانب فيها فتاة جميلة يشعّ وجهها بالفرح والإشراق، ولا تفارقها الابتسامة، فقال في نفسه: “يا لها من فتاة جميلة مرحة، حتما إنّها تشعر بحبّ الأكثرين لها واهتمامهم بها، ومن المؤكّد أنّه لا ينقصها شيء؟ آه لو كنت مكانها، لما فارقت البشاشة وجهي.

وقف الباص، وإذا بالفتاة تنحني وتسحب عصا من تحت المقعد، ثمّ تمسك بها، وتستند عليها لتنزل، وعرف ﭙول أنّها مبتورة القدم!!! فراح يتأمّلها بصمت منذهلاً، وممّا زاد في انذهاله أنّه سمعها تقول وهي تنزل  من الباص: “أشكرك، يا ربّ، لأنّك أعطيتني قدماً واحدة لأسير بها حسبما تريد أنت”!!!

وفي المحطّة التالي، نزل ﭙول بدوره، وتوجّه إلى مكتبة صغيرة ليشتري بعض الأقلام والدفاتر اللاّزمة لدروسه. فوجد هناك صبيّاً صغيراً يبدو عليه المرح واللطف، فطلب منه ما يريد. وبعد قليل جاءه الصبيّ بما طلب وهو يقول في ابتسامة رقيقة:

– أرجو ألاّ أكون قد تأخّرت عليك.

– أرى أنّك صبيّ رقيق للغاية، وإنّي لسعيد جدّاً بالحديث معك، كم عمرك؟

– ثماني سنوات.

– إنّي أشكرك، لأنّك أحضرت لي قلماً أزرق اللّون، فاللّون الأزرق هو لوني المفضّل.

– فردّ الصبيّ بابتسامة عذبة: وأنا، بدوري، أشكرك، يا سيّدي، ولكنّني لم أقصد أن أحضر لك قلماً أزرق، لأنّي لا أرى، فأنا أعمى، ولذلك سألتك المعذرة أن كنت قد تأخّرت في تلبية طلبك. أنا أعمل ببطء كي لا تعثر قدمي بشيء، ولكنّي مع هذا، أحمد الربّ كثيراً، فهو قد وهبني صحّة تامّة، وأمّا ظلام عينيّ فقد تعوّدت عليه، وأستطيع أن أقوم بكلّ احتياجاتي بكلّ سهولة، فالربّ عوّضني عن النور الخارجيّ بنور داخليّ، فأمّي تردّد دائماً على مسمعيّ: الربّ يقول: “أنا نور الحياة”.

سار ﭙول في طريقه قد تعجّب من شكر ورضى هذا الصبيّ، وكيف أنّ أمّه تخفّف من مصيبته، وتشدّد إيمانه بالربّ.

وأثناء سيره، رأى طفلاً جميلاً جدّاً كان يقف بعيداً لا يلعب مع زملائه إنّما يكتفي بالتصفيق لهم، وعلامات الفرح والغبطة ترتسم على وجهه. فاقترب منه وسأله بتودّد:

– إنّي أدعى ﭙول، وأنت ما اسمك؟

– ماذا تقول؟

– فظنّ ﭙول أن ضجيج اللاّعبين منعه من أن يسمع سؤاله، فقال له بصوت مرتفع: أسألك ما اسمك، ولماذا لا تلعب مع زملائك؟ ألا تحبّ اللعب؟

– سامحني، لم أسمع ما تقوله، فأنا طفل أصمّ لا أسمع، ولكنّي أشكر الله، لأنّه منحني قدمين أسير بهما، وعينين أنظر بهما، وأمّا السمع، فلا يشكّل لديّ مشكلة إذ أستطيع التفاهم مع الآخرين بواسطة الكتابة. ثمّ ما لبث الطفل أن ابتسم، وهرول يركض بفرح وهو يلوّح بيده مودّعاً.

وقف ﭙول في مكانه جامداً، وهو يفكّر بهذه الرسائل الثلاث التي أرسلها إليه الله في ذلك اليوم. فعاد إلى منزله وهو يقول:

أشكرك يا ربّ، لأنّك وهبتني عينين أرى بهما جمال الطبيعة، وأمجد جلالك،

وأشكرك، لأنّك وهبتني قدمين أسير بهما إلى الكنيسة، وأخدم إخوتي،

وأشكرك، أيضاً، لأنّك وهبتني أذنين أسمع بهما التراتيل الكنسيّة وأسبِّحك.

وهكذا لم يعرف التذمّر طريقاً، منذ ذلك اليوم، إلى فم ﭙول، وتغيّرت حياته، وأخذ الفرح والانشراح يبدوان على وجهه.

الشكر جرس يدعو الله ليسكب خيراته علينا