السنة العاشرة – العدد الخامس – شباط 2014

السنة العاشرة العدد الخامس – شباط 2014

 

مختارات آبائية

شيخ يعلّم تلميذه كيفية الصلاة

 

قراءة عن الصمت والصحراء والصلاة

عن كتاب القفر في قلب المدن

 

عظة

الصّوم والصّلاة معبر الشّفاء

الأرشمندريت توما بيطار

 

حياة روحية

القدسات للقدّيسين

الأرشمندريت كاسيانوس عيناتي

 

التكنولوجيا والحياة الروحية

الأرشمندريت لوقا الغريغوري

 

من وحي أحد الدينونة

الأب أنطوان ملكي

 

تربية مسيحية

الأولاد والطاعة

الشيخ تداوس سترابولوفيتش رئيس دير فيتوفنيكا، صربيا

 

لاهوت

الرهبان والقوانين المقدسة

 

قصة قصيرة

جامعة الظلام

 

قصة قصيرة للأطفال

الشمعة والورقة

الشمعة والورقة

الشمعة والورقة

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

 

وقفت الشمعة كعادتها بعد نهاية اليوم وغياب ضوء الشمس المبهر لكي تضيء المكان كلّه، وكان نورها جميلاً جدًّا وسط العتمة. وقفت الشمعة منتصبة فخورة بعملها، لأنّها كانت تعلم جيّدًا بأنّها تقوم بعمل هامّ وجميل ومفيد للآخرين.

وفي أحد أركان المكان نفسه كانت تجلس هناك ورقة تنظر جمال الشمعة الفرحة وتتأمّلها متنهّدة وغارقة في حزنها وضيقها الشديدين، وتقارن عملها بعمل الشمعة: فالشمعة تضيء للجميع، أمّا هي، فلا فائدة من وجودها ولا أهمّيّة، وكم تمنّت لو تستطيع أن تصبح شمعة، فيفرح الناس بها وهي تفرح لفرحهم.

وفي أحد الأيّام جلست الورقة تنظر إلى الشمعة وضوئها وهي تبكي وتطلب من الله بحرارة كي يعطيها ضوءًا كضوء الشمعة حتّى تضيء مثلها. فسمعها إبريق المياه الذي كان يقف إلى جانبها، وتعجّب جدًّا من بكائها، وسألها:

– آه، أيّتها الورقة العزيزة، لماذا تبكين هكذا؟

– إنّي حزينة جدًّا أيّها الإبريق العزيز.

– ما الذي أصابك؟

-لا شيء. بل أنا حزينة على حالي.

– وما هو حالك يا ترى؟ إنّي أراك بأحسن حال.

– أنت لا تعلم شيئًا. ألا ترى أنّي ورقة عديمة النفع؟

– ماذا تقولين؟ عديمة النفع؟

– نعم.

– أنت مخطئة جدًّا يا عزيزتي، فنحن…

– أرجوك دعني في مصيبتي، ولا أريد أن أسمع شيئًا حول هذا الموضوع.

وهكذا ابتعد الإبريق حزينًا على الورقة، وقرّر أن يفاتحها بالموضوع في وقت آخر، لكي يقنعها بأنّ لكلّ مخلوق وظيفة في هذه الحياة ودور، وبأنّ كلّ واحد منّا يقوم بما يتناسب وصفاته ومقدرته.

وأمّا الورقة، فقد قرّرت، بدورها، أن تغيّر واقعها بنفسها، فتقدّمت واقتربت من الشمعة المشتعلة، ومدّت أحد أطرافها إلى لهبها، حتّى تشتعل هي الأخرى وتضيء مثلها. وبالفعل اشتعل أحد أطراف الورقة، فشعرت بألم شديد، وبدأت تصرخ وتستغيث وهي ترى نفسها تحترق. فاشتمّ الإبريق رائحة الحريق، وأسرع لينقذ صديقته الورقة، وبدأ يصبّ من مياهه عليها حتّى استطاع بعد جهد أن يطفئها.

وبعد أن أنقذها من موت أكيد، نظر إليها معاتبًا، وأمّا هي، فلم تجسر على النظر إليه لشدّة خجلها منه. وبعد لحظات من الصمت، قالت الورقة للإبريق:

– أرجوك، يا عزيزي، أن تسامحني، فلقد كنت ورقة متكبّرة لا تقنع بواقعها.

– حسنًا، أيّتها الورقة العزيزة، أرجو أن تكوني قد أخذت درسًا مهمًّا في الحياة.

– ولكن، قل لي، ألا تفكّر أنت بأنّك عديم النفع مثلاً؟

– أبدًا، فأنا مسرور بأنّي ألبّي حاجة كلّ من كان عطشانًا وبحاجة إلى نقطة مياه يرطّب بها قلبه، ولا سيّما أثناء الصيف حيث الحرارة المرتفعة.

– حسنًا، ولكن ما هي فائدتي أنا؟

– أنت لك فوائد كثيرة، فأنت تملئين المكتبات، وعليك يكتب جميع الناس: الطبيب يكتب وصفته العلاجيّة للمريض، والمحامي يكتب عليك صكّ الإفراج عن سجين، والكاهن يكتب عليك صلواته والتلميذ يكتب وظائفه و… و…

– (بابتسامة عريضة) أوه لم أكن أعرف أنّي مشهورة وذات قيمة إلى هذه الدرجة. لقد أفرحت قلبي. شكرًا لك.

– ولكن، وقبل أن أتركك لا بدّ أن أقول لك ما يقوله القدّيس بطرس الرسول في رسالته الأولى…

– آسفة إن قاطعتك، ولكن هل كتب الرسول بطرس أكثر من رسالة؟

– نعم، لقد كتب رسالتين. والآن هل تريدين أن تسمعي  ما كتبه؟

– آه، نعم، بكلّ سرور.

– لقد كتب: “ليكن كلّ واحد بحسب ما أخذ موهبةً يخدم بها بعضكم بعضًا”. فهل ما زلت غير مقتنعة بفائدة وجودك؟

– آه، كلا. إنّي أشكرك.

– لا بل اشكري الله، إذ لو لم أكن قربك لكنت احترقت بكلّيّتك، واعلمي بأنّ الله لا يخلق شيئًا لا فائدة له. والآن، دعينا نأخذ لنا صورة تذكاريّة أنت وأنا والشمعة لكي نتذكّر على الدوام فائدة كلّ واحد منّا في الحياة.

– (بفرح) نعم، هيّا بنا.

جامعة الظلام

جامعة الظلام

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

 

دعا إبليسُ رئيسَ جامعة الظلام وعمداءَ كلّيّات الجامعة إلى اجتماع مغلق وعاجل ليتدارس وإيّاهم أوضاع الجامعة ونشاط عمدائها وأساتذتها. كان إبليس يشتعل غضبًا وعيناه تقدحان نارًا، وهو ثائر على أعوانه الشياطين يقول لهم: “كلّكم متكاسلون، كلّكم خاملون. انظروا كيف خسرنا الكثير من ضحايانا من البشر. أين الآلهة الوثنيّة التي اخترعناها ونشرنا عبادتها على مدى أجيال وأجيال: إيزيس وجوبتير وفينوس و…؟ أين عبادة الفراعنة والملوك والأباطرة؟ أين الإلحاد الذي فقدناه؟ أين الشيوعيّة التي نشرناها والتي مُنينا بسقوطها فشلاً ذريعًا؟ أين… وأين…

ساد الصمت، برهة، احترامًا لحزن إبليس، ثمّ وقف عميد كلّيّة المجد الباطل، وقال: “نحن لا ننسى أتعابك وأعمالك، أيّها الرئيس، منذ غواية حوّاء إلى قتل هابيل إلى … إلى… لكنّنا نحن ناشطون وما زلنا نعمل وسوف نعمل حتّى نفني الإيمان كلّه عن وجه الأرض. فالإلحاد لا يزال موجودًا ولكن بأشكال حديثة، ولنا أتباع كثيرون. وانبرى شيطان الإلحاد يقول: “إنّني أبذل قصارى جهدي لإزالة الإيمان بواسطة تلميذي الشكّ، أو على الأقلّ زعزعة الإيمان بالله وبكتابه الذي يدعونه المقدّس”. فشجّع إبليس هذا الشيطان، ووعده إن استمرّ في نشاطه هذا أن يمنحه وسام الاستحقاق الإبليسي. وهنا وقف عميد كلّيّة الفساد، وقال متباهيًا: “اطمئنّ، أيّها الزعيم، فعلى الرغم من أنّنا خسرنا الكثير إلاّ أنّنا نعمل في ميادين متعدّدة، وكلّها مهمّة: في أفلام السينما، في أماكن الرقص واللهو، في الأنترنت، في بيوت الفسق… كما قدّمنا بدل الإلحاد عقائد جديدة كشهود يهوى والمرمون…، وهكذا جعلنا مؤمنين يحاربون مؤمنين.

ووقف عميد كلّيّة الخرافات وقال: “لا تنسَ، أيّها الزعيم، أنّ تلاميذي ينشطون كلّ النشاط في مجالات التنجيم وقراءة الكفّ والفنجان وضرب الرمل وما تقوله النجوم والأبراج”. فانبرى إبليس وقال: “ولكنّني أرى، رغم كلّ جهودكم، دور العبادة مزدحمة بالناس، حتّى إنّهم يعلّمون الأطفال الصلاة”. فانتصب عميد كلّيّة العبادة الشكليّة، وقال: “لقد تدخّلنا بسرعة لنبطل صلواتهم بواسطة التشتّت كتذكيرهم، أثناء الصلاة، بالأعمال الهامّة التي تركوها وراءهم، أو بالبورصة والمال. كما جعلنا من صلواتهم أن تكون لفظيّة، فقط، فأصبحت صلاة بلا روح وعادت غير مقبولة لدى إلههم”.

