ابعدْ إلى العمق والقِِ الشبكة

ابعد إلى العمق والقِِ الشبكة (لوقا1:5)

ماريا قبارة

 

دخل يسوع إلى سفينة سمعان عند بحيرة جنيسارت وسأله أن ببعد قليلاً عن البرّ. وبعد تعليم الجموع قال لسمعان: “ابعد إلى العمق والقوا شباككم للصيد. فأجاب سمعان وقال له يا معلم قد تعبنا الليل كلّه ولم نأخذ شيئاً ولكن على كلمتك القي الشبكة. ولما فعلوا امسكوا سمكاً كثيراً جداً فصارت شبكتهم تتخرق” (لوقا1:5-7)
يشير يسوع هنا إلى ما هو أبعد من الصيد، يشير إلى عمق الأمور، فبالعمق فقط يربح الشخص المؤمن كثيراً. سالت السامرية يسوع بعد حوار طويل بينهما: “يا سيد لا دلو لك والبئر عميقة. فمن أين لك الماء الحي؟، فقال لها يسوع:”كلّ من يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً. ولكن من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد”. (يوحنا11:4)
إنّ العمق ليس للجميع، بل لمن يجاهد ويتعب ويطيع وصايا الرب. فالجلوس على الشاطئ لا ينفع، بل لمن يدخل إلى العمق ليعرف الكلمة والبركة. لقد رفع يسوع من قيمة السامرية عندما طلب منها ليشرب، لكنّها هي أيضاً اكتشفت قدرته على معرفة أعماقها وذُهلت بمعرفته الدقيقة بتفاصيل حياتها الشخصية، فعرفت فيه طبيب النفوس. وهذه البذرة التي نمت أثمرت ثمراً كثيراً. فهي لم تكتفِ بان تنهلَ وحدها من ماء الحياة، بل أسرعت لتنادي العِطاش ليشربوا ويرتووا كما هي ارتوت من عمق حاجتها إليه. فمن يتعمّق في العلاقة مع الله ويتلذّذ بها، هو الذي يعرف معنى وطعم الحياة.
فالنجاح في الحياة أن يكون الله هدفه، وأي شيء أو شخص يبعدك عنه هو خدعة ورغبة.
فما أكثر الذين بدأوا الخدمة وسعوا ليظهر مجد الله، لكنّهم للأسف انتهوا بمجد أنفسهم لأنهم نسوا الله وبحثوا عن عمق نجاحهم هم، فضاع هدفهم وتغيّر اتجاههم
“من الأعماق صرخت إليك يارب، فيارب استمع إلى صوتي” (مز1:130). هنا علينا العمق في الصلاة، وليس مجرد ممارسة الفرائض والحضور لئلا نكون “كالأماكن المحجّرة حيث لم تكن تربة كثيرة، لان لم يكن له عمق أرض” (متى5:13). فالمؤمن يقدّم للرب أفضل أوقاته للصلاة، وينشد من أعماق قلبه، ويقرأ الكلمة كبحّار يغوص في أعماق المياه باحثاً عن جواهر الإيمان، ويسمع صوت الله يدخل ذهنه وينير عقله بالفهم والقبول. وحده الكلمة الإلهية من يستطيع أن يدخل إلى دواخلنا، فيحلّ مشاكلنا في عمقها، حلاً جذريًا، لا بتغيير الظروف الخارجيَّة، بل بمصالحتنا مع الله الآب.
وهناك المحبّة العميقة التي لا تسقط أبداً، والإنسان المؤمن يصادق الآخر ويحبّه بعمق، لا بكثرة الكلام بل بالمبادرة العميقة والأفعال الحقيقية. علينا أن نتعلّم العمق في العلاقات والصداقات، فالصداقة التي تدوم لفترة طويلة وتنتهي بكلمة أو فعل غير مقصود أو حتى خبر كاذب غير صحيح، فهذه الصادقة التي انقلبت وتغيرت ليست بصداقة لأنها ليست عميقة. علينا أن نختبر العمق لبركات كثيرة عظيمة

عرش الأنانية

عرش الأنانية

“إذ الجميع يطلبون ما هو لأنفسهم لا ما هو ليسوع المسيح” (في21:2)

ماريا قبارة

 

متشامخ، مغرور، متعالٍ، متغطرس، معتز بنفسه ويكلمك من أنفه، متعجرف ومنتفخ. كلّ هذه ما هي إلاّ مرادفات لجوهر واحد تظهر وتتباين في مظاهر الذات الأنانيّة. فالمغرور كالديك الذي يعتقد أنَّ الشمس لا تشرق إلاّ لكي تستمع لصياحه في الصباح.
ونجد في العهد القديم صوراً كثيرة تمثّل حالات من الكبرياء والغرور منها: حين أراد الشعب أن يبني برجاً عالياً، برج بابل، ليتمجّد اسمهم به ويكبروا بأعين أنفسهم وقالوا: “هلمَّ نبنِ لأنفسنا مدينة وبرجاً رأسه بالسماء ونصنع لأنفسنا اسماً لئلا نتبدد على وجه كل الأرض” (تك4:11). أمّا هيرودس الملك فأخذ يخاطب الناس من عرشه وهم يهتفون إليه ممجدين: “هذا صوت إله لا صوت إنسان” (أع22:12) وللحال ضربه ملاك الرب لأنه لم يعط المجد لله فصار يأكله الدود ومات.
إن محبة الذات الأنانية منبع كلّ شهوة شريرة وكل تعاسة وكل سقوط، فهذه المحبة الأنانية حلّت مكان محبة الله ومحبة القريب.
من فترة سمعت قصة تروي: “رجل سافر إلى الحرب تاركاً ابنتيه في المنزل، وكانت الكبيرة منهما مغرورة محبة للظهور، فأخذت تتفنن في ضروب اللهو، فلجأت مرةً إلى لباس الرجال واتخذته بدلاً من زيّ النساء حتى صعب على أقرب المقربين تمييزها، وفي ليلة حضر الأب في زيارة مفاجأة للبيت وبدخوله إليه وجد ابنته نائمة بثياب الرجال قرب ابنته الصغرى فاستلَّ خنجره وقتلها بلا شفقة”. ومن هنا نذكر المثل المعروف: “حبّ الظهور يقصم الظهور”.
إنّ الأناني المنتفخ من ذاته يطلب ما لنفسه وليس ما للآخرين، ولا ما هو للمسيح يسوع “إذ الجميع يطلبون ما هو لأنفسهم لا ما هو ليسوع المسيح” (في21:2)
ومن مذكرات كاهن نجد هذه الخبرة: “شابّة جاءت إلى أبٍ روحي جليل تقول له: “أنا شديدة الحساسية” فأجابها: “لقد فهمت، أنت أنانية جداً” فظنته أنه لم يسمع جيداً فأعادت الحديث بقولها: ” عفواً، أنا قلت بأنني شديدة الحساسية” فأجابها أيضاً: “نعم لقد فهمت جيداً بأنّك أنانية”. واكتشفت هذه الفتاة فيما بعد صدق قوله لأنّها كانت تبالغ كثيراً بتدليل نفسها”. فهلمّوا نتغلب بشدة على أنفسنا فتزول صعوبتنا.
لا تحبّ الأنانية إلاّ أعمالها وتتجلى في كلمة “الأنا” وتستهين بمصالح الغير لمنافع زهيدة بخسة بهم، وتتعالى برفع نفسها وتقتل النبل في الآخرين.
في باحة المدرسة كنت أتمشى بين التلاميذ فلاحظت الأولاد ينادون ولداً ويقولون: “يا نفوس” فسألت أحدهم: “لماذا تنادونه بنفوس أليس اسمه نبيل؟” فأجابوني “إنّه لا يفكر إلاّ في نفسه ولا يتكلم إلاّ مع نفسه ولا يعمل إلاّ لنفسه فلقبناه بنفوس”. لقد ضاع النبل وحلّ مكانه حبّ الذات والأنانية “نفسي ونفسي فقط”
إنّ الأنانية تتلف الصفات الحسنة، إنّها عاتية جبارة، سرّ شقاء النفس وشقاء الأسرة في البيت.
إنّ رذيلة الأنانية تقوّض الحياة المسيحية وتنتزع القوة من الكلمات التي نوجهها للآخرين. أمّا المحبّة المسيحيّة فهي “تتأنى وترفق، لا تحسد لا تتفاخر، لا تنتفخ، لا تقبّح ولا تطلب ما لنفسها ولا تحتدّ ولا تظن السوء” (1كور4:3-5)
فهلمَّ بنا نطرد “الثعالب الصغار” (نش15:2) التي تفسد كروم حياتنا الروحية

من القدس إلى لبنان

من القدس إلى لبنان:

تقرير حول رحلة شعلة القبر المقدّس
إعداد الأب موسى شاطرية

 

تحكي وثائق عديدة عن معجزة النور المقدس في أورشليم، وعدد كبير من المؤرّخين والرحالة تناولوها، وعلى سبيل الذكر لا الحصر، البيروني وابن الأثير. فالإثنان يعبّران عن تعجّبهما لما رأيا من ظهور للنور المقدّس في عيد النصارى في القدس. كما تحكي وثائق أخرى عن حضور الأمير صلاح الدين الأيوبي لهذا الاحتفال وتهيّبه لما رأى. أقدم النصوص التي تتناول وصف هذا الحدث يعود للقرن الرابع. وفيما تتميز المعجزات عامةً باستحالة تحديد زمانها ومكانها وشروط حدوثها، فإن هذه المعجزة معروف زمانها ومكانها ومجرى حصولها. ومع تطور وسائل النقل في الزمان الحديث صارت تُنقَل شعلة منها إلى بعض الدول الأرثوذكسية ليُصار إلى استعمالها في الاحتفال بصلاة الفصح أو ما نسمّيه “الهجمة”.

متى و أين تحدث أعجوبة “النار المقدسة” سنويا ؟

هذه الأعجوبة التي تبهج و تنعش جميع المسيحيين، تحدث في كنيسة قبر القيامة المقدسة في مدينة القدس. أعجوبة فيض النور المقدس من القبر المقدس تحدث سنويا في نفس الوقت و المكان منذ قيامة المسيح، في عيد الفصح الشرقي الأرثوذكسي في كنيسة القيامة أقدس مكان في العالم كله، حيث صلب المسيح ومات بالجسد ودفن و قام من القبر في اليوم الثالث ساحقا قوة الجحيم.

الاحتفال بفيض النور المقدس

تزدحم كنيسة القيامة المقدسة بعدد كبير جدا من زوارها ، من كافة الجنسيات (اليونانية، الروسية، الرومانية، الأقباط، السريان،………)، بالإضافة إلى المسيحيين العرب القاطنين في الأرض المقدسة، وذلك منذ يوم الجمعة العظيمة بانتظار انبثاق النور المقدس.

