عيد ختان السيد

عيد ختان السيد

من موعظة للقديس أندراوس الكريتي

أعدها الأب أنطوان ملكي

معنى ختان السيد: الإله الحقيقي والإنسان الحقيقي

لقد برهن يسوع الإله أنه، بخضوعه للختان واتّخاذه اسماً بشرياً في إطار اليهودية التي وُلِد فيها، إنسان كامل حقيقي كما أنه إله حقيقي. فقد صار إنساناً في زمان ومكان محددين وإطار ديني محدد واتّبع تعاليم وفروض هذه الديانة في تحديد العلاقة بالله الخالق. فالختان يكشف أن المسيح لم يعد ابن الله وحسب بل هو ابن العذراء أيضاً من دون أن يترك حضن أبيه. وبهذا نحن نقترب إليه كسيّد وخالق ومخلّص لأنّه بيننا متّخذاً طبيعتنا سالكاً في طرقها بشكل يؤدي إلى الكمال. وبهذا هو يقدّم لنا الترياق حتى نكون بشراً حقيقيين أصيلين وكاملين.

الختان واتّخاذ الاسم

يذكر الإنجيلي لوقا “وَلَمَّا تَمَّتْ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ لِيَخْتِنُوا الصَّبِيَّ سُمِّيَ يَسُوعَ، كَمَا تَسَمَّى مِنَ الْمَلاَكِ قَبْلَ أَنْ حُبِلَ بِهِ فِي الْبَطْنِ” (21:2). والأمر نفسه يرِد لدى الإنجيلي متّى حين كلّم الملاك يوسف الخطيب طالباً إليه ألا يخاف بل ان يأخذ امرأته حيث يسمّي الملاك الصبي (متى 23:1). فمعنى الاسم “الله معنا” يتحقق في التجسد والخلاص بالتدبير.

اسم يسوع هو الرسالة الرئيسية في عيد الختان

ما يقدّمه لنا العيد بالحقيقة هو كشف هوية المسيح الحقيقية. فالمعنى العميق يكمن في أن نعمة التجسد تقدمنا إلى نعمة التدبير الخلاصي ويوحّدنا بمعرفة المخلّص وينيرنا بلمعان شخصه ومجده. لقد احتفلنا بحَدَث ميلاده وعرفنا أنه فائق الوصف ولكننا الآن مدعوون إلى الالتفات إلى الابن المولود من غير تردد أو خوف. العيد الحالي يدعونا إلى التعرف إليه من الاسم الذي اتخذه من أجلنا، فيسوع هو الذي عرّفنا بالله ليوفّق بيننا وبينه فنستوعبه وبذلك يمنحنا الخلاص الأبدي.

يورِد القديس أندراوس حواراً مع الملاك ليبيّن قوّة اسم يسوع. وفيه يقول الملاك أنّه أعطى الرعاة الشجاعة ليذهبوا ويمجدوا اسم يسوع، وأعطى يوسف القدرة ليقف إلى جانب والدة الإله ويعطي يسوع اسمه في اليوم الثامن مما يعطي هذا اليوم معنى فدائياً.

معنى اليوم الثامن وعلاقته بالختان

اليوم الثامن هو انتقال من الحالة الطفولية إلى الكمال الشخصي، إذ بحسب اليهودية يصير الطفل ولداً في هذا اليوم ويأخذ شخصية خاصة. فكمال الأيام السبعة هو اليوم الثامن حين يُعطى الطفل اسماً، وهذا ما يعطيه شخصيته ويجعله كائناً بشرياً محدداً باسمه.

من هنا أن الختان في اليوم الثامن يشير إلى الانتقال من حالة جسدية إلى حالة روحية. فعملية الختان الأسرارية تشير إلى رفض االحالة الجسدية التي يولَد فيها كل إنسان بينما التسمية تدخِله إلى حالة روحية تقود إلى الكمال. من هنا ضرورة استبدال الختان بالمعمودية التي تدخِل إلى الحياة الأبدية التي يمنحها المسيح. فالختان وَضِع بسبب وجود الوثنية ولكي يبيد عبادة الأوثان، وبعد إبادتها يُباد الختان نفسه.

فالمسيح هو ثامن مشرّع، وشريعته تدوم إلى الأبد. المشرعون السبعة هم آدم، نوح، إبراهيم، موسى، داود لأنه وضع شرائع التمجيد، عزرا لأنه جمع تثنية الاشتراع، ويوحنا المعمدان لأنه دعا إلى شريعة التوبة. وكلهم أعطوا شرائع مؤقتة بينما هو شريعته هي الثابتة والأبدية.

عيد ختان السيد

عيد ختان السيد

من موعظة للقديس أندراوس الكريتي

أعدها الأب أنطوان ملكي

معنى ختان السيد: الإله الحقيقي والإنسان الحقيقي

لقد برهن يسوع الإله أنه، بخضوعه للختان واتّخاذه اسماً بشرياً في إطار اليهودية التي وُلِد فيها، إنسان كامل حقيقي كما أنه إله حقيقي. فقد صار إنساناً في زمان ومكان محددين وإطار ديني محدد واتّبع تعاليم وفروض هذه الديانة في تحديد العلاقة بالله الخالق. فالختان يكشف أن المسيح لم يعد ابن الله وحسب بل هو ابن العذراء أيضاً من دون أن يترك حضن أبيه. وبهذا نحن نقترب إليه كسيّد وخالق ومخلّص لأنّه بيننا متّخذاً طبيعتنا سالكاً في طرقها بشكل يؤدي إلى الكمال. وبهذا هو يقدّم لنا الترياق حتى نكون بشراً حقيقيين أصيلين وكاملين.