وهنا جاء دور عميد كلّيّة الغضب، فقال: “أنا، يا سيّدي، من أعظم أتباعك نشاطًا، ولي كثير من المساعدين: شيطان المشاجرة والخصام، شيطان الحروب، شيطان الفتن والدسائس، شيطان الكرامة الشخصيّة والحساسيّة الزائدة…”. ثمّ انبرى شيطان الزنا، وقال: “أمّا أنا، فلي نشاط ملحوظ، وأستطيع السيطرة على معظم أبناء البشر، وبخاصّة من كان منهم في عمر المراهقة. إنّي أوقع الغالبية من الناس في علاقات محرَّمة، وأزرع في أذهانهم بأنّها علاقات تفرضها طبيعتهم وغرائزهم وليست علاقات خاطئة، فيرتاحون ويمارسونها باقتناع. صحيح إنّ بعض الرهبان غلبوني كأنطونيوس وغيره، إلاّ أنّي لم أيأس، أنا أتعقّبهم حتّى أنتصر عليهم”. فهنّأ إبليسُ شيطانَ الزنا، وقرّر أن يمنحه وسام الأبالسة العظماء تقديرًا لجهوده الجبّارة.

ثمّ وقف عميد كلّيّة الذات، وقال: “يا زعيمي الجبّار، لماذا تغضب ظانًّا أنّ عبادة الأصنام قد زالت من العالم؟ كلا، يا سيّدي، أنا الصنم الجديد الذي يتعبّد له غالبيّة البشر اليوم، وعادوا لا يحتاجون معه إلى أصنام أخرى من الخارج، إنّما بإيحاءاتنا وأفكارنا جعلنا ذاتَ كلّ إنسان صنمَه. فكلّ جهاده صار محصورًا من أجل رفع كرامة الذات ومكانتها بين الناس، وحتّى خدمة الله أدخلنا فيها الذات، وكذلك الوعظ جعلناه قصد إبراز المعلومات. وأيضًا محبّة العالم والطمع والمتعة والسلطة والنفود والتعالي والكبرياء والقسوة…”. وهنا صفّق الحاضرون للذات تصفيقًا حادًّا، طالبين من إبليس مكافأة شيطان الذات التي أصبحت بامتياز الصنم الأوّل في هذا العصر.

حينئذ وقف إبليس ليختم الجلسة، ولكنّه سمع أصواتًا تحتجّ وسط جمهرة أساتذة جامعة الظلام، إذ وقف كلّ من شيطان التمرّد والعصيان والإغراء والخيانة وأخطاء اللسان والشائعات والتجديف واليأس والخوف والرشوة والإهمال والنسيان والفزع والخوف يطلبون أن يقدّموا هم أيضًا تقاريرهم وخبراتهم. غير أنّ إبليس وعدهم بذلك في جلسة أخرى. ثمّ قال بافتخار: “إنّي أهنّئكم جميعًا. بالحقيقة إنّكم تقومون بجهود جبّارة لإسقاط الإنسان، فهلمّوا بنا نتعاضد، أكثر فأكثر، لنلقي الناس في أحضاننا، وإلى اللقاء في اجتماع آخر”. علا التصفيق والهتافات بحياة إبليس والنجاح لجامعة الظلام.

التكنولوجيا والحياة الروحية

التكنولوجيا والحياة الروحية

الأرشمندريت لوقا الغريغوري

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

سؤال: ما هو هدف حياة الراهب؟

الأب لوقا: الهدف من الحياة، ليس فقط للرهبان، ولكن لأي شخص، هو التألّه. يشهد القديس أثناسيوس الكبير على هذا: “صار الله إنساناً ليصير الإنسان إلهاً.” ويقول الرب نفسه في الكتاب المقدس: “كونوا كاملين، كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل” (متى 48:5) و”تكونون قديسين لأني أنا قدوس” (لاويين 44:11). يرد في أماكن كثيرة من الإنجيل وأعمال الرسل والرسائل أنّ هدف حياة الإنسان هو التألّه. وقد أصبح ممكناً بلوغ هذا الهدف بعد أن تجسّد الرب. من خلال سرّ المعمودية المقدسة نصبح أعضاء جسد المسيح، ومن خلال القربان المقدس يمكننا تحقيق التألّه.

الرهبنة هي أفضل ما يفضي إلى تحقيق هدف حياة الإنسان. ويرجع ذلك إلى حقيقة أن حياة الراهب هي حياة توبة. هذا هو سر التوبة.  من لحظة أخذنا الوعود الرهبانية، تصبح حياتنا ذبيحة متواصلة إلى الله. نحن مدعوون لتكريس كل قوانا للرب، لإعطاء أنفسنا دون تحفظ. رغبة الراهب الوحيدة وتطلعه هي أن يكون مع المسيح دائما.

سؤال: ما الذي يمنع من تحقيق هذا الهدف؟

الأب لوقا: السبب الرئيسي لنفور الشباب من حياة التقشف هو الروح الدنيوية. هذه الروح لا تسمح لأحد أن يحبّ الرب بكل قوة نفسه، ولا أن يرغب بأن يكون معه بأي ثمن.

في الماضي، عندما لم تكن روح “هذا العالم” قد توغلت إلى هذا العمق، ربّى المسيحيون أطفالهم في جو من التقوى. رأى الأطفال والدِيهم يحضرون الخدم الإلهية، يصلّون، يسجدون، ويعترفون… لقد كان سلوك مسار الحياة المسيحية أكثر سهولة على الأطفال الذين تربوا في مثل هذه الأجواء الروحية.

انظروا إلى حياة القديسين: غالبية النساك تربّوا على يد أهل ورعين. حياة القديس سيرافيم ساروف تبهرني بشكل خاص. عندما مرض القديس سيرافيم في طفولته، أخذته والدته أغاثي إلى الفناء، وضعت له أيقونة والدة الإله العجائبية، ووقفت تنتظر زيارتها. لقد كان للناس إيمان صادق ونقي!

سؤال: أيستطيع الراهب أن يستفيد من التكنولوجيا الحديثة (الهواتف الخليوية والإنترنت)؟

الشرط الوحيد الذي لا غنى عنه لذلك هو بركة الأب الروحي. دون هذه النعمة، استخدام الإنترنت، الهواتف الخلوية، وغيرها من الوسائل التكنولوجية الحديثة قد يكون أمراً خطيراً. يتّضح من كتاب أخبار الآباء القدماء (Patericon) أن استخدام الرهبان لما يبدو بريئاً وغير ضار من المواد، يمكن أن يكون خطراً.

جذور الشر ليست في الشيء نفسه، ولا في أي وسيلة من التكنولوجيا، ولكن في غياب الطاعة. يمكن سرد عدد كبير من الأمثلة عن رهبان استخدموا هذه أو غيرها من الأشياء طوعياً وبسببها عانوا من كارثة روحية حقيقية. ليس من قبيل الصدفة أن الهواتف المحمولة والإنترنت تشكل خطراً خاصة على الرهبان. هذه التطورات التكنولوجية غالباً ما تؤدي إلى تشتيت الذهن، ومثل هذه الحالة لا تتفق أبداً مع أهداف الحياة الرهبانية. في النهاية، وفقاً لتعاليم الآباء القديسين، الراهب مدعو لإحلال عقله في قلبه من خلال الصلاة وحياة النسك.

في ما يتعلق بالإنترنت، لا أستطيع أن أقول أيَّ شيء محدداً، إذ إننا لا نملكها في ديرنا. ولكن الواضح أن الانغماس في “الشبكة العالمية” يؤدي إلى تشتيت الذهن. وهذا ينطبق بخاصة على التنقّل لساعات طويلة عبر فضاء الإنترنت دون أي هدف ملموس. يكون العمل على الإنترنت ممكناً عندما يعطي رئيس الدير البركة لأحد الرهبان الذين يحافظون على انتباههم للبحث عن أمر ما. عندها يكون الأمر بالطاعة. ليس في ديرنا إنترنت. رئيسنا، الأرشمندريت جورج كابسانيس، لم يعطِ بركة لذلك. الخطر الذي يواجه مستعملي الإنترنت عظيم جداً، والكثير من الرهبان قد لا يستطيعون مقاومة هذه التجربة.

عندما يتعلق الأمر بالعلمانيين، فالساعات الطويلة التي يقضونها في الخمول، والتخبط بلا هدف عبر مساحات الإنترنت هي أيضا خطيرة. قبل ولوج الإنترنت، على المرء أن يعيّن مهمة محددة لنفسه لا بد من إنجازها، وألا ينحرف عنها بأي شكل من الأشكال.

سؤال: إلى أي حد يلائم العمل الخيري الأديرة؟

لدينا في تاريخ الكنيسة أمثلة عن العديد من الرهبان الذين انخرطوا في العمل الخيري. على سبيل المثال، القديس شمشون مضيف الغرباء أو القديس باسيليوس الكبير، في سلوكهما في الحياة الرهبانية جمعا النسك مع الخدمة الاجتماعية الهائلة. ولكن هذه الأمثلة لا تلغي جوهر الرهبنة الأرثوذكسية التي، على نقيض الغرب، هي أكثر هدوئية منها ناشطة اجتماعية.

غاية الراهب هي أن يضبط أفكاره، ويسعى لتنقية نفسه من أهوائه، ويصير سفينة للنعمة. إذا تعارضت خدمة اجتماعية معينة مع تحقيق هذا الهدف الرئيسي، فهي لا تنفع الراهب بأي شيء، وستنتهي بالفشل الروحي. نحن لا نخلص بالأعمال الخارجية، حتى الجيدة منها، بل بحبنا للمسيح، الذي يظهر في السعي لتحقيق الطهارة والهدف الرئيسي من حياتنا: تحقيق التأله.

إن الخدمة الاجتماعية إذا اقترنت بنسيان هدف الحياة الرهبانية الرئيسي لا تليق بالشرق الأرثوذكسي. الرهبان الذين انطلقوا على طريق الخدمة الناشطة للناس لم يخلصوا بأعمالهم، بل بحقيقة أن خدمتهم لجيرانهم شكّلت جزءاً من تقدمتهم للرب. أساس حياتهم هو الرصانة، وتنقية القلب، والسعي لتحقيق التألّه. في كلمات القديس اسحق السرياني: “إذا كنت قد أطعمتَ ألفاً من الناس، دون أن تطهّر روحك من الأهواء، فأنت لم تحقق شيئاً.” ما هي النقطة من تشتيت نفسك في هموم كثيرة وترك روحك في الفقر الروحي؟ الرهبنة الأرثوذكسية هي رهبنة هدوئية، وما من رهبنة اجتماعية في كنيستنا.

