الحيوانات في الفكر المسيحيّ

الحيوانات في الفكر المسيحيّ

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

لا يحتاج المرء إلى أن يكون شديد الملاحظة ليفهم أنّ قضيّة الإنسان المعاصر قد أصبحت قضيّة البيئة، التي تحيط به، بما فيها من أشجار وبحيرات وحيوانات مهدَّدة بالانقراض…

وقد دُوِّنت آلاف من المجلّدات التي تتناول مشاكل البيئة، بيد أنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة تتفوّق على غيرها، إذ عندها الكثير الكثير لتقوله في هذا المضمار: فصلواتها الليتورجية التي تشمل الكون برمّته، وموسيقاها الفردوسيّة، وتقديسها للمادّة في الكنيسة، والنسك، وحياة القدّيسين في الغابات برفقة الحيوانات المتوحّشة، وشفاعة والدة الإله التي لا تكلّ (كلّ الخليقة تفرح بك)، والعبادة الخاصّة بالروح القدس الذي يهبّ حيث يشاء، والذي يذكّرنا بالهواء والريح، كلّ هذا وغيره يجعل التقليد الأرثوذكسيّ جذّابًا لكلّ من يهتمّون بمصير الأرض وسكّانها. من هنا كانت هذه المحاولة المتواضعة المعنونة: الحيوانات في الفكر المسيحيّ.

يقول علماء اليوم وفلاسفته بأنّ الإنسان يولد عاجزاً. فهو بحاجة إلى سنتين أو ثلاث ليستطيع الوقوف على قدميه. وحتّى الإنسان الناضج، نفسه، يبقى ضعيفًا بحاجة دوماً إلى مساعدة الآخر له. وهذا ما أعطى (A.Gehlen) مثلاً حجّةً ليقول بأنّ الإنسان من الناحية البيولوجيّة البحتة هو “كائن قاصر”.

لقد نظر القدّيس غريغوريوس النيصصيّ إلى الأمر بالطريقة عينها، إذ يؤكّد في كتابه خلق الإنسان بأنّ الانسان هو مركز العالم وسيّده. وأنّ الله لم يخلق الإنسان إلاّ بعد أن أبدع عالمنا الجميل جدًّا، وذلك لأنّ الشمس، والهواء، والنجوم وُجدت لتكون في خدمة الإنسان. خلق الله كلّ عناصر الكون بكلمة فقط، أمّا بالنسبة للإنسان، فقد تعب في خلقه، إذ هيّأ، أوّلاً، مادّة ليجبله منها، ثمّ أعطاه شكلاً وهدفًا لوجوده، وما قامته المنتصبة إلاّ أعظم شاهد على كرامته الملكيّة. ولكن، ورغم هذه العظمة، فقد خُلق الإنسان أعزلاً من دون دفاع، وهذا النقطة هي الأهمّ. فلو كان يستطيع الجري السريع كالحصان، أو لو كانت له مخالب النمر، أو منقار النسر… لما كان بحاجة إلى شيء أو إلى أحد. لكنّه، وبسبب حالته الراهنة أي بسبب عجزه، فهو يحتاج إلى مساعدة الآخرين له بما فيهم الحيوانات. لذا، أعطاه الله إيّاها لتعينه وليؤلِّف وإيّاها عالمًا صغيرًا واحدًا متكاملاً. الإنسان هو مركز العالم وملكه، بيد أنّ قيمة ملوكيّته هذه تكمن في عدم كمالِه عينِه. وهذا يعني أنّ عليه بالتواضع والخضوع لله خالقه.

وما ينطبق على الحيوانات ينطبق أيضاً على التقنية العلميّة ، لأنّ توق الإنسان الدائم نحو الكمال هو الذي قاده ليؤسّس حضارة تعتمد على التقنيّة. وما التكنولوجيا إلاّ محاولة منه للتغلّب على الفراغ والزمن وحتّى على الموت. عالم التكنولوجيا هو عالم جامد وميت. فالآلات المتحجّرة الجامدة التي لا تتغيّر، والمبادئ الثلاث: العقلانيّة والعَمَلانيّة والتجريديّة، والتي هي ناموس هذا المرض المدعو تقنيّة، كلّها لا جمال فيها، ولا ما يسحر الألباب. فالتقنيّة هي عالمُ ما تحت الشريعة، ولا صلة لها بالنعمة البتّة. الله هو محبّة، لذلك فإيماننا به وحمايته لنا هما من الأشياء الملموسة والفعّالة والتي لا تُضاهى. أمّا التكنولوجيا، فهي أدوات تخدم البشر، وتريحهم جسديًّا، ولكنّها بعيدة كلَّ البعد عن المشاعر الإنسانيّة كالمحبّة والرحمة وغيرها من فضائل الروح، وغالبًا ما تولّد الخوف والقلق.

