أثناسيوس متروبوليت ليماسول

نقلتها إلى العربية الخورية جولي عطية عيسى

لننظرْ في الفصل 45 من كتاب الحرب اللامنظورة للقدّيس نيقوذيموس الأثوسي حيث يتكلَّم على إدانة الآخرين.

الإدانة انشغالٌ نستسيغه. إلاّ أنّنا يجب أن ننتبه إلى هذه المشكلة، لأنّ الإدانة تجلٍّ لأنانيّتنا. إذا أدنّا إخوتنا بقساوةٍ ومن دون رحمة، فهذا يعني أنّنا ممتلئون من الأنانيّة، ويجب أن نباشر عملاً روحيًّا جدّيًّا. قال المسيح: “لا تدينوا، لكي لا تُدانوا” (مت 7: 1). ويتكلَّم الكتاب المقدَّس في مواضع عدَّة على الإدانة، ودائمًا ما يحذّر الآباء من خطرها.

إليكم ما يقوله القدّيس نيقوذيموس الأثوسي حول الإدانة: “من الغرور والزهو، يتولَّد شرٌّ آخر فينا، مسبِّبًا لنا الأذى، أعني الحكم على الآخرين وإدانتهم بقساوة، اللذَين بوساطتهما نحسبهم لا شيء، ونحتقرهم، وإذا سمحت مناسبةٌ، نذلّهم. هذه العادة السيّئة المتفرّعة من الكبرياء، تتغذّى وتنمو من هذه الأخيرة، لأنّ الكبرياء تزيد بعد كلّ إدانة، بسبب الإرضاء الذاتيّ الذي يرافقها”.

الكبرياء أُمّ الإدانة – هي الأنانيّة، والأنانيّة تَمركزٌ للشرّ في داخلنا، وبالتالي تقود الإدانة إلى انفصال الإنسان عن الله وتُسبّب تجارب عدّة. الإدانة تُدمّر الإنسان.

ذات مرّةٍ، أخبرنا الشيخ أفرام الكاتوناكي أنّ راهبًا عاش معه في إسقيط كاتوناكيا كان يقرع أجراسًا صغيرةً قبل صلوات الغروب والسَّحَر، كما يقرعون من أجل الخدم في الأديار، لكي يكسر نوعًا ما رتابة العيش في القفر. حين سمع أخٌ ناسكٌ يعيش في الجانب الآخر قرعَ الأجراس، أخذ يدينه. ثمّ عندما رأى الراهب الأوَّل نفْسَ أخيه تسقط بعيدًا عن نعمة الله بسبب الإدانة، حزن كثيرًا. حقًّا، إنّ الإدانة تُبعد عنّا النعمة والعناية الإلهيَّتين. تبدأ الإدانة بالكبرياء، والكبرياء ليست سوى غياب المحبّة. الإنسان المتكبّر لا يحبّ قريبه. وحين ندين إخوتنا، فهذا يعني أنّنا لا نحبّهم. فإذا أحببنا أخينا، لن ندينه. حتّى ولو رأينا عيبًا جليًّا في قريبنا، سوف نجد تبريرًا له ونستره. والمسيح ذاته، حين كان على الصليب يتهيّأ لتسليم روحه للربّ، فكّر بصالبيه. لم يتكلّم بالسوء عليهم ولم يَدِنهم، بل بالعكس، قال: “يا أبتاه، إغفر لهم؛ لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون” (لو 23: 34). لقد برَّر لهم.

رجم القدّيس استفانوس بالحجارة

إلى ذلك، قال استفانوس أوّل الشهداء والشمامسة، مع نَفَسه الأخير بعد أن رجمه اليهود: “يا ربّ، لا تُقم لهم هذه الخطيئة” (أع 7: 60). اهتمّ القدّيس استفانوس بألاّ تكون للناس خطيئةٌ أمام الربّ. تصرُّفُ القدّيسين هذا يشهد لمحبّتهم للآخرين. في النهاية، يسوع المسيح محبّةٌ حقّة، ومثالٌ لحياتنا، وكمالٌ لنا. لم يدِن قدّيسو الله حتى الشرّير نفسه.

قال القدّيس باييسيوس: لا يكفي أن أذهب إلى الجحيم بسبب خطاياي. سأذهب إلى الجحيم لأنّ حياتي الخاطئة تجربةٌ للآخرين، إذ إنّني أحرّض الشيطان نفسه. لو لم أكُن قد أعطيته سببًا، لَما أغواني، ولما تسبَّبتْ سقطاتي بسقطة هذا التعيس. أي أنّ القدّيس حسِبَ نفسه مذنبًا بخطيئة الشيطان، بأنّ الشيطان كان يزعجه ويقوده إلى الخطيئة، وبهذا كان الشيطان يَخطأ أكثر.