الأولاد والطاعة

الأولاد والطاعة

الشيخ تداوس سترابولوفيتش رئيس دير فيتوفنيكا، صربيا

نقلها إلى العربية ريتشارد صبوح

 

الطاعة تبني والإرادة الذاتيّة تهدم. يجب على الولد أن يتعلّم أن يكون مُطيعًا لأهله ولله. سيذكر كلام أهله كلّ حياته وسيحترم دائمًا أجداده، وليس هؤلاء فقط بل الناس الأصغر سنًّا أيضًا. سيكون مهذّبًا وحريصًا مع الجميع. للأسف، عائلات قليلة ينشئون أولادهم بهذه الطريقة.

الشرّير يسبّب الارتباك في عقول أولادنا ويحاول إحزانهم. يجبّ أن يتعلّم الأولاد الطاعة، خاصّةً قبل عمر الخمس سنوات، لأنّه في هذا العمر تتكوّن شخصيّاتهم. فأثر الطريقة التي تكونّت فيها شخصيّاتهم يبقى معهم بقيّة حياتهم. يجب أن يعلّم الأهل أولادهم الطاعة الكاملة في هذه المرحلة من حياتهم. إذا قال أحد الأهل شيئًا، يجب أن يكون الجواب: “مهما تقول”. اليوم للأسف الأهل لا يعلمون هذا لا بل يعلّمون أولادهم العكس تمامًا.

إذا قال الأهل “إبقَ هنا” فالولد يجب أن يبقى حيث قيل له. لكنّه ولد في النهاية، ولا يستطيع البقاء في مكان واحد. ما يحصل عادةً أنّ الأهل يضربون الولد لعصيانه. هذه ليست طريقة حسنة لتعليم الولد الطاعة. قد تكون أحيانًا ردّة فعل ضروريّة، لكن يجب أن تكون بمحبّة ويجب أن يشعر الولد بهذه المحبّة. لا ينبغي أبدًا أن يضرب الأهل أولادهم بغضب. لأنّه إذا بدأت بمعاقبة أحدٍ وأنت غاضب، لن تصل إلى أيّ مكان. ستؤذي الشخص الذي أمامك، ونفسك أيضًا. إذا أردتَ أن تضع أحدًا على السكّة الصحيحة، يجبّ أن تعلّمه وتنصحه. يجب أوّلًا أن تتّضع وتكلّمه بمحبّة كبيرة. سيقبل إرشادك إذا أُعطِيَ بمحبّة. لكن إذا شئتَ أن تفرض إرادتك الذاتيّة بأيّ ثمن، لن تحقّق شيئًا أبدًا. هذا ما يسبّب ردّة فعل سيّئة عند الأولاد. إذا كان الولد غير مطيعٍ، فالحلّ ليس في ضربه.

الأهل يقسون على أولادهم لأصغر الأمور، وكأنهم لا يعرفون أنّ التكلّم بهدوء ولطف ممكن. عندما يجب أن يضع الأهل حدودًا لولد، يجب أن يشعر الولد بوجود محبّة وراء الصرامة. إنّه خطأٌ كبير أن نعاقب الأولاد في اللحظة التي يخطئون فيها، إذ لن تكون ردّة فعلهم جيّدة. يجب أن ننتظر أن يهدأوا، ومن ثمّ بكثير من المحبّة، نقول للولد أنّه أخطأ ويجب أن يقبل شكلًا من العقاب. إذا تكرّر الأمر نفسه، يُعطى الولد عقابًا أقسى، وبهذه الطريقة، يتعلّم.

إنّ مشيئة الله تعمل فينا عبر أهلنا أو من خلال معلّمينا ومديرينا. إذا كنّا بحاجة أن نصلح تصرّف ولدٍ، فيجب أن نصنع هذا بكثير من المحبّة والإنتباه. إذا كان الأمر الوحيد في بالنا أن نغيّر حياة الولد، فقد أعطيناه صفعةً بأفكارنا. لاحظتُ هذا كرئيس دير: لقد رأيتُ مرارًا أحدًا من الإخوة لا يتصرّف بشكل صحيح، لكن في اللحظة التي أكون فيها على وشك أن أعطيه الملاحطة، أشعر أنّني قد أعطيته صفعةً.

تستطيع أفكارنا أن تكون اقتحاميّة وذات قوّة كبيرة. هذا يصحّ بشكلٍ خاصّ عن أفكار الأهل. يحتاج الأهل أن يكونوا بنائّين مع الكثير والمسامحة عن كلّ شيء. نستطيع أن نسامح الآخرين فقط إذا كانت أفكارنا حسنة وجيّدة. إذا كنّا نمتلك أفكارًا موجّهة نحو إصلاح أخطاء الآخرين، فنكون كمَن يضربهم. بغضّ النظر كم يكون الشخص قريبًا منّا، سيبتعد، لأنّنا قد صفعناه بأفكارنا. ونعتقد أنّ أفكارنا هي لا شيء!

نعاقب أولادنا، لكن بالحقيقة لا حقّ لنا في فعل ذلك، لأنّنا فشلنا في تعليمهم الطريق الصحيح. مرّةً كتبت لي طبيبة: “أنجبتُ ابنًا من زوجي، الذي هو طبيب أيضًا. ابننا حطّم ثلاث سيّارات – الحمد لله أنّه ما زال حيًّا. الآن يريدنا أن نشتري له سيّارة أخرى، لكنّنا لم نعد نقدر أن نشتري. عندما نعود إلى البيت من أشغالنا، يحاول أن يحصل على المال منّا، حتّى بالقوّة. ماذا أستطيع أن أفعل لمعالجة هذه المشكلة؟” قلتُ لها أن الوحيديَن الذَين يُلاما هما نفسيهما. كان لهما ابنٌ وسمحا له أن يفعل ما يشاء، حتّى منذ كان صغيرًا جدًّا. عندما كان صغيرًا، طلباته كانت أقلّ كلفة، أمّا الآن فقد كبرَ وأصبحت طلباته أكبر. الشيء الوحيد الذي يستطيعان الآن فعله هو إعطاء ابنهما الكثير من المحبّة والإهتمام لربّما يعود إلى رشده ويُدرك أنّ الشيء الذي اهتمّ به أهله هو مصلحته. ليس من طريقةٍ أخرى غير المحبّة. هل ترون من هذا المثل كيف نحسّن حياتنا وحياة الذين حولنا، من خلال أفكارنا؟ نرجو أنّ جهودنا في هذا الإتجاه ستأتي بأثمار.

من وحي أحد الدينونة

من وحي أحد الدينونة

الأب أنطوان ملكي

 

في أحد الدينونة، أحد مرفع اللحم، فيما الناس يكونون مشغولين بالولائم وبالأكل لأنهم يودّعون أكل اللحم، يأتي الرسول بولس في القراءة من الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس ليقول لنا أن القضية ليست قضية أكل بل اهتمام بالأخ. والاهتمام ليس محصوراً بحاجاته المادية بل بالدرجة الأولى في عدم تعريضه للتجربة. على المسيحي أن لا يمتنع فقط عما يراه خطأ ولكن عن ما يجعل الآخر يتعثر، أي أن يهتم بأن لا يعثِر أحدًا لأنه مسؤول عن حياة الآخرين الروحية.

في الرسالة يحكي الرسول عن أكل اللحم المقدّم ضحايا للأوثان مشدداً على أن ضعيف الإيمان أو قليل المعرفة إذا رأى مَن يعتبرهم متقدمين عليه بالإيمان والمعرفة يأكلون يعثر إما لأنه لا يعود يحد مشكلة في أكل اللحم المقدّم للأوثان أو لأنه يقع في دينونتهم. أمّا اليوم فلم يعد هناك لحم مقدّم للأوثان، فما قيمة هذا الكلام؟ اليوم قيمة هذا الكلام مضاعفة. مَن من الناس لا يعثر عندما يرى الناس تنهش لحم بعضها البعض؟ هذا كلام قد يشمئز منه الكثيرون، وقد يسأل البعض: ما معنى هذا الكلام. ينهش واحدنا الآخر عندما لا يحبه أقلّه كَذاته. والمحبة ليست في الأقوال فقط، بل في الأفعال. كثيرون لا يحكون إلا عن المحبة ويتصرّفون بكياسة ما بعدها كياسة لكنّهم غير مستعدين للتخلي عن قشة حتى ولو كانت تنقذ غريقاً. ما معنى محبتهم؟ أين هم من قول الرسول: “إن كان أكل اللحم يعثر أخي فلا آكل إلى الأبد”. مَن منَا هو المستعدّ للتخلّي عن أكلة أو عادة أو هواية أو أي شيء حتى لا يعثِر الآخرين؟ مَن منّا مستعدّ للتكتم على خبر يعرفه أو معلومة وصلت إليه حتى لا يعثر سامعوها؟ الناس اليوم يتسابقون إلى كشف ما يعرفون حتى يُقال عنهم عالمين، حتّى ولو كانوا غير أكيدين منه أو أن ما سوف يكشفونه سيكون سبباً في ابتعاد الناس عن الله أو عن الكنيسة أو في جرح شخص هنا أو هناك. هذا هو نهش الإنسان لأخيه الإنسان: عندما يسابقه على لقمة أو وظيفة أو موقع أو لكسب ود زعيم أو حاكم أو غيره، عندما يتناوله بالسوء في غيابه، عندما يحسده أو يتمنّى له السوء. ينهش الإنسان لحم أخيه عندما لا يعود يرى فيه صورة الله، بل مجرد مصلحة أو سلعة. ينهش الناس بعضهم البعض عندما ينقسمون ويتحزّبون ويتقارعون بالتجريح والذمّ والضغينة. ينهش الناس بعضهم البعض عندما يدينون واحدهم الآخر لمجرّد أنه سمع عنه خبراً أو أصابه شكّ أو وجد في ذلك منفعة لذاته. ينهش الناس بعضهم البعض عندما لا تعود كلمة الحق قائمة بذاتها بل كل ما يُقال، بما فيه الكتاب المقدس والتقليد، يخضع للتأليب والتقييم وإعادة النظر. ينهش الناس بعضهم عندما ينهشون الكنيسة ويمزقون ثوبها بنشر التعاليم المنحرفة أو حتّى الأخبار والفضائح والشائعات.

