كيف نسلك في الصباح؟ – غريغوريوس ميتروبوليت بترسبرغ

كيف نسلك في الصباح؟
الفصل الأول من كتاب “كيف نحيا حياةً مقدّسة”
غريغوريوس ميتروبوليت بترسبرغ (1784-1860)

 

في الصباح اسلكْ على الشكل التالي:
1. عند نهوضك، حاول أوّلاً أن توجّه أفكارك نحو الرب. ينبغي أن يكون توجيه الأفكار نحو الرب الإله نشاطنا الأكثر طبيعية في كل وقت من النهار أيضاً، إذ بكلّ تأكيد، لا يوجد ما هو ضروري وعزيز وغالٍ عندنا أكثر من الله. فعلى الأكيد أن كل ما لدينا الآن وما كان لنا، بما فيه حتى وجودنا، هو بلا ريب هِبة من الله.
إن الشخص الذي نحتاجه أكثر من غيره، والأغلى علينا، والأقرب إلينا هو الذي يأتي أولاً إلى فكرنا في الصباح. ما أن نستيقظ في الصباح، حتى يستيقظ التفكير في مَن أو ما يمثّل الحاجة الأكبر والأغلى عندنا. هذا يكون عادةً خلال المجرى الطبيعي للأمور. لهذا، طبيعي دائماً أن تتجّه أفكارنا أوّلاً إلى الله باستدعاء قلبي مثل: “المجد لك يا إلهنا! المجد لك أيها الرحيم”.
لا نكون مستحقين لتسميتنا مسيحيين إذا كنّا، عند نهوضنا من النوم، نفتح أعيننا الجسديتين وليس الروحيتين، وإذا كنا نفكّر أولاً بالأرض والأمور الأرضية وليس بالرب الإله.

2. إذا كان وقت استيقاظك هو وقت نهوضك أو هو قريب منه، فمن دون إبطاء قُلْ: “باسم الآب والابن والروح القدس”، فيما ترسم إشارة الصليب. ومن ثم “يا ربّي يسوع المسيح ابن الله ارحمني أنا الخاطئ”.

3. مباشرة بعد هذا، أو في الوقت نفسه، انهض من السرير. غالباً ما يكون النهوض سريعاً من السرير أمراً غير مُحَبَّباً لجسدنا لأنه، كمثل عبد كسول، يحبّ دائماً أن يستلقي وينام أو أن يترف ويبقى متراخياً. اعمل في كل صباح ضد رغبات جسدك الوضيعة ولتكن هذه المعارضة أولى تضحياتك للرب الإله. ومن الأسباب الأخرى للنهوض سريعاً من السرير هو أنه نافع للنفس إذ، كما لاحظ المجاهدون لخلاص النفس، عندما نستلقي في السرير لوقت طويل بعد استيقاظنا، تنشأ الميول غير الطاهرة بسهولة في أجسادنا كما تتحرّك الأفكار القذرة والرغبات في نفوسنا.
لاحقاً في النهار، هذه الأفكار تقود المهمِلين إلى السقوط في خطايا كبيرة وفي أخطار عظيمة تفقدهم خلاصهم. لكنْ كلّ مَن يعارض رغبات جسده بشجاعة في الصباح، يقاوم الأهواء التي تحدق به خلال النهار وفي المساء، وحتى الخطيرة منها. أنت تتعلمُ ذلك، إذا كنت تسهر على نفسك ولو قليلاً.

4. بعد النهوض من السرير، اغتسل مباشرة، وارتدِ ثياباً تليق بشخص محترم. ضروري أن نلبس هكذا في الصباح، حتى ولو لم يكن معنا أحد، لأننا، أولاً، لسنا وحدنا بالكليّة، فملاكنا الحرس والرب الإله موجودان معنا أينما كنّا وفي كل وقت. ملاكنا الحارس، إذا لم نبعده عنّا، موجود دائماً معنا. والرب أيضاً دائماً معنا على نحو لا يرقى إليه الشك، فهو إله كليّ الوجود، على ما يقول الرسول “لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ.” (أعمال 28:17).
ثانياً، بعد نهوضنا واغتسالنا، علينا أن نقف مباشرة أمام الرب الإله في صلواتنا الصباحية. نحن لا نجرؤ أبداً على الوقوف أمام رؤسائنا الأرضيين، الذين هم دون الرب، بلباس غير لائق. وأخيراً، إذا لبست بشكل مقبول مباشرة بعد النوم، فأنت سوف تحفظ نفسك من خطرين يتعرّض لهما الكثيرون في أيامنا، وهما: خطر إغراء الآخرين وخطر الإصابة بروح قلة الحياء. يا صديقي، ماذا نتوقّع في منتصف النهار وفي المساء ممّن هو وقح في الصباح؟

5. بعد أن تغتسل وتلبس قِفْ أمام الأيقونات المقدّسة وقُلْ صلاة النهوض من النوم كما حددتها ورتبّتها الكنيسة المقدّسة التي هي مفسّرة طريق الخلاص وحافظته. ولكي لا يعيق صلاتك أي شيء، خاصةً إذا كنتَ لا تجيد القراءة، احفظ عن ظهر قلب صلوات الصباح، أقلّه بداياتها. أهذا أمر صعب؟ كيف لك ألا تعرف عن ظهر قلب الصلاة الربية، صلاة “أبانا الذي في السماوات”. تعلّمْها! إنها أكثر الصلوات أهمية وحملاً للخلاص في كل الأحوال.

بسبب إلفتنا الطويلة مع الصلوات التي نحفظها أو نقرؤها من كتاب، نردّدها في بعض الأوقات بدون انتباه وافٍ لمحتواها، وبالتالي نحن لا نصلي بالحقيقة، بل نحلم بأننا نصلي ليس أكثر. لهذا السبب قد نصلّي أحياناً مستعملين كلمات من غير هذه الصلوات التي اختارتها وهيّأتها الكنيسة المقدسة. ولكن عندما تصلّي بهذه الطريقة راقب بانتباه الأمور التالية:

أ) اشكرْ الربّ الإله لأنّه حفظ حياتك خلال الليلة الماضية وهو من جديد يعطيك الوقت للتوبة وتغيير حياتك، لأن كل يوم جديد هو شيء جديد لنا، وليس بأي شكل من الأشكال خدمةً نستحقها من الله، لأن النهار الجديد لا يتبع الليل تلقائياً. كثيرون من الناس، ذهبوا إلى النوم في المساء، واستيقظوا لا في هذه الحياة بل في الأخرى: الأبدية. هل خسران الحياة هو على هذه الدرجة من الصعوبة؟ أحياناً، حتى فزعة خفيفة قد تودي بحياتنا. لا تمضي ليلة واحدة لا يموت فيها كثيرون. ما هي أفضليتنا على الذين ماتوا في الليلة الماضية؟ ألم يكن ممكناً أن نموت نحن أيضاً؟ نعم كان ممكناً وبسهولة كبيرة. لكن مَن الذي حفظنا من الموت غير الله الكلي الصلاح والفائق الرحمة الذي ينتظر دائماً توبتنا وتحوّل حياتنا؟ لقد حفظنا ومنحنا يوماً جديداً لكي نخلّص نفوسنا.
ألا نستطيع إذاً أن نشكر الرب الإله؟ في كل صباح اشكرْه بكل نفسك على هذا المنوال مثلاً: “يا ربي وملكي! أنا أشكرك لأنك في الليلة الماضية حفظتَ حياتي ومنحتني زماناً للتوبة وتحسين حياتي. الكثيرون من الناس حُرموا من حياتهم الأرضية في الليلة الماضية. اليوم الذي يبدأ ليس يوماً محتوماً في حياتي. إنه يبدأ لأنك أنت تعطيني إياه برحمتك التي لا توصف. كان ممكناً أن أموت في الليلة الماضية. لكنّك أنت، أيها الكلي الصلاح، حفظتني وأعطيتني يوماً جديداً لأخلّص نفسي. أشكرك بكل قلبي أيها الجزيل الرحمة”.

ب) اشكرْ الرب للإحسانات الأخرى التي تلقيّتها منه. اشكرْه لأنّه خلقك وحفظك وأنقذك وأتى بك إلى الإيمان الصحيح، وفي الإيمان الحقيقي منحك كل وسائل الخلاص وما زال يزوّدك بها. كل هذه الإحسانات عظيمة بشكل فائق للوصف وتستحق الامتنان العميق الذي لا ينقطع. أكنتَ أحسست بفرح الحياة لو لم يخلقك الرب؟ أكنتَ حياً الآن لو لم يحفظ حياتك؟ ما كان حدث لنا لو لم يفتدِنا؟ كم كانت تعاستنا لو لم يأتِ بنا إلى الإيمان الحقيقي ويمنحنا وسائل الخلاص! حتى الآن، نحن تعساء جداً بالرغم من كوننا على الإيمان الصحيح وحصولنا على وسائل الخلاص.
كم كانت تعاستنا لتكون من دون هذا الإيمان؟ اشكر الرب بلا انقطاع وبكل نفسك على هذا المنوال مثلاً: “أيها الرب الإله، يا أبي وملكي، أشكرك لأنك خلقتني وحفظتني ودعوتني إلى الإيمان الحقيقي وفيه منحتني، وما زلت تمنحني، كل وسائل الخلاص. كيف كان لي أن أحسّ بفرح الحياة لو لم تخلقني؟ كيف كان لي أن أحيا الآن لو لم تحفظ حياتي؟ ما كان ليحدث لي لو لم تفتدِني؟ يا لتعاستي لو لم تأتِ بي إلى الإيمان الحقيقي وتمنحني هكذا كل وسائل الخلاص! أشكرك بكل نفسي أيها الرب الجزيل الرحمة الكلي الصلاح.”

ج) اشكر الرب بعد أن منحك كلّ سبل الخلاص، وهو يؤهّلك لاستعمال هذه الوسائل. وبالرغم من عصيانك المتكرر، وبالرغم من الأسى المتكرر الذي تسببه له، وبالرغم من كل عنادك، فهو لا يعاقبك بحرمانك من عطيته العظيمة، أي الحياة، بل هو يواصل دعوتك وبشتّى الطرق يوجهك نحو الخلاص. آه! إن أجسادنا ونفوسنا كانت تحترق الآن في نار الجحيم الأبدية لو لم يكن الرب جزيل الرحمة وتوّاباً علينا. اشكرْ الربّ بكل نفسك.

د) اشكر الرب لأنّه تلطّف خلال الليلة الماضية فشدّد قواك الجسدية ومنحك إمكانية الانهماك مجدداً في الأعمال العالمية الضرورية والنافعة. كم من البشر يعجزون عن تحصيل قوتهم اليومي لنقائص مختلفة؟ كم هم العاجزون بسبب أمراض متنوعة عن الحركة الضرورية، وهم يشكّلون بشكل مستمر عالة على الآخرين وعلى أنفسهم. اشكرْ الرب من كل قلبك على تشديد قواك الجسدية.

ه) بعد هذا صلِّ من كل نفسك لكي يصفح الرب الإله عن خطاياك التي لا تُحصى، سواء كانت بالفعل أو بالنيّة أو بالرغبة أو حتى بالفكر. لا تغفل هذه الصلاة أبداً: أنتَ خاطىء دائماً في عيني الربّ. في هذا ينبغي ألا يخدع الإنسان نفسه، “لأَنَّنَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا”، على ما يقول الرسول بروح الله (يعقوب 2:3). وإذا قلنا أننا بلا خطيئة، فنحن نخدع أنفسنا، والحقيقة ليست فينا، على ما يقول رسول آخر بالروح ذاته (1يوحنا 8:1).

صلِّ إلى الرب الإله أن يمنحك رغبة راسخة ثابتة للسكن فيه دائماً وكليّاً، فهو المحسن الوفي إلينا ابتداءً من هذا اليوم. هذا يعني أن نضع دوماً إنجاز إرادته في رأس أولوياتنا وأن نجهد بشكل ثابت إلى العيش في توافق تامٍ معها، وبالتالي أن نحاول بغيرة وقبل أي شيء آخر أن نكشف إرادته الإلهية، التي هي نفسها دائماً من جهتنا، قداستنا (1تسالونيكي 3:4)، وخلاص نفوسنا (1 تسالونيكي 9:5؛ 2 تسالونيكي 13:2).