لم يَدِنِ القدّيسون قطّ، لا لأنّهم راقبوا ذواتهم عن كثب، بل لأنّهم امتلكوا محبّةً عظيمة. مثل أمٍّ لا تدين أولادها مهما فعلوا، بل تبرّر لهم. أتذكّر أمَّ ولدٍ مشاكسٍ كان قد اقترف بعض التصرّفات السيّئة، هي فعليًّا جرائم. جاءت هذه وأخبرتني عنه، باكيةً ومبرّرةً له: “يا أبتِ، أنا أمّ في النهاية. لا يمكنني أن أتركه”. فعلاً، لا يمكن لأمّ أن ترفض ابنها، أو أن تدينه، لأنّها أمّه وتحبّه. يجب أن نملك حبًّا والديًّا كهذا لأقربائنا وألاّ ندين أحدًا.

حين نتنبّه إلى أنّنا ندين قريبنا، علينا أن نفهم أنّنا نعاني من عدم النضج الروحيّ. فنحن لم نَصِرْ بعد أناسًا روحيّين وبالتالي نرفض الآخرين وندينهم بسهولة.

يقول القدّيس نيقوذيموس الأثوسي أيضًا: “عندما نمنح أنفسنا قيمةً عاليةً ونُعظّمها، نزدري طبعًا بالآخرين، مُدينين ومحتقرين إيّاهم، لأنّنا نخال أنّنا بعيدون عن النواقص التي نظنّها موجودةً في الآخرين”. نحن نعظّم أنفسنا. نظنّ أنّنا لا نملك أيًّا من نواقص أقربائنا. على سبيل المثال، يدين أحدهم إنسانًا مدمنًا على الكحول، قائلاً عنه أشياء كريهةً متنوّعة، وحاسبًا نفسه أعلى منه لأنّه لا يملك هذا الهوى. بالطبع، قد لا تكون مدمنًا يُسيء استعمال الكحول، ولكنَّك مدمنٌ عبر أهوائك وخطاياك الأخرى، التي قد تكون أسوأ من ذلك. في النهاية، كلُّ مَن يعظّم نفسه مذنبٌ أمام الله. إنّ الإنسان الذي يعي نواقصه الكثيرة لن يدين غيره. وبالعكس، كلُّ مَن يظنُّ أنَّه نقيٌّ، يشرع بسهولةٍ بإدانة الآخرين، ظانًّا أنّه حرٌّ من خطيئةٍ معيّنة. هو، منطقيًّا، يبدو نقيًّا، ولكن من وجهة نظرٍ روحيّة، ليس كذلك. هذه جريمةٌ ضدَّ وصايا الله.

في الواقع، هذا كلّه عمل عدوّ البشريّة، كما يكتب القدّيس نيقوذيموس قائلاً: “وهنا أيضًا، عدوّنا الكلّي الشرّ، حين يرى استعدادًا سيّئًا كهذا، يقف يقظًا بقربنا، ويفتح أعيننا معلّمًا إيّانا كيف نتابع بانتباهٍ ما يفعل الآخرون ويقولون”. تعبّر ملاحظة القدّيس نيقوذيموس هذه عن حقيقتنا بدقّة. ثمّة أناس، وغالبًا ما نجد أنفسنا من بينهم، يلاحظون باستمرارٍ نواقص الآخرين. هم مثل الذباب الذي يطير في الجوّ بحثًا عن القذارة. إلاّ أنّ القدّيس باييسيوس يقول إنّنا “يجب أن نملك مصنعًا للأفكار الجيّدة في داخلنا”، أي أن تنتج عقولنا أفكارًا حسنة، إذ حين تُنتج أفكارًا شرّيرة، يتشوّه كلّ شيء في داخلنا، وتعاني نفسنا وقلبنا وعيوننا وكلّ ما في داخلنا.