حبّذا لو يفهم الكل أن الأكل الذي للبطن لا يقرّب من الله وحسب بل يضع الإنسان في دائرة خطر العثرة، فكيف الحال مع الأكل الروحي؟ على الأكيد أن هذا الأكل هو قياس يتّخذه ربنا للحكم على الناس. مَن أراد أن يكتسب مكاناً في السماء يكون دائماً حذراً ألا يقوم بما يعسر أخاه.

 

“القدسات للقدّيسين”

“القدسات للقدّيسين”

الأرشمندريت كاسيانوس عيناتي

 

“وأنا إذا ارتفعت عن الأرض، جذبتُ إليّ الجميع” (يو12: 32). يظهر جلياً أن العشاء السري في تلك الليلة، حين أخذ الخبز وشكر وبارك وكسر وأعطى تلاميذه الرسل القديسين قائلاً: “اشربوا منه كلكم هذا هو دمي…”، يمتدّ حتى المجيء الثاني بواسطة سر القدّاس الإلهي. والغاية هي أن نأكل ونشرب بشهية لنتّحد به وتسري فينا حياته كما اشتهى هو، عُرسٌ سريّ يدوم الى الأبد. يشترك المؤمنون مع طغمة القديسين المتحلّقين حول “الحمل الذّبيح”، القدوس وحده والرب وحده، الذي يمجّد كل من يتناوله بشوق وحب وإيمان بحيث يصير القديسون واحداً مرنمين جميعاً ومسبّحين الكينونيكون: (تسبحة الشكر) سبّحوا الرب من السماوات…” مع الملائكة في جوّ من اللهيب الإلهي يجري من الكأس (الماء الحار الذي يُسكب في الكأس) وهو القوى الإلهية التي يمنحها الروح القدس للمتناولين التائبين عن خطاياهم والمشتاقين للاتحاد في جسد المسيح ليصبحوا جميعاً “ناراً ملتهبة” تنزل على رؤوسهم وتُلهب أفواههم وأحشاءهم وترفعهم عن الأرض وتفصلهم عن العالم المنظور ليكرّروا قائلين: “ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب”.

نعم إنها أعجوبة القدسات، لا بل عطية. ولكنها تستدعي الرجوع عن الخطايا والشوق والجهاد في السعي الى القداسة. والحفاظ على هذا الهيكل ليكون أهلاً لتقبّل “القدسات التي هي للقديسين”. هذه “النار الملتهبة” تُحرق خطايا التائبين وتجعلهم ناصعين كالنور لامعين كالشمس. أما الذين اعتادوا المناولة، بغير استعداد أو بحكم العادة مستغلين رحمة الرب، دون أن يُفرغوا قلوبهم من الحقد والضغينة، فإن هؤلاء – لمجرد اقترابهم – تُحرقهم هذه النار ويصبحون خائنين تماماً كيهوذا الإسخريوطي.

روى أحد الكهنة المعاصرين أنه في يوم سبتٍ عادي، والبرد قارس يلسع الوجوه ويعضّ الأصابع، لم يُبدِ رغبةً في إقامة القدّاس متوقعاً عدم حضور المرتّل. ولكن فجأة حضر المرتل ولكن لم يحضر أحد من المؤمنين. أتمّ الكاهن تحضير الذبيحة على عجل، وبدأ بسرعة القداس الإلهي. وعند قيامه بالدورة الأولى (الصغرى) بالإنجيل دُهش عندما رأى أن جمعاً غفيراً يدخل الكنيسة: أساقفة، رهبان، راهبات، مؤمنين. اتّخذ كلّ واحد من هؤلاء مكانه في الهيكل، ومع الجوقة يميناً ويساراً، وفي صحن الكنيسة، وصدحت التراتيل والألحان العذبة الشجية التي أنسَت الكاهن الوحدة والبرد القارس، فامتلأ حرارة وإيماناً.

وفي الدورة الكبرى (بالقرابين) رأى الكنيسة وقد امتلأت بأناسٍ يعرف بعضهم ويجهل أسماء بعضهم الآخر. وعند تقديس القرابين (التي لك مما لك…) رأى ثلاثة رؤساء كهنة وقد سطعوا كالشمس راكعين يصلّون معه. وبعد أن أخذ المبخرة وأعلن، “وخاصة من أجل الكلية القداسة…” امتلأت نفسه سلاماً وسكينة عميقين.

وعندما حان الوقت ليعلن، “القدسات للقديسين” وهو يحمل “الحمل” ويرسم به صليباً فوق الصينية المقدسة، فابتدأ بتجزئته قائلاً: “الذي يفصّل ولا ينقسم” سمع صوتاً واحداً ينطلق من أفواه المؤمنين: “قدوسٌ واحدٌ، ربٌّ واحدٌ… سبّحوا الرب من السماوات”. وعند الإنتهاء من تجزئة الحمل ووضع الجزء IC  (يسوع) في الكأس احتار ماذا يفعل: هل يدعو رؤساء الكهنة للمناولة أولاً!، فأشار إليه أحدهم بأن يتناول، هو ومن ثم يضع بقية أجزاء الحمل في الكأس لمناولة المؤمنين. وعندما انتهى وهتف قائلاً: “بخوف الله وإيمانٍ ومحبة تقدموا” فوجىء بأن الكنيسة فارغة إلا من المرتل. فراح يفكر في نفسه قائلاً: يا له من أمرٍ عجيب! الكنيسة الظافرة اشتركت معه في القداس: رؤساء الكهنة، والكهنة، والشمامسة، والرهبان، والمرتلون، والمؤمنون الذين عرفهم، والذين يذكرهم من وقت لآخر في الذبيحة الإلهية أحياءً وأمواتاً، والذين لم يعرفهم وهم الأعضاء الآخرون مجتمعون مع بعضهم البعض في الكنيسة الجامعة الرسولية… أما رؤساء الكهنة الثلاثة فهم الأقمار الثلاثة: باسيليوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتي ويوحنا الذهبي الفم. لقد تحقق من أن كل ما قرأ في حياته من قراءات روحية، وما عمِل من سهرانيات طويلة، والدراسات اللاهوتية الجمّة، لم تعطِه قطرة من الحلاوة والإستنارة الروحية كالتي أعطاه إياها قداس واحد، تردد كثيراً قبل إقامته…!

الرهبان والقوانين المقدسة

الرهبان والقوانين المقدسة

من كتاب “الرهبنة الأرثوذكسية” للميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس


من المعروف جيداً أن القوانين المقدسة التي وضعها الآباء القديسون في المجامع المحلية والمسكونية تمثل في الواقع علم اللاهوت الرعائي الذي تطبّقه الكنيسة على المسائل المتنوعة التي برزت على مدار تاريخها. بعد انتهاء الاضطهاد، اخترقت العلمانية أعضاء الكنيسة وظهرت ممارسات عشوائية ما استدعى من الآباء القديسون أن يضعوا القوانين المقدسة حفاظاً على وحدة الكنيسة وشفاء المسيحيين. ليست القوانين المقدسة وثائق قانوية. فعلى الرغم من صياغتها القانونية، إلا أنها ثمرة قوة الروح القدس وخبرة قديسي الكنيسة. يظهِر القانون الأول من المجمع المسكوني السابع رأي الآباء في قيمة القوانين المقدسة: “نمط أولئك الذين تلقوا الكرامة الكهنوتية موجود في الشهادات والتعليمات الموضوعة من قِبَل الدساتير القانونية، التي نتلقاها بفكر مبتهج…”. القوانين المقدسة هي “شهادات” لله، إعلانات لله معطاة للكنيسة ومعبَّر عنها من قِبَل الآباء من أجل وحدة الكنيسة وخلاص أعضائها. القوانين المقدسة هي تعبير عن الخدمة الرعائية التي تمارسها الكنيسة. كل مَن يشتاق للخلاص ويشارك فكر الكنيسة يراعي تلك القوانين، وبهذا يقدم تعبيراً عملياً عن حقيقة أنه يريد أن يكون عضواً في الكنيسة.

من القضايا التي شغلت الآباء القديسين في المجامع المحلية والمسكونية هي الرهبنة وكيفية التأكّد من عملها بشكل صحيح داخل حقل الكنيسة. سوف نتناول فيما يلي بعض القوانين المقدسة التي تتعامل مع النقاط الرئيسية للحياة الرهبانية ومؤسسة الرهبنة.

أولاً، ينبغي أن نلاحظ أن الحياة الرهبانية هادئة ومتوحدة. “من جهة أولئك الذين حياتهم هادئة ومتوحدة، أي أولئك الذين عزموا أمام الله أن يحملوا نير الوحدة، ينبغي عليهم أن يجلسوا وحدهم وفي صمت” (قانون 22، المجمع المسكوني السابع). لا ينخرط الرهبان في أية أنشطة، ولكنهم يمارسون الهدوئية المقدسة ويصلون لله بلا انقطاع. هذا هو السبب الذي لأجله توصف الحياة الرهبانية على أنها متوحدة، وهادئة، ومنفصلة.

بحسب آباء الكنيسة، قبول الحياة الرهبانية يعني قبول الطاعة والتلمذة، وعدم الاضطلاع بدور المعلم أو القائد. بكلمات أخرى، يصنَّف الرهبان بين قطيع الكنيسة، وليس بين الرعاة. يضع القانون الثاني  من مجمع الحكمة الإلهية في القسطنطينية (879-880) تمييزاً واضحاً: “تتحدث نذور الرهبان عن الطاعة والتلمذة، وليس عن التعليم والظهور. إنهم مدعوون لأن يكونوا رعية، وليس رعاة لآخرين”. السبب في قول ذلك هو أن بعض الأساقفة في ذلك الوقت أرادوا أن يساموا رهباناً بعد تكريسهم كأساقفة، بينما يحتفظون بنعمة الأسقفية. لقد قرر المجمع أنه لو قرر الأسقف دخول الحياة الرهبانية والاضطلاع بحياة التوبة، ينبغي عليه أن يكف عن أن يكون أسقفاً، لأن قبول الحياة الرهبانية يعني الطاعة والتلمذة. ينص القانون على: “لو أن الأسقف أو أي أحد آخر من الرتبة الأسقفية يرغب في النزول إلى الحياة الرهبانية وأخذ دور التائب، فإنه لا يستطيع فيما بعد أن يطلب رتبة الأسقفية” (مجمع الحكمة الإلهية، قانون 2).