7. لكي تكون أكثر ثقة من قدرتك على حفظ نفسك من الخطيئة خلال النهار المقبِل، حاول فيما الوقت صباح، أن تفكّر في كل ما قد يحدث لك خلال النهار. حاول أن تتفحص ما أنت مقبل على عمله ومع مَن سوف تمضي وقتك. ما هي أسباب الخطيئة التي قد تواجهها؟ متى وأين؟ ما هي إمكانيات الخير التي قد تصادفها؟ متى وأين؟ أليس بعض الميول، مثلاً بسبب زهوك أو كبريائك أو غضبك أو غيره؟ بعد أن تفحص كلّ شيء بهذه الطريقة حاول مجدداً أن تفكّر في كيف تكون قادراً عل عبور هذا النهار بكامله من دون خطيئة، كيف تتعامل بلا عيب مع هذا الشخص أو ذاك، كيف تستفيد من كل فرص الخير التي قد تسنح لك، كيف السبيل لتجنّب مختلف فرص الخطيئة ورغباتها، وفي حال انعدام إمكانية تجنبها كيف تتصرّف من دون أذى مع هذه الظروف والتجارب.
مثلاً، إذا كنتَ ترى أنك سوف تمضي وقتاً في العمل مع شخص سيء الطباع، عليك إذاً أن تحاول مسبقاً التفكير في كيف تتصرّف في حضوره بشكل حليم ومهذّب حتى لا تثير غضبه مطلقاً بل تبقى في سلام معه. من دون هذا الإعداد لأنفسنا ضد الخطيئة، يستحيل، أو أقلّه يصعب جداً، أن نحمي ذواتنا من الخطيئة وأن نتبع تعليم الرب من دون تعثّر. إن الذي لا يتّخذ في كل صباح قراراً صارماً ولا يبذل جهداً ليصون ذاته من الخطيئة خلال النهار المقبِل، لا يحفظ نفسه من الخطيئة بشكل متقَن، وشيئاً فشيئاً يتخلّى ليس فقط عن الجهاد بل حتّى عن الرغبة، لا بل عن مجرد التفكير، بواجب حفظ الذات من الخطيئة. إذا لم يُصَن فتيل القنديل، بل في كل مرة يتدفّق الزيت إلى القنديل، فلن يستمرّ بالاشتعال وسوف ينطفئ. أيها الصَديق، لا تنسَ هذا الاستعداد لمواجهة الخطيئة، فهو ضروري كل صباح. عندما تحاول فعلاً أن تصون نفسك من كل خطيئة وأن تسلك في حياة مرضية لله ومقدسة، فسريعاً ترى بنفسك أهمية هذا الاستعداد ونتائجه المفيدة.

8. حتى تكون قادراً على أن تسلك في حياة القداسة بسهولة وأمان أكبر، صلِّ إلى الرب الإله أن يباركك بمنحك وعياً ثابتاً وغيرة لتلافي فرص الإثم، وخاصةً الخطيئة التي تميل إليها أكثر من غيرها بطبيعتك أو بالعادة. إن هكذا خطيئة تدفع كلاً منّا إلى إشباع رغبتها، وكلّنا الذين لسنا مكرَّسين بالكليّة لله نقضيها طوعياً، ومتى واجهنا عوائق أمام قضاء هذه الخطيئة نسعى بكل قوتنا لإزاحة هذه العوائق وإلى شقّ الطريق حتى تكون تتم هذه الخطيئة بدون عوائق وبدون تأخير إن أمكن.
صعب جداً لشخص أن يحمي نفسه من هكذا خطيئة فيما عدونا العتيق الأيام يهاجمنا، بتغطرس وبغير تردد، غالباً ليس من لا مكان بل من جهة خطيئتنا المعتادة المفضّلة. صلِّ من كل نفسك.

9. بعد أن تتفحّص وتفكّر في كل ما هو ضروري لحماية نفسك من الخطيئة ولتركيز نفسك في الحياة المرضية لله، صلِّ أيضاً بكل قلبك إلى الرب الإله ليشدّد إرادتك وقواك ولا يسمح لك بأن تضعف كما سبق وضعفت غالباً. من دون هذه الطلبات المعبّر عنها بهذه الصلوات أو بتلك، لا تتورط في أي يوم بأي أمر، لأي سبب إلا ما هو خارج كلياً عن سيطرتك. كيف نستطيع أن نعالج أي أمر من غير بركة الله؟ فمن دون بركة الله كل أعمالنا تافهة. لكن بركة الله، مثل كل نعمه، تُكتَسَب بالصلاة فقط (يعقوب 17:1). صحيح أن الله في صلاحه غير المتناهي يعطي النجاح أحياناً لأشخاص لا يصلّون أو حتى لغير الأتقياء. لا تهتمّ لذلك. عندما تأتي هذه الفكرة إلى رأسك فكّر مباشرة بالمصير الرهيب الذي بلغه الغني الذي قال عنه الإنجيل أنّه أحبّ أن يتنعّم كل يوم (لوقا 19:16-32).
كان ناجحاً في كل شيء في حياته، لم يحسّ بأدنى حاجة، وكانت له كل وسائل إشباع رغباته الحسية وقد أرضاها بشكل كامل. لكن هذه الطريقة من الحياة، بعد موته، أغرقته في عذابات الجحيم. وعندما التمس من إبراهيم بشكل بائس، كونه تعذّب بشكل مريع في اللهيب، أن يريحه من عذاباته، رُفض. والرفض كان لأن على السعيد في هذا العالم أن يتذكّر كل دقيقة بعويل: “يَا ابْنِي، اذْكُرْ أَنَّكَ اسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتِكَ فِي حَيَاتِكَ، وَكَذلِكَ لِعَازَرُ الْبَلاَيَا. وَالآنَ هُوَ يَتَعَزَّى وَأَنْتَ تَتَعَذَّبُ.” (لوقا 25:16).

10. على المرء أن يصلّي هكذا خاصةً في الصباح، وعليه أن يتخّذ هذا القرار وهذه التدابير الحكيمة في الصباح. ليس من وقت أنسب للصلاة ولكل التعهدات الحسنة مثل الصباح، لأن الإنسان لا يكون أكثر قدرة على الصلاة وعلى الاهتمام بالأعمال وعلى التفكير كما في الصباح. ففي الصباح تكون أفكاره أقل ضيقاً وقلبه أكثر نقاوة وبمقدوره أن يحتوي نفسه بسهولة أكبر من أي وقت آخر. في الصباح لا تزعجنا ضرورات الحياة وتكون الأهواء ما زالت نائمة وطبيعة ما حولنا تضعنا في حالة رصينة تأملية.
مع عبور الصباح تستيقظ الأهواء وتتحرّك الحاجات اليومية الاهتمامات ويبدأ الإنسان بالعمل والكدح مثل عبد عليه دائماً أن يأكل خبزه بعرق جبينه. أيها الصديق، اقضِ الصباح في الصلاة وفي الرعاية التقيّة لحياتك. في صباح كل يوم، ضعْ لهذا اليوم هدفاً عالياً. كن حكيماً لأن روح الله تصوّر سلوك الإنسان على هذا المنوال: باكراً يعطي قلبه ملجأ في الله الذي خلقه ويصلّي أمام العليّ.