الختان واتّخاذ الاسم

يذكر الإنجيلي لوقا “وَلَمَّا تَمَّتْ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ لِيَخْتِنُوا الصَّبِيَّ سُمِّيَ يَسُوعَ، كَمَا تَسَمَّى مِنَ الْمَلاَكِ قَبْلَ أَنْ حُبِلَ بِهِ فِي الْبَطْنِ” (21:2). والأمر نفسه يرِد لدى الإنجيلي متّى حين كلّم الملاك يوسف الخطيب طالباً إليه ألا يخاف بل ان يأخذ امرأته حيث يسمّي الملاك الصبي (متى 23:1). فمعنى الاسم “الله معنا” يتحقق في التجسد والخلاص بالتدبير.

اسم يسوع هو الرسالة الرئيسية في عيد الختان

ما يقدّمه لنا العيد بالحقيقة هو كشف هوية المسيح الحقيقية. فالمعنى العميق يكمن في أن نعمة التجسد تقدمنا إلى نعمة التدبير الخلاصي ويوحّدنا بمعرفة المخلّص وينيرنا بلمعان شخصه ومجده. لقد احتفلنا بحَدَث ميلاده وعرفنا أنه فائق الوصف ولكننا الآن مدعوون إلى الالتفات إلى الابن المولود من غير تردد أو خوف. العيد الحالي يدعونا إلى التعرف إليه من الاسم الذي اتخذه من أجلنا، فيسوع هو الذي عرّفنا بالله ليوفّق بيننا وبينه فنستوعبه وبذلك يمنحنا الخلاص الأبدي.

يورِد القديس أندراوس حواراً مع الملاك ليبيّن قوّة اسم يسوع. وفيه يقول الملاك أنّه أعطى الرعاة الشجاعة ليذهبوا ويمجدوا اسم يسوع، وأعطى يوسف القدرة ليقف إلى جانب والدة الإله ويعطي يسوع اسمه في اليوم الثامن مما يعطي هذا اليوم معنى فدائياً.

معنى اليوم الثامن وعلاقته بالختان

اليوم الثامن هو انتقال من الحالة الطفولية إلى الكمال الشخصي، إذ بحسب اليهودية يصير الطفل ولداً في هذا اليوم ويأخذ شخصية خاصة. فكمال الأيام السبعة هو اليوم الثامن حين يُعطى الطفل اسماً، وهذا ما يعطيه شخصيته ويجعله كائناً بشرياً محدداً باسمه.

من هنا أن الختان في اليوم الثامن يشير إلى الانتقال من حالة جسدية إلى حالة روحية. فعملية الختان الأسرارية تشير إلى رفض االحالة الجسدية التي يولَد فيها كل إنسان بينما التسمية تدخِله إلى حالة روحية تقود إلى الكمال. من هنا ضرورة استبدال الختان بالمعمودية التي تدخِل إلى الحياة الأبدية التي يمنحها المسيح. فالختان وَضِع بسبب وجود الوثنية ولكي يبيد عبادة الأوثان، وبعد إبادتها يُباد الختان نفسه.

فالمسيح هو ثامن مشرّع، وشريعته تدوم إلى الأبد. المشرعون السبعة هم آدم، نوح، إبراهيم، موسى، داود لأنه وضع شرائع التمجيد، عزرا لأنه جمع تثنية الاشتراع، ويوحنا المعمدان لأنه دعا إلى شريعة التوبة. وكلهم أعطوا شرائع مؤقتة بينما هو شريعته هي الثابتة والأبدية.

السلطة والقدوة

السلطة والقدوة: الأبوة الروحية مثالاً

ربيع نصور

 

مما لا شك فيه أن الإشكال الكبير القائم في فهم دور السلطة الحقيقية، الزمنية منها والروحية، يكمن في معرفة الإنسان لحجمه الحقيقي وإمكانياته من جهة  ، والدور المنوط به من جهة أخرى. وهذا ما لا نجده في كثيرين ممن أوكلت إليهم مهام مختلفة. فهناك أشخاص مِن مَن يتبوؤون المناصب على اختلافها، يلبسون لبوس الحكمة الظاهرية ويسارعون لتشكيل فصيل عبودية خاص متمحور حول شخصه وليس حول أفكاره وفي أحسن الحالات حول طروحات خاصة لا يقبل الجدال فيها. متناسيا أن يعمل على بناء كيانات مستقلة واعية قادرة على تحمل المسؤولية وحفظ الأمانة الموكلة إليهم، وبتعبير آخر يسعى لبناء مجسمات تقليدية لشخصه أو روبوتات آلية تنفيذية لما يراه وفقط، وهذا ما يجبر الكثيرين على الخروج من جلباب أبيهم ولو بعد حين، والمشكلة تكمن في هذا الخروج غير المنضبط الذي يأخذ صاحبه إلى مكان مختلف عما أراد الدخول إليه أو حتى مناقضٍ له.