أمام أنواع الكوارث المتعدّدة التي تتعرّض لها الإنسانيّة بعامّة في عصرنا الحاضر، يتحدّث الفلاسفة، اليوم، وأيضًا علماء الإجتماع والبيئة، عن ضرورة اتّخاذ موقف جديد تجاه هذه التقنيّة الواسعة الهدّامة، حتّى إنّ أشخاصاً بعيدين عن الكنيسة، ينادون بضرورة العودة إلى التوبة، إلى الخروج من هذا التقدّم الخالي من الروح إلى النسك والعبادة. لذلك بات من الضروري بمكان، في أيّامنا هذه، استعادة فكر الآباء القدّيسين بما يختصّ بالرأفة الكونيّة التي يشعر بها القدّيسون حيال الخليقة بأسرها[1].

إذا كان الإنسان يُعتبر ملك الخليقة، وجب عليه، إذًا، أن يتعامل معها بطريقة ملوكيّة بحسب المثال الذي أظهره لنا ملك الملوك المسيح نفسه، فلا يدمِّرُ ولا يفني بل يخدم ويجمِّل.

علاقة الإنسان بالحيوان

بعد سقوط الإنسان من الفردوس، أضحت الحيوانات متوحّشة عنيفة, تتألّم وتعاني بصمت، ومن دون ذنب، متخطّية الإنسان في ألمها وموتها.

جرَّب الشيطان السيّد المسيح في البريّة، وكان يسوع يعيش برفقة الحيوانات المتوحّشة وكانت الملائكة تخدمه: “وكان مع الوحوش وكانت الملائكة تخدمه” (مر 13:1).

في حضارة هذا العصر، التي اختفى فيها كلّ ما هو أصيل، والتي تعتمد على الآلة، أصبحت الحيوانات، التي لم تفقد أصالتها، بالنسبة للإنسان كومضة من أنوار الفردوس، وتذكُّرٍ لماضٍ بعيد، وكأنَّه تذكّر للطفولة وللعائلة وللمنزل الأبويّ .

يقول لنا القدّيس مكاريوس الكبير: “لقد أشفق الخالق على آدم عندما سقط وطُرد من فردوس النعيم، ومات عن الحياة مع الله، فالملائكة وكلّ القوّات السماويّة، والأرض وكلّ الكائنات المخلوقة ندبت موته وسقوطه. لقد رأت تلك المخلوقات سيّدهم وقد أمسى الآن في حالة العبوديّة، وأدركته قوّات الظلمة الرديئة المتمرّدة”.

وعبّر القدّيس سمعان اللاّهوتيّ الجديد عمَّا أصاب الخليقة بعد سقوط الإنسان وخسارته للفردوس بقوله:” عندما رأت كلّ المخلوقات آدم مطروداً من الفردوس، تمرّدت على  من اقترف الخطيئة: فالشمس أبت إنارته، والقمر والنجوم رفضوا أن يشرقوا نورهم عليه، والينابيع رفضت إعطاءه المياه، والأنهار توقّفت عن إكمال جريها، والهواء حجز نسيمه ومنع آدم عن التنفّس بسبب المعصية”.

عندما نظرت حيوانات البريَّة آدم مُعرَّى من مجده الأوّل، احتقرته، وللحال تأهّبت للإنقضاض عليه. حتّى الأرض لم تعُدْ تُطق حمله أو احتضانه. إلاَّ أنَّ الله، لكثرة رحمته، أمر المخلوقات بأنّ تظلّ خاضعة للإنسان، منتظرة توبته ورجوعه إلى رتبته الملوكيّة الأولى، لكي يعود كائنًا روحيًّا غير زائل. وهذه الصيرورة لا تحصل من أجل ذاته فقط، إنَّما بتحوّله هذا يغيِّر ويحوِّل، معه، الكون كلَّه. الخليقة بأسرها تعاني من سقوط آدم وتنتظر تأليهه. في أيّامنا الحاضرة، حيث تكاثرت الخطيئة واستفحلت، ما زلنا نجد أشخاصًا يُجسِّدون حالة التجلّي هذه. إنَّهم القدّيسون مثال آدم الجديد.

القدّيسون والحيوانات

من المعروف جدًّا بأنَّ للحيوانات دالّة وإلفة مع القدّيسين، فهي تقترب منهم “لأنَّهم يشتمّون فيهم رائحة الفردوس الزكيّة” بحسب تعبير القدّيس إسحق السريانيّ. فالدببة، مثلاً، كانت تزور القدّيس سيرافيم ساروفسكي، وكذلك القدّيس سيرجيوس رادونيج، إذ كان دبّ يتردّد عليه مدّة سنة كاملة، وكان القدّيس يكتسر وإيّاه كسرات الخبز. وعندما لا يتبقّى لديه إلاَّ كسرة واحدة، فكان يعطيها للدُبّ ويظلُّ هو بلا طعام، “لأنّ الحيوان المفترس، حسب قوله، لا يعقل ولا يفهم ضرورة الصبر والاعتدال”.