11. بعد الصلاة على هذا المنوال، اجلس بورع أمام الرب الإله بدون استعجال وتفكّر بشكل كامل في كيف سوف تسلك خلال اليوم المقبل في ما يتعلّق بالرب الإله وبجيرانك وبموقعك الخاص في العالم. وإذا منعك شيء ما عن القيام بهذا التأمّل في بعض الصباحات، فقُمْ به في أي حال صباح كل أحد أو كل يوم مقدّس. إن جسدنا المجروح بالخطيئة الأصلية يلامس عدوَنا العتيق الأيام، أي الشيطان، ومعه يحاول باستمرار أن يمحو واجباتنا المسيحية من ذاكرتنا ليعيد إحياء مختلف قوانين العالم وفي الوقت نفسه، أو حتّى قبل ذلك، ينشّط مختلف وسائل إرضاء شهواته.
لا تنصِت إلى هؤلاء المعلمين المهلكين وحاول بشتّى الطرق أن تذكِّر نفسك بواجباتنا الروحية التي وضعها علينا الرب الإله، ومرة أخرى ثبّت القرار بأن تقوم بها بدقة أكبر واتّقان.

كيف نسلك في الصباح؟
الفصل الأول من كتاب “كيف نحيا حياةً مقدّسة”
غريغوريوس ميتروبوليت بترسبرغ (1784-1860)

في الصباح اسلكْ على الشكل التالي:
1. عند نهوضك، حاول أوّلاً أن توجّه أفكارك نحو الرب. ينبغي أن يكون توجيه الأفكار نحو الرب الإله نشاطنا الأكثر طبيعية في كل وقت من النهار أيضاً، إذ بكلّ تأكيد، لا يوجد ما هو ضروري وعزيز وغالٍ عندنا أكثر من الله. فعلى الأكيد أن كل ما لدينا الآن وما كان لنا، بما فيه حتى وجودنا، هو بلا ريب هِبة من الله.
إن الشخص الذي نحتاجه أكثر من غيره، والأغلى علينا، والأقرب إلينا هو الذي يأتي أولاً إلى فكرنا في الصباح. ما أن نستيقظ في الصباح، حتى يستيقظ التفكير في مَن أو ما يمثّل الحاجة الأكبر والأغلى عندنا. هذا يكون عادةً خلال المجرى الطبيعي للأمور. لهذا، طبيعي دائماً أن تتجّه أفكارنا أوّلاً إلى الله باستدعاء قلبي مثل: “المجد لك يا إلهنا! المجد لك أيها الرحيم”.
لا نكون مستحقين لتسميتنا مسيحيين إذا كنّا، عند نهوضنا من النوم، نفتح أعيننا الجسديتين وليس الروحيتين، وإذا كنا نفكّر أولاً بالأرض والأمور الأرضية وليس بالرب الإله.

2. إذا كان وقت استيقاظك هو وقت نهوضك أو هو قريب منه، فمن دون إبطاء قُلْ: “باسم الآب والابن والروح القدس”، فيما ترسم إشارة الصليب. ومن ثم “يا ربّي يسوع المسيح ابن الله ارحمني أنا الخاطئ”.

3. مباشرة بعد هذا، أو في الوقت نفسه، انهض من السرير. غالباً ما يكون النهوض سريعاً من السرير أمراً غير مُحَبَّباً لجسدنا لأنه، كمثل عبد كسول، يحبّ دائماً أن يستلقي وينام أو أن يترف ويبقى متراخياً. اعمل في كل صباح ضد رغبات جسدك الوضيعة ولتكن هذه المعارضة أولى تضحياتك للرب الإله. ومن الأسباب الأخرى للنهوض سريعاً من السرير هو أنه نافع للنفس إذ، كما لاحظ المجاهدون لخلاص النفس، عندما نستلقي في السرير لوقت طويل بعد استيقاظنا، تنشأ الميول غير الطاهرة بسهولة في أجسادنا كما تتحرّك الأفكار القذرة والرغبات في نفوسنا.
لاحقاً في النهار، هذه الأفكار تقود المهمِلين إلى السقوط في خطايا كبيرة وفي أخطار عظيمة تفقدهم خلاصهم. لكنْ كلّ مَن يعارض رغبات جسده بشجاعة في الصباح، يقاوم الأهواء التي تحدق به خلال النهار وفي المساء، وحتى الخطيرة منها. أنت تتعلمُ ذلك، إذا كنت تسهر على نفسك ولو قليلاً.

4. بعد النهوض من السرير، اغتسل مباشرة، وارتدِ ثياباً تليق بشخص محترم. ضروري أن نلبس هكذا في الصباح، حتى ولو لم يكن معنا أحد، لأننا، أولاً، لسنا وحدنا بالكليّة، فملاكنا الحرس والرب الإله موجودان معنا أينما كنّا وفي كل وقت. ملاكنا الحارس، إذا لم نبعده عنّا، موجود دائماً معنا. والرب أيضاً دائماً معنا على نحو لا يرقى إليه الشك، فهو إله كليّ الوجود، على ما يقول الرسول “لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ.” (أعمال 28:17).
ثانياً، بعد نهوضنا واغتسالنا، علينا أن نقف مباشرة أمام الرب الإله في صلواتنا الصباحية. نحن لا نجرؤ أبداً على الوقوف أمام رؤسائنا الأرضيين، الذين هم دون الرب، بلباس غير لائق. وأخيراً، إذا لبست بشكل مقبول مباشرة بعد النوم، فأنت سوف تحفظ نفسك من خطرين يتعرّض لهما الكثيرون في أيامنا، وهما: خطر إغراء الآخرين وخطر الإصابة بروح قلة الحياء. يا صديقي، ماذا نتوقّع في منتصف النهار وفي المساء ممّن هو وقح في الصباح؟

5. بعد أن تغتسل وتلبس قِفْ أمام الأيقونات المقدّسة وقُلْ صلاة النهوض من النوم كما حددتها ورتبّتها الكنيسة المقدّسة التي هي مفسّرة طريق الخلاص وحافظته. ولكي لا يعيق صلاتك أي شيء، خاصةً إذا كنتَ لا تجيد القراءة، احفظ عن ظهر قلب صلوات الصباح، أقلّه بداياتها. أهذا أمر صعب؟ كيف لك ألا تعرف عن ظهر قلب الصلاة الربية، صلاة “أبانا الذي في السماوات”. تعلّمْها! إنها أكثر الصلوات أهمية وحملاً للخلاص في كل الأحوال.

