لمَ الأرثوذكسية ليست ديناً

الأب لورانس فايرلي

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

بحسب الأب ألكسندر شميمن، المسيحية الأرثوذكسية ليست ديناً. يكتب في “من أجل حياة العالم”: “بالمعنى العميق، المسيحية هي نهاية كل الدين… لا تُقدّم المسيحية في أي نقطة من العهد الجديد كجماعة دينية أو دين. هناك حاجة إلى الدين حيث يوجد جدار فصل بين الله والإنسان. لكن المسيح، الإله والإنسان في آن معاً، حطم الجدار القائم بين الإنسان والله. لقد افتتح حياة جديدة وديناً جديداً”.

هذا المفهوم ليس جديداً بل هو موجود على مدى العهد الجديد. المسيح نفسه، بالرغم من تجذره في يهودية أيامه وحفظه للناموس اليهودي، أشار إلى ما هو أبعد منه: الحياة الجديدة التي أشار إليها الأب ألكسندر، حياة ممنوحة بالروح القدس (يوحنا 5:3-8، 37:7-39). لم يعد أتباعه بحاجة إلى هيكل وكهنوته وضحاياه للتواصل مع الله، سواء كان هذا الهيكل عبى جريزيم أو في أورشليم (يوحنا 21:4-23). جسده صار الهيكل الجديد (يوحنا 21:2). في تلك الحياة الجديدة، لم تعد قيود السبت مُطْلَقة (متى 16:12، يوحنا 8:5-11)، ولا عادت قوانين الطعام تمنع بعض المأكولات (مرقس 19:7). ففيما كان يعيش كيهودي أمين للعهد القديم، قدّم المسيح خمراً جديدة، شراباً أقوى من أن يُحتَوى في أوعية خمر ذلك العهد. أوعية الملكوت الجديدة صارت ضَرُورِيّة (مرقس 22:2).

هذا الاستبصار الأساسي هو مصدر رفض القديس بولس لليهودية. فاليهودية، بالرغم من أصلها الإلهي، توقفت عن الإيفاء بغرضها لأنها كانت ديناً. على غرار كل أديان العالم، كانت تتميّز ببعض المفاهيم الأساسية والثنائيات. كان عندها كهنوت يقدّم الذبائح الحيوانية والقانون هو أن الكهنو فقط هم مَن يقدّم الذبائح الطقوسية. عرفت اليهودية مبدأ المكان المقدّس، حيث كانت المحاكم الموسوية ومن ثمّ الهيكل، وأماكن لا يمكن دخولها إلا لأشخاص محددين (كقدس الأقداس الداخلي مثلاً). كان فيها تصنيفات “مقدس – طاهر – نجس”، وواضح أن النجس لا يستطيع تقديم الضحية إلى أن يتطهر. كما استعملت تصنيف “الطاهر – النجس” لبعض الأطعمة، محرّمة تناول بعض الحيوانات. باستعمالها التقويم القمري، أعلنت قداسة بعض الايام، أي انها مقدسة باتها، كالسبت، يوم البدر الكامل، والعبور. لم تتفرّد اليهودية بهذه الأمور بل كل أديان العالم تستعمل نفس التصنيفات. هذه لم تكن تصنيفات يهودية بل دينية. قد تختلف الأديان فيما بينها في تحديد الأيام المقدسة وما هي الأطعمة المسموحة ومَن هو المخوّل أن يتصرّف ككاهن يقدّم الذبيحة، لكنها تتفق بأن هذه التصنيفات أساسية وجوهرية.

هذه التصنيفات سمّاها الرسول بولس “أركان” (أنظر غلاطية 3:4، كولوسي 8:2 و20:2). لم تكن هذه خطأً بحد ذاتها، بل هي مثّلت إحجاماً وإقلاعاً عن الحياة الجديدة الممنوحة مجاناً بالمسيح بمعزل عن هذه التصنيفات. وهكذا علّم الرسول بولس أنّه لا يهمّ إن اعتبر الإنسان أحد الأيام بذاته أكثر قداسة من غيره (رومية 5:14)، وأن أي طعام نجس بذاته (رومية 14:14، 1تيموثاوس 4:4-5). لقد رأى أن التزام الغلاطيين بالتقويم اليهودي تطور مفزِع (غلاطية 10:4-11)، وقال أن خضوع الكولوسيين لقوانين الأطعمة النجسة ليس جديراً بالذين اتوا “مَعَ الْمَسِيحِ عَنْ أَرْكَانِ الْعَالَمِ” (كولوسي 20:2-23).

ولكن الآن وقد أتى المسيح ليخلّصنا، لم نعد عبيداً من بعد، ولا تحت أي دين بتصنيفاته الأساسية. في المسيح بلغ الجنس البشري ولم يعد يحتاج الدين. يمكننا أن نمتلك الروح القدس بدلاً عنه، وهو العهد والاشتراك في قوى الزمان الآتي.

من السهل تحريف المسيحية كدين مثل أي دين آخر. إذ لكل الأديان الرئيسية كتب (التوراة، الإنجيل، القرآن، البهاغافادغيتا “كتاب المولى” الهندوسي)، لكل الأديان إكليروس يقيم الخدَم (ربات، كهنة، أيمة)، ومبانٍ للعبادة (مجامع، كنائس، مساجد، معابد). هناك الكثير من الأشياء المشتركة في تعاليم الأديان، فكلها تقول بأن اللطف خير من القساوة، وبأن على الناس أن لا يقتلوا بعضهم البعض أو يزنوا. من السهل جداً إذاً للذين يدرسون الاديان المقارنة أن يتخيّلوا أن المسيحية تُقارَن بغيرها. ولكن كما راينا، ليس الأمر كذلك. الأمور التي تبدو نفسها وتشابه أشياء في الديانات الاخرى هي بالحقيقة ليست كذلك. هناك بالطبع تشابه ظاهري. ولكن الحقيقة الداخلية الأساسية تختلف، تماماً كما أنه يوجد تشابه ظاهري في أجساد كل البشر، فيما الفرق الحقيقي بينهم موجود في نفوسهم.

أحد أوجه الشبه الظاهرة بين المسيحية والدين هو أن كلاً من المسيحية والأديان لديهما فئة من الأشخاص الذين يؤمّون عندما يجتمع الجميع، ويؤدون مجموعة معيّنة من الطقوس. يُسمّونهم بالغالب “الكهنة”. في اليهودية والوثنية الإغريقية-الرومانية، كانت مهمتهم بشكل خاص تتحدد في تقديم الضحايا. إنه لأمر مهم أن عبارة “كاهن” لا تنطبق على الإكليروس المسيحي. نحن نسميهم “شيوخ” أو “خدّام (presbyters)، أو “رعاة”. يُشار إلى الكهنة اليهود بهذه العبارة (أعمال 7:6)، لكن ليس إلى الإكليروس المسيحي. هذا اللقب محفوظ في الكنيسة ليسوع المسيح وحده، فهو وحده الكاهن الأول والحقيقي والوحيد في الكنيسة. ويمكن أن نرى سبب ذلك، فالكاهن هو مَن يقدّم الضحية والضحية الحقيقية الوحيدة الموجودة لتخلّص وتحوّل هي ضحية جسد المسيح على الصليب. كل تقدمات الناموس الأخرى كانت مجرّد نبوءات، وعود، وصلوات لطهارة سوف تأتي لاحقاً. الكهنوت اليهودي، ومن منظار أوسع كل كهنوت الأديان الوثنية في العالم، وجد ملأه في المسيح. إنه الكاهن الحقيقي الذي قدّم نفسه ضحية حقيقية (عبرانيين 1:8-5). إن مَن يحملون مسؤوليات ليتورجية أو رعائية في كنيسته ليسوا كهنة بالمعنى الدقيق الملائم. إنهم لا يقدمون تقدمات كمثل ضحايا الكهنة اليهود والوثنيين لأن الضحية الوحيدة التي نحتاجها قد سبق تقديمها.

صحيح بالطبع أن عبارة “كاهن” كانت تُطبّق على مقيمي الإفخارستيا، أولاً على الأسقف عندما كان هو مقيم الذبيحة الرئيسي، ومن ثمّ على الرعاة عندما صارت هذه مهمتهم. هذه التسمية الشعرية لم تكن خاطئة لأنها استندت على رؤية أن مقيم الذبيحة يقدّم بالذِكر ضحية المسيح الحقيقية. وعليه، فالمحتفلون كانوا كهنة لا من حقهم الخاص، بل بسبب دورهم كرؤساء ليتورجيين للكهنوت الملوكي، أي جسد المسيح كاهننا الأعظم. إن الإشارة إليهم ككهنة عَنَت فقط أنهم يحتفلون بتذكارات الكنيسة التي فيها تقدمات، لا أنهم ذبحوا حيوانات وقدموها مع دمائها كضحايا على مذبح حجري وحسب. من هنا تسمية الإفخارستيا الضحية غير الدموية.

المسيحية ليست ديناً، والإكليروس الذي يقيم طقوسها ليسوا كهنة بالمعنى الضيق للكلمة. إن كهنوتهم يأتي من دعوتهم لإظهار ذبيحة يسوع المسيح الحقيقية المخلِّصة من خلال عبادة الكنيسة الجماعية. إنهم كهنة لا بحقهم الخاص بل بمشاركتهم المُسامة في كهنوت معلمهم السماوي. إن تشابه الاسم بين الكهنة المسيحيين وكهنة اليهود لا ينبغي أن يقود خطأ إلى الاعتقاد بأن المسيحية هي مجرد دين آخر. ليست المسيحية ديناً بل هي الحضور الأسراري لله المتجسد على الأرض.

القديس غريغوريوس بالاماس في عصرنا

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

على الرغم من أن كل آباء الكنيسة، وعلى الأخص الأقمار الثلاثة العظام (القديسون غريغوريوس اللاهوتي، باسيليوس الكبير ويوحنا الذهبي الفم) والآباء الكبادوكيون بوجه عام، كان لهم تأثير عظيم على صياغة اللاهوت الأرثوذكسي وما زال تأثيرهم مستمراً على الفكر والحياة الأرثوذكسيين إلى يومنا هذا، إلا أن الآباء البارزين اليوم هم القديسون مكسيموس المعترف وسمعان اللاهوتي الحديث وغريغوريوس بالاماس. ذاك أنهم قادرون على التكلم بوضوح مع المعاصرين.

إنني بقولي هذا لا أبجّل بعض الآباء أكثر من الآخرين، إذ أني لا أؤمن بوجود مدارس لاهوتية مختلفة عند الآباء. إنني أؤمن أن الآباء القديسين، اللاهوتيين بكل معنى الكلمة، تعليمهم واحد وحياتهم الكنسية واحدة. إلا أن الآباء الثلاثة الأكثر حداثة، مكسيموس المعترف وسمعان اللاهوتي الحديث وغريغوريوس بالاماس، يستجيبون للمشاكل المعاصرة التي تحيّر الناس اليوم.

لقد اختبر القديس غريغوريوس بالاماس الحياة والخبرة الآبائية والكنسية بكل ملئها في زمن صعب مليء بالاضطرابات. إنه يظهِر بشكل كثيف كل الفكر الآبائي الذي هو بصورة رئيسية الحياة التي أعلنها الروح القدس للقديسين، وهو يبلور تعليم الآباء الكبادوكيين. إن اتخاذه لهم كمرجع في المرحلة الثانية من صراعه ضد برلعام هو أمر ذو دلالة. بالإضافة إلى ذلك، هو يشارك القديس سمعان اللاهوتي الحديث في خبرته وله فهم عميق للقديس مكسيموس الذي استشهد بتعليمه، الذي هو تعليم الكنيسة الأرثوذكسية، وبلوَرَه .

بالتالي، يكون من غير المعقول للاهوتي أرثوذكسي أن يكون جاهلاً بتعليم القديس غريغوريوس بالاماس. وحيث أن نظريات برلعام الإنسانية والمتمركزة حول الإنسان منتشرة جداً في هذه الأيام، فإن تعاليم القديس غريغوريوس بالاماس مناسبة جداً. فهي تستطيع أن تقودنا خارج السجن الذي يحصرنا، وأن تحررنا من سبي بابل.

سوف أوضح في الصفحات التالية بعض النقاط الرئيسية من تعاليم القديس غريغوريوس بالاماس المرتبطة بالمشاكل المعاصرة، وسوف أحدد هذه المسائل المهمة باختصار بدون شرح تفصيلي.

1- علم اللاهوت ورؤية الله

كان برلعام فيلسوفاً إنساني النزعة أصر على أن اكتساب معرفة الله هو نتاج العمليات العقلية. لقد اعتبر أن الفلاسفة أعلى من الأنبياء، وبالتالي كان لاهوته ذهنياً، عقلياً، حدسياً، تجريدياً تماماً.

لقد كان ذلك خطراً شديداً على الكنيسة إذ من الممكن أن يقودها نحو الدهرية. نفس هذا الخطر يكمن اليوم في العديد من الدوائر اللاهوتية حيث يؤمنون، أو على الأقل يتظاهرون بالإيمان، بأن علم اللاهوت هو فرع من المعرفة الأكاديمية وأنه نتاج لعمليات الفكر المنطقية وللمراجع الكتابية.