ويقال عن القدّيس جراسيموس الذي من آلاسكا بأنّه كانت تعيش بالقرب من منسكه القاقوم، وهي حيوانات صغيرة تتميّز بالخوف والضعف، إذ تهرب من كلّ إنسان تصادفه، لكنَّها كانت تجري نحو المغبوط جراسيموس وتأكل من يده. وكانت، هي بدورها، تنظر إلى القدّيس كيف كان يُطعم الدببة. نجد أخبارًا كثيرةً من هذا النوع في حياة القدّيسين الذين كانت تأتيهم الأسود لتخدمهم كالقديس بولس الثيبي والقدّيسة مريم المصريّة التي حفر أسد قبرها. والأيّلة التي كانت تنقذهم من خطر الجوع، فترضعهم وتغذّيهم من لبنها. والغراب يجلب لهم الخبز كإيليّا النبيّ والقدّيسين بولس الثيبي وأنطونيوس الكبير. يعود الإنسان إلى حالته الفردوسيّة عندما يجتهد في إصلاح ذاته وتنقيتها وإرجاعها إلى حالتها الملوكيّة التي كانت عليها قبل السقوط، وهكذا يلبس الحُلَّة الأولى، ويصبح كاهنًا على كلّ الخلائق.

الحيوانات لا تنوح وتتألّم، فقط، مع الإنسان إنّما هي متعطّشة أيضًا لله، ولما نسمّيه نحن حالة التبنّي والفداء (كما في رو 20:8-22): “وأرى أنّ آلامنا في هذه الدنيا لا توازي المجد الذي سيظهر فينا، فالخليقة تنتظر بفارغ الصبر ظهور أبناء الله. وما كان خضوعها للباطل بإرادتها، بل بإرادة الذي أخضعها، ومع ذلك بقي لها الرجاء أنّها هي ذاتها ستتحرّر من عبوديّة الفساد، لتشارك أبناء الله في حرّيتهم ومجدهم. فنحن نعلم أنّ الخليقة كلّها تئنّ حتّى اليوم من مثل أوجاع الولادة، وما هي وحدها، بل نحن الذين لنا باكورة الروح نئنّ في أعماق نفوسنا منتظرين من الله التبنّي وافتداء أجسادنا…”. هذه الحيوانات هي قادرة، أيضًا، من جرّاء تعاملها مع القدّيسين والشهداء أن تدخل في الفُلك الجديد أيّ في الكنيسة. وقد نجسر على القول بأنّها تتألّه (تتقدّس) هي بدورها، أيضًا، بفعل تقديس وتأليه الطبيعة بأسرها. وهناك رواية ظريفة في حياة القدّيسين، وهي أنّه في أيّام اضطهاد المسيحيّين في القرون الأولى، كانت الأسود والنمور ترفض أن تهاجم أو تتعدّى على الشهداء، فكانت هذه الوحوش الضارية تُقتل كالإنسان، وتُطرح خارج أسوار روما. ويا للعجب! فلقد كان المسيحيّون يجدون، ليس أجساد القدّيسين، فقط، غير مصابة بأذى وسليمة، إنّما أجسام الحيوانات، أيضًا، ما تزال على حالها بعد عدّة سنوات من مقتلها، وكأنّها ما عادت تنتمي إلى هذا العالم.

تاتيانا غورتشفا –عن مجلة contact.

الحيوانات في الفكر الأرثوذكسي

–       2 –

مكانة الحيوانات في حياة النسك والروحانيّة الأرثوذكسيّة.

يمتنع الرهبان الأرثوذكس، وبشدّة، عن كلَّ غذاء يحوي لحومًا. كذلك يُدعى كلّ مؤمن أن يماثلهم في كلّ أربعاء وجمعة من كلّ أسبوع، وفي فترات معيّنة من السنة إستعدادًا للأعياد الكبرى، وبخاصّة في الصوم الأربعينيّ المقدّس،  حسبما يأمر مجمع الرسل المنعقد في القرن الأوّل “بالإمتناع عن الدم والمخنوق…” (أعمال 15/29).

ففي روسيا، مثلاً، لا يقتلون الحمام واليمام، ولا يستهلكونه في غذائهم، لأنَّه يرمز إلى الروح القدس. كما إنّهم لا يصطادون الأرانب، حتّى البريّة منها، لأنَّ آثار بصماتها على الثلج لها شكل صليب. لقد شرح اللاّهوتيّ فلادمير سولوفييف معنى الصوم الجسديّ في الحياة الروحيّة، فقال: “إنَّه الامتناع عن الدَّم، وبالتحديد عن لحوم الحيوانات ذات الدم الحارّ. أمّا دور الإنسان بالنسبة للخليقة، فهو في إحيائها وليس في قتلها. إنّ هدف الصوم، وما يميّزه عن الأمور الأخرى هو إعادة إصلاح النظام في علاقتنا مع الطبيعة”. يتلاءم الصوم، في النسك المسيحيّ الشرقيّ، مع التأمّل في الطبيعة، لأنّ معرفة الله ورؤية مجده يحتجبان في الكائنات والأشياء.