تحدد أيضاً قرارات المجامع المحلية والمسكونية الشروط القانونية لمن يريد دخول الحياة الرهبانية. وكون هذه الحياة متوحدة، وقاسية، ومجاهدة على كل من يرغب في حياة النسك وبأهدافها الرفيعة أن يخضع للاختبار الذي يتم بإرشاد روحي مناسب. يشير القانون الثاني من المجمع الأولالثاني إلى تلك النقطة: “من جهة حقيقة أن البعض يدخلون الحياة الرهبانية برياء، ليس بهدف أن يصبحوا خدام لله بالتمام، ولكن لأنهم يستطيعون اكتساب مظهر الوقار بالمظهر المهيب للزي الرهباني، وهكذا يجدون طريقاً للتمتع بوفرة بالملذات المرتبطة بها، وهم إذ يضحون فقط بشعرهم يقضون وقتهم في منازلهم الخاصة، دون إتمام أية خدمة أو قاعدة تخص الرهبان،  قرر المجمع ألا يرتدي أي أحد الزي الرهباني دون حضور الشخص الذي يدين له بالولاء والذي يعمل كرئيس أو أب روحي له والذي يساهم في خلاص نفسه، والمقصود من ذلك رجل محب لله رئيس دير وقادر على تخليص نفس قدّمت نفسها لله حديثاً. لو ضُبط أحد يسام راهباً دون حضور رئيس الدير المسئول عنه، فليعزل عن وظيفته لكونه غير مطيع للقوانين ومتعدٍ على نظام الحياة الرهبانية الحسن، على حين أن الشخص الذي تمت سيامته بشكل غير شرعي وعشوائي فليعُهَد به إلى أي من يرعاه وإلى دير يراه الأسقف المحلي مناسباً له. حيث أن السيامات الطائشة والمشكوك فيها ازدرت بالزي الرهباني وتسببت في التجديف على اسم المسيح” (قانون2، المجمع الأولالثاني).

من الواضح من هذا القانون أن بعض الناس يأتون إلى الدير مدَّعين أنهم يرغبون في خدمة الله، فيما هم في الواقع يفعلون ذلك لكي يحصلوا على مديح الناس عن طريق كرامة الإسكيم الرهباني. لأجل ذلك حدد المجمع المقدس أنه ينبغي على رسامة الراهب أن تتم تحت رعاية رئيس الدير الذي يحب الله والقادر على العناية بخلاص نفس المرشح. لو لم تُستَوفَ تلك الشروط، فللأسقف الحق في التدخّل كما ينص القانون: “حيث أن السيامات الطائشة والمشكوك فيها ازدرت بالزي الرهباني وتسببت في التجديف على اسم المسيح”.

يتحقق اكتساب الهوية الرهبانية من خلال الرسامة وتلقي الإسكيم الرهباني. يوجد تقليد غني يخص هذا الموضوع، لكننا سوف نؤكد هنا على النقاط الأكثر جوهرية والأكثر أهمية. بحسب الآباء توجد هوية رهبانية واحدة وحيدة. يكتب القديس ثيودوروس الستوديتي قائلاً: “لا تعطِ ما يسمى الإسكيم الصغير ثم الإسكيم الكبير بعد بضعة سنوات، لأنه يوجد إسكيم واحد، تماماً مثلما توجد معمودية واحدة. هذا هو العُرف الذي كان يراعيه الآباء القديسون”. وبحسب بالسامون: “يشير حلق الشعر بصورة رئيسية إلى ارتداء الإسكيم الملائكي العظيم. الإسكيم الصغير هو عربون لهذه الحالة الكاملة”. بالتالي نرى أنه مثلما توجد معمودية واحدة، بالتالي توجد رسامة واحدة، على الرغم من وجود درجات من التقدم والصعود الروحي.

بعد الإسكيم، ينبغي على الراهب ألا يترك ديره إلا لأسباب خطيرة. يحدد القديس نيكيفوروس المعترف بشكل واضح هذه الأسباب كالتالي: “يسمح للراهب أن يترك ديره لثلاثة أسباب: أولاً، لو كان رئيس الدير هرطوقياً؛ ثانياً، لو أتت نساء إلى الدير؛ وثالثاً، لو تمّ تعليم الأطفال تعاليم دنيوية في الدير” (قانون17).

بالإضافة إلى ذلك، لو ترك الراهب ديره ودخل ديراً آخراً، ينبغي أن يتم ذلك بمعرفة رئيس الدير السابق. القانون 21 من المجمع المسكوني السابع واضح: لا يجوز لراهب أو لراهبة أن يترك أحدهما ديره ويذهب إلى دير آخر. وإذا اتفق حدوث ذلك فيكون قبوله هناك كضيف إذ لا يجوز على كل حال أن ينتمي راهب أو راهبة إلى دير آخر إلا بموافقة وإذن رئيسه أو رئيستها”.

إذ تسعى القوانين المقدسة إلى وحدة الكنيسة، فإنها تحدد بوضوح أن الأسقف هو مركز هذه الوحدة. من هذا المنطلق، جعلت الرهبنة وكل مؤسسة الحياة الرهبنية تخضع للمسؤولية الرعائية للأسقف ووضعتها تحت إشرافه. في تعليق بالسامون على القانون الأول من المجمع الأول والثاني يشير إلى مقدار حقوق الأسقف. إنه إذ حدد أنه ينبغي على الأسقف ألا يمارس السلطة على الدير وألا يتصرف باستبداد، فإنه يكتب قائلاً أن الأسقف “له حقوق فقط على التالي: الحكم على الأخطاء الروحية، الإشراف على أولئك الذين يديرون الدير، أن يُذكر اسمه، وأن يوافق على رسامة رئيس الدير”. تظهر هذه الحقوق الأسقفية المجال الكامل لمسؤولية الأسقف الرعائية عن الأديرة. يحكم الأسقف على أخطاء الرهبان الروحية، ويراقب إلى أي مدى يؤدي المسؤولون عن إدارة الدير مهمتهم بشكل صحيح، وإن كان اسمه يذكر في الصلوات الطقسية، كما أنه أيضاً ينصّب رئيس الدير. لا تشكّل تلك الحقوق الأسقفية تدخلاً من الأسقف في شؤون الدير الداخلية، لكنها تسمح له بمراقبة الدير والإشراف عليه بحيث يعمل بحسب التقليد الكنسي وبحيث يكون مكاناً للخلاص والتقديس.

أولاً وقبل كل شيء، تؤكد القوانين المقدسة على أنه غير مسموح لأي أحد أن يبني أو يقيم ديراً بدون معرفة أسقف المدينة “فقد حكمنا بأنه لا يجوز لأحد في أي مكان أن يبني أو يؤسس لنفسه ديراً أو بيتاً للعبادة بدون موافقة اسقف المدينة ورخصته” (قانون4، المجمع المسكوني الرابع). لقد نُص أيضاً أنه يجب أن تبقى الأديار التي كُرِّسَت بموافقة السقف أدياراً إلى الأبد ويجب أن تُصان الأملاك المختصّة بها ولا يجوز إعادتها إلى مساكن زمنية” (قانون24، المجمع المسكوني الرابع).

ثم بعد ذلك، ينبغي على الرهبان الانخراط في الهدوئية، والصوم، والصلاة، وطاعة أسقف المسيح: أن الرهبان، في كل مدينة وناحية، يجب أن يكونوا خاضعين للأسقف ويلازموا السكينة والهدوء ولا يهتمّوا بغير الصلاة والصوم مداومين على اإقامة بصبر في الأماكن التي عيّنت لإقامتهم” (قانون4، المجمع المسكوني الرابع).

ينبغي على الرهبان ألا يتسببوا في مشاكل في الكنيسة، وألا يكسروا النظام المدني، وألا ينخرطوا في شؤون دنيوية، تاركين أديرتهم، باستثناء أن يكون ذلك بسماح من أسقف المدينة بسبب احتياج خاص. ينص نفس القانون بدون التباس على: أنه لمّا كان بعض المتوشّحين بثوب الرهبان يشوشون نظام الكنيسة بتجوّلهم في المدن مهملين واجباتهم وساعين في بناء أديرة لأنفسهم… فقد رأينا أن لا يتدخلوا في القضايا الكنسية أو يغادروا أديارهم إلا عندما يسمح لهم أسقف المدينة عند الحاجة والاضطرار… على أنه يُطلَب من أسقف المدينة أن يعتني بتدبير كل ما تحتاج إليه الأديار” (قانون 4، المجمع المسكوني الرابع).

يمنع القانون 3 من المجمع المسكوني الرابع الأساقفة، والكهنة، والرهبان من الانخراط في المشاريع الدنيوية وإدارة المقتنيات، ما لم يُطلب منهم فعل ذلك بالقوانين لكي يصير وصياً على أشخاص قاصرين، أو بسماح من أسقف المدينة. يقول القانون: “فالمجمع الكبير المقدس قد حدد بأنه من الآن فصاعداً لا يُسمَح لأسقف أو إكليريكي أو راهب أن يستاجر ملكاً أو يقوم بتجارة أو يتولّى إدارة مصالح عالمية إلا إذا كان لا بدّ له من ذلك حسب شريعة الوصاية على أولاد قاصرين، أو إذا سمح له الأسقف أن يعتني بمصالح الكنيسة أو الأيتام أو الأرامل الذين ليس لهم مَن يعتني بأمورهم وهم في حاجة قصوى إلى مساعدة الكنيسة على أن يقوم بعمله بخوف الله. وكلّ مَن يخالف بعد الآن هذه الحدود الموضوعة يعرّض نفسه للعقوبات الكنسية” (قانون3، المجمع المسكوني الرابع).