يستطيع القديس غريغوريوس بالاماس الرد على هذا الموقف كما ردّ على تعليم برلعام. أولاً، يؤكد القديس أن علم اللاهوت النقي ليس موهبة طبيعية ولكنه عطية النعمة الإلهية. إنه يستخدم أمثلة متعددة لكي يثبت هذه الحقيقة. فاللذة الجنسية في الزواج الشرعي بغرض التناسل لا يمكن تسميتها “عطية إلهية” على الرغم من أن الله ذاته هو الذي خلق الطبيعة، “لأنها عطية جسدية طبيعية، وليست عطية للنعمة”.

ينطبق نفس الشيء بالضبط على المعرفة المتولدة من الدراسة العالمية. حتى لو استعملها المرء استعمالاً صالحاً، إلا أنها لاتزال “عطية طبيعية وليست عطية من النعمة”. تعليم العالم (الفلسفة) هي عطية طبيعية وليست عطية للنعمة، يستطيع المرء أن يكتسبها بمجرد الدراسة والقراءة. إلا أن “حكمتنا الإلهية” ليست عطية طبيعية، ولكنها عطية يمنحها الله للذين طهروا قلوبهم. عندما أتت هذه العطية للصيادين جعلتهم أبناء الرعد وكارزين للعالم كله، وعندما أتت لجباة الضرائب “خلقت منهم تجاراً للنفوس”.

لنقطة التالية لدى القديس هي أن علم اللاهوت الأرثوذكسي ليس فلسفة، ولكنه قبل كل شيء معاينة الله. يوجد فرق كبير بين “اللاهوتيين” من نوعية برلعام وبين الذين يعاينون الله. الفرق واضح بين هذا النوع من “علم اللاهوت” وبين معاينة الله. كان القديس غريغوريوس بالاماس قادراً في بعض الظروف أن يدعو حتّى برلعام لاهوتياً لأنه كان يتكلم عن الله (كفيلسوف أساساً)، ولكنه لم يستطع أن يدعوه معاينَ الله.

يختلف علم اللاهوت الفكري عن معاينة الله “حيث أن معرفة الشيء تختلف عن امتلاكه”. الكلام عن الله يختلف تماماً عن الالتقاء به والشركة معه. فالأول متاح لكلّ مَن يمتلك عقلاً ومهارة ويعرف آليات الجدل المنطقي، حتى لو كانت حياته ونفسه غير متطهرتين.

إلا أنه من المستحيل أن يتحد المرء بالله ويكتسب معرفة روحية عنه “ما لم يكن، بالإضافة للتطهر بالفضيلة، قد خرج خارجاً، أو بالأحرى، تجاوز ذاته تاركاً وراءه كل شيء مدرك مع قدرته على الإدراك، مرتفعاً فوق الأفكار والمنطق والمعرفة المكتسبة من خلالهما، مسلّماً نفسه بالتمام لقوة الصلاة القلبية غير المادية. بهذه الطريقة يصل المرء لهذه اللامعرفة التي تفوق المعرفة، والمملوءة بنور الفرح الروحي الفائق…”

هذا النص معبر جداً لأنه يظهر قيمة علم اللاهوت الحقيقي الصحيح. لا يستطيع أحد أن يبلغ الشركة مع الله ما لم يتطهّر أولاً، ويترك وراءه الحواس بكل مدركاتها، ويرتفع فوق العقل والأفكار، ويكتسب اللامعرفة التي تفوق المعرفة، التي هي ثمرة الصلاة القلبية. ينبع إذاً علمُ اللاهوت الحقيقي من التطهّر ومن معاينة الله.

علم اللاهوت الأرثوذكسي هو، بحسب تعليم القديس غريغوريوس بالاماس، معاينة الله. فقط أولئك الذين وجدوا مستحقين لمعاينة النور غير المخلوق هم القادرون على اكتساب المعرفة الحقيقية عن الله. يعلن القديس بوضوح: “معرفة الله والعقائد الخاصة به والتي نسميها علم اللاهوت هي أيضاً معاينة الله”.

ويكتب في موضع آخر قائلاً: “معاينة الله تختلف عن علم اللاهوت”، بمعنى أنه من الممكن أن يتكلم المرء عن اللاهوت من خلال خياله وفكره، ولكن علم اللاهوت الحقيقي هو معاينة الله. هكذا تختلف معاينة الله عن شبهِ علم اللاهوت العقلي الفلسفي، إذ أن “الكلام عن الله بثقة” هو ثمرة الثايوريا أي معاينة الله.

ليست معاينة الله هذه، وبالتالي علم اللاهوت الحقيقي هذا، تجريدية مبنية على الحدس والتخيل، ولكنها قبل كل شيء رؤية تفوق قوة بصر الإنسان. ليس الآباء القديسون “مثل أولئك الذين يتحدثون عن الله بطريقة تجريدية. إنهم يعرفون من خلال معاينة ما يفوق البصر. إنهم يمرّون بنوع من الإخلاء دون أن يدركوا ذلك”. أولئك الذين وُهبوا هذه المعاينة السماوية “يعرفون ما يفوق العقل بمعاينتهم هذه القوة المؤلِّهة في الروح القدس، وليس عن طريق النفي السلبي”. معاينة النور هي حالة إيجابية، وبالتالي فإن علم اللاهوت الأرثوذكسي، الذي هو معاينة النور الإلهي، إيجابي.

لو أن شخصاً ما عديم المعرفة أو الخبرة بأمور الإيمان يُعَّلم “بحسب أفكاره الخاصة محاولاً أن يظهر بطريقة منطقية الصلاح الفائق للمنطق، فإنه بلا شك غارق في جنون مطلق…”. وأيضاً لكونه عديم الحس، فإنه “سيُحسَب كعدو لله”. توجد أيضاً حالات لأناس ليست لهم أية أعمال صالحة ولم يتطهروا، إلتقوا برجال قديسين واستمعوا لهم، ولكنهم “إذ اتبعوا أفكارهم الشخصية” رفضوا أولئك الرجال القديسين وضلوا في كبرياء.

تظهر كل هذه الأمور أن علم اللاهوت هو بصورة رئيسية نتيجة لشفاء الإنسان، وهو ليس علماً عقلياً. فقط ذاك الذي تطهّر، أو الذي هو على الأقل في مسيرة التطهّر، يستطيع الدخول في الأسرار الأبدية والحقائق العظمى وتلقي الإعلان وبالتالي نقله للناس. ينبغي أن يسبق الشفاءُ علمَ اللاهوت، وعندئذ يستطيع اللاهوتي أن يعطي الشفاء لآخرين. هكذا، في التقليد الآبائي الأرثوذكسي، يكون اللاهوتي هو نفسه الأب الروحي. الأب الروحي هو لاهوتي بامتياز، قد اختبر الأمور الإلهية، ويستطيع التالي إرشاد أولاده الروحيين بدون خطأ.

2- الفلسفة ومعرفة الله

استكمالاً لنفس الموضوع، لنرَ الآن كيف يمكننا اكتساب معرفة الله. إن الفلسفة، التي اتّبعها برلعام والعديد من معاصرينا، لا تقدّم معرفة حقيقية عن الله وتؤدي بالمفكرين المتأملين إلى عبادة الأوثان.

لقد أصرّ برلعام على أن لا علاقة لمعرفة الله بمعاينته بل بفهم الإنسان (أي قدرته العقلية). ولأنه ادّعى أننا قادرون على اكتساب معرفة الله من خلال الفلسفة، فإنه صنّف الأنبياء والرسل الذين عاينوا النور غير المخلوق على أنهم أقل من الفلاسفة. لقد ادّعى بأنّ النور غير المخلوق يُدرَك بالحواس، وهو مخلوق، وأنه”أقل من فهمنا”.

كحامل للتقليد وكرجل إعلان، أكّد القديس غريغوريوس بالاماس عكسَ ذلك. لقد أوضح في لاهوته تعليم الكنيسة عن أن النور غير المخلوق ومعاينة الله ليسا مجرد رمز، ولا هما حسيان ومخلوقان، ولا هما أقلّ من التفكير البشري: إنهما الاتحاد بالله. يُحسب الشخص مستحقاً لمعاينة الله إذا اتّحد به. هذا الاتحاد بالله ليس حالة تجريدية، ولكنه اتحاد بين الإنسان والله. بتعبير آخر، إن الشخص الذي يبصر النور غير المخلوق يراه لأنه متحد بالله. إنه يراه بعينيه الداخليتين، وأيضاً بعينيه الخارجيتين، اللتين تكونان قد تحولتا بفعل قوة الله. بالتالي، معاينة الله تكون اتحاد الإنسان بالله، وهذا الاتحاد هو معرفة الله. عندئذ يُحسَب الإنسان مستحقاً لمعرفة الله، وهذه المعرفة تفوق المعرفة البشرية والإدراك الحسي.

ينبغي علينا، لكي نصل إلى معاينة النور غير المخلوق أن نقطع كل رباطات النفس بأشياء هذا العالم، وأن ننزع أنفسنا من كل شيء من خلال حفظ وصايا المسيح، ومن خلال اللاهوى الناتج عن ذلك. ينبغي علينا أن نمضى إلى ما وراء النشاط المعرفي “بالصلاة الحارة، الصادقة، غير المادية”. هذا هو السبب الذي يجعل المرء محتاجاً للشفاء أولاً. هذا الشفاء يتحقق من خلال حفظ وصايا المسيح، وتحرير النفس من ارتباطها بالأشياء المخلوقة. يستنير الإنسان بالنور الذي لا يُدنى منه “في اتحاد سامٍ فائق للمعرفة”، ومن خلال هذا الاتحاد يعاين الله. هو يصير نوراً، ويرى بالنور، “…يصير نوراً ويبصر من خلال النور”. وإذ يبصر النور غير المخلوق فإنه يعرف الله، ويكتسب معرفة الله، لأنه عندئذ “يدرك بحقٍ أن الله فائق البهاء ويفوق كل فهم”.

يتكلم القديس غريغوريوس بالاماس عن الدَهَش. إلا أن نوع الدَهَش الموصوف في تقليد الآباء ليس له أية علاقة بدهش كهنة الإغريق، أو دهش الديانات الأخرى. يتأتى الدهش بالمعنى الآبائي عندما ينتزع النوس نفسه من كل الأشياء المخلوقة في الصلاة، أولاً “من كل ما هو مخزٍ، وشرير، وسيء، ثم من كل الأشياء المحايدة…”. الدَهَش هو، فوق كل شيء، انعزال عن الذهن الجسداني العالمي.

يتخلى النوس، من خلال الصلاة الحقيقية، عن “كل الأشياء المخلوقة”. هذا الدَهَش أسمى من علم اللاهوت التجريدي المبني على الحدس، وهذا الدهش يخصّ فقط الذين بلغوا اللاهوى. إلا إنه لا يمثل الاتحاد بعد، ” ما لم يـُـنِـر المعزي من أعلى الإنسانَ المواظبَ على الصلاة في العلية، التي هي أعلى نقطة يستطيع الإنسان الوصول إليها، حيث ينتظر وعد الآب، وحيث يرفعه الروح لرؤية النور”. بتعبير آخر، فإن الدهش، الذي هو صلاة قلبية دائمة حيث لا يكف النوس عن تذكر الله ويكون منتَزَعاً عن الأهواء وعن عالم الخطية، ليس هو بعد الاتحاد بالله. يتأتى اتحاد الإنسان بالله عندما يأتي المعزي إلى الإنسان الذي يصلي وينتظر وعد الآب في “العلية”، التي هي أعلى نقطة في إمكانيات الإنسان الطبيعية، حيث يختطفه لمعاينة النور غير المخلوق. الاستنارة الإلهية هي علامة اتحاد الإنسان بالله.

تقدم رؤية الله والاتحاد به للإنسان معرفة الله الروحية، فمن خلالها يكتسب معرفة الله الحقيقية. عطية الروح القدس التي تمنح الاتحاد بالله، الذي هو نور فائق الوصف، تحوّل الذين يتلقّونها إلى نور إلهي. إنها لا تملأهم فقط بالنور الأبدي ولكنها “تمنحهم معرفة وحياة جديرة بالله”. في هذه الحالة يكتسب المرء معرفة الله.

هنا نرى الرابطة الوثيقة بين معاينة الله، والاتحاد به، ومعرفته. لا يمكن فهم هذه المفاهيم منفصلة عن بعضها البعض، وفصل هذه الرابطة يبعدنا بعيداً عن معرفة الله. يرتكز التعليم الأرثوذكسي حول معرفة الله على الاستنارة وإعلان الله داخل قلب الإنسان المتطهر.

لا تنبع معاينة النور غير المخلوق ومعرفة الله الناتجة عن هذه المعاينة من قدرة الإنسان العقلية. إنهما لا يشكلان كمال الطبيعة المنطقية كما أكد على ذلك برلعام، ولكنهما يفوقان العقل. تُمنح هذه المعرفة من الله للقلب الطاهر. الإدعاء بأن هذه العطية المانحة الاتحاد بالله هي تطور لطبيعتنا العاقلة يضاد بشارة المسيح. فلو كان الاتحاد بالله عطية طبيعية، لأصبح كل شخص إلهاً بدرجة أو بأخرى. لكن “القديسين المتحدين بالله يتجاوزون الطبيعة”، هم مولودون من الله والله أعطاهم السلطان ليصيروا “أبناء الله”.