وبنظرة أكثر عمقا في روحانية الكنيسة نجد أن هذا الأمر يتضح جليا في مفهوم الأبوة الروحية الذي كتبت عنه مجلدات كثيرة لشرحه وتفسيره التفسير الصحيح ولكن ما من جدوى فالممارسة في وادٍ والكتب في وادٍ آخر، حالها حال الكتاب المقدس وحياة الكثير من المسيحيين.

وقد اجتهد الآباء القديسون على تبيان أن مهمة الأب الروحي هي النصح والإرشاد وأن عليه أن يكون القدوة الحسنة قبل أن يبدأ بمواعظ وتقييمات تعريه أمام طالب المشورة منه. وهذا ما نراه جلياً في قصص بستان الرهبان حيث تظهر حكمة الأب الروحي  في حياته وليس بما يعظ  به فقط.

المسيح لم يعمل يوما على إنشاء مجموعة عبيد، فيها كامل صفات التابعية المطلقة بل كان يقبل الجميع كما هم ويعمل على رقي شخصياتهم بحسب مواهبها الخاصة وليس بحسب ارتباطها بشخصه البشري، فأكد أنهم ليسوا بعد عبيداً بل أبناء وورثة حقيقيون فالعبد لا يرث بل الابن، واجتهد مفسرا لهم الكتب سائرا معهم في مسيرتهم كتلميذي عمواس، لم يأمرهم بقبول كلامه دون فهم، دخل معهم مرارا وتكرارا بحوارات حول شخصه ومجتمعه وأعماله ( وانتم ماذا تقولون إنني أنا؟) متقبلاً آراءهم دون أن ينهرهم إلا عما هو خطيئة. لم يرذل المسيح قائد المائة ذا الأفكار الأخرى، بل وقف إلى جانبه.

هذا هو معلمنا الرب يسوع وهذا ما أراده آباؤنا القديسون وهذا ما يجب أن يكون عليه الآباء الروحيون، فالأبوة الروحية ليست سلطة للفخر بل هي خدمة وهذه الخدمة تتطلب جهدا مضاعفاً من قبل الأب الروحي لكي يساهم في  بنيان شخصية الابن الروحي ليكون يوما ما مسيحا، عاملا صالحا في حقل الرب وليس إنساناً مترددا مهزوز القرار، لا يرى إلا من خلال الثقب الموجود في جلباب معلمه، في هذه الحالة نكون خذلنا الكنيسة ولم نقدم لها جيلاً جديرا بحمل راية المسيح بشكل صحيح.

إن ما قد ذكرته عن الأبوة الروحية ينطبق على كافة الرتب المدنية منها والكنسية، التي يجب أن تجتهد لتعزيز ثقة الإنسان بنفسه وتنمية قدراته لتنشئة جيل واعٍ لما يقوم به، يميز أهدافه الحقيقية، متقنٍ لعمله محبٍّ له متفانٍ من أجله، هكذا نستطيع أن نصرخ “مما لك نقدمها لك “.

السلطة والقدوة

السلطة والقدوة: الأبوة الروحية مثالاً

ربيع نصور

 

مما لا شك فيه أن الإشكال الكبير القائم في فهم دور السلطة الحقيقية، الزمنية منها والروحية، يكمن في معرفة الإنسان لحجمه الحقيقي وإمكانياته من جهة  ، والدور المنوط به من جهة أخرى. وهذا ما لا نجده في كثيرين ممن أوكلت إليهم مهام مختلفة. فهناك أشخاص مِن مَن يتبوؤون المناصب على اختلافها، يلبسون لبوس الحكمة الظاهرية ويسارعون لتشكيل فصيل عبودية خاص متمحور حول شخصه وليس حول أفكاره وفي أحسن الحالات حول طروحات خاصة لا يقبل الجدال فيها. متناسيا أن يعمل على بناء كيانات مستقلة واعية قادرة على تحمل المسؤولية وحفظ الأمانة الموكلة إليهم، وبتعبير آخر يسعى لبناء مجسمات تقليدية لشخصه أو روبوتات آلية تنفيذية لما يراه وفقط، وهذا ما يجبر الكثيرين على الخروج من جلباب أبيهم ولو بعد حين، والمشكلة تكمن في هذا الخروج غير المنضبط الذي يأخذ صاحبه إلى مكان مختلف عما أراد الدخول إليه أو حتى مناقضٍ له.

وبنظرة أكثر عمقا في روحانية الكنيسة نجد أن هذا الأمر يتضح جليا في مفهوم الأبوة الروحية الذي كتبت عنه مجلدات كثيرة لشرحه وتفسيره التفسير الصحيح ولكن ما من جدوى فالممارسة في وادٍ والكتب في وادٍ آخر، حالها حال الكتاب المقدس وحياة الكثير من المسيحيين.

وقد اجتهد الآباء القديسون على تبيان أن مهمة الأب الروحي هي النصح والإرشاد وأن عليه أن يكون القدوة الحسنة قبل أن يبدأ بمواعظ وتقييمات تعريه أمام طالب المشورة منه. وهذا ما نراه جلياً في قصص بستان الرهبان حيث تظهر حكمة الأب الروحي  في حياته وليس بما يعظ  به فقط.

