كتاب خدمة الكهنة

كتاب خدمة الكهنة

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

من أهم الكتب التي تستخدم في العبادة في الكنيسة ما يسمى بكتاب خدمة الكهنة (ييراتيكون)، وهو موجود دائمًا على المذبح المقدس، بجانب الإنجيل المقدس، لأنه ضروري للكاهن الذي يقيم القداس الإلهي. من الييراتيكون أتى الأركييراتيكون (كتاب خدمة رؤساء الكهنة) الذي يخص الأساقفة، والدياكونيكون (كتاب خدمة الشمامسة) الذي يخص الشمامسة..

هناك العديد من طبعات كتاب خدمة الكهنة المتداولة اليوم. أذكر الطبعة الذي تُستخدم بشكل أساسي، والتي تحتوي كلّ ما يخص الكاهن من خِدِم الليل، أي صلاة الغروب ومنتصف الليل والسحرية والساعات، ترتيب السهرانية طوال الليل، بالإضافة إلى القداديس الإلهية الثلاثة، وهي قداس القديس يوحنا الذهبي الفم، وباسيليوس الكبير والسابق تقديسه، بالإضافة إلى العديد من الخِدَم والصلوات الأخرى لظروف مختلفة. كما أن هناك كتاب “مختصر خدمة الكهنة” يحتوي على صلاة الغروب، كسر الخبزات، منتصف الليل، السحرية، وليتورجيا القديس يوحنا الذهبي الفم والعديد من الطروبريات والقناديق

يحتل الكاهن مكانة عظيمة في القداس الإلهي، لأنه يطلب من الآب أن يرسل الروح القدس ويحوّل الخبز والخمر إلى جسد ودم المسيح، وأيضًا هو ينقل نعمة الله إلى الناس. الكاهن والأسقف هما حضور المسيح المحسوس، ولهذا يتنقلان بين الله والناس. من السمات المميزة أن يكتب القديس إبيفانيوس، أسقف قبرص، أن منصب رئيس الكاهن هو “خدمة تلد الآباء، والأب يلد الكنيسة”، أي أنه سدّة أب يلد لأنه يسيم الكهنة الذين يصبحون آباء الكنيسة. في حين أن الكاهن هو “أب غير قادر على الإنجاب، لأنه يلد الأطفال من جرن إعادة الولادة”، أي أن وظيفة الكاهن هي توليد الأطفال بالمعمودية وليس الآباء الآخرين، لأن الكاهن لا يسيم

وهذا يظهِر أيضًا الاختلاف بين الأساقفة والكهنة، حيث يرسم الأساقفة كهنةً يصبحون آباءً للشعب، بينما يلد الكهنة بالمعمودية أبناءً في الكنيسة. وهكذا ، في حين أن كتاب خدمة الكهنة يشمل كل الخِدَم التي يقوم بها الكاهن، بإذن الأسقف ومباركته، فإن كتاب خدمة رؤساء الكهنة يتضمن خدماً أخرى، مثل السيامة ووضع اليدين، وغيرها من الصلوات الخاصة

يعتبر كتابا خدمة الكهنة وخدمة رؤساء الكهنة كتابَين أساسيين للكهنة والأساقفة، لأنهما يحددان الترتيب الذي يجب أن تتبعه خدمة القداس الإلهي والخِدَم التي كتبها الآباء القديسون والتي أنشأتها الكنيسة. في الكنيسة، لا ينبغي أن تكون هناك صلاة خاصة، ولا ينبغي تطبيق التيبيكون (القواعد) بحسب ما ترغب به الجماعة. نحن نصلي معًا ونطيع الكنيسة

أمر مهم هو أن الكاهن والأسقف لا يجب ولا يستطيعان قراءة الخِدَم والصلوات آليًا أو بطريقة شكلية، بل لفهم محتواها، إذ يجب أن يستوعبوا أيضًا معنى السر ويتعاملوا معه باحترام. لأن ما يحدث على المذبح المقدس ليس مسرحاً بل صلاة وتوجّه نحو الله

الكهنة والأساقفة هم مثل موسى الذي صعد إلى جبل سيناء لمقابلة الكلمة ما قبل التجسد، مع الفرق أنهم يلتقون الكلمة المتجسد. الليتورجيا الإلهية هي العشاء السري، إنها صلاة المسيح في الجثسمانية عندما صلّى من أجل العالم كله، إنها الذبيحة على الجلجلة، إنها قيامة المسيح “والقبر مختوم”، إنها مجيء الروح القدس كما حدث في يوم الخمسين

Homily Three on the Sacred Liturgical Books of the Orthodox Church: “The Hieratikon” (Metr. Hierotheos of Nafpaktos) https://johnsanidopoulos.com/2020/08/homily-three-on-sacred-liturgical-books.html

عبودية الموت والعبادة

عبودية الموت والعبادة*

الأب أنطوان ملكي

الآن وكل أوانٍ وإلى دهر الداهرين“. هل حاول أحد منّا أن يحصي كم مرة نقول هذه العبارة يومياً؟ في صلوات النهوض من النوم وقبل الأكل وبعده وصلاة النوم، وإذا شاركنا في سحرية أو غروب أو قداس، قد يتخطّى عدد المرات الخمسين. ما أهمية هذه العبارة؟ لا بدّ أنّها مهمة حتّى أننا نكررها كل هذه المرات؟

الآنهو هذه اللحظة التي نحن فيها. “دهر الداهرينهو الإسخاتولوجيا، الزمان المرجو الذي نصبو إليه، هو الأبدية. إذاً، بهذه العبارة نحن نصِل الآن بالأبدية، نربطهما. هذا الوصل هو أحد أهمّ أهداف العبادة. إنه تقديس الزمن بوصله بالأبدية بوجود الإله الذي نقرّ ببعض صفاته في كل إعلان ينتهي بعبارة الآن وكل أوانٍ وإلى دهر الداهرين، ونثبّت ذلك ونؤكّد عليه بالردّ بآمين.

لكن طبيعتنا ساقطة، وأخطر مظاهر السقوط ونتائجه في آن واحد هو الموت. أكثر ما يزعج الموت هو العبادة لأنها ربط الحاضر بالأبدية. الإنسان الذي عينه على الأبدية، الإنسان المصلّي، لا يخيفه الموت. والذي لا يخاف الموت يغلبه. من هنا أن الموت يركّز على تقويض العبادة. وهذا يظهر في حياة غالبية الناس. فهم يصلّون، لكن ليس للإله الذي هو إله صالح ومحبّ للبشر، أو الذي يليق به كل مجد وإكرام وسجود، أو غيرها من الصفات التي نعلنها. إنهم يصلّون فقط من أجل الأمراض والتوفيق والصحة والمال والنجاح وغيره. بعبارة أخرى، موضوع الصلاة لم يعد غلبة الموت بغالب الموت بل التذاكي على الموت بالتهرّب من نتائجه. الأهمّ هو أن لا نمرض ولا نجوع ولا نتعب ولا نفقر حتى لا نموت. بتأثير الموت لم يعد التمجيد والعبادة الحقّة في رأس سلّم الأولويات.

يجمع أغلبية الآباء المعاصرين على أن أسوأ منتجات الحضارة هو تصويرها للحصول على اللذة على أنه سهل. طبعاً السعي وراء اللذة ليس سمة خاصة بعصرنا بل لطالما كان موجوداً كمسعى لتحدي الموت. لكن خبرة الكنيسة كما الخبرة البشرية بشكل عام، وهذا ما تؤكده العلوم الحديثة من علم نفس واجتماع وأنثربولوجيا، تثبت الخبرة أنّ السعي إلى اللذة لا يوصل إلى الفرح ولا إلى غلبة الموت وإذا أوصل إلى لذة فهي عابرة تطير بسرعة وتترك وراءها طعم الموت المر. أحد أهم وجوه سعي الإنسان إلى اللذة هو هذا الجشع على الحفلات وتنظيم المناسبات. فالأعياد صارت للحفلات والأعراس للحفلات وحتّى الجنانيز تتحوّل شيئاً فشيئاً إلى مناسبة للحفلات. والناس تتسابق إلى هذه الحفلات، فسهرة عيد الميلاد أهم من العيد وطبعاً من قداس العيد، وسهرة رأس السنة أهم من السنة كلها، وهلمّ جرّا.

وجد الموتُ في شهوة الاحتفالات وسيلةً جيدة لقتل العبادة التي يكرهها. فسلّط شهوته على المؤمنين الذين ضعفوا أمام إغرائه وظنّوا أنهم يغلبونه إذا أكثروا من السهرات والحفلات، حتّى على حساب الصلوات. ضعف الكهنة خوفاً من أن ينقص عدد الحضور في القداس، إذا تمّ في التوقيت الذي يحدده التقليد، والذي درجَت الكنيسة على الالتزام به، والذي تصفه الكتب الطقسية. بحجة التدبير صار كل كاهن يوقّت على هواه، وعلى هوى متطلبات عائلته والتزاماته الاجتماعية، كلّه إما بموافقة الأساقفة أو بقلة اهتمامهم. فصارت كل رعية لها تيبيكونها وتوقيتها، خاصةً في الأعياد. إنها عبادة الموت، ليتورجية الخوف من الموت. أن نخالف الآباء لنرضي أصحاب الحفلات وطالبي السُكْر، على انهم أبناؤنا. تخليّنا عن تقديس الزمن. الأوقات حددتها الكنيسة واختبرت تقديسها. التلاعب بأوقات الصلوات هو كالتلاعب بتركيبتها. ليس وجود الكاهن ولا المطران ولا حتّى البطريرك هو ما يجعل الخدمة تقديسية، بل إتمامها بحسب ما علّم الآباء في المكان والوقت والشكل المحددِين.

قد يخطر ببال البعض أن كاهننا متزمّت وأنّه ضيق الأفق لأنه لا يرضى بأن يغيّر أي توقيت. هذا هو التقليد. الكنيسة اختبرَت هذا التقليد لسنين طويلة ورأت أنه أنتج قديسين. التغيير الذي نشهده ماذا أنتج؟ الكثلكة غيّرَت حتّى تحوّلت إلى ما يطلبه المؤمنون، ماذا جَنَت؟

نحن نصلّي لنتقدّس. تذكّروا قول الرسول بولس: “إن لم يكن المسيح قد قام، فباطلة كرازتنا وباطل أيضا إيمانكم“. على المنوال نفسه، إن لم تكن الليتورجيا للقداسة فلماذا تكون؟ إن لم تكن الليتورجية للتقديس فهي باطلة ومعها يبطل إيماننا. إن مخالفة التقليد، كما عدم الدقة في إقامة الخدمة، تبطِل عمل الخدمة ووظيفتها، أي التقديس الجاري من خلالها. إن لم تكن الخدمة للتقديس فلماذا يقيمها الكاهن؟ لذا الالتزام بالدقة ليس تزمّتاً ولا تعصّباً بل سعياً إلى القداسة، قداسة الكاهن وقداسة شعبه.

فليعطِنا الرب القدرة على التشبّث بتقليد كنيسته في كل شيء، في الليتورجيا كما في العقيدة، كما في محبتنا له، له المجد إلى الأبد. آمين.

* عظة في الأحد 24 كانون الأول 2017

الاختزال في أنطاكية، إلى أين؟

الاختزال في أنطاكية، إلى أين؟

الأب أنطوان ملكي

مَن أخطأ في واحدة، أخطأ في الكلّ. هذا كلام للسيّد، ينطبق على الأهواء بعامّة، إنّما أكثر ما ينطبق على خطيئة الاختزال. مَن اختزل في واحدة يصير مستعداً للاختزال في الكلّ. هدف هذه السلسلة من المقالات الحديث عن اختزال الناس والمحبة، فهذا وصف يطول والكلّ يقع أو قابل للوقوع فيه، لكنّه قادر على التبرير والإسناد لدعم خيارات لا يرحم الزمن في إظهار خطئها. تبدأ السلسلة بمناقشة الاختزال في الطقوس تحديداً، وبلوغه حدّ الإلغاء في بعض الأمور، لتنتهي إلى ما هو أخطر. ففي التقليد الأرثوذكسي العبادة هي العصب الذي يخلق الجماعة. الطقوس، بحسب تعبير البطريرك اغناطيوس الرابع، هي معابر لنعمة الله المطهِّرة والمقدِّسة“. والكنيسة بتعبير البطريرك يوحنا العاشر تمنح بالأسرار نعمة الروح بعلامات محسوسة لتقديسهم وجعلهم أبناء حقيقيين لله بعبادة فريدة“.