3– التحليل النفسي وتوحيد النفس

يُلاحظة ازدياد الميل للتحليل النفسي في هذه الأيام، حيث يُفَسَر كل شيء من منظور علم النفس الذي يضع الإنسان في مركز الكون، ومن هنا ظهر علم النفس الإنساني المتمركز حول الإنسان. يعتبر التحليل النفسي وسيلة لاكتشاف عالم الشخص الداخلي واكتسابه اتزاناً نفسياً. على أية حال، لو درسنا كتابات الآباء بتفصيل، لاكتشفنا أنهم يتكلمون بالأكثر عن توحيد النفس. لأن النفس ابتعدت عن الله، تمزقت داخلياً وصارت بحاجة للتوحيد. يتناول القديس غريغوريوس بالاماس هذا الموضوع في تعليمه.

أصرّ برلعام الفيلسوف على أنه لا يمكن العثور على القداسة والكمال “بدون تمييز عقلاني، ومنطق وتحليل”. وبالتالي نصح بأنّ من يريد اكتساب الكمال والقداسة يحتاج لأن يتعلم “طرق التمييز، والمنطق، والتحليل”. دحض القديس غريغوريوس هذا الرأي، الذي اعتبره “هرطقة رواقية بيثاغورية”و عَلِّم أن المسيحيين لا يعتبرون المعرفة المتأتية من الكلمات والاستنتاجات حقيقية، “بل فقط المعرفة هي الظاهرة في الأعمال والحياة، التي ليست حقيقية وحسْب بل أيضاً أكيدة وغير قابلة للدحض”. يسترسل في الكلام عن استحالة أن نعرف أنفسنا بواسطة التمييز والمنطق والتحليل ما لم نتحرر من الكبرياء والشر ومن خلال التوبة القوية والنسك المطرّد. مَن لم يطهّر نفسه بهذه الطريقة لا يعي فقره الشخصي الذي هو نقطة البداية الجيدة نحو معرفة الذات.

هذا الجزء من تعليم القديس غريغوريوس معبّر جداً لأن كثيرين يعلّمون في هذه الأيام عن إمكانية الوصول إلى معرفة الله من خلال التحليل النفسي ما يؤدي إلى عواقب وخيمة. عندما يقوم الشخص بتحليل نفسه يصل على الأرجح إلى الفصام. الطريقة النسكية بسيطة. من خلال حفظ النوس وتطهيره، وإعادته للقلب بالتوبة والصلاة القلبية وبحفظ وصايا المسيح، نعمل على تحريره من الصور ومن أسر الأمور المدرَكة بالحواس. عندها نصل إلى معرفة ذواتنا من خلال عمل الروح القدس، إذ لا نكتسب الوعي الدقيق لكل تفاصيل كياننا إلا عندما تنير نعمة الله النفس بالإضافة إلى جهادنا الشخصي. يكشف شفاء النوس عن وجود الأهواء التي إذ نستنير ونتقوى بالروح القدس نستطيع محاربتها.

4- العمل والهدوئية

إننا نعيش في عصر العمل الخارجي، فنحن نتحرك باستمرار. إننا نطلق العنان لكل حواسنا ونراعي بشدة قوة المنطق، ونظن أننا سوف نغير المجتمع عن طريق مثل هذا النشاط. على أية حال لا يمكن تغيير المجتمع بشكل ناجح بدون تغيرنا الشخصي، ولا يمكن تحقيق ذلك بدون النسك الذي هو جزء رئيسي من التقليد الأرثوذكسي.

القديس غريغوريوس هو المدافع الأول والرئيسي عن الهدوئية. لقد حارب بنعمة الله ليدافع عن هذه الطريقة لتطهير القلب والأفكار، التي هو شرط لا غنى عنه لمعرفة الله والاتحاد به. إنه يتكلم عن حياة الهدوء في عظته عن دخول القديسة والدة الإله إلى الهيكل. من الجدير بالذكر أن قديس الجبل المقدس هذا، إذ يتكلم من خبرته الشخصية، يقدم العذراء كلية القداسة مثالاً على هدوء النوس، لأنها من خلال الهدوء وصلت إلى الاتحاد بالثالوث القدوس في قدس الأقداس.

يكتب القديس أننا لا نستطيع الوصول إلى الله أو الشركة معه ما لم نتطهر ونتخلى عن كل الأمور المدركة بحواسنا، وعن قدرتنا على الإدراك، وما لم نرتفع فوق الأفكار والمنطق والمعرفة البشرية بل والعقل ذاته. هذا هو بالضبط ما فعلته العذراء القديسة. وهي إذ طلبت الشركة مع الله “وجدت أن الهدوء المقدس كان مرشدها؛ الهدوء الذي هو توقّف النوس والعالم، ونسيان الأمور السفلية، والدخول في الأسرار السماوية، وترك الصور الذهنية جانباً من أجل أمور أفضل. هذا بحق شيء نعمله بنشاط ووسيلة للتقرب من معاينة الله، أو بتعبير أوضح، نقول أن معاينة الله هي الدليل الوحيد على أن النفس في صحة جيدة”. يسترسل القديس غريغوريوس بالاماس في شرح أن الفضائل هي أدوية لأمراض النفس، أي الأهواء، أمّا معاينة الله فهي “ثمرة النفس السليمة، وهي حالة من الاتحاد بالله ونتيجة له”. بتعبير آخر، تُشفى النفس بواسطة الفضائل، ولكن ما أن تُشفى فإنها تتحد بالله من خلال معاينته، التي يُبلَغ إليها عن طريق الهدوء. “بمعاينة الله يتّحد الإنسان به، وليس من خلال القياس الحدسي المبني على المنطق والملاحظة، ولكن تحت قيادة الهدوء”.

نحن نُشفى بهذه الطريقة الهدوئية الأرثوذكسية، “ونتحرر من الأشياء السفلية ونتجه نحو الله” بواسطة التضرعات والصلوات المستمرة، “وبطريقة ما نلمس تلك الطبيعة المباركة التي لا يمكن لمسها. وبالتالي، يتسرّب هذا النور الذي يفوق إدراكنا وفهمنا بطريقة فائقة الوصف إلى داخل الذين تطهرت قلوبهم بالهدوء المقدس، ويعاينون الله داخل نفوسهم كما في مرآة”.

إن أهم النقاط في نص القديس غريغوريوس بالاماس هذا هي إيضاحه أن بالطريقة الأرثوذكسية، التي هي بشكل رئيسي هدوء النوس، نطهّر قلوبنا وعقولنا، وبالتالي نتّحد بالله. هذا هو المنهج الوحيد لتحسس الطريق نحو الله واكتساب الشركة معه.

يسمي الآباء القديسون في كتاباتهم حالة النفس هذه “راحة السبت”. إذ يتطهر نوس الإنسان بواسطة الهدوء المقدس ويبقى تحت قيادته، فإنه “يحفظ السبت” ويستريح في الله. يتكلم القديس غريغوريوس بالاماس عن الراحة الإلهية: راحة الله عندما “استراح من كل عمله”، وراحة المسيح عندما نزل إلى الجحيم بنفسه وبلاهوته بينما بقي جسده ولاهوته في القبر. فيكتب أنه علينا نحن أيضاً أن نطلب تلك الراحة الإلهية بأن نركّز نوسنا من خلال انتباه جاد وصلاة غير منقطعة. هذه الراحة الإلهية، التي هي سبت الله، هي هدوء النوس. “لو رفعتَ نوسَك فوق كل فكر، مهما كان صالحاً، وأعدته لذاتك بواسطة الانتباه الدائم والصلاة المستمرة، فإنك أنت أيضاً تكون قد دخلت بالفعل إلى الراحة الإلهية، وتكون قد تلقيت بركة اليوم السابع، أي رؤية ذاتك والارتفاع من خلال ذاتك إلى معاينة الله”. من الجدير بالذكر أن القديس يقول هذه الأمور في عظة لرعيته في تسالونيكي. هذا يعني أن كل واحد يستطيع، بدرجات مختلفة، أن يكتسب خبرة هذه الراحة الإلهية. في رأيي أن هذا التعليم قد فُقِد في يومنا هذا.

الاستنتاج الواضح من كل هذا التحليل هو أن تعليم القديس غريغوريوس بالاماس مناسب لعصرنا ولا بدّ من أن يدرسه الناس ويمارسونه اليوم. بالطبع عندما نشير إلى تعليم القديس غريغوريوس بالاماس فإننا لا نشير ضمناً إلى أن هذا التعليم خاص به وحده، بل أن التعليم الذي عبّر عنه القديس في حقبة ما هو تعليم الكنيسة.

توجد تعاليم أخرى موازية بين عصرنا وعصر القديس غريغوريوس. لكن مع الأسف فإن تعليم برلعام هو الأكثر انتشاراً في عدّة مجالات وعلى مستويات مختلفة بدلاً من تعليم القديس غريغوريوس بالاماس. إنه وقت مناسب الآن لاكتشاف تقليدنا، ليس بمعنى إعادة اكتشاف القليل من موضوعات التقليد، أو إعادة إحياء طرق وعادات تقليدية، بل بصورة رئيسية عيش تعليم القديس غريغوريوس بالاماس. ينبغي أن يصير القديسون وكل تعليمهم اللاهوتي مركزاً لتعليمنا ولحياتنا. بهذه الطريقة نتجنّب القلق والشعور بعدم الأمان ونجد السلام الداخلي.

* من كتاب “علم الطب الروحي”، نقلته إلى العربية نيفين سعد، مراجعة الأب أنطوان ملكي

فلسفة المعرفة عند الأب فلوروفسكي

إعداد الأب أنطوان ملكي

اللاهوت، كنظام أكاديمي، كان وما يزال يُعلَّم بأدوات وأطر وأساليب فلسفية. لم يكن الأب جورج فلوروفسكي كلاهوتي بعيداً عن الفلسفة. من أهمّ المبادئ الفلسفية التي نادى بها هي النسبية المنطقية والتي كتب عنها مقالات عديدة أهمها “إثبات النسبية المنطقية” الذي يستند إليه هذا المقال بشكل رئيسي. يقول اللاهوتي الأرثوذكسي فلاديمير لوسكي أنّ “النسبية المنطقية عند فلوروفسكي تعني ببساطة أن المعرفة البشرية اصطلاحية وغير مكتملة وأنّ تطوّرَها غير محدّد”.

الكلام عن المعرفة البشرية مرتبط منذ أيام الإغريق بالحقيقة. فبروتاغوراس (481-411ق.م.) اعتبر أن الإنسان هو مقياس كل شيء. وبالتالي، الأخلاق والقانون والحقيقة والعدالة والفضيلة هي بلا دعامات ماورائية، وهذا لا يتأثّر بمفهوم الإنسان كفرد أو كجماعة، ما يؤدّي إلى استحالة فرض حياة أو حضارة جماعة ما على جماعة أخرى. وعليه، استنتج بروتاغوراس وأتباعه أنه ما من دين مطلَق ولا من أخلاق مطلقة ولا عدالة مطلَقة.

هذا الكلام كان أساساً اعتمده أغلب الفلاسفة منذ أفلاطون وأريستوفانيس كأحد أعمدة النسبية التي اعتبرت أن أساس كل معرفة هو الفاعل وليس المفعول به. وهذا التعليم هو أساس النسبية التي ظهرت لدى الفلاسفة الإغريق. طبعاً، لم يكن كلام فلوروفسكي عن النسبية عودة إلى بروتاغوراس ولا هو محاولة لخلق علم معرفة أو نظام معرفي (gnosiology) لا خلفية ماورائية له. فمفهوم النسبية عند فلوروفسكي لم يَقُم على أي رؤية اجتماعية أو نفعية أو فردية للمعرفة أو للحقيقة. كما أنه ليس محاولة لتقديم الحقيقة وكأنّها في تدفّق مستمر يؤدّي إلى التغير الدائم في طبيعة الحقيقة، على غرار ما علّم هيراكليتوس (544-484 ق.م.). فبعيداً عن حقيقة هيراكليتوس غير الثابتة وعن نسبية بروتاغوراس المتمحورة حول الإنسان، فإن النسبية المنطقية عند فلوروفسكي تحاول أن تظهِر أن الطبيعة الثابتة للمعرفة تقوم على اللقاء مع الآخر. وهنا يمكننا أن نرى مقاربة فلوروفسكي للمعرفة وأساس انتقاده للمثالية الألمانية وعجزها عن كسر سجن الأفكار الأفلاطونية الجامد الساحق.

يعي فلوروفسكي أن المعرفة متعددة الأوجه استناداً لفهمه للنسبية. تُكتَسَب المعرفة من عدة مصادر. وكون معرفة الآخر لا تنضب فهي أيضاً مؤقّتة لأن نشاطها الداخلي يهدف إلى المزيد من الإدراك والفهم للحقيقة الثابتة. لهذا لا يمكن احتواء المعرفة أو الحقيقة في أي نظام معرفي، ولهذا فإن معرفة الأشياء وبالتالي معرفة الواقع هي بالإجمال مشروطة لأن الأشياء مخلوقة ولا يمكن أن توجَد بشكل مستقل. ولكون الحقيقة ومعرفة الواقع مشروطتان فإن لهما دينامية متشابكة تحرر الواقع من أن يكون جامداً ثابتاً وبالتالي فإن الإنسان أيضاً حرّ في التفاعل والعلاقات بشكل لا يسمح للواقع بأن يفرِض على الحياة البشرية أي خيار أو عمل.

وهذا الأمر واقع لأن الحقيقة تنتظر مَن يسعى إلى المعرفة. وفي كتابات أخرى يشدد فلوروفسكي على أن الجهاد النسكي هو العملية التي من خلالها يصون الإنسان حرية التحرّك نحو الآخر، وأن هذا الجهاد هو ما يحرر النسبية من الأنانية ويضعها ضمن نشاطيات الاكتشاف والعلاقات.