كيف يفيض النور المقدس من قبر المسيح ؟

أورد كلام غبطة بطريرك أورشليم الاورثوذكسي ثيوذوروس الذي يقول: “أركع أمام الحجر الذي وضع عليه جسد المسيح الطاهر بتقوى، وأواصل الصلاة بخوف وتقوى، و هي صلاة كانت وما تزال تتلى، و عندها تحدث أعجوبة فيض النور المقدس ( النار المقدسة) من داخل الحجر المقدس الذي وضع عليه جسد المسيح الطاهر. ويكون هذا النور المقدس ذو لون ازرق و من ثم يتغير إلى عدة ألوان، وهذا لا يمكن تفسيره في حدود العلم البشري، لأن فيضه يكون مثل خروج الغيم من البحيرة، ويظهر كأنه غيمة رطبة ولكنه نور مقدس. 

ظهور النور المقدس يكون سنويا بأشكال مختلفة. فانه مراراً يملأ الكنيسة التي يقع فيها قبر المسيح المقدس. و أهم صفات النور المقدس انه لا يُحرق، و قد أستلمت هذا النور المقدّس ستة عشرة سنة، و لم تحرق لحيتي. و انه يظهر كعمود منير، ومنه تضاء الشموع التي أحملها، و من ثم أخرج و أعطي النور المقدس لبطريرك الأرمن و الأقباط، وجميع الحاضرين”.

متى ظهر أول وصف لهذه الأعجوبة؟

أول كتابة عن فيض النور المقدس في كنيسة القيامة ظهرت في أوائل القرن الرابع، والمؤلفون يذكرون عن حوادث فيض النور في أوائل القرن الميلادي الأول. فنجد هذا في مؤلفات القديس يوحنا الدمشقي والقديس غريغوريوس النيصصي اللذان يرويان كيف أن الرسول بطرس رأى النور المقدس في كنيسة القيامة، و ذلك بعد قيامة المسيح بسنة (سنة 34 ميلادي).

Text Box: صورة من القرن الثامن عشر تظهر الحجاج الروس يشتروزن الشموع

ورئيس دير في روسيا الأرشمندريت دانيال يروي في مذكراته التي كتبت ما بين سنة 1106 و1107 عن وصف دقيق لما شاهده أثناء و جوده في القدس كما يلي:

“أن البطريرك الأرثوذكسي يدخل إلى الكنيسة حاملا شمعتين، فيركع أمام الحجر الذي وضع عليه جسد المسيح المقدس، ثم يبدأ بالصلاة بكل تقوى و حرارة فيفيض النور المقدس من داخل الحجر بطيف لونه أزرق، و يضيء شمعتيّ البطريرك، و من ثم يضيء القناديل وشموع المؤمنين.”

رحلة النور المقدس إلى لبنان؟

وبالرغم من هذا فإن هذه الشعلة المقدسة لم تزُر لبنان إلا في العام 2005 بمبادرة شخصية من كاهن رعية النقاش (جبل لبنان) قدس الأب أغابيوس نعّوص، وقد تكررت في العام 2006 بمسعى جماعي من بعض الكهنة. بدأت الرحلة حين اجتمع صدفة عشرة من كهنة أبرشية طرابلس والكورة في مكتب سكرتير مطرانهم، فطرح أحد الآباء الفكرة وتبنّاها الحاضرون. وبعد أخذ بركة راعي أبرشية طرابلس سيادة الميتروبوليت إلياس (قربان)، اتُّفق على أن يتابع الفكرة صاحبها مع وكيل المطران قدس الأرشنمدريت يوحنا بطش على أن يقتسم الآباء الراغبون بالمشاركة تكاليف السفر وغيرها. بعد تداول ما هو متاح آخذين بعين الاعتبار توقيت ظهور النور في القبر المقدس ووسائل النقل المتوفرة إلى بيروت، استبعدَت إمكانية حمل الشمعة من اليونان لتأخر وصول الطائرة. تولّى الأب أنطوان ملكي العمل على حمل الشمعة من قبرص، وبعد الاستعانة ببعض الآباء للاتصال بمَن يؤمّن وصول الشمعة في الوقت المناسب إلى المطار، استُبعدَت إمكانية حملها من قبرص. في الوقت نفسه كان الكابتن في طيران الشرق الأوسط (MEA) نبيل آصاف، وهو من أبناء رعية عفصديق، يعمل على الحصول على إذن خاص لحمل الشمعة في الطائرة، كون هذا يخالف القوانين، فجاءت الموافقة مشروطة بأن تكون محمولة بيد أحد الكهنة. وهنا بدأ العمل على حمل الشعلة من عمّان. قام قدس الأرشمندريت اسحق بركات رئيس دير البلمند بالاتصال بسيادة ميتروبوليت عمان المطران بندكتوس، الذي أعطى بركته بإرسال شعلة النور المقدس إلى لبنان بعد أن تبيّن أن توقيت وصول الشعلة المقدسة إلى عمّان ملائم جداً مع توقيت وصول طائرة الشرق الأوسط إلى عمان وعودتها منها إلى بيروت. كان الأب موسى شاطرية يتولّى الاتّصال بالأب رومانوس السماوي في عمّان والأخ نضال زريقات لتنسيق الأمور. وهنا طرأ تخوّف من أن تتمّ بعض العرقلة على المعابر بين الأرض المحتلّة والأردن، فاقترح أن يذهب حامل الشمعة إلى الأردن يوم الجمعة مساءً، فبدأ البحث عن كاهن قادر على التغيّب يوم الجمعة مساءً عن صلاة الجنّاز فاختير الأب ناجي شيبان. بعد الاتّصال به وموافقته، صار تقريباً كلّ شيء جاهزاً.

كان المفترَض أن تأتي الشعلة المقدسة من المطار إلى كنيسة الجديدة حيث تُقام صلاة مختصرة لصلاة نصف الليل تنتهي بترتيل “هلمّوا خذوا نوراً…”، ومن ثمّ يحمل كل من الآباء شعلته إلى رعيته. في الشمال، فقد كان كل شيء قد ترتّب لوصول الشعلة المقدسة إلى دار مطرانية طرابلس عند الثامنة والنصف مساءً حيث يستقبلها صاحب السيادة المطران الياس (قربان) ليوزّعها على كهنة الرعايا. وهنا بدا أيضاً للمهتمّين أنّ كل شيء ترتّب.

مع حلول الخميس العظيم اتّصل أحد كهنة أبرشية بيروت بالأب الحارث إبراهيم وقال له بأن سيادة ميتروبوليت بيروت المطران الياس عودة يرغب في استقبال الشعلة في كاتدرائية القديس جاورجيوس في وسط المدينة. ومع أنّ هذا الردّ أتى متأخّراً، إلاّ أن فرحنا كان كبيراً، فوافق الآباء الذين كانوا يهتمّون بترتيب الأمور على نقل التجمّع من الجدَيدة إلى وسط بيروت. ومساء الخميس أيضاً، اتّصل معالي الوزير يعقوب الصرّاف بالأب الحارث إبراهيم مقدّماً خدماته لتأمين استقبال مشرّف للشعلة المقدّسة.

عند الساعة الرابعة من بعد ظهر سبت النور انطلقت الطائرة من بيروت يقودها الكابتن نبيل آصاف وعلى متنها قدس الأب ناجي شيبان، فاستقبلته مسؤولة مكتب طيران الشرق الأوسط في مطار عمّان السيدة أمل حداد عزّوني، وهي من بنات كنيستنا، ومعها قدس الأب رومانوس السماوي والأخ نضال زريقات يحملان الشعلة المقدّسة ببركة صاحب السيادة بندكتوس مطران عمان، و قد عاونهما الأب نيكتاريوس منصور والأخوة: الدكتور عماد عوّاس، غانم حمارني، خليل وهّاب و نعمة عوّاس.

عند السادسة عادت الطائرة إلى بيروت وكان في استقبالها الآباء: الأرشمندريت اسحق بركات رئيس دير البلمند ليحمل شعلة ديره، والأب الحارث إبراهيم ليحمل الشعلة إلى رعيته في بيت مري، والأبوان أنطوان ملكي وموسى شاطرية ليحملا الشعلة إلى مطرانية طرابلس، والأب نكتاريوس من أبرشية بيروت ليرافق الأب ناجي شيبان إلى كاتدرائية القديس جاورجيوس حيث يسلّمها لسيادة ميتروبوليت إلياس(عودة) مطران بيروت.

لاقى الآباء المستقبِلون الشعلة المقدسة في الطائرة، وبعدها في صالون الشرف ومن ثم انطلق كل إلى وجهته. في بيروت استقبل سيادة مطرانها الشعلة المقدسة بموكب مهيب. وفي طرابلس، استقبل سيادة مطرانها الشعلة المقدسة وحوله كهنته وجمع كبير من المؤمنين.أما في دير البلمند كان المؤمنون مع جوقة البلمند ينتظرون وصول الشعلة المقدسة ليبدأوا صلاة الفصح، فكان دخولهم إلى الكنيسة وراء رئيس الدير مؤثّراً ولا يُنسى. في بيت مري أيضاً تحوّلت البلدة كلّها إلى زياّح مهلّل للنور المقدّس. إلى هذا، وصلت الشعلة المقدسة إلى البقاع وجرى استقبالها في مدينة زحلة، كما وصلت إلى أغلبية رعايا الشمال وأجري لها استقبال في بلدة بشمزين.

كثيرون بدأوا منذ الآن يسألون عن برنامج قدوم الشعلة المقدسة في الفصح المقبل. لا بدّ أنّ رحلة هذه السنة تخللتها أخطاء كونها قامت على مبادرات خاصة من دون هيكلية تنظيمية يُرجى أن يتمّ تخطيها في السنوات المقبلة. هذه الرحلة أسّست لتقليد جديد يُرجى أن يعمّم البركة في رعايانا. المجد لله على كلّ شيء. المسيح قام، حقاً قام.

من القدس إلى لبنان:

تقرير حول رحلة شعلة القبر المقدّس

إعداد الأب موسى شاطرية

تحكي وثائق عديدة عن معجزة النور المقدس في أورشليم، وعدد كبير من المؤرّخين والرحالة تناولوها، وعلى سبيل الذكر لا الحصر، البيروني وابن الأثير. فالإثنان يعبّران عن تعجّبهما لما رأيا من ظهور للنور المقدّس في عيد النصارى في القدس. كما تحكي وثائق أخرى عن حضور الأمير صلاح الدين الأيوبي لهذا الاحتفال وتهيّبه لما رأى. أقدم النصوص التي تتناول وصف هذا الحدث يعود للقرن الرابع. وفيما تتميز المعجزات عامةً باستحالة تحديد زمانها ومكانها وشروط حدوثها، فإن هذه المعجزة معروف زمانها ومكانها ومجرى حصولها. ومع تطور وسائل النقل في الزمان الحديث صارت تُنقَل شعلة منها إلى بعض الدول الأرثوذكسية ليُصار إلى استعمالها في الاحتفال بصلاة الفصح أو ما نسمّيه “الهجمة”.