إذاً، واضح من قول الرجلين الذين رأسا الكنيسة في الفترة الزمنية التي نعيشها أنهما يؤمنان بقدسية الطقوس وقدرتها على التقديس ونقل النعمة. فهل الأجزاء التي يتمّ اختزالها والاستغناء عنها هي إضافات أم أنها فقدت قدرتها على التقديس؟ وإذا كانت فقدت قدرتها على التقديس فلأن عندها طاقة نفدت أم لأن المتعاطين بها لم يعودوا يرون فيها قناة للقداسة؟ أم أنهم متكاسلون فلم يعودوا يستحقون القداسة؟

إن هذه السلسلة من المقالات تغطي الاختزال في المعمودية، من ثمّ في في الإكليل ومن بعده الجناز، انتهاءً إلى الاختزال في الشعب أو اختزال الشعب كنتيجة حتمية للاختزالات السابقة.

الاختزال في المعمودية

الاختزال في خدمتي الخطبة والإكليل

الاختزال في الجناز

اختزال الشعب

الاختزال في المعمودية

الاختزال في المعمودية

الأب أنطوان ملكي

قبل الشروع في الحديث عن الاختزال في خدمة المعمودية، لا بدّ من التوقّف عند الضغوط التي يخضع لها الكاهن أو لبعضها، عند كل معمودية.

1) تحوّل المعمودية إلى حدث اجتماعي بامتياز. قد تؤجّل المعمودية سنوات إلى أن تتوفّر مقوّمات الحفلة التي تتبع المعمودية، وقد يُصار إلى تعميد الإخوة معاً بهدف التوفير.

2) اختيار العرّابين أمر يخضع للاعتبارات العائلية والعلاقات الاجتماعية بالدرجة الأولى. بشكل خاص، يأتي الضغط على الكاهن في حال كانت الوالدة من عائلة غير أرثوذكسية. هذه ليست الحالة الوحيدة، فهناك أن هذا أو ذاك طلب الميرون، وغيرها أن هذا العراب أغنى من ذاك، وكل هذه الحالات من دون القبول بالحد الأدنى من القانون الكنسي.

3) الضغط الأكبر يأتي من أن هناك أديار أو كهنة آخرون مستعدّون لتعميد أبناء الرعايا التي يحاول كهنتها الحفاظ على الحد الأدنى من الترتيب. أغلب الكهنة يتراجعون عن هذا الحد الأدنى خوفاً من أن يبدوا في هيئة المتخلّي عن أبنائه. كثيرون من الكهنة يخشون سهولة تخلّي أبنائهم عن أمّهم الكنيسة وعن أبيهم الكاهن إن لم يسيروا بحسب رغباتهم.

4) طقوس المعمودية المستحدَثة، من تلبيس الذهب وفرش الثياب وتحكّم المصوّر بسير العملية. فالكاميرا تنزل إلى جرن المعمودية قبل الطفل فيما تلاقيه كاميرا أخرى في المنشفة. العرّابان إجمالاً مشغولان بتنفيذ أوامر المصوّر للتوصّل إلى الوضع الأفضل للصورة. وقد يصل الأمر بالمصوّر إلى الطلب من الكاهن التوقّف أو إعادة بعض اللقطاتالتي لم يتسنَّ له تصويرها كما يليق.

5) توقيت المعمودية يتحدد على ضوء ما يناسب المدعوّين أو توفّر المطعم، ويُعلَم الكاهن بالنتيجة، وعليه أن يدبّر الأمور بحيث تسير العملية كما خطط الأهل. الكنيسة جزء من الاحتفال، بل الجزء الأخير.

هذه بعض الحالات العامّة، وقد يكون هناك حالات خاصّة هنا وثمّة. البعض يصرّ على التعميد في البيت، أو في حديقة المنزل، أو على البحر. كل هذه هي مصادر ضغط على الكاهن تحوّل فرح دخول شخص إلى الكنيسة إلى وجعة رأس يرجو الكاهن أن تنتهي بأسرع ما يمكن.

هذا الاستعجال يؤدّي إلى اختزال أجزاء من المعمودية. يُحكى عن كاهن لا يقرأ الاستقسامات لأن الزمان تخطّاها. أغلب الكهنة لا يقرؤونها كاملة. استغرب أحد آباء الجبل المقدس أن الناس يستغربون انتشار الأمراض النفسية فيما المعمودية تجري من دون الاستقسامات. فهل هذه وضعها الآباء لأنهم كانوا يؤمنون بالخرافات؟ هل الصراع مع رؤساء هذا العالم انتهى؟

من ثمّ لا يبارك هذا الكاهن الماء بل يسكب في الجرن ماءً مقدّساً من عيد الظهور. ولا يبارك الزيت بل يسكب زيتاً تمّت مباركته في الأربعاء العظيم. ولا يقصّ الشعر لأن هذه كانت عادة تخطاها الزمن. ولا يناول بل يطلب جلب الولد إلى أول قداس بعد المعمودية. ماذا بقي من الخدمة عند هذا الأب المبارَك؟

إن درس شرح خدمة المعمودية يظهِر دور كل عبارة تُقال. قد يكون ضرورياً أن يبادر الكاهن إلى قراءة هذا الشرح في كل مرة يبادر فيها إلى تعميد أحد الأولاد. وعلى غرار ما تقوم به أغلب الأبرشيات من التهيئة للزواج، فقد يكون أكثر ضرورة أن تقيم دورات تهيئة للمعمودية تشمل الأهل والعرّابين. إن هذه التهيئة قد تلغي تلك، لكنها أكثر صعوبة ودونها مشاكل أكثر. وبما أن المجمع بادر إلى التغيير في القوانين فقد يكون من النافع أن يصدر قانون يحدد أن العرّابين هما الأم والأب دون سواهما، وهذا الأمر يمكن تبريره ولا يخالف التقليد بشيء.

الاختزال في خدمتي الخطبة والإكليل

الاختزال في خدمتي الخطبة والإكليل

الأب أنطوان ملكي

يفرد صاحب الغبطة دراسة كاملة لخدمتي الخطبة والإكليل. إن دراسة هذا الكتاب الصادر عن معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي في 2004، تجيب على الكثير من الأسئلة حول الاختزال، على افتراض أن أغلب الاختزال يصير عن قلة فهم وتقدير لكل جزء من أجزاء الصلاة.

لن نخوض في إلغاء صلاة الخطبة كما يحدث في الكثير من الكنائس اليوم، حيث أن هذه المناقشة بحاجة إلى أكثر من طرف وعلى مستوى رعائي عالٍ. التعليق الوحيد على إلغائها هو أن في الإلغاء، كما في الاختزال والاختصار، خروج على ما هو مشتَرك بين كل مكوّنات الكنيسة. أبسط أصول الأعمال التطبيقية يقول بأنه لو كان جميع الكهنة يتبعون ما بين يديهم من الكتب بدقة لما كان هناك أي فروقات في الخدمة ما بين أبرشية وأخرى وحتّى ما بين رعيتين متجاورتين.

أمّا خدمة الإكليل فالاختزال الذي طالها أقلّ بكثير من خدمة الجناز. الإفشين الافتتاحي ملغى، الإكتاني بعد الإنجيل والإفشين المرافق لها لا يقرءان. من جهة أخرى يضيف بعض الكهنة إلى الخدمة السؤال المنسوخ عن الكثلكة عمّا إذا كان كل من العروسين يريد الآخر. من حيث المبدأ، هذه الإضافة انحراف عن لاهوت سرّ الزواج في الكنيسة الأرثوذكسية، خاصةً إذا سبقته خطبة. فهذا السؤال بالأصل يسأله الكاهن قبل الإكليل، واليوم المفتَرَض أن مكاتبالزواج في المطرانيات سألته. فالشخص الآتي إلى الإكليل يعرف أنه آتٍ إلى إكليل وليس إلى قاضٍ. السؤال موجود عند الكاثوليك لأن الكثلكة تعتبر نفسها حاكمة على الدين والدنيا. نحن في تقليدنا، أن الزواج قد تمّ مدنياً عند القاضي قبل وصول العروسين إلى مباركة إكليلهما في الكنيسة. لهذا لا نجد في خدمتنا إلا طلب البركة. خدمة الإكليل لا تعلن العروسين زوجاً وزوجة، كما يجري في نهاية الإكليل الكاثوليكي. الكنيسة ليست قاضياً ولا تستطيع أن تكون.

إن العبادة هي إحدى صورة الوحدة الظاهرة. لهذا وبحسب الشرع الكنسي، يوجد في كل أبرشية كاهن مسؤول عن التأكّد من أن الخدم متناغمة خاصةً من حيث الشكل. في اليونان مثلاً، يأتي تعميم مكتوب من المطران يحدد أوقات ابتداء الصلاة. بهذا تسمع أجراس الكنائس المتجاورة تقرع مع بعضها جميعاً. أما عندنا فكل رعية تثبت توقيتها، وهذه تؤجّل وتلك تبكّر، وهذا الكاهن يزيح عيداً سيدياً وذاك يلغي السحرية أو جزءً منها. باختصار، الاستنساب في أنطاكية بلغ حدّ الفوضى.

مشكلة الاختزال الكبرى التي تطال الأكاليل هي في أوقات الإذن بالزواج. ورد في الدليل الرعائي إلى الأسرار الصادر عن المجمع الأنطاكي سنة 1996، المادة 133: “تجيز الكنيسة إتمام زواج في كل يوم على مدار السنة عدا الأيام التالية:

1- كل يوم أربعاء أو جمعة ﻷنها أيام صوم

2- ليلة كل أحد أي مساء كل سبت لأنها تهيئة ليوم الربّ

3- ليلة عيدَي الصليب في 14 أيلول وقطع رأس يوحنا المعمدان في 29 آب لأنهما يوما صوم

4- في صوم الميلاد من 20 كانون الأول وحتى عيد الظهور الإلهي

5- أيام الصوم الكبير مع أسبوع البياض وأسبوع التجديدات أي من أحد مرفع اللحم حتى أحد توما. ويجوز إتمام الزواج، لسبب صوابي، في اسبوع البياض بعد استئذان السلطة الروحية المختّصة

6- أيام صوم الرسل. ويجوز إتمام الزواج فيه لسبب صوابي، بعد استئذان السلطة الروحية المختّصة

7- أيام صوم السيدة.

تمنع الكنيسة إتمام الزواج في الأيام الواردة أعلاه، إمّا:

1- بسبب وقوعه في فترة صوم، والصوم يستدعي الخشوع والتقشّف والابتعاد عن مظاهر الفرح العالمي

2- بسبب وقوعه في فترة أعياد سيدية، تقتضي الدخول في الأفراح الخلاصية النابعة من هذه المواسم والمشاركة فيها دون أن يؤثّر عليها أي فرح عالمي آخر

3- بسبب وقوعه ليلة سبت، وليلة كل سبت هي تهيئة ليوم الربّ! واستعداد للإتحاد بجسد المسيح ودمه الكريمين.”

أما في الدليل الرعائي الصادر المجمع الأنطاكي في 2012، فقد تغيّرت فترات منع الزواج وصارت:

في 4- من 20 إلى 25 كانون الأول ضمناً ويوم بارامون الظهور الإلهي وعيد الظهور الإلهي استناداً إلى قرار المجمع، الدورة العادية، دير البلمند 13-10/21/ 1998. أي أن الزواج صار مسموحاً في الفترة بين العيدين، من دون أي تعليل.

أُضيف أحد العنصرة، وهو بالواقع ليس إضافة لأن أحد العنصرة هو غروب عيد الروح القدس أي عيد سيدي وبالتالي هذه الإضافة توضيحية لا غير.

التفسير الذي تمّ تداوله للسماح بالزواج بين عيدي الميلاد والظهور كما عدا البارامون، هو أن غالبية شبابنا مسافرون وتأتي فرصهم في تلك الفترة التي تضمّ أيضاً رأس السنة الميلادية. لم تثر أي ضجة مع أن عدداً من الكهنة لم يعتبر نفسه معنياً بالتغيير خاصةً أن التعليل لا يستند إلى أي منطق لاهوتي.