ولقد كتب القدّيس مكسيموس المعترف قائلاً: “عندما كوّن الله الطبيعة المنظورة لم يسمح لها بأن تتديّر (تتحرّك) بحسب الغريزة فقط، إنَّما وضع لكلّ نوعٍ من الكائنات روح حكمة ومبادئَ سلوكٍ أخلاقيٍّ، وهكذا أظهرت هذه الكائنات للإنسان شرائع وقيمًا وجد فيها مدرسةً طبيعيةً يتعلم منها ودربًا سهلاً  يقوده نحو الله”. ويفسّر لنا القدّيس إسحق السريانيّ ما المقصود بالقلب الرؤوف، فيقول: “هو قلب يشتعل محبّة بالخليقة كلّها، بالناس، بالطيور، بالحيوانات. يذرف الدمع عندما يفتكر بهم أو ينظرهم متألّمين. فيرى أصغر الآلام التي تلحق بالخليقة، وينفطر قلبه عليها، فيصلّي، مثلاً، من أجل الحيّات، وتقوى رأفته ليصير على صورة الله”. وهكذا، شيئًا فشيئًا، يستعيد حالة الأمان والثقة التي كانت لديه وهو في الفردوس، وتصبح العلاقة بين الإنسان الروحيّ والحيوانات مسالمة. ويضيف القدّيس إسحق السريانيّ في هذا الصدد: “ما إن ترى الحيوانات المفترسة الإنسان الروحيّ حتّى تهدأ همجيّتها ولا تعود ضارية، فتقترب منه، وتهزّ رأسها، وتلطع يديه وقدميه، لأنّها تشعر بالرائحة الزكيّة الصادرة منه كما كانت لدى آدم قبل سقوطه في الفردوس عندما ذهبت إليه خاضعة له، وأعطاها أسماءها. هذه الرائحة التي انتُزعت منّا، ويعيدها المسيح إلينا بالعطر الجديد الذي نحصل عليه بالمعموديّة وبمسحة الميرون المقدّس. ليس بعد الآن لرائحة الموت مكان، بل لعطر القيامة، ولا سبيل للخوف والشراسة، بل للمؤانسة والتآلف”.

كثيرة هي الروايات التي تتعلّق بعودة الإنسان إلى حالته الأولى، وتقرّبه من الحيونات وبخاصّة في سير آباء الصحراء. من الأمثال التي حدثت مؤخّرًا في منتصف القرن العشرين ما ورد عن ناسك كان يعيش في جزيرة باتموس في مغارة بالقرب من البحر، وكان يتعاطى مع الأفاعي طبقًا لقول إنجيل مرقص: “ويحملون الحيّات” (مر18:16). كان يضع في مغارته أكوابًا صغيرة مملوءة حليبًا، فكانت تأتي الأفاعي لتشرب منها. وفي إحدى الأيّام أتاه بعض أولاد القرية المجاورة، واكتشفوا الأفاعي، فاستعدّوا لقتلها رميًا بالحجارة، فبادرهم القدّيس بقوله لهم: “اتركوها فهي أيضًا من مخلوقات الله”.

ويطالعنا مثال آخر من حياة القدّيس سيرافيم ساروفسكي، إذ أتته مرّة راهبة لتراه في منسكه، ولمّا رأته جالسًا على جذع شجرة يطعم دبًّا، صرخت من خوفها، فأمر القدّيس الدبّ بالابتعاد قليلاً، فقالت له الراهبة: “إنّني أكاد أموت من الخوف”: فقال لها القدّيس: “كلا، يا أمّي، ليس هناك موت إنّما فرح”. ثمّ أجلسها إلى جانبه، ونادى الدبّ وأعطاها خبزًا لكي تطعمه هي بيدها. ولقد وصفت الراهبة وجه القدّيس بأنّه كان مشعًّا بالفرح وضّاء يلمع كالنور وكأنّه ملاك. ثمّ أضافت قائلة: “وعندما هدأتُ تمامًا ناولني الأب الكسرة الأخيرة، وطلب منّي إطعامه  بنفسي. فأجبته بأنّني خائفة، وسوف يبتلع يدي. فقال لي الأب: “لا يا أمّي، ثقي جيّدًا بأنّه لن يأكل يدك”. عندها أخذت الخبز وناولته للدبّ. وبفرح كبير أردت إعطاءه أيضًا، لأنّ الحيوان كان لطيفًا جدًّا معي. وعندما رآني الأب قد سكن روعي قال لي: “أرأيت، يا أمّي، كان الأسد خادمًا للقدّيس جيراسيمس، والآن، صارالدبّ صديقًا للحقير سيرافيم”. هذا ما اختبرته أنا الخاطئة بفضل صلوات الأب سيرافيم”.