متى و أين تحدث أعجوبة “النار المقدسة” سنويا ؟

هذه الأعجوبة التي تبهج و تنعش جميع المسيحيين، تحدث في كنيسة قبر القيامة المقدسة في مدينة القدس. أعجوبة فيض النور المقدس من القبر المقدس تحدث سنويا في نفس الوقت و المكان منذ قيامة المسيح، في عيد الفصح الشرقي الأرثوذكسي في كنيسة القيامة أقدس مكان في العالم كله، حيث صلب المسيح ومات بالجسد ودفن و قام من القبر في اليوم الثالث ساحقا قوة الجحيم.

الاحتفال بفيض النور المقدس

تزدحم كنيسة القيامة المقدسة بعدد كبير جدا من زوارها ، من كافة الجنسيات (اليونانية، الروسية، الرومانية، الأقباط، السريان،………)، بالإضافة إلى المسيحيين العرب القاطنين في الأرض المقدسة، وذلك منذ يوم الجمعة العظيمة بانتظار انبثاق النور المقدس.

كيف يفيض النور المقدس من قبر المسيح ؟

أورد كلام غبطة بطريرك أورشليم الاورثوذكسي ثيوذوروس الذي يقول: “أركع أمام الحجر الذي وضع عليه جسد المسيح الطاهر بتقوى، وأواصل الصلاة بخوف وتقوى، و هي صلاة كانت وما تزال تتلى، و عندها تحدث أعجوبة فيض النور المقدس ( النار المقدسة) من داخل الحجر المقدس الذي وضع عليه جسد المسيح الطاهر. ويكون هذا النور المقدس ذو لون ازرق و من ثم يتغير إلى عدة ألوان، وهذا لا يمكن تفسيره في حدود العلم البشري، لأن فيضه يكون مثل خروج الغيم من البحيرة، ويظهر كأنه غيمة رطبة ولكنه نور مقدس.

ظهور النور المقدس يكون سنويا بأشكال مختلفة. فانه مراراً يملأ الكنيسة التي يقع فيها قبر المسيح المقدس. و أهم صفات النور المقدس انه لا يُحرق، و قد أستلمت هذا النور المقدّس ستة عشرة سنة، و لم تحرق لحيتي. و انه يظهر كعمود منير، ومنه تضاء الشموع التي أحملها، و من ثم أخرج و أعطي النور المقدس لبطريرك الأرمن و الأقباط، وجميع الحاضرين”.

متى ظهر أول وصف لهذه الأعجوبة؟

أول كتابة عن فيض النور المقدس في كنيسة القيامة ظهرت في أوائل القرن الرابع، والمؤلفون يذكرون عن حوادث فيض النور في أوائل القرن الميلادي الأول. فنجد هذا في مؤلفات القديس يوحنا الدمشقي والقديس غريغوريوس النيصصي اللذان يرويان كيف أن الرسول بطرس رأى النور المقدس في كنيسة القيامة، و ذلك بعد قيامة المسيح بسنة (سنة 34 ميلادي).

Text Box: صورة من القرن الثامن عشر تظهر الحجاج الروس يشتروزن الشموع

 

ورئيس دير في روسيا الأرشمندريت دانيال يروي في مذكراته التي كتبت ما بين سنة 1106 و1107 عن وصف دقيق لما شاهده أثناء و جوده في القدس كما يلي:

أن البطريرك الأرثوذكسي يدخل إلى الكنيسة حاملا شمعتين، فيركع أمام الحجر الذي وضع عليه جسد المسيح المقدس، ثم يبدأ بالصلاة بكل تقوى و حرارة فيفيض النور المقدس من داخل الحجر بطيف لونه أزرق، و يضيء شمعتيّ البطريرك، و من ثم يضيء القناديل وشموع المؤمنين.

رحلة النور المقدس إلى لبنان؟

وبالرغم من هذا فإن هذه الشعلة المقدسة لم تزُر لبنان إلا في العام 2005 بمبادرة شخصية من كاهن رعية النقاش (جبل لبنان) قدس الأب أغابيوس نعّوص، وقد تكررت في العام 2006 بمسعى جماعي من بعض الكهنة. بدأت الرحلة حين اجتمع صدفة عشرة من كهنة أبرشية طرابلس والكورة في مكتب سكرتير مطرانهم، فطرح أحد الآباء الفكرة وتبنّاها الحاضرون. وبعد أخذ بركة راعي أبرشية طرابلس سيادة الميتروبوليت إلياس (قربان)، اتُّفق على أن يتابع الفكرة صاحبها مع وكيل المطران قدس الأرشنمدريت يوحنا بطش على أن يقتسم الآباء الراغبون بالمشاركة تكاليف السفر وغيرها. بعد تداول ما هو متاح آخذين بعين الاعتبار توقيت ظهور النور في القبر المقدس ووسائل النقل المتوفرة إلى بيروت، استبعدَت إمكانية حمل الشمعة من اليونان لتأخر وصول الطائرة. تولّى الأب أنطوان ملكي العمل على حمل الشمعة من قبرص، وبعد الاستعانة ببعض الآباء للاتصال بمَن يؤمّن وصول الشمعة في الوقت المناسب إلى المطار، استُبعدَت إمكانية حملها من قبرص. في الوقت نفسه كان الكابتن في طيران الشرق الأوسط (MEA) نبيل آصاف، وهو من أبناء رعية عفصديق، يعمل على الحصول على إذن خاص لحمل الشمعة في الطائرة، كون هذا يخالف القوانين، فجاءت الموافقة مشروطة بأن تكون محمولة بيد أحد الكهنة. وهنا بدأ العمل على حمل الشعلة من عمّان. قام قدس الأرشمندريت اسحق بركات رئيس دير البلمند بالاتصال بسيادة ميتروبوليت عمان المطران بندكتوس، الذي أعطى بركته بإرسال شعلة النور المقدس إلى لبنان بعد أن تبيّن أن توقيت وصول الشعلة المقدسة إلى عمّان ملائم جداً مع توقيت وصول طائرة الشرق الأوسط إلى عمان وعودتها منها إلى بيروت. كان الأب موسى شاطرية يتولّى الاتّصال بالأب رومانوس السماوي في عمّان والأخ نضال زريقات لتنسيق الأمور. وهنا طرأ تخوّف من أن تتمّ بعض العرقلة على المعابر بين الأرض المحتلّة والأردن، فاقترح أن يذهب حامل الشمعة إلى الأردن يوم الجمعة مساءً، فبدأ البحث عن كاهن قادر على التغيّب يوم الجمعة مساءً عن صلاة الجنّاز فاختير الأب ناجي شيبان. بعد الاتّصال به وموافقته، صار تقريباً كلّ شيء جاهزاً.

كان المفترَض أن تأتي الشعلة المقدسة من المطار إلى كنيسة الجديدة حيث تُقام صلاة مختصرة لصلاة نصف الليل تنتهي بترتيل “هلمّوا خذوا نوراً…”، ومن ثمّ يحمل كل من الآباء شعلته إلى رعيته. في الشمال، فقد كان كل شيء قد ترتّب لوصول الشعلة المقدسة إلى دار مطرانية طرابلس عند الثامنة والنصف مساءً حيث يستقبلها صاحب السيادة المطران الياس (قربان) ليوزّعها على كهنة الرعايا. وهنا بدا أيضاً للمهتمّين أنّ كل شيء ترتّب.

مع حلول الخميس العظيم اتّصل أحد كهنة أبرشية بيروت بالأب الحارث إبراهيم وقال له بأن سيادة ميتروبوليت بيروت المطران الياس عودة يرغب في استقبال الشعلة في كاتدرائية القديس جاورجيوس في وسط المدينة. ومع أنّ هذا الردّ أتى متأخّراً، إلاّ أن فرحنا كان كبيراً، فوافق الآباء الذين كانوا يهتمّون بترتيب الأمور على نقل التجمّع من الجدَيدة إلى وسط بيروت. ومساء الخميس أيضاً، اتّصل معالي الوزير يعقوب الصرّاف بالأب الحارث إبراهيم مقدّماً خدماته لتأمين استقبال مشرّف للشعلة المقدّسة.

عند الساعة الرابعة من بعد ظهر سبت النور انطلقت الطائرة من بيروت يقودها الكابتن نبيل آصاف وعلى متنها قدس الأب ناجي شيبان، فاستقبلته مسؤولة مكتب طيران الشرق الأوسط في مطار عمّان السيدة أمل حداد عزّوني، وهي من بنات كنيستنا، ومعها قدس الأب رومانوس السماوي والأخ نضال زريقات يحملان الشعلة المقدّسة ببركة صاحب السيادة بندكتوس مطران عمان، و قد عاونهما الأب نيكتاريوس منصور والأخوة: الدكتور عماد عوّاس، غانم حمارني، خليل وهّاب و نعمة عوّاس.

عند السادسة عادت الطائرة إلى بيروت وكان في استقبالها الآباء: الأرشمندريت اسحق بركات رئيس دير البلمند ليحمل شعلة ديره، والأب الحارث إبراهيم ليحمل الشعلة إلى رعيته في بيت مري، والأبوان أنطوان ملكي وموسى شاطرية ليحملا الشعلة إلى مطرانية طرابلس، والأب نكتاريوس من أبرشية بيروت ليرافق الأب ناجي شيبان إلى كاتدرائية القديس جاورجيوس حيث يسلّمها لسيادة ميتروبوليت إلياس(عودة) مطران بيروت.

لاقى الآباء المستقبِلون الشعلة المقدسة في الطائرة، وبعدها في صالون الشرف ومن ثم انطلق كل إلى وجهته. في بيروت استقبل سيادة مطرانها الشعلة المقدسة بموكب مهيب. وفي طرابلس، استقبل سيادة مطرانها الشعلة المقدسة وحوله كهنته وجمع كبير من المؤمنين.أما في دير البلمند كان المؤمنون مع جوقة البلمند ينتظرون وصول الشعلة المقدسة ليبدأوا صلاة الفصح، فكان دخولهم إلى الكنيسة وراء رئيس الدير مؤثّراً ولا يُنسى. في بيت مري أيضاً تحوّلت البلدة كلّها إلى زياّح مهلّل للنور المقدّس. إلى هذا، وصلت الشعلة المقدسة إلى البقاع وجرى استقبالها في مدينة زحلة، كما وصلت إلى أغلبية رعايا الشمال وأجري لها استقبال في بلدة بشمزين.

كثيرون بدأوا منذ الآن يسألون عن برنامج قدوم الشعلة المقدسة في الفصح المقبل. لا بدّ أنّ رحلة هذه السنة تخللتها أخطاء كونها قامت على مبادرات خاصة من دون هيكلية تنظيمية يُرجى أن يتمّ تخطيها في السنوات المقبلة. هذه الرحلة أسّست لتقليد جديد يُرجى أن يعمّم البركة في رعايانا. المجد لله على كلّ شيء. المسيح قام، حقاً قام.

الشفاء في المسيحية عبر المسيح

الشفاء في المسيحية عبر المسيح
جان القرعان

 

أهم مبدأ في العلاقة مع الله هو أن هذه العلاقة لا حدود لها وهدف العلاقة هو الشفاء بالمسيح. العلاقة مع المسيح تبدأ في هذه الحياة لكن لا تنتهي في هذه الحياة فكما يقول القديس مكسيموس المعترف: “إن العلاقة مع المسيح هي حركة دائمة نحو المرغوب به”.