بسبب إلفتنا الطويلة مع الصلوات التي نحفظها أو نقرؤها من كتاب، نردّدها في بعض الأوقات بدون انتباه وافٍ لمحتواها، وبالتالي نحن لا نصلي بالحقيقة، بل نحلم بأننا نصلي ليس أكثر. لهذا السبب قد نصلّي أحياناً مستعملين كلمات من غير هذه الصلوات التي اختارتها وهيّأتها الكنيسة المقدسة. ولكن عندما تصلّي بهذه الطريقة راقب بانتباه الأمور التالية:

أ) اشكرْ الربّ الإله لأنّه حفظ حياتك خلال الليلة الماضية وهو من جديد يعطيك الوقت للتوبة وتغيير حياتك، لأن كل يوم جديد هو شيء جديد لنا، وليس بأي شكل من الأشكال خدمةً نستحقها من الله، لأن النهار الجديد لا يتبع الليل تلقائياً. كثيرون من الناس، ذهبوا إلى النوم في المساء، واستيقظوا لا في هذه الحياة بل في الأخرى: الأبدية. هل خسران الحياة هو على هذه الدرجة من الصعوبة؟ أحياناً، حتى فزعة خفيفة قد تودي بحياتنا. لا تمضي ليلة واحدة لا يموت فيها كثيرون. ما هي أفضليتنا على الذين ماتوا في الليلة الماضية؟ ألم يكن ممكناً أن نموت نحن أيضاً؟ نعم كان ممكناً وبسهولة كبيرة. لكن مَن الذي حفظنا من الموت غير الله الكلي الصلاح والفائق الرحمة الذي ينتظر دائماً توبتنا وتحوّل حياتنا؟ لقد حفظنا ومنحنا يوماً جديداً لكي نخلّص نفوسنا.
ألا نستطيع إذاً أن نشكر الرب الإله؟ في كل صباح اشكرْه بكل نفسك على هذا المنوال مثلاً: “يا ربي وملكي! أنا أشكرك لأنك في الليلة الماضية حفظتَ حياتي ومنحتني زماناً للتوبة وتحسين حياتي. الكثيرون من الناس حُرموا من حياتهم الأرضية في الليلة الماضية. اليوم الذي يبدأ ليس يوماً محتوماً في حياتي. إنه يبدأ لأنك أنت تعطيني إياه برحمتك التي لا توصف. كان ممكناً أن أموت في الليلة الماضية. لكنّك أنت، أيها الكلي الصلاح، حفظتني وأعطيتني يوماً جديداً لأخلّص نفسي. أشكرك بكل قلبي أيها الجزيل الرحمة”.

ب) اشكرْ الرب للإحسانات الأخرى التي تلقيّتها منه. اشكرْه لأنّه خلقك وحفظك وأنقذك وأتى بك إلى الإيمان الصحيح، وفي الإيمان الحقيقي منحك كل وسائل الخلاص وما زال يزوّدك بها. كل هذه الإحسانات عظيمة بشكل فائق للوصف وتستحق الامتنان العميق الذي لا ينقطع. أكنتَ أحسست بفرح الحياة لو لم يخلقك الرب؟ أكنتَ حياً الآن لو لم يحفظ حياتك؟ ما كان حدث لنا لو لم يفتدِنا؟ كم كانت تعاستنا لو لم يأتِ بنا إلى الإيمان الحقيقي ويمنحنا وسائل الخلاص! حتى الآن، نحن تعساء جداً بالرغم من كوننا على الإيمان الصحيح وحصولنا على وسائل الخلاص.
كم كانت تعاستنا لتكون من دون هذا الإيمان؟ اشكر الرب بلا انقطاع وبكل نفسك على هذا المنوال مثلاً: “أيها الرب الإله، يا أبي وملكي، أشكرك لأنك خلقتني وحفظتني ودعوتني إلى الإيمان الحقيقي وفيه منحتني، وما زلت تمنحني، كل وسائل الخلاص. كيف كان لي أن أحسّ بفرح الحياة لو لم تخلقني؟ كيف كان لي أن أحيا الآن لو لم تحفظ حياتي؟ ما كان ليحدث لي لو لم تفتدِني؟ يا لتعاستي لو لم تأتِ بي إلى الإيمان الحقيقي وتمنحني هكذا كل وسائل الخلاص! أشكرك بكل نفسي أيها الرب الجزيل الرحمة الكلي الصلاح.”

ج) اشكر الرب بعد أن منحك كلّ سبل الخلاص، وهو يؤهّلك لاستعمال هذه الوسائل. وبالرغم من عصيانك المتكرر، وبالرغم من الأسى المتكرر الذي تسببه له، وبالرغم من كل عنادك، فهو لا يعاقبك بحرمانك من عطيته العظيمة، أي الحياة، بل هو يواصل دعوتك وبشتّى الطرق يوجهك نحو الخلاص. آه! إن أجسادنا ونفوسنا كانت تحترق الآن في نار الجحيم الأبدية لو لم يكن الرب جزيل الرحمة وتوّاباً علينا. اشكرْ الربّ بكل نفسك.

د) اشكر الرب لأنّه تلطّف خلال الليلة الماضية فشدّد قواك الجسدية ومنحك إمكانية الانهماك مجدداً في الأعمال العالمية الضرورية والنافعة. كم من البشر يعجزون عن تحصيل قوتهم اليومي لنقائص مختلفة؟ كم هم العاجزون بسبب أمراض متنوعة عن الحركة الضرورية، وهم يشكّلون بشكل مستمر عالة على الآخرين وعلى أنفسهم. اشكرْ الرب من كل قلبك على تشديد قواك الجسدية.

ه) بعد هذا صلِّ من كل نفسك لكي يصفح الرب الإله عن خطاياك التي لا تُحصى، سواء كانت بالفعل أو بالنيّة أو بالرغبة أو حتى بالفكر. لا تغفل هذه الصلاة أبداً: أنتَ خاطىء دائماً في عيني الربّ. في هذا ينبغي ألا يخدع الإنسان نفسه، “لأَنَّنَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا”، على ما يقول الرسول بروح الله (يعقوب 2:3). وإذا قلنا أننا بلا خطيئة، فنحن نخدع أنفسنا، والحقيقة ليست فينا، على ما يقول رسول آخر بالروح ذاته (1يوحنا 8:1).