[1] اعتاد القدّيس إسحق السوريّ بسبب الحبّ المتدفّق في قلبه أن يصلّي من أجل الخليقة بأسرها حتّى الشياطين. كذلك نقرأ عند القدّيس سلوان الآثوسيّ عن صلاته من أجل خلاص شعوب الأرض بأسرها بمعرفتهم الله بواسطة انسكاب الروح القدس. وأيضاً عن رأفته حتّى بأوراق الأشجار و الحشرات…. ( المعرّب)

الموت والخطية الجدية

الموت والخطية الجدية

 
من كتاب “الحياة بعد الموت”

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

نقلته إلى العربية د. نيفين سعد
راجعه الأب أنطوان ملكي

 

       عندما نتحدث عن الموت والخطية الجدية، فإننا لا نعني أن الموت أتى في البداية كشئ موروث في الطبيعة البشرية ثم تبعته الخطية الجدية. ولكننا نعني أن الموت ارتبط ارتباطاً وثيقاً بخطية أبينا الأول آدم كنـتيجة لها. وبالتالي يجب علينا أن نتكلم عن الموت في هذه النقطة، والذي لم يكن في البداية أمراً طبيعياً للإنسان، ولكنه دخل إلى الطبيعة البشرية وبالتالي يعمل كما لو كان متطفلاً.
      يكرر الكتاب المقدس أن الله لم يصنع الموت، ولكن الموت دخل إلى العالم بواسطة خطية آدم. أود هنا أن أذكر نصين كتابيين.
      النص الأول هو من العهد القديم ويقول: “إذ ليس الموت من صنع الله ولا هلاك الأحياء يسره. لأنه إنما خلق الجميع للبقاء فمواليد العالم إنما كونت معافاة وليس فيها سم مهلك ولا ولاية للجحيم على الأرض لأن البر خالد” (حك 1: 13-15). من غير المستحيل أن ينبعث الشر من الله طالما أن الله خير. ولهذا عندما خلق الله الإنسان لم يخلقه لكي يموت. وكما نرى في التقليد الآبائي، فمن الطبيعي أنه لم يصنعه لا مائتاً ولا غير مائت، ولكن صنعه بإمكانية أن يصبح مائتاً أو غير مائت.
      والنص الثاني هو من رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية: “… كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس… لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى” (رو5: 12-14). يُرى الموت في هذا النص على أنه دخيل ومتطفل على الطبيعة البشرية، ونتيجة وثمرة لخطية آدم. يتعلق الأمر إذاً بالموت الذي دخل إلى الطبيعة البشرية، وبالتالي اجتاز إلى كل الخليقة.
      الخطية التي تولد منها الموت هي سقوط آدم في فردوس النعيم. عندما أمر الله الإنسان الأول ألا يأكل من الثمرة المحرمة أعلمه في نفس الوقت: “لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت” (تك 17:2). وبعد هذه الخطية، دخل الموت إلى الطبيعة البشرية، أولاً الموت الروحي الذي هو انفصال الإنسان عن الله، ثم الموت الجسدي الذي هو انفصال النفس عن الجسد في الوقت المعين. لقد مات آدم روحياً في اليوم الذي أخطأ فيه، ومات جسدياً أيضاً ولكن بطريقة أبطأ.
      على حين أن هذا هو موقف الكتاب المقدس من الموت، وعلى حين يشترك الآباء القديسون في هذه الرؤية، إلا أن علم اللاهوت الغربي يتطلع للأمور بطريقة مختلفة كما سنرى فيما يلي. ينظر علم اللاهوت الغربي للموت على أنه طريقة الله لعقاب الإنسان بسبب خطيته، ويرى ميراث الموت في كل الجنس البشري كميراث للذنب. لقد دحض الأب يوحنا رومانيدس هذه الآراء الخاطئة التي لعلم اللاهوت الغربي في دراسة أصيلة ومهمة، كما قدم تعليم الآباء القديسين عن هذه الأمور[1].
      يتبع علماء اللاهوت الغربيون إفتراضات أوغسطينوس، وبالتالي يرون الموت كنتيجة لقرار الله أن ينظر للإنسان كمذنب وأن يعاقب الجنس البشري على الخطية التي ارتكبها آدم. ويرى بعض البروتستانت الموت على أنه حقيقة بسيطة، ولكن تقودهم مثل هذه المفاهيم لاستنتاج أن الله هو علة الموت[2].
      توجد رؤية أخرى أيضاً مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بهذا المفهوم، وهي النظرية القائلة أن الشيطان هو أداة الله في تنفيذ قراره بمعاقبة الجنس البشري. لا يستطيع علم اللاهوت الغربي بمثل هذه المفاهيم والآراء أن يعطي شرحاً سليماً للغرض من تجسد المسيح، الذي هو التغلب على قوة الشيطان والموت. كما أنه لا يستطيع أن يفسر بطريقة سليمة الغرض من الأسرار ومن كل الحياة الكنسية.
      يبدو في تعليم الآباء كما قلنا أن الموت ليس عقاباً من الله ولكنه ثمرة ونتيجة لخطية آدم. يُستعمل تعبير “موت” لكي نعني عزلة وانفصال الإنسان عن الله الذي فيه الحياة الحقيقية. وبالتالي فإن أي شخص يبتعد عن الحياة أي عن الله فإنه يموت. وكما يؤكد القديس غريغوريوس بالاماس في هذا المعنى قائلاً: “إن أول من عانى هذا الموت هو إبليس الذي ابتعد عن الله بسبب عصيانه. لقد نقل الشيطان المائت الموت إلى الإنسان أيضاً، لأن الإنسان استمع لنصيحته وعصى الله وفقد نعمته”[3].
      يقول القديس مكسيموس المعترف أننا عندما نتكلم عن الموت فإننا نعني بصورة رئيسية الانفصال عن الله. ويحدث هذا الانفصال من خلال الخطية، فالخطية هي إذاً مركز الموت. ولأن الإنسان لم يطع وصية الله، ولأنه ابتعد عن الله “كان من الضروري أن يتبع ذلك موت الجسد”[4].