كل ما في الحياة هو إطار أو أداة لنبني علاقة مع المسيح، نحن نرى المسيح من خلال هذه العلاقة بالذات، ليس الهدف هو الاطار بل الهدف هو المسيح لأن المسيح ليس هو خارج حياة المسيحيين. المسيح لا بد أن يكون حاضراً في حياتنا وإلا ما معنى وجودنا في العالم كمسيحيين؟
لكن الخطأ هو عندما نعيش ونعمل ونبني عائلات ونؤسس مشاريع لكن لا نرى الهدف هو المسيح وراءها كلها، فإذا لم نعرف إن الغاية من كل حياتنا في هذه الحياة هو المسيح نكون قد قتلنا هدف وجودنا بالذات، نكون قد أضعنا معنى مسيحيتنا في العالم.

المسيحي في العالم لا يكون وحده بلا مسيح، المسيحي لا يبني علاقات مع آخرين بدون المسيح هذا ما حدث مع شاب متزوج سأل أحد الآباء الرهبان كيف وأنا كمسيحي متزوج أعيش في العالم؟ فأجابه: “إفعل كل شيء كما يرضي المسيح”. فإذاً ليس المهم ماذا نفعل بل المهم لمن نفعل فإن كان عملنا وحياتنا لا يرضيان المسيح فهما بلا معنى هذا ما نقصده بالطلبة السلامية في الصلوات الكنسية بعبارة و”كل حياتنا للمسيح الإله”.
الخطيئة هي عندما نجزىء حياتنا بين المسيح والعالم، بين أن نكون للمسيح أو للعالم، نحن نفصِّل ونقسِّم المسيح في حياتنا فنحيا وكأننا بدون مسيح وهذه هي الوثنية. الوثنية هي دائماً أن يحيا الإنسان من نفسه لنفسه فيحيا على أساس ذاته وليس على أساس المسيح في حياته وهكذا تُصبح حياته وثنية لأن المسيح ليس فيها.

المسيحية هي عندما نقول “لست أنا أحيا بل المسيح يحيا فيَّ” الوثنية هي العكس بالذات أي عندما أحيا أنا ولا يحيا المسيح فيَّ أو عندما أحيا بدون مسيح. شفاء الإنسان بالعالم المريض يحتاج الى أن يحيا المسيح فيه فبدون حياتنا على أساس المسيح سنبقى مرضى في هذا العالم المريض.

المسيح أتى فعلاً طبيباً ليشفي الإنسان، لا شيء يقلق الإنسان كالمرض، لا شيء يزعج حياة الإنسان مثل المرض. المسيح أراد أن يشفي ويخلص الإنسان من هذا المرض، ففعل المسيح شفى الإنسان ككل، شفاه ليس من الخارج فقط بل من الداخل، المسيح لم يشف الجزء وأهمل الكل. ولكن اي مرض أخطر من مرض الخطيئة؟
الخطيئة مرض يقلق الإنسان في حياته. المرض في المسيحية هو أن الإنسان يحيا بعيداً عن المسيح هذا ما عبّر عنه داود النبي بأن الخطيئة هي ثقل عندما قال: “لقد ثقلت آثامي فوق رأسي كحمل ثقيل”. المسيح أتى وقال إن الدواء هو فيه: “تعالوا إلي يا جميع المتعبين وثقيلي الأحمال وأنا أريحكم”.

المسيح أراح الإنسان لأنه شفاه. هذا ما قصده القديس يوحنا الذهبي الفم عندما قال: “إن نهاية الطب هو العافية” لا راحة بدون الله. الله هو راحتنا. كل القلق في حياة الإنسان يعود الى أن الله غير موجود في حياته.

المسيحية أتت الى الوجود لكي تكون فعلاً استمرار لرسالة المسيح في العالم. الرسالة المسيحية هي رسالة شفاء ومن هنا الكنيسة هي المستشفى لأنها تغير الإنسان من إنسان مزيف الى الإنسان الحقيقي، هذا ما قصده المطران كاليستوس وير: “بأن الله صار إنسانا ليس فقط ليصير الإنسان إلهاً بل ليصير الإنسان إنساناً حقيقياً”. لا إنسانية بدون المسيح. ليس سوى الموت والجحيم أي إنسانية مريضة ممزقة تحتاج الى من يشفيها في العمق.

لكن شفاء الإنسان لا يتم بدون حرية الإنسان. الشفاء لا معنى له في المسيحية بدون الحرية. والسعي الحر للإنسان ليشفى هو الذي يجعل الشفاء يتحقق. الله يريد أن يشفينا لكن هل نحن نريد ذلك؟ من لا يريد لا يشفى بنعمة المسيح. ولهذا يقول القديس يوحنا الذهبي: “أن غاية الطب هو العافية” ولهذا قال القديس أفرام السرياني: “إن الإرادة هي الطريق الى الكمال المسيحي”، ولهذا ليس كما قال فرويد: “الكنيسة هي مكان لهلوسة نفسية أو حركة نفسية مريضة”.
الصحيح هو ان اعضاء الكنيسة مرضى ولكن الأعجوبة هو أننا لا نبقى مرضى في الكنيسة بل الكنيسة تشفينا بأسرارها وحياتها.

لهذا لا يجوز أن نشفى في الكنيسة ونمرض في العالم. نحن يجب أن نتحول من مرضى في الكنيسة الى أطباء في العالم. المسيح هو حياة العالم والعالم يحتاج للمسيح.

العالم بدون المسيح يموت. أكبر مرض في العالم اليوم هو أننا لا نحب أن نتوب أي أن نشفى. التوبة هي الدواء في المسيحية. ولهذا يقول القديس سلوان الآثوسي: “ليس الشر هو إرتكابنا الخطيئة بل إصرارنا على إرتكاب الخطيئة”. نحن لا نريد أن نتوب، نحن نريد أن نبقى مرضى. ولهذا يقول المطران جورج خضر: “الأعجوبة هي التوبة لكن لا توجد أعجوبة اليوم لأن لا أحد يتوب (بشكل عام)”. فالأعجوبة في المسيحية هي كيف نتغير أو كيف نتوب. فليست الأعجوبة أن نصنع أعجوبة، بل أن نصبح نحن أعجوبة، لأن الأعجوبة هي فينا.

والأعجوبة هي أن نشفى من مرض الخطيئة. العالم كله يحب الأعجوبة ويريد أن يرى أعاجيباً لكن المسيحية تقول ان لا أعجوبة إلا أعجوبة واحدة وهي الشفاء في المسيح. هذه هي الأعجوبة لأنها غير منظورة، لهذا لا تجذب العالم لكنها واقع. فهل من أعجوبة أكثر من أعجوبة مريم المصرية؟ كيف كانت مريضة بحب الزنى؟ وكيف أصبحت طبيبة بحب المسيح؟ كيف نفسر هذا الانقلاب الجذري في حياتها لولا نعمة المسيح التي غيرتها أو كما يقول المطران جورج خضر: “إن رحمة الله إبتلعت كل خطاياها”. وهذه هي الأعجوبة.

المسيحية ثورة على الخوف

المسيحية هي ثورة على الخوف
د. جان القرعان

 

أكبر مشكلة في حياة الإنسان هي مشكلة الخوف. هذه المشكلة هي مشكلة المشاكل لأنها سبباً لعدة مصائب في الحياة. الإنسان ليس فقط يخاف المجهول ويخاف من المستقبل ويخاف مما هو غير منظور بل إن الإنسان يخاف من ذاته، يخاف من التربية ومن الدولة ومن القانون. هذه التربية والدولة والقانون قد كانا من إحدى الأسباب أن تجعل الإنسان يعيش أسيراً للخوف. هناك محاولات تمت في التاريخ لكي تدمر الإنسان عبر إقناعه بأن حياته هي القلق. الإنسان الذي يحيا بالقلق والخوف هو إنسان دمر نفسه وحكم على ذاته بالفشل وبعدم الإمكانية من التغيير في الحياة وعدم إمكانية تغيير حياته هو بالذات. نحن نعلم من دراسة للدكتور كوستي بندلي يذكر فيها”إن الأهل في الشرق لديهم نفسية القلق” وهذه النفسية هي التي قد تهدد التربية في المجتمعات. وهي التي فشلت بان تضع مجتمعاً تربوياً صحيحاً. وهذا يظهر في فيلم من الأفلام الرائعة واسمه “Dead Poet Society” (المجتمع الشعري الميت) حيث الابن يخاف أبوه لأن أبوه ليس هو إلا صورة للسلطة وليس صورة للأبوة الحقيقية. أبوه ظن إن مستقبل ابنه هو في أن يصبح طبيباً لكن ابنه لا يحب إلا الفن أمام هذا الصراع في وجهات النظر للحياة والتربية قتل الوالد ابنه عندما قتل كل إمكانية للحوار معه.

عندها ألغى شخصيته وحريته عبر سوء استخدامه للأبوة وللسلطة وكأن هذا الابن لم يولد بعد من أبوه. هذا الولد عاش حياته كلها بالخوف، بالخوف من أن يتكلم مع أبوه، من أن يحاوره ويصارحه لأنه فقد الثقة بأبوه. لم يرى أبوه إلا طاغية وحاكم مستبد يقتل حريته بعدم الحوار. لأن الأب كان يخاف من الكلمة، كان يخاف من الحوار. إلا إن وصل الأمر لدى الولد بأن الحل الوحيد للمسالة هو الانتحار. بأن الحل الوحيد للحياة هو أن يموت.لقد اختار الموت ليحيا. لأن أبوه كان قد قتله وهو لا يزال حياً. كان قد قتله قبل أن يموت.هناك أناس مائتة قبل أن تموت لأن لم نعطيهم الحياة الحقيقية. هذا الأب أراد ابنه مثله، أراد ابنه صورة عنه، أراد أن يستنسخه وهو حي. لم يقدر أن يراه مختلفاً عنه، لم يراه شخصاً آخر. أكبر جريمة في التربية والعلاقة مع الآخرين في كل اطر الحياة هي عندما لا نخلق آخرين مختلفين عنا، عندما نربي الآخرين وكأننا نربي أنفسنا، هذه الصورة نراها في الكنيسة وفي التربية وفي الدولة وفي العائلة. ان لا شيء يؤلم الإنسان مثل الم التنوع في الحياة. الخوف في هذا الولد أدى به الى اليأس، واليأس في المسيحية ليس إلا هو موت وانتحار واستسلام للتغيير في الحياة بحسب آباء الكنيسة.