المسيح لم يعمل يوما على إنشاء مجموعة عبيد، فيها كامل صفات التابعية المطلقة بل كان يقبل الجميع كما هم ويعمل على رقي شخصياتهم بحسب مواهبها الخاصة وليس بحسب ارتباطها بشخصه البشري، فأكد أنهم ليسوا بعد عبيداً بل أبناء وورثة حقيقيون فالعبد لا يرث بل الابن، واجتهد مفسرا لهم الكتب سائرا معهم في مسيرتهم كتلميذي عمواس، لم يأمرهم بقبول كلامه دون فهم، دخل معهم مرارا وتكرارا بحوارات حول شخصه ومجتمعه وأعماله ( وانتم ماذا تقولون إنني أنا؟) متقبلاً آراءهم دون أن ينهرهم إلا عما هو خطيئة. لم يرذل المسيح قائد المائة ذا الأفكار الأخرى، بل وقف إلى جانبه.

هذا هو معلمنا الرب يسوع وهذا ما أراده آباؤنا القديسون وهذا ما يجب أن يكون عليه الآباء الروحيون، فالأبوة الروحية ليست سلطة للفخر بل هي خدمة وهذه الخدمة تتطلب جهدا مضاعفاً من قبل الأب الروحي لكي يساهم في  بنيان شخصية الابن الروحي ليكون يوما ما مسيحا، عاملا صالحا في حقل الرب وليس إنساناً مترددا مهزوز القرار، لا يرى إلا من خلال الثقب الموجود في جلباب معلمه، في هذه الحالة نكون خذلنا الكنيسة ولم نقدم لها جيلاً جديرا بحمل راية المسيح بشكل صحيح.

إن ما قد ذكرته عن الأبوة الروحية ينطبق على كافة الرتب المدنية منها والكنسية، التي يجب أن تجتهد لتعزيز ثقة الإنسان بنفسه وتنمية قدراته لتنشئة جيل واعٍ لما يقوم به، يميز أهدافه الحقيقية، متقنٍ لعمله محبٍّ له متفانٍ من أجله، هكذا نستطيع أن نصرخ “مما لك نقدمها لك “.

السنة التاسعة – العدد الثالث – كانون الأول 2012

السنة التاسعة – العدد الثالث – كانون الأول 2012

مختارات آبائية

العقل المظلم والقلب الغليظ

القديس نيكولا فيليميروفيتش


حياة روحية

المسيحيّ يهتمّ بالتوبة لا بالندم

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

الرياء

الأب أنطوان ملكي


لاهوت

بعض الخصائص المميزة للرهبان الأرثوذكسيين الحقيقيين

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

اللاهوت والمنهج العلمي

الأب يوحنا رومانيدس


رعائيات

التنجيم

الخورية سميرة عوض ملكي


شهادات

مستحق

ماريا قبارة

السلطة والقدوة

ربيع نصور


دراسات آبائية

عيد ختان السيد


قصة

شجرة الميلاد المنحنية

بعض الخصائص المميزة للرهبان الأرثوذكسيين الحقيقيين

بعض الخصائص المميزة للرهبان الأرثوذكسيين الحقيقيين

الميتروبولبت إيروثيوس فلاخوس

(من كتاب “الرهبنة الأرثوذكسية”، قيد الإعداد)

1) التوبة: إذا كانت المهمة الرئيسية للمسيحيين هي التوبة، أي عودة النفس مما هو غير طبيعي إلى ما هو طبيعي (القديس يوحنا الدمشقي)، وإذا كان ينبغي على كل المسيحيين أن يعملوا على تنفيذ كلمات المسيح: “توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات” (مت2:3)، فإنه ينبغي أن ينطبق ذلك بالأكثر على الرهبان. ينبغي بالطبع أن يتم التعبير عن التوبة الحقيقية في مناخ روحي صحي، لأنه كما يقول القديس اسحق السرياني: “التوبة مع أحاديث هي إناء محطم”. ترتبط التوبة ارتباطاً وثيقاً بالتواضع وإدانة الذات. ينظر الشخص ذو الروح الرهبانية الأصيلة إلى نفسه على أنه “أدنى كل الخليقة”. في الحقيقة يقول القديس اسحق السرياني: “الرجل المتضع بحق لا يضطرب عندما يُدان ولا يقول شيئاً لكي يبرر نفسه في مواجهة الظلم، لكنه يقبل الافتراء كحقيقة؛ إنه لا يحاول إقناع الناس أنه مفترى عليه، لكنه يطلب الغفران”.

2) الصلاة: يختار المرء الحياة الرهبانية لكي يمارس الصلاة، حيث أن الصلاة هي التعبير عن محبة الإنسان لله. تتطلب الصلاة النقية مناخاً ملائماً، وخصوصاً جواً من سكون الحواس، بالتالي هو يختار الأماكن الهادئة لكي يعبر عن رغبته في الاتحاد بالمسيح. إننا عندما نتحدث عن الصلاة نعني على وجه الخصوص، بجانب الصلاة الليتورجية، صلاة القلب النوسية التي تظهر أن الراهب يتمم الغرض الذي صار من أجله راهباً. يقول القديس برصنوفيوس الكبير: “الصلاة الكاملة هي أن تتحدث مع الله بدون تشتيت، جامعاً كل الأفكار والحواس معاً دون تجول. ما يقود الإنسان إلى ذلك هو الموت عن كل أحد، وعن العالم وعن كل شيء فيه”. ثمرة هذه الصلاة النقية هي، كما يقول القديس غريغوريوس النيصي، “البساطة، والمحبة، والتواضع، والمثابرة، والبراءة وما إلى ذلك”.