لهذا فالنتيجة التي توصّل إليها فلوروفسكي هي أنّ الفلسفة تبدأ بالخبرة وهي دوماً وصف هذه الخبرة وتفسيرها. وعليه فإن أساس المعرفة هو الخبرة وليس المثال. وبما أن الفلسفة اختبارية فإن المعرفة هي لقاء مع الآخر. من هنا أن الإنسان لا يبني عالمه ولا يخلقه ولا يفترضه بل يجده، وهذا ما يجعله منفتحاً على التعددية والاتّساع والحركة نحو الأبدية. وعليه فإن غاية الواقع أو مداه مربوطان بفهم الحقيقة.

يفهم فلوروفسكي أن نسبية المعرفة تشير إلى نسبية الحقيقة، وكلاهما تقودان الباحث إلى آفاق جديدة ما يعني أن النسبية المنطقية لا تُضعِف الحقيقة بل هي طريقة لفهمها عن طريق تبيان غناها وتعدد أبعادها.

في طرح فلوروفسكي لمسألة الحق والباطل يشدد على أن المصداقية نسبية بقدر عدم اكتمال ما هو معروف. عدم اكتمال الحقيقة سببه سلسلة الخبرات التي لا تنضب. عندما تصير المعرفة والحقيقة مغلقتين تتطوران نحو الباطل. اكتساب المعرفة، وبالمطلق اكتساب الحق، يعتمد على حرية تخطّي ما هو معطى أو مفتَرَض.

إن النسبية المنطقية تحاول أن تظهِر، من بين جملة أمور، أنّ المعرفة والحق إذ يُحرما من ملامحهما غير المتجانسة والمتعددة الأوجه وغير المحدودة، يتقلّصان إلى أداة متجانسة طوباوية تُعطى صفة المثالية حتّى أنها تهيمن في كل الأماكن والأزمنة على الإنسان والمجتمع والثقافة. الحرية التي تفرضها الطوباوية هي حرية مقيّدة بسلسلة الحتمية المعتمدة على قوانين الطبيعة المفتَعَلة والمعززة.

النسبية المنطقية تحفظ عدم تجانس المعرفة وتكشّفها في المتناهي الذي يعتمد على لقاء الحقيقة غير المحدود والدائم التوسّع. إن حركة الاكتشاف الحرّ غير المحدودة هي ما يؤدي إلى الإيمان الحي والملتزم. فالإيمان هو المخرج الذي يقود بعيداً عن المذهب الطبيعي الأحادي وحرفية القانون التي لا يمكن مساءلتها بل فقط قبولها وطاعتها. فكما أن طوباوية الشيوعية الأرضية كانت منظومة مغلقة، مثلها المنظومات الأرضية التي أنشأتها المسيحية وعززتها. فالطوباويات الأرضية سواء ملحدة أو مؤمنة بإله هي بالمطلق قمعية وظالمة وطاغية. إنها تخنق الروح القدس عن طريق إخضاع الأقنوم الإلهي لأرواح المنطق والماورائيات والطبيعة المخلوقة. كذلك الحال بالنسبة للروح البشرية المخنوقة بخديعة استبدال الروح الإلهي غير المخلوق بالروح المخلوق عديم النَفَس الذي هو مكوّن إنساني خاص أو روحية معينة واقعة تحت الإغواء يستولي عليها قصر نظرها الذي تحدده طبيعتها الخاصة.

إن التحدي الذي طرحه الأب فلوروفسكي في النسبية المنطقية هو تحدي لقاء الحق الذي متى اكتشفه الإنسان، أو متى سمح الإنسان للحق بأن يكتشفه، يقوده إلى الحرية والمتانيا (تغيير الفكر – التوبة) والإبداع والتجلي.

Obolevitch T., The Issue of Knowledge and Faith in the Russian Academic Milieu from the 19th to the 21st Century, [in:] Between Philosophy and Science, eds. M. Heller, B. Brożek, Ł. Kurek, Copernicus Center Press, Kraków 2013, pp. 239–255.

Paul Gavrilyuk (2017). The Epistemological Contours Of Florovsky’s Neopatristic Theology. Journal of Eastern Christian Studies. 69(1-4), 11-24. doi: 10.2143/JECS.69.1.3214949

الدهرية

الشيخ جورج كابسانيس، رئيس دير غريغوريو الأثوسي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

تواجه الكنيسة اليوم صراعاً جديداً مماثلاً لحرب الايقونات، إنه الضغط الذي يُمارَس عليها من المجتمع الدهري لتتكيّف مع قيَمه ومُثُله، حتى تصير هي بدورها دهرية.

إن خطر الدهرية على الكنيسة جسيم. بدلاً من أن تكون الكنيسة معِينة للمجتمع ليصير أكثر كنسيّة، يحاول العالم أن يؤثّر على الكنيسة ويحوّلها إلى العالم. وهكذا، تحفظ الكنيسة أشكالها وعاداتها لكن تخسر إيمانها. سوف تعاني نفس مصير البابوية التي كتب عنها القديس نكتاريوس: “من خلال عقيدة العصمة، فقدت الكنيسة الغربية حريتها الروحية، وفقدت زينة هذه الحرية، واهتزّت حتى أساساتها، وحُرِمت من نعمة الروح القدس، ومن وجود المسيح. وانتقلت من كونها روحًا ونفساً، وصارت جسدًا أبكماً”.

إن جوهر الدهرية هو مبدأ محورية الإنسان. من ناحية أخرى، جوهر الكنيسة هو مبدأ محورية الله. إذا فقدت الكنيسة أو أنقصَت طبيعتها الإلهية / البشرية، فإنها تنحدر لتصبح مجرد مؤسسة دينية أو واحداً من الأديان المتعددة في العالم.الدهريون يقبلون الكنيسة كواحدة من أديان العالم، ولكن لا باعتبارها الحقيقة الوحيدة التي تخلّص الناس بالمسيح. مع أخذ ذلك بالاعتبار، إنهم يحاولون مساواة الكنيسة الأرثوذكسية بالأديان الأخرى. وهذا يؤدي إلى دين عالمي بتعاون جميع الأديان. الهدف ليس الحقيقة التي تخلّص بل السِلْم العالمي. وبطبيعة الحال، فإن هذا الطموح هو في صالح قادة العالم في هذا العصر، الذين يريدون أن تخضع الأمم لسلطتهم وتكون مسالمة (مُجبرين على الإذعان) من خلال تعاون الأديان.

من أجل التعايش السلمي، لا يعترف الأرثوذكس بالمسيح في التجمعات المتعددة الديانات. وهكذا يسمحون بأن تُدرَج الكنيسة بين الديانات التوحيدية، إلى جانب اليهودية والمحمدية. لكن من تعاليم العهد الجديد الأساسية والآباء القديسين أن الذين لا يؤمنون بأقانيم الثالوث الأقدس الثلاثة، وبكلمة الله المتجسد هم ملحدون. “مَنْ لاَ يُكْرِمُ الابْنَ لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ”، “الذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ”. وكما يقول القديس باسيليوس الكبير: “إن الذين لم يؤمنوا بالابن لا يؤمنون بالآب”.

موقف أرثوذكسي من وهب الأعضاء

جورج منتزاريدس

نقلها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

زرع الأعضاء وموت الدماغ

أصبحت عمليات زرع الأعضاء جزءًا من الحياة اليومية في المجتمع الحديث. المواقف الإيجابية والسلبية التي تمّ التعبير عنها في الأوساط الكنسية واللاهوتية كانت غَالِبًا ذات طبيعة مجزأة. إلى الآن، لم تتخذ الكنيسة الأرثوذكسية قرارًا نهائيًا بشأنها. ولا يمكن تبني مثل هذا الموقف من قبل أفراد أو لجان منعزلة تحاول أن تبني وجهات نظرها على تقليدها، ولكن يجب أن تكون بناءً على طلب من ضميرها العالمي.

تعود بدايات زرع الأعضاءإلى العصور القديمة. عرف المصريون القدماء بالفعل كيفية صنع ترقيع الجلد. ومع ذلك، فإن أول عمليات زرع الأعضاء الحيوية وأنسجة جسم الإنسان تمّت في عصرنا. تمّ إنجاز أول عملية زرع كلى ناجحة في عام 1954 ، وحدثت أول عملية زراعة للقلب في عام 1967. ومنذ ذلك الحين، أصبحت عمليات الزرع، كطرقٍ علاجية لا تقتصر فقط على البقاء بل على القضاء على المشاكل الصحية، أكثر شيوعًا وتمّ تلقيها بحماس في جميع أنحاء العالم.

عمليات الزرع: البحث عن الخلود الدنيوي؟

من دون شك، يمكن أن يعزى هذا الحماس إلى أهمية الإنجاز، ولكن ربما أيضًا إلى رغبة الناس اليوم في تحقيق نوع من الخلود الأرضي. لهذا السبب، ليس من المبالغة أن نقول إن هذه العمليات تحمل خطر قيادتنا إلى الضلال عن الهدف النهائي لوجودنا ومشاكله الأكثر عمقاً. في الواقع، إذا أخذنا في الحسبان حقيقة أن الأرواح البشرية التي يمكن إنقاذها من خلال عمليات الزرع لا تصل إلى واحد بالألف من تلك التي دمرتها عمليات الإجهاض، فإن النسبية للحماس لحماية الإنسان تصبح أكثر وضوحًا.

إن الثقة المفرِطة في عمليات زرع الأعضاء تركّز اهتمامنا على صحتنا الجسدية وحدها، وفي الوقت نفسه، تخلق انطباعًا خاطئًا عن خلود دنيوي مرتبط بها. لكن لا يمكن التوفيق بين السعي وراء الخلود وتوقع الخلود، والإيمان بالانتصار على الموت بالمسيح. هذا يعني أنه لا يمكن أن تهدف الكنيسة إلى نشر بعض الشعارات مثل “اعطِ وخلِّصْ” والتي يتم توجيهها بسهولة نحو منظور الاستهلاك أو التجارة. أي موقف من هذا القبيل من شأنه أن يكشف الدهرية والدخول في روح العصر.

في منظور الكنيسة، تفقد الحياة البيولوجية والموت البيولوجي تنافسهما الكبير ويصيران نسبيين. في أي حال، بسبب طبيعتهما، الحياة والموت مترابطان ومتشابكان. تتكشف الحياة كعملية موت. كما أن هناك موت في كل مرحلة من مراحل الحياة [1]. على وجه الخصوص، الموت موجود هناك كمرحلة التغيير النهائي للحياة: كانتقال من هذه الحياة العابرة إلى وجود حقيقي. هذا الاحتمال لا يلغي الطبيعة المأساوية للموت فحسب، بل يخلق أيضًا إمكانية وجود طريقة إيجابية لا بل عدوانية للتعامل معه. الموت البيولوجي قاسم مشترك بين البشر والوحوش. نحن المسيحيون لا نحتاج إلى الانتظار بشكل سلبي للموت أن يجدنا. يمكننا أن نقبل ذلك عن طيب خاطر، وبهذه الطريقة نجد الحياة الحقيقية.

لكن بنفس الطريقة التي يمكن أن يخدم بها الموت الجسدي الحياة الروحية، كذلك يمكن أن يكون المرض الجسدي إيجابياً للصحة الروحية. بالطبع، لا ينبغي بنا أن نتجاهل أهمية حياة الجسد وصحته. على أي حال، تصرّ الأنثروبولوجيا المركّبة للكنيسة على وحدتنا النفسية الجسدية، فمن الطبيعي أن تأخذ نظرة إيجابية نحو الصحة الروحية والجسدية أيضًا. هذا ما أظهرته صلوات الكنيسة العديدة من أجل صحة روحنا وجسدنا [2]. ومع ذلك، في نفس الوقت، أعطت الكنيسة أيضًا بركتها للعلاجات والإجراءات الطبية.

على الرغم من إنجازاته المذهلة، يعبّر الطب الحديث عن الأنثروبولوجيا الإنسانية ويبسطها في المجال الأرثوذكسي لأنه يحصرنا ضمن عالم الخلق والفنائية. إن اهتمامها بالناس مستنفد بوظائفنا البيولوجية ما يجعل الحياة تعادل البقاء على قيد الحياة البيولوجية. لهذا السبب يُقال في كثير من الأحيان أنه حيث يسود الطب وحده يُنزَل الله عن العرش.

الكنيسة تؤدّي للعلم الطبّي الشرفَ الذي يستحقه

بالرغم من هذا، لا يمكننا إهمال قيمة العلم الطبّي، التي تأتي كهبة من الله لتعزيتنا في مرض حالتنا الروحية والجسدية. المسيح نفسه أتى إلى العالم كطبيب نفوسنا وأجسادنا. إعلانه ملكوت الله تجلّى بشفاء المرضى. لكن العلاجات المختلفة التي جرت بواسطة القديسين في العالم معترف بأنها نتيجة نعمة الله الخاصة. وعادةً ما تنطوي هذه العلاجات على استكمال عضو جسدي، كما في حالة الرجل الذي كان أعمى منذ ولادته وشفاه الرب [3] ، ولكن أيضًا زرع جزء من الجسم، مثل حالة القديسين كوزماس وداميانوس حيث أخذا عظم ساق جثة وزرعاها في ساق مريض. أخيرًا، المرض الجسدي شبيه بالمرض الروحي. إن علاج المرض الجسدي يُقدّم كنموذج للعلاج والشفاء الروحيين. تماماً كما أن المرض الجسدي يعني تجنب الأطعمة الضارة، فإن مرض الروح ينطوي على مراعاة وصايا الله.