المسيحية تنطلق من هذه القصة الخطيرة والمعبرة والمهمة لتقول بأنها هي ثورة على مفهوم الخوف. لأن لا شيء يقتل الإنسان المسيحي في المسيحية مثل الخوف من قول الحقيقة. هذا مما أدى بالعالم النفسي فرويد إلى القول بان الإنسان يؤمن بأن الله موجود لأنه يخاف من أبوه. كم مكن أب قتل صورة الله في ابنه؟ كم من أب كان سبباً للإلحاد في عائلته؟ كم من أب قتل ابنه بان جعله لا يعبد ألا نفسه (أبوه)؟ لكن في هذا الفيلم بالذات نرى كيف إن الأستاذ نجح في تربيته وتعليمه لطلابه بأن يثوروا على المفاهيم الخاطئة في الحياة. لأن المفاهيم الخاطئة تدمر الحياة. جعلهم ينتصروا ويتجاوزوا الخوف في حياتهم. عندما جعل منهم أناساً حقيقيين وبالفعل لأنهم غيروا نظرتهم لهذه المفاهيم بالذات المتحجرة والمائتة كالمومياء.

لأن الأساليب التربوية كانت في تلك الفترة تقليدية جداً وتقوم على مفهوم التلقيني وهذا مخدر للعقل البشري. هذا أسلوب كالأفيون يشل إمكانية الإبداع عند التلميذ في الحياة لأنه يأخذ ولا يعطي. لأنه يحفظ ولا يحلل، لأنه يسمع ولكنه لا يحس.هذه الأساليب التربوية كانت أداة لدمار مجتمعات بكاملها. لأن التربية هي إحدى الأساليب لبناء مجتمعات سليمة. مجتمع بدون تربية حقيقية مجتمع معقد نفسياً وفاشل وعقيم روحياً وفكرياً.لكن في حياة المسيح نرى انه كان ثورة على كل المفاهيم الخاطئة المتحجرة والتي قتلت الحياة مع الله. قتلت العلاقة بين الإنسان والله لان الشعب في زمن المسيح ظن بإن العلاقة هي بين الإنسان والشريعة، بين الإنسان والقانون، بين الإنسان والصوم ولم يعرف إن الهدف كله هو رحمة ومحبة. ولهذا قال المسيح لهم في انجيل متى “لقد قتلتم وصايا الله بسبب تقليدكم”. هذا التقليد البشري النابع من تفكير الإنسان المحدود روحياً والمتزمت دينياً جعلهم كالقبور لا حياة فيهم. جعلهم كالمومياء صامتة لا تتكلم ولا تتحرك كالأموات.هذه الصرخة عبرت مجدداً كاتهام وجه إلى المسيحية من قبل فيلسوف ملحدعندما قال: “إن الكنائس ليست هي إلا بقبور ومتاحف”. أحياناً المسيحية قد تتحول إلى خطر التي وقعت فيه الفريسية وذلك عندما ترى إن الطهارة هي مسالة خارجية وليست داخلية، وعندما ترى إن النجاسة هي ليست إلا مسالة خارجية. هذا ما دفع المسيح للقول: “ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان بل ما يخرج من الفم لأن من فضلة القلب يتكلم اللسان”.

لأن ليس الذي يدخل هو الذي يخرج بل الذي يخرج هو لا علاقة له بالذي يدخل. الإنسان لا يمكن أن يخفي ما في قلبه. قلبه ولسانه هو مرآة تعكس شخصيته وحياته وفكره بالذات. فالفريسية التي جعلت الأمة تعيش تحت نير الخوف من الشريعة جعلتها أمة مستعبدة لهذا الخوف بالذات إلا إن أتى المسيح وحرر الإنسان من هذا الخوف القاتل. المسيحية هي رسالة تحرير الإنسان من هذا الخوف، ومن الخوف من التقاليد غير الإلهية التي هي مدمرة للإنسان ككل. علم النفس كعلم والمسيحية كحياة وكروح تؤكد عبر خبرتهما بان الإنسان يستطيع أن يتحرر من سلطة الخوف مهما كانت الظروف وهناك مثل يعطيه علم النفس وهو إن سقراط ثار على كل المفاهيم الخاطئة في عصره ومات لأجل إن ينتصر على مفهوم الخوف من التغيير ومات ضحية الجهل والخطيئة. لكن في المسيحية نرى الصورة الكبرى لذلك هو المسيح الثائر ليس بالقوة وبالسلطة بل بالفكر وبالحياة وبالقيم بل إن معظم رسالته كانت تحمل بذور الثورة والتغيير للحياة. المسيح هو الثائر من اجل تحرير الإنسان من كل ما يقيده. فالخوف بالنسبة للمسيح ليس هو إلا صورة عن الموت والقبر. لان بالخوف يقتل الإنسان نفسه لأنه حفر قبره بنفسه لأنه حكم على ذاته بعدم التغيير.      

بعض من ذكريات مع الشيخ بورفيريوس (2)

بعض من ذكريات مع الشيخ بورفيريوس (2)
أناستاسيوس تزافاراس

ترجمته بتصرّف عن اليونانية راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

سرد لي يوماً الأب بورفيريوس الحادثة التالية، منبهاً إياي لكي أتجنب الوقوع في دينونة الآخر، حتى ولو كان يخال لي أني على حق:

ذهبت سيدة قروية لتعترف لدى أحد الكهنة مرتدية تنورة داخلية (ذات جيوب) أتعرفها؟

–  نعم أعرفها.

وبعد أن اعترفت أرادت الذهاب، وبما أنها لم تقدم للكاهن شيئا تشكره به، رفعت ثيابها الخارجية لتخرج له مالاً من جيب تنورتها الداخلية. ولكنها أمسكت خطأً الثوبين معاً الخارجي والداخلي ورفعتهما عالياً فبانت حينئذ رجلاها. وحدث أن دخل أحدهم في تلك اللحظة وعاين وضع المرأة، فخرج وشهّر بمواقف الكاهن الفاحشة، فحكموا عليه بالحرمان ثلاثة أشهر. وأما الكاهن فكان أثناء مدة انقطاعه يشكر الله ويمجده بفرح لكل ما حصل له. أرأيت ماذا أحدث هذا الأخ يا ولدي؟ لقد رأى موقفاً فاحشاً كما أوحى له الشيطان. ولهذا أقول لك انتبه كثيراً”. أجبته: “نعم يا أبي سأنتبه”.

ليصحح لأحد الإخوة أخطاءه الكثيرة كان يستعمل أمثلة من طبيعته ومن حياته، فكان يقول له قاصداً تعليمنا نحن أيضاً:

“اعلم يا ولدي أنه لا يحدث شيء صدفة. كل الأشياء لها هدفها، ولا يحدث شيء دون سبب حتى ولا تسقط إبرة من شجرة صنوبر إلاّ بسماح من الله. لذلك لا تتضايق مما يحدث لك. هكذا نتقدس. أنت تتضايق من أفراد عائلتك فتتألم تارة من زوجتك وأخرى من أولادك. هؤلاء هم سبب تقدمك نحو العلاء (في الحياة الروحية)، ولو لم يكونوا فإنك لن تتقدم البتة. أعطاهم الرب لك لفائدتك. ولكن قد تقول لي هل هو حسن أن نتحمل من أحبائنا؟ هذه هي إرادة الله. ثم إنك حساس جداً فمن انزعاجك تؤلمك معدتك وأمعاؤك أليس كذلك؟

– نعم، ولكن هل هو سيء يا أبي أن يكون الإنسان حساساً؟

– نعم. إنه سيء أن يكون حساساً جداً مثلك. لأن الحزن يخلق له أمراضاً جسدية مختلفة. ألا تعلم أن كل الأمراض النفسية هي شيطانية؟!

– كلا.

– اعلم إذن الآن مني.

“لا يجب أن نصدق الأحلام، لأن فخاخ الشياطين مرات كثيرة تُنصب لنا من خلالها”.

عندما كنا ذات مرة في كاليسيا قال لي: “أرأيت هذه الإيقونات” وأشار إلى إيقونات كانت معلقة أمامنا في ساحة الدير. قلت له : “نعم”  ثم سألته: “من أين هي يا أبي؟” فأجابني: “لقد كانت مخبأة في الزوايا الخلفية للهيكل فأحضرها لي القديس نيقولاوس”. أما أنا فلم أسأله أية معلومات إضافية، ولا كيف أحضرها له القديس.

“عندما نكون مظلَّلين بنعمة الله حينئذ تكون صلاتنا نقية. صلِّ بتواتر حتى وأنت في سريرك إن كان ليلاً أو نهاراً”.

قال لأخ: “عندما تكون بعيداً عن أثينا ولا تستطيع أن تأتي إلى هنا باستمرار، ابحث هناك، حيث تكون، لتجد لك أباً روحياً صالحاً لتعترف بخطاياك. ولكن لا تقل كل ما يتعلق بالصلاة الذهنية أو بالأفكار، لأن البعض لا يعرفون كل شيء ومن الممكن أن يؤذوك. تعال إلى هنا وقل لي كل ما تريد”.

“عندما يهاجمنا الشيطان علينا أن نجابهه برجولة”.

“دعنا نقترب من المسيح يا ولدي، لا عن خوف من الموت أو ماذا سيحصل بعده، بل عن محبة حقيقية فاتحين له قلوبنا، كمثل إنسان يزيح الستار عن النافذة لتدخل للحال منها أشعة الشمس، هكذا يلج المسيح قلوبنا، وهذه هي الطريقة الفضلى”.

عندما كنت أصلي “يا ربي يسوع المسيح ارحمنا” كان يقول لي: “كلا ليس ارحمنا بل ارحمني، لأننا كلنا واحد إخوة لرأس هو المسيح”.

في كل مرة أراه فيها كنت أستعمل معه أسلوباً خاصاً. كنت مثلاً أضع رأسي فوق ركبتيه، وبدون أن أكلمه كنت أرفع صلاة ذهنية من أجل أخصائي، بل من أجل جميعنا، وهكذا أبقى على هذه الحالة عدة دقائق. وكان الأب بدوره يحوي رأسي بيديه ضاغطاً عليه، واضعاً بطرشيله فوقه، مصلياً معي لعدة دقائق أيضاً. مرات كثيرة كنت أشعر بتنفسه قوياً وكذا بضربات قلبه. وإن صدف وكان يُلم بي ألم في رأسي أو أي مكان آخر فإنه كان يزول حالاً. وعند انتهاء اعترافي، كنت أحس بأني قد نلت بركة وقوة كبيرتين، كمثل من يشحن بطارية بتيار كهربائي، كما كان يظهر من قيادتي للسيارة عند عودتي إلى المنزل.

سألت مرة الأب بورفيريوس: “لماذا تمسك يا أبي رأسي هكذا بين يديك؟” قال لي: “نعم يا ولدي كما تصلي أنت أصلي أنا أيضاً. وبإمساكي رأسك آخذ نفسك وأمثل بها أمام المسيح، وأطلب منه أن يرحمك ويساعدك وينيرك، وأن يمنحك كل ما أنت بحاجة إليه إن كان لك أو لعائلتك”.

كنت قد علقت أمامي في السيارة مسبحة كانت قد صنعتها لي أخته الشيخة بورفيرية منذ سنين طويلة. وعندما رآها قال لي: ” لقد أعطتك أختي هذه المسبحة أليس كذلك؟”

– نعم يا أبي لقد أعطتني إياها منذ عدة سنوات .