3) الهدوئية: ينبغي على الصلاة لكي تُقدم بطريقة أرثوذكسية ولكي تثمر أن تكون مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالهدوئية، التي تعني في التقليد الأرثوذكسي سكون الحواس، والأفكار، والقلب: أي سلام الجسد والنفس. هذه الهدوئية، الذي يشكل أساس حياة الأنبياء والرسل والشهداء، كان معاشاً من قِبَل آباء الكنيسة القديسين. لقد أثبت القديس غريغوريوس اللاهوتي أنه محب للهدوئية إذ يكتب قائـلاً: “لقد أردت في بعض الأحيان أن أموت عن كل الحياة وأن أحيا الحياة الخفية في المسيح؛ أن أصبح تاجراً يشتري اللؤلؤة كثيرة الثمن بكل ما أمتلك، وأن أعطي كل شيء زائل وعابر في مقابل ما هو أبدي وسماوي”. على كل حال، بطل الهدوئية المقدسة كان القديس غريغوريوس بالاماس الذي أُيد تعليمه من قِبَل سلطة مجمعية. هكذا، تشكل الهدوئية الأرثوذكسية الأصيلة أساس العقائد والإيمان، وهي جوهر طريقة الحياة الرهبانية. كتابات القديس غريغوريوس بالاماس التي يتحدث فيها عن السكون المقدس هي كتابات مهمة جداً. إنها تشتمل على عظته عن القديس بطرس الآثوسي؛ وعظته عن دخول والدة الإله الهيكل التي تصف الهدوئي الأرثوذكسي الذي يتشبه بحياة القديسة والدة الإله؛ وعمله الرائع في “الدفاع عن الهدوئيين القديسين”؛ ورسالته “إلى الراهبة الأكثر تبجيلاً كسينيا” التي تصف ما الذي ينبغي على الراهب الأرثوذكسي أن يكون عليه.

4) الطاعة: هذه هي الفضيلة الافتتاحية بعد التخلي. على كل حال، يوجد ارتباط وثيق بين التخلي والطاعة، حيث أن التخلي يحدث لكي تتبعه الطاعة. أفرط الآباء في إطراء قيمة الطاعة. يكتب الأنبا أشعياء قائلاً: “إننا نصبح طائعين لآبائنا الروحيين في الله في كل الجوانب، قاطعين مشيئتنا الخاصة في كل أمر، بحيث نكون خاضعين لهم لكي تبقى بركتهم معنا كما حدث مع أليشع”. كلمات بولس الرسول معروفة: ” أطيعوا مُرشِديكُمْ واخضَعوا، لأنَّهُمْ يَسهَرونَ لأجلِ نُفوسِكُمْ كأنَّهُمْ سوفَ يُعطونَ حِسابًا، لكَيْ يَفعَلوا ذلكَ بفَرَحٍ، لا آنِّينَ، لأنَّ هذا غَيرُ نافِعٍ لكُمْ” (عب17:13). إنه أمر مروع بالنسبة لرئيس الدير أن يكون ساخطاً على رهبانه، أو بالنسبة لأسقف أن يكون ساخطاً على رؤساء الأديرة والرهبان. هذا له نتائج كبيرة وخطيرة بالنسبة لأولئك الذين يثيرون السخط. إنه أمر مخيف بالنسبة للأسقف أن يصل لنقطة الندم على رسامات أتمّها، ليس لأنه كان هناك موانع للرسامة، ولكن لأن أولئك المسامين يسلكون بطريقة لا تليق بإكليروس صالح. من لا يمارس الطاعة، ولكنه يمزج إرادته الشخصية بأعماله كراهب، يسمى زانياً بحق. “الذي يخلط إرادته الشخصية بوصية في السر هو رجل زانٍ” (القديس مرقس الناسك). إننا نعني بالطاعة طاعة الراهب لأبيه الروحي، وللأسقف، ولتقليد الكنيسة. ما لم تكن تلك النقاط الثلاثة المرجعية عاملة، فإنه لا توجد طاعة. الطاعة للأب الروحي بدون الطاعة للأسقف (في مسائل لا تشكل تعدياً على ناموس الله وقوانين الكنيسة)، وبدون طاعة لتقليد الكنيسة لا تكون طاعة أصلية ولكنها تكون طاعة زائفة، لا تختلف عن الطاعة التي يقدمها أتباع الديانات الشرقية لمعلميهم. القوانين المقدسة، مثل القانون الرابع والثامن من المجمع المسكوني الرابع، تختص بطاعة الرهبان والآباء الروحيين لأسقفهم.