      يرى أيضاً القديس يوحنا الدمشقي الأشياء في ضوء ذلك. فهو يؤكد على أن أصل كل الناس هو من الله، ولكن الفساد ونتيجته، الذي هو الموت، يأتي من شرنا الخاص. “لقد أتى الموت مع عقوبات أخرى من خلال الإنسان، أي من خلال تعدي آدم”. خلقة الإنسان هي إذاً عمل قوة الله الخالقة، واستمرار حياتنا هو عمل قواه المانحة للتماسك. والموت هو نتيجة اختيارنا الخاص ونتيجة الشر، وهو ليس عقوبة وفعل من الله [5].
      وبحسب القديس يوحنا الدمشقي دخل الموت إلى العالم “مثل حيوان مفترس متوحش لكي يدمر حياة الإنسان”[6]. هذا تشبيه جميل جداً ويعبِّر بصورة حية عن الحقيقة بجملتها. في الواقع، يشبه الموت حيواناً متوحشاً غير مروَّض يتلف ويدمر حياة الناس. ونحن جميعاً نتذوق بحق وحشية الموت عندما يموت أحباؤنا.
      يتكلم القديس غريغوريوس بالاماس بصورة تفصيلية وبدقة رائعة كما رأينا ذلك في رأيه الجوهري في موضوعنا. عندما سمعت حواء نصيحة الشيطان المكار “رأت، واشتهت، وأكلت، وماتت، وأغوت الرجل، وصنعت لها شريكاً في كل من الأكل والسقوط”[7].
      وبالطبع عندما نقول أن آدم مات فإننا لا نعني أن الطبيعة البشرية قد دُمرت تدميراً تاماً. ولكن لأنه اختبر أولاً الموت الروحي، فإنه اختبر الموت الجسدي بعد ذلك، ولكن دون أن يؤول ذلك إلى عدم الوجود. لقد انفصل الإنسان عن الله، واهتز بهذه النتائج ولكن دون أن يُدَمَر كليةً. وكما يخبرنا القديس مقاريوس المصري بطريقة مميزة: “ومع ذلك نحن لا نقول أنه ضاع تماماً وأُبيد من الوجود ومات. لقد مات بمقدار ما اختلت علاقته بالله، ولكنه لا يزال يعيش في طبيعته”[8].
      بعد سقوط آدم، ألبسه الله من خلال محبته وشفقته، أقمصة من جلد. إننا نرى في تعليم الآباء أن أقمصة الجلد هذه هي الفساد والموت الذي دخل جسد الإنسان بعد خطيته. ويتكون الفساد من الأمراض، والضعفات، وصعوبات الحياة الإنسانية، وكيفية الحبل به، والحمل به في الرحم، وولادته، وأخيراً مسيرته نحو الموت[9]. وفي الواقع تكون حياة الإنسان بجملتها سلسلة من ميتات متوالية، فهي موت بطيء[10].
      من الواضح مما قلناه حتى الآن أن سبب الموت ليس الله، ولكن الخطية التي ارتكبها الإنسان الأول في الفردوس بحرية إختياره. ولكن من الواضح في تعليم الآباء أن الله سمح بدخول الموت إلى الطبيعة البشرية من حبه ومحبته للبشر.
      أول كل شيء، نستطيع أن نقول أنه على الفور بعد خطية آدم كان من المحتمل أن يموت الجسد أيضاً. لكن الله سمح له أن يعيش حتى بعد الخطية “مانحاً له طريقاً للتوبة” وإمكانية تحقيق حياة روحية[11]. وبالتالي أصبحت كل الآلام المرتبطة بالفساد والموت فرصاً للاشتياق للحياة العليا ولتحقيق الشركة مع الله.
      وبحسب القديس باسيليوس الكبير، سمح الله بالموت لكي لا يبقى الإنسان إلى الأبد في موت حي[12]. لقد بلورت الكنيسة هذه الرؤية في صلاة الحلّ التي يصليها الأسقف في خدمة الجناز. فهو يقول من ضمن أشياء أخرى أن الله في محبته لجنس البشر، ولكي لا يصبح الشر أبدياً خالداً، سمح لرباط النفس والجسد الغير قابلة للكسر أن تنحل بإرادته، أي أنه سمح للموت أن يحدث[13].
      ينبغي علينا أيضاً أن نقول شيئاً عن مشكلة ميراث الموت، لأنه يوجد اختلاف على هذه النقطة أيضاً بين علم اللاهوت الغربي وعلم اللاهوت الشرقي. فبحسب المفهوم الغربي يكون توريث الموت هو توريث الذنب؛ كما لو كان كل شخص قد أخطأ في شخص آدم وبالتالي يكون كل واحد هو المتسبب في موته الخاص. ولكن في تعليم الآباء القديسين، لا يتعلق الأمر بتوريث الذنب ولكن بتوريث نتيجة خطية آدم والتي هي الفساد والموت. وبمقدار ما ضعفت الطبيعة البشرية بواسطة خطية آدم، بمقدار ما أصبح من الطبيعي أن كل شخص لكونه جزءاً لا يتجزأ من هذه الطبيعة لا يستطيع أن يهرب من الفساد الذي سيطر عليها. بالإضافة إلى ذلك، يوجد رباط لا ينحلّ بين كل الخطايا والأهواء من جهة، والفساد والموت من جهة أخرى. وبالتالي، ليس الموت نتيجة للخطية فقط ولكنه سبب لها أيضاً. ويأتي هذا القول الأخير من وجهة نظر أن الفساد والموت اللذين نرثهما من آبائنا يتسببان في تكوين الأهواء العديدة مثل التهاون، البخل، محبة المجد الباطل؛ وبوجه عام يتسبب الموت في وقوعنا في العديد من الخطايا[14]. إننا نستطيع بهذه الافتراضات أن نتكلم عن انتقال الموت وليس ببساطة عن انتقال الذنب كما يتمسك بذلك علم اللاهوت الغربي.
      لقد تمسّك أوغسطينوس، الذي كان له تأثيراً عظيماً على علم اللاهوت الغربي النظري وعلى موضوع توريث الموت، بأننا نرث كل خطية آدم؛ على حين أنه من الواضح في تقليد الآباء أننا نرث نتائج الخطية التي هي الفساد والموت، وتنـتقل تلك عند ميلاد الجسد. وبحسب القديس يوحنا ذهبي الفم، يكون التوريث البيولوجي للفساد الذي دخل إلى الطبيعة البشرية لنسل آدم مبرراً. “وهو إذ صار فاسداً، هكذا أيضاً صار الأولاد الذين أنجبهم”. يقول القديس كيرلس السكندري نفس الشيء: “بعد السقوط في ذلك (الموت) أنجبا أطفالاً. ولكونهم ثمرة آتية من فساد، فإنهم أُنجِبوا فاسدين”[15]. وفي الحقيقة يشير القديس يوحنا ذهبي الفم إلى أننا نعمد حتى الأطفال “على الرغم من كونهم بلا خطية”، بحيث قد يُضاف “التقديس، والبر، والتبني، والميراث، والعضوية في أخوية المسيح، والصيرورة كمسكن للروح”[16].