أما بيان المجمع الأنطاكي برئاسة غبطة البطريرك يوحنا العاشر في دورته العادية الثامنة من 3 وحتى 5 من تشرين الأول 2017، فقد أورد ما يلي: “واطلع الآباء على الدراسة المقدمة بشأن سر الزواج وأوقات إتمام هذا السر وشددوا على أهمية الرابط الزوجي وقدسيته كَسِرٍّ وكلُبنةٍ أولى وأساس في بناء العائلة المسيحية واتخذوا قراراً بالتشديد على التالي: أولاً: يُحتفل بالزواج في الكنيسة وليس في أماكن أخرى. ثانياً: تقام الخدمة وفقاً للمراسيم الليتورجية المحددة في كتاب الخدمة دون سواها. ثالثاً: تجيز الكنيسة إتمام سر الزواج في كل يوم على مدار السنة عدا الأيام التالية: يوم عيد الصليب في 14 أيلول، يوم عيد قطع رأس يوحنا المعمدان في 29 آب. من 20 إلى 25 كانون الأول ضمناً، يوم برامون الظهور الإلهي ويوم عيد الظهور الإلهي. من الأربعاء في أسبوع البياض (قبل الصوم الكبير) ولغاية السبت الجديد (بعد الفصح) ضمناً. يوم عيد العنصرة. أيام صوم السيدة من 1 إلى 15 آب (ضمناً)”.

إذاً اختزل المجمع 3 أيام من أسبوع البياض، صوم الرسل، ليلة عيدَي الصليب وقطع رأس يوحنا المعمدان، وكل أيام الأربعاء والجمعة والسبوت، وصار ممكناً إقامة الزواج فيها.

يذكر البيان أن المجمع استند إلى دراسة مقدّمة. كالعادة، لم تُنشَر هذه الدراسة، وهذا ما يحدّ من إمكانية التوسّع بالتعليق على هذا الاختزال، من دون أن يمنع طرح الأسئلة التالية:

ما هو السند اللاهوتي الممكن لهذا التغيير؟ لماذا لم تتوصل إليه أيٌ من الكنائس الأرثوذكسية الأخرى في العالم؟

في تعليم 1996 يُذكر 3 أسباب لمنع الزواج في يوم ما. فهل السماح بالزواج أيام الأربعاء والجمعة يعني أن هذه الأيام لم تعد أيام صوم؟ هل السماح بالزواج في صوم الرسل يعني الاستغناء عن هذا الصوم؟ هل السماح بالزواج يوم السبت يعني أنّه تمّ الاستغناء عن الاستعداد ليوم الربّ؟

تعليق

انعقد لقاء 1923 التاريخي في القسطنطينية حيث قاطعت بعض الكنائس وأنطاكية كانت من بين الحضور. تقدّم بطريرك القسطنطينية في حينه ملاتيوس ميتاكساكيس. كان البرنامج مثقلاً بالأمور الخلافية حتى أن بعض الدارسين يعتبرونه انقلاباً على التقليد. من أهم الأمور التي كانت مطروحة في اللقاء المذكور إعادة النظر بالأصوام، وتحديداً الاستغناء عن صوم الأربعاء والجمعة وصوم الرسل، إعادة النظر بالتقويم اليولياني، زواج الأساقفة، التخلّي عن القيافة الكهنوتية التقليدية كتقصير الشعر وحلق اللحى واللباس المدني وغيره. الكنائس التي حضرت تبنّت التقويم المعدّل، المتّبع حالياً لدينا، بحيث نعيد كل الأعياد بحسب التقويم الغريغوري الغربي المتّبع في كل العالم ما عدا الفصح الذي نعيّده على التقويم اليولياني. أرجئ البتّ بالقضايا الأخرى، لكن عملياً وعلى غرار التقويم اعتُمِد أغلبها من دون قرار أرثوذكسي جامع.

في التحضير للقاء كريت المهزلة أعيد طرح العديد من القضايا التي لم تُعتَمَد في 1923. من أهمّ الأمور التي لم تصمد حتّى انعقاد اللقاء: 1) إعادة النظر في أصوام الأربعاء والجمعة والرسل و2) التقويم الأرثوذكسي. موضوع إعادة النظر في الأصوام لاقى ممانعة قوية وأسقِط باكراً. أما موضوع التقويم فأسقِط لاحقاً وتبيّن أن الهمّ فيه لم يكن إعادة النظر بكل التقويم بل فقط بتعييد الفصح ومحاولة ملاقاة الكثلكة والأقباط في السعي إلى تاريخ موحّد للتعييد بالفصح. أنطاكية لم تذهب إلى كريت لأن موضوع توحيد العيد لم يعد وارداً (بيان المجمع الأنطاكي في 6 حزيران 2016)، وها هي اليوم بقرار المجمع الأخير حول مواعيد الأكاليل تلغي عملياً صوم الأربعاء والجمعة وصوم الرسل.

ينظر الكثير من الدارسين إلى لقاء 1923 على أنه محاولة للخروج عن الأرثوذكسية تأتي قضية التقويم التي شقّت العالم الأرثوذكسي كإحدى ظواهر هذه المحاولة. واليوم تقوم أنطاكية لوحدها بهذا الخروج.

الاختزال في خدمة الجناز

الاختزال في خدمة الجناز

الأب أنطوان ملكي

في كتاب مختصر الإفخولوجي الذي يحتوي على جميع الصلوات التي يحتاج إليها الكاهنومنه في أنطاكية نسختان قيد التداول. الأقدم هي من مراجعة الخوري نقولا خوري في القدس سنة 1934، والأخرى من مراجعة سرجيوس أسقف سلفكية في 1964. واضح أن الثانية هي اختصار للأولى. كعادة أغلب ما بين يدينا، ليس من دراسة حول سبب الاختصار سوى ما العبارة التي ترد في النسخة المختصرة نفسها إن العادة الآن لأجل السرعة والاختصار…” أنظر مثلاً ص. 198 حيث يرد أن العادة الآن لأجل السرعة والاختصار هي أن الكاهن يتلو المزمور 119 “طوباهم الذين بلا عيببكامله، وهو المزمور الأطول، على انفراد قبل الابتداء بصلاة الجناز إلى أن يجتمع الناس. وفي حين تلاوة صلاة الجناز يقتصر على ترتيل الاستيخونات الستة فقط الموضوعة هنا“. إذاً، العادة والاختصار اقتضتا أن لا يبقى من كل مزمور إلا ست استيخونات، وفي أيامنا هذه لم تعد تُقال جميعها ولا حتّى الطلبات التي ما بينها. إلى هذا، فإن صلاة الجناز في نسخة 1964 تبدأ بالمزمور الحادي والتسعين الساكن في عون العليوقد أُسقِط. من ثمّ تتبع الإفلوجيتاريا مبارك أنت يا رب، فطلبة، فثلاث طروباريات غالباً ما يقرأها اليوم الكاهن الكاثوليكي المشارك، من ثم المزمور الخمسون الذي حُذِف فقانون على كل قطعة منه يُقال «أرِح يا رب نفس عبدك هذا الراقد»يتضمن كاثسماتات حُذِفَت، ولم يبقَ منه إلا أرموس وطلبة ومن ثم قنداق وطلبة من دون البيت. من ثم إرموس تمّ حذفه تتبعه طلبة فالدمشقيات، أي القطع التسع التي لا يوجد ما يضاهيها روعة في وصف سر الموت، والتي أُسقِطَت من الخدمة وبقيت مرتلة لمحبي الترتيل البيزنطي حيث أن متري المرّ أبدع في ضبطها وجوقة أبرشية طرابلس أبدعت في أدائها على أحد أقراصها المدمّجة. هذه الدمشقيات صار أهل الفقيديختارون منها ما يريدون سماعه على الآن في المكارزمي الذي اختُصرَت قطعه ولم يبقَ منها إلا الاستيخونات. الرسالة والإنجيل يتبعان المكارزمي، وهنا يسقط السرعة والاختصار حيث قد تمتدّ قراءة الرسالة إلى خمس دقائق ومثلها الإنجيل تتبعهما عظة قد تتخطّى العشر دقائق خاصةً إذا بدأت بالتحية لأصحاب المناصب وممثلي الرؤساء الذي يضّيقون الكنيسة بكراسيهم المفروضة في الصفوف الأولى حتّى ليظن الغريب أن ما يجري هو حفل تكريم لهم لا صلاة من أجل الراقد. من ثم يعود الاختصار فيُحذَف أربعة عشرة طروبارية قد تتفتّق القريحة البشرية عن ما يشبهها في تفصيل سرّ الموت وشرحه وربطه بالحياة الحالية وبالقيامة الآتية وليس من السهل إيجاد ما يوازيها من الكلام المعزّي في أفئدة الناس. من بعد هذا تأتي صلاة الحل فتريصاجيون فالختم. طبعاً هذا التريصاجيون الأخير تمّ حذفه.

تنتشر اليوم بين يدي الكهنة نسخة هي اختصار الاختصار لعدد من الخدم صادرة عن أبرشية بيروت، كما بين يدي كهنة طرابلس والكورة نسخة للجناز جمعها الإيكونوموس جبران اللاطي عن طريق قطع صور من مختصر الإفخولوجي ولصقها. هذه النسخة تعطينا فكرة من الناحية الإحصائية، ففيما خدمة الجناز في كتاب مختصر الإفخولوجي لعام 1964 هي في 43 صفحة، أمّا نسخة اللاطي فهي في 18 صفحة، إذا أسقطنا منها صفحة المزمور الخمسين الذي يرتّل على الطريق لا في الكنيسة، وأنه كرر الطلبة لا الإشارة إليها مقتطعاً صفحة كاملة لكل مرة وأبقى على طروباريات المكارزمي، كما أفرد صفحة كاملة لصلاة الحل، لا يبقى في هذه النسخة إلا 12 صفحة. بغض النظر عن حجم الصفحات وقول علم المطبوعات، فإنّنا نحكي عملياً على ربع الخدمة.

لا يوجد في اللغة العربية أي دراسة تشرح خدمة الجناز، ولا أي دراسة تشرح مراحل زمّه“. مبرر الاختزال الوحيد هو السرعة والاختصار“. أليس معيباً الكلام عن السرعة والاختصار في خدمة الجناز فيما معدل حضور التلفزيون عالمياً لمَن أعمارهم بين 33 و59 هو 33 ساعة في الأسبوع أي ما يزيد عن 4 ساعات في اليوم؟ أليس معيباً أن يكون السرعة والاختصار سبباً لاختصار خدمة الجناز إلى ما دون العشرين دقيقة فيما لا تقلّ عدد ساعات تقبّل التعازي، رسمياً، لأي فقيد عن 32 ساعة؟

طبعاً، ليس إيراد هذه الأرقام أن تكون هدفاً بذاتها. أن تكون ساعات تقبّل التعازي غير خاضعة للاختزال فيما فقط الصلاة خاضعة، معناه المباشر أننا لم نعد نؤمن بأن العزاء الفعلي يأتي من الله بل من الناس والتفافهم وتعاضدهم. أن تقبل الكنيسة بذلك معناه أنه ترضى أن تتحوّل مكتباً للتجنيز قد يأتي يوم يحدد فيه أهل الفقيد ماذا يريدون من الصلوات، كما يحددون اليوم مَن يريدون من الكهنة وعدد باقات الزهر وساعات تقبّل التعازي. أن يقبل الإكليروس هذا الكلام معناه أنه استقال من دور نقل وجه المسيح المسيح إلى الناس وصار منخرطاً في تقديم إلى كل واحد المسيح الذي يناسبه. وصل الأمر ببعض الآباء أن تتحوّل أبوّتهم إلى شرطي سير يقول للناس اجلسوا أو قفوا في خدمة الجناز، طبعاً من دون أن يشمل الأمر أهل الميت الذين يعطيهم حزنهم الحق في عدم الوقوف عند قراءة الإنجيل. لماذا ننمّي الجوقات إن لم تكن لترتّل الدمشقيات في الجنانيز فتحمل فكر الدمشقي إلى قلوب الناس وأولهم أهل الفقيد؟ فبدل أن ينشغلوا في حزنهم وحرمانهم من فقيدهم، أو في اهتمامهم بأن لا يقصّروا مع أحد من الحضور وفي حجم الحضور في جنازهم الذي فاق جناز جارهم، أو في عدد المطارنة والكهنة المنتصبين في الباب الملوكي وحوله، الراكضين إلى التعزية في الكنيسة فيما الشعب يعزّي خارجاً، لأن وقت الإكليروس أثمن وقت الشعب. وبدل أن ينشغل أهل الفقيد بالكلمة التي سوف يلقيها ممثلهم داخل الكنيسة بمخالفة صريحة لكل القوانين الكنسية وحتّى للأعراف الاجتماعية، فإن طروباريات وداع الميت تحمله، وتحمل أهله ومحبيه وكل الذين لبّوا الواجببالحضور إلى الجناز، إلى باب السماء وتضعه بين يدي ملاكه الحارس وتصالحه مع الكثير من الرؤى التي كان خاصمها في حياته.