صلِّ إلى الرب الإله أن يمنحك رغبة راسخة ثابتة للسكن فيه دائماً وكليّاً، فهو المحسن الوفي إلينا ابتداءً من هذا اليوم. هذا يعني أن نضع دوماً إنجاز إرادته في رأس أولوياتنا وأن نجهد بشكل ثابت إلى العيش في توافق تامٍ معها، وبالتالي أن نحاول بغيرة وقبل أي شيء آخر أن نكشف إرادته الإلهية، التي هي نفسها دائماً من جهتنا، قداستنا (1تسالونيكي 3:4)، وخلاص نفوسنا (1 تسالونيكي 9:5؛ 2 تسالونيكي 13:2).

7. لكي تكون أكثر ثقة من قدرتك على حفظ نفسك من الخطيئة خلال النهار المقبِل، حاول فيما الوقت صباح، أن تفكّر في كل ما قد يحدث لك خلال النهار. حاول أن تتفحص ما أنت مقبل على عمله ومع مَن سوف تمضي وقتك. ما هي أسباب الخطيئة التي قد تواجهها؟ متى وأين؟ ما هي إمكانيات الخير التي قد تصادفها؟ متى وأين؟ أليس بعض الميول، مثلاً بسبب زهوك أو كبريائك أو غضبك أو غيره؟ بعد أن تفحص كلّ شيء بهذه الطريقة حاول مجدداً أن تفكّر في كيف تكون قادراً عل عبور هذا النهار بكامله من دون خطيئة، كيف تتعامل بلا عيب مع هذا الشخص أو ذاك، كيف تستفيد من كل فرص الخير التي قد تسنح لك، كيف السبيل لتجنّب مختلف فرص الخطيئة ورغباتها، وفي حال انعدام إمكانية تجنبها كيف تتصرّف من دون أذى مع هذه الظروف والتجارب.
مثلاً، إذا كنتَ ترى أنك سوف تمضي وقتاً في العمل مع شخص سيء الطباع، عليك إذاً أن تحاول مسبقاً التفكير في كيف تتصرّف في حضوره بشكل حليم ومهذّب حتى لا تثير غضبه مطلقاً بل تبقى في سلام معه. من دون هذا الإعداد لأنفسنا ضد الخطيئة، يستحيل، أو أقلّه يصعب جداً، أن نحمي ذواتنا من الخطيئة وأن نتبع تعليم الرب من دون تعثّر. إن الذي لا يتّخذ في كل صباح قراراً صارماً ولا يبذل جهداً ليصون ذاته من الخطيئة خلال النهار المقبِل، لا يحفظ نفسه من الخطيئة بشكل متقَن، وشيئاً فشيئاً يتخلّى ليس فقط عن الجهاد بل حتّى عن الرغبة، لا بل عن مجرد التفكير، بواجب حفظ الذات من الخطيئة. إذا لم يُصَن فتيل القنديل، بل في كل مرة يتدفّق الزيت إلى القنديل، فلن يستمرّ بالاشتعال وسوف ينطفئ. أيها الصَديق، لا تنسَ هذا الاستعداد لمواجهة الخطيئة، فهو ضروري كل صباح. عندما تحاول فعلاً أن تصون نفسك من كل خطيئة وأن تسلك في حياة مرضية لله ومقدسة، فسريعاً ترى بنفسك أهمية هذا الاستعداد ونتائجه المفيدة.

8. حتى تكون قادراً على أن تسلك في حياة القداسة بسهولة وأمان أكبر، صلِّ إلى الرب الإله أن يباركك بمنحك وعياً ثابتاً وغيرة لتلافي فرص الإثم، وخاصةً الخطيئة التي تميل إليها أكثر من غيرها بطبيعتك أو بالعادة. إن هكذا خطيئة تدفع كلاً منّا إلى إشباع رغبتها، وكلّنا الذين لسنا مكرَّسين بالكليّة لله نقضيها طوعياً، ومتى واجهنا عوائق أمام قضاء هذه الخطيئة نسعى بكل قوتنا لإزاحة هذه العوائق وإلى شقّ الطريق حتى تكون تتم هذه الخطيئة بدون عوائق وبدون تأخير إن أمكن.
صعب جداً لشخص أن يحمي نفسه من هكذا خطيئة فيما عدونا العتيق الأيام يهاجمنا، بتغطرس وبغير تردد، غالباً ليس من لا مكان بل من جهة خطيئتنا المعتادة المفضّلة. صلِّ من كل نفسك.

9. بعد أن تتفحّص وتفكّر في كل ما هو ضروري لحماية نفسك من الخطيئة ولتركيز نفسك في الحياة المرضية لله، صلِّ أيضاً بكل قلبك إلى الرب الإله ليشدّد إرادتك وقواك ولا يسمح لك بأن تضعف كما سبق وضعفت غالباً. من دون هذه الطلبات المعبّر عنها بهذه الصلوات أو بتلك، لا تتورط في أي يوم بأي أمر، لأي سبب إلا ما هو خارج كلياً عن سيطرتك. كيف نستطيع أن نعالج أي أمر من غير بركة الله؟ فمن دون بركة الله كل أعمالنا تافهة. لكن بركة الله، مثل كل نعمه، تُكتَسَب بالصلاة فقط (يعقوب 17:1). صحيح أن الله في صلاحه غير المتناهي يعطي النجاح أحياناً لأشخاص لا يصلّون أو حتى لغير الأتقياء. لا تهتمّ لذلك. عندما تأتي هذه الفكرة إلى رأسك فكّر مباشرة بالمصير الرهيب الذي بلغه الغني الذي قال عنه الإنجيل أنّه أحبّ أن يتنعّم كل يوم (لوقا 19:16-32).
كان ناجحاً في كل شيء في حياته، لم يحسّ بأدنى حاجة، وكانت له كل وسائل إشباع رغباته الحسية وقد أرضاها بشكل كامل. لكن هذه الطريقة من الحياة، بعد موته، أغرقته في عذابات الجحيم. وعندما التمس من إبراهيم بشكل بائس، كونه تعذّب بشكل مريع في اللهيب، أن يريحه من عذاباته، رُفض. والرفض كان لأن على السعيد في هذا العالم أن يتذكّر كل دقيقة بعويل: “يَا ابْنِي، اذْكُرْ أَنَّكَ اسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتِكَ فِي حَيَاتِكَ، وَكَذلِكَ لِعَازَرُ الْبَلاَيَا. وَالآنَ هُوَ يَتَعَزَّى وَأَنْتَ تَتَعَذَّبُ.” (لوقا 25:16).