بسبب وجود احتمال أن يرتكب المسيحيون خطيئة التسبب في المتاعب أو التحزب بسبب علاقتهم الروحية مع عضو من الإكليروس أو راهب، يشجب آباء المجمع المسكوني الرابع كل مثل تلك الأعمال، التي تقود إلى تمزيق وحدة الكنيسة فيرِد في القانون 18: “إن الشرائع المدنية تمنع المؤامرات وتأليف العصابات منعاً باتاً فبالأحرى أن تكون ممنوعة في كنيسة الله. فإذا اكتشف إكليريكيون أو رهبان في مؤامرة أو عصابة للقيام بمكايد ضد أساقفتهم أو رفاقهم في الإكليريكية أو الرهبنة فيُجرّدون من درجاتهم ويحرَمون من كل حق فيها”.

يظهر كل ما أوردناه حتى الآن مدى نبل الحياة الرهبانية. إنها تذكرنا بحياة آدم وحواء قبل السقوط، بل وتتوقع الحياة الآخرة للأبرار في ملكوت الله. ينبغي أن تُمارس الحياة الرهبانية بتواضع، وطاعة، وصلاة، وهدوئية مقدسة. إنها تختلف تماماً عن الحياة الدنيوية. هذا هو السبب الذي يجعل إبليس يحاول إفساد طريقة الحياة الرهبانية، تماماً كما جرّب آدم وحواء في الفردوس. إذ كان آباء الكنيسة القديسون واعين بكرامة الحياة الرهبانية، بل وأيضاً بالتجارب التي يشن بها إبليس الحرب عليها، فإنهم حددوا الإطار الذي ينبغي عليها أن تعمل داخله. هذه هي قيمة القوانين المقدسة. هذه هي الطريقة التي يتم بها الحفاظ على وحدة الكنيسة.

فالقوانين المقدسة للكنيسة ليست وصايا بشرية، ولا هي وثائق تشريعية، ولكنها نتاج لنعمة الله التي أنارت الآباء القديسين لكي يصيغوها من أجل وحدة الكنيسة وخلاص المسيحيين وهي تعبّر أيضاً عن خدمة الكنيسة الرعائية لكل أعضائها. إنها خلاصة مقدّسة للخبرة الكنسية.

ينبغي علينا في هذا المنظور أن نقبل روح وجوهر القوانين المقدسة للكنيسة. يجب أن يكون الرهبان ذوي حسّ مرهف من ناحية عقائد الكنيسة وقوانينها وبهذا يطيعون الروح القدس الذي يعمل في الكنيسة. وعندما يعيش الرهبان داخل هذا الإطار القانوني والكنسي ويقبلون نعمة الله الثالوث، فإنهم يتطهرون، ويستنيرون، ويتحدون بالله. إنهم الغدد الصماء الروحية للكنيسة، التي تعطي حياة وصحة للعديد من أعضاء الكنيسة. ثم أن الأساقفة يتلقون هم أيضاً الخفيات والظاهرات، ويساعدون على الحفاظ على الإيمان الأرثوذكسي ويدعمون خدمتهم الرعائية للمسيحيين. تحدد القوانين المقدسة، التي تتناول الطريقة التي ينبغي بها ممارسة الحياة الرهبانية، الإطار الذي به يتطهر الرهبان، ويستنيرون، ويتحدون بالله، بحيث يُفيدون أعضاء الكنيسة الآخرين بطريقتهم الخاصة.

أولئك الذين لا يقبلون روح وجوهر القوانين المقدسة ليس لديهم في الحقيقة فكر الكنيسة. إنهم لا يقبلون علم اللاهوت الرعائي المقدس الذي لآباء الكنيسة، ولا هم قادرون على اختبار قوة الله المطهرة والمنيرة  والمؤلّهة التي هي هدف الحياة الروحية والرهبانية.



الصّوم والصّلاة معبر الشّفاء

الصّوم والصّلاة معبر الشّفاء

الأرشمندريت توما بيطار

“ذهب يسوع إلى مكان قفر وكان يصلّي هناك”. نقطة الانطلاق هي، دائمًا، الصّلاة والصّوم. القفر هو الصّوم، هو النّسك. وبالصّوم والصّلاة، يبدأ كلّ عمل من أعمال الله.

بعد ذلك، “انطلق سمعان ومَن معه في [إثر يسوع]”. الكلّ يحتاج إلى يسوع. والكلّ يحتاج، في كنيسة المسيح، إلى إنسان الصّوم والصّلاة. هذا بإمكانه أن يكون إناء لله، ويحمل كلمته، وينقل مشيئته. لذلك، عالمنا، سواء أأدرك أم لم يدرك، يحتاج إلى مَن يصومون ويصلّون، يحتاج إلى كلمة الحياة، يحتاج إلى كلمة الله. “فلمّا وجدوه، قالوا له إنّ الجميع يطلبونك. فقال لهم لِنسِرْ إلى القرى القريبة، لأكرز هناك، أيضًا؛ لأنّي لهذا خرجت”: الكرازة بالكلمة. عالمنا يحتاج إلى الكلمة الحيّة، إلى الكلمة الإلهيّة الّتي تنضح حياة. لذلك، بعد الصّوم والصّلاة، يصير بإمكان الإنسان أن يتكلّم. يعطيه الرّبّ الإله كلمة من عنده. ومن دون صوم وصلاة، لا كلام عند الإنسان ليقوله. كلامه يكون لغوًا وثرثرة، لأنّه لا ينقل حياة الله، ولا ينقل سلام الله، ولا ينقل فرح الله. “فكان يكرز في مجامعهم في كلّ الجليل ويخرج الشـّياطين”. لقد كرز الرّبّ بالكلمة، وكرز بالعمل. الكلمة الإلهيّة لا تنفصل عن العمل الإلهيّ. لكن، لا بدّ من أن تأتي الكلمة، أوّلاً؛ ثمّ، بعد ذلك، يأتي العمل الإلهيّ. الرّبّ الإله أخرج الشـّياطين، ليعلّمنا أنّ الشـّياطين لا تخرج، إلاّ بالصّلاة والصّوم؛ ولأنّه كان يروم أن ينقّي شعبه من خطاياه. وراء كلّ خطيئة هناك شيطان. ولكي نتنقّى من الخطايا، يجب أن تُخرَج الشـّياطين. الشـّياطين تعمل من خارج الإنسان، كما تعمل، أيضًا، في داخله، من خلال الأهواء الّتي هي جذور الخطايا فيه. الأهواء هي عملاء الشـّياطين. والخطايا هي ثمرة عمل عملاء الشـّياطين فينا. كلّ واحد منّا يحتاج إلى تنقية. والتّنقية تكون بالكلمة والعمل: بكلمة الله وعمله. وهذان، الكلمة والعمل، لا يأتيان، كما قلنا، إلاّ بالصّلاة والصّوم. هذا ما يلخـّص عمل الرّبّ يسوع بمثابة أنموذج لعمل الكنيسة، ولعمل المؤمنين فيها. عمل الكنيسة هو تنقيةُ العالم من الشـّياطين، ومن الخطايا، وتحريرُ الإنسان من الأهواء البشريّة الشـّيطانيّة. وهذا هو عمل كلّ واحد منّا، أيضًا، في الكنيسة.

بعد هذا الكلام، يأتي كلام يرتبط بالكلام الأوّل: “فجاء [إلى يسوع] أبرص، وطلب إليه جاثيًا له، وقائلاً: إن شئتَ، فأنت قادر أن تطهّرني”. يسوع خرج ليطهّر العالم من الشـّياطين. والجليل، حيث كرز يسوع في المجامع، يمثّل الأمم، أي يمثّل العالم. لذلك، دُعي الجليل بجليل الأمم. إذًا، يسوع خرج، بالضّبط، إلى تلك القرى، خرج إلى العالم لينقّي العالم، ليطهّر العالم. وجاء هذا الأبرص، وطلب جاثيًا ليسوع، وقائلاً: “إن شئتَ، فأنت قادر أن تطهّرني”. هذا الأبرص هو هذه البشريّة المنبرصة، في داخلها، بعمل الشـّياطين؛ لذلك، هي تحتاج إلى تطهير. والقول “إن شئتَ، فأنت قادر أن تطهّرني” هو تعبير عن إيمان البشريّة، المفترَض أن يكون متوفّرًا، بالرّبّ يسوع. البشريّة تحتاج إلى أن تؤمن بأنّ عمل التّطهير، تطهير البشريّة من أمراضها الدّاخليّة، مرتبط بمشيئة الله، لأنّنا لا نستطيع شيئًا، على الإطلاق، تمامًا كهذا الأبرص. نحن منغلبون على أمرنا. “إن شئتَ”: علينا أن نؤمن، في قرارة نفوسنا، بأنّ كلّ عمل صالح، على الأرض، نابع من مشيئة الله، لا من عمل الإنسان. “إن شئتَ، فأنت قادر”: الله قادر. علينا أن نؤمن بأنّ الله قادر على كلّ شيء؛ وقادر، بصورة خاصّة، على أن يطهّرنا من كلّ علّة. ووراء كلّ علّة تأثير شيطانيّ، يعبث بنا من خلال أهوائنا. وحده الله قادر على إخراج الشـّياطين. وحده الله قادر على أن يطهّرنا. إذًا، ما قاله هذا الأبرص، ما تقوله البشريّة البرصاء، ما هو مطلوب من هذه البشريّة، هو أن تؤمن، فقط.