ما من سبب لدينا نحن المسيحيين لتجنّب الأدوية أو البحث عن أكثر الأطباء خبرة [4]. ولكن سواء ذهبنا إلى الأطباء طلبًا للمساعدة أو تجنبناهم، فعلينا أن ننظر إلى الله وصحة أرواحنا. على أي حال، هذا ما يجب أن نفعله: “سواء أكنت تأكل ، تشرب أو تفعل أي شيء آخر، قمْ بذلك دائمًا لمجد الله” [5]. لذلك، نحن المؤمنين، نلجأ إلى الأطباء والعلوم الطبية كلما دعت الضرورة، ولكن دون أن نعلّق آمالنا عليهم [6].

يهتم الطب بترميم صحتنا أو تحسينها. في متابعة هذا الأمر، فإنه معني أيضًا بإطالة الحياة. الكنيسة لا تعيق الطب في جهودها، لكنها لا تتجاهل الطبيعة النسبية لفوائده. ومع ذلك في الوقت نفسه، تروّج لمواقفها الخاصة من الناس وحياتهم. هدف الكنيسة ليس إعطاء الناس وسيلة من وسائل البقاء، بل الحياة التي تهزم الموت. في تقليد الكنيسة النسكي على وجه الخصوص، هناك تركيز كبير على الاستخدام المقيّد للأدوية والاستشفاء للتغلب على الحب المفرط لهذه الحياة. بطبيعة الحال، هذا غالباً من أعمال النساك. لكن لا ينبغي لأي مسيحي أن يكون غير مبال تجاه هذا الموقف، لأننا جميعًا يجب أن يكون لدينا نزاع. ومن الطبيعي أن يكون هذا التصرف مرتبطًا بنضجنا الروحي، مما يجعلنا أكثر استعدادًا للعطاء من الأخذ. وبالطبع، هذا صحيح أيضا في مسألة زرع الأعضاء.

يتم تطبيق الزرع الآن على نطاق واسع وبأشكال متنوعة. يبدأ بنقل الدم، وهو تبادل للأنسجة السائلة، ويتقدّم إلى توفير أحد الأعضاء المزدوجة وينتهي بزراعة الكبد أو القلب. في الآونة الأخيرة، في الواقع، في سياق العلاج الجيني، رأينا أيضًا زراعة الخلايا المعدّلة لعلاج أمراض مثل التليف الكيسي. إلى جانب ذلك، قد تهمّ عملية زرع الأعضاء شخصًا واحدًا فقط، إذا تم نقل الأنسجة من جزء من الجسم إلى جزء آخر ، على الرغم من أن المزيد من الأشخاص سيشاركون أيضًا في حالة أخذ الأنسجة أو الأعضاء منهم. أخيرًا ، قد يكون المتبرع حيًا أو ميتًا. أبدت بعض الدوائر الكنسية واللاهوتية تحفظات جدية أو حتى اعتراضات قاطعة فيما يتعلق بحقنا في التصرف بهذه الطريقة. بطبيعة الحال، تظهر هذه الاعتراضات بشكل كبير محسوس، عندما يتعلّق الأمر بعضو رئيسي مثل القلب، حيث الافتراض هو أن المتبرع قد مات.

تحفظات حول وهب الأعضاء: الحجج السلبية ضد عمليات الوهب

تستند الحجج السلبية ضد عمليات الوهب بشكل رئيسي إلى قدسية الجسم البشري والبعد الروحي الذي تتمتع به هذه الأعضاء الأساسية في أنثروبولوجيا العهد القديم، والتي ما زالت محفوظة في التقاليد الآبائية. يرتبط القلب والدم والكبد والكلى، خاصة في العهد القديم بحياة المؤمن الروحية [7]. في التقليد النسكي الأرثوذكسي أيضًا، يرتبط القلب المادي ارتباطًا مباشرًا بالحياة الروحية. الطريق إلى القلب الروحي الأعمق للشخص تمرّ عبر القلب المادي. إضافة إلى ذلك، تزعم الحجج السلبية أننا مدينون لجسدنا لله ولا يمكننا التخلي عنه ببساطة. جسد المسيحي هو هيكل الله، أو عضو في المسيح. إلى جانب ذلك، لا ينتمي المسيحيون إلى أنفسهم تمامًا ، لكن “تم شراؤهم بثمن” [8]. هكذا، تقول الحجة، إنهم لا يتمتعون بحرية التصرف في أنفسهم أو جسدهم كما يحلو لهم.

على الرغم من هذا، لا يستطيع المسيحيون وحسب، بل يجب عليهم التصرف وفقًا لإرادة المسيح، التي يتمّ التعبير عنها في وصاياه. وعندما نتصرف وفقًا لوصايا المسيح، فإننا نتصرف ضمن منظور الحياة الحقيقية، حتى لو كان ذلك يمر بالموت. السمة الخاصة للأنثروبولوجيا المسيحية هي أنها تتطلع إلى حياتنا الحقيقية فقط من خلال عبور الموت، ولهذا الأمر عواقب ثورية. لذا فإن السؤال هو ما إذا كنا، من خلال التبرع بالأنسجة وأعضاء الجسم، نلتزم بوصايا المسيح، والتي تم تلخيصها في وصيتي المحبة، وما إذا كنا نتّبع مثاله.

يعلّم المسيح التضحية بالنفس وقد ضحّى من أجل العالم. هو نفسه يغذّينا بجسده ودمه، ليس، بالطبع، لإطالة حياتنا على الأرض، بل لتجديدنا وجعلنا غير فاسدين. على الرغم من هذا، فهو يقدّم إطالة للحياة البيولوجية من خلال معجزاته. هو من خلالها ينحني إلى مستوى ضعفنا. ليس هدفه من ذلك القيام بتدخلات عجائبية، بل تحريرنا من الخطيئة. يقول للمفلوج: “وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا. قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: «لَكَ أَقُولُ: قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ!»”. إن الشفاءات العجائبية والإقامات من الموت التي أنجزها السيد المسيح هي، في الوقت نفسه، علامات على حضور مملكته. إذا كنا كبشر، لسنا مشدودين إلى هذا الحضور، تفقد الإشارة أهميتها. لذا فإن الكنيسة مدعوة إلى التصرف على هذا المستوى، مانحة علامات على محبتها، من دون أن تنسى مهمتها الرئيسية. إنها مدعوة إلى إيجاد الوسائل الزمنية لفائدة الناس، دون أن تنسى هدفها الأساسي. الغرض الرئيسي من الكنيسة ليس تزويدنا بإعفاء مؤقت من الموت البيولوجي بل بحلّ دائم من الخوف من الموت ومن الموت نفسه. بالنسبة للكنيسة، إن “الإعفاء من الموت، وازدراء إدانة الموت، هو أعظم شيء على الإطلاق” [10].

لكن الالتصاق الصارم بالخير الأعظم، وهو أمر ضروري بشكل خاص في مجتمع اليوم الدهري، لا يعني عدم الاكتراث بما هو أقل نفعًا، وهو أمر ضروري أيضًا، على وجه التحديد بسبب دهرنة المجتمع. الكنيسة لا تعمل فقط بالدقة، بل أيضا بالرحمة. لا يمكن الاستغناء عن اللاهوت. لكن الاستغناء لا يزال له مبرر لاهوتي. الوهب التطوعي لبعض أنسجة الجسم أو العضو ، كعمل محبة غير أناني، هو عمل يستحق الاحترام والتعامل الدقيق من وجهة نظر رعائية. كيف لا يمكننا أن نعجب بلطف شخص، بدافع المحبة، يعطي عينًا أو كليةً، حتى يتمكن شخص آخر من الرؤية أو البقاء على قيد الحياة؟ وماذا يمكن القول إذا كان المتبرع مستعدًا للتضحية بحياته حتى يعيش جاره؟ بالطبع، في هذه الحالة، سيكون لدينا مظهر خالص من النعمة التي سيتم الاعتراف بها من منظورها اللاهوتي، وليس قائمة روتينية من المانحين المتطوعين.

مفهوم الموت بالنسبة للكنيسة وللعلم

تعريف الموت هو الأكثر أهمية في عمليات زرع القلب. ترى الكنيسة موتنا كسرِّ انفصال أو خروج الروح من الجسد [11]. العلم الحديث في كثير من الأحيان يساوي بين الموت وموت الدماغ. يتم تعريف هذا الموت من خلال أنثروبولوجيا العلم الحديث الميكانيكية، على أنه وقف لا رجعة فيه لوظيفة الدماغ، مع فقدان وعي نهائي. ولكن على الرغم من أنه يمكن تحديد توقف وظيفة الدماغ بلا رجعة على مستوى بيولوجي بحت، فإن فقدان الوعي النهائي، في نظرة الكنيسة إلى طبيعتنا، على علاقة بالروح ولا يمكن التعاطي معه على هذا المستوى.

إذا ساوينا انفصال الروح عن الجسد مع توقف النشاط الدماغي النهائي، أي بعبارة أخرى، إن مساواة وجهة نظر الكنيسة إلى وفاة الإنسان بموت الدماغ هو موقف غير موضوعي. بحسب نظرة الكنيسة إلى الإنسان، فإن النفس بصفتها جوهرًا معينًا، موجودة في كل جسمنا وهي ما يربطه ببعضه. الدماغ ليس وعاء للنفس، بل عضو فيها [12]. إن موت أنسجة(Necrosis) الدماغ يعني أن النفس لم تعد قادرة على التعبير عن ذاتها، ولكن ليس بالضرورة أنها لم تعد موجودة. وفقًا لنظرة الطب الحديث للشخص البشري، التي ترى أن النفس هي من الظواهر أو الأنشطة السيكُولُوجِيّة، فإن موت الدماغ يتساوى مع وقف النشاط النفسي وبالتالي مع الفقدان المطلق لأي وعي. من الواضح، إذن، أن الاختلافات بشأن مسألة موت الدماغ في النهاية تتسبب في تشويش حول جوهر النفس ونشاطها. في نظر الكنيسة للطبيعة البشرية، للنفس جوهر معين ونشاط. في نظر العلم الحديث النفس هي مجرد نشاط. إن موت أنسجة الدماغ أو موت الدماغ يعني ببساطة توقفه عن النشاط. بالنسبة إلى العلوم الطبية، هذا يعني فقدان الوعي التام، ولكن من وجهة نظر الكنيسة فإن هذا يعني فقط وقف عمليتها النشطة.

في النهاية، يبقى الموت كانفصال أو خروج للنفس من الجسد سراً. لا أحد يستطيع أن يقول على وجه اليقين أنه يتزامن مع موت الدماغ. قد يتزامن معه، وقد يسبقه وقد يتبعه. الأشخاص الذين ماتوا سريريًا وعادوا بعد ذلك إلى الحياة مرّوا بانفصال النفس عن الجسد وعاشوا تجارب مكثفة خارج الجسم، وتمكنوا بعد ذلك من روايتها. قد يُعتبر هذا مؤشراً على انفصال أو خروج النفس من الجسد قبل موت الدماغ، بالنظر إلى أن توقف وظائف المخ لا يمكن عكسها ولا يمكن العودة إلى الحياة إذا حدث ذلك. لكن الناس عادوا إلى الحياة بعد توقف نظام القلب والأوعية الدموية بسبب احتشاء القلب. هذا يعني أن أي توقف لنظام القلب والأوعية الدموية ليس هو انفصال النفس عن الجسد بشكل نهائي لا رجعة فيه. فماذا نقول بعد ذلك عن انفصال النفس عن الجسم عندما يكون أنظمة قلب المريض وأوعيته الدموية يعملون على نظام المحافظة على الحياة (life-support)؟ لا يوجد حتى الآن أي جواب لهذا السؤال.

كيف نُفهَم ونعرَف كصورة لله؟

إن أي تبرع بأنسجة أو بعضو هو نوع من التضحية بالنفس. على الرغم من هذا، سيكون من غير المنطقي اعتبار مثل هذا الإجراء بمثابة تقليد لتضحية المسيح. المسيح قدّم جسده ودمه ليمنح البشر، ليس بعض الوجود المؤقت، بل الحياة الحقيقية والتي قد تنطوي في الواقع على التضحية بهذا الوجود المؤقت. هذا الوجود العابر لا ينبغي فصله عن الحياة الحقيقية وجعله مستقلاً. إن الالتزام بهذا الوجود الانتقالي يطفئ الرغبة بالحياة الأبدية. “مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ الإِنْجِيلِ فَهُوَ يُخَلِّصُهَا” [13] “مَنْ يُحِبُّ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُبْغِضُ نَفْسَهُ فِي هذَا الْعَالَمِ يَحْفَظُهَا إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ” [14].

بمعنى آخر، إن الذين يحبون حياتهم سيفقدونها. وأولئك الذين لا يهتمون لوجودهم في هذا العالم، يحفظونه للحياة الأبدية. إن المسار الإنجيلي هذا، وهو ينطوي على مفارقة كبيرة للعقل البشري، هو المسار الذي وطئه المسيح أولاً، وبالتأكيد لا يمكن تطبيقه على مستوى الانعكاسات حول عمليات الزرع. ومع ذلك، فإن ميزة عمل الخير أو البطولة التي تشكّل جزءًا من التبرع الطوعي بالأنسجة أو الأعضاء للزرع لا تزال ذات قيمة. كما لا يمكن تجاهل الاهتمام الرعائي بالأشخاص الذين في حالة حرجة.