هذا الاختزال إلى أين؟ إنه اختزال للفكر واللاهوت والدور والرسالة، ولا بدّ في النهاية أن ينعكس اختزالاً للبشر، فيصير التعاطي مع الراقدين على أنهم حالات عابرة وأهلهم زبائن عابرين. هنا العثرة. مطلوب أن تعيد الكنيسة، طبعاً المقصود هنا هو الإدارة الكنسية، ترتيب أمر الاختزال حتى لا نصل إلى ما هو أسوأ.

لمَ ينبغي أن لا تكون القراءة في الكنيسة عاطفية؟

لمَ ينبغي أن لا تكون القراءة في الكنيسة عاطفية؟

الأب أندريه شيزانكو

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

نتذكر كلمات الكاتب المسرحي الروسي ألكسندر سرغيفيتش غريبويادوف (1795-1829)،في مسرحية <الويل من العقل>: “لا تدندن مثل القندلفت. اقرأ بتفكير! بإحساس! بتشديد صحيح!”. ولعدة قرون، أثار هذا القول المشهور تهكّم المثقفين الروس من القراءة الكنيسة أو أقله حرّك ابتسامتهم الساخرة. ومع ذلك، إنها سخرية غير عادلة وتتعارض مع قواعد القراءة الكنسية القديمة التي تعود إلى ألفي سنة. فالناس الذين يطلبون عاطفة من القندلفت يظهرون جهلَهم للحياة الليتورجية ومبادئ قراءة نصوصها.

الأنماط (Genres) مهمة جداً في الفن ولا ينبغي الخلط بينها. بتعبير أكثر بساطة، النمط هو أسلوب معين في تأليف عمل ما وهو يتميز بهدف معين وبالوسائل لتحقيق هذا الهدف. في الفن، هناك دائماً ثلاثة أهداف (بمعنى بدائي جداً): جعل الناس يضحكون، إخافتهم، أو جعلهم يبكون. وفقاً لهذه المبادئ، يتمّ اختيار العواطف التعبيرية الفنية لتحقيق هذه الأهداف. جنباً إلى جنب مع موهبة المؤلف وذكائه وجهده، هذه جميعها تشكّل العمل الفنيّ، وتتألّف في نمط أو في آخر. وهذا ينطبق على فن الخطاب أيضاً.

يختلف الأمر تماماً في القراءة الكنيسة. لا تحاول الكنيسة جعل الناس يضحكون أو يبكون، ولا تريد تخويفهم. هدف الكنيسة هو تسهيل الطريق إلى الله قدر الإمكان: “كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ أقْوَالِ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ، اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً.كُلُّ وَادٍ يَمْتَلِئُ، وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَتَصِيرُ الْمُعْوَجَّاتُ مُسْتَقِيمَةً، وَالشِّعَابُ طُرُقًا سَهْلَةً، وَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خَلاَصَ اللهِ».” (لوقا 4:3-6).

لهذا السبب يجب التعبير عن كلمة الله بنقاء الصوت ووضوح التعبير والنطق بكل مقطع. لا ينبغي بالقارئ في الكنيسة أن يفرض عواطفه الشخصية على المصلّين. يُتوَقَّع من القارئ أن يصير مجرد طبلة ومرنّم يؤدّي الألحان الإلهية. أيّ مسرحة في الكنيسة، سواء كانت في القراءة أو في الترتيل، تضرب آذان الناس وتصرفنا عن الأمر الرئيسي الذي هو الإصغاء بتواضع وإخلاص لكلمة الله. إن مَن سوف يجعل السرّ يعمل في النفس البشرية، ويطهّر قلوبنا، هو كلمة الله وليس نحن.

في خلال فترة العهد القديم، تمّ تطوير شكل وسطي بين القراءة والإنشاد في ممارسة العبادة اليهودية. الاسم الأكاديمي لهذا الشكل هو طعميم” (“cantillation” باللاتينية ومعناه <أنا أنشد بصوت منخفض، بصوت ضعيف>). سبب إنشاء هذا الشكل هو ما ذكرناه أعلاه. ميخائيل نيكولايفيتش سكاباللانوفيتش (1871-1931)، وهو أستاذ في أكاديمية كييف اللاهوتية، وكاتب شرح التيبيكون، يذكر في كتابه هذا حول الطعميم“: “تمّ إدخال الطعميم إلى المعابد (synagogues)، وهو بين القراءة والترتيل حيث يكون الصوت منخفضاً ويتمّ إطالة بعض المقاطع اللفظية“. هذه الخبرة العملية للكنيسة حققت بعض التجانس بمعنى التوافق بين الوضوح، صفاء الصوت، اللاعاطفية، وسحر الأذن. وما تزال الكنيسة تستعمل هذا الشكل من الخدمة [في ترتيل المزامير خاصةً، كما أن هذا النمط معروف كثيراً في جبل أثوس والأديار اليونانية – المترجم].

طبعاً، هذا لا يلغي ضرورة أن يكمّل القارئ نفسه ويطوّر مهاراته. أولاً، عليه أن يسلك شخصياً في حياة التقوى المسيحية ويتعاطى مع النصوص المقدسة بمحبة وتوقير. ثانياً، عليه أن يعمّق بشكل مستمر ثقافته في الليتورجيا وتاريخ الكنيسة لأن في كتاب المزامير وغيره وفرة من هذه الحقائق. ثالثاً، على القارئ أن يدرس اللغة بدأب حتّى يفهم ما يقرأ [هنا يتحدّث النص الأصلي عن اللغة السلافونية لكن فعلياً هذا ينطبق على كل اللغات بما فيها العربية، حيث أن عدداً من الأخطاء اللغوية التي تُسمَع في كنائسنا تدلّ على عدم فهم النص بقدر ما تدلّ على ضعف في الصرف والنحوالمترجم]. رابعاً، يُنصَح القارئ ببعض التمارين للسانه وعضلات وجهه وفمه قبل الخدمة حتّى يأتي صوته واضحاً وكلماته مفصّلة وسهلة على الفهم.

وبشكل طبيعي، من الضروري احترام القانون الذهبي في ما يتعلّق بسرعة الخدمة، وهذا يتوقّف بشكل كبير على الكاهن والشماس والمرتل الأول والجوقة. من جهة، لا ينبغي بنا أن نقرأ أو نرتّل ببطء أو بشكل ممل، حتى لا تصير الخدمة باهتة وثقيلة على جماعة المؤمنين، ومن جهة أخرى، ينبغي أن ننتبه ألا نقوم بها بعجلة، فتختلط الكلمات والترتيل في طنين رتيب من الأصوات لا يمكن فهمه.

كل قارئ، مرتّل في جوقة، قائد جوقة، مرتل متقدّم، شماس أو كاهن، عليه أن يعيش وفقاً لكلام الصلاة نفسه. عليه أن يسلك في حياة روحية كيما سهام الصلاة التي تُسدّد من قلبه تصل إلى قلوب كل واحد من الآخرين. من المهم عدم إيصال عواطفنا إلى الآخرين، بل بمعونة الله اكتشاف حياة هذه الكلمات المقدسة في دواخلنا، وهي كلمات توحّد الإنسان مع الله بشكل سريّ في النفس البشرية.

الذكرانيَّات المقدَّسة

الذكرانيَّات المقدَّسة

مداخلة للمغبوط الذِّكر الأستاذ يوحنا فوندولّيس

موضوعُ هذه المداخلةِ هو الذكرانيَّاتُ المقدَّسة، أي الطلباتِ التي ترفعُها الكنيسةُ المقدَّسةُ من أجلِ إخوتِنا الراقدين، و هي تنقسمُ إلى جزئين. في الجزءِ الأوَّل، نحاولُ أن نعطيَ صورةً تاريخيةً عن الموضوع، أي سنرجعُ إلى التقليدِ حولَ الذكرانيَّاتِ و كذلك ممارسةِ الكنيسةِ منذُ البداية، إلى أن صارَ الترتيبُ الليتورجيُّ جامداً. هذه التطرُّقُ الى التاريخ، حتَّى في هذه الحالة، و في أيِّ موضوعٍ عباديٍّ أخر، لا يصيرُ لأسباب فضوليَّةٍ تاريخيَّة، بل سببٍ جوهريٍّ و أساسيّ. هكذا، نحمي شرعيَّةَ ممارساتِنا الليتورجيَّةِ و بالتالي الطلباتِ من أجلِ الراقدين، التي تُتمِّمُها الكنيسةُ من أجلِ راحةِ نفوسِهم و تعزيةِ الاحياء. هكذا تُفكِّرُ الكنيسةُ الأرثوذكسيَّةُ التقليديَّة، و تتكلَّمُ في اللاهوتِ و تعمل. يُبرِّرُ التقليدُ ممارستَنا الحاليَّةَ و يؤكِدُ صحَّتَها. نحنُ لا نُجدِّدُ بل نتَّبعُ الترتيبَ الذي تسلَّمناه من ربِّنا يسوعَ المسيح، و الرسلِ القدِّيسينَ و آباءِ الكنيسة. فالبتقليد، نَثبُتُ بتواضعٍ و ثقة، و باسمِه نُتابعُ الحياةَ الروحيَّةَ و العباديَّةَ في أحضانِ الكنيسة مُستدعينَ رحمةَ الله, مؤمنينَ أنَّ مراحمَه ستغلبُ كثرةَ خطايانا. نقولُ هذا بدالَّةٍ في أفاشينِ إحناءِ الركبِ في غروبِ العنصرة، التي هي في الأساسِ صلواتٌ للراقدين:” قابِل مآثمَنا برأفتِك، و تغاضَ عن كثرةِ زلاَّتِنا بلجَّةِ تحنُناتِك” (الإفشين الأول).

في الأسئلةِ التي يطرحُها المؤمنونَ وغيرُ المؤمنين عن الأهمِّيَّةِ و الفائدةِ من الطلباتِ التي يرفعُها الأحياءُ من اجلِ راحةِ نفوسِ الراقدين، طالما أنَّه ليس من توبةٍ في الجحيم، سنجيبُ نحن بأنَّ هذا ما درجت عليه الكنيسةُ منذُ العصورِ الأُولى. هذه السذاجةُ ظاهريًّا هكذا تسلَّمنا، تُشيرُ الى ثقتِنا الكلِّيَّةِ و رجائِنا الثابتِ و الحيِّ برحمةِ الله، كذا التأكيدُ على أنَّ ممارسةَ الكنيسة، التي تُعبِّر عن إيمانِها و حقيقةِ كشفِ الله ِفي يسوعَ المسيحِ للعالم، تُشكِّلُ لنا كلِّنا الضمانةَ أنَّ صلواتِنا تصيرُ وفقَ مشيئةِ الله و هي مفيدةٌ لنفوسِ المنتقلين. بأيَّةِ طريقةٍ سيصيرُ هذا الأمر، سندَعِ الأمرَ لعمقِ محبَّةِ الله. هذا هو جوابُنا تقريباً على الموضوع، الذي يتعلَّقُ بالذكرانيَّاِت من وجهةِ نظرٍ ليتورجيَّة. كيف يُواجَه الموضوع نظريًّا، على أساسِ تعليمِ الكنيسةِ عن الأخرويَّات، و الحياةِ بعدَ الموتِ و القيامةِ و شركةِ القدِّيسين، هذه مواضيعُ تمَّ تحليلُها في مداخلاتٍ نظريَّةٍ سابقة. و لكنَّنا سنبقى في الإطارِ التاريخيِّ – الليتورجيِّ فقط.

لقد حدَّدتِ الكنيسةُ، مباشرةً منذُ البدء صلواتٍ خاصَّةً من أجلِ راحةِ نفوسِ آبائنا و إخوتِنا الراقدين. هذا يشكِّلُ نتيجةَ الإيمانِ و تعليمَه أنَّ المؤمنينَ الراقدينَ يعيشون، حتَّى بعدَ الموتِ، في االمسيحِ و أن شركةَ الإيمانِ و المحبَّةِ بينَ الأحياءِ و الأمواتِ لا تنقطع، يعبَّرُ عنها بالصلواتِ المتبادلة. يطلبُ الأحياءُ من أجلِ الموتى و الموتى من أجلِ الأحياءِ، بالطبعِ القديسونَ، الذين لهم داَّلةٌ عندَ الله. هكذا تتحدَّدُ الصلواتُ و الخدمُ من أجلِ الراقدينَ في ذكراهم ، أي الذكرانيَّات. بهذه الطريقة تُتابعُ الكنيسةُ التقليدَ و الممارسةَ العمليَّة، أي العاداتِ في الخدمِ الخاصَّةِ بالأموات التي كانت موجودةً في زمنِ مجيء المسيحِ بالجسدِ و إنشاءِ الكنيسةِ و انتشارِها. و بعدَ امتدادِ حضورِها، أعطتِ الكنيسةُ لبعضِ الاعتقاداتٍ معنًى جديداً و تابعَت فيها.

توجدُ في العهدِ القديمِ شهاداتٌ عن الممارسةِ اليهوديةِ قبل المسيح. ففي طوبيا 4، 17 يوجدُ التعليمُ التاليضع خبزَكَ عندَ قبرِ الأبرار، و هذا يُشيرُ إلى إقامةِ مائدةٍ عندَ القبورِ أو تقدماتِ رحمةٍ للفقراء، و هذا بكلِّ وضوحٍ من اجلِ ذكرى المنتقلين. و قد أرسلَ يهوذا المكابيُّ إلى هيكلِ أورَشليم كلَّ ما هو مطلوبٌ لكي تتِّمَ الذبيحةُ من أجلِ الذين سقوط في الحرب . فالقرابةُ مع الممارسةِ المسيحيةِ اللاحقةِ واضحة.

كان عابدو الأوثان أيضاً، يقدِّمونَ ضحايا و تقدماتٍ من أجل الموتى. من عهدِ هوميروس، كانت موائدُ الرحمةِ بعدَ الدفنِ معروفةً، و الكلُّ كانَ يعتقدُ بأنَّ الميتَ يُشاركُ الجالسينَ الطعام. هذه الموائدُ كانت أيضاً تُقام بترتيبٍ في أيَّامٍ محدَّدةٍ بعدَ الدفنِ و في اليومِ الثالثِ وفي التاسعِ و الثلاثينَ و في كلِّ سنةٍ يومَ ميلادِ الميت. القرابةُ هنا مع الممارسةِ المسيحيَّةِ أكثرُ وضوحاً.

لقد تابعَ المسيحيُّونَ ما ذُكرَ أعلاه بطريقةٍ مزدوجة الإحسانَ من اجلِ المنتقلين، كتعبيرٍ عن المحبَّةِ تُجاههم و تجاهَ الذين يصلُّونَ من أجلِهم، و الصلوات. و كما وردَ في الاوامرِ الرسوليَّة ( أواخر القرن الرابع) يتوجَّبُ أن تُقدمَ حسناتٌ للفقراءِ من ممتلكاتِالميت و من أجلِ ذكراه“.و يحثُّ على ذلك الذهبيُّ الفم، و إيرونموس، و ترتليانوس، أثناسيوس المنحول و آباءٌ آخرونَ و كتَّاب كنسيُّون. و لكن بالمقابل كانت تُقامُ موئدُ عندَ قبورِ الموتى أو حسنات ، و هذه ما زالت حتَّى يومِنا هذا و لكنَّها مختلفةٌ بينَ منطقةٍ و أُخرى. و المائدةُ التي تُقام من أجلِ راحةِ نفسِ الراقدِ ليست منفصلةً عن عملِ الرحمة، لأنَّ الجميعَ يشتركُ فيها، ليس فقط الأهلُ الأقاربُ و أصدقاءُ الراقد بل الكهنةُ و الفقراءُ و الغرباء. جديرٌ بالذكرِ هو المعنى الروحيُّ، الذي تُعطيهِ التعاليمُ الرسوليَّة، للذين يشاركونَ في هذه الموائد: كعملِ صلاةِ و شفاعةِ الأحياءِ من أجلِ الراقدين، بما أنَّكم مدعوُّونَ إلى ذكراهم، فكُلوا بترتيبٍ، و خوفِ الله، ذلك أنَّكم قادرونَ أن تتشفَّعوا من أجل المنتقلين” (الأوامر الرسوليَّة)

و على أيِّ حال، يوجدُ في الأوامر الرسوليَّة، لا فقط صلواتٌ و طلباتٌ من أجلِ إخوتِنا الراقدين في المسيح، و التي هي في الأساسِ حاويةٌ أيضاً الطلباتِ المستخدمةَ في الأفاشينِ المألوفةِ عندَنا و أغفر له كلَّ خطيئةٍ فعلَها طوعياً أو كرهياً و …. رتِّبه في بلدةِ الأتقياء، و أسكنه في أحضانِ إبراهيم, و إسحاقَ و يعقوبحيثُ لا وجعَ ولا حزنَ و لا تنهُّدبل أيضاً شهاداتٌ على أنَّ الذكرانيَّات، التي تُقام في اليومِ الثالثِ و التاسعِ و الأربعينَ و السنة، قد حدَّدّها الرسلُ القدِّيسون. و قد أُعطيَ تبريرٌ لاهوتيٌّ و كتابيٌّ لكلِّ يومٍ من هذه الأيَّام: ” تمِّموا ذكرانيَّةً في اليومِ الثالث، بالمزاميرِ و القراءاتِ و الصلواتِ للقائمِ من بينِ الأمواتِ في اليومِ الثالث، و في التاسعِ من أجلِ تذكُّرِ الراقدين و اليومِ الأربعين بحسبِ العادةِ القديمة، لأنَّ موسى هكذا امرَ الشعب,و تذكاراً سنوياً من اجلِ تذكارهِ“. و قد قُدِّمت شروحاتٌ لاهوتيِّةٌ مماثلةٌ واستشهادٌ بالعهدِ القديمِ أو المعنى اللاهوتيِّ للأرقامِ و خاصَّةً في حياةِ السيدِ و ظهوراتِهِ بعدَ القيامة، و ذلك لتبريرِ اختيارِ أيَّامِ تتميمِ الذكرانيَّات: الثالوثُ القدُّوس، دفنُ السِّيد لثلاثةِ أيَّام(الثالث)، الطغماتُ الملائكيَّةُ التسعة، أو العددُ المقدَّس 3*3 أو ظهورُ السيِّد في اليومِ الثامنِ بعدَ يومِ القيامة (التاسع)، و صعودُه إلى السماءِ بعد أربعينَ يوماً من القيامةِ (الأربعين). يوردُ القدِّيسُ سمعانُ التسالونيكيُّ تفاسيرَ أُخرى كانت منتشرةً في عصرِه، كانت تُقابلُ أيَّامَ الذكرانيَّاتِ بمراحلِ الحملِ بالجنينَ و تشكُّلِهِ من جهة، و انحلالِ الجسدِ الطبيعيِّ بعدَ الدفنِ من جهةٍ ثانية. كانت هذه التفاسيرُ تستندُ إلى العلومِ الطبِّيَّةِ في ذلك العصر، و لم يتبنَّاها القدِّيسُ سمعان، الذي بكلِّ استقامة فضَّلأن يفهم كل شيء روحياً و إلهياً، ولا يفسِّرُ ما يختصُّ بالكنيسةِ على أساسِ الأحاسيس“. على كلِّ حال، المهمُّ هو أنَّ الكنيسةَ حافظة على أخلاقِ ما قبل المسيحيَّة، و التي لم تتعارض مع تعليمِها، و قد أسبغت عليها معنى مسيحياً جديداً و عدَّلت بعضا منها لأسبابٍ لاهوتيَّة. هكذا عملت عندما بدَّلت الثلاثينَ يوماً إلى أربعين، و الواضحُ أن ذلك جاءَ بسببِ التأثيرِ اليهوديِّ و ليتناسبَ مع صعودِ السيِّد. و هكذا تتمَّمُ الذكرانيَّاتُ السنويَّة، و ليس ذكرى بلا معنى كالتي تُقامُ في يوم ميلادِ الناس، بل في يومِ الولادةِ بالمسيحِ والرقادِ والولوجِ إلى الحياةِ الحقيقيَّة، أي في يومِ رقاد،المؤمنين،يومِ ميلادهمترتيبٌ حكيمٌ جداً.

نتعلَّمُ من مختلفِ تبيكوناتِ الأديارِ المحفوظةِ تقاليدَ خدمِ الجنَّاز، و التي تحفظُها الأديارُ و الكنائسُ التي في العالم. تصير كلَّ يوم على مدى أربعينَ يوماً، في خدمِ الغروبِ و السحر، طلبةٌ خاصةٌ من أجلِ الراقدِ و تُقدَّمُ من أجل راحةِ نفسهِ الذبيحةُ غير الدموية. يتطرَّقُ الأباء، بشكلٍ خاصٍّ إلى أهمية إقامة القداس الإلهيِّ من أجل المنتقل، و أهميةِ ذكرهِ فيه و الاستفادة منه، و من بينِ هؤلاءِ الأباءِ القديس كيرلُلس الأوراشليميّ ( القرن الرابع)، الذي يُشدِّدُ على الفائدة الكبرىالتي تحصل للنفوس التي تُقدَّمُ من أجلِها في الذبيحةِ المقدسةِ الرهيبة” ( التعليمُ الميستاغوجيّ، الفصل الخامس)، و كذلك القدِّيسُ سمعان التسالونيكيّ ( القرن الخامس عشر) الذي يُطابقُ التقليدَ الليتورجيَّ حول القدَّاسِ الإلهيِّ، لأنَّه بهذه الطريقة بواسطةِ أجزائِهم الموضوعةِ على الصينيَّةِ المقدَّسة، يشتركونَ أسراريًّا، و بشكلٍ غيرِ منظورٍ بالنعمة، و يتناولون، و يطلبون، و يخلصونَ و يبتهجونَ في المسيح السيِّد ( الحوار، فصل 373). اذا رقدَ أحدٌ ما في فترةِ الصياِم الأربعينيِّ، حيث لا يمكن أن يُقامَ أربعونَ قداساً له، عندئدٍ يصيرُالتدبيرُ التالي: يُتمَّمُ الثالثُ في أوَّلِ سبت، و التاسعُ في السبتِ الثاني و تُتَمَّمُ القداديسُ الأربعونَ ابتداءاً من يومِ الاثنين الذي يلي أحد توما. هذا الترتيبُ مهمٌّ جداً.

سنأتي الانَ إلى الجزءِ الثاني من المداخلة. فلنحافظ على التعليمِ الأساسيِّ و هو أنَّ ما هو أساسيٌ في ذكرانيَّةِ الراقدِ يصيرُ في القدَّاسِ الإلهيِّ و بكلماتٍ أُخرى، إنَّ الخدمةَ الحقيقيَّةَ للذكرانيَّةِ مُرتبط ، بشكلٍ ثابت، بتتميمِ سرِّ الشكرِ الإلهيِّ، كما رأينا من قبلُ في سر المعموديةِ والزواجِ والزيت….

عدا عن الذكرانيَّاتِ الفرديَّةِ التي تصيرُ في اليومِ الثالثِ والتاسعِ والأربعينِ و في الذكرى السنويَّةِ لرقادِه، أدخلَتِ الكنيسة، في كلِّ الخدمِ طلباتٍ من أجلِ راحةِ النفوسِ و الغبطةِ الأبديَّةِ لآبائِنا و إخوتِنا الراقدين، أي طلباتٍ عامةً أو أفاشين، تُذكرُ فيها الأسماء. هكذا لدينا طلباتُ صلاةِ الغروب، و السحريَّة و القدَّاسِ الإلهيّ إرحمنا يا ألله …. و أيضاً نطلب من أجل الذكرِ المغبوطِ و الراحةِ الأبديةِ لنفوس ….”، و خدمة التقدمة، و الطلباتُ لنصلِّ…” في صلاةِ نصفِ الليلِ والنوم، و الطروباريَّةُ الخاصة بالأمواتِ في الساعة الثالثة، و بشكل خاصٍّ في القسم الثاني من صلاةِ نصفِ الليلِ اليوميَّة، التي تُصنَّف في المصادرِ تريصاجيون من أجلِ الموتى“, و تحتوي على مزمورين (120 و 133) ثم قدوس الله و ثلاثُ طروباريَّاتٍ خاصَّة بالراقدين ( أُذكر يا ربُّ عبيدك بما أنَّك صالح…) ، ووالديَّه و إفشين (” أُذكر يا ربُ أباءَنا و إخوتَنا الذين رقدوا على رجاءِ القيامةِ والحياةِ الأبديَّة…”)

إنَّ سبوتَ السنةِ كلَّها مخصَّصةٌ للراقدينَ و الطلباتِ من أجلِهم. فيها يُرتَّلُ كلُّ ما يختصُّ بالراقدينَ من طروباريَّاتٍ و قوانينَ بحسبِ لحنِ الأسبوع، و تُتمَّمُ كذلك الذكرانيَّاتُ بشكلٍ قانونيّ. و هناك سبتانِ خاصَّانِ في السنَّة، السبتُ الذي يقعُ قبلَ أحد مرفعِ اللحم و السبتُالذي قبلَ أحدِ العنصرة، هما يومانِ مشتركانِ تُقامُ فيهما ذكرانيَّاتٌ عامَّةٌ إذ نتمِّمُ ذكرى جميعِ المسيحيِّينَ الأرثوذكسيِّين، من آبائنا و إخوتنا الراقدين منذ الدهر“. يرجعُ اختيارُ يومِ السبتِ كيومِ ذكرى الراقدين، من ناحيةٍ إلى خاصيَّتِهِ كيوم راحةكما جاءَ في التكوينِ أنَّ الله الخالقَ استراحَ من أعمالِ الخلق (تك2:2)، و كذلك بالنسبةِ لذاك السبتِ من أسبوعِ الآلامِ المقدَّسةِ حيثُ سبَتَيسوعُ المسيحُ السيِّدُ في القبر. كانت توجدُ أعيادٌ سنويةٌ للموتى في العالمٍ ما قبل المسيحيَّة، و قد قابلتها الذكرانيَّاتُ العامَّةُ التي تُقام في السبتَين المحدَّدينِ لذكرى النفوسِ الراقدة. في السبتِ الواقعِ قبل أحد مرفع اللحم، يوجدُ بينَ الأوديةِ السادسةِ والسابعةِ من قانونِ السحر سنكسارٌ كتبَه نيكيفوروس كاليستوس كسانثوبوليس، يُحلِّلُ فيه التعليمَ الكنيسةِ عن الحياةِ بعد الموت، و يعرضُ تفصيلاً عن الذكرانيَّاتِ و كم تستفيدُ نفوسُ الراقدينَ منها.

من كتاب مواضيع ليتورجيَّةالجزء الثالث

للأستاذ المغبوط الذِّكر يوحنا فوندولّيس

إصدار الخدمة الرسوليَّة أثينا 2007 (ص29-36)

نقله إلى العربيَّة رهبانُ دير رقاد والدة الإلهحمطوره

تفسير الصلوات العمومية حسب ترتيب الكنيسة الأرثوذكسية – 2

تفسير الصلوات العمومية حسب ترتيب الكنيسة الأرثوذكسية – 2

عن كتاب “التعزية الحقيقية في الصلوات الإلهية”

7 – تفسير ترتيب صلاة الساعة التاسعة

هذه الساعة قد خصصتها الكنيسة لتذكار موت ربنا وإلهنا يسوع المسيح الذي ذاقه بالجسد في الساعة التاسعة من النهار لأجل إعطائنا الرحمة والحق والنعمة والمجد والسكنى في ديار الرب كما يدل على هذا كله فحوى المزمور ال83 أما المزموران الآخران أي ال84 وال85 فيشيران الى الثمار الخلاصية التي حصل المؤمنون عليها بواسطة موت يسوع المسيح على الصليب الكريم أي الى التبرير من الخطيئة الجدية والنجاة من الجحيم السفلي والى علامة الصليب الكريم المعينة للمؤمنين والمخيفة لأعداء المسيح المنظورين والغير المنظورين.

8 – تفسير ترتيب صلاة المساء

لما كان المساء هو عبارة عن زمن غروب الشمس وحلول ظلام الليل وكانت أزمنة العهد القديم بالنسبة الى أزمنة العهد الجديد هي أزمنة ظلال وظلام (لو1: 79) أو كما يسميها بولس الرسول “أزمان ليل” (رو13: 12) لهذا قد رتبت الكنيسة صلاة المساء على طريقة تذكرنا بأهم حوادث العهد القديم كما هي مدونة في كتب موسى والأنبياء.

أما هذه الحوادث فهي: خلق العالم، إقامة الجدّين الأولين في فردوس النعيم، سقوطهما في الخطيئة، طردهما من الفردوس وندامتها، الوعد الإلهي بمجيء المخلص، الإيمان بالمخلص الآتي، إستعداد البشر بواسطة النبؤات والرموز لإقتبال المخلص.

فأولاً في مزمور الغروب “باركي يا نفسي الرب الخ” نسمع بأحسن بيان وأفصح لسان تاريخ خلقة العالم في ستة أيام. ثانياً عند فتح الباب الملوكي (في ليالي الآحاد والأعياد)  أو إزاحة الستار عنه (في ليالي بقية الأسبوع) تتشخص أمامنا إقامة الجدّين الأولين في فردوس النعيم الذي كانت أبوابه حينئذٍ مفتوحة. ثالثاً إغلاق الباب الملوكي أو إرخاء الستار يذكرنا بإغلاق أبواب الفردوس عقيب سقوط الجدين الأولين في الخطيئة. رابعاً خروج الكاهن من الهيكل ووقوفه  أمام الباب الملوكي مكشوف الراس وتلاوته أفاشين الغروب الخشوعية سراً يشخص أمامنا طرد آدم من الفردوس وبكاء أمام أبوابه التي أغلقت في وجهه. وأما تلاوة الطلبات السلامية والمزامير وترتيل “يا رب إليك صرخت الخ” فتذكرنا بندامة الجدّين الأولين وطلبهما استرجاع الغبطة التي أضاعاها بسبب المعصية. خامساً الا يصوذن أي خروج الكاهن بالمبخرة من باب الهيكل الشمالي تتقدمه شمعة شاملة ووقوفه أمام الباب الملوكي وهو مفتوح مع هتافه “الحكمة” ومن ثم تلاوة “يا نوراً بهياً الخ” يذكرنا هذا كله بالوعد الإلهي عن مجيء المخلص الذي هو حكمة إلهية ونور بهي الضياء. سادساً بروكيمنن المساء يشير الى إيمان رجال العهد القديم الأبرار بالمخلص الآتي. وسابعاً تلاوة القراءات (في ليالي الأعياد) من كتب العهد القديم توضح لنا تلك النبؤات والرموز التي كان الله يهيء العالم لاقتبال المخلص.

وأما ما بعد هذا من الطلبات الإبتهالية “لنقل جميعنا الخ” و ” لنكمل طلباتنا المسائية الخ” وهتاف المرتلين ” يا رب ارحم” ثلاثاً و “استجب يا رب” فيدل على اعترافنا أمام الله بخطايانا التي هي نتيجة الخطيئة الجدية والتماسنا العفو عنها لأجل إيماننا بالمخلص الذي أتى كما خلص رجال العهد القديم لأجل ايمانهم بالمخلص الآتي. وأخيراً تلاوة صلاة يمعان الصديق “الآن تطلق عبدك الخ” تخبرنا بإنتهاء زمن العهد الجديد بورود مخلص العالم.

9 – تفسير ترتيب صلاة النوم

إن صلاة النوم المعروفة بالكبرى مؤلفة من ثلاثة أجزاء الأول منها يبتدىء بالمزمور الرابع “إذ دعوت استجبت لي الخ” وينتهي بإفشين باسيليوس الكبير “يا رب يا رب يا من أنقذتنا الخ” وهو يتضمن أولاً تفكر الإنسان قبل نومه بما أتاه في نهاره من الأفكار والأعمال: “والذي تقولونه في قلوبكم تندموا عليه في مضاجعكم” (مز4: 4) “أحمّ في كل ليلة سريري وبدموعي أبلّ فراشي” (مز6: 6). ثانياً تسليمه نفسه للعناية الإلهية “إليك يا رب رفعت نفسي إلهي عليك توكلت” (مز24: 1) “في يديك أستودع روحي” (مز30: 5) “فلا تخشَ من خوفٍ ليلي ولا من سهم يطير في النهار ولا من أمر يسلك في الظلمة. لأنه يوصي ملائكته بك ليحفظوك في جميع طرقك” (مز90: 5 و 11) وثالثاً طلبه من الله ألاّ يتركه ينام نوم الخطيئة بل أن يقيمه من النوم سالماً ليسلك في طريق وصاياه “أنر عينيّ لئلا أنام الى الموت” (مز12: 3) “أنظر الى تواضعي وتعبي واغفر جميع خطاياي” (مز24: 18). وهذه الأمور الثلاثة تتضمنها أيضاً الطروباريات والأفاشين الموجودة في هذا الجزء.

الثاني يبتدىء من المزمور الخمسين وينتهي بالأفشين “أيها السيد الإله الضابط الكل الخ”. ولما كان النوم يذكر الإنسان بالموت لهذا يتضمن هذا الجزء إظهار التوبة والندامة مع طلب الرحمة والمغفرة كما يظهر هذا جلياً من المزمورَين ال50 وال101 ومن صلاة منسى والطروباريات “ارحمنا يا رب ارحمنا الخ” وتوابعها ومن أفشين الختام.

الثالث يبتدىء من المزمور ال69 وينتهي بأفاشين السيد والسيدة. ولما كان الوقت الذي تكمل فيه صلاة النوم تعتبره الكنيسة وقت نزول المسيح الى الجحيم وإنقاذه نفوس الأبرار والصدّيقين المنتظرين حضور المخلص. لهذا يتألف الجزء الثالث أولاً من مزمورَين (69 و 102) يتضمنان أقوالاً نبوية عن نزول المسيح الى الجحيم وتخليصه نفوس الصدّيقين. وثانياً من تمجيدات وتشكرات (المجدلة والقانون) تُظهر بها الكنيسة فرحها وشكرها لله الذي غلب الموت وأباد الجحيم. وأخيراً تُختم صلاة النوم كلها بأفاشين إبتهالية لوالدة الإله الفائقة القداسة ولإبنها ربنا وإلهنا يسوع المسيح.

فهذه هي صلاة النوم المعروفة بالكبرى التي تتمم في جميع أيام الصوم الكبير المقدّس ما عدا السبوت والآحاد. وأما في باقي أيام السنة فتصير تلاوة صلاة النوم المعروفة بالصغرى لأنها مختصرة من الأولى. فمن الجزء الأول يوجد فيها دستور الإيمان فقط. ومن الجزء الثاني المزمور الخمسون. وأما الجزء الثالث فيوجد بكامله.

تفسير خدمة القداس الإلهي

إن خدمة القداس الإلهي أجلّ وأهمّ سائر الخدم الكنائسية التي مرّ ذكرها. وبما أنها موضوعة لذكر ربنا وإلهنا يسوع المسيح حسبما هو نفسه له المجد قد أمرنا (لو22: 19و 1كو11: 24 – 25) لهذا قد عنيت الكنيسة في ترتيب خدمته على نسق يذكرنا أو بشخص أمامنا حياة مخلصنا على الأرض كلها أي منذ ولادته حتى صعوده الى السماء.

أما ترتيب هذه الخدمة الأصلي فقد وضعه الرسل الأطهار أنفسهم وبقي محفوظاً بالتسليم الى الجيل الرابع بعد المسيح حينما دونه أبوا الكنيسة العظيمان القديسان باسيليوس الكبير ويوحنا الذهبي الفم وأضافا إليه بعض أفاشين وطلبات من تأليفهما. فدَعيت خدمة القداس المدونة من القديس الأول بقداس باسيليوس الكبير وأما المدونة من القديس الثاني  فدُعيت بقداس يوحنا الذهبي الفم وهي مختصرة من الأولى. ثم عينت الكنيسة أن تُتمم الأولى في أيام مخصوصة فقط . وأما الثانية ففي سائر أيام السنة  ما عدا يومي الأربعاء والجمعة في كل مدة الصوم الكبير التي تُتمم فيها خدمة قداس القدسات السابق تقديسها المعروف بقداس البروجزماني للقديس غريغوريوس الذيالوغس.

وإذ علمتَ هذا فاعلم الآن أن خدمة القداس الإلهي مؤلفة من ثلاثة أقسام وهي: التقدمة، قداس الموعوظين وقداس المؤمنين. وهاك تفسير كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة على حدة.

أولاً: التقدمة

إن هذا القسم من خدمة القداس الإلهي يُدعى تقدمة من تقديم القرابين الإلهية من طرف المؤمنين الى الكاهن لكي يتمم بها الذبيحة الغير الدموية. ولهذا قد غلبت عندنا تسمية هذا القسم بالذبيحة. وعليه فالمراد هنا من التقدمة أو الذبيحة تحضير مادة سرّ الشكر (التي هي الخبز والخمر) من الكاهن. وهذا القسم مرتب على نسق يذكرنا من الجهة الواحدة بظروف ميلاد مخلصنا يسوع المسيح ومن الجهة الأخرى بظروف آلامه وصلبه وموته.

فأولاً: إحضار خبزة التقدمة المعروفة بالمقدمة الى المذبح يشير الى مجيء مريم البتول الى المغارة لتلد المسيح. ثم إخراج الحمل من المقدّمة يشير الى ولادة المسيح من العذراء مريم. ولهذا فالمذبح  يشير الى المغارة والصينية الى المذود النجم الى ذلك النجم الذي ظهر في المشرق وجاء بالمجوس الى بيت لحم ليسجدوا للمولود ملك اليهود أي ليسوع المسيح. والأغطية تشير الى القُمط التي قمطت بها مريم ابنها يسوع. أما الكاس والمبخرة والبخور فتشير الى الذهب واللبان والمرّ أي الى الهدايا التي قدمها المجوس للمخلص المولود. وأما الصلوات التي يقولها الكاهن وقت تتميم الذبيحة فتشير الى تسبيح الملائكة وسجود رعاة بيت لحم ومجوس المشرق للمولود مخلص العالم.

وثانياً: بما أن يسوع المسيح بحسب تحديد الله الأزلي كان منذ الولادة حمل الله المقدّم ذاته ضحية عن خطايا العالم وبالتالي كانت ولادته بدء دخوله في طريق الصليب لهذا فالأشياء نفسها المستعملة في خدمة تقدمة الذبيحة مع تذكيرها إيانا بحوادث ولادة المخلص تذكرنا أيضاً بحوادث آلامه وموته لبصلبي ودفنه. فعندما يقطع الكاهن المقدمة من جهاتها الأربع ليخرج منها الحمل يقول الأقوال النبوية “مثل الخروف الخ” والبقية اشارة الى نبؤات الأنبياء عن السر الخلاصي. وبقطعه الحمل شكل صليب برسم صلب المخلص. وبطعنه إياه بالحربة يشير الى طعن جنب المخلص وهو مائت على الصليب.وبوضعه خمراً وماء في الكاس يشير الى خروج الدم والماء من جنب المخلص. وبوضعه جزء السيدة عن يمين الحمل يشير الى المقام الأول الذي لها عند ابنها. وبوضعه تسعة أجزاء القديسين عن يسار الحمل يشير الى أنهم هم أيضاً ذوو مقام عند المخلص. وعدد هذه الأجزاء تسعة على عدد الطغمات الملائكية التسع. وأما أجزاء الأحياء والأموات فيضعها تحت قدميّ الحمل لأنها تقدم استعطافاً واستغفاراًعنهم فلهم مقام الطالب والمتضرع. ثم أن المذبح يشير الى الجلجلة التي صلب عليها المخلص. والأغطية تشير الى السباني التي لفّ بها يوسف ونيقوديموس جسد المسيح الطاهر بعد تنزيلها إياه من على الصليب الكريم. والبخور يشير الى الطيب الذي مُسح به جسد المسيح حين دفنه. والمائدة ترسم القبر المقدس. وأما التبخير حول المائدة وفي الهيكل والكنيسة عند نهاية الذبيحة فيشير الى انتشار الرائحة الزكية الروحانية بالروح القدس في كل العالم بواسطة سر التجسد الإلهي.

ثانياً: قداس الموعوظين

إن هذا القسم الثاني من خدمة القداس الإلهي يبتدىء بقول الكاهن “مباركة مملكة الآب والإبن والروح القدس الخ” وينتهي عندما ينادي الشماس قائلاً “أيها الموعوظون اخرجوا”. أما الحوادث التي يذكرنا بها هذا القسم من حياة المخلص على الأرض فهي التي جرت من ولادته لحين وقت آلامه.

فالطلبات السلامية والأنديفونات تذكرنا بذلك الوقت الذي كان يسوع المسيح عائشاً فيه في مصر ومن ثم في الناصرة مخفياً مجده الإلهي عن أعين البشر. أعني ذلك الوقت الذي غاب فيه المخلص عن أعين البشر بعدما كانوا شاهدوا حين ولادته آيات ظهوره العجيبة فتركهم في حيرة ينتظرون بالصلوات والطلبات ظهوره الإلهي. أما التبيكا أي الرسوم فتشير الى نبؤات الأنبياء الراسمة تجسد ابن الله ولهذا تُختم الطروبارية “يا كلمة الله الإبن الوحيد الخ”. وأما المكارزمي أي التطويبات فتشير الى ظهور المخلص وتعليمه في أورشليم ولهذا حين ترتيل “المجد” و “الآن” من هذه التطويبات يصير الايصوذن أي الدخول بعد الخروج من الهيكل بالإنجيل إشارة الى خروج المخلص من أورشليم للكرازة ببشارة الملكوت في كل اليهودية والجليل. أما الشمعة التي تتقدم الإنجيل في هذا الايصوذن فتشير الى يوحنا السابق والصابغ الذي كان يبشر العالم بإتيان المخلص بعده الذي هو النور الحقيقي الذي ينير ويقدس كل إنسان آتٍ الى العالم والذي تعليمه أي الإنجيل هو “حكمة” إلهية. ثم أن ترتيل الايصوذيكون “هلموا لنسجد ونركع الخ” مع الطروباريات والقناديق يشير الى فرح البشر بقبول الإنجيل وإيمانهم بالمخلص.  بعده يُرتل التسبيح الملائكي “قدوس الله الخ” إشارة الى أن البشر لمّا تعلموا سرّ الثالوث الأقدس بواسطة الإنجيل مجدوا الله بنغمة واحدة مع الملائكة إذا أصبحوا معهم رعية واحدة للراعي الواحد ربنا وإلهنا يسوع المسيح. ثم تصير تلاوة الرسائل إشارة إلى إرسال المسيح تلاميذه ليكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها. ولهذا حين تلاوتها يبخر الكاهن كل الهيكل والاكليروس والشعب إشارة الى انتشار رائحة الإنجيل الزكية في كل العالم بواسطة الرسل الأطهار. وأما تلاوة الإنجيل فتحقق لنا تعليم مخلصنا نفسه وتوضح لنا أعماله العجيبة التي ظهر بها مجده الإلهي لكا العالم.

وهذا القسم كما أنه يُفتتح بالطلبات السلامية أي بطلب السلام بين الله والبشر بواسطة مغفرة خطاياهم وبين الكنائس المنفصلة بعضها عن بعض وبين الرؤساء والمرؤوسين من روحيين وزمنيين وبين عموم أفراد البشر لكي يقضي الجميع حياة سلامية مطمئنة وهادئة متمتعين بخيرات الله الأرضية وبعيدين عن كل الأحزان والشدائد والنوائب كذلك يُختتم بالطلبات الإبتهالية “لنقل جميعنا الخ” إظهاراً لشكرنا على عظم مراحم محبته للبشر وإيماننا الحار بكلمته الأزلية ربنا وإلهنا يسوع المسيح الذي اقتبل أن يتجسد لأجل خلاصنا.

ثالثاً: قداس المؤمنين

بعدما يقول الشماس “أيها الموعوظون أخرجوا” ينادي المؤمنين بأن يلبثوا واقفين في الكنيسة حتى نهاية القداس الإلهي بقوله “يا جميع المؤمنين أيضاً وأيضاً بسلام الى الى الرب نطلب”. وهذا هوبدء قداس المؤمنين الذي هو مرتب على نسق يذكرنا بأهم الحوادث التي جرت في آخر أيام المخلص على الأرض أي بآلامه وموته ودفنه ونزوله الى الجحيم وقيامته من الأموات وصعود الى السماء.

فأولاً الايصوذن الكبير المعروف بدورة القداس يرسم اتيان المخلص الى الآلام الطوعية. ثانياً وضع القرابين المقدسة على المائدة وتغطيتها بالستر الكبير يشير الى تنزيل جسد الرب عن الصليب ووضعه في القبر وانحداره الى الجحيم ولهذا يقول الكاهن الطروباريات “ان يوسف المتقي أحدر جسدك الخ” و “لقد كنتَ في القبر بالجسد وفي الجحيم بالروح الخ” و “أيها المسيح إن قبرك الخ” ثالثاً غلق الباب الملوكي والستار يشير الى دحرجة الحجر ووضع الختم على باب القبر وضبطه بالحرّاس. وأما تبخير القرابين فيشير الى حنوط يوسف ونيقوديموس وطيوب النسوة. رابعاً فتح ستار الباب الملوكي عند تلاوة دستور الإيمان يشير الى هرَب الحرّاس. ورفرفة الستر الكبير على القرابين تشير الى الزلزلة التي حدثت حين قيامة المخلص. ولما يصل قارىء دستور الإيمان الى قوله “وقام في اليوم الثالث” يُطوى الستر ويوضع على جانب المائدة إشارة الى دحرجة الحجر عن باب القبر من ملاك الرب. خامساً صلاة استحالة الخبز والخمر الى جسد الرب الطاهر ودمه الكريم مع مع كل ما يتقدمها ويتبعها من الأقوال والتراتيل والطلبات حتى انتهاء الكاهن والشماس من تناول الأسرار المقدّسة – هذا كله يرسم عشاء يسوع المسيح السري مع تلاميذه. سادساً رفع الجسد الطاهر من الكاهن عند هتافه “القدسات للقديسين” (أي مناولة الأسرار الطاهرة لا تجوزالا للمؤمنين المطهرين بالتوبة والإعتراف) يشير الى قيامة المخلص من الأموات. سابعاً وضع الجسد في الكأس يعني أن المسيح قد قام بكليته جسداً حياً. ووضع الماء الحارّ يُقصد به جعل الدم المقدّس حاراً كما هو الدم الحي. ثم أن الكاهن بعد انتهائه من تناول الأسرار الطاهرة يضع أجزاء الأحياء والأموات في الكاس لتحصل على نعمة من ملامستها دم المخلص. ثامناً فتح الباب الملوكي وعرض الكاس على الشعب يشيران الى ظهور المخلص لتلاميذه بعد القيامة. تاسعاً يبارك الكاهن الشعب قائلاً: “خلص يا الله شعبك وبارك ميراثك” إشارة الى مباركة المسيح تلاميذه على جبل الزيتون قبل صعوده الى السماء. ولهذا تُرتل الطروبارية “قد نظرنا النور الحقيقي الخ” إظهاراً لفرح المؤمنين بالبركات الروحية التي نالوها بواسطة سر التجسد الإلهي إذ عرفوا به الإيمان الحق وهو السجود للثالوث الغير المنقسم. عاشراً وأخيراً يعرض الكاهن الكاس ثانية على الشعب ثم حالاً يخفيها عن أبصارهم داخل الهيكل على المذبح إشارة الى صعود الرب الى السماء أمام تلاميذه وهم واقفون في جبل الزيتون ينظرون الى السحابة التي أخذته عن أعينهم. أما قول الكاهن نحو الشعب “كل حين الخ” فيشير الى وعد المخلص حين صعوده بأنه سيكون مع المؤمنين به كل الأيام الى انقضاء الدهر آمين.

أما ما بعد هذا من الصلوات والطلبات فهو شكر لله تعالى الذي أهلنا لتناول الأسرار الطاهرة المحيية. ثم يتلو هذا الشكر إعطاء الرخصة من الكاهن للشعب لكي يخرجوا من الكنيسة بسلام بعد أن يقرأ على مسامعهم خارج الهيكل الأفشين المعروف بأفشين وراء المنبر إشارة الى أن المسيح بعد تتميمه سر التدبير الخلاصي اتحد بشعبه ولهذا يخرج الكاهن ويساوي الشعب في الموقف حين تلاوته هذا الأفشين.

لاهوت النشيد المسائي

لاهوت النشيد المسائي

يا نوراً بهياً

الأرشمندريت كاسيانوس عيناتي


“لقد حسُنَ لدى آبائنا القديسين أن يرفعوا تسبيحاً شكرياً عند غروب الشمس ويُضيئوا مصابيح المساء يومياً”، يقول القديس باسيليوس الكبير. هذا التسبيح يعود الى ما قبل القرون المسيحية. فعند اليونانيين كانت عادةٌ أن يستقبلوا نور المساء بالتهليل، ومن هنا أتت التسميّة: “النّورُ البهيّ”. أما عند اليهود، من حيث أخذت صلوات الكنيسة منشأها، كانت العادة أيضاً كما جاء في سفر الخروج (۸:۳٠) “فيوقد عليه (على المذبح) هرون بخوراً عطراً في كلّ غداة حين يُصلح السرج يوقده. وحين يرفعُ السرج بين الغروبين يوقده بخوراً دائماً بين يديّ الرب مدى أجيالكم”. هذا التقليد حُفظ لدى اليهود حتى بعد هدم هيكل أورشليم. أما التلمود فأيضاً يذكر ذلك ويقول: المقصود بهذا التسبيح هو الله نفسه. وقد توارثت كنيسة أورشليم أيضاً هذا التقليد، فكان بعد تشييد كنيسة القيامة العظمى، سنة ۳۲٥م، أن يكون سراجٌ موقدٌ دائماً على قبر السيّد، ومنه في المساء، تُضاء كافة المصابيح عندما يُنشدون تسبيح المساء. أما ترتليان (١٦٠م – ۲۲٥م) وهو يتكلّم عن إحدى الموائد (العشاء) المسيحية، فيذكُر: أنه بعد أن يؤتى بمصباح المساء يقفُ كلّ مسيحي ويرفع آيات التسبيح والشكر لله، إمّا آية من الكتاب المقدّس أو صلاة قلبية خاصة. أما في كتاب التقليد الرسولي العائد الى إبوليط الروماني (۲١٥م) فقد جاء أنه خلال صلاة المساء يجلب الشماس المصباح فيرفع حينئذٍ الأسقف صلاة الشكر، على إضاءة المصابيح، لله الأب الذي أعطانا النور غير المادي بإبنه الوحيد يسوع المسيح.
أمّا القديس غريغوريوس النيصي وهو يُحدِّث عن رقاد أخته القديسة مكرينا فيقول: “كنتُ أودُّ لو يطول النهار لكي لا تصمُت مكرينا عن تحديثنا بكلماتها الحلوة، ولكن لمّا علا صوت المرتّلين أشارت إلينا أن ندخل الكنيسة لتلاوة تسابيح الشكر لحلول نور المساء. وأمّا هي، فمن على سريرها، أدارت ظهرها وابتدأت بالصلاة فيما هي تنظر الى المصباح الذي جلبتهُ إحدى الأخوات الى قلايتها”. فبهذا المفهوم التقليدي القديم جداً، وُضع النشيد الكنسيّ المسائيّ في صلوات الغروب البيزنطية (با نوراً بهياً) عند إضاءة المصابيح في غروب الشمس اليوميّ.
أمّا كاتب هذه القطعة التي ما تزال تُعتبر قلب صلاة الغروب في التقليد البيزنطي حتى اليوم، فهو غير معروف بالرغم من أنّ الإشارة تعود بحسب السواعي السلافيّ إلى صفرونيوس بطريرك أورشليم (٥٥٠م – ٦۳۸م)، المُصلح الليتورجيّ الكبير بعد غزوات الفرس والعرب في النصف الأول من القرن السابع. لكن هذه القطعة وُجدت، قبل أن يجدها صفرونيوس، في السهرانيات السينائية، في قانون ألكسندرونيوس في القرن الخامس الميلادي. وأما بحسب الإشارة الى هذا التسبيح على لسان القديس باسيليوس الكبير في دفاعه عن ألوهيّة الروح القدس، في عشية المجمع القسطنطيني في السنة ۳۸١م، مُستشهداً بمقطع من مقاطع النشيد الكنسيّ القديم القائل: نُسبّح الإله “الأبَ والإبنَ والروحَ القدسَ”. فنفهم أنّ هذا التسبيح الذي تكلّمنا عن غايته ومنشئه لم يُعرَف مَن هو مؤلّفه، لكنَّ المعروف أن الكنيسة منذ العصور الأولى كانت تُنشدهُ، ويُعتَبَر من أقدم الأناشيد الكنسيّة البيزنطيّة.
إنّ تقدمة الشكر للنّور المسائي في المفهوم المسيحي لا يُمكن إلاّ أن تكون تعظيماً للمسيح: “النور الحقيقيّ”. (يو ۹:١). هذا ما يُؤكده القديس كبريانوس أسقف قرطاجة (۲٥۲م)، في كتابه بخصوص الصلاة في أيام الآحاد، بقوله إنّه ينبغي أن نبتدئ الصلاة عند غروب الشمس، في نهاية النهار، لأنّ المسيحَ هو الشمس الحقيقيّة والنهار الحقيقيّ. من هنا أخذ منشأهُ هذا النشيد المسائي، فيتوجّه بكلماته الى إستدعاء المسيح النّور البهيّ، شُعاع مجد الآب: “أيّها النّورُ البهيُّ لِقدس مجد الآب الذي لا يموت، السماويّ، القدّوس، المغبوط، يا يسوع المسيح”، كما أكّد ذلك الإنجيلي يوحنا (يو4:1،۷،۹؛۸،١۲؛۹،٥؛١۲،۳٥،٤٦). وليس فقط هو “النّور” بل وأيضاً “شُعاع مجد الآب” (يو ١:١٤). يؤكّدُ ذلك أيضاً الرسول بولس: “لأن الله الذي أمرَ أن يُشرقَ مِن ظلمةٍ نورٌ هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارةِ معرفةِ مجدِ الله في وجهِ المسيح يسوع” (۲ كور ٤: ٤-٦). أمّا خصائص الآب الواردة في هذا السطر فتعود الى خصائص الآب الواردة في الكتاب المقدّس نفسه: فالقدوس يستعملها الربّ يسوع نفسه في صلاته في (يو ١۷:١١) و”الآب السماويّ” واردة في متى (٥:٤۸؛٦:١٤،۲٦،۳۲؛١٥:١۳؛١۸:۳٥؛٢۳:۹). وفي رؤيا يوحنا اللاهوتيّ تردُ كلمة “السماوي” (رؤ ١١:١۳؛١٦:١١). أمّا صفة “الذي لا يموت”، فإن الله وحده يمتلك هذه الصفة بحسب لاهوت الكتاب المقدّس وتردُ فقط على لسان بولس الرسول مصحوبة بصفة “المغبوط” أيضاً: “…المغبوط، القدير وحده، ملك الملوك وربّ الأرباب الذي له وحده الخلود ومسكنه النور…” (١ تيمو ١٦:٦).
“إذ قد بلغنا الى غروب الشمس ونظرنا نوراً مسائياً، فنُسبّحُ الآبَ والإبنَ ولروحَ القدسَ، الإله”.
فهذه ذوكصولوجية ثالوثيّة في غروب المشمس عند إضاءة نور المساء. فهي جوهر وقلب النشيد المسائي: “الإلهُ المسبّح، كما ثبّتهُ المجمع النيقاوي ليُدحِض تعليم آريوس، لا يُمكن أن يكون سوى أقانيم ثلاثة متساوية في الجوهر الآبُ والإبنُ والروحُ القدس”.
وبما أنّ هذا النشيد يُظهر مساواة بين الآب والإبن والروح القدس، فهو أقدمُ بكثير من المجمع القسطنطيني (۳۸١م) وهذا يعكسه السطر الأخير في النشيد: “يا إبن الله المُعطي الحياة إنّك لمُستحقٌّ في سائرِ الأوقات أن تُسبّحَ بأصواتٍ بارّة، لذلك العالمُ لكَ يُمجّد”. فالمُعطي الحياة هو الآبُ الذي لهُ الحياة في ذاتهِ والذي أعطى الإبنَ أن تكون لهُ الحياة، كما للآبِ في ذاته” (يو ٥:٢٦).
وفي يوحنّا أيضاً، الحياة موجودة في كلمة الله الذي هو قوّة الله الخالقة. “فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس” (يو ١:٤). فالمقطع الأخير يترسّخ في إنجيل يوحنا وفي سائرِ تعليمه فلذلك يتوجّه الى المسيح، الكلمة (١ يو ١:١) إبن الله الوحيد، الذي هو الحياة (يو ٦:۳٥،٥۷) وهذه الحياة هي النور (يو ۸:١٢). وبالنسبة ليوحنا الإنجيلي، غاية تجسّد إبن الله هو “أن تكون لهم الحياة وتكون لهم أوفر (يو ١٠:١٠)، لذلك “كلُّ من لهُ الإبنُ لهُ الحياة” (١ يو ٥:١٢). ويظهر أيضاً إنشاء الرسول يوحنا في الكلمات الأخيرة في النشيد: “العالمُ إيّاك يُمجّد”. فكلمة “العالم” هي بالنسبة ليوحنا المكان الذي يعيش فيه الناس: المكان الذي جاء إليه المسيح (يو ١:۹؛۳:١۹؛١١:٢۷،١٢،٤٦)، الذي استقرّ فيه المسيح (يو ١:١٠؛۹:٥؛١۷:١١) والذي منه انتقلَ (يو ١:١۳). هو أيضاً خاصّة المسيح (يو١:١١). وأيضاً هو المكان الذي صار فيه الخلاص “هكذا أحبّ الله العالم حتى إنه بذل إبنهُ الوحيد” (يو ۳:١٦)، “الرافع خطيئة العالم” (يو ١:٢۹) “من أجل حياة العالم” (يو ٦:٥١) فهذا العالم الذي يرسمه يوحنا هو المكان أيضاً الذي فيه يُمجّد المسيح (يو ۷:۳۹؛١٢:١٦؛١٥:۸؛١٦:١٤،١۷،٤-٥؛٢١:۱۹). “فمجدُ ابن الله هو مجدُ وحيدٍ شارق من الآب (يو ١:۱٤). وهكذا في تمجيدنا لإبن الله نُمجّد اللهَ الآبَ نفسه في التدبير الخلاصيّ الظاهر والمكمّل بيسوع المسيح.
ففي الخلاصة، إننا عند غروب الشمس وإضاءة أنوار المساء، نُرسل التسبيح بالإبن المُتجسِّد للثلاثة الأقانيم التي للإله الواحد. فالثالوث المُسبَّح في هذه التسبحة المسائية لا يظهر إلا بواسطة التدبير الخلاصي الذي أتمّه يسوع المسيح شُعاع الآب بالروح القدس المساوي للآب والإبن في الجوهر حقيقة. لذلك، فتسبحة المساء هذه الموجهة الى يسوع المسيح تُمجِّد من جهةٍ الإله: الآبَ والإبنَ والروحَ القدسَ، وتُسبِّح من حهةٍ أخرى إبن الله الذي بهِ يظهرُ ويُتمّ كلّ التدبير الخلاصي.