“فتحنّن عليه يسوع، ومدّ يده ولمسه، وقال له: قد شئتُ، فاطهر”. يسوع كيانُ حنان. هذا هو موقفه من البشريّة. وهذا الحنان يعبّر يسوع عنه بِمَدِّ يده، ولَمْسِ البشريّة البرصاء الخاطئة النّجسة. لا تقدر البشريّة على أن تسيء إلى يسوع. بل إنّ يسوع، بلمس البشريّة، بمدّ يده باتّجاهها، يتّخذها وينقّيها؛ لأنّه محبّة، لأنّه حنان: “قد شئتُ، فاطهر”. الله يشاء أن يَطهُرَ كلّ أبرص، أن تَطهُرَ كلّ نفس. هذا هو الخلاص! أو هذا هو وجه من وجوه الخلاص: أن نطهر! هو يشاء للجميع أن يخلصوا، يشاء للجميع أن يطهروا. وهو أتى، تحديدًا، من أجل ذلك؛ أتى، تحديدًا، من أجل ما لا يبحث عنه الإنسان. الإنسان يبحث عن الطّهارة الجسديّة؛ لأنّه، بعد السّقوط، صار نفسانيًّا جسدانيًّا، وصار لا يطلب ما هو أساسيّ، بالنّسبة إليه. صار يطلب ما هو عرضيّ، ما هو هامشيّ! الشـّجرة، حين تكون أوراقها “مضروبة” بالبرص، فليست المشكلة في أن نشفي الأوراق، بل في أن نشفي الجذور. أمّا الأوراق، فتُشفى كنتيجة لشفاء الجذور. والبشريّة، بعد أن سقطت، صارت لا تطلب أن تُشفى من الجذور. صارت تكتفي بالأحاسيس، وبالمظهر الشـّفائيّ. أمّا يسوع، فيطلب أن يُشفى الإنسان من الأعماق. إذًا، هو يغار علينا أكثر ممّا نغار نحن على أنفسنا. نحن، في الحقيقة، لا نطلب ما هو لخيرنا. لا نعرف كيف نطلب ما هو لخيرنا! نعرف ما يناسب أهواءنا، نعرف ما يوافق خطايانا، نعرف ما ينسجم مع أحاسيسنا! أمّا الرّبّ يسوع، فيلتمس ما هو لكيان الإنسان، ما هو من عمق الإنسان، من داخل الإنسان. لذلك، يلتمس الرّبّ الإله أن يشفي البشريّة من برصها الدّاخليّ، أن يُخرج الشـّياطين، أن يعرقل عمل الشـّياطين فيها. وكأنّه، إذ يفعل ذلك، يقدّم نفسه أنموذجًا لكيفيّة تحقيق ذلك. الله يريد أن يعمل، والله يتكلّم. الله يعطينا وصيّته، لكنّه لا يعطينا الكلمة، بمعناها العميق؛ ولا يعمل فينا، إلاّ إذا انخرطنا في صوم وصلاة، كما فعل هو. فقط، إذ ذاك، يصير بإمكاننا أن نتمثّل حنان يسوع، ويصير بإمكاننا أن نكون في متناول يسوع؛ فيمدّ يسوع يده ويلمسنا، وتكون النّتيجة أنّنا نطهر. إذًا، ليس السّؤال، بعدُ، ما إذا كان الرّبّ الإله يريد لنا أن نُشفى أم لا. هذا صار من باب التّحصيلِ الحاصل. السّؤال، بالأحرى، لا يوجّهه الإنسان إلى الله: “إذا أردتَ، فأنت قادر على أن تطهّرني”. السّؤال يوجّهه الرّبّ يسوع إلى الإنسان: “أأنتَ تريد أن تُشفى؟!”. إذا كنتَ تريد أن تُشفى، فعليك بالقفر، وعليك بالصّلاة! عليك بالصّوم والصّلاة! عليك بالنّسك! الصّوم والصّلاة يختصران كلّ الوصيّة، في الحقيقة. الصّوم والصّلاة هما الوصيّة، متمَثَّلَة في حياة الإنسان الّذي يؤمن بالرّبّ يسوع.

“وفيما هو يكلّمه، للوقت ذهب عنه البَرص”. الله قادر على كلّ شيء، وقدرته قد نقلها إلينا. بمجرّد أن نسمع كلمته، بمجرّد أن نتمثّل كلمته؛ تصير كلمته فينا شفاء، تصير كلمته فينا حياة جديدة، تصير كلمته فينا نقاوة. يصير بإمكاننا، إذ ذاك، أن نبصر، أن نعاين الله، أن نصير بيتًا لنور الله، بيتًا لله؛ فيقيم الله فينا. ولأنّه يقيم فينا، يكون الطّهر، الّذي يحقّقه الرّبّ يسوع، ثابتًا فينا. كلّ عمل الله، في حياتنا، ينبع من حنان يسوع. يسوع لا يطلب أن يظهر، ولا يطلب كرامة أو مجدًا من أحد: “انتهره، وصرفه سريعًا، وقال له: انظر، لا تقل لأحد شيئًا”. الرّبّ الإله خالٍ، تمامًا، من المجد الباطل. بينما الإنسان السّاقط، مهما فعل، يتحرّك بقوّة المجد الباطل. فقط، قال الرّبُّ للأبرص: “امضِ، فأرِ نفسك للكاهن، وقدّم عن تطهيرك ما أمر به موسى شهادة لهم”. بكلام آخر، [داوم على طاعة النّواميس، والشـّرائع، والوصايا]. كلّ ما تطلبه الكنيسة الرّسميّة، المتمثّلة بالكاهن، علينا أن نطيعه، علينا أن نتمّمه. الكهنة قيّمون عليه. ونحن لسنا، أبدًا، في معرض الثّورة على الكهنة، أو التّخلّي عن الكهنة، أو التّخلّي عن الكنيسة الرّسميّة. على العكس، نحن نخضع لها. لكن، بخضوعنا لها، نلتمس ما الـْتَمَسَنا يسوع من أجله، أي ما صار ابن الإنسان إنسانًا من أجله، أي أن نتنقّى لكي تخرج الشـّياطين منّا، ولكي لا تبقى للشـّياطين ثمار فينا، ولكي نتحرّر من أهوائنا.

هذا، في نهاية المطاف، ما نتوخـّاه. نحن نخضع للسّلطات الكنسيّة، لأنّ هذا مفيد لنا، هذا يقيمنا في الاتّضاع، هذا يجعلنا أبناء للكنيسة. لأنّنا نخضع لله، نخضع للسّلطات الكنسيّة. لكن، نحن لا نقف عند هذا الحدّ. نحن نسعى، من خلال علاقتنا بالكنيسة الرّسميّة، لأن نكون في وِصال دائم مع الله، لكي نتمثّل وصيّته، لكي نحيا فيها، لكي تكون لنا هذه الوصيّة زادًا لحياة أبديّة.

آمين.

عظة حول مر1: 35- 44 في السّبت 14 آذار 2009

 

قراءة عن الصمت والصحراء والصلاة

قراءة عن الصمت والصحراء والصلاة

عن كتاب القفر في قلب المدن

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

 

من الواضح أنّ البشريّة تواجه مشاكل كثيرة، تزداد مع الزمن، وتُحدث اضطرابات عميقة في نفوس جميع البشر. ولا ضرورة للتأكيد، أنّنا لا نقدر ولا يحقّ لنا البتّة، نحن المسيحيّين، أن نطرح جانباً هذا العالم الغريب القلق والمجهول المصير، لأنّ المسيح انخرط في العالم، ونحن خاصّته، جسده ننتمي إلى هذا العالم، عالم المعلوماتيّة الذي يطرح على عقولنا وقلوبنا ونفوسنا مسائل تتوسّع يوماً بعد يوم. فالعلم يتقدّم بسرعة، يتزايد يوميّاً، ويفوق ما يتمكّن إنسان اليوم، بل إنسان الغد، من إدراكه وفهمه واستيعابه.

هناك اكتشافات علميّة كثيرة بالغة السرّيّة، لم تُعلن بعد، يمكنها أن تصنع من الإنسان رجلاً آليّاً، لا بل يقال إنّه سيصبح من الممكن تحويل الإنسان وراثيّاً وإخضاعه لغسل الدماغ، ومع ذلك يبقى الإنسان سرّاً. هو في جوهره سرّ إلهيّ. والقول الذي سيبدو غريباً هو أنّ ما يستطيع مساعدة الإنسان العصريّ على اكتشاف أجوبة عن سرّه الذاتيّ، وسرّ الذي خُلق على صورته، هو الصمت والخلوة وبكلمة واحدة الصحراء. فالإنسان العصريّ بحاجة إليها أكثر ممّا كان يحتاج إليها الزهّاد في الماضي.

إذا أردنا أن نشهد اليوم للمسيح بين الناس، حيث تخضع ذواتنا لإغراءات لا نهاية لها، فإنّنا نحتاج إلى الصمت. إذا أردنا أن نكون دائماً مستعدّين لخدمة الغير، لا ماديّاً فقط بل عن طريق التعرّف إليه ومصادقته وتفهّمه ومحبّته من دون حدود، فإنّنا نحتاج إلى الصمت. لكي نتمكّن من استقبال القادمين إلينا، بفرح ودون كلل، وأن نقدّم لهم لا المأوى والخبز فقط، بل القلب أيضاً، فنحن نحتاج إلى الصمت.

إنّ صمت الإنسان الحقيقيّ هو التماس الله والتفتيش عنه. الصمت هو مناجاة المحبّين. الصمت الحقيقيّ جنّة مغلَقة، حيث تلتقي النفس بإلهها. الصمت الحقيقيّ هو مفتاح القلب المضطرم بنار محبّة الله. هو قصّة حبّ إلهيّة لا تنتهي إلاّ في الصمت الخصب، صمت الاتحاد النهائيّ مع الحبيب.

نعم، إنّ مثل هذا الصمت المقدّس، هو صلاة أعمق من كلّ صلاة، صلاة حضور الله الدائم، حيث النفس، وقد غمرها السلام، تحيا من إرادة ذاك الذي تحبّه حبّاً كلّيّاً وتامّاً. إنّه صمت يتجسّد في محبّة تفيض من دون حساب في خدمة القريب. صمت يشهد للمسيح في كلّ مكان وكلّ زمان. ويصبح عندئذ الاستعداد للخدمة لذيذاً وسهلاً، لأنّ النفس ترى في كلّ واحد وجه حبيبها. واستقبال الضيوف يصبح عميقاً وصحيحاً، لأنّ القلب الصامت هو قلب محبّ، والقلب المحبّ ملجأ للعالم.

وهذا الصمت البسيط المشبع بالصلاة، هو متاح لكلّ إنسان، هو مُلْكُ كلّ مسيحيّ يحبّ الله، هو ملك جميع الذين بدأت نفوسهم تفتّش عن الحقيقة وعن الله. إذ إنّه، حيث تسود الضجّة الداخليّة والتشويش، يكون الله غائباً.