كيف يمكن لأحدهم أن يتعلّم إنتاج الأفكار الحسَنة؟ قبل كلّ شيء، يجب أن يجلس مفكّرًا: “يا ربّ، كم لديّ من أخطاء!” أتذكّر كيف كانت تتحوّل الحوارات مع الإخوة إلى كلامٍ حول أحدهم، فيقول لنا الشيخ يوسف الفاتوبيذي المغبوط الذكر: “يا إخوة، ألا تكتفون بخطاياكم؟ هل نحتاج إلى الانشغال بالآخرين؟ يجب أن نبكي خطايانا، وألاّ ننشغل بخطايا إخوتنا”. حَسِبَ القدّيسون أنفسهم خطأةً كبار. إنّ رؤية خطايانا وضعفاتنا تساعدنا على تجنّب الإدانة، فتهبط نفوسنا وأذهاننا وقلوبنا في مطار تواضع ربّنا يسوع المسيح، الذي سيضع أفكارًا رائعةً فينا.

أوّلاً، ينبغي أن ندرك أنّ كلاًّ منّا لديه خطايا عديدة. قد تختلف خطايانا عن خطايا قريبنا الذي ندينه، ولكنّ هذا لا يهمّ. ما يهمّ فقط هو أنّنا خطأةٌ أمام الله، وبعض خطايانا أسوأ بكثيرٍ من خطايا قريبنا. وقد يحدث أنّ أخانا الذي أخطأ تابَ عن خطيئته. عبر الإدانة، لا نتوب، وبالتالي نَخطَأ أكثر.

بعد ذلك، حين نشعر بعمق سقطاتنا وندرك مدى إثمنا، نتحسَّر بشدّة. وعندما نبدأ بالتحسُّر على خطايانا، نلتجئ إلى الصلاة ويبدأ العمل الروحي. حينها، تختفي كلُّ رغبةٍ في التفوّه بكلمةٍ ضدّ الآخر، لأننا بإدانته ندين فعليًّا أنفسنا ونُقصي عنّا نعمة الله.

القدّيس نيقوذيموس من الجبل المقدَّس (الأثوسي)

إلى ذلك، يقول القدّيس نيقوذيموس إنّك حين تنوي أن تدين، يجب أن تتذكّر “أنّكَ لم تُمنح السُّلطة وأنّكَ حين تعطي نفسَك هذه السُّلطة، تجعل نفسك مستحقًّا الدينونة في تلك اللحظة”. يتّضح أنّنا لا نملك حتّى الحقّ في الحكم، فكيف الإدانة، لأنّ سُلطة الإدانة هي فقط بيَد الديّان العادل – ربّنا، لأنّه وحده يعلم الأمور على حقيقتها الفعليّة. نحن نرى الأشياء من خارح. مثلاً، نرى شخصًا غاضبًا يصرخ ويلوّح بيديه، ولكنّنا لا نرى سبب تصرّفه على هذا النحو. لا نعلم أين وُلد، في أيّة أوضاعٍ تربّى، ما نوع الصفات الموروثة التي لديه، وما في نفْسه. ولا يمكننا أن نعرف عن توبته اللاحقة. وكما قال القدّيس باييسيوس: مَن كان سيرتكب عشرين جريمة ولكنّه ارتكب تسع عشرة فقط، تقدَّم خطوةً إلى الأمام. وبالعكس، قدّيسٌ سنحت له الفرصة ليصنع عشرين معجزة ولكنّه صنع تسع عشرة، هو أقلّ إرضاءً في عينيّ الله، مع أنّ معجزاته التسعة عشرة لها قيمة عظمى عند الناس. إذًا، حكم الله وحكم الإنسان مختلفان. يقول لنا الربّ في الإنجيل: لا تحكموا بحسب الظاهر، بل احكموا حكمًا عادلاً (يو 7: 24). ينبغي أن يكون حكمنا صالحًا، ولكنّنا لا نحكم كذلك.

قد تقول إنّ ثمّة أوقاتٌ نُرغم فيها على الحكم. هذا صحيح. الحُكم عمليّة عقليّة. أكنّا نرغب في ذلك أم لا، لدينا حُكمنا على الناس الآخرين أو الأشياء الأخرى، ولكن من الضروريّ أن نتأكّد من عدم تحوُّل حُكمنا إلى إدانة. على سبيل المثال، يأتي إلينا أحدهم عارضًا أن يبيعنا مخدّرات. وإذ لنا موقفٌ سلبيّ تجاه المخدّرات، نرفض. رفضي يعني أنّ الأمر غير مقبول بالنسبة لي. نحتاج إلى هذا النوع من التمييز. الأمر يختلف عندما أشرع بإدانة أحد بائعي المخدّرات، ناعتًا إيّاه بالنذل وما إلى ذلك. هذه إدانةٌ بالفعل. أمّا الحُكم الخالي من الهوى والخبث، فجيّدٌ لنا. لكي أفهم أنّ الواحد جيّدٌ والآخر سيّئٌ، يجب أن أحكم. الحُكم خاصيّةٌ طبيعيّةٌ للعقل – معيارٌ يساعدنا على تمييز الصواب من الخطأ.