5) التقدم الدائم نحو الكمال: الرهبان الصالحون الذين يبدؤون بالطاعة والفضائل الافتتاحية الأخرى يتقدمون بغير انقطاع ويصعدون روحياً باستمرار، كما هو موصوف في كتاب “فيلوكاليا القديسين اليقظين”. الذي وضعه القديس ثيوفان الراهب سلماً دقيقاً للنعم الإلهية. الصلاة النقية الخالية من كل التصورات والخيالات المنغمسة في الملذات تؤدي إلى حرارة القلب، والقوة المقدسة، والدموع المنفجرة من القلب، والسلام من الأفكار، وتطهير النوس، ومعاينة الأسرار السماوية، والتنوير الإلهي، واستنارة القلب والكمال. هذه مسيرة مستمرة للصعود الروحي، وهي تظهر كيف أن الراهب الحقيقي يتقدم من الفضيلة العملية إلى التنوير الإلهي ومعاينة الله.

العقل المظلم والقلب الغليظ

العقل المظلم والقلب الغليظ

القديس نيكولا فيليميروفيتش

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

“يَسْلُكُ سَائِرُ الأُمَمِ أَيْضًا بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ، إِذْ هُمْ مُظْلِمُو الْفِكْرِ، وَمُتَجَنِّبُونَ عَنْ حَيَاةِ اللهِ لِسَبَبِ الْجَهْلِ الَّذِي فِيهِمْ بِسَبَبِ غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ” (أفسس 17:4-18).

ما هو البُطل أيها الإخوة؟ كل ما هو منظور خارج الله، مقطوع عنه أو مصنوع من دون مخافة الله.

ما هو بُطل الذهن أيها الإخوة؟ هو السلوك وترجمة الحياة لا بناموس الله بل بالأفكار والشهوات الذاتية العابرة.

من أين يأتي هذا الشر إلى البشر؟ من غلاظة القلب والجهل الداخلي.

ما معنى غلاظة القلب أيها الإخوة؟ معناها قلب خالٍ من محبة الله وخوفه، مملؤ بالشهوانية والخوف من كل شيء من أجل الجسد.

ما الذي يولَد من غلاظة القلب؟ الجهل، الجهل المطبق بالأمور الإلهية، والطرق الإلهية والنواميس الإلهية، قلب متبلّد في الحياة الروحية والفكر الروحي.

ما هي النتيجة النهائية لغلاظة القلب وجهل الحقيقة الإلهية؟ إنها فهم مظلم وتغرّب عن الإله الحي.

الفهم المظلم يتمّ عندما يصير فكر الإنسان مظلماً كالجسد، والنور الذي في الإنسان يصير ظلمة. آه، أي ظلمة! الفهم المظلِم هو فكر مظلم. لا يعرف الفكر المظلم معنى أي شيء، أو ينكر معنى كل شيء. في هذه الحالة، يتغرّب الإنسان عن حياة الله، ويذوي ويموت كجزء مقتَطَع عن جسد. هكذا هم الوثنيون، هكذا هم الملحدون، وهكذا هم أصحاب الإيمان الضئيل أو المسيحيون الزائفون. ولكن حتى الخشب الناشف، عندما يُروى بماء المسيح الصانع الحياة، يحيا وينفجر بالخضرة. حتى العالم الوثني القاحل أقيم وأحيي بالمسيح السيد. فأي حالٍ إذاً هو حال الخطأة التائبين!

لننظر إلى ذواتنا ايها الإخوة. لنقم بذلك كل يوم. لنسأل أنفسنا يومياً ما إذا كنا أظلمنا أو تغرّبنا عن حياة الله بسبب بُطلنا. سريعاً سوف يكون الموت والنهاية والدينونة. الحطب الجاف سوف يُلقى في النار التي لا تُطفأ.

أيها الرب يسوع، فكرنا وحياتنا، ساعدنا لنفكّر معك ونحيا معك. لك المجد والإكرام إلى الأبد. آمين.

اللاهوت والمنهج العلمي

اللاهوت والمنهج العلمي

الأب يوحنا رومانيدس

نقلها إلى العربية بتصرّف الأب أنطوان ملكي

إذا كان أحد الطلاب مهتماً بعلم الفلك، فسوف يقرأ كتباً عن الأجسام السماوية ومن ثمّ يراقب النجوم في السماء. عندما ينمو، إذا رغب في دراسة النجوم بشكل أكثر تفصيلاً والتعرّف إليها عن كثب، يذهب إلى الجامعة ويدرس النجوم عبر مقراب (telescope) ويرى ما يُرى بالعين المجرّدة. هذا بالتحديد ما يجري في الحياة الروحية. المسيحي الذي يرغب برؤية مجد الله، عليه أن يعبر بعض المراحل أو الخبرات التي يتقدّم روحياً من خلالها. كما ذكرنا سابقاً، هذه الحالات هي التطهر، الاستنارة والتمجيد. تأتي حالة الاستنارة الشاملة عندما تصير الصلاة النوسية غير المنقطعة ناشطة في القلب البشري. من ثمّ، يصير الإنسان في الحقيقة هيكلاً للروح القدس.