الصحاري والصمت والخلوة ليست بالضرورة أمكنة، بل هي حالات للذهن والقلب. هذه الصحاري يمكن وجودها في أحداث الحياة اليوميّة العاديّة، يكفي أن نعي حاجتنا الكبرى إليها، ويكفي أن نكون مستعدّين لدخولها، فالاختبار الذي تحمله إلينا يمكن أن يكون غبطة وقداسة، لأنّ الله هو الذي يمنح القداسة للخلوة والصحراء والصمت.

من أوائل الخطوات في اتجاه الخلوة هو الابتعاد. ولكن قلوبنا وعقولنا ونفوسنا تحتاج لأن تكون منسجمة وواعية لهذه الخلوات. ولكي نصبح منسجمين يجب أن نلغي من أفكارنا مسألة الوقت. فالله لا يهمّه الوقت، لأنّه إذا كانت نفوسنا مستعدّة يمكنه أن يدعوها ويغيّرها ويرفعها خلال لحظة كما يقول هوشع النبيّ: “سأقودك إلى البريّة، وهناك أخاطب قلبك” (هوشع 16:2).

لا خلوة من دون صمت. غياب الضجّة ليس بالضرورة صمتاً. يمكن لنهار مملوء بالعمل أن يكون نهار صمت. إنّنا عندما نتكلّم عن أنفسنا، ونكون مملوئين من أنفسنا، ننسى الصمت. الصمت هو الحقيقة التي تكمن في المحبة. الصمت كباقي الأمور في مقدوره أن يجعلنا نعطي أنفسنا، أو بالعكس أن نصبح عنواناً للتقتير والبخل، إذ نترك ذواتنا لذواتنا. يقول الكتاب المقدّس أنّنا سنؤدّي حساباً عن كلّ كلمة بطّالة نطقنا بها. وقد نطالَب بتأدية الحساب عن الكلمات التي كان علينا أن نتفوّه بها، وبقينا صامتين.

ولكن قد يتبادر إلى ذهننا السؤال كيف نتوصّل فعليّاً إلى هذه الخلوة؟ هل بالتوقّف عن الحركة؟ إنّ التوقّف وترك هيجان الأعمال القتّال للنفس يقف ويقع من تلقاء ذاته كرداء بال مملوء غباراً، عندما تقرّر النفس الدخول في الخلوة. وبالحقيقة إنّ الانغماس بكثرة الأعمال ما هو إلاّ هرب من الذات، والتهرّب من الدخول في هذه الرحلة الداخليّة، التي يجب على كلّ إنسان أن يقوم بها، ليصل إلى الله الحيّ المقيم في أعماق النفس. يمكن للإنسان أن يتوقّف عن كلّ جلبة وضجّة خارجيّة تحدثها حياته اليوميّة والواجبات الملقاة على عاتقه والمطلوبة منه. إنّ هذا التوقّف ضروريّ جدّاً لأنّه يُدخل النفس في جو إلهي الذي بدوره يولّد الطمأنينة للنفس، طمأنينة الله التي بدورها تولّد الصمت.

في الخلوة والصمت والصحراء يتمّ التوقّف عن الحركة لنلجأ إلى فحص عميق لدوافعنا في الحياة: هل هي، مثلاً، صالحة لتتقبل أسس القداسة الحقيقيّة؟ إذ إنّ الإنسان يأتي إلى العالم ليصبح قدّيساً، عاشقاً للحبّ الذي مات لأجلنا. إنّ المأساة الحقيقيّة هي أن لا يصبح الإنسان قدّيساً. فإذا كانت دوافعنا لا تصلح لوضع أسس حقيقيّة وصادقة للقداسة، يجب عندئذ على النفس أن تعيد النظر في كلّ شيء من أساسه، ولن يفوت الوقت أبداً من أجل انطلاقة جديدة.

في الخلوة والصمت والصحراء يتمّ رفع القلب والأيدي نحو الله، من أجل الطلب إليه أن تهبّ عاصفة روحه القدّوس، لتنظّف النفس من كلّ خوف وجبن وأنانيّة وجشع وكسل..و..الطلب إليه أن تنزل ألسنة ناريّة لتمنح النفس شجاعة الانطلاق من جديد، شجاعة البداية في كلّ لحظة في طريق الجهاد.

والغريب أنّه عندما يقيم الصمت إقامة دائمة في النفس، على غرار ما حدث لمريم أخت لعازر عند قدمي المسيح، يصير الكلام أسهل للذين أصبحت نفوسهم متخشّعة تماماً في هذا الصمت، ويصبح العمل أسهل، ومعاملة الناس ملأى بالرفق والوداعة والصبر. وتشعّ المحبّة في كلّ عمل وكلّ كلمة. وشيئاً فشيئاً، وبطريقة خفيّة غير ملحوظة، يتغيّر العالم من حولهم، لأنّ صمتهم يصبح جزءاً من صمت الله، صمتاً محبّاً، قويّاً، مثمراً. يُسمِع اللهُ صوتَه من خلالهم، ويُرى وجهُه في وجوههم، ويصبح نوره نوراً مشعّاً من خلالهم لكلّ قريب. وهكذا يأتي الصمت بالسلام للجميع، ويأتي الحبيب من جديد ليسكن في ما بيننا قائلاً: نعم، “توقّفوا، اعلموا أنّي أنا الله” (مز11:46).

ولكن يطرأ هنا خطر لا بدّ أن نذكره: فكما أنّنا لا نعرف في كثير من الأحيان أن نميّز بين الصمت والعزلة الماديّة، قد لا نعرف أن نميّز بين الصلاة والخلوة. فهاتان وجهان مختلفان للحياة الروحيّة. فالصلاة هي، ولا شكّ في ذلك، حياة كلّ مسيحيّ. وبدون الصلاة، وبدون علاقة مع الله، تتلاشى هذه الحياة. نسمع كثيرين في أيّامنا يفكّرون بقصد مراكز يستمتعون فيها بالصلاة، بأماكن يجدون فيها العزلة الماديّة، الخلوة الروحيّة. لهؤلاء نقول: اقبلوا أوّلاً بخلوة قلوبكم. فالصلاة كالصمت،  كالخلوة هي أوّلاً مسألة دخول إلى أعماق النفس، عليّ أن ألج إلى داخلي لألتقي بالثالوث المقيم فيّ. الصلاة أمر داخليّ، والقلاّية هي بالحقيقة قلب الإنسان حيث يعلّمه الروح كيف يصلّي. قد تساعد الخلوة على الصلاة وقد تصبح مهداً للصلاة. ولكن بشكل عامّ لا تتطلب الصلاة مكاناً جغرافيّاً خاصّاً لأنّها هي علاقة محبّة بين الله والإنسان، كما لا تتطلب الخلوة أيضاً مكاناً جغرافيّاً، فقد أكون في خلوة داخليّة وأنا في وسط الناس. فمن الخطأ إذن الخلط بين الصلاة والخلوة، والقول إنّ الخلوة ضرورة للصلاة. بل بالأحرى القول إنّه من المستحسن أن يضع المرء ذاته من وقت لآخر في خلوة. فالصلاة هي عمل دائم للعطاش إلى الله، أما الخلوة فيجب أن تبقى محصورة في وقت محدّد لئلا تفقد معناها فتصبح هرباً من الأعمال، هرباً من الآخرين، هرباً من الحياة، وهذه طبعاً كلّ شيء إلاّ الخلوة والصمت والصحراء. لأنّه من المستحيل أن أصلّي حقّاً إذا لم أخدم أخي، وإلاّ أصبحت كالكاهن واللاّوي اللذين لم يتوقّفا أمام الرجل الذي جرحه اللصوص.

الصلاة ، الخلوة، الصمت هي مصدر لفرح روحيّ لا يعبّر عنه. فإذا التقيتم يوماً بناسك أو براهب شاحب الوجه، حزين على الدوام، تيّقنوا أنّه ليس ناسكاً حقيقيّاً. الروحيّون هم أكثر الناس فرحاً ولو كانوا في عمر السبعين، لهم عيون الأطفال، وهم مملؤون من فرح عشرة الرب. لا يمكن غشّ الناس بالمظهر، لأنّ المسألة مسألة حضور الرب في النفس، وحضوره حضور مشعّ بالغبطة والفرح الهادئين.

إنّ أوّل ما يدخل المجاهد إلى الخلوة سيشعر إلى حدّ ما بضّجته الداخليّة، إلى جمع أفكار تهاجمه كالذباب، أفكار من كلّ نوع إلاّ الأفكار التي تخصّ الله. وهذا أمر طبيعيّ لأنّنا أناس عقلانيّون مملؤون بالمعلومات من كلّ نوع، فنحن نحتاج إلى وقت طويل قبل التوصّل إلى طيّ أجنحة العقل وفتح باب القلب. وهنا دور الخلوة: إنّها تدخلنا إلى أعماقنا ثم تجعلنا في اتصال مع الله. لا يهم بماذا تشعرون، حتى إذا لم تشعروا بشيء أيضاً إذ يكفي أنكم أتيتم للقاء الله في موعد شخصيّ. المهمّ هو إسكات العقل الذي بنى العديد من أبراج بابل ولا يزال في كلّ لحظة يبني. افتح باب القلب للقادر وحده أن يتقبلك كما أنت. إنّ صحراء وخلوة النسّاك والرهبان هي في داخلهم أي في روحهم المتخشّعة دوماً، المتطلّعة بحب نحوه فقط. ومن هنا يعرف الراهب كيف يمكث في الصمت والخلوة والصحراء حيث توجد الصلاة الحقيقيّة، وحيث تنتظره زيارات سرّيّة ينعم بها ومنها يستمدّ القوّة لاستمراره وجهاده.

وأخيراً إنّ الصحراء والخلوة والصمت سيجردوننا من الأنا، وربّ الصحراء أيضاً سوف يجرّدنا. ولكنّنا سنمتلئ من الطمأنينة الصادرة عن الله. في الصحراء والصمت والخلوة نلجأ إلى الصوم والصلاة وهكذا نموت عن أنفسنا لينمو المسيح فينا بطريقة أسرع، ونتمكّن من إعطائه إلى العالم بطريقة أسرع، هذا العالم المتعطّش إليه أشدّ العطش. ألا أهّلنا الله لنعيش الصمت الحقيقيّ والخلوة الحقيقيّة عسى أن يرتسم نوره علينا فننقله للآخرين آمين.