ثم سألته وبعد ذلك عن أحد معارفي، الذي كان قد زاره ذات أمسية وتعشى معه في منزله. فقال لي: “أتعلم إنه سيموت بعد أيام”.

وفي الأمسية التي تعشى فيها، مع آخرين، في منزل صديقي، كان يقول لكل واحد منهم مواصفاته الشخصية. وعندما حانت ساعة الرحيل لم يدعوه يعود إلى منزله، بل طلبوا منه أن ينام عندهم ملحين عليه بالقبول لأن الوقت كان قد تأخر. ففرح الجميع برضى الأب. ولكنهم رأوه، بعد قليل، ينهض فجأة مقرراً العودة إلى منزله. فطفقوا يتساءلون، الواحد بعد الآخر، ماذا جرى وبماذا فكروا في داخلهم حتى أنه قام بهذه الطريقة ومضى؟! وبعد أن باح الجميع بما فكروا به، قال أيضا رب البيت (أي صديقي): “أنا السبب بما حدث، لأني عندما رأيتكم ترغمون الأب على البقاء والنوم هذه الأمسية في بيتي، قلت في داخلي:” لماذا يجبرونه ولا يدعونه يرحل بما أنه يود ذلك”. وما أن انتهيت من جملتي هذه حتى قام الأب ورحل”. هذا ما حدث بالفعل. قرأ أفكار الجميع ثم قرر الذهاب.

توفي الأب يوحنا فرآه الأب بورفيريوس لامعاً بهياً في الفردوس. وبعد /13/ سنة تقريباً لحقته الخورية ماريا. وعندما سأله ابنهما كيف يرى أمه قال له: “أي فرح لهما ! إني أراهما مع بعضهما فرحين في الفردوس”.  كان يرى أنفس المنتقلين أين تذهب وكيف هي.

“الطاعة تؤدي إلى التواضع، والتواضع إلى التمييز، والتمييز إلى الحس، والحس إلى التنبؤ”.

رأى مرة الأب بورفيريوس زوجة أحد الإخوة فقال لها:

– ما هذا الذي أراه في رقبتك في الداخل؟

– وما هو يا أبي؟ لأنه لم يكن يُرى شيء ما منظور كورم أو دملة.

– هذا التورم يدل على أن شيئاً ما لديك.

فذهب الأخ حالاً مع زوجته إلى المستشفى لإجراء الفحوصات التي أدلت بأن هناك فعلاً غدة مع أشياء أخرى كانت تعاني منها الزوجة.

عدت يوماً فرحاً بعد إحدى النزهات الجميلة والمفيدة التي كانت لي مع الأب بورفيريوس. وبينما كنت واقفاً على الإشارة الضوئية في أحد الشوارع قبل أن أصل إلى منزلي، وقعت عليّ فجأة آلية صغيرة، تحمل داخلها شخصين وقعا على الجهة اليمنى تحت سيارتي، اللذين ظننتهما بأنهما قد قتلا. خرجت من السيارة مرتجفاً من الحادث، وسحبتهما الواحد بعد الآخر، دون أن يكونا قد أصيبا بضرر، ما عدا الأضرار المادية للسيارة وللآلية. ثم قلت لهما: “المجد لك يا الله. لقد أنقذكما المسيح وأمه العذراء فلم يصبكما أي أذى”. ثم حييتهما ومضيت. وللحال اتصلت هاتفياً بالأب بورفيريوس وسردت له كل ما حدث لي، وبأن هذا لم يزعجني رغم الخسائر المادية. فأجابني: “اعلم يا ولدي أنه عندما لا يستطيع الشيطان أن ينتصر علينا من الداخل، حينئذ يُحدث لنا هذه الحوادث الخارجية كي يخيفنا”.

كنت أعرف أحد الإكليريكيين في القرية المجاورة لنا، وعندما ذكرت اسمه أمام الأب بورفيريوس قال لي: “ذهبت مرة إلى منزل أحد الكهنة، فأضافني وسألني كيف أرى عائلته، وبما إني تمهلت طويلا في الرد، ألح علي بالجواب. فطلبت منه، حينئذ، أن يحضر لي صورة تحوي كل أفراد عائلته. وعندما أحضرها بدأت أخبره بمميزات شخصية كل فرد منهم، وعندما وصلت إلى ابنته توقفت عن الكلام لأني لم أر شيئاً.

– قل لي عن هذه شيئاً يا أبي، قل لي.

وأما أنا، تابع الأب، لم أر شيئاً فقلت له:

– هكذا كان ينبغي أن يحصل.

عندئذ انتصب الكاهن واقفاً وقال:

– نعم يا أبي كان يجب أن تموت لأنها عانت من مرض خطير وتحملت كثيراً.

فقال لي الأب بورفيريوس: “أترى يا ولدي هكذا يشاء الله أن نصمت أحياناً وأن نتحدث أحياناً أخرى. لهذا لم أقل له شيئاً عن ابنته”.

حدثني أخ عن إحدى العائلات بأن الشيطان كان قد أزعج كبرى ابنتيها، لدرجة أنها كانت تحدث أضراراً في البيت فتكسر أشياء مختلفة وترمي بها إلى الخارج. فذهب الأخ لزيارة هذه العائلة بصحبة أحد الكهنة (وهو ابن روحي للأب بورفيريوس)، ولكنه لم يستطع أن يساعدهم بشيء سوى بإسدائه بعض النصائح للفتاة وبنضحهم بالماء المقدس. وحين التقى الأخ بالأب الشيخ سأله كيف يمكن مساعدة هؤلاء الأشخاص؟ فقال له الأب: “أتعلم يا ولدي قوة هذا الشيطان الذي بداخل الفتاة؟ بإمكانه تحطيم شاحنة مملوءة بالحجارة. أتعلم من هو المسؤول في هذه الحالة؟ الأهل هم المسؤولون لأنهم أحبوا الصغرى كثيراً فأثاروا بذلك غيرة الكبرى، وبلحظة ضعف استغل الشيطان هذه الفتاة وقوي عليها وهو الذي يحدث الآن هذه الأشياء”. فسأله الأخ:

– وماذا علينا أن نفعل الآن يا أبي؟

– إنها بحاجة الآن إلى صلاة كثيرة ومحبة كبيرة كي تتحسن.  

قصّ علي الأب بورفيريوس الحادث التالي:

ركبت مرة سيارة عمومية لأعود إلى بيتي وكان السائق يسمع أغاني عالمية فقلت له بلطف:

– رجاءً، أغلق هذا المذياع لأن هذه الأغاني لا تروق لي.

– حسناً يا أبي سوف أغلقه.

– ما اسمك؟

– باسيليوس.

– ألديك أولاد يا باسيليوس؟

– لدي اثنان.

– أتعلم يا باسيليوس أن ابنك الكبير يشبهك جداً؟

– نعم إنه يشبهني. ولكن من أين تعرفه؟

– وأين هم أولادك الآن؟

– إنهم في إحدى القرى مع أمهم.

– أتقطن أنت هنا وحدك؟

– نعم يا أبي لأننا افترقنا، فأنا أقطن هنا وهي هناك مع الأولاد.

– أتركتهم وحدهم يا باسيليوس؟ ألم تعاود الاتصال بهم؟

– لا يمكن أن يحدث هذا يا أبي لأنه مضى وقت على حالتنا هذه ولا أستطيع الذهاب إلى هناك.

– أتريد أن أساعدك لتلتقي بهم؟

– وكيف ستساعدني يا أبي؟ وماذا يهمك أنت من هذا الأمر؟

– قل لي إنك تود ذلك وأنا أتدبر الأمر.

– حسناً تكفل به.

فأخذته وذهبنا إلى القرية حيث كانت زوجته وأولاده وما أن اقتربنا حتى قال لي:

– لن أتقدم، سأقف هنا.

– حسناً ابق هنا.

فذهبت بمفردي، ودخلت البيت، فوجدت امرأته فأحضرتها إليه، وهكذا عاودا الحياة من جديد معا.

فقلت له أنا أخيراً: “إنني أحبك كثيراً لكل ما تفعل”. فضحك من كلامي هذا.

مساء كل يوم ما بين العاشرة والعاشرة والربع ليلاً، حدد الأب بورفيريوس هذا الوقت كوقت لقاءٍ ما بين كل أولاده الروحيين، كي يصلوا ذهنياً صلاة يسوع (ربي يسوع المسيح ارحمني) أنّى تواجدوا. لأنه كان يقول لنا: “إننا نحن الذين في كريت، أو في تسالونيك، أو في أي جهة من اليونان، أو جهات العالم، فإننا سنلتقي كلنا مع بعضنا البعض بصلاة حية من أجل الآخرين”. والآن بعد أن افترق عنا فلنتابع، نحن أولاده، تطبيق هذه الوصية التي أعطانا عندما كان لا يزال معنا. لأنه سوف يمدنا من السماء حيث يرانا ويتتبعنا بكل مساعدة مادية أو روحية نحن بحاجة إليها بما له من الدالة الكبيرة لدى الله.

كنت قد زرت الجبل المقدس عام /1979/، وأهلني الله وقتئذ أن أنال بركة الأب باييسيوس الذي سألني من هو أبي الروحي فأجبته أنه الأب بورفيريوس فقال لي: “إن الله يرسل إلى العالم أناساً كالأب بورفيريوس كل مئتي سنة.”  ولدى عودتي من الجبل رويت هذا للأب بورفيريوس فقال لي بدوره: “ما هذا الذي تقول؟! قليلون هم الذين يملكون مواهب الأب باييسيوس”.  يا لتواضعهما هما الإثنين.

قال لي مرة : – لا ترشد أو توبخ أولادك باستمرار.

– فماذا أفعل إذن يا أبي؟ “

– صلِّ، واعترف لله بكل شيء كي تنحدر بركته من العلو. وليس بالعكس كما تفعل أنت الآن. كان يرى كل شيء بنعمة الله التي كانت معه دون أن تقول له أنت شيئاً حتى ولا عن أخطائك.

وقال لي في يوم آخر: “عندما كنت في الجبل المقدس دخلت يوماً الكنيسة وجلست في إحدى الكراسي الخشبية وبدأت أصلي. فدخل وقتها أحد الرهبان وبدأ بالصلاة وضرب المطانيات دون أن يراني حيث كنت داخلاً. حينئذ رأيته يسطع كله. يا إلهي كم كان مشهداً مهيباً مخيفاً رأيته.”

أتت إحدى الراهبات المريضات من كريت إلى كنيسة القديس جراسيمس حيث كان يوجد الأب بورفيريوس. وعندما رآها الأب قال لها:

– كيف حال الماء في ديرك؟

– إننا نفتش يا أبي ولكننا لم نجد حتى الآن.

– ألا يوجد سور هناك أعلى الدير؟

– نعم.

– إذن لو حفرتم بئراً هناك لوجدتم ماء كافياً لديركم.