      لقد كان الهدف من تجسد المسيح هو تدمير الموت والخطية، وهزيمة الشيطان. وفي الحقيقة، اتخذ المسيح جسداً مائتاً وضعيفاً لكي يهزم الموت. فقد غلب الموت من خلال صلبه وقيامته، وأعطى الإنسان أن يغلبه هو نفسه في حياته الشخصية بعد أن يتحد به. ويتحقق هذا الهدف من خلال أسرار الكنيسة التي لا تحرر الإنسان مما يسمى الشعور النفسي بالذنب، ولا هي تستعطف الله عن خطية آدم، ولكنها تهزم الموت. إننا نصبح من خلال المعمودية أعضاءاً في جسد المسيح القائم، ومن خلال التناول المقدس من جسد ودم المسيح نتناول دواء عدم الموت. ليست النفس فقط هي التي تتحد بالله، ولكن الجسد أيضاً يتلقى شعوراً بهذا التغيير الداخلي وبتحول النفس. ويُرى ذلك بوضوح في رفات قديسي الكنيسة.
      وبالطبع توجد حقيقة عميقة المعنى، وهي أنه حتى بعد المعمودية والتناول المقدس يبقى الموت. لأنه، كما يشرح القديس مكسيموس المعترف، ما حدث في حياة المسيح يحدث هنا أيضاً. ففي ولادة المسيح التي هي بلا خطية بقي فساد جسده من أجل غرض معين، وهو أنه بفضل آلامه المخلصة يستطيع أن يهزم الموت. وهكذا، تبقى طبيعة الشخص المعمد قابلة للهلاك بعد المعمودية ليس كعقاب لطبيعته الخاطئة، ولكن كوسيلة لإدانة الخطية والقضاء عليها . يصبح الإنسان بواسطة المعمودية، ومن خلال حرية إرادته قادراً على محاربة الخطية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بهلاك وموت جسده. ومن هذا المنطلق، يكون خلاص الإنسان عملية إلهية، ولكنه أيضاً تعاون بشري.
      إن كل هذه الأمور التي قدمناها حتى الآن مذكورة بوضوح شديد في رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية. ولكوننا لا نستطيع أن نقدم هنا تحليلاً مستفيضاً لكل ما يقوله الرسول، فسوف نؤكد باختصار على نقاط قليلة.
      النص التالي هو الذي يقدم تلك الحقيقة: “فإني أُسَر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن ولكني أرى ناموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي. ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت. أشكر الله بيسوع المسيح ربنا”(رو7: 22-25).
      لو درس أحد بعناية الإطار الذي قيلت فيه هذه الأشياء، فإنه سوف يقتنع بأن الرسول يشير هنا إلى زمن الناموس عندما كان يحاول من خلال ناموس الله أن يحرر نفسه من ناموس الخطية ولم يستطع. ولكنه نجح في ذلك بقوة المسيح المتجسد. وهكذا، نستطيع أن نرى هنا قيمة المسيح المتجسد بالمقارنة بناموس العهد القديم، وأننا نخلص ليس بطاعة الناموس ببساطة، ولكن بالإشتراك في قيامة المسيح في حياتنا الشخصية.
      من الواضح في النص الذي استشهدنا به أن الإنسان الباطني يخدم ناموس الله ويُسر به، مما يعني أنه يقتني الصلاة الداخلية والاستنارة النوسية. ونحن نعلم جيداً أن رجال العهد القديم الأبرار اقتنعوا أيضاً بالصلاة الداخلية. فالإنسان يتنقى من الأهواء بواسطة الناموس ويصل لتذكر الله الدائم.
      ولكن بينما يُسَر الإنسان الباطني بناموس الله فإنه في نفس الوقت يشعر بناموس الخطية في أعضائه. وناموس الخطية هذا هو الفساد والموت الذي خلق فرصاً للخطية لكي تأخذ اليد العليا. تساعد الأمراض، والضيقات، وعملية الموت ورحلته أهواء النفس على التعبير عن نفسها على عكس الطبيعة، كما أنها تعطي الشيطان فرصة لكي يشن حرباً ضد الإنسان. وهذا هو بالضبط ما يتحمله القديسون. ولذلك يعبر الرسول عن مراثي كل أناس العهد القديم الأبرار الذين وجدوا أنفسهم تحت سلطان الموت وغير قادرين على تحرير أنفسهم بواسطة الناموس عندما قال: “ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت”.
      يأتي هذا التحرر مع تجسد المسيح ومع آلامه وقيامته التي يختبرها الإنسان في الكنيسة التي هي جسد المسيح. وهذا هو السبب الذي يجعله محتاجاً إلى تقديم الشكر القلبي لله. ثم بعد ذلك يقول الرسول: “لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت”(رو2:8). فالمسيح فعل ما لم يستطع الناموس أن يفعله بإدانته الخطية والموت في جسده (رو 3:8) وبالتالي صار الإنسان ودُعي “روحانياً”.
      ولكي نكمل موضوع الموت ينبغي علينا أن نقول أن الموت لم يُخلَق بواسطة الله، بمعنى أن الإنسان لم يُخلَق من قِبَل الله ككيان مائت. ولكن الموت دخل إلى الطبيعة البشرية كدخيل بعد خطية آدم من خلال صبر ومحبة الله. لأنه بفضل الموت لا يستطيع الشر أن يبقى خالداً وأبدياً. الموت يُوَرَث بسبب ضعف الطبيعة البشرية وليس كذنب الإنسان وكعقاب الله. وفي الوقت المعين، ومن خلال تجسد ابنه، أعطى الله للإنسان إمكانية القضاء على الموت. لقد تم القضاء على الموت الروحي أولاً عندما اتحد الإنسان بجسد المسيح القائم بواسطة الأسرار، ثم بعد ذلك تحرر من الموت الجسدي أيضاً.