10. على المرء أن يصلّي هكذا خاصةً في الصباح، وعليه أن يتخّذ هذا القرار وهذه التدابير الحكيمة في الصباح. ليس من وقت أنسب للصلاة ولكل التعهدات الحسنة مثل الصباح، لأن الإنسان لا يكون أكثر قدرة على الصلاة وعلى الاهتمام بالأعمال وعلى التفكير كما في الصباح. ففي الصباح تكون أفكاره أقل ضيقاً وقلبه أكثر نقاوة وبمقدوره أن يحتوي نفسه بسهولة أكبر من أي وقت آخر. في الصباح لا تزعجنا ضرورات الحياة وتكون الأهواء ما زالت نائمة وطبيعة ما حولنا تضعنا في حالة رصينة تأملية.
مع عبور الصباح تستيقظ الأهواء وتتحرّك الحاجات اليومية الاهتمامات ويبدأ الإنسان بالعمل والكدح مثل عبد عليه دائماً أن يأكل خبزه بعرق جبينه. أيها الصديق، اقضِ الصباح في الصلاة وفي الرعاية التقيّة لحياتك. في صباح كل يوم، ضعْ لهذا اليوم هدفاً عالياً. كن حكيماً لأن روح الله تصوّر سلوك الإنسان على هذا المنوال: باكراً يعطي قلبه ملجأ في الله الذي خلقه ويصلّي أمام العليّ.

11. بعد الصلاة على هذا المنوال، اجلس بورع أمام الرب الإله بدون استعجال وتفكّر بشكل كامل في كيف سوف تسلك خلال اليوم المقبل في ما يتعلّق بالرب الإله وبجيرانك وبموقعك الخاص في العالم. وإذا منعك شيء ما عن القيام بهذا التأمّل في بعض الصباحات، فقُمْ به في أي حال صباح كل أحد أو كل يوم مقدّس. إن جسدنا المجروح بالخطيئة الأصلية يلامس عدوَنا العتيق الأيام، أي الشيطان، ومعه يحاول باستمرار أن يمحو واجباتنا المسيحية من ذاكرتنا ليعيد إحياء مختلف قوانين العالم وفي الوقت نفسه، أو حتّى قبل ذلك، ينشّط مختلف وسائل إرضاء شهواته.
لا تنصِت إلى هؤلاء المعلمين المهلكين وحاول بشتّى الطرق أن تذكِّر نفسك بواجباتنا الروحية التي وضعها علينا الرب الإله، ومرة أخرى ثبّت القرار بأن تقوم بها بدقة أكبر واتّقان.

من صلاة يسوع إلى الصّلاة القلبيّة

من صلاة يسوع إلى الصّلاة القلبيّة

الأب جون بريك

نقلها إلى العربية الأب نقولا مالك

غالباً ما نستعمل عبارتَي “صلاة القَلب” و”صلاة يسوع” بمعنًى واحد. إلاّ أنّنا يجب أن نتبيَّنَ الفرق بينهما. فإنَّ صلاة يسوع قد تكون آلِيّةً وقد تكون تأمّليّة، حسب درجة النّضوج الروحيّ عند الأشخاص. في الحالة الثانية، تكونُ فعلاً صلاةً قلبيّة.
صلاة يسوع مبنيّةٌ أساساً على اسم يسوع: “يا ربّي يسوع المسيح ارحمني”.
لا يتحوّلُ التوسُّل إلى صلاةٍ قلبيّةٍ حقيقيّة إلاّ بشروطٍ معيّنة. ورد في العظة التاسعة عشرة للأب مكاريوس المصريّ ما يلي: “كلّما اقترب الناسُ من الله، وجبَ عليهم أن يغصبوا أنفسهم بجهدٍ شديد لانتظار نعمته بإيمانٍ غيرِ مهتزّ. عليهم أن يجاهدوا ليصلُّوا حتّى عندما يفتقدون الصّلاة الروحيّة. وعندما يرى الله كيف يثابرون على الجهاد للصّلاة، حتّى ولو لم يكن قلبُهم حاضراً فيها، يجود عليهم بموهبة الصلاة الروحيّة الحقيقيّة، وبالمحبّة الحقيقيّة، والحنان الحقيقيّ، والرحمة الحقيقيّة. باختصار، يملأهم الله بمواهب الروح القدس.
هذا الجهاد يجعلنا منهمكين في “الصلاة العمليّة”. وهذه ليست طريقةً تقود إلى الغوص في الحياة الروحيّة بصورةٍ أعمق؛ لأنّ هذا الغَوصَ لا يتأتّى إلاّ عن تجاوُبِنا بتواضُعٍ مع نعمة الله. تكرار الصلاة باستمرار يقودُنا إلى التغلّب على شرود الذهن وغيرِه من الانعكسات الذهنيّة. إنّه يقود إلى بساطة القلب وانفتاحه على يسوع بصورةٍ حصريّة. التواضع هو مفتاح هذه الحركة الداخليّة. إنّه يخوّلنا أن نشعر بحضور الله ومساعدته، ونتقبّل منه موهبة الخلاص. إنّه يؤسّس الثقة بالله، وأنّه سوف يرانا في أوقاتِ اضطِرابِنا، وأنّه سيكون نورَنا عندما نمشي في الظلام، وأنّه سوف يُريحُنا في أوقات المَرَض والضغوطات النفسيّة والجهاد الروحيّ. كلّ هذا يمنحنا إيّاه الله من خلال صلاة يسوع.
عندما تمدّ هذه الصلاةُ جذورَها فينا، يستنير قلبُنا بثقةٍ عميقة، تنتشلنا من العمى السّابق الذي كان يجعلنا لا نصلّي إلاّ شفويًّا. والآن، بتنا نستقبل الصلاة ككنزٍ نفيس. حسبما شرحنا أعلاه، نرى أنّ صلاة يسوع هي فرحٌ يولّد تجاوباً شُكريّاً.
في هذه المرحلة من مسيرة الحجّ الروحيّة، يصبح القلب متحوّلاً بالنعمة. وهذا لا يمنع أنّ الله يسمح بأن نجرَّبَ مرّةً بعد مرّة، لكي يعلّمَنا أنّنا به وحده نستطيع أن نصل إلى القوّة وتمام الرّجاء. ولهذا، من الضروريّ جدّاً أن نتقبّل ضعفنا وفشلَنا بروحِ التواضع الحقيقيّ. لا أحد يستطيع أن يكتسب التواضع ما لم يمتلك الأدوات المناسبة لذلك، الأدوات التي تقودُنا إلى قلبٍ متّضعٍ منكسر، وإلى إلغاء أفكارِنا المسبَقة. لأنّ العدوّ غالباً ما يكتشف مواطن الضعف فينا، وهذا ما يساعده لكي يثنينا عن الطريق التي تقود إلى الحياة.
بدون التواضع، يستحيل على الإنسان أن يكتسب الكمال الروحيّ. نحن نتعلّم من التجارب، وبدونها لا يستطيع أحدٌ أن يكتسب التواضع الحقيقيّ. في هذه الحالة من تقبُّلِ التجاربِ بتواضع، وإحالَتِها باستمرارٍ إلى يَدَي الربّ القدير، تتحوّل صلاة يسوع إلى صلاة القلب.

حول الانفصال عن الله: مختارات من البوق الإنجيلي

حول الانفصال عن الله: مختارات من البوق الإنجيلي

مكاريوس معلّم باتموس

نقله إلى العربية الراهب أثناسيوس الدمشقي

 

إنني قد طالعت كتاب أعمال الرسل فوجدت فيه كلاماً مسطراً عن بولس المطوّب. أنّه لما عزم على السفر من كورنثوس، سبّب للمؤمنين تأسفاً على فراقه وتحسراً عظيماً، وجلب عليهم غماً وألماً جسيماً. حتى أنهم انطرحوا منكبّين على عنقه، وطفقوا يطلبون إليه ببكاء جزيل وعبرات غزيرة، ألاّ يدعهم خائبين من مشاهدته. فوعدهم بحضوره لعندهم. فبالنسبة إلى هذا الأمر اعتبر حالَك أيها الخاطئ التعيس المنكود حظه. يا ليت شعري إذا كان فراق أحد الرسل قد أضرم في قلوب المؤمنين نيران الحزن والغم بهذا المقدار، فكيف تكون حالتك إذا انفصلتَ، ونأيتَ، ولا أعني بقولي عن انفصالك من أهلك وأقاربك، ولا عن افتراقك من خلانك وجيرانك، ولا عن مفارقتك للملاك الحافظ نفسك، ولا عن ابتعادك من بقية الطغمات الملائكية، ولا عن انفصالك من مرافقة جمهور الأنبياء، ولا عن فقدك معاشرة محفل رؤساء الآباء الصديقين، ولا زمرة الرسل القديسين، ولا مواكب الشهداء والمعترفين، ولا عن ابتعادك من السماء نفسها، ولا عن افتراقك من الفردوس، ولا عن بقية سعادة الصديقين. بل إنما أقول لك عن انفصالك من الآب السماوي فقط. لأن بقية العذابات وسائر العقوبات كالنار الأبدية، والظلمة القصوى، وصريف الأسنان وغيرها من العذابات المختلفة الأنواع، إذا قسّمتها بالنسبة إلى انفصالك من الله تعالى فتجدها كَلا شيء. فقل لي إذاً كيف تقدر أن تحتمل هذا الأمر، وهو أن تكون منفصلاً من هذه الأحضان الأبوية، أحضان خالقك وسيدك ومولاك؟ أيّ يأسٍ وقنوط يشملك؟ وأي بحرٍ من الحزن يغمرك؟ وأي نهرٍ ناري من الغمّ والكآبة ينسكب على نفسك الشقية، إذا ما انفصلت من هذا السيد الحليم الجزيل الوداعة ونزحت عن هذا الإله اللطيف العطوف جداً؟ ألا تعلم أن هذا الانفصال يوليك الفضيحة والخزي؟ صدقني أن هذا أمضٌ من نيران العذاب. هذا مقدمة مصيبتك وخاتمتها.
وإن شئتَ أن تتحقق ذلك وتتأكده، فافتكرْ بما جرى في العصر القديم، عندما قطع هيرودس المنافق رأس يوحنا السابق. وكان ربنا له المجد على الأرض بالجسد. فأيّ تأديب وقصاص جلب على أولئك القوم الذين تجاسروا على هذا الصنيع عندما بلغه خبر صنيعهم. إن الإنجيلي المتأله اللبّ لم يقل في هذا الصدد شيئاً سوى “أن يسوع لما سمع ذلك تحوّل ماضياً من هناك إلى مكان قفر”. لأنه لم يجد تأديباً يؤدّبهم به وقصاصاً ينزلُه بهم أعظم من هذا التأديب والقصاص العظيم جداً، وهو انفصالُه منهم وانصرافه عنهم.
ولعمري أنّ هذا الأمر نفسه تفهمُك إياه الظلمة التي صارت على الأرض كلّها في حين صلب الربّ. لأنه من حيث أن ذلك التجاسر كان مستغرباً لا قياس له، وما من شيء من الأعمال الأثيمة يشابهه أصلاً، فلذلك حلّ بهم التأديب والقصاص العظيم الذي ما من شيء يوازيه ليوضح لهم أنّ انفصاله منهم سيكون لهم عذاباً شديداً وانتقاماً مريعاً أشدّ من كلّ عذابٍ وانتقام.
وهاك قياساً صحيحاً سأورده لك كفيلاً بأن يفهمك. وهو: أنّ الله تعالى هو العلة الأولى لكلّ خير. والذي يكون منفصلاً من ينبوع النور والضياء أي نورٍ يبقى له؟ والذي يكون منفصلاً من أبي كلّ سلوةٍ وعزاء، أي أثرٍ من الفرح والسرور يبقى له؟ فالناتج إذاً أنّ الإنسان الذي ينفصل من الله تعالى، جلّت آلاؤه، يبقى على هذه الصورة مظلماً مقتماً وخالياً من كلّ خيرٍ وصلاح.
كتب أوريجانس في مؤلّفاته أنّه حينما كان مغلقاً على نوح البار داخل السفينة، كانت الأرض عقيمةً وغير مولِّدة، ولم يونع فيها نباتٌ أصلاً، ولا ظهر على وجه الأرض زهرٌ ولا ثمرُ أبداً، لأن الشمس لم تكن تطلع على الأرض في ذلك الحين. فإذا كان فقدان هذه الشمس الحسّية صار سبباً لتلاف الأرض وبوارها، وعلةً لعظم الجدب والمُحْل الذي أصابها، فماذا نستنتج عن الإنسان الشقي المسكين، إذا بقي منفصلاً من الله الجواد العظيم العطايا خالقِه وجابله؟