وعندما زرنا بعد سنة من هذا الحادث أي عام /1977/ كريت بصحبة الأب وذهبنا إلى هذا الدير، لاقته الراهبة وقالت له فرحة: “نعم يا أبي لقد حفرنا بئراً كما قلت لي ووجدنا ماء كافياً للدير”. فسر الأب لهذه النتيجة ورسم صليبه شاكرا الله.

“صلِّ ولا تنزعج لأنه يلزمنا جهاد حتى النفس الأخير”.

“صلِّ وكن صبوراً. صلِّ لتصبح إنساناً أفضل”.

“قل دوماً الحقيقة”.

“اعمل كل شيء بهدوء”.

“عندما تكون تعباً جداً من عملك أو من الصلاة الذهنية، يكفيك عندئذ أن تقول التريصاجيون أي التسبيح المثلث تقديسه”.

“اذهب إلى الكنيسة بانتظام، واعترف باستمرار، وتناول القرابين المقدسة، وهكذا ستتلاشى كل مخاوفك وجراحات نفسك”.

“يسألوني إن كانت تحدث عجائب اليوم. العجائب كائنة باستمرار، ليلاً نهاراً، ألا تروها؟ “

قلت له يوما: “إنك يا أبي كالقديس نكتاريوس بما تقول وتكشف لي”. فالتفت ناظراً إليّ بوجه باشٍ ومنير: “لا تقل هذا لأحد”.

حاربتني أفكاري مرة قائلة لي: “لماذا لم أتكرس نهائياً لله وأصبح راهباً، بل تقيدت برباط الزواج وأنجبت أولاداً، وإني بهذا لن أستطيع أن أقدم شيئاً صالحاً لله”. ومع أفكاري هذه ذهبت ذات يوم للأب بورفيريوس واعترفت له بمختلف الخطايا التي ارتكبتها، فقال لي دون أن أفصح له بشيء حول الأفكار التي كانت تراودني: “اذهب الآن ولا تفكر بهذا. دع عنك هذه الأفكار. الدير هو بيتك إن أردت لأنه لا يختلف عنه شيئاً. يكفي أن تعمل بما أقول لك. ليس المكان هو الذي يصنع الدير بل طريقة الحياة. اذهب وصلِّ واصبر على كل شي”.

وبما أنه كان ممتلئاً من نعمة الله، علم بكل أفكاري وأجابني عنها. نعم إنك بقدر ما تتجاوب مع الأب بورفيريوس، بقدر ما يستطيع أن يحفظك من الأفكار الشريرة بواسطة اليقظة الدائمة التي كانت له.

كنت منحرف الصحة فسألته: “كيف ترى يا أبي ما يؤلمني؟” فردّ قائلاً: “إني أنظرك وألاحظ حركة دوران دمك، ثم أعصابك ثم جهازك الهضمي، وأما ما يلم بك الآن فإنه ناتج من معدتك”. كان وكأنه أجرى لي عدة صور شعاعية.

“عندما تقرأ الكتاب المقدس (لأنه يجب أن تقرأه باستمرار حتى تستنير) أو حياة القديسين أو الكتب الكنسية الأخرى وتجد جملة أو كلمة أثّرت فيك، قف عندها وقتاً كافياً، وتأمل بها جيداً، وسترى كم ستستفيد من هذا”.

“يجب أن يتحلى الأب الروحي بالتمييز والصلاة الحارة إلى الله ليستنير ويعرف كيف يتدبر الأمور ولا يخطئ. اعترف جيداً وبانتظام، لأنك ولو كنت بطريركاً فإنك لن تخلص ما لم تعترف”.

“تشبّه بوداعة وبساطة ومحبة وتواضع المسيح”.

“كن مؤمنا حتى الموت، ولا تنجرف وراء الانقسامات والعثرات التي ستحدث في الكنيسة بسبب البعض. صلِّ لتتوقف هذه وليحلَّ السلام ولا يأتي سخط الله علينا”.

“مهما تكن قد نلت من أوسمة، فأنت لا شيء إن لم تكن رجل الله. فلنلتجئ إليه ولنكن دوماً مستعدين. بهذا أوصيك بأن تقتني المحبة دائماً. المحبة ولا شيء آخر غيرها. من يحفظ وصية المسيح (أحبوا بعضكم) كما يجب فإنه يكون مغبوطاً هنا وفي الحياة الثانية. صلِّ وأحب. أحب الله وكل البشر. لا تقل في داخلك “فليحببني الآخرون”. إذا أحببتهم أنت أولاً، فاعلم أنهم سوف يبادلونك المحبة هم أيضاً”.

“علّم أولادك أن يجتهدوا في دراستهم حتى يصبحوا أناساً جيدين، ولا ينحرفوا بالعشرة الرديئة”.

“صلِّ لتصبح أفضل”.

–  ماذا أعمل يا أبي لأصبح أفضل؟

–  صلِّ ذهنياً باستمرار. أحب المسيح. أحب كل الناس. لا تتكلم على الآخرين. اذهب إلى الكنيسة بانتظام. اقرأ الإنجيل لينيرك الله”.

“عندما تخطئ لا تيأس بل تب بشجاعة وثقة بالله. وإن لم تستطع الاعتراف لي فاعترف لأب أرشدك إليه لأنه هكذا فقط سوف تخلص. انتبه لما تقول للآباء الروحيين الذين تعترف لهم، لأنهم لا يعرفون كل شيء. يجب أن يكون الآباء الروحيون حكماء جداً، متحلين بالتمييز وذوي خبرة، عندهم روح الله حتى يستطيعوا أن يحلّوا لك مختلف المشاكل”.

“إن بعض اللاهوتيين لاهوتيون بشهاداتهم فقط، وهكذا أصبح اللاهوتيون غير لاهوتيين”.

“تمثّل بالمسيح واصبر على كل الصعوبات”.

“لا تذهبوا إلى السحرة حتى يحلّوا لكم مشاكلكم. إن هؤلاء يستطيعون أن يفقدونكم عقولكم وأن يستهلكوا أموالكم. لا تخالطوهم بل ابتعدوا عنهم واقتربوا فقط من المسيح والكنيسة. انتبهوا كثيراً من الذين هم على ضلال روحي، إنهم متعصبون جداً ولا يعودون عن غيهم بسهولة، دعوهم ولا تلحوا عليهم، بل صلوا فقط لله من أجلهم كي ينيرهم”.

“لا تطلب من الله أن يزيل عنك الأمراض، ولا تلح عليه في الصلاة من أجلها، ولكن تحملها بصبر كبير وسترى كم ستستفيد”.

“اعلم أنك في كل عمل تعمله ستصادف الكثير من الضيقات والانزعاجات، فلا تتراجع بل صلِّ والله سوف يزيلها عنك كلها وستتقدم روحياً. إن المخاوف تأتيك أحياناً لأنك لا تحب المسيح كثيراً هذا كل ما في الأمر. انتبه كيف تجاهد. جاهد بتواضع وليس بأعصابك”.

“انتبه ألاّ تكون المناولة المقدسة ناتجة عن العادة. ولتكن كل مناولة وكأنها آخر مرة قبل موتك”.

“الجحيم والشيطان والموت كلها حقائق، ولكني لا أريد أن تخيفك ولا أن تفكر بها. أريد أن تحب المسيح الذي هو الكل، وهكذا حيثما وجدت فلن يخيفك شيء، وستبدو لك الأشياء كلها صالحة. إن المسيح ينتظر أن نفتح له قلبنا ليدخل حالاً إلى الداخل، وعندها نحوز الكل. إنه كالشمس يا ولدي، فعندما تزيح الستار قليلاً عن النافذة تدخل الشمس وأشعتها ونحس نحن بالدفء. لا أريد أن تقتربوا من الله خوفاً من الموت، بل لتكن المحبة سبب اقترابنا وهذا هو أسمى شيء”.

قال لي: “لا تجبن ويضعف إيمانك تجاه شدائد الحياة، بل كن رجلاً وتشدد مصلياً إلى المسيح، لأنه يراها ويتتبعك لكي يخرجك منها”.

قال لي أحد الإخوة: “حدثت في بيتي ذات يوم فوضى كبيرة بسبب شكوى ابني الصغير الدائمة ومشاحنته المستمرة لأمه، وأحسست ساعتها بوجود الشيطان في بيتي. وفي تلك اللحظة اتصل بي الأب بورفيريوس هاتفياً وقال لي: “إن الشيطان هو الذي دفع ابنك ليحدث هذا كي يسقطك في الخطيئة، وداعاً”. ثم أغلق الهاتف. أما أنا فقد انذهلت لتتبع الشيخ لحياتنا.

وقال لي الأخ نفسه: “لقد أُعلمت بأن حالة أمي المريضة خطرة، فأخذت إجازة من عملي لأسافر إلى قريتي. وكعادتي اتصلت بالشيخ هاتفياً قبل ذهابي وقلت له:

– لقد أُنبئت يا أبتي بأن أمي مريضة مرضاً خطيراً، ولذلك يجب أن أمضي لأراها.

– نعم، إن هذا اليوم يوم حافل بالنسبة لأمك.

أما أنا فلم أفهم مغزى كلامه. وبعد حين عاودت الاتصال به فردت عليّ إحدى بناته الروحيات وسألتني:

– هل ماتت أمك؟

– وكيف عرفت أنت هذا؟

– لقد رأى الشيخ الحدث وأخبرني به.

وبعد قليل حاولت الاتصال به أيضاً فردّ قائلاً: “رأيت أمك قد ماتت ومضت نفسها بسلام إلى السماء”.  فذهلت من قوله وصمت.

رقد في /4-5-1981/ في خانيا في كريت الأب ألفثاريوس (وهو ابن روحي للأب بورفيريوس)، وبعد بضعة أيام قال لنا الأب: “إن الأب ألفثاريوس هو قديس… يا إلهي كم هو قديس كبير!”

“إن أعمق مفهوم للمسيحية : المسيح قام.”

“لا تطلب مني أن أحبك لأن المحبة لا تُطلب إذ هي تتأصل وتولد في حنايا القلب”.

“بمقدار ما يكون الشاب حساساً، رقيق الشعور بمقدار ما يكون معتداً بنفسه متكبراً”.

“يجب أن نكون مثالاً لأولادنا حتى سن الحادية عشرة. لا ينبغي أن نرشد أولادنا دائماً، بل لنكن نحن لهم قدوة صالحة”.

قال لي أحد الإخوة: ” مضينا يوماً بصحبة الأب بورفيريوس لنرى قطعة أرض كنت مزمعاً أن أشتريها خارج أثينا. وفي الطريق كان يشرح لي أموراً صعبة ذات معان سامية لم أستطع فهمها. وإذا به يصرخ فجأة بصوت مرتفع: “أفهمت هذه التي قلت لك؟” أما أنا فنظرت إليه مستغرباً طريقته القوية في الكلام، إذ لم أسمعه قط يصرخ بي هكذا، لذا لم أقل له سوى: “نعم يا أبي”. وفي اليوم التالي اتصل بي في مقر عملي قائلاً:

– ايه، أرأيت أمس عندما كلمتك بقوة؟

– نعم.

– أتعلم لماذا فعلت هكذا؟

– ومن أين لي أن أعرف؟

– كان متجهاً نحوك روح شرير ليبثّ فيك أفكاراً مريبة، فصرخت هكذا بقوة لأنزع تأثيره عنك.

– ماذا ؟ كيف ؟ كيف حدث هذا يا أبي؟!

“يجب أن نحب وأن نصلي ببساطة قلب”.

“إن حبوب الهرمونات تُحدث خللاً في وظيفة أعضاء الجسم. كما أن النتيجة السلبية للهرمونات تحصل من الانزعاج، وأحياناً تؤدي الهرمونات إلى مرض فصام الشخصية بما لها من قوى فعالة”.

“إن الأهل هم سبب مشاكل الأولاد. كل المشاكل تبدأ من الأهل. يجب أن يصبح الأهل قديسين، وبعد ذلك سيقتدي بهم الأولاد أيضاً، وعندها لن توجد ثمة مشاكل”.

“إني أذكر أسماء كل الذين أتوا إليّ أو تحدثوا معي. إني أتضرع من أجل الرجال والنساء والأولاد، من أجل الأهل والأقارب، وأطلب من الله أن يتحنن عليهم ويساعدهم، وأنا على يقين بأن الله يسمعني”.

قال لي أحد الإخوة: “صحبت يوماً الأب بورفيريوس بسيارتي، فرأى أثناء مسيرنا شاباً يرفع رجليه فوق إحدى الآلات بطريقة خطرة جداً فقال لي: “إني أرى الشيطان بقربه يحثه على القيام بهذه الحركات، وبما أنه لا يحق له ( للشيطان ) أن يقتله شخصياً، فراح يوحي إليه ليقوم بهذا الأمر فيقتل نفسه بنفسه”.

كانت إحدى السيدات، وتدعى ماريا، تنتظر مع آخرين دورها لترى الأب. فرآها الأب وعرف أنها تعاني من مشكلة مهمة تشغلها، فدعاها ليراها دون أن يراعي دور الزوار. ولكنها لم تستجب للدعوة ظناً منها أن هناك خطأً ناتج عن التباس مع شخص آخر يحمل نفس الأسم. ولكن لما جُددت لها الدعوة أجابت: “لا بد أن هناك خطأً لأن الأب لا يعرفني ولم يرني مطلقاً”. وبالحقيقة لم يكن هناك ثمة خطأ كما ظنت، لأن هي بالذات من أراد الأب أن يحدّث نظراً للمشكلة المهمة التي كانت تعانيها.

قال لي الأب بورفيريوس ذات يوم: “إن الشيطان لا يألو جهداً في إهلاكنا. فإن أقلقنا مثلاً من ناحية إنسان ما، فإنه يقنعنا بوسائل وبراهين كثيرة، والشيطان ذكي جداً، بأن هذا الإنسان ثقيل ومزعج فعلاً. إنها كلها ألاعيب شيطانية لأنه من الممكن أن يكون هذا الإنسان بريئاً من كل هذه الأمور”.

“كلما كان الإنسان بعيداً عن الله كلما وقع في الحزن واليأس بسبب أمور مختلفة. علينا أن نعترف لأبينا الروحي عندما يكون هناك ما يكدرنا”.

“عندما لا يكون الأهل فاضلين فإنهم يعرّضون أولادهم للمشاكل. ينبغي أن ننصح الأولاد باستمرار لا أن نوبخهم. إن أردنا أن يفعل الأولاد أمراً ما، علينا أن نكون نحن أولاً المثل أمامهم، ثم نرفع الأيدي إلى الله مبتهلين من أجلهم”.

“إنه من الأفضل أن يكون أحدنا على خطأ وهو داخل الكنيسة، من أن يعمل خارجها باستقامة”.

قال ذات يوم لإحدى بناته الروحيات: “عندما تصلين يا ابنتي قولي: أيها الرب يسوع المسيح ارحمني”. أما أنا، قالت الأخت، فقد عملت بما أشاره الأب، ولكني أضفت هذه الكلمات: يا ربي يسوع المسيح بشفاعات قديسك فلان ارحمني. وعندما ذهبت إلى الشيخ لم أقل له شيئاً حول موضوع الصلاة. وأما هو فقال لي:

– أتعلمين يا ابنتي أنك فعلت حسناً بصلاتك هكذا؟

– كيف يا أبي؟

– نعم، عندما أوصيتك أن تصلي صلاة يسوع أضفت أنت إليها بشفاعات مختلف القديسين… لقد علم أفكاري وكيف أصلي !

لا أظن أني وفيت شيخنا بورفيريوس حقه بما كتبت من أمثلة قليلة عنه، لأنه كان يحاول دائماً أن يختفي شأن كل آباء كنيستنا القديسين. من الممكن أن لا يعتبره الأغلبية قديساً رغم معرفتهم له. ولكن ما هو مهم هو حياته النيرة والممتلئة من النعمة، مثله الصامت والبسيط المملوء من الفضائل والقوى الإلهية التي كان يساعد بها البشر أمثاله. لقد أعلن المسيحَ للناس حتى بواسطة الهاتف، كما صنع معجزات عن بعد، ورأى رؤى إلهية بما كان له من موهبة نفاذ البصيرة، وتنبأ عن حوادث بما له من موهبة النبؤة، وعاجلاً سوف تظهر نعمة الله التي كانت معه.

قصة حب

قصة حب
لكاتب مجهول

 

استيقظتُ باكراً في أحد الأيام لأتفرّج على شروق الشمس. آه! إن روعة خليقة الله تفوق الوصف. وفيما أنا أتفرّج، مجّدت الله على عمله البديع. وفي تلك الجلسة، أحسستُ بحضور الرب معي.
سألني: “أتحبُّني؟”، فأجبتُ “بالطبع يا رب! أنت ربّي ومخلّصي!”
فسألني أيضاً “لو كنتَ معوقاً جسدياً، أكنتَ تحبُّني؟” ارتبكتُ. تأمّلتُ يديّ، رجليّ وما تبقّى من جسدي وافتكرتُ في كثرة الأشياء التي كنتُ سوف أعجز عن عملها. ثم أجبتُ: “سوف يكون الأمر قاسياً يا رب، لكني سوف أحبّك مع ذلك”.
ثم قال لي الرب: “لو كنت أعمى، هل سوف تحب خليقتي؟” كيف لي أن أحبّ شيئاً أعجز عن رؤيته؟ لكني افتكرت بكل العميان على الأرض وكم منهم ما زالوا يحبون الله وخليقته. فأجبت: “صعب التفكير في ذلك، لكني سوف أحبك رغماً عن ذلك”.
فسألني الرب: “لو كنتَ أصمّاً، أكنتَ تسمع كلمتي؟” كيف أسمع شيئاً وأنا أصمّ؟ بعدئذ فهمت. الإصغاء لكلمة الله لا يكون فقط باستعمال أذنينا، بل قلوبنا. فأجبت: “سوف يكون الأمر عسيراً، لكني سوف أصغي إلى كلمتك”.
فعاد الرب وسألني: “لو كنت أخرساً، فهل كنت تسبّح باسمي؟” كيف لي أن أسبّح من دون صوت؟ ثم خطر لي: يريدنا الرب أن نرنّم من كل قلبنا ونفسنا. لا يهمّ كيف يكون الصوت. وتسبيح الرب ليس دائماً ترنيمة، لكننا عندما نكون في ضيق نعطي مجداً للرب بكلمات الشكر التي نقدّمها. فأجبت: “حتى ولو عجزت عن الترتيل المسموع، فسوف أستمر في تسبيح اسمك”.
فسأني الرب: “أتحبني فعلاً؟” بشجاعة واقتناع قوي أجبت بجسارة “نعم يا رب! أحبّك لأنّك الإله الواحد والحقيقي!” لقد ظننت بأنّي أجبتُ بشكل جيّد، لكنّ الله سألني: “إذاً لماذا تخطئ؟” فأجبتُ: “لأنّي مجرّد بشري، أنا لستُ كاملاًَ!”
“إذاً، لماذا تأثم أكثر في زمن السلام؟ ولماذا تصلّي بجديّة فقط في أوقات المصاعب؟” ما من جواب. دموع فقط. تابع الرب: “لماذا ترتّل فقط في اللقاءات والاجتماعات الروحية؟ لماذا تسعى إليّ فقط في أوقات العبادة؟ لماذا تطلب الأشياء بشكل أناني؟ لماذا تسأل بعدم إخلاص؟” تابعت الدموع انحدارها على خدّيّ.
“لماذا تخجل بي؟ لماذا لا تنشر البشارة الحسنة؟ لماذا في وقت الضيق تلجأ إلى الآخرين فيما أنا أقدّم لك كتفاً تتكئ عليه لتبكي؟ لماذا تقدّم الأعذار حين أعطيك الفرص لتخدم اسمي؟” حاولتُ أن أجيب، لكنّي لم أجِد أيّ جواب أقدّمه.
“أنتَ منعَمٌ عليك بالحياة. أنا لم أصنعك لأرمي هذه العطية بعيداً. لقد باركتُك بمواهب لتخدمني، لكنّك تستمر في التحوّل بعيداً. لقد كشفتُ لك كلمتي لكنك لم تزدَد معرفة. لقد كلّمتُك لكنّ أذنيك كانتا مغلقتين. لقد أظهرتُ لك بركاتي لكنّ عينيك أشاحتا عني. لقد أرسلتُ لك خدّامي لكنّك تكاسَلتَ فيما كانوا يُبعَدون. لقد سمعتُ صلواتك واستجبت لها كلّها”.
“أتحبني فعلاً؟”
لم أستطع الإجابة. كيف لي ذلك؟ لقد كنت مرتبكاً بشكل لا يُصدّق. لم يكن لديّ أي عذر. كيف لي أن أقول ذلك؟ وعندما انفطر قلبي بكاءً وفاضت الدموع، قلتُ “أتوسّل إليك أن تسامحني يا ربّ. أنا غير مستحق لأن أكون ابناً لك”. فأجاب الربّ “هذه نعمتي يا بنيّ”.
فسألتُ: “لماذا إذاً تستمر في مسامحتي؟ لماذا تحبني هكذا؟” فأجاب الرب: “لأنّك أنت خليقتي. أنت ابني. أنا لن أتخلّى عنك. عندما تبكي فسأكون حنوناً وأبكي معك. عندما تهتف ابتهاجاً سوف أضحك معك. عندما تكتئب سوف أشجّعك. عندما تسقط سوف أرفعك. عندما تتعب سوف أحملك. سوف أكون معك إلى آخر الأيام وسوف أحبّك إلى الأبد”.
بكيتُ بقوّة كما لم يسبق لي أن بكيت. كيف استطعتُ أن أكون بارداً إلى هذا الحد؟ كيف استطعتُ أن أسيء إلى الله على هذا المنوال؟ فسألت الرب: “كم تحبُّني؟”
مدّ الربّ ذراعيه ورأيتُ آثار المسامير في يديه. ركعتُ عند قدميّ المسيح مخلّصي. ولأوّل مرّة صليّتٌ بصدق.