بالرغم من هذا التشابه، أيٌ من العلوم، بما فيها العلوم الصارمة (hard sciences اي تلك القائمة على الاختبار)، لا يملك أي خبرة خاصة وحاسمة على علاقة بحالة الاستنارة. فقط في العلوم المحددة يوجد حالة على علاقة بالتألّه وتسمح لنا بالمماثلة. كما أن مَن هو في حالة التمجيد يمكنه أن يرى مجد الله، كذلك عالم يمتلك الأدوات المناسبة لعلمه (المجهر أو المرقاب مثلاً) يمكنه أن يرى الشيء المنشود لكي يراقبه ويدرسه. ما أن تأخذ علماً طبيعياً، حتى تستطيع أن ترى الشيء الذي تتعلّم عنه وتدخل في تماسٍ مباشر معه.

ما يعاينه العلماء يكون مصدر إلهامهم. عالم البيولوجيا تلهمه الحيوانات والنباتات التي يراقبها. عالم الجراثيم تلهمه الكائنات المجهرية التي يراها بمجهره. إذاً، عالم الجراثيم هو ملهَم جرثومياً، إذا صح التعبير. عالم الفلك ملهَم فلكياً. العلماء من كل الفئات ملهَمون بموضوع بحثهم. إذاً، ماذا ينبغي أن تكون الحالة المرادفة التي تلهم اللاهوتي؟ (اللاهوتي هنا ليس مَن يحمل شهادة في اللاهوت، بل هو المستحق لمعاينة الله) بشكل طبيعي، يجب أن يكون اللاهوتي ملهَماً من الله. لكن مَن هو الملهَم من الله؟ إنه مَن رأى الله.

السؤال الآن: لماذا نسمّي مَن بلغ الاستنارة “مستنيراً”؟ إنه مستنير لأن الروح القدس يسكن فيه ويعلّمه. وكيف يعلّمه الروح القدس؟ من خلال الصلاة النوسية. بالصلاة في قلب هذا الإنسان يعلّمه الروح القدس ويعرّفه ماذا ينبغي أن يقول أو أن يفعل. مَن يكون في هذه الحالة يتلقّى رؤى بشكل مستمر حول ما هي إرادة الله في أي موضوع. إذاً، الروح القدس عينه هو معلّم هذا الإنسان في فن الصلاة. في اللاهوت، الله ليس موضوع البحث البشري وحسْب، بل هو أيضاً معلّم الإنسان الذي يقوده إلى المعرفة، معرفة الله، التي ليست شيئاً أقلّ من معاينة النور غير المخلوق.

كيف يحقق الطالب موقعه الملائم في حقله العلمي بين العلوم الدقيقة؟ ألا يحتاج إلى مَن يعلّمه هذا العلم؟ أهو يتعلّم من الكتب فقط أم من علماء أحياء؟ بالطبع، يجب أن يتعلّم من علماء أكفاء. عليه أن يذهب إلى الجامعة ويرتبط بأستاذ يلمّ بالمادة التي يهتمّ بها هو. بهذه الطريقة أيضاً، تتكوّن قناعة الطالب بأن أستاذه هو عالم بالفعل بما يرغب هو بتعلّمه. بالطبع، يدرك الطالب أن معلّمه لا يعرف كلّ شيء. هذا يتعلّمه من الأستاذ نفسه. إن العلاّمة الثابت والحسن السمعة يكشف لتلميذه ما يعرف في اختصاصه. وهكذا، يتعلّم الطالب من معلّمه ما يبقى مجهولاً بالإضافة إلى ما هو معروف في الحقل العلمي الذي اختاره. فوق هذا، هو يتعلّم الطريقة أو الطرق العلمية لاكتساب المعرفة. بتعبير آخر، إنه يتدرّب على طرق البحث، إذ يتّم تعليمه التمييز بين المعلوم والمجهول كما غربلة المعرفة النافعة من المعلومات التي لا جدوى منها. كذلك، يتعلّم كيفية توسيع تركيز دراسته أو تحقيقه عن طريق المزيد من البحوث. فإذا كان الأستاذ صريحاً تماماً مع تلميذه وأطلعه على ما يعرف وما لا يعرف، وإذا علّمه كيف يقوم بالبحث، ينمو التلميذ تدريجياً إلى اختصاصي في حقله تماماً مثل معلّمه.

من كل هذه التفاصيل المتعلّقة بأسئلة حيوية حول المنهجية يمكننا أن نرى أن الطريقة الاختبارية بتعلّم علم ما تلائم اللاهوت، وهي الطريقة الآبائية لاكتساب معرفة الله. يمكننا أن نرى أيضاً أن الاستنارة والتألّه هما حالتان اختباريتان منفصلتان كلياً عن الماورائيات أو التفكّر الفلسفي. من حيث المنهجية، ولوج حالة الاستنارة ليس مختلفاً عن إدخال الطلاب إلى أي من العلوم الدقيقة. لبلوغ حالة الاستنارة، عليك أن تمضي وترتبط بأبٍ روحي قد سبق وبلغ هذه الحالة، وهو مستعد لأن يعلّمك طريقة اكتساب معرفة الله ويرغب في مساعدتك للتقدم روحياً.

مستحق

مستحق

ماريا قبارة

المجد لله في الأعالي؛

الذي ارتضى بمشيئته الخاصّة أن يعتلي السّدة البطريركية التي شغرت بوفاة العظيم؛ بطريرك العرب إغناطيوس الرابع هزيم، مجيء البطريرك يوحنا العاشر اليازجي.