إن الاعتبارات التي يقدمها البعض حول تمامية الجسد بعد وفاة الذين يهبون الأعضاء هي ذات طبيعة سكولاستيكية. كأشخاص، لا ينبغي مساواتنا بجسدنا، ولا مع نفسنا، ولا بمزيج من الاثنين، ولا مع تراكم الاثنين. نحن شيء يتجاوز كل هذه ويجمعها معاً، من دون أن تكون مجتمعة بأي شكل من الأشكال ومن دون أن يُعرّف بأي منها[15]. كأناس نحن مخلوقون على صورة الله، ويجب أن نُفهم دائماً ونُعرَف على هذا النحو. وهذا الفهم لطبيعتنا والتعرّف عليها كصورة ينطبق على كل البشر، كما هو الحال بالنسبة لكل واحد منا ولأفعالنا الفردية. وأبعد من أي تمييز مثير للشقاق بين المادة والروح، الفرد والمجتمع، كصور للكلمة الإلهية، نحن الناس في التزامنا بوصيته عن المحبة، نعيش في الله الذي هو المحبة ونشكّل جميعًا جسد كنيسة السيد المسيح الواحد.

ضمن هذه النظرة الديناميكية والمتعددة الأبعاد للشخص البشري، كلّ قطرة دم يتمّ تقديمها إلى أحد الإخوة هي تقدمة عامّة غامرة من الشخص. لذلك فإن كل تحقيق متحذلق، في تداعيات التبرع بالأنسجة أو العضو على السلامة الجسدية، يفقد معناه. وفي الوقت نفسه، يتّضح تمامًا إلى أي مدى لا يمكن التوفيق بين نظرة الكنيسة للشخص وهذه النظرة الآلية للبشر والتعاطي مع أنسجة الجسد وأعضائه كمجرّد علاج أو بديل.

مقاربة الكنيسة الأرثوذكسية لوهب الأعضاء

من الطبيعي أن يكون الكمال مقياس المقاربة اللاهوتية للمشاكل المعاصرة، وهو مقياس المسيح. لكن هذا المقياس، الذي يجب أن يحفظه المسيحيون أمامهم دائمًا، لا ينبغي تحويله إلى سيف للتغلب على الضعفاء في الإيمان[16]. بالتأكيد، الكمال المسيحي هو للجميع ويجب ألا يختفي عن أي من المؤمنين. لكن الضعف البشري واقع مشترك للجميع وليس لنا إدانة أي شخص بسببه. احترام الكنيسة لحرية الإنسان غير محدود وهي تستنفد كل ما لديها من تفّهم حليم للحفاظ عليها. تبدأ المعارضة الصريحة للكنيسة من اللحظة التي يتم فيها تجاهل حرية الناس وازدراء قدسيتها. لا يوجد ما يبرر إجبار الناس على إعطاء الأنسجة أو أعضاء الجسم لا قبل وفاتهم ولا بعدها.

الجسد البشري مقدس. ويجب احترامه ليس على قيد الحياة وحسب بل أيضًا بعد الموت. ليس صحيحًا أنه يجب التعامل معه كمواد علاجية أو كمخزن لقطع غيار. لا يوجد ما يبرر افتراض الموافقة على التبرع بأعضاء الجسم، ناهيك عن التصرف بناءً على افتراض الموافقة هذا لمجرد عدم وجود كتاب امتناع محدد. أخيرًا، لا يوجد ما يضفي الشرعية على فرض موت الدماغ كمعيار وحيد لتحديد لحظة الموت في عقول أولئك الذين يرون الموت على أنه سرّ الانفصال أو خروج النفس من الجسد.

لا يقدّم اللاهوت الأرثوذكسي عادةً قواعد محددة للتعامل مع مشاكل الحياة اليومية، لكنه يضع الأسس ويلاحظ المعايير الأساسية التي قد يكون لها مجموعة متنوعة من التطبيقات. هذا لا يفعله لأنه يفضّل الالتباس والغموض، بل لأنه يحترم الحقيقة والشخص. إذا كان النهج المتّبع حتى في المواد غير العضوية يتبنى ميكانيكا الكمّ مع إحتمالين متبادلين (ثنائية الموجة والجسيمة) ويطلب أن يؤخذ موقف المراقب دائمًا في الاعتبار، فكيف يمكن التفكير في تبنّي مقاربة أحادية البعد وميكانيكية تجاه البشر ومشكلاتهم الصحية؟ بعض الحقائق الموضوعية قد تعني شيئين متناقضين تماماً بالنسبة لنا.

لا تقتصر حقيقة الأمر على الشكليات الخارجية. كما أن استئصال الحياة يمكن أن يكون فعل محبة فائق العظمة (التضحية بالنفس) أو فعلاً كاملاً من قصرِ الذات واليأس المطلَق (الانتحار) ، لذلك فإن وهب الأنسجة أو الأعضاء من شخص لآخر قد يكون عمل محبة عظيمًا أو فعل إذلال للشخص أو حركة نهائية. قد يكون انتصاراً على الموت بالقبول الطوعي بالموت، ولكنه قد يكون أيضًا خضوعًا تامًا للفَنَائِيَّة، مع الاستبعاد المتزامن لأي عنصر روحي. لا يستطيع اللاهوت الأرثوذكسي قبول وهب الأنسجة أو الأعضاء من شخص لآخر، أو حتّى مجرّد نقل الدم، كإجراء ميكانيكي. ومع ذلك، يستطيع قبوله كأفعال بذل وتضحية بالنفس. وهذا هو السبب في أن الكنيسة لا تتعامل مع مشكلة عمليات وهب الأعضاء بكتاب قواعد صارم، بل على أساس كل حالة على حدة، والمعيار هو المحبة غير الأنانية واحترام الشخص.

[1] “الحياة والموت، كما نسمّيهما، يبدوان مختلفين تمامًا، لكنهما بمعنى ما محسومان ومتتاليان”. القديس غريغوريوس اللاهوتي، العظة 18, 42, PG 35, 1041A

[2] أنظر بوجه خاص الأفشين الثالث من خدمة مسح الزيت: “وانهضهم من مضجع الأمراض وفراش الأسقام، وهبهم لكنيستك أصحاء كاملين مرضين لك وعاملين مشيئتك”.

[3] أنظر يوحنا 1:9-7.

[4] See V. Keki, Οι Άγιοι Κοσμάς και Δαμιανός. Η πρώτη μεταμόσχευση, Σύχρονη Ιατρική Ενημέρωση (Saints Kosmas and Damianos. The first transplant. Contemporary Medical Update), no. 6, Jan.-Mar. 2002, pp. 77-82.

[5] أنظر القديس يوحنا الذهبي الفم، إلى أولمبيا 17، PG 52, 590.

[6] 1 كورنثوس 31:10.

[7] أنظر مثلاً، العدد 14:17، التكوين 6:49، المزامير 21:72، أرمياء 10:17.

[8] أنظر 1 كورنثوس 20:6.

[9] مرقس 10:2-11.

[10] الذهبي الفم، حول متى 34، PG 57, 375-6.

[11] أنظر مثلاً، مزامير 4:145، لوقا 20:12

[12] “إنه ليس جوهر العقل وقوته، بل النفس التي تسكن في الدماغ كما في عضو، بل فقط طاقة العقل، كما قلنا أعلاه، في البداية.. لا تهتم بقول الأطباء والماورائيين المعاصرين بإن جوهر النفس يكمن في الدماغ وفي الغدة الصنوبرية في الدماغ [ديكارت وغيره]. هذا مثل القول بأن النفس المادية لا يمكن العثور عليها مبدئيًا في جذر الشجرة، بل في الغصن والثمرة”. القديس نيقوديموس الأثوسي. كتاب النصائح.

[13] متى 5:14، وانظر مرقس 35:8. [من الغريب أن كلا الماجعين القديمين يقولان “الروح” (اليونانية ψυχή واللاتينية anima، بينما في هذه المقاطع وغيرها، كالمقطع التالي، حيث يوجد تمييز واضح بين “النفس” و”الحياة”، فإن الكلمة تُترجم عالميًا باللغة الإنجليزية إلى “الحياة”، حتى منذ أيام وايكليف، WJL]

[14] يوحنا 25:12

[15] أنظر مكسيموس المعترف، أسئلة، PG 91, 1225A

[16] رومية 1:14

رداً على مقال كوستي بندلي

من أجل خطابٍ دينيٍّ أكثر توجّهاً إلى إنسان اليوم

الأب أنطوان ملكي

هذا المقال هو جزء من تعليق يعود إلى العام 2011. فقد كتب الأستاذ المرحوم كوستي بندلي مقاله “من أجل خطابٍ دينيٍّ أكثر توجّهاً إلى إنسان اليوم” وكما يذكر فهو خواطر على ما ورد حول الرسالة في عدد الكرمة 8 الصادر الأحد 20 شباط 2011. وفي مقال الأستاذ كوستي تعليقان الأول على ما كتب سيادة المطران في الافتتاحية والثاني على ما ورد في فقرة حول الرسالة.التالي هو جزء من التعليق نورده لأنه ما زال ينطبق على حاضرنا ولأن مقال الأستاذ كوستي منشور على صفحته. [1]

الرد الأول

الواقع هو أن العنوان أثار اهتمامي لكن المحتوى لم يكن على ما رجَوت. لكن كون ما كُتِب قد نُشِر ووُزِّع لذا وجدت لزوماً عليّ أن أعلّق. أمّا تعليقي فهو على الجزء الثاني المتعلّق بالرسالة.

1. يرى الأخ كوستي عدم جواز استخدام عبارة “أنا عبد للمسيح فقط”. هل هذه غير ما يقوله الرسول بولس في 1كورنثوس 22:7: “لأنّ مَن دُعي للرب وهو عبد فهو عتيق الرب. كذلك أيضاً الحر المدعو هو عبد للمسيح”. أكان ينبغي بالرسول بولس أن يقول “هو موالٍ للمسيح”؟ وفي حال اعتبرنا الأمر كذلك، ماذا نقول عن والدة الإله التي اعتبرتها الكنيسة “أرحب من السماوات.. وأرفع مجداً بغير قياس” من الملائكة، وذلك لمجرّد أنّها قالت “أنا أمة للرب”؟ والتزمت بقولها. لذا لست أرى سبباً لأن تكون عبارة “عبد” للمسيح أو “عبد” لله مكروهة، بحسب ما يعبّر الأخ كوستي. وأرى أنّها لو كانت مكروهة في تراثنا لما كان تسمّى بها هذا القدر من الناس وبينهم قديسون (عبد المسيح).

2. يعلّق الأخ كوستي على عبارة “حريتي تضبطها قواعد روحيّة بالدرجة الأولى وأخلاقيّة بالدرجة الثانية” بأن البعض ينفر من هذا الكلام. كما يعلّق أيضاً على عبارة ” هدف حريّتي الأول هو أن أختار ما هو خيرٌ وأرفض ما هو شرّ”.

نحن نؤمن الحرية التي “تحقق إنسانية الإنسان” هي تلك التي في المسيح، أي التي يقدّمها الإنسان طوعياً للمسيح، كقول الرسول بولس في 1كورنثوس 19:9: “فإنّي إذ كنت حرّاً من الجميع استعبدت نفسي للجميع لأربح كثيرين”. وهنا أقتبس أفضل تعبير من المثلّث الرحمات الأب الياس مرقص في كلامه عن الاختيار (آمنوا بالنور لتصيروا أبناء النور. ص. 63):” إذا كانت الحرية محور كيان الإنسان فالاختيار باب تحقيق هذا الكيان. إن الاختيار وحده، على كل حال، يؤكّد الحرية الإنسانية ويظهرها. الحرية الإنسانية تقوم بالضبط في الاختيار. ولكن الناس إجمالاً لا يختارون… ذلك لأن كل اختيار –بالمعنى القوي للكلمة- يؤدي إلى التزام، والناس لا يريدون أن يلتزموا…” فالذين ينفرون من الكلام عن الحرية وضبطها أو يرون فيها، متفلسفين، ربطاً، فهُم لا يريدون أن يلتزموا وبالتالي هم لا يعرفون نسبية حريتهم، أي نسبية حرية المخلوقات واختلافها عن حرية الخالق الذي وحده حريته غير محدودة، بحسب ما يعبّر الأب صوفروني.

3. إن اشتمام الأخ كوستي في عبارة “مُحتَمِلاً الآلام بشكر”، ومعه آخرون، لماسوشية تتذرّع بالله، يثير لدي عدداً من الأسئلة: هل يدعو الرب يسوع إلى الماسوشية في التطويبات أو في قوله: “مَن أراد أن يخلّص نفسه يهلكها، ومَن يهلك نفسه من أجلي فهذا يخلّصها” (لوقا 23:9). ثم هل يرِد في هذا النص أن الله هو مصدر الآلام؟ لا أظن. الشكر لله هو على كل شيء، لا على الآلام فقط ولا على الأفراح فقط. هذا تعليم الآباء والكنيسة والبيوت.