ثمّ يقول القدّيس نيقوذيموس: “ومن الفعّال جدًّا أيضًا، ألاَّ تصرف من ذهنك تذكُّرَ شرّك الخاصّ، وأهوائك وأفعالك غير الطاهرة والشرّيرة…” العديدة والمختبئة، حتّى أنّ حياةً بكاملها لا تكفي لمعرفتها وشفائها – ولن يبقى وقتٌ كافٍ لتفحُّص خطايا الآخر.

يقول القدّيس نيقوذيموس أيضًا: “حين تحكم بقساوةٍ على العمل الشرّير الذي صنعه قريبك، اعلم أنّ جذرًا للشرّ ذاته موجودٌ في قلبك، وبحدّته يلقّنك كيف تتبصّر في الآخرين وتدينهم”. عندما يملك الإنسان هوًى، يراه في الناس كلّهم. وكما قال اليونانيون القدماء: “لا تحكموا على الجميع بحسب معياركم”. لنضرب مثلاً أنّ لدى أحدهم هوى السرقة، وحين يدخل غرفةً، يهمّ بالنظر إلى ما حوله وملاحظة أشياء متنوّعة. ثمّ عندما يرى إنسانًا آخر يتصرّف على هذا النحو، يقول إنّه سارق. فبقدر ما هو سارق، يشتبه بأنّ الآخرين كذلك. أو مثلاً، حين يرى شخصٌ شهوانيٌّ أناسًا يتواصلون بعضهم مع بعض ويتسلّون، يفكّر فيهم بابتذال. أمّا الروحيّون فيملكون نظرةً مختلفةً كليًّا. حتّى ولو رأوا عملاً شرّيرًا، لن تلاحظ أذهانهم أيّ سوء. تذكّروا مشهدًا من حياة المغبوط الشيخ يعقوب الذي من إيفيا، المعاصر لنا، الذي حين التقى بشابّ وفتاة يتبادلان القبل في الشارع، قال إنّهما إخوةٌ على الأرجح. لم يستطع ذهنه التفكير بأيّ شيء آخر، لأنّه كان إنسانًا نقيًّا. هذا ما تكلّم عليه المسيح قائلاً: “سراج الجسد هو العين، فمتى كانت عينك بسيطةً فجسدك كلّه يكون نيّرًا، ومتى كانت شريرةً فجسدك يكون مظلمًا” (لو 11: 34). إذًا، تُعلّمنا الكنيسة تجنُّب مراقبة الآخرين، لأنّنا بذلك ندمّر نظرنا ونرى قريبنا بعدسة الشرّ. نحن ننظر إلى الآخرين بعينين جسديّتين شهوانيّتين، أمّا عينا القدّيسين، فكانت مقدّسة ونقيّة، وحتّى عندما كانوا يرون عدم الطهارة، لم يلاحظوه.

“بفعلك هذا، ستوجّه نحوك السلاح الذي يدفعك الشرّير إلى استعماله ضدّ الآخر؛ وبدلاً من إصابة أخيك ستضمّد جراحاتك أنت”، يكتب القدّيس نيقوذيموس. إنّ فكرًا شرّيرًا يحثّك على إدانة أخيك وإذلاله وإقصائه، يجب أن يوجَّه باتّجاهك، وينبغي أن تقول في نفسك إنّني السبب في كلّ شرّ، ويجب أن أوجّه بصري إلى خطاياي وسقطاتي، لكي أواضع نفسي وآتي أمام الله.