وعلى الأرض السلام؛

وكأنّ الله يُعلن بمواكبة بدء مهام البطريرك لعيد الميلاد أنّ المهمّة الأولى التي يدعوه إليها هي إحلال السلام. إنّ الشرق موجوع بسبب الضغائن التي أوصلتنا إلى رفضِ الآخر وإزالته من الوجود. إنّ القلوب مسودة إمّا بالحزن أو بالحقد، ولا يوجد غير السّلام يُعيد لخليقة الله طمأنينتها ويُرضي قلب الله الآب الذي لا يقلّ وجعاً علينا إذا جاز لنا القول.

وفي الناس المسّرة؛

وكأنّ تتمة البشارة الملائكية تأخذنا إلى الرجاء بأنّ غبطته سينجح فيما يدعوه الله إليه، وبهذا سيكون كأسلافه رسولاً ثالث عشر يُعلن السرور على الأرض.

شجرة الميلاد المنحنية

شجرة الميلاد المنحنية

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع


قيل إنّه غُرست في حقلٍ أشجارُ عيد الميلاد، فجاءت حمامة تسأل الأشجار شجرة شجرة إن كانت تستضيفها لكي تقيم عشّاً بين أغصانها لتحتضن بيضها. وكانت بعض الأشجار تعتذر بأنّها مغروسة حديثاً، وترغب أن تنمو سريعاً، فلا تريد أن يُقام بين أغصانها عشّ يدوم فترة طويلة يمثّل ثقلاً على الأغصان الحديثة والعاجزة عن احتمالها. والبعض اعتذر بأنّ وجود العشّ يفسد منظرها ويفقدها جمالها، فلا يقتنيها أحد ويزيّنها بالأنوار وأنواع الزينة الثمينة في عيد الميلاد المجيد.

بين كلّ الأشجار وُجدت شجرة واحدة صغيرة نادت الحمامة وسألتها عن طلبها ورحّبت بها. فرحت الحمامة بالشجرة المتميّزة بمحبّة إضافة الغرباء، والتي لا تطلب ما لنفسها بل ما هو للآخرين. فسألتها الحمامة: “وما هي طلبتك مقابل هذه الضيافة الكريمة؟” فأجابت الشجرة: “وجودك بين أغصاني هو أجرتي، فإنّك إذ تجدين دفئاً وتحتضنين البيض ليغدو حماماً صغيراً، هذا يفرّحني تماماً. أرجو أن تقبلي هذه الدعوة، فإنّني أجد راحتي في راحة الآخرين”. وبفرح شديد قبلت الحمامة الدعوة، وبدأت تجمع القشّ وتقيم عشّها بين أغصان شجرة عيد الميلاد الحديثة.

جاء الشتاء قارصاً جدّاً، فأحنت الشجرة الجزء العلويّ في حنوّ نحو العشّ لتحمي الحمامة وبيضها من موجة البرد الشديد. وبقيت الشجرة تنحني بكلّ طاقتها، وتلتفّ حول العشّ حتى فقس البيض، وكبر الحمام الصغير وطار. فحاولت الشجرة أن ترفع الجزء العلويّ منها لتكون مستقيمة، لكن بعد هذه الفترة الطويلة من الانحناء لم يكن ممكناً أن تفعل ذلك، فبقيت منحنية.

وقبل أيّام من عيد الميلاد جاء التجّار ليقطعوا أشجار العيد الخضراء ويبيعونها كي يزيّنها المسيحيّون استقبالاً للعيد. وكان كلّ تاجر يرفض شراء الشجرة المنحنية حتّى كادت أن تصير وحيدة في الحقل كلّه. تألّمت الشجرة جدّاً بسبب هذا الرفض، فإنّه سوف يأتي العيد وتتزيّن كلّ الأشجار زميلاتها أمّا هي فستبقى في العيد بلا زينة وبدأت تسائل نفسها: ترى هل أخطأت حين انحنيت لأحمي الحمامة وبيضها وفي ما بعد صغارها؟ فأتت الإجابة قويّة في داخلها: الحبّ الذي قدّمته هو الزينة التي تفرّح قلب مولود المزود. إنّني لن أندم قطّ على عمل محبّة صنعته.

وبعد أيّام قليلة جاء مؤمن كان قد اشترى بيتاً حديثاً، ويريد أن يغرس شجرة في الحديقة الأماميّة. مرّ الرجل وزوجته بالحقل، فوجدا الحقل قد فرغ من الأشجار، ولم يبق سوى هذه الشجرة المنحنية. أُعجبا بها فاشترياها، واقتلعاها من جذورها، وغرساها في الحديقة الأماميّة للمنزل الجديد. وقبل العيد بيومين قام الرجل بتزيين الشجرة، ففرحت وتهلّلت. وإذ مرّ العيد جفّت كلّ الأشجار المقطوعة، وأُلقيت بين النفايات إذ أراد الجميع التخلّص منها. أمّا الشجرة المنحنية، فبدأت جذورها تدبّ في الأرض الجديدة، وصارت تنمو على الدوام، وشرع صاحبها يزيّنها في كلّ عيد للميلاد وفي كلّ مناسبة سعيدة