4. في التعليق على عبارة “غير ساعٍ وراء ملذّات الدنيا”. الكلام واضح بأنّ الملذّات غير الخيرات، لا من ناحية تركيبتها الفيزيائية بل من ناحية مقاربة الإنسان لها. لذا، الملذات مرذولة لا الخيرات.

5. التعليق على “مجّدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم”. النصّ واضح في اليونانية: “ἠγοράσθητε γὰρ τιμῆς: δοξάσατε δὴ τὸν θεὸν ἐν τῷ σώματι ὑμῶν” وفي النص الإنكليزي (King James II Version) ترد من دون الهلالين الذين يوحيان في النسخة العربية بأنها استلحاق. لذا لا مبرر لاعتقاد الأخ كوستي بأنها عبارة لتصحيح سهو وقع في النص.

أمّا الكلام عن الفكر العبري التوحيدي فلا ينطبق على الرسول بولس، وبالتالي على هذا النص، فالكلام عن الجسد عند الرسول هو غير الكلام عن الروح. فالرسول يعرف تماماً عن طريق الاختبار ثنائية الجسد والروح في الإنسان ويعبّر عنها في أكثر من مكان ولكن الأكثر تمايزاً هو قوله في غلاطية 17:5: “الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد”.

ختاماً، هذا ليس رداً بل تعليق من دون التعمّق أكثر. لطالما كنتُ أتمنّى لو أن أخانا الكبير كوستي يقرأ أكثر في مراجع أرثوذكسية ولكتّاب أرثوذكسيين، إذ لو كان يفعل لما كان ينفره أن يقرأ عبارة “أنا عبد للمسيح”، أو أنا أرفض “ملذات الدنيا”، بل لكان اعتاد عليها وفهمها في سياقها.

الرد الثاني:

مَن وماذا يحدد اللغة الحديثة وتلك القديمة؟ مثلاً استعمال “وجه” بدل “أقنوم” قد يكون ممكناً لأن الأقنوم لغوياً غير محدد. أمّا استعمال “عبد” فلها عمل تربوي في الكنيسة. مثلاً في Traduction OEcuménique de la Bible TOB التي يستند إليها الأخ كوستي، ترد الآيات من كورنثوس الأولى كالتالي:

7 :22 Car celui qui était esclave lors de son appel dans le Seigneur est un affranchi du Seigneur ; pareillement celui qui était libre lors de son appel est un esclave du Christ.

9 :19 Oui, libre à l’égard de tous, je me suis fait l’esclave de tous, afin de gagner le plus grand nombre.

فهل استعمال كلمة esclave لا ينفّر قرّاء الفرنسية أما “عبد” فينفّر العرب؟ هذا كيل بمكيالين.

أفهم أن ينفر الناس من تصرف الرعاة أمّا أن ينفروا من هذه العبارة أو تلك فمعناه أنهم لا يريدون إلا ما على ذوقهم، وأبونا الياس مرقص يصف هذا الوضع جيداً في مقالته عن الاختيار في “آمنوا بالنور…”. من جهة أخرى، دون أن أرفض وجوب تبنّي لغة أقرب إلى الناس، ما من شيء يؤكّد أن تغيير اللغة، وليس المنطق، يؤدّي إلى شدّ مَن لا يريد أن يأتي إلى الكنيسة.

[1] http://www.costibendaly.org/cms/content/article/catid/21/id/323

من أميركا إلى العالم الأرثوذكسي

الأب أنطوان ملكي

في الحادي عشر من أيار 2019، تمّ انتخاب الميتروبوليت ألبيذوفوروس لامبيرينيذس مطران بُرصة التركية ميتروبوليتاً على الأبرشية اليونانية في أميركا. هذا الانتخاب أو الانتقال أشبه بالتعيين، شأن قضايا عديدة أخرى في كرسي القسطنطينية، وغيرها من الكنائس الأرثوذكسية. ألبيذوفوروس من مواليد 1967، تركي الجنسية، ومتميّز بالعلم والعلاقات القوية. عاش فترة في معهد القديس يوحنا الدمشقي ويجيد العربية التي اكتسبها من أمه الحلبية.

ألبيذوفوروس مدافع شرس عن سياسات البطريرك المسكوني برثلماوس وقد ظهر هذا الأمر بشكل خاص في دفاعه عن عقد لقاء كريت في 2016 كما خلال مجريات الأزمة الأوكرانية منذ نشوئها. يرى بعض المحللين أن حماسه للدفاع عن هذه المواقف يعود إلى أنه المرشح الأكثر حظاً لخلافة برثلماوس على الكرسي القسطنطيني.

من أهم الأفكار التي يبدي ألبيذيفوروس حماساً للمناداة بها هي أولية البطريرك القسطنطيني في الكنيسة الأرثوذكسية، حيث يسميه أولاً من غير مساوين “primus sine paribus”. ففي محاضرة له كأرشمندريت في معهد الصليب المقدس اللاهوتي سنة 2009، قال: “إن رفض الاعتراف بالأوليّة داخل الكنيسة الأرثوذكسية، أوليّة لا يمكن بالضرورة تجسيدها من قبل أول “primus” (أي من قبل أسقف يتمتع بامتياز أنّه الأول بين زملائه الأساقفة) لا يشكل شيئًا أقل من الهرطقة. لا يمكن أن نقبل، كما يقال في كثير من الأحيان، أن الوحدة بين الكنائس الأرثوذكسية يتم الحفاظ عليها إما من خلال قاعدة الإيمان والعبادة المشتركة أو بالمجمع المسكوني كمؤسسة. كلا هذان العاملان غير شخصيين، بينما في اللاهوت الأرثوذكسي، دائماً مبدأ الوحدة هو شخص. في الواقع، على مستوى الثالوث الأقدس، إن مبدأ الوحدة ليس الجوهر الإلهي، بل هو شخص الآب (“مَلَكية الآب”)، وعلى المستوى الإكليسيولوجي في الكنيسة المحلية، فإن مبدأ الوحدة ليس الكهنوت ولا عبادة المسيحيين المشتركة بل هو شخص الأسقف. لذلك على مستوى الأرثوذكسية بشكل عام، لا يمكن أن يكون مبدأ الوحدة فكرة ولا مؤسسة، لكن، إذا أردنا أن نكون على انسجام مع لاهوتنا، يجب أن يكون شخصاً… في الكنيسة الأرثوذكسية أول واحد هو بطريرك القسطنطينية.”[1]

ينبغي التوقف هنا عند ثلاث ملاحظات. الأولى هي وصم الذين يرفضون أولية بطريرك القسطنطينية بالهرطقة وهذا ينطبق على غالبية الأرثوذكس في العالم. والثانية هي أن الشخص الذي يحمل وظيفة وحدة الكنيسة في الكون ليس المسيح نفسه بل أحد الأساقفة أي بطريرك القسطنطينية. بتعبير آخر ما رفضه الأرثوذكس في بابا روما لأكثر من ألف عام يمنحه ألبيذيفوروس لبطريرك القسطنطينية. وهنا تأتي الملاحظة الثالثة بأن في تشبيه أوليّة بطريرك القسطنطينية بمَلَكية الآب تخطٍّ لكل اللاهوت الكاثوليكي الذي يرفضه الأرثوذكس عن خلافة بطرس ووكالة البابا عن المسيح، حيث يصير بطريرك القسطنطينية وكيلاً لله نفسه وممثلاً له.

هذا المنطق المستحكِم في القسطنطينية سبق وعبّر عنه البطريرك المسكوني بنفسه عند خلقه أزمة أوكرانيا حين اعتبر أن على الكنائس الأخرى أن “تطيع” كنيسة القسطنطينية وتوافق على الكيان الذي أنشأه من دون أساس كهنوتي ولا احترام لا للتاريخ ولا للقوانين الكنسية. هذا الفكر ساهم ببثه وتنميته لاهوتيون عدة من الذين يدورون في فلك القسطنطينية أو من دعاة الدمج بين الهلينية والأرثوذكسية، مع التشديد هنا على الفرق بين الهلينية والرومية كمفهوم للتاريخ الكنسي.

يقف هذا المنطق مباشرة وراء المغامرة غير المحسوبة التي قام بها برثلماوس في أوكرانيا. طبعاً، هذا الانحراف اللاهوتي ليس المحرّك الوحيد لهذه المغامرة، لأن اصطفاف كرسي القسطنطينية في الخط الأميركي في السياسة العالمية واضح وليس جديداً بل تعود جذوره إلى بعَيد الحرب العالمية الثانية حيث قام الأميركيون بخلع البطريرك القسطنطيني في حينها وتركيب رجلهم أثيناغوراس مكانه، لتبدأ رحلة خروج القسطنطينية عن الأرثوذكسية حتى الوصول إلى نقطة أن يعبّر القسطنطينيون، من رؤساء ولاهوتيين، عن هذا التعالي القسطنطيني على باقي الكراسي الأرثوذكسية، فيما هم منبطحون أمام الفاتيكان وغيره من الجهات التي يفترضون أنها تؤمّن الحماية للقسطنطينية. من أبرز الإشارات إلى هذا النهج هو ما قام به ألبيذيفوروس نفسه بعد تعيينه رئيساً لأساقفة الأبرشية في أميركا، حيث قبل تنصيبه وقبل أن يبادر إلى الاتصال بأي من الأساقفة الأرثوذكس في أميركا والذين يجمعهم به، إلى جانب الانتماء الكنسي مجلس للأساقفة القانونيين يرأس هو جلساته، قام بزيارة كنيست بارك إيست في نيويورك مع ما تحمل هذه الزيارة من دلالات.

***

في رد ربنا على إعلان بطرس لإيمانه، قال له أنه على صخرة هذا الإيمان سوف تُبنى الكنيسة وقد تمّ بناؤها. وأردف الرب بأن أبواب الجحيم لن تقوى عليها، ولن تقوى لأنه قال هذا. لم يقل ربّنا أن أبواب الجحيم لن تقوى فيها. والمخيف اليوم أننا نرى هذه الأبواب تزداد قوة حيث أن السؤال عن الوحدة الأرثوذكسية على مستوى الخليقة كما في كل كنيسة سؤال مشروع وله حيثياته.

قد يكون وجود انحراف فكري في القسطنطينية وراء عدد من الأزمات أكبرها أزمة أوكرانيا، لكن فعلياً ما يجعل هذه الأزمة على هذا المستوى ولا يساعد على حلّها هو أن البابوية تُمارَس في كل الكنائس الأرثوذكسية، بدرجات متفاوتة من الحدة، ما يفقد الأرثوذكسية مجمعيتها التي هي أساس قوتها وثباتها واستمراريتها.

[1] (https://www.aoiusa.org/ecumenical-patriarchate-american-diaspora-must-submit-to-mother-church/. )

هل النور المقدَّس في أورشليم معجزة؟

نيقولاوس متروبوليت ميسوغيا

نقلتها إلى العربية الخورية جولي عطية عيسى

في مقابلةٍ فصحيَّةٍ حديثةٍ مع صحيفة Huffington Post Greece، سُئلَ المتروبوليت نيقولاوس مطران ميسوغيا، والذي سبقَ أن كان عالِمًا في الناسا (NASA)، عمَّا إذا كان النور المقدّس في أورشليم، المعروف في الغرب باسم النار المقدَّسة، معجزةً حقيقيَّةً، ردًّا على اتّهاماتٍ وجَّهها مؤخَّرًا أسقفٌ من أورشليم قائلاً إنَّ هذا النور خدعةٌ من قبل أخويّة القبر المقدَّس وبطريرك أورشليم.


في مثل هذا التوقيت من كلّ سنة، يتمّ التداول كثيرًا بموضوع النور المقدَّس، إذا ما يتمّ إيقاده بقدّاحة أو بتدخّل إلهيّ، إذا ما كان معجزةً أو حيلة. ربما تكون الكنيسة خجلة من قول أن الأمور غير ذلك؟

أوّلاً دعني أقول لك إنّنا لا نحتاج إلى أيّة معجزة، بخاصّةٍ معجزة ثابتة، ولكنّنا نفرح حين يحصل أمرٌ يتخطّى الحسّ والمنطق. أمّا بشأن ما يجري للنور المقدَّس، أقول لك إنّني لا أعلم. فهذا معلومٌ فقط للبطريرك الذي يكون وحده داخل القبر. هو يعلم ما يحدث في الداخل.

نحن نعرف ما يحدث خارج قبر الربّ. كنتُ موجودًا مرّةً في احتفال النور المقدَّس وسأذهب مجدّدًا في هذه السنة (جرَتْ هذه المقابلة نهار الاثنين العظيم)، ولكنّني أؤمن بأنَّ أمرًا سامٍ يحدث بالتأكيد.

بالنسبة لي، لن يكون غريبًا أن ينبعث النور المقدَّس من تلقاء نفسه، مثلما قام المسيح، ومثلما خُلق العالم من العدم. لن أجلس وأنشغل بهذا أكثر.

حين ذهبتُ إلى هناك، كان أحد الذين قالوا مؤخَّرًا أشياء متنوّعةً حول الموضوع، واقفًا بجانبي يهزأ من النور المقدَّس. وحين خرج البطريرك، تساءلتُ ما كان النور الذي جلبه لنا، وإذا ما كان ذلك كلّه حقيقيًّا.

بالطبع، لقد دفعني أسلوب هذا الأسقف إلى عدم الثقة به. فهو يفتقد الجدّية والرصانةً والاحترام.

الأمر المذهل هو أنّه حين خرج البطريرك حاملاً النور، اقترب منّي زوجان أعرفهما، آتيان من أنثوسا (شرق أتيكا في اليونان)، وكانا بعيدَين نسبيًّا عن الشرفة، وأخبراني عن الخبرة المذهلة التي اختبراها. إذ قبل أن يخرج البطريرك حاملاً النور المقدَّس، كانت إلى جانبهما امرأةٌ اشتعلت شموعها فجأةً من تلقاء ذاتها.

فسألتهما: “من أين أتيتما بالنور المقدَّس؟”. فأجابا: “منها”. فقلتُ لهما: لمَ لا تأتيا إلى هنا لأشعل شموعي من نوركما، والذي هو حقيقيٌّ بالتأكيد، أمّا بالنسبة للآخر، فلا أعرف ما هو” (يضحك).

بالتالي، لا أعرف إذا كان الله يضيء للبطريرك، ولكنّني متأكّدٌ من أنَّه يضيء للناس! أحد التفسيرات يقول إنّ النور كان يضيء سابقًا، وبسبب هزء هؤلاء الناس، توقّف عن الإضاءة لهم.

ربّما لا يمنحهم إيّاه الله. إلاَّ أنَّ هذا أمرًا لا أعرفه ولا أشغل نفسي به، ولكنّني مسرورٌ كثيرًا بأنّني سأذهب هذه السنة لإحضار النور الحقيقيّ من القبر الكلّي القداسة (إلى اليونان).

أمّا إذا سألتني إذا ما كانت للنور قيمةٌ رمزيّةٌ ومعنى، أجيبك: نعم له. نحن جميعًا نتلقّاه من مصدرٍ واحدٍ ونضيء أحدنا من الآخر، وهذا يوحّدنا. ونبقيه مضاءً أطول مدّة ممكنة. بعضهم يبقيه مضاءً خلال السنة كلّها. ما هذا الأمر الجميل! أمس في الكنيسة، اقتربت منّي سيّدةٌ قائلةً: “لقد احتفظتُ بالنور المقدَّس مضاءً منذ السنة الماضية. ماذا أفعل هذه السنة؟ هل أطفئه وأبدّله بالجديد؟” فقلتُ لها: “ضعي الجديد هناك أيضًا، افعلي ما تشائين بما نعطيكِ إيَّاه” (يضحك).

إنَّ النور المقدَّس برَكةٌ عظيمةٌ جدًّا للكنيسة. إذا كان هذا كلّه أمرًا سيّئًا، إذا كان حكايةً خيّاليّة، فثمّة أمرٌ أسوأ. مثلاً، إذا ما كانت هذه المعجزة تحدث في الماضي وسبب عدم حدوثها الآن هو دحض هؤلاء الأساقفة من أورشليم لها على التلفاز.

عزاؤنا هو أنّه مهما قالوا، النور يضيء للمؤمنين. أنت، إذا كنت الله، هل ستمنحه لمَن يسخرون منه؟ ربّما أخطأنا حين آمنّا بأنّ الله ما زال يمنحنا إيّاه حتّى اليوم. لا أعرف. إنَّ النور المقدَّس برَكةٌ عظيمةٌ ورمز، ولهذا السبب، من الجيّد جدًّا ومن المقدَّس أن نجعله يستمرّ.

إلى ذلك، ألَيس الاستقبال الذي يلقاه في المطار مع تشريفاتٍ تؤدَّى لرئيس دولة، أمرًا وثنيًّا؟

أوّلاً، بما أن الموضوع قد أُثير، فليس شرفًا أن يكون المرء رئيس دولة. أفضّل استقبالاً كنسيًّا. لا أعلم كيف أنشأوا هذا النوع من الاستقبال.

ربّما كان رؤساء الدول في الماضي يستحقّون أكثر ممَّا يستحقّونه اليوم. لا يتمّ تكريم النور المقدَّس بالبندقيَّات والأسلحة، أو بالمبالغات العالميَّة. هذا ما أشعر به.

من ناحيةٍ أخرى، بما أن الدولة قد أنشأت هذا الأسلوب واختارت إظهار احترامها، فلتفعلْ ذلك.

إلاّ أنّني سأخبرك أنّ الجماعة المحلّية في شرق أتيكا تبتهج به، وتكرّمه بمشاركةٍ عامّة. منذ سنواتٍ، حين عبّرتُ عن رأيي حول تغيير ترتيب الأمور، قوبلتُ بردّة فعلٍ عامّة سلبيّة.

المسيحية أصولية

جورج مانتزاريذس

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

المسيحية أصولية. وحيث لا تكون أصولية لا تكون أصيلة. أصولية المسيحية تؤثّر على كلّ ما يربطها بالعالم. هذا مردّه إلى أن جذور المسيحية لا تأتي من العالم، ولا هي تتغذى من روحه. إن طبيعة المسيحية المطلَقة هي ما يفرض أصوليتها على مستوى ما هو نسبي. لكن الأصوليّة على مستوى النسبيّ لا يمكن أن تتمّ من دون علاقة بالمطلَق ومن دون الإشارة إليه.

تأتي حقيقة المسيحية إلى العالم مثل “نار”. كل الحقائق العالمية اصطلاحية وقيمتها نسبيّة، بحسب درجة تجرّدها. تعمل كل هذه الحقائق على مستوى النسبيّ. يصير الخطأ عندما تُحوّل هذه الحقائق إلى مطلَقة وتحلّ محل الحقيقة العالمية. من وجهة نظر مسيحية، يصير الخطأ عندما تُبذَل محاولات لجعل حقيقة المسيحية تتطابق مع العالم، وذلك لأسباب تتعلّق بالحداثة.

لا تتطور الأرثوذكسية عندما تذعن لنسبية العالم والروح العالمية، إنما عندما تحفظ تقليدها حياً. إن مجمل محتوى التقليد المسيحي هو المسيح نفسه، الذي مات ويبقى في العالم بكنيسته. إن حِفظَ هذا التقليد هو خبرة الموت كعامل حياة. هذا يصير بأن يقدّم كل واحد من أعضاء الكنيسة ذاته قرباناً، ما يتيح إظهار حياة المسيح وأعضاء كنيسته الراقدين من خلال ملاءمة جديدة: ملاءمة حياة أعضائها المرتبطين بالعالم. وهكذا كل لاهوت الكنيسة مهتمّ دوماً بالملاءمة.

لذا طبيعي أن المسيحية سوف تبقى غريبة ومستغرَبة بالنسبة للعالم. المسيح نفسه أتى إلى العالم كغريب. ليس لأنه غريب عن العالم فعلياً، فهو خالقه، بل لأن العالم تغرّب وصار مغايراً من جهة المسيح. لقد أتى إلى خاصته وخاصته لم تقبله. والذين قبلوه أعطاهم أن يصيروا أبناء الله، أي أن يصيروا آلهة هم أنفسهم.

نحن لم نُخلَق لنبقى كما نحن. نحن مصنوعون لنصير كاملين وننمو إلى ما لم نكن عليه. نحن أتينا من اللاوجود ونحن صورة للكائن الحقيقي. نحن صُنِعنا كخليقة، ومدعوون لأن نصير على شبه الخالق غير المخلوق. نحن بطبيعتنا بشر وأعطينا القوة لنصير متألّهين. الله صار إنساناً لنصير نحن آلهة. هذه الحالة المنطوية على تناقض ظاهري، والتي تقبع في قلب المسيحية، تحدد طبيعتها وتشكّل شخصيتها الجوهرية. لأن بحسب طبيعتها وشخصيتها ليس من السهل على الناس قبول المسيحية بل بالحري هي منكَرة، تماماً كما أن يسوع صار علامة تُقاوَم، كما أنه كان لسقوط وقيام كثيرين.

إن رفض الشعب للمسيح، كما قبوله من كثيرين، هي ظواهر مستمرة يمكن ملاحظتها في زماننا هذا أيضاً. المسيح نفسه قال لتلاميذه: “إِنْ كَانُوا قَدِ اضْطَهَدُونِي فَسَيَضْطَهِدُونَكُمْ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ حَفِظوا كَلاَمِي فَسَيَحْفَظُونَ كَلاَمَكُمْ”. بشكل عام، يبقى العالَم غريباً عن المسيح وعن تعليمه. سبب هذا ليس موقف الشعب السلبي وحسب بل ايضاً أن المسيحية تُظَهَّر بشكل سيء على يد المؤمنين أنفسهم. هنا تكمن مأساوية العالم وأيضاً ضرورة شهادة المسيحيين الحقيقية في العالم.

منذ البداية، أحس المسيحيون الحقيقيون بغربة في العالم، أنهم “عابرو طريق”. ليس لأنهم نبذوا العالم أو لأنه لم يكن المكان الذي أعطاهم إياه آبُهم، بل لأن العالم ارتدّ عن الآب وتخلّى عن الهدف الذي من أجله خُلِق. يشعر المسيحيون بهذا لأنهم يضعون كل شيء ضمن منظور ملكوت الله، بقدر ما يفعلون هذا في الواقع. بهذه الطريقة، إنهم يبررون العالم وحياة البشر فيه. إنهم يحيون في العالم كعابري طريق، لأنهم يمارسون سلطتهم – بقدرٍ ما – لكي يعيشوا مثل “رَعِيَّة مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ”.

الحقيقة المسيحية معطاة للشعب من خلال الكنيسة. في العالم، تبدو الكنيسة كمؤسسة. لكن في الوقت نفسه، إنها شركة قديسين. يبدو هذان الأمران متناقضين. شركة التقديس مواهبيةبطبيعتها، بينما المؤسسة كيان مخلوق. ليست النعمة ممنوعة عن المؤسسات والمؤسسات ليست مطلَقَة بما يكفي في الحجم لتكون قادرة على إيواء النعمة. إن الحفاظ على شركة القديسين في التاريخ يجعل من مأسستها ضرورة. هذا يخلق الحاجة إلى تركيب للمؤسسة والنعمة.

إن الكنيسة تعمل ضمن التاريخ كمؤسسة مواهبية، كشركة مواهبية مُمأسسة أو كشركة قديسين. بهذا ينشأ توتر جدلي ثابت بين الكنيسة والعالم. على مستوى آخر، بالحقيقة، ضمن الكنيسة نفسها، انوجد توتر جدلي بين النعمة والمؤسسة تلطّفه الرهبنة إلى حد ما من خلال الحياة الهدوئية.

المسيح القائم: تحدي المنطق

فوتيوس كونتوغلو

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

إن قيامة المسيح تعرّض إيمان المسيحي للاختبار كما الذهب في البوتقة. في كل الإنجيل، أكثر أمر يصعب تصديقه هو قيامة المسيح. إنها أمر لا يقبله منطقنا بأي شكل وهو سبب حقيقي لمعاناة هذا المنطق. فلكون قيامة المسيح أمر غير قابل للتصديق بالكليّة، فهي تتطلّب كل إيماننا لنؤمن بها. نحن الناس غالباً ما نقول أن عندنا إيمان لكنه فقط للأشياء القابلة للتصديق بعقولنا، حيث لا حاجة للإيمان والمنطق يكفي. الإيمان يكون مطلوباً لما يصعب تصديقه.

كثيرون من الناس هم غير مؤمنين. لم يكن لتلاميذ المسيح نفس الإيمان بتعاليم معلمهم الذي أخبرهم أنه سيقوم، على الرغم من كل الاحترام والولاء اللذين أبدوهما له والثقة التي كانت عندهم بكلماته. عندما ذهبت حاملات الطيب إلى قبر المسيح، ورأين الملائكَين اللذين تحدثا إليهن، اللذين أخبراهن أنه قام، ركضن لإخبار التلاميذ الخبر البهج، لكن التلاميذ لم يصدقوا كلماتهن، مفتكرين بأنه كان مجرد خيال: “فَتَرَاءَى كَلاَمُهُنَّ لَهُمْ كَالْهَذَيَانِ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُنَّ.” (لوقا 11:24).

أترون مع كمّ من قلّة الإيمان كافح المسيح؟ حتّى مع تلاميذه. أترون كم من المعاناة احتمل من كل شيء؟ ومع كل هذا، غالبيتنا مفصولون عن المسيح بجدار من الثلج، جدار عدم الإيمان. يفتح ذراعيه لنا ويدعونا ، لكننا ننكره. قد يظهر لنا يديه وقدميه المثقوبة، ونحن نقول إننا لا نرى. نحن نحاول أن نجد ما يدعم عدم إيماننا لإرضاء الأنا لدينا، ونحن نسمي هذه فلسفة وعلماً. لا مكان لكلمة القيامة في كتب المعرفة التي عندنا. لأن معرفة هذا العالم تعجز عن تمييز أي شيء غير كثرة الأفكار، مع أن هذا لا ينطبق على بساطة العقل. نعم، إن أصحاب بساطة الفكر المباركة قد طوّبهم الرب بقوله: “طوبى للفقراء بالروح فإن لهم ملكوت السماوات، طوبى لأنقياء القلوب فإنهم الله يعاينون”. ولتوما الذي طلب أن يلمس الرب لكي يؤمن قال: “ألأنك رأيتني آمنت، طوبى للذين لم يروا وآمنوا”.

فلنطلب من الرب أن يمنحنا الفقر الغني والقلب النقي، حتى نؤهّل لرؤيته قائماً ونُقام معه “هذا الجهل أكثر رفعة من المعرفة” (القديس اسحق السرياني)، مغبوطون ومثلثو الغبطة الذين يمتلكونه. المسيح قام.