“إذًا”، يقول القدّيس نيقوذيموس، “قِف دائمًا بخوفٍ ورعدة، خائفًا على ذاتك أكثر من خوفك على أحدٍ آخر. وكُن متأكّدًا من أنّ كلَّ كلمةٍ حسَنةٍ على آخر، وكلّ فرحٍ من أجله، هما فِعل الروح القدس فيك وثمره، وبالعكس، كلّ كلمة سوءٍ عليه والإدانة المحتقِرة إيّاه تصدر عن فسادك واقتراحات الشيطان”. هذا سرٌّ جيّد جدًّا قاله لنا القدّيس نيقوذيموس – أن نتعلّم التكلُّم بالخير على أقربائنا. عندما نُسأل عن الآخرين، يجب أن نقول فقط أقوالاً حسَنة، ولو بالغنا قليلاً. مَن يمدح أخاه يملك فضيلةً عظيمة. ثمّة قصّةٌ رائعةٌ في كتاب الآباء الشيوخ، كيف أتى بعض السائحين إلى شيخٍ في إحدى المرّات قائلين: “نحن نبحث عن الأنبا بيمن”. كان الشيخ ناسكًا عظيمًا. شرع بمدح الأنبا بيمن، قائلاً إنّه يجدر بهم حتمًا أن يلتقوا به، وحين يرونه يجب أن يطلبوا منه أن يصلّي لأجله. حين التقى السائحون بالأنبا بيمن، قالوا له: “أنبا، قبل أن نجدك، ذهبنا لنرى شيخًا يعيش بالقرب من هنا، وقال لنا أشياءً جيّدةً كثيرةً عنك”. فابتسم الأنبا وقال: “مَن يمدح أخاه هو أعظم من الممدوح”. للأسف، غالبًا ما يصعب علينا أن نمدح الآخرين في الحياة. من الأسهل أن نقذف بضعة جُملٍ مهينة. أو قد نقول: طبعًا، إنه جيّد، ولكن… ثمّ نبدأ بإخبارك لماذا “لكن”. لقد سلك القدّيسون على نحوٍ مغاير – مدحوا إخوتهم. كان القدّيس باييسيوس مثالاً حيًّا جدًّا على ذلك – لقد مدح الناس باستمرار، حتّى أولئك الرهبان الذين لم يكونوا الأمثلة الأفضل عن الحياة الرهبانيّة. دائمًا ما وجد القدّيس باييسيوس سببًا أو اثنين ليمدحهم، ويبرّر لهم، ويقول أمرًا حسَنًا لهم.

عندما تتعلّم مدح الآخرين، تعتاد تدريجيًّا على اقتناء أفكارٍ حسَنةٍ عن الناس. هذه العادة دواءٌ للإدانة، لذلك من النافع أن نتعلّمها ونستخدمها. ثمّة أشخاصٌ استطاعوا النموّ في هذه الفضيلة. أتذكّر أنّه كان لنا في المدرسة أستاذٌ اسمه الأب ديوجينيس، علّمنا ناموس الله. تكلّم هذا الأستاذ على الجميع بصيغة التفضيل. حين كان أحدهم يسأله: “أبونا، هل هذا رجلٌ صالحٌ؟”، كان يجيب: “صالحٌ جدًّا!”. “ولكن يا أبانا أنتَ دائمًا تقول هذا”. “كلاّ، هذا صحيح، هو رجلٌ صالحٌ جدًّا جدًّا”. “كلاّ أبونا، أنا لا أصدّقك. أنتَ تقول هذا عن الجميع”. “صدّقني، إنّه رجلٌ رائع”. بالفعل، كان الأب ديوجينيس نفسه رجلاً صالحًا جدًّا جدًّا. ولأنّه كان رجلاً صالحًا رأى الصلاح في الآخرين. لم أسمع منه قطّ كلمةً سيّئةً على الآخرين، لا لأنّه لم يلاحظ الشرّ، فهو لم يكن أحمقًا، كان متعلّمًا ذا ذكاءٍ وتمييزٍ عظيمَين. كان شخصًا نقيًّا، ولهذا رأى الناسَ أنقياء. ينظر الربُّ إلى العالم بمحبّة، لأنّه هو نفسه محبّة. وللكنيسة أيضًا هذه الخاصّية. انظروا كيف يُصوَّر في الأيقونات المُعذِّبون الذين عَذَّبوا الشهداء القدّيسين. لا خُبث على وجوههم، بل هدوءٌ معيَّن، مشابهٌ لهدوء القدّيسين. لماذا؟ لأنّ الكنيسة لا تريد أن ترى تصويرًا للأهواء في داخل الكنيسة. الكنيسة تريد أن ترى كلّ شخصٍ على صورة الله، حتّى ولو كان أسوأ الخطأة. الشيطان نفسه صالحٌ بحسب الطبيعة – أعماله هي السيّئة.

في الصوم الكبير، نقول باستمرارٍ صلاة القدّيس أفرام السريانيّ: “هَبْ لي أن أعرف عيوبي وألاّ أدين إخوتي”. من أجل تجنُّب الإدانة، علينا أن نرى خطايانا، وأخطاءنا، ونواقصنا. لنتمرَّنْ، نحن الذين نميل إلى إدانة الآخرين، على رؤية أخطائنا، ونتوقّف عن ملاحظة أخطاء الآخرين. وبذلك نجتذب نعمة الله ونُعتق أنفسنا من خطايا ثقيلة.