 


      1 – See John Romanides: The Ancestral Sin، ed. Domos 1989 (Gk).
      2 – Ibid. p. 7f.
      3 – Gregory Palamas: Homily 16. EPE 9، p. 434ff (GK).
      4 – Second Century on Love، 10:45 AM 9/1/2011Orthodox Faith، BK، 2، 28. FC37، p. 259.
      6 – Ibid. BK. 3، 1، p. 268.
      7 – Gregory Palamas: Homily 40، EPE 10، P. 542 (GK).
      8 – Macarius of Egypt: Homily 12، 2، CWS p. 97.
      9 – See Panagiotis Nellas: Deification in Christ، p. 48، etc.
      10 – Georgios Mantzaridis: Palamika، p. 49. (GK)، cf. Mantzaridis: The Deification of Man، SVS 1984، pp. 22ff.
      11 – Gregory Palamas: To the nun Xenia، Philokalia 4، p. 299.
      12 – Basil the Great. Homily: That God is not the cause of evils، PG. 31، 345 ab.
      13 – Mikron Euchologion، Apostolic Diaconate 1972، p. 213. (GK)، cf. Service book، comp. I. F. Hapgood، 4th ed.، p. 366
      14 – See Romanides op. cit. p. 158ff (GK).
      15 – Theodorou Zisi: Man and world in God’s economy according to John Chrysostom، Thessaloniki 1971، p. 120 and note 7 (Gk).
      16 – Ibid. p. 119.