السنة الثامنة – العدد السابع – نيسان 2012

السنة الثامنة – العدد السابع

نيسان 2012

حياة روحية

الألم

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

 

عظة

الحبّ والحرّيّة

الأرشمندريت توما بيطار

 

لاهوت

الخطيئة الجديّة بحسب الأب يوحنا رومانيدس

الأب أنطوان ملكي

 

دراسات آبائية

ذكر الله من خلال صلاة يسوع عند القديس ذياذوخوس أسقف فوتيكي

إعداد الخورية سميرة عوض ملكي

 

رعائيات

إلى صديقتي المنتحرة

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

 

أبطال روحيون

الأب ميتروفانس حارس القبر المقدس

الأب أثناسيوس بركات

الرعاية عند البطريرك أثناسيوس ابن الدبَّـاس

ماريّـا الياس قبارة

الأب ميتروفانس حارس القبر المقدس

الأب ميتروفانس حارس القبر المقدس

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

كان المغبوط الأب والراهب ميتروفانس، الذي توفي عام 1997، حارساً لقبر المسيح الكلي قدسه، داخل  كنيسة القبر المقدس، مدة ثمانٍ وخمسين سنة. إليكم واحدةً من مجموعة رسائل حول نصائح وخُبُرات هذا الشيخ المغبوط، كتبها أحدُ أولاده الروحيين.

مرة، ذهب رجل وامرأته، من تريبولي، إلى الشيخ، وكان الزوج قد عاد لتوه من رحلة حج إلى جبل آثوس. لم يُرزَقا بأولاد. كان الزوج قد جلب زيتاً، من تريبولي إلى أديرة جبل آثوس ملتمساً     الصلوات لكي يرزقا بولد. بعد عودته من جبل آثوس، انضم إلى زوجته، التي كان قد تركها في مدينة سالونيك، وذهبنا، ثلاثتُنا، إلى الشيخ ميتروفانس لأخذ بركته. هناك، قالا له:

“أيها الشيخ، أنت تعرف بأن الله لم يمنحْنا، حتى الآن، أولاداً”

حينها، رفع الشيخُ صوتَه عالياً قائلاً لهم: “الله يدبر الأمور بشكل جيد- أو أفضل من ذلك- فهو قد فعل حسناً بعدم منحكم ولداً”

سأله الزوجان باضطراب: “لماذا، أيها الشيخ؟”

أجاب الشيخ: “لأنه، لو أن اللهُ رزقكما أولاداً منذ بدء زواجكما فكنتما ستفتخران بأنهم منكم، وسوف لن تذهبا من كنيسة لأخرى ومن دير لآخَر. لم يرزقْكما اللهُ أولاداً حتى تتعرَّفا عليه أولاً. والآن، صرتما تعرفان أن الله موجود، فلا تفقدا الأمل”

بعد هذا اللقاء، غادر الزوجان وهما في غاية الحماس والسعادة.

– من المعروف أن النساء لديهن، عادةً، خوفُ الله والتضحية أكثر من الرجال، ويشاركن في الصلوات في الكنيسة بوتيرة أكبر من الرجال. فمن الطبيعي، إذاً، أن تزور نساءٌ، أكثر، الشيخَ ميتروفانس. حين كنَّ يقتربن منه، كن يقلن بأن الأمور لم تكن على ما يرام مع أزواجهن، فبسبب سرعة غضبهم يصبحون جارحين ومحتقرين إياهنّ. فيجيبهنَّ الشيخ:

“أنتن، أيها النساء، المُلامات على كل شيء”

“ولكن، كيف ذلك؟ أليس ما يقوم به الرجال نحونا أمرٌ مُذِلّ؟”

“لماذا لا تقَبِّلْن أرجل رجالكنّ وتروجونهم”

“لم نفعل ذلك، بالطبع”

“إذا ما قمتن بذلك، فستكون الأمور أفضل بالنسبة لكنّ وستكُنَّ أكثر تفهُّماً. إفعلن ذلك، من الآن فصاعداً، وسرعان ما ستُبيّن تصرّفاتُهم صحةُ ما أقول”.

أيضاً، ذهبتُ إلى الشيخ مع بعض الكهنة من جبل آثوس وكهنة آخرين لأخذ بركته. حينما يدخل كاهنٌ قلايةَ الأب ميتروفانس، كان يسارع إلى سؤاله: “هل لديك نعمةُ الكهنوت؟”، وحين يكون الجواب: “نعم أنا كاهن”، حينها لا يتوقف عن تقبيل يده. وعندما يطلب منه الكاهنُ التَّوقُّفَ كان الشيخُ يقول له: “لا، دعني، لا تزعجني، أريد معانقة هذه الأيدي، أريد تقبيلها لأن بهذه الأيدي يتحولُ الخبزُ بصلواتكم إلى جسد الرب، والدمُ إلى دم الرب. لذا، دعني أعانقها”.

كنا، أحياناً نأتي بصحبة مؤمنين لأخذ بركته، طبعاً، دون التّحضير لذلك ودون أن نجلب له أي شيء، كهدية صغيرة أو شيئ من المأكول. كنا نَصِلُ ونقول:

“أيها الشيخ، لم نُحضِرْ لك أيَّ شيء”

“ما هذا الذي تقولونه لي بأنكم لم تُحضِروا شيئاً؟ لقد أحضرتم الفرح، لقد جلبتم لي الإرتياح. إني أريدكم أنتم، يا مَن أرسلكم اللهُ إليَّ، لا أريد أيَّ شيئٍ منكم”.

جلبتُ له، في يومٍ صيفي، شيئاً من المثلّجات. فقال لي: “قسطنطين. لا أريد مثلّجاتكَ، أريدك أنت”. أقنعتُه برفق فتناول المثلجات. قال مبتسماً: “سأتناولُها”. وعندما تذوَّقها، قال: “إنني شرير بعض الشيء، فقد تصرّفتُ كما لو أنني لم أكن أريدُها، لكنني، في العمق، كنت أريدها”. وعندما أكلها، قال لي: “أحببتُها جداً. طبعاً، هذه الأشياء ضرورية، إلا أننا لا يجب أن نعير أهميّة كبرى للأمور المادية مقارنة بما علينا إعطاؤه للأمور الروحية”. دائماً ما كان الشيخُ يذكِّرنا بهذه الأمور.

مرةً أخرى، ذهبت لرؤيته برفقة زميل لي، وكانت الساعة تقارب الـ 11:00 صباحاً. كان الشيخ نائماً في ذلك الوقت، فقلت لزميلي بأنه علينا إيقاظُه. فاستشاط زميلي غضباً وقال لي: ” ألا تشعر بالخجل؟ الشيخ نائمٌ ونحن نريد إيقاظه؟”، أذعنتُ لغضب زميلي فغادرنا. في المساء، حوالى الساعة 5:00، عدتُ بمفردي، فأخبرته: “أيها الشيخ، في الصباح حوالى الساعة 11:00، جئت لرؤيتك مع زميل لي، وبما أنك كنت نائماً غادرنا”. فغضب بشدة وقال لي: “لماذا فعلتم ذلك؟ لقد أضعتُ كنزي. ماذا كنتُ أفعل طوال النهار سوى الأكل والشرب والنوم، وأنتما أضعتما كنزكما، لأن الله، في ذلك الوقت، كان سيُنيرني بما كنت سأقوله لكما”. وهكذا نرى أن الشيخ لم يتأسّف، بل كان مسروراً أن يفقد هدوءه باستمرار منذ طلوع الشمس وحتى المغيب. أراد، أيضاً، أن يُخبر العالمَ بأنه كان يحيا الإنجيل المقدس.

مرةً، قرر الشيخُ، وهو في سن الخامسة والتسعين، أن يُجريَ جراحة لعينيه. فقلتُ له مستفزاً: “أيها الشيخ، ألا يكفي ما تعلمتَه وسمعتَه ورأيته خلال خمسة وتسعين سنة من عمرك؟ ألا تزال ترغبُ بالتعلُّم والقراءة؟” أجابني: “نعم، فكلُّ ما لم أتعلمْه، عندما كان بمقدوري ذلك، عليَّ قراءته الآن”. من المؤكد أنه كان يقصدُ أموراً تتعلَّقُ بتوبته وخلاص نفسه. ماذا علينا أن نفعل الآن، ولدينا إمكانية الرؤية والصحَّة؟ دعونا نتعلّم مما قاله الشيخ، الذي أراد، حتى آخر لحظة من حياته، أن يتعلّم عن كل أمر مهم يتعلق بالله.

مرةً أخرى، زرته مع آخرين، دون أن نجلب له هديةً، فقال لنا: “أريدكم جميعَكم، لأنكم أدخلتموني الجنّة. لا أريدُ شيئاً آخر. لكن، انتبهوا لأجسادكم، يا أولادي، وحافظوا عليها نظيفة بالإعتراف المنتظم والمناولة المتواترة”.

مرةً، حينما سألتُه: “هل تصلّي، أنت أيضاً، من أجلنا، أيها الشيخ؟”، أجاب: “نعم، وأصلي، دون انقطاع، من أجل زائريَّ الذين يأتون في مركز خاريسيو Chariseio للرعاية الصحية ليُحفَظوا”

دائما ما كان يضع نفسَه في المرتبة الأخيرة في الصلوات ناعتاً نفسه بصفات وضيعة، مما يكشف تواضع الشيخ الحقيقي.

كان يفعلُ الشيءَ نفسَه عندما يَذكرُ الراقدين، فيبدأ، أولاً، بذكر أعدائه ثم بمعارفه وبأقربائه وأصدقائه، وفي الآخِر بنفسِه مع صفات وضيعة تَلي اسمَه.

كان يقول لمن هم في حزن أو يأس، وهم ليسوا بمستعدّين: “لا تقلقوا، لأنه حتى بعد أن نكون قد أخطأنا، بوجود الإخلاص والتوبة القلبية قبل الموت، بإمكان الله أن يمنحنا الخلاص”.

لكل زائر كان يستعمل، في حديثه، أفعال “يحمي، يَحفَظ، يحافظ” رسماً إشارةَ الصَّليب على رؤوسهم. دائماً ما كان يقول لهم وهو يبتسم: “إن قسطنطين، الذي جلبكم إلى هنا، هو الأشقى بينكم”. ثم يقول بلهجة جدية: “هو يفعل هذا لأنه يحب الله كثيراً”، ويقول: “نحن هنا اليوم، أما غداً فمن يدري أين نكون؟ ليكن ذهنُكم متفكّراً في الموت والفردوس”.

دنت منه سيدةٌ قائلةً: “أيها الشيخ، هل سنخلُص؟”، فأجابها الشيخ: “بما أنك سألتِني فسأعطيكِ رأيي. أقول لك بأننا، جميعاً، سوف نَخلص طالماً أننا نقوم بشيء من الجهد. فإذا ما كنتُ، أنا الأكثر إثما بين كل الناس على وجه الأرض، أقول لك هذه الأشياء، أفلا يفعل الله هذا وهو المحبة الكلّيّة؟ ما قولُكِ في هذا؟”.

عندما نقول له: “نرجو لك الملكوت، أيها الشيخ”، (يَظهر أنها عبارة متداولة)كان يقول لنا: “أنتم تُعطوني البركة الأعظم، إلا أن ذلك لن يحدث بسبب أعمالنا، لأننا خاطئون، بل بفضل تَحَنُّن الله”.

مرة أخرى، حين قلت له: “أرجو لك الملكوت”،(يَظهر أن العبارة تعني أن يصلي لهم لكي يدخلوا الملكوت) قال لي: “صَلِّ لكي يتسنّى لي دخولَه، وبعد ذلك لا تقلق، فكل شيء سيكون سهلاً عليك”.

في المرة الأخيرة التي تناول فيها القدسات من كاهن كان يخدم في كنيسة رؤساء الملائكة في سالونيك، وهو الأب بَنايوتي، وبحسب شهادة الأب: “كانت القُدُسات تَفوح بالطِّيب”. حادثة تشبه هذه رواها لي رئيسُ دير آثوسي، طلب مني عدمَ ذكر اسمِه. قال لي بأنه، عندما زار الشيخَ في مركز خاريسيو للرعاية الصحية، “كانت الغرفة كلُّها، حيث كان يقيم، تعبق بالطيب”. وحينما دنا إليه ليتأكد من صحة ما كان، لاحظ بأن “عطراً قويّاً كان يخرج من فم الشيخ ميتروفانس”.

في نهاية حياته، كان ثمّةَ فكرٌ يعذبه كثيراً، وهو تساؤله فيما إذا كان قد أخذ الإسكيمَ الكبير أم لا، إذ بدأ ينسى بسبب تقدُّمه في السّن. كان التّأكيد بأخذه الإسكيم يأتيه من رئيس دير غريغوريو، الأب فوتيوس كابسانيس، الذي كان قد ألبسه الإسكيم الكبير في أمطوش دير ستافروبوليس.

في كنيسة القديس نكتاريوس، الواقعة خارج مركز خاريسيو للرعاية الصحية، حيث كان يَحضر الخِدَم الكنسية بانتظام، كان الأب ميتروفانس يرى “القديسَ نكتاريوس مصلّياً بصحبة الكاهن في الهيكل خلال القداس الإلهي”. وكان، أيضاً، يرى “رؤى إلهيةً” في دير القديس إلفثاريوس في بانوراما- سالونيك. رأى، أيضاً، القديس نكتاريوس في جنازة الراهب بندلايمون الذي خدم كأمين سرّ للهيئة المقدسة في جبل آثوس: “خلال الجنازة، كان القديس نكتاريوس هو المتقدم”.

عندما أعطاه أحدهم أسماءً ليَذكرها في صلواته، كان يقول له: “نعم”. فيقولون له: “لماذا لا تُبقي الأسماءَ في حوزتك، أيها الشيخ، حتى لا تنساهم”، فكان يجيب: “لا تقلقوا، فإني أقول في صلواتي “وأنت تعرف أسماءهم يا رب”، فالله يعرف أسماءكم”.

دائماً، كان يُعطي الانطباع بأنه “يقاتل الله”. لا، لا، حتى ولو كان الأمرُ يبدو كما لو أنه يقاتل الله، فهو لم يكن كذلك، لأن سؤال الشخص نفسِه هو جواب الشخص نفسِه. “ربي، لقد اقترفتَ خطاً”. فكان يجيب: “هل يقترف اللهُ الأخطاءَ أصلاً؟”. “لماذا أبقيتَ عليَّ خادماً لقبركَ مدة 58 سنة كاملة وأنا أخاصم الجميع؟ تستطيع تصحيح ما فعلتَه”، وكان يُجيب: “لأنك، يا ميتروفانس، الخاطيء الأكبر على وجه الأرض، أنتَ لا شيء!”، كان الأب ميتروفانس يجيب ثانيةً: “بما أني لا شيء أمامك، يا رب، فماذا يَنقصني بعد؟ وهل هناك أفضل من ¢لا شيء¢ أمام ربي؟”. في أحيان أخرى يقول: “ها أنا آكُلُ وأشرب وأنام، وأنت تَتعهّد التكاليف، يا رب”، كان يقصد صاحب القداسة بندلايمون الثاني ميتروبوليت سالونيك، الذي كان يتكفّل بمصاريف علاجه، إثر نوبته القلبية في القبر المقدس وإحضاره من أورشليم إلى مركز خاريسيو للرعاية الصحية في سالونيك.

ما ترك فيَّ أبلغَ الأثر هو أنه لم يكن يتعب، فمنذ شروق الشمس إلى مغيبها كان يستقبل الناس، الأمر الذي كان يعزّيه.

وفي الأعياد الكبيرة، كالميلاد والفصح، اعتادت ابنة أخيه، الآنسة بوبي، أن تأخذه إلى بيتها، فكان يَدَّعي بأن المناخ يزعجه لذا يريد العودة إلى مركز خاريسيو للرعاية الصحية. لم تكن تلك هي الحقيقة، بأي حال. الحقيقة أن الشيخ كان يقابل، في مركز خاريسيو للرعاية الصحية، العديد من الناس الذين يمنحونه التعزية، ولكي لا يَدَعَهم بدون رجاء، كان بدوره يجعلهم أقرب إلى الله. إذا ما ذَكر لكَ الأمر نفسَه عشرة مرات، كان يقوله بطريقة ملؤها النعمة، حتى إنك تتعلّق بشفتيه وليس أنك لا تتعب وحسب”

الخطيئة الجديّة بحسب الأب يوحنا رومانيدس

الخطيئة الجديّة بحسب الأب يوحنا رومانيدس

الأب أنطوان ملكي

حلّل الأب رومانيدس كتابات آباء القرون الأولى في الكنيسة المسيحية، واستنتج أنّه بالرغم مما يراه الغرب المسيحي بأن أوغسطين هو أول كاتب ومدقق عالج هذا موضوع “الخطيئة الجدية”، إلا إنّ عدداً من الكتّاب الآبائيين الشرقيين عالجوا الموضوع نفسه وتوصّلوا إلى استنتاجات مختلفة عمّا توصّل إليه أوغسطين. هذا ما يعني أنّ الفهم الأوغسطيني لآدم والخطيئة لم يكن الفهم الوحيد ولا هو الأكثر أهمية بين لاهوتيي القرون الأولى. فلدى الشرق المسيحي كتّابه الذين اتّبعوا خطاً مختلفاً في التفكير.

يضع الأب رومانيدس، كنقطة بداية، موقع الموت الذي صار لآدم وللإنسانية. ما إن ابتعد البشر عن الله حتّى انوجد الموت  وتبعته الخطيئة، ما معناه أن خطيئة الإنسان هي الابتعاد عن الله.

يستشهد رومانيدس بالقديس باسيليوس في قوله: “على المنوال نفسه، بقدر ما ينفصل الإنسان عن الحياة، يقترب من الموت بالقيمة نفسها. لأن الحياة هي الله، وفقدان الحياة هو الموت. إذاً، هيّأ آدم الموت لنفسه بانسحابه من الله، كما هو مكتوب <الذين ينفصلون عنك يخسرون>. وعليه، الله لم يخلق الموت، لكننا نحن جلبناه لأنفسنا بعملنا السيء. ولا هو منع الفناء للأسباب التي سبق لنا قولها: حتّى لا يخلّد المرض فينا”.

من جهة أخرى، يستشهد رومانيدس أيضاً بالقديس أثناسيوس الكبير: “عندما ابتعد البشر عن الأبديات، بمشورة الشيطان، عادوا إلى أشياء الفساد وصاروا هو أنفسهم سبب التحوّل  إلى الموت”.

وحول خلق الإنسان وسقوطه، يكتب القديس ثيوفيلوس الأنطاكي: “لو أنّ الله خلق الإنسان منذ البداية خالداً، لكن جعله إلهاً. من جهة أخرى، لو كان صنعه قابلااً للموت، لكن الله ظهر وكأنّه علّة الموت. لهذا صنعه لا مائتاً ولا خالداً، كما ذكرنا سابقاً، لكنّه قابل لأن يكون أيّاً من الإثنين حتّى إذا ما مال نحو أمور عدم الموت وحفظ وصايا الله يستحق منه عدم الموت مكافأةً ويصير إلهاً. أمّا إذا تحوّل نحو أمور الموت بعصيانه الله، يصير هو علّة موته. فالله صنع الإنسان حراً وسيداً.

هذا الرفض لإرجاع سبب الموت إلى الله موجود ايضاً في أعمال القديس إيريناوس أسقف ليون، الذي يشدد على أنّ الشيطان هو علّة الموت. والرسول بولس لا يعلّم في أي مكان إلى أنّ الموت هو عقاب من الله. فالله لا يعاقب مباشرة بل بطريقة غير مباشرة، بسماحه للإنسان، إذا كانت هذه رغبته، بأن يبتعد عنه وبالتالي يصير خالياً من الحياة. لقد سمح الله بموت الإنسان، حتّى لا يصير خالداً في الخطيئة. يقول القديس ثيوفيلوس “هذه بالحقيقة ؟؟  إنه إحسان عظيم من الله منحه للإنسان، وهو ألاّ يبقى إلى الأبد في الخطيئة”. هنا تظهر نقطتان مهمتان من المقاطع المقتَبَسَة أعلاه: 1) الله لم يخلق الموت، 2) موت البارّ لم يُسمَح به بسبب الغضب الإلهي بل بسبب الإشفاق الإلهي فقط.

لا يميل الآباء الشرقيون إلى رؤية الموت وكأنّه عقاب  غاضب من الله للبشر. بالأحرى، يتمسّك الآباء الشرقيون بصلاح الله، ويؤمنون بأنّه بصلاحه يمنح الإنسان الإرادة الحرّة وحرية الاختيار. البشر هم مَن يقرر الانفصال عن الله، وهذا هو الموت تعريفاً، إذ يفصل البشر أنفسهم عن مصدر الحياة. لم يُخلَق البشر لا كمخلوقات كاملة ولا مكمّلة. فهم، إذ أُعطوا الإرادة الحرّة وحرية الاختيار حصلوا على إمكانية اختيار الكمال أو عدم. إذاً، لا يسقط البشر من حالة من الكمال إلى بعض أشكال الوجود الأقلّ كمالاً. فالله لم يختَر بل البشر اختاروا، ففي النهاية هو مَن منحنا الإرادة الحرّة وحرية الاختيار. يسمح لنا الله بأن نختبر نتائج اختياراتنا. لقد مال الكتاب الابائيون إلى النظر إلى الموت كنتيجة وكأن الإله الرحوم لا يسمح للبشر بأن يبقوا الخطيئة إلى الأبد. لكن نزولنا إلى قابلية الموت جعلنا عبيد للموت.  من هذا السجن، ينقذنا الله ويبيد السجّان الذي يمسكنا في الاعتقال.

لم يخلقنا الله غير قابلين للسقوط، فهذا كان ليعني أننا بلا إرادة حرّة. لم يخلقنا الله خطأو، ولا هو فرض علينا أيّ نوع من حالات القدرية التي لا نستطيع، ونحن فيها، أن نختار غير الخطيئة. لم يرغب الله لنا بأن نخطأ أو نموت، بل سمح بأن يكون لدينا إمكانية اختيار الاثنين. إذا ما سمحنا للمحبة بأن تكون قائدتنا نصير قادرين على اختيار مشيئة الله. ما أن ابتعد البشر عن الله حتّى دخلت قابلية الموت في الصورة، وصارت  قدرة الإنسان على اختيار بشكل مناسب  أكثر ضعفاً، وصار للموت والخطيئة تأثير على فكرنا، ما جعل اختيار الخير أمراً اكثر صعوبة على البشر.

يقدّم الأب رومانيدس افتراضات أساسية حول أساس الفهم الأرثوذكسي الشرقي للدور الذي يلعبه كلّ من آدم والخطيئة والموت في فهم كلٍ من الخلاص ومعنى أن يكون الإنسان إنساناً. أولاً، الموت هو مشكلة الإنسان، أكثر مما الخطيئة هي مشكلة له. فالموت هو رمز انفصالنا عن الله ونتيجة هذا الانفصال. الموت هو آخر عدو يغلبه الله في مخططه العظيم للخلاص. البشرى الحسنة هي إفناء الموت.

ينظر الآباء الروميّون إلى الخلاص من منظار كتابي ويرونه كافتداء من الموت والفساد وشفاء للطبيعة البشرية التي اعتدى عليها الشيطان…. في الغرب يوجد العكس حيث لا يعني الخلاص، أولاً وقبل الكلّ، خلاصاً من الموت والفساد، بل من الغضب الإلهي”. وهكذا يميل الشرق إلى ألاّ يرى الخلاص كتخلّص من الغضب الإلهي (وبالتالي تحرر من الله نفسه)، بل بالحري الخلاص هو شيء يقوم به الله للبشر ليحررهم من عدوهم الحقيقي – الموت.

لم يكن السقوط بالنسبة للاهوتيي الكنيسة الأوائل مسألة قانونية بل بالأحرى عجز الإنسان عن بلوغ الكمال والتمجيد (theosis) لأنّه وقع بين يدي مَن له قوة الموت. وهكذا، الخلاص عندهم كان إبادة قوة الشيطان واستعادة الخليقة إلى مصيرها الأصلي عن طريق كمال  الإنسان وتألهه. ما خسره البشر في السقوط لم يكن القدرة على اختيار الخير، بل شركتهم مع الله. نحن صرنا منفصلين عن مصدر الحياة. لقد أُعطي للبشر القدرة على اختبار الاتحاد مع الله من خلال خياراتهم. لكن بالابتعاد عن الله، صاروا منفصلين عنه وخاضعين للخطيئة والموت. يسعى الله نحو البشرية بالمعونات ليقود البشر معيداً إياهم إلى الطريق الصحيح. لكن، بالمطلق، خيار الله هو إبادة الموت نفسه حتّى تعود البشرية إلى الشركة الكاملة معه.

ما يبقى غير مقترب إليه خلال هذه العملية هو الإرادة الحرّة. لا يشنّ الله حرباً ضد الشر بالقوّة ولا بتجريد الخلائق من الحرية بل بأن يحتمل الألم باستمرار بالمحبة والعدل. لم يمل كتّاب المسيحية الشرقيون إلى تحميل البشرية أي نوع من قابلية الخطيئة المقدّرة والتي قد تحدّ حرية إرادتنا. لذا نحن مسؤولون أمام الله عن خياراتنا ولا يمكننا أن نلوم القَدَر أو جيناتنا أو طبيعتنا أو تربيتنا. نحن دائماً نقوم بخيارات نتحمّل مسؤوليتها، من هنا الصلاة غير المنقطعة في الأرثوذكسية: “يا رب ارحم!”

الخيار الحر كان جزءً من الكيان البشري منذ البدء، فهو في صلب الطبيعة التي خلقنا الله بها. فالإنسان قد خُلِق في طبيعة وسطية، لا هو بالكليّة قابلاً للموت ولا هو بالكليّة خالد بل هو مؤهّل لكلا الحالين. الوصيةا تشير إلى أي عمل غير حفظ وصايا الله. بحسب القديس إيريناوس، الرحل والمرأة الأولان لم يكونا كاملين أخلاقياً منذ البدء وإلا لكن هذا يعني أنه تنقصهما الإرادة الحرة، وكل أعمال البشر بالحقيقة لا معنى أخلاقي لها. لهذا، صلاحهما كان ليكون بلا معنى لأنّه من جوهرهما وليس من إرادتهما. كانا ليمتلكا الصلاح أوتوماتيكياً بدلاً من الاختيار. إذاً جدّانا الأولان أعطيا فرصة التألّه، لكنّهما لم يكونا مخلوقين كاملين ولا حتى بلا خطيئة، لأنّ الإنسان يمكن أن يكون خاطئاً أو بلا خطيئة فقط من خلال الخيارات التي يتّخذها. لقد خلِق البشر بإمكانية أن يكونوا كاملين إذا اختاروا ذلك.

عندما نأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن الإنسان خُلِق ليصير كاملاً بالحرية والمحبة، على شكل كمال الله، أي بمحبة الله وقريبه بنفس الطريقة الخالية من الأنانية التي يحب الله العالم بها، يصير ظاهراً أن موت النفس، اي فقدان النعمة الإلهية، وفساد الجسد جعلا هذه الحياة الكاملة مستحيلة.  بقوة الموت والشيطان، الخطيئة التي تسود على الإنسان تنشئ الخوف والقلق والغريزة العمومية لحماية الذات أو الحياة survival. بسبب الموت، صار على الإنسان أن ينتبه أولاً لضروريات المعيشة لكي يبقى على قيد الحياة. في هذا الصراع لا يمكن تلافي الاهتمامات الذاتية. وهكذا، لا يستطيع الإنسان ان يحيا بتناغم مع مصيره الأوّل أي المحبة الخالية من الأنانية.

يخسر البشر قدرتهم على أن يكونوا خليقة مَحَبة، مُحِبَّة لله  وللأخ، بقدر ما يهتمّون كبشر البقاء على قيد الحياة والحفاظ على النفس. تدفعنا الخطيئة بعيداً عن الله. تظهِر المسيحية لنا طريق العودة إلى الله، إلى الكينونة بشراً كاملين، لذا هي تتضمّن المحبة المضحّية بالذات: تقليد المسيح الذي نتممّه في حمل الصليب لاتّباعه.

الحبّ والحرّيّة

الحبّ والحرّيّة

الأرشمندريت توما بيطار

 

باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين.

المسيح قام.

الرّبّ يسوع يوصي تلاميذه، ولا يأمرهم. بين الوصيّة والأمر فرق شاسع. في الوصيّة هناك عشراء، هناك صداقة، هناك مودّة، هناك محبّة، هناك قربى. الأب، عادة، يوصي أولاده. الرّجل الشّيخ يوصي الفتية، الرّجل الحكيم يوصي مَن هم أقلّ حكمةً منه… أمّا الأمر، فيصدر عن صاحب سلطان. والرّبّ يسوع، على الرّغم من أنّه صاحب سلطان، لا يأمر، ولا يشاء أن يأمر، لأنّه جاء لا ليُخدَم، بل ليخدُم. لم يأتِ كرئيس، بل جاء كخادم للجميع. وهو لا يشاء أن يعطي الانطباع أنّه كالرّؤساء، في هذا الدّهر، الّذين يأمرون، وكلمتهم تكون قاطعة من جهة النّاس. الرّبّ يسوع ينعطف على تلاميذه؛ وتاليًا، ينعطف علينا، ليوصينا بالوصيّة الوحيدة، وصيّة المحبّة: “أوصيكم أن يحبّ بعضكم بعضًا”. الحقيقة أنّ محبّة الله لنا ومحبّتنا لله تظهران من خلال محبّتنا بعضنا لبعضنا الآخر. مَن لا يحبّ أخاه، فلا يكون محبًّا لله، ولا يعكس محبّـة الله له. وهذه المحبّة علينا أن نتعاطاها في العالم الّذي لا يحبّ، ولا يعرف أن يحبّ. على العكس، في العالم هناك مصالح، وليست هناك محبّة. لذلك، الّذين لا يسلكون وفق منطق العالم، أي منطق المصلحة والمداهنة والرّياء والكذب… فإنّ العالم يُبغضهم. العالم لا يمكنه أن يستوعب محبّة الله، ولا أن يقبلها. محبّة الله تُنكر العالم، لأنّ العالم الّذي تكلّم عليه الرّبّ يسوع، هنا، ليس العالم الّذي خلقه الله. العالم الّذي خلقه الله عالم مُبارَك. الخليقة تساوي العالم. ولكن، هنا، العالم يساوي الخطيئة، الّتي أضحت متمثّلة في المجتمع بشكل مؤسّسة، وأصبحت خطيئة منظَّمَة. لذلك، أركان العالم هي، بالضّبط، أركان الخطيئة، أوّلاً وأخيرًا. العالم يحبّ خاصّته الّذين، عمليًّا، يحبّون ذواتهم، ويحبّون الخطيئة. في مثل هذا العالم، لا مكان، في الحقيقة، للوصيّة الإلهيّة؛ وتاليًا، لا مكان للمحبّة الأصيلة.

“أنتم لستم من العالم، أنا اخترتكم من العالم. لأجل هذا يبغضكم العالم”. نحن ننتمي إلى عالم آخر، وعلينا أن ندرك أنّنا لا ننتمي إلى هذا العالم. وإذا رأى النّاس، في هذا العالم، أنّنا مختلفون عنهم، فهذا لا يجوز أن يكون سببًا لكي نكون مثلهم، لكي نعمل أعمالهم، لكي نفكّر كما يفكّرون! نحن مختلفون عن العالم، لا بالضّرورة لأنّنا بشر قدّيسون، بل لأنّ علينا أن نكون قدّيسين. نحن ننتمي إلى الله، ننتمي إلى قداسة الله. لذلك، ننتمي إلى فكر آخر، ننتمي إلى طريقة أخرى، في الحياة. لهذا، نحن ننتمي إلى الملكوت على الأرض. طبعًا هذا يستلزم أن يُحاذر كلٌّ منّا اقتبال فكر العالم وطريقته ، وخبراته. هذه علينا أن نجتنبها في كلّ الأحوال. لا يمكن الإنسان أن يكون محبًّا للعالم ومحبًّا لله في آن. تعلمون القول الإلهيّ: “محبّة العالم عداوة لله”، و”لا تحبّوا العالم ولا الأشياء الّتي في العالم، لأنّ محبّة العالم عداوة لله”. إذا أردنا أن نتبيّن هذا الاختلاف بيننا، نحن الّذين ينتمون إلى ملكوت الله، وبين العالم، فبإمكاننا أن نأخذ أمثلة عديدة. مثلاً، العالم يعتبر أنّ الكذب أمر مقبول، إذا كان ينفع مصلحة الإنسان والمجتمع. كذلك الأمر، الأمانة، في العالم، ليست مطلوبة. المطلوب هو أن يسعى كلّ إنسان لمصلحته ومصلحة جماعته، وحتّى لمصلحة وطنه. هذه ليست أمانة أبدًا! الأمانة أن يكون الإنسان أمينًا للقيم، للمبادئ، للوصيّة الإلهيّة الّتي أسلمنا إيّاها الرّبّ يسوع. في العالم، مثلاً، الزّنى أمر عاديّ جدًّا! لا بل هو شيء مرغوب فيه، ويُعتبَر مرتبطًا بالطّبيعة! هذا ليس أبدًا ما نفكّر فيه، أو ما نقبله… بإمكان الإنسان أن يسترسل في الحديث عن أركان العالم الّتي تختلف تمامًا عن أركان ملكوت السّموات، وعن أركان الكنيسة. لهذا السّبب، لا يمكننا إطلاقًا أن نجعل حياتنا من طينة هذا العالم. نحن من طينة مختلفة! نحن نقرأ في غير كتاب! نحن نقرأ في كتاب الله، وننتمي إلى جسد المسيح! هذا علينا أن نحافظ عليه دائمًا، في هذا العالم! ليس المطلوب أن نخرج من هذا العالم، إنّما أن نحافظ على أنفسنا، بنعمة الله، في هذا العالم. نحن في هذا العالم، لكنّنا لسنا من هذا العالم. طبعًا، هذا ليس بالأمر السّهل إطلاقًا، لأنّ الإنسان لا بدّ له من أن يشعر، إذا ما سلك في هذا المسار، بأنّه غريب! ولا بدّ للآخرين، أيضًا، من أن ينزعجوا منه، لأنّه مختلف عنهم. ولكن، هذا بالضّبط هو الواقع المستمَدّ من الوصيّة الّتي أسلمنا إيّاها الرّبّ يسوع، ونحن، بكلّ بساطة، أبناء الملكوت على الأرض! نحن ننتمي إلى مملكة أخرى، وإلى ذهنيّة أخرى، وإلى مفاهيم أخرى. كلّ هذا يجب أن يجعلنا، لا أمناء فقط لله، إنّما أيضًا نسلك بفرح وسرور في ما أوصانا به الرّبّ الإله؛ إذ ذاك، نحقّق هويّتنا. نحن لنا هويّة مختلفة! الرّبّ يسوع، هنا، يقول إنّه قد أعطانا نفسه مثلاً. هو في العالم قد اضطُهد. فإذا كـنّا نحن له، فعلينا أن نتوقّع أن نُضطَهَد نحن أيضًا: “إن كانوا قد اضطهدوني، فسيضطهدونكم أنتم أيضًا”، “وإن كانوا قد حفظوا كلامي، فسيحفظون كلامكم أيضًا”.

طبعًا، هناك أناس، في هذا العالم، يحافظون على الأمانة لله. ليس كلّ النّاس، في نهاية المطاف، يتعاطَون بعداوة مع الله. هناك أيضًا أناس “لم يحنوا ركبة لبعل”، الله عارف بهم، وهؤلاء سيسمعون الكلمة ويحفظونها. يسوع جاء وكلّم العالم بالحقّ. وكلّ الّذين كانت فيهم نفحة الحقّ، هؤلاء سمعوا وحفظوا. أمّا الّذين لم يشاؤوا أن يسمعوا، فالكلام الّذي كلّمهم به الرّبّ يسوع يكون دينونة لهم، يكون خطيئة لهم: “لو لم آتِ وأﮐـلّمهم لم تكن لهم خطيئة”! كلمة الرّبّ يسوع إمّا تبرّرنا، أو تجعلنا خطأة. لهذا، علينا أن نتعاطى مع الكلمة الإلهيّة بالكثير من الجدّيّة والرّصانة، لأنّها هي الّتي تبرّرنا، وهي الّتي تديننا. ثمّ إنّ مَن يُبغض التّلاميذ يُبغض الرّبّ يسوع، ويبغض أيضًا الآب السّماويّ. الرّبّ يسوع عمل كلّ ما يمكن أن يُعمل لكي يخرج النّاس من الخطيئة الّتي يتمرّغون فيها، في العالم. هو شفى المرضى، وطهّر البرص، وأقام الموتى، وطرد الشّياطين، وعلّم الوصيّة: “لو لم أﮐـن قد عملتُ بينهم أعمالاً لم يعملها آخر، لم تكن لهم خطيئة”! الرّبّ يسوع عمل ويعمل، في الحقيقة، كلّ ما نحن في حاجة إليه للخلاص. ولكن، إذا كان الإنسان لا يشاء أن يسمع، ولا يشاء أن يقبل، ويعاند، ويتمسّك برأيه وأهوائه؛ فإنّه، إذ ذاك، يجعل خطيئة على رأسه. الحقيقة أنّ الإنسان الّذي يحبّ نفسه يُبغض الرّبّ يسوع المسيح بلا سبب، ولا يحتاج إلى سبب إطلاقًا لكي يدخل في عداوة مع الله. السّبب هو أنّ قلبه ليس نقيًّا، هو أنّه لا يشاء أن يسمع الكلمة، لا يشاء أن يقبلها لأنّها تزعجه، لأنّها تناقض أهواءه، تناقص رغباته… مشكلة الإنسان الأساسيّة أنّه يريد أن يعيش على هواه! كثيرون، في الحقيقة، يفضّلون التّـفلّت، لأنّه يجعلهم يشعرون بأنّهم أحرار. طبعًا، وصيّة المسيح تقيّد الإنسان، لكنّها تقيّده إلى الحرّيّة، لا إلى العبوديّة أبدًا. إنسان الخطيئة يتصوّر أنّ الحرّيّة معناها أن يفعل الإنسان ما يشاء. طبعًا، هذا يجعل الإنسان يسقط في الخطيئة. ومَن يسقط في الخطيئة، يفقد حرّيّته، ويصير عبدًا لها. أمّا الرّبّ يسوع، فإذ يعطينا وصيّته، يعطينا، في الحقيقة، فرصة للحرّيّة الحقّ، الّتي هي أن يعرف الإنسان أن يقيّد نفسه بوصيّة الله، لأنّها تفتح له أبواب الحرّيّة الحقّ المرتبطة بالحبّ، وإن كانت، في الظّاهر، تقيّد الإنسان. الإنسان الّذي لا يقتبل وصيّة الحبّ لا يمكنه أن يكون حرًّا، بل يكون عبدًا لنفسه وللخطيئة. لذلك، بوصيّة الحبّ وحدها يصير الإنسان حرًّا بمعنى الكلمة.

إذًا، الحرّيّة، تحديدًا، هي أن يكون الإنسان حرًّا من هواه، حرًّا من عبادته لنفسه، حرًّا من مشيئته الخاصّة. إذ ذاك، يكون الإنسان حرًّا. أمّا الحرّيّة المطلقة، أي أن يصنع الإنسان ما شاء ومتى شاء، فهذه ليست حرّيّة، هذه خدعة من خِدع الشّيطان الّذي يوهمنا بأنّنا إذا فعلنا ما نشاء، إذا فعلنا ما نرغب فيه، فإنّنا نصير أحرارًا. هذا كذب! بالنّسبة إلى الله، إذا أردت أن تصير حرًّا، فعليك أن تحبّ، عليك أن تتعلّم كيف تخرج من نفسك، كيف تخرج من أهوائك. إذ ذاك، متى فعلت ذلك، تصير حرًّا بمعنى الكلمة. إذًا، الإنسان الّذي يحبّ العالم، أي الّذي يحبّ نفسه وإرادته وأهواءه، هذا يُبغض الرّبّ يسوع المسيح بلا سبب! الرّبّ الإله يعطيه كلّ الأسباب حتّى يتحرّر، حتّى يتنقّى، حتّى يتقدّس، حتّى يحبّ، لكنّه لا يشاء لأنّه يفضّل أهواءه على كلّ شيء آخر. والرّبّ يسوع يعطينا المعزّي لكي يشهد لِما قاله إلى الأبد. إذًا، نحن، كلّ يوم، نتلقّى شهادة الرّوح القدس عن الآب السّماويّ، وعن الرّبّ يسوع الّذي أعطانا وصيّة المحبّة. المطلوب أن نكون متعاونين مع الرّوح القدس، وأن نشهد معه، لأنّ المفترَض بنا أن نكون قد تمرّسنا بالحرّيّة الحقّ والمحبّة الحقّ: “أنتم أيضًا تشهدون لأنّكم معي منذ الابتداء. قد كلّمتكم بهذا لكي لا تشكّوا”، إذ تكون هناك دائمًا أسباب للشّكّ بالرّبّ يسوع. ولكن، الرّبّ يسوع أعطانا، أوّلاً، الوصيّة، ثمّ أعطأنا القيامة ختمًا للحقيقة، لكي لا نشكّ فيما بعد. ولكن، علينا أن نكون واقعيّين وأن نفهم أنّ العالم سوف يُخرجنا من المجامع، أي إنّه لن يقبلنا في وسطه، بل سيضايقنا، سيزعجنا، سيتسبّب لنا بآلام كثيرة، وسوف تأتي “ساعة يظنّ فيها كلّ مَن يقتلكم أنّه يقدّم عبادة لله”!

إذًا، نحن قطيع مُباع، عمليًّا، للموت من أجل الحقّ، للموت من أجل الوصيّة، للموت من أجل الله! العالم لا يمكنه إلاّ أن يضطهدنا، لأنّه حامل الخطيئة، والخطيئة حاملة لروح الشّيطان، والشّيطان يحاول، بكلّ الطّرق، من خلال عملائه، من خلال نَفَسه، من خلال تعليمه، أن يُفسد علينا الوصيّة الّتي أسلمنا إيّاها الرّبّ يسوع. ولكن، علينا أن نتوقّع الأسوأ، إذا ما سلكنا بأمانة من جهة الله. “سوف تأتي ساعة يظنّ فيها كلّ مَن يقتلكم أنّه يقدّم عبادة لله”! هذا منتهى العمى! حين يصل الإنسان إلى حدّ يضطهد فيه مَن هم لله باسم الله، فإنّ الحسّ فيه، إذ ذاك، يكون قد مات، ولا يعود يرى إطلاقًا، ولا يميّز إطلاقًا بين ما هو للحقّ وما هو للباطل. كلّ هذا لا بدّ من أن يأتي علينا. ولكن، “مَن يصبر إلى المنتهى، فهذا يخلص”. علينا أن نتمسّك بالأمانة في كلّ حين، والرّبّ الإله يعطينا، في نهاية المطاف أن ننتصر: “كلّ الأمم أحاطوا بي، وباسم الرّبّ قهرتهم”.

آمين.

عظة حول يو15: 17- 27، 16: 1- 2، السّبت 24 نيسان 2010.

ذكر الله من خلال صلاة يسوع عند القديس ذياذوخوس أسقف فوتيكي

ذكر الله من خلال صلاة يسوع عند القديس ذياذوخوس أسقف فوتيكي

إعداد الخورية سميرة عوض ملكي

القديس ذياذوخوس أسقف فوتيكي هو من رواد صلاة اسم الرب يسوع. وقد اكتسب شعبية كبيرة في عالم روحانية الصحراء البيزنطي. في كتابه “مئة مقالة في المعرفة الروحية” ينصح بتطهير القلب وبذكر اسم يسوع، وليس الله فقط. وهو الكاتب الأول الذي يشير إلى ذكر اسم يسوع دون أن يقترح شكلاً محدداً لهذه الصلاة. فهو يشدد على ذكر الله ذكراً داخلياً مستديماً. فالذكر المدعوم بالصمت يحفظ حرارة النفس وتجمّعَها وخشوعها ويأتي بالقلب إلى التوجع والوداعة. إن الذكر (ذكر الله والخير والمحبة الروحية، ذكر الذهن والقلب) يرد مراراً وتكراراً عند ذياذوخوس. وذكر الله بحرارة ينبع الشوق إلى الله من أعماق القلب. ويحدد ذكر الله بذكر الرب يسوع أو اسم يسوع وهو السلاح الأكبر ضد أوهام الشياطين ووسيلة البلوغ إلى رؤية النفس ورؤية النعمة في النفس. كما يلاحظ ذياذوخوس اقتران كلمة صلاة بكلمة انتباه أو يقظة ولهذا السبب ينقاد مفسرو كتاباته وكتابات غيره من الهدوئيين إلى إيراد كلمة انتباه مكان كلمة صلاة استناداً إلى بعض المخطوطات، خاصةً أن الكلمتين متقاربتين جداً في اليونانية.  وهو يعلّم كثيراً عن ذكر الله إذ هو يحمي من الميل إلى الشر: “ينبغي أن نعرض دائماً عن الميل الذي فينا إلى الشر بدأبنا على ذكر الله”، “حواء… حين… استسلمت للهوى… أشركت آدم في خطيئتها… إذ لا يمكن للذهن البشري في حالة كهذه أن يذكر الله ووصاياه إلا بصعوبة. أمّا نحن فلنشخصنّ بنظرنا دائماً إلى أعماق قلوبنا ذاكرين الله ذكراً لا ينقطع…” إضافةً إلى أن هذا الذكر هو مصدر المعرفة التي لا تخطئ: “نعرف دون خطأ، الحالة التي تلازم الحديث الإلهي إذا كنّا في الأوقات التي لا نتكلم فيها ننصرف، في صمت خالٍ من أي اهتمام آخر، إلى ذكر الله ذكراً حاراً”. وهو مصدر التعزية الحقيقية: “تحصل التعزية الصالحة حين يكون الجسد ساهراً، أو حتى عندما تبدأ فتظهر عليه علامات نعاس قريب فيما نحن ملتصقون بحب الله في ذكر له حار. أمّا التعزية الوهمية فهي على العكس من ذلك تحصل دائماً حين يكون المجاهد قد دخل في سبات خفيف وهو يذكر الله بفتور. فمن عادة التعزية الأولى ما دامت صادرة عن الله، أن تدعو جلياً نفوس أبطال التقوى إلى حبه في انسكاب للنفس كبيرة. أمّا التعزية الأخرى التي اعتادت أن تهيّج النفس ريح مضلّة فتحاول استغلال نوم الجسد لتسلب الذهن خبرة حسه المحتفظ بذكر الله تاماً. فإذا ما صادفت هذه التجربة الذهن متحداً بذكر الرب يسوع بانتباه ويقظة كما سبق القول فهو يبدّد ريح العدو الزائفة العذوبة ويبادر بفرح إلى محاربته متسلحاً إلى جانب سلاح النعمة الأول بفخر خبرته.” ويضيف أنّ بدون ذكر الله لا يستطيع الذهن أن يتبيّن زلاته: “قليلون جداً هم الذين يتبيّنون بدقة كل زلاتهم. فإن هذا فقط شأن الذين لا يتيحون لذهنهم الاقلاع أبداً عن ذكر الله”. “سوف نفلت من شعور الفتور والجبن إن حصرنا فكرنا في حدود ضيقة ووجهّنا نظرنا إلى ذكر الله وحده. هكذا فقط يعود الذهن سريعاً إلى حرارته ويمكنه التحرر من هذا التشتت الغاشم.” ويستفيض في تشديده على أن يكون ذكر الله الشغل الشاغل للإنسان حتى لا يتراخى ويفقد حبه للفضيلة: “مَن يتوخى تنقية قلبه فليلهبه دائماً بذكر الرب يسوع جاعلاً من هذا الذكر وحده دراسته وممارسته الدائمين… كذلك مَن لا يذكر الله إلاّ من وقت إلى آخر يفقد بتراخيه ما يظن أنه قد اكتسبه بالصلاة… إن خاصة الإنسان المحب للفضيلة هي أن يحرق دائماً بذكر الله ما هو أرضي في قلبه حتى يبيد الشر شيئاً فشيئاً بنار ذكر الصلاح، وتعود النفس تماماً إلى ضيائها الطبيعي بمزيد من البهاء”. وقد يقترن هذا الذكر بأمور أخرى تثبته كالتفكير بالموت: “لأن ذكر انحلال الجسد يستطيع لوحده ضبط نوعي الأرواح الشريرة (اللطيفة والمادية) عن طريق ذكر الله”. ويرى أنّ الذكر يؤدي إلى الفرح إذ تكون النفس قد تنقّت: “بعد أن يكون التبكيت الإلهي قد محّصها تمحيص الأتون تكتسب النفس في ذكر حار لله قوة فرح خالٍ من التصورات.” هذا ويؤكد أنّ الذكر يكون باستدعاء اسم يسوع من خلال الصلاة المعروفة باسمه: “عندما نُغلق على الذهن كلّ مخارجه بذكر الله يتطلب منا قطعاً عملاً يرضي حاجته إلى العمل. فيقتضي إذاً إعطاؤه “الرب يسوع” عملاً وحيداً يلبّي غايته بصورة كاملة… لكن عليه أن لا يتأمّل على الدوام في كنوزه الداخلية سوى هذه العبارة فقط دون غيرها فلا يحيد عنها إطلاقاً إلى أي تصوّر كان. فإن جميع الذين يتأملون في أعماق قلوبهم بهذا الاسم الجليل الأقدس وبدون انقطاع، هؤلاء يستطيعون يوماً مشاهدة نور ذهنهم عينه أيضاً. لأنه إذا أُبقي اسم يسوع بالذكر في أعماق القلب باهتمام شديد فهو يحرق، في شعور حاد، كل الدنس الذي يغشى سطح النفس… بعد ذلك يدعو الرب النفس إلى محبة مجده محبةً عظيمة لأن ذلك الاسم الجليل والمشوق إليه جداً، إذا ما ثبت بواسطة ذاكرة الذهن في حرارة القلب، يرسّخ فينا عادة محبة صلاحه دون أن يعارضها شيء فيما بعد.” ولكن استدعاء ام يسوع وصلاته بحاجة إلى تحرر من الأهواء: “عندما تكون النفس مضطربة بالغضب أو مشوشة بالسكر أو مثقلة باليأس، لا يقدر الذهن، مهما عنف، أن يضبط ذكر الرب يسوع… أمّا إذا كانت ذاكرة الذهن بالعكس حرة من الأهواء… فإن الذهن يعود سريعاً إلى عمله ويستولي بحرارة على تلك الغنيمة الخلاصية المشتهاة. لأن النفس حينذاك تضبط النعمة نفسها التي تتأمل معها وتصرخ صلاة “الرب يسوع”. وفي النهاية يتطرق ذياذوخوس إلى كيفية ممارسة صلاة يسوع مشدداً على عدم الإكثار من الكلمات غير التي في صلاة يسوع: “إذا ما استسلمت النفس إلى رغبتها في كثرة الكلام، حتى وإن كان كل ما تقوله حسناً، فإنها تبدد ذكرها لله من باب الكلام”. وبغض النظر عن كون هذه الصلاة بصوت عالٍ أو سرية ينبغي أن يشترك القلب فيها وأن تنتهي بصمت الصوت الذي يعطي حرارة للقلب: “حين تكون النفس راتعة في وفرة ثمارها الطبيعية ترفع ترتيلها عالياً وتبتغي المزيد من الصلاة الصوتية. أمّا إذا كان الروح القدس يفعل فيها فإنها ترتل وتصلّي في سر القلب بكثير من التسليم والعذوبة. الحالة الأولى يرافقها فرح سريع التخيل، أمّا الثانية فترافقها دموع داخلية روحية مع نشوة توّاقة إلى الصمت. لأن ذكر الله الذي يحفظ حرارتها عن طريق سكوت الصوت يعدّ القلب لأن يطفح بخواطر توجّع ووداعة.

كل الاقتباسات في هذا النص من كتاب “مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس أسقف فوتيكي”تعريب رهبنة دير الحرف. بيروت: منشورات التراث الآبائي. 1992.

إلى صديقتي المنتحرة

إلى صديقتي المنتحرة*

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

وأتلفت النار هذا العام أشجارًا يانعة، وارتدت القمم والسهول حلّة سوداء داكنة، وتوقّفت المياه الحيّة عن الجري، فتوقّف معها نبض الحياة، وأحرقت النار بقوّة تأجّجها أحشاء من أنجباك إلى هذا العالم.

لا جرم، يا عزيزتي، أنّك لست الأولى، ولن تكوني، بالتأكيد، الأخيرة في هذا الكون القلق التي ظنّت بأنّ وضعَ حدٍّ للحياة هو الحلّ الوحيد والأسرع للتخلّص من إخفاق يائس أو اختيار بشع.

كم أودّ لو أركض في الشوارع والساحات، وأنادي المعلّمين وأجمع الأهلين، وأقرع الأجراس ليوافيني الآباء الكهنة المرشدون، وأستغيث بالمُصلحين والمثقّفين: “النجدة، النجدة، هبّوا لمساعدة شبابنا لئلاّ يقطعوا آخر خيط من حياتهم في لحظة قنوط مظلمة”.

يا صديقتي المفقودة، والتي فقدت أبديّتها، كم وودت لو استطعت أن أصحبك، يومًا، بعيدًا عن صخب المدنيّة الحاضرة، وأضوائها الصفراء الباهتة التي امتصّت آخر رمق من حياتك، وملاهيها المجنونة التي عصفت بآخر ذرّة من عقلك، وثيابها الفاضحة العديمة الحشمة والخجل التي هتكت آخر إحساس من عفّة جسدك. كم وددت لو استطعت إبعادك عن مفهوم هذه المدنيّة الذي أغراك بأن تصارعي لتحصدي النجاح والمجد الفانيين، وأن تعيشي وللحظة الحاضرة فقط.

كم وودت لو اصطحبتك في نزهة روحيّة بين دفّتيّ الكتاب المقدّس بعيدًا عن بهرجة الحياة وزخرفها الغاشّ لنتذوّق، ولو لبرهة وجيزة، الحلاوة السماويّة، ونقطف أزهار الحرارة الروحيّة العطرة الشذا التي تنفحنا بها كلمات السيّد في صفحاته. كم وددت لو تعلّمنا، أنا وأنت، أن نقول: “هبنا، يا ربّنا، أعيننًا أخرى نرى بها جمالاتك ونطلبها فتغنينا. ولكن… لم أستطع أن أدرأ الخطر المتربّص بك، لأنّك كنت جدّ مسرعة للالتحاق بقطار الجحيم.

كم وددت لو استطعت أن أصطحبك في نزهة ليليّة، لنجلس سويّة على صخرة قرب شاطئ البحر، ونرقب نجوم السماء كيف تظهر الواحدة تلو الأخرى، لتزيّن قبّة السماء المظلمة، وترنو إلينا بنورها الخافت قائلة: “ها قد وضع البارئ أضواء ضئيلة في حياتنا تحثّنا على المضيّ قدمًا في دربنا. ثمّ يظهر القمر بنوره الوضّاء ليهمس في أذنينا، ساخرًا من سواد الليل: “لا تخافا العتمة، فالله هنا، ولا بدّ لنوره الوهّاج من أن يبدّد حلكة الظلام المحيطة بكما”.

كم وددت، أيضًا، لو أصطحبتك في رحلة بحريّة في قارب صغير تؤرجحه تموّجات البحر ما بين صعود وهبوط، ليقول لنا بأن الحياة صعود وهبوط ما بين سعادة وشقاء، ومدّ وجزر ما بين بؤس وهناء. ولكنّ السيّد الذي صعد في السفينة، يومًا، وسكّن هياج البحر بكلمة، قادر، الآن أيضًا، أن يحوّل كلّ شقاء الأرض إلى سعادة ورغد.

أتساءل، يا فتاتي، بتوجّع وتحسّر، ولكن بتعجّب أيضًا: ألم تقرأي في الكتب، وأنت على مقاعد الدراسة، بأنّ الحياة كنز ثمين علينا أن نعرف كيف نستثمره حسنًا؟ وبأن الطريق الذي نسير فيه غير مفروش بالورود والرياحين فقط، بل بالحجارة والطين والحفر على تباين عمقها وأنواعها؟! وأنّه من الطبيعيّ أن نسقط أحيانًا ثمّ ننهض تدفعنا قوّة ملؤها الرجاء والأمل، وأنّه من النافل القول بأنّ السقطة لا تهمّ بمقدار ما يهمّ وقوفنا من جديد بقلب ملؤه الصبر والثبات والتواضع؟! ألم يقل لك أحد بأنّنا إن خسرنا معركة في ساحة هذه الدنيا لا يعني أنّنا خسرنا الحرب، وبأنّه يجب التمسّك دومًا بالسلاح الأقوى من كلّ سلاح والذي هو الإيمان بالله؟!َ

ألم تعلّمك هذه الكتب بأنّه ليس من المهمّ أن تملأي المناديل دموعًا، بل الأهمّ أن تستعدّي لمعركة أخرى، أو ربما لسقطة أخرى، بشجاعة ورجولة؟! ألم تمدّك هذه الكتب بالثقة بكلام من قال: “ثقوا أنا قد غلبت العالم”. قولي لي، يا فتاتي، إذا لم تعلّمْك هذه الكتب كلّ هذا، فماذا علّمتك إذن؟!

لا شكّ أنّه كُتب فيها، ولو لم تعطي أهميّة لما كُتب، بأنّ الهدف من الحياة ليس قليل الشأن لهذه الدرجة، بل هو ورقة بيضاء نكتب نحن عليها كلّ ما يؤول إلى حياة خالدة لا تفنى، ولكن… سعيدة. ولا شكّ، أيضًا، أنّهم كتبوا، ولو لم تذعني لما كُتب، بأنّ الجهاد في الحياة يكبّر حجم جناحينا لنطير بهما عاليًا فوق ملذّات الحياة. ولا شكّ، أيضًا، أنّهم سطّروا، ولو لم تؤمني بما سُطِّر، أنّ الحياة ليست ملكًا لنا، ولا سلطان لنا لننهيها ساعة نشاء.

يا فتاتي، قولي لي ألم تقرأي، كذلك، بأنّ الحياة تقتضي المجابهة، والمجابهة الشجاعة. وبأنّ الحياة أنشودة، وعلينا أن ندندنها بلحن جميل، لأنّها هبة من الله الكلّيّ الجمال، وأنّها وزنة نتاجر بها بأمانة مَن سلّمها إلينا، وبأنّ الحياة هي الرجاء بكلّ ما هو أفضل؟ هل عرفت بأيّ صحفة من كتبك دُوِّنت كلمتا الشجاعة والرجولة المتعقّلة، والتي بدونهما لا نستطيع أن نخطو ولا خطوة واحدة في درب مليء بالأشواك العالميّة؟ فإن لم يكن كلّ هذا مدوّن في وريقات كتبك، فمن البيّن أن شهاداتك الجامعيّة قد أمست من دون فائدة، وعلومك ومعارفك قد غدت ورقة خريفيّة، لأنّها لم توصلك لمعرفة الحياة الحقيقيّة الحقّة.

يا فتاتي، لقد رحلت سريعًا وسريعًا جدًّا عن هذه الفانية، رحلت من دون أن تحجزي لنفسك مكانًا “حيث لا وجع ولا حزن ولاتنهّد”. أمّا أنا، يا فتاتي الحلوة، فأبقى خاوية من السلوان والعزاء بفقدك لو لم يملأني إيماني بأنّه ليست لنا ههنا مدينة باقية، بل نطلب الآتية التي أعمل جاهدة للوصول إليها نقيّة.

ترى، يا فتاتي، هل أستطيع أن أرنّم لك “ليكن ذكرك مؤبّدًا” في أحضان إبراهيم. الله الديّان وحده يعلم!!

ولكنّي، يا حلوتي، وإلى أن يعلِن الربّ حكمه النهائيّ في المجيء الثاني، لنّ أكفّ عن قرع باب رحمته ليفتح لك مصراع محبّته للبشر، إذ قد علّمنا آباء الكنيسة المقدّسة أنّ الصلاة لأجل المنتقلين تفيدهم، وتخفّف من عذاباتهم. فلك، إذًا، يا صديقتي، ذبيحة حبّي لك، صلاةً تعصر قلبي، وترتفع كالبخور أمام عرش الربّ السنيّ.

* عن مجلة “العالم” اليونانيّة.

الرعاية عند البطريرك أثناسيوس ابن الدبَّـاس


الرعاية عند البطريرك أثناسيوس ابن الدبَّـاس

إعداد ماريّـا الياس قبارة

أثناسيوس الرابع الإنطاكي الحلبي ابن الدبّاس،

“بطريرك الروم الملكيين الأرثوذكس في إنطاكية والمشرق”

مقدمة:

تحمل حلب في طياتها خمس ألفيات من التاريخ، إنها إحدى كبريات المدن القلائل التي بوسعها أن تفخر بمثل هذا الماضي ،عرفت حلب حضارات مختلفة مرت عليها تباعا من دون أن تفقد هويتها وميزتها.

خلال هذه المسيرة الطويلة هناك ثلاث ثوابت :

الموقع الجغرافي: (من الشرق إلى الغرب) هي في وسط الطريق بين المنعطف الغربي للفرات والبحر المتوسط، (ومن الشمال إلى الجنوب على الطريق المؤدي من الأناضول إلى قلب سوريا). تعلق الحلبيين بمدينتهم وولائهم لها

الطابع الديني العميق للمدينة:

هناك تغيرات من جراء تبدل الحدود (الشرقية والشمالية) ومن جراء تقلب الأوضاع السياسية والأمنية

ومن ميّزات حلب:

أنها طريق الغزوات ونقطة مجابهة بين قوات المنطقة المتصارعة.

أنها طريق المبادلات التجارية والمواصلات ونقطة التلاقي بين الحضارات.

– وفي تاريخها الطويل ثلاث حقبات كبيرة:

الحقبة السامية القديمة حيث كان اسمها” حلبو.

الحقبة الهلينية والرومانية حيث تسمت “بيرية” واكتسبت مسحة من الثقافة اليونانية

الحقبة العربية حيث استعادت اسمها حلب

الفصل الأول

1- مسيحيو حلب في الحقبة العربية:

مع الفتح العربي عام 637استعادت المدينة اسمها السامي القديم حلب وحلت اللغة العربية محل اليونانية والآرامية.

وانتشر الإسلام شيئا فشيئا على حساب الجماعة المسيحية التي حافظت مع ذلك على كيانها بفضل معاهدة الفتح التي أقرت بحرية العبادة للمسحيين مقابل دفع الجزية، وأصبح المسيحيون من أهل الذمة ينعمون بحماية الدولة المسلحة، وحافظ رؤسائهم الدينيون على ميزاتهم وكان لهم الحق في القضاء وإصدار الأحكام بموجب قوانينهم الخاصة عندما لا يكون أحد الطرفين مسلماً.

سقطت الحدود الشرقية القديمة مع المملكة الفارسية ونشأت حدود جديدة في الشمال تفصل المنطقة عن العالم اليوناني، ولم يعد المتوسط بحرا آمنا فتقلصت العلاقات التجارية مع الغرب.

وأصبحت حلب مدينة حدودية لا بل مدينة في الجبهة بذلت أكبر مجهود حربي ضد البيزنطيين والفرنجة. وبعد أن كانت مدينة ثانوية أخذت أهمية كبرى لا سيما مع الأمير سيف الدولة الحمداني في أواسط القرن العاشر فأصبحت عاصمة الجزء الشمالي من بلاد الشام. وكان يحكمها أمراء محليون بشكل وراثي (الحمدانييون،المرداسييون،الزنكيون والأيوبيون) ثم فقدت استقلالها عام 1260فأصبحت تخضع لحاكم تعينه السلطة المركزية بالقاهرة في عهد المماليك، ثم استنبول في عهد العثمانيين،وظلت ايالة حلب مستقلة عن ايالة دمشق.

في المرحلة الأولى من الحقبة العربية، من القرن السابع حتى أواخر القرن الحادي عشر،كانت السلطة بيد العناصر العربية الصرف، وكان المسيحيون لا يزالون يشكلون الأغلبية السكانية، ولعبوا دورا هاما في المجتمع.

وكانت نخبة من الأطباء وكبار الموظفين المسيحيين تشكل حماية للكنيسة وأبناءها. وكانت الكاتدرائية البيزنطية العظمى ملاصقة للمسجد الأموي الكبير ويتجاور المسيحيون والمسلمون في المدينة القديمة بدون اصطدام.

يتزامن آخر القرن الحادي عشر مع احتلال السلاجقة الأتراك الأقل تسامحاً من العرب ومع استيلاء الفرنجة على إنطاكية عام 1098 .فتهمّش المسيحيون شيئاً فشيئاً وأقصوا عن وظائف الدولة. وفي عام 1124 استولت السلطات الإسلامية على أربع كنائس كانت لا تزال قائمة لاسيما على الكاتدرائية البيزنطية التاريخية وحولتها إلى مساجد كردة فعل على انتهاكات الفرنجة لحرمة مدافن المسلمين.

وعاث هولاكو المغولي فسادا في المدينة عام 1260، والمماليك الذين قضوا على تواجد الإفرنج في سوريا وفلسطين وحكموا البلاد، قسوا على المسيحيين الذين ما عادوا يشكلون أكثر من عشرة في المائة من سكان المدينة. ومن جراء غزو تيمورلنك عام1400 هلك معظم السكان والمسيحيون الذين نجوا لاقوا ملاذا في مناطق أخرى.

إلا أنه لم يحلّ بحلب ما حلّ بأفاميا والرصافة، وعادت الحياة إلى المدينة وعاد إليها المسيحيون وعاشت عصرا ذهبياً جديدا مع قدوم العثمانيين

2– نهضة حلب في القرن السابع عشر:

بدأت ملامحها في القرن السادس عشر وتتابعت في القرن الثامن عشر حتى خمودها في أواسط القرن التاسع عشر.

استولى السلطان سليم الأول العثماني على حلب عام 1516. وضمت المدينة إلى إمبراطورية واسعة. وتباعد الحدود صانها من الغزوات وجعلها تحتل موقعا مركزياً. فهي أقرب مدينة عربية كبرى من العاصمة استنبول. وعاد اتصالها شرقا مع العراق(والعجم)وشمالا مع الأناضول ووراءه العالم اليوناني. وإن المرافئ السورية (طرابلس أولا ثم الإسكندرون) التي تخدم حلب أصبحت من جديد منفتحة على المبادلات التجارية الكبرى مع الغرب والمرافئ اليونانية.

إنّ وضع حلب الجديد جعلها في قلب المبادلات التجارية الدولية. مع الرخاء الاقتصادي انفتحت على الغرب وعلى العالم اليوناني الشرقي.هذا الانفتاح فجّر الانتعاش الثقافي والروحي والفني الذي يعود إلى الحلبيين أنفسهم.

3-الانفتاح على الغرب:

التجارة:

عقدت فرنسا عام 1535(فرانسوا الأول) مع الإمبراطورية العثمانية معاهدة تجارية تجددت عامي1569ثم1581 كرست إزاحة البندقية لصالح مرسيليا منذ أواسط القرن السادس عشر.

وعام1580 وقعّت إنكلترا معاهدة تجارية مع العثمانيين (تأسست شركة الهند عام1581) وحصلت هولندا عام 1612على بعض الامتيازات. وفي أواخر القرن السابع عشر خف اهتمام إنكلترا وهولندا بشؤون الشرق الأدنى ليهتموا بالأحرى بالهند والشرق الأقصى.كانت إنكلترا تفوقت على فرنسا تجارياً من جراء الحروب الدينية مع البروتستانت إلاّ أنّ التجارة الفرنسية انتعشت مجدداً مع الوزير كولبير في عهد الملك ليس الرابع عشر.ثم إن الثورة الفرنسية وحروب نابليون أضعفت النفوذ الفرنسي.وأخذت الموانئ الإيطالية ليفورنو ومسينا تنافس مرسيليا.ثم دخل على الخط دولة سردينيا والنمسا وروسيا والسويد والدانمرك وبروسيا.

كانت حلب المركز الأهم للمبادلات التجارية بين مرافئ المتوسط والشرق الأقصى.كانت القوافل القادمة من البصرة على الخليج العربي الفارسي تنقل السلع الواردة من الشرق الأقصى حتى حلب. ومنها كانت تتوجه نحو الأناضول واستنبول ومرافئ البحر المتوسط. وهذه المرافئ كانت تستقبل السلع الواردة من أوروبا فتتجمع في حلب لتتوزع منها على سائر الأقطار والأناضول والشرق الأقصى.

أهمية حلب التجارية جذبت إليها جالية من الأوروبيين.وسكن “الإفرنج”في الخانات في المدينة القديمة قرب الأسواق حيث كانت تعقد الصفقات التجارية. وكانوا هناك في مأمن أكبر وكان من الأسهل مراقبة تحركاتهم وكان المسيحيون الحلبيون وسطائهم المفضلون لدى أصحاب القوافل والتجار المحليين .

القناصل والدبلوماسيون:

إن المعاهدات المبرمة بين الدول الكبرى الغربية.والإمبراطورية العثمانية منحت لهذه الدول الحق في افتتاح قنصليات في أهم المدن تتمتع بامتيازات لحماية مصالح رعاياها.

افتتحت قنصلية البندقية في حلب عام 1548 وقنصلية فرنسا عام1562 وقنصلية إنكلترا عام 1583وقنصلية هولندا (الفلمنك) عام1613، وسائر الدول التي لها مصالح في حلب افتتحت لها قنصليات خلال القرن الثامن عشر.

  • · المرسلون اللاتين:

وصل الفرنسيسكان إلى حلب عام 1571لخدمة معبد قنصلية البندقية وأوكل إليهم رعاية التجار اللاتين المستقرين في حلب.

وبإيعاز من مجمع انتشار الإيمان وبدعم ريشوليو الدبلوماسي وصلت إلى حلب ثلاث مجموعات من المرسلين اللاتين خلال العقد الثالث من القرن السابع عشر الكبوشيون عام 1623والكرمليون عام1625(وقد أخذ اللعازريون مكان اليسوعيين بعد أن حُلّت الرهبنة اليسوعية عام 1773)كانت غايتهم إعادة وحدة الكنائس الشرقية مع الكنيسة الرومانية والإنعاش الثقافي والروحي لهذه الطوائف.وكانت حلب إشعاع المرسلين باتجاه دمشق ولبنان)صيدا، طرابلس، عينطورة، حريصا).

  • · الانفتاح على العالم المسيحي الشرقي:

في عهد المماليك كان مسيحيو حلب يتصلون بصعوبة مع بقية العالم المسيحي الشرقي. الفتح العثماني وصل بين المسيحيين العرب والكتلة المسيحية الشرقية. اليونان المتنفذون في استنبول وضعوا يدهم على بطريركية القدس،وأعيد اعمار دير مار سابا بعناصر اغلبها يونانية. وجذب هذا الدير العديد من الحلبيين الذين تأثروا بالثقافة الأورثوذكسية اليونانية. بقيت البطريركية الإنطاكية بيد العناصر العربية (أقله إلى غاية 1724 حيث الفرع الاورثوذكسي أصبح بيد اليونان، إلا أن عناصر عديدة لاسيما من قبرص وساقز(كيو)، تشغل مناصب خدمة في بطريركية إنطاكية المضيافة،وتبوأ بعضهم رئاسة أبرشيات هامة. والعديد من الحلبيين استقروا للتجارة في استنبول والعديد من المدن الأناضولية حيث كانت تقطن جاليات كبيرة من اليونان. كما أن تجاراً يونان لاسيما من قبرص استقروا في الإسكندرون وفي حلب. وهكذا انفتح الحلبيون على الثقافة اليونانية المعاصرة.

4- شخصيات محلية مرموقة:

ما عدا هذا الانفتاح والتأثير الخارجي عرفت حلب في هذه الحقبة عدة شخصيات مرموقة: أحبار لامعون (ملاتيوس كرمة، مكاريوس زعيم اندراوس اخيجان، اثناسيوس دباس، جرمانوس فرحات…) لاهوتيون، شعراء، فنانون ونخبة برجوازية من الأعيان ساندت الفنون والمشاريع وحامت عن الكنيسة

الفصل الثاني: ظواهر النهضة في حلب

1- النمو الديموغرافي :

تضاعف عدد المسيحيين أربعة أضعاف خلال ثلاثة قرون.إحصاء عام 1537يعطي للمسيحيين 553 خانة أو بيت على مجمل 10270فتكون نسبتهم 5.4 في المائة. عام 1584 كان التعداد 638 خانة أو بيت على مجموع9361 نسبة6.6 في المائة وفي القرن السابع عشر ارتفع عدد المسيحيين الخاضعين للجزية (الذكور البالغين15عاماً) من 2500 عام 1640إلى 5391 عام 1695.

هذا التزايد يعود جزئياً إلى نسبة الولادة المرتفعة لدى المسيحيين وإلى شروطهم الصحية ولكن بالأخص إلى تدفق المسيحيين من المناطق الأخرى مجذوبين بازدهار المدينة ورقيها الثقافي. موارنة من لبنان وأرمن من العجم سريان من طور عبوين، روم ملكيون من المناطق الجنوبية حماة،حمص، حوران. الحلبيون الجدد كان لهم عام 1653وضع خاص بشأن الجزية ثم دمجوا مع بقية السكان.وأصبح المسيحيون في حلب يشكلون20 بالمائة من السكان.

2- التوسع العمراني :

يقطن المسيحييون خاصة خارج الأسوار. ومركزهم الأهم حي الجديدة وهو ضاحية مقابل الزاوية الشمالية الغربية للمدينة القديمة يرد ذكره لدى ابن شحنة في مطلع القرن الخامس عشر. في هذا الحي تتجمع الكاتدرائيات، الأرمنية العائدة إلى عام (1455) والمارونية (قبل عام1489، الملكية (أواخر القرن الخامس عشر)، السريانية(1510)

وإن تزايد عدد المسيحيين حملهم على التوسع باتجاه الضواحي الشرقية الشمالية التي انسحب منها المسلمون شيئا فشيئاً. والخط الفاصل بين الأحياء المسيحية والأحياء المسلمة هو الشارع الممتد حاليا من باب الحديد إلى بوابة اقيول ويذكر الشيخ كامل الغزي في كتابه “نهر الذهب في تاريخ حلب” أن المسيحيين مازالوا يشكلون أغلبية السكان في 27 حياً حيث يعيشون جنبا إلى جنب مع الأقلية المسلمة. بعض الأحياء مسيحية مئة بالمائة كحي الصليبة والجديدة حيث يقطن المسيحيون المرفهون. هناك نجد بيوتا واسعة ومنمّقة دخلت في عداد الآثار (بيت وكيل، بيت غزالة، بيت دلال، بيت باسيل، بيت اجقباش….)

3- الازدهار الاقتصادي :

إن غنى حلب يعود إلى التجارة وإلى الصناعة الحرفية. وللمسيحيين حظ كبير في هذه النشاطات. وقد أثروا أكثر من عامة المسلمين .وبما أن الأراضي الزراعية محصورة في المسلمين فهم يتعاطون التجارة والصناعة.

تدربوا على التجارة مع الغرب بفضل اتصالاتهم مع الإفرنج كتراجمة وسماسرة أو مستخدمين. وبعد نزوح الأوروبيين عن حلب في أواسط القرن التاسع عشر حلوا محلهم وفتحوا بيوتا تجارية في أوروبا(مرسيليا،ليفورنو،مانشستر…) وبيدهم التجارة الداخلية نجد في مطلع القرن الثامن عشر تجارا حلبيين لهم نفوذ واسع في استنبول ويعنون بشؤون طوائفهم لدى السلطات. وفي القرن التاسع عشر توزعوا في أهم مدن الأناضول وكانوا استلموا مراكز تجارية هامة في مصر منذ القرن الثامن عشر.

العديد من المسيحيين ناشطون في مختلف الحرف:الصياغة، البناء، الخبازة، العطارة وبيع الخضرة ولكن لا نجد بينهم قصابين وهذه المهنة كانت محصورة خاصة بالانكشارية. وصناعة الصابون والدباغة كانت محصورة خاصة بيد المسلمين.أما مهنتهم المفضلة فهي النسيج. هناك مذكرة لعام1777 تذكر أن صناعة الخام والأقمشة المزهرة والأطلس خاصة بيد المسيحيين (5000نولا). القنصل الفرنسي روسو في مطلع القرن التاسع عشر يقدر عدد أنوال النسيج بـ12000 وجزء كبير منها في الضاحية الشمالية ذات الأغلبية المسيحية. وهذه الأنوال مجمعة في أمكنة خاصة تسمى قيصريات أوهي منصوبة في المنازل الخاصة. وكان عدد من الكهنة يتعاطون هذه المهنة أيام الأسبوع. ولما نشأ النسيج الآلي في أوروبا في أواسط القرن التاسع عشر كان ذلك ضربة قاسية لصناعة حلب ولتصدير النسيج.لكن الأنوال العربية كانت لا تزال لها أهميتها في الثلاثينات من القرن العشرين في المصانع كان المسيحيون يستخدمون بعض العمال المسلمين. و”المعلمون”و”الصناع”كانوا منتظمين في جمعيات شبيهة بالنقابات وكان المسيحيون ممثلين فيها.وكانت التجارة تضع المسيحيين في اتصال مع أصحاب القوافل والتجار والزبائن المسلمين. ومن جراء الجوار والعمل عرف المسيحيون والمسلمون كيف يعيشون في سلام ونشأت بينهم أحيانا صداقات أدت في بعض الأحوال إلى قيام حوار ديني

4- النهضة الثقافية :

فتح المرسلون الغربيون مدارس بتشجيع من الأساقفة الشرقيين وأخذوا يعلمون اللغات الأجنبية ومبادئ الحساب.وفتحت الطوائف الشرقية أيضا مدارس تعلم القراءة والحساب (المدرسة المارونية أسسها الدويهي الذي أصبح بـطريركا والخوري بطرس التولاوي، وقامت مدارس مماثلة لدى الروم والسريان والأرمن).

وتوجه عدد من الحلبيين إلى روما حيث درسوا الفلسفة واللاهوت في المعهد الأورباني.
وعادوا إلى حلب حيث فتحوا مدارس لتعليم اللغات وقاموا بترجمة العديد من المؤلفات الروحانية واللاهوتية عن الإيطالية أو الفرنسية. وإن عددا من المرسلين تعلموا العربية بحيث تمكنوا من ترجمة أو تأليف كتب تقوية استعانوا أحياناً لتنقيح لغتها ببعض الحلبيين المختصين. ونظمت دروس لاهوتية معمقة للمرشحين إلى الكهنوت على يد كهنة شرقيين كالخوري ميخائيل بجع (وهو ملكي، علم المرسلين اللغات الشرقية) والخوري بطرس التولاوي (ماروني تلميذ روما. (

وإن مجموعة من الشبان تدربت على العلوم اللغوية والعربية الفصحى على يد أشهر المشايخ المسلمين في المدينة الشيخ سليمان النحوي. وكانت هذه العلوم التي تدرس في المساجد حكرا على المسلمين وكان المسيحيون يكتبون بلغة العامة. وهؤلاء الشبان أصبحوا كتاباً وشعراء مرموقين في مطلع القرن الثامن عشر:جرمانوس فرحات، عبد الله زاخر، نيقولا الصايغ، ميخائيل(مكسيموس)حكيم، مكرديج الكسيح، توما نعمة…

إن غزارة حركة الترجمة والتأليف نجم عنه ازدهار صناعة النسخ، وكان النساخ ينشرون المؤلفات الجديدة وينسخون القديمة. وإن الأسر الثرية أخذت تهتم بحيازة مجموعتها من المخطوطات

5-النهضة الروحية :

قدّم المرسلون الغربيون قدوة صالحة بأمانتهم لنظامهم الرهباني، وتفانيهم في خدمة المرضى لا سيما المطعونين ومواظبتهم على الصلاة والدراسة. وانصرفوا إلى تعليم الأولاد مبادئ الديانة والوعظ والإرشاد الروحي بمناسبة الاعتراف وزيارة البيوت.وأسسوا أخويات مريمية للأحداث والبالغين وادخلوا العبادات الحديثة كالوردية وثوب العذراء التي أخذت رواجا كبيرا.وترجموا كتباً روحانية ولاهوتية لمؤلفين غربيين معاصرين متجاهلين التقليد الشرقي.والتف حول الرهبان الإفرنج مجموعة من المتعبدين والمتعبدات جمعوا بين الممارسات التقوية اللاتينية تعلقهم بروحانية الشرق وليتورجيّته. ظلَّ معظمهم في العالم وطبعوا جماعة حلب المسيحية بهذا التعلق بالدين والتقوى الذي مازال حياً حتى اليوم.وغيرهم أسسوا في لبنان جماعات رهبانية منتظمة هي الأولى من نوعها في معظم الطوائف، الرهبنة اللبنانية لدى الموارنة،الرهبنة الشويرية لدى الملكيين، دير مار أفرام الرغم ثم الشرفة لدى السريان، دير الكريم ثم بزمرّ لدى الأرمن.والعابدات الحلبيات أسسن لهن دير البشارة في زوق ميكائيل.

6- إعادة العلاقات مع روما :

كان مسيحيو حلب موزعين على أربع طوائف أو ملل تعترف الدولة العثمانية بكل منها كقومية مصغرة لها استقلاليتها الداخلية.الروم أو الملكيون، السريان،الأرمن والموارنة.كان الروم أكبر طائفة عدداً.وكان على رأس كل طائفة أسقف مرتبط ببطريرك يعيش خارج حلب (وفي القرن السابع عشر فضّل العديد من البطاركة الإقامة في حلب). وحدهم الموارنة كانوا في شركة كاملة مع رومة، السريان والأرمن كانوا في قطيعة معها (ومع الكنيسة البيزنطية) منذ رفض المجمع الخليقيدوني المنعقد عام451. ولم يكن من مبرر لاهوتي أو قانوني للقطيعة التي نشأت فعلاً بين الروم الملكين وروما.وحاول المرسلون إحياء اتفاقات المجمع الفلورنتيني الذي أعاد عام 1439لفترة الاتحاد بين روما والكنائس الشرقية.

الفصل الثالث

1- الوضع العام في كنيسة إنطاكية آخر القرن السابع عشر وأوائل الثامن عشر:

في آخر القرن السابع عشر وأوائل للثامن عشر اجتازت كنيسة إنطاكية فترة داخلية عصيبة ذات نتائج وخيمة مهلكة. واستغل محاربو الأرثوذكسية هذه الأزمة، وسببوا خلافاً داخلياً وانشقاقاً. فبعد موت البطريرك الأنطاكي مكاريوس الثالث (1672) طلب الشعب أن يكون مطران حماه نيوفطس الذي من خيُّس والحبر المجرَّب في الخدمة والعمل، قائمقاماً بطريركاً. غير أن قسطنطين حفيد مكاريوس وابن الأرشيدياكون بولس بذل مالاً كثيراً للباشا الوالي التركي في دمشق، وأيده عدد قليل من دمشق، وتمكن أن يحتلّ ليس فقط القائمقامية البطريركية، بل الكرسي البطريركي نفسه إذ صار بطريركاً، 2 تموز 1672، باسم كيرللس الخامس، وكان يومئذ ابن خمس عشرة سنة، وقد أثار بسبب حداثة سنه ضحك المسيحيين واشمئزازهم، وقد احتجَّ المسيحيون مع رؤساء الكهنة فوراً إلى البطاركة الأرثوذكسيين بعريضة رفعوها من بيروت 28 آب 1972 إلى البطريرك المسكوني ديونيسيوس الرابع موسوليمس، والعريضة مكتوبة بالعربية ولكنها وصلت إلينا في نسخة ترجمة يونانية، يسرد فيها الكاتبون أنه بعد موت البطريرك مكاريوس التام المسيحيون ورئي حسنا أن يعين قائمقاماً بطريركاً للكرسي متروبوليت حماه ريثما يرسل إلى القسطنطينية رسول، ويطلب انتخاب بطريرك جديد، وتستريح كنيسة أنطاكية مما أصابها من البلاء في أيام الراحل مكاريوس الحلبي ومن أبناء أبنائه. إلاّ أنّ الوالي أجبرهم بالتهديد أن يتراجعوا وأن تقدّم له عرضة في ذلك. “وعندها تسلّم توقيعات الكهنة ومن معهم، وخرج كيرللس مع زبائنه واستقرضوا الستة آلاف غرش بفائدة وأعطوها لصاحب الوالي، وهكذا ذهب كيرللس إلى السراي ولبس جبة جوخ … وأمر الكهنة أن يلبسوه المنتية وأن يرتلّوا “بواجب الاستحقاق”. وصعد إلى العرش وبارك الموجودين كبطريرك قبل الشرطونية”.

وكان المسيحيون ينظرون هذا الأمر فيتنهدون وينحبون ويتمنون الموت لذلك الولد المارق.

وبعد ذلك يروي رؤساء الكهنة والمسيحيون أصحاب العريضة المقدمة أن الأرثوذكسيين المشمئزين من هذا الغاصب للكرسي بههذه الطريقة، قاطعوا الكنائس وصار البعض منهم يذهبون إما إلى كنائس “اللاتين” أو السريان أو الأرمن. وصاروا هزءاً وعبرةً لبقية الطوائف المسيحية بسبب كيرللس القاصر والعاري من كلّ تهذيب وفضيلة.

2- النزاع القائم بين البطريرك كيرللس ونيوفيطس على الكرسي البطريركي:

ولقد اتخذ أثناسيوس ابن الدبّاس دوراً فعالاً في تلك الأحداث المحزنة وقد روى بشكل مختصر ما حدث في العريضة التي قدمت من الكهنة والمسيحيون. واتفق أن بطريرك أورشليم (دوسيثيس الثاني 1669-1707 تعرّف شخصياً على الحالة الراهنة بسبب كيرللس الذي احتل الكرسي الأنطاكي غصباً وبسلطان الأتراك. وعرض الأمر على البطريرك القسطنطيني ونيسيوس الرابع، الذي دعا إلى مجمع حضره بطريرك أورشليم عمد إلى تجريد كيرللس من نعمة رئاسة الكهنوت والبطريركية استناداً إلى القوانين الإلهية الشريفة

وفي اليوم نفسه عمد المجمع إلى ملء الكرسي بتجريد كيرللس وانتخب مطران حماه نيوفيطس بطريركاً على أنطاكية. .. ولكن كيرللس لم يعترف بهذا التجريد ولم يتنازل عن الكرسي معتبراً نفسه بطريركاً على أنطاكية وبدأ الصراع بين كيرللس ونيوفيطس تسبب في فوضى عظيمة

3- النزاع القائم بين البطريرك كيرللس وابن الدباسّ على الكرسي البطريركي:

إلى مثل هذه الحالة المحزنة كانت كنيسة أنطاكية قد وصلت. ومن سوء الحظ بعد سنتين من استقالة نيوفيطس وخلوص البطريركية لكيرللس ظهر إلى الساحة بغير سابق توقع إطلاقاً، مطالبٌ جديد بالكرسي البطريركي، هو أثناسيوس الدبّاس. فالفريق المعارض لكيرللس سعى بانتخاب البطريرك الجديد في عام 1686. ولم يكن كيرللس مستعداً أن يتراجع ولا في هذه المرة، فبدأ بين الاثنين شحناء جديدة. وكان الدباس عالماً علامة، وأهلاً للصعاب والأزمات. وتفاصيل الصراع بين كيرللس وأثناسيوس، الواحد مترئس في دمشق والآخر في حلب، ليست معروفة. ومن الطبيعي أن يكون الاكليروس والشعب قد انقسموا إلى معسكرين متعارضين، الواحد يعترف بكيرللس والآخر بأثناسيوس، حتى عام 1694 تشرين الأول، ووقع بينهما اتفاق انتهى إلى الاعتراف بكيرللس وانسحاب أثناسيوس إلى حلب واكتفائه بها.

الفصل الرابع:

1- البطريرك أثناسيوس ابن الدباس: (1686-1694):

وترملت أبرشية حلب وجد أبناؤها في التفتيش عن اكليريكي لائق. فاهتم المرسلون اللاتينيون للأمر ووجهوا الأنظار شطر المدينة المقدسة مشيرين إلى بروكوبيوس رئيس دير بيت لحم لأجل تمكنه في الإيمان الروماني المقدس عوض كيرللس الذي كان مشاقاً… وكان كيرللس يطوف في الأبرشية فتم غيابه انتداب بروكوبيوس بطريركاً على أنطاكية بحضور ثلاثة من المطارنة هن لاونديوس مطران صيدنايا ويواصف مطران طرابلس ومطران حوران. ودعي أثناسيوس . فلما نما خبر ذلك إلى كيرللس أرسل إلى الأستانة واستحضر أوامر وبراءة سلطانية شريفة ودخل دمشق ووضع يده على دار البطريركية. وأما أثناسيوس فسكن في امطوش مار ميخائيل ثم انتقل إلى حلب.

وفي العاشر من نيسان 1687 كتب أثناسيوس إلى سفير فرنسا في القسطنطينية يؤكد أنه نشأ كاثوليكياً في دمشق بفضل الآباء اليسوعيين وأنه أرسل منذ بضعة أشهر اعترافه بالإيمان الكاثوليكي على يد الآباء الفرنسيسيين إلى الحبر الأعظم. ثم يرجو السفير أن يكون بظل حماية ملك فرنسا وأن يستمد هذه الحماية في وقت الضرورة وأن يحظى بها حينما يطلبها. ويضيف أنه يلتمس مراقبة خصومه خصوم الكنيسة الرومانية ومنعهم عن إيقاع الضرر به لدى الباب العالي

وصورة اعتراف أثناسيوس بالإيمان الكاثوليكي كتبت في الرابع من تموز 1686 قبل وصوله إلى البطريركية بسبع أسابيع: وعنوانها: “صورة اعتراف أثناسيوس البطريرك الأنطاكي على جماعة الروم”. وقامت الشرور والفتن وتحزّب قسم لهذا وقسم لذاك. وحرم كل منهم الآخر. وفي 6 حزيران 1687 اعترفت رومة بأثناسيوس بطريركاً على أنطاكية. وانتدب سلفستروس الدهان لأسقفية بيروت. ونجم عن هذا الشقاق خسائر جسيمة واختباطات واضطرابات. وهدد بعض الأساقفة والأعيان بانتخاب بطريرك ثالث. فحزن أثناسيوس من هذه الأمور ومن نفقات السياسة. وأحبَّ السلام والهدوء للكنيسة فتنازل لكيرللس في تشرين الأول 1694. وتصالح الطرفان على ان تكون البطريركية لكيرللس وأن تعطى أبرشية حلب لاثناسيوس يقيم فيها ويعيش من دخلها ودخل ادلب وكلس وعلى ان يحتفظ بلقب بطريرك إلى أن يتوفى أحدهما فينفرد الآخر بالبطريركية ولا ينتخب لها غيره. وتقرر هذا كله في مجمع الأساقفة ووافق عليه عموم أهالي دمشق وحلب. وكن رومة لم ترضَ عن هذا الوفاق ولم يغترف حبرها أنوشنسيوس الثاني عشر به بل حضّ أثناسيوس على العودة إلى الكرسي البطريركي

2– أثناسيوس والرعاية:

  • · أول مطبعة في حلب:

بعد أن تمَّ الصلح بين كيرللس واثناسيوس، قام أثناسيوس إلى القسطنطينية وبلدان الدانوب، البغدان والفلاخ، لطلب مساعدات للشعب المسيحي في سوريا المصاب بضربة الوباء العظيم. واستقبل في كل مكان بالحفاوة والإكرام، وخصوصاً عند الأمير “قسطنطين” أمير باسارابيا. هذا استقبله، كما يخبر هو نفسه، بكل إكرام واعتبار، وعيَّن له معاشاً واتخذه اباً روحياً له، وكان يتحدث إليه ويسائله عن أحوال بطريركية إنطاكية. ولما علم أن لغة المسيحيين الأرثوذكسيين في سورية هي اللغة العربية، وأن لهم حاجة إلى المطبوعات العربية، أمر بصنع حروف عربية، فأسس مطبعة عربية وطبع كتباً عربية على نفقته. وتشرفت الطباعة العربية بطبع “الليتورجية الأرثوذكسية” باليونانية والعربية، وكتاب “السواعي الكبير” و “تاريخ بطريركية أنطاكية” ولعلّه أُلفَّ باليونانية، وقد تُرجم إلى اللغة الرومانية من أجل الزعيم الروماني. ولما عاد إلى حلب نقل المطبعة معه وتابع تآليفه وإصدار مطبوعاته. ثم نقلت إلى دير البلمند. والتقليد البلمندي يفيد أن هذه المطبعة انتقلت فيما بعد إلى دير مار يوحنا الشوير مع من أمه من الرهبان الموالين لرومة.

  • · أثناسيوس والتعاليم غير الأرثوذكسية:

عندما عاد أثناسيوس من بلاد الفلاخ وبلغ دمشق 1720، كان كيرللس قد وقف جميع متروكاته على الكرسي البطريركي، فلما استتب الأمر لاثناسيوس وجد معظمها مندثراً فأخذ الغيظ منه كل المأخذ. وزاد غضبه بما لاحظه من نشاط رهبان الإفرنج وتدخلهم في شؤون الكنيسة. ولما كانت وسائل أثناسيوس المادية ضعيفة لا تساعده على محاربة رهبان الفرنجة بسلاحهم، تذاكر في ذلك مع البطريركية المسكونية ثم سافر إلى القسطنطينية بنفسه وأجهد في عقد مجمع للنظر فيما يجب اتخاذه من احتياطات بهذا الشأن.

فانعقد هذا المجمع في أواخر 1722 في القسطنطينية برئاسة ارميا البطريرك المسكوني واشتراك أثناسيوس البطريرك الأنطاكي وخريسنتس البطريرك الأورشليمي واثني عشر مطراناً، وحكم هذا المجمع :

– على التعاليم غير الأرثوذكسية ولا سيما ما يتعلق منها بالرئاسة والعصمة والانبثاق من الابن والفطير والنار المطهرية وسعادة القديسين والمخنوق وصوم السبت ومنع الميرون والمناولة على الأطفال.

وحررت أعمال المجمع باليونانية والعربية وانتشرت في لبنان وسورية وفلسطين

  • · أثناسيوس وصوم الرسل:

كان كيرللس الثالث قد سعى لدى المقامات الأرثوذكسية العالية في اختصار صوم الرسل، فلما استولى أثناسيوس على سدة الرسولين جاءه سينذيكون يفوض أمر حلّ هذا الثقل إليه. فأصدر منشوراً رعائياً جعل فيه صوم الرسل اثني عشر يوماً بعدد الثني عشر رسولاً وذلك: “لكي من يصوم لا يدين من لا يصوم ومن لا يأكل لا يدين من يأكل” وبيّن الأسباب التي أوجبت هذا الاختصار

  • · أثناسيوس والطقوس الدينية:

عني أثناسيوس وهو لا يزال بطريركاً سابقاً بالطقوس الدينية فطبع في 1701 في مدينة بوخارست في حقلين يوناني وعربي بحبر اسود فأحمر كتاب الليتورجيات الثلاث. واعتمد في النص اليوناني ما كان قد طبع سابقاً في مدينة البندقية وتبنى للنص العربي ترجمة ملاتيوس كرمة، فظهر الكتاب في 252 صفحة من القطع المتوسط. وجاءت طروباريات وقنداقات أعياد المشاهرة وأعياد الخمسين والتريودي مطبوعة باليونانية والعربية في حقلين متقابلين

  • · كتاب الصخرة، وتاريخ البطريركية الإنطاكية:

رأى أثناسيوس أن يزود الأرثوذكسيين بما يثبت إيمانهم ويمكنهم من الرد على رهبان الفرنجة وأتباعهم فنقل كتاب “ايليا مونياتي” إلى العربية واسماه صخرة الشك ونشره مطبوعاً 1721 ووزعه مجاناً على أبناء الطائفة. وفي هذا الكتاب بيان بدء الانشقاق وأسبابه وانفصال الكنيسة الغربية عن الشرقية والاختلافات الكليّة بينهما. وكان أثناسيوس يبتغي إيقاف تقدّم اللاتين في سورية.

وصنف أثناسيوس تاريخاً لبطريركية أنطاكية من زمن بطرس الرسول حتى السنة 1702 ودونه باللغة اليونانية فترجم إلى اللاتينية وطبع في فيينا عاصمة النمسا. وشرح كتاب التعليم المسيحي وكتاب الحكيم والعالم وألف سيرة القديس خريستوذولس رئيس دير الرسول يرحنا اللاهوتي الذي كان في جزيرة بطمس.

  • · أثناسيوس ودمشق ومحاربة الكثلكة:

صمم أثناسيوس على محاربة الكثلكة في دمشق وأصر على ذلك. فكتب في الرابع من كانون الأول 1722 إلى لاونديوس متروبوليت حماه ووكيله في دمشق أن يجمع الكهنة والشمامسة والوكلاء والأعيان ويكلمهم فيما جرى ويأمرهم بالتمسك بالتقاليد الأرثوذكسية من دون زيادة أو نقصان وبكتابة محضر بذلك يبين واقع الحال ويقنع البطريرك القسطنطيني وسائر المطارنة. وأمر لاونديوس أن يفهم الدمشقيين أن بطريركهم يتبع الكنيسة الشرقية والمجامع المقدسة السبعة وأنه يؤمن بجميع ما قالوه وحددوه من القوانين والطقوس والرتب والاصوام والصلوات جميعها. فإن قبلوا هذا الرأي وأعطوا خطوط أيديهم به جاز وبقي هو على ما كان عليه من الاهتمام بهم. وإن لم يمتثلوا فليس على لاونديوس إلا أن يعلم البطريرك بذلك ليرفع يده ويتركهم “يعملون خلاصهم”. وإن طاعوا رضي عنهم. ولكنه يصر على ربط الخوري خليل خبية والخوري عبدالمسيح زبال والقس يوحنا خبية والقس نقولا سيور. وان لم يحفظ هؤلاء الرباط البطريركي وقعوا في الحرم بكلمة الرب العزيز. وكذلك من تعصب معهم وشوش فهو محروم أيضا.

الفصل الخامس: وفاة البطريرك أثناسيوس

كبر أثناسيوس وتجاوز الخامسة والسبعين. وكان قد أصابه استرخاء في مثانته فتوفي في الرابع والعشرين من تموز 1724 ودفن في جرن أعده لنفسه في كنيسة حلب. وجاء للخوري ميخائيل بريك أنه مات مسموماً. وجاء في تاريخ البدع لجرمانوس فرحات انه لما دنت ساعة وفاة البطريرك جاءه الأب فروماج اليسوعي وفاتحه كلاماً في سرّ الاعتراف فأبى أن يعترف عنده وقال لقد اعترفت. وأضاف جرمانوس أن البطريرك اعترف على يد الخوري بطرس الأشقر الأرثوذكسي رئيس دير مارجرجس الحميرا وأنه مات أرثوذكسياً.

المراجع:

–       الباشا، الخوري قسطنطين، تاريخ الطائفة الملكية، ج1.

–       بابادوبولوس، خريسوستمس، تاريخ كنيسة انطاكية، تعريب الاسقف استيفانوس حداد، منشورات النور، 1984.

–       بريك، الخوري ميخائيل، الحقائق الوضيّة في تاريخ الكنيسة الانطاكية الارثوذكسية، المطبعة التجارية بمصر.

–       فرحات، المطران جرمانوس، ديوان البدع، ج1.

–       رستم، أسد، كنيسة مدينة الله إنطاكية العظمى، الجزء الثالث (1453-1928)، مطبعة دار الفنون

الألم

الألم

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

من المفروض أن يفرح الإنسان إبّان الألم، ولكن في الواقع الفرح صعب في مثل هذه الحالات، فما هو الحلّ؟ لقد امتزج في المسيحيّة الم والفرح في نسيج واحد. فالقدّيس بولس الرسول يقول: “افرحوا بالربّ كلّ حين وأقول أيضاً افرحوا”. لقد قال هذه الكلمات وهو مسجون في السجن. وقد يسأل سائل: كيف نفرح وسط الألم والضيقة؟ لو أردنا فعلاً أن نفرح ونتغلّب على الحزن والألم علينا أن نتجرّع هذه الأدوية الأربعة: (1) اصرخ. (2) أشكر. (3) ثق. (4) ارفع رأسك.

أصرخ: ليس من العيب أن يصرخ الإنسان أثناء الوجع والألم، فالمشكلة أحياناً تكون أكبر من أن أتحمّلها، وأكبر من أحافظعلى هدوئي. في هذه الحالة أصرخ ولا تحجل. ولكن لمن نصرخ؟ نصرخ لواحد فقط، لذاك الذي إن قال كلمة، فكلمته نافذة، للمسيح المخلّص. ولقد قال قائل: من يصرخ في ألمه يرى الله. فإذا كنّا نريد أن نفرح وسط الآلام يجب أن نصرخ، وعندما نصرخ، فالله يتصرّف بطريقة من الاثنتين: إمّا ن يرفع الألم ويحلّ المشكلة، أو يترك المشكلة وعطيك قوّة على احتمالها.

** قصّة على الطريقة الأولى: في أواخر الثلاثينات أثناء الحرب العالميّة انقسم العالم إلى دول الحلفاء ودول المحور. فكانت ألمانيا واليابان وإيطاليا في جهة، وإنجلترا وأمريكا وفرنسا في جهة أخرى، ومصر في ذلك الوقت كانت تحت الاحتلال البريطاني، وإيطاليا كانت تحتلّ الحبشة، وكانت إيطاليا ضدّ بريطانيا، وكان كبير المسيحيّين في أثيوبيا هو المطران القبطي … الإيطاليّون قاموا بحبس المطران في غرفة فوق سطح المطرانيّة، وأغلقوا عليه النوافذ بألواح من الخشب، علمًا بأنّ درجة الحرارة في أثيوبيا تصل إلى 50 درجة، ومنعوا عنه الماء والطعام. كان المطران متماسكاً في أوّل يومين في محبسه، لكن عندما زادت درجة الحرارة بدأ ينهار، وقع على الأرض غير قادر يأخذ نفسه فنظر إلى الحائط، وكانت توجد عليه صورة للمسيح باهتة من الشمس، فنظر إلى المسيح وقال له: يا لها من آخرة، أهكذا تدعني يا ربّ أموت في غرفة مقفلة مخنوقاً من دون ماء ولا طعام، وحتّى النفس بات ضيّقاً؟”. فردت الصورة الباهتة، أو بالأحرى ردّ المسيح عليه قائلاً: هل تركتك من قبل حتّى أتركك الآن”. وبعد أيّام علم بابا روما بالموضوع، فتدخّل مع موسوليني رئيس إيطاليا وقال له: لا يجوز أن يموت رجل دين بهذه الطريقة البشعة، أعده إلى بلاده”.

** قصّة على الطريقة الثانية: أمّ لها ابن وحيد ترمّلت وهو في سنّ الحداثة، إذ مات والده وهو في الرابعة من العمر، فتعبت الأمذ من أجله، وفي سنّ الشباب انتقل الابن إلى السماء، فأصبحت لا تطيق اسم الربّ، وعندما كان البعض يذهبون لتفقّدها كانت تطردهم. وذات يوم زارها أحد الآباء، فارتبكت عندما رأته واضطربت لا تدري أتدعه يدخل بيتها أم لا. ثمّ قالت له إذا كنت تريد الدخول ادخل، ولكن لا تذكر لي شيئاً عن الله. فوافق الكاهن، وكان يقدّر جرحها الكبير. بقيت السيّدة تتكلّم بالسوء على الكنيسة وكهنتها وعلى الله نفسه والكاهن صامت لا يتكلّم. وفي نهاية المطاف قالت له بغيظ: تعال معي لأريك شيئاً. فأدخلته أحدى الغرف فوجد فيها صورة معلّقة على الحائط بشكل مقلوب. فقالت له: هذه صورة المسيح، ولقد وضعتها أنا مقلوبة لأن] لا أريد أن أنظر وجهه بعما أخذ لي ابني، سيّما وأنتم تقولون بأنّه إله طيّب وحنون”. فقال لها الكاهن: حسناً ما فعلت يا ابنتي، دعي الصورة على هذا الشكل، ولكنّي أطلب إليك أن تقولي للصورة في ذهابك وإيابك: لن أغيّر وضعك لأنّك حرقت لي قلبي”. انذهلت السيّدة من هذا الكلام سيّما وإنه صادر عن كاهن. وبعد ثلاثة أيّام كان الكاهن في الكنيسة يقبل اعترافات المؤمنين، وإذا به يرى أمامه السيّدة ومعها صورة المسيح وهي تحتضنها وتبكي. وقالت للكاهن: “أوّل يوم عملت كما قلت لي وكذلك في اليوم الثاني، وفي اليوم الثالي لم أستطع، بل أمسكت بالصورة ووضعتها في شكلها الصحيح واحتضنتها وقلت له سامحني يا ربّ. ولمّا قلت هذا شعرت بقوّة في داخلي جعلتني أتغلّب على أحزاني”. نعم لقد علّمها الكاهن أن تصرخ وهي في ذروة ألمها إلى الربّ. فلا تستكبر يا أخي لأنّه مهما كان مركزك وكرامتك وسنّك، فأمام الألم لا يوجد كبير.

** اشكر الألم يرفعك لمرتبة شركة آلام المسيح. يا له من إنسان فاضل ذاك الذي يتقبّل الألم بشكر لأنّه انتقل إلى مرتبة مشاركة آلام المسيح، ولذلك يقول الكتاب المقدّس: “وهب لكم لأجل المسيح لا أن تؤمنوا فقط بل أن تتألّموا لأجله”. وهكذا أصبح الألم في المسيحّية هبة ونعمة. فالتلاميذ حين سُجنوا “خرجوا فرحين متهلّلين إذ حُسبوا أهلاً أن يهانوا من أجل اسمه” كما يكتب سفر أعمال الرسل. هذا هو الفكر الروحي، وهؤلاء هم القدّيسون، وأنتم أولاد القدّيسين. صحيح أن الشكر صعب جدّاً في وقت المحنة، ولذلك فإنّ أعظم عطيّة هي أن تشكر وأنت تتألّم.

** قصّة: شابّ ضابط في الجيش له 28 سنة انقلبت به سيارة الشرطة وأصيب بكسر في أوّل فقرة من العمود الفقري، فأصبح مشلولاً كلّيّاً. طُلب منّي أن أذهب إليه لأعزّيه، فاضطربت جدّاً وقلت ماذا سأقول له؟ ولكنّي، والحق أقول، بأنّي أخذت درساً منه لا ينسى، إذ وجدته شخصاً متهلّلاً جدّاً، فتعجّبت منه وقلت له: إنّي أراك في صحّة جيّدة والحمد لله، وأراك مسروراً فهل أستطيع أن أعرف سبب هذا الفرح؟ فقال: بالفعل يا أبونا أنا فرح جدّاً، إنّي اشكر الربّ، فالرعاية هنا في المستشفى ممتازة، انظر يا أبونا، ممرضتين ممتازتين تأتياني بين ساعة وأخرى لتقلباني كي لا أصاب بالتهاب جلديّ. أترى يا أبونا نعمة ربّنا ومدى عنايته بي، لقد استطعت أن أدرّب نفسي كي أسمع التسجيلات الدينيّة إذ أستطيع بذقني ولساني وأسناني أن أضع الكاسيت في المسجلذة وأسمع طيلة النهار عظات أو تراتيل دينيّة. هل تعلم يا أبونا أن ألله سمح بأن اصاب بهذا الشلل لكي يكرّسني له، فأنا أعيش أحلى لحظات حياتي. أشكرك يا ربّ من كلذ قلبي على هذه الحياة الروحيّة التي لم أكن أحلم أن أعيشها فيما لو كنت صحيحاً معافىً. أشكرك يا ربّ لنّ عنايتك بي تفوق كل عناية، وتعزياتك لي تفوق كلذ تعزية بشريّة. وعندما قال هذا بيت لأنّي لم أكن في قامته الروحيّة، وبكي لأنّي شعرت بأنّي أتكلّم مع قدّيس، أو على الأقل مع إنسان يعيش الله بحرارة، ويشكره بفرح لم أر نثله في حياتي.

*** ثق: نعم ثق أنّ كلذ الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبّون الله، وهذا اسمه اختبار الإميان. كلذنا نهتزذ في المواقف الصعبة في حياتنا. إن أردت أن تعيش الفرح الحقيقيّ لا بدّ أن يكون عندك ثقة وإيمان، وكلّ الأمور ستؤول إلى الخير، وهنا أستطيع أن أذكّرك بقصّة يوسف في العهد القديم، كيف إنّ إخوته باعوه لفرعون مصر (وهنا هي المشكلة) ولكنذ الله صيّره مدبّراً لمصر عندما آمن بأنّ ما حصل كان لخيره(وهنا الإيمان والثقة).

*** ارفع رأسك: انظر إلى السماء وسترى جمال الأكاليل المعدّة للشاكرين والصابرين. كان بولس الرسول يتكلّم الآراميّة والعبرانيّة واللاّتينيّة واليونانيّة، ومع هذا عجزت كلّ هذه اللغات عن وصف السماء “ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر ما أعده الله للذين يحبّونه” لماذا أصبحنا نخاف من الألم والموت والاضطهاد… لأنّنا عدنا لا ننظر إلى السماء. المأساة التي نعيشها هي أنّنا نتشاجر على على أياء تافهة سنتركها وراءنا، وننسى الجوهرة اللؤلؤة الكثيرة الثمن التي علينا شراءها. من ينظر إلى السماء وأكاليل السماء يفرح ويحتمل ويشكر. لا تخافوا. السماء واسعة وسيملؤها المسيح بأولاده، وأنتم هم. افرحوا بالسماء وارفعوا قلوبكم إليها، وعندها لا يستطيع شيء في الأرض أن يهزمكم. لا بدّ من الألم، ولكن المهمّ أن نعرف كيف نفرح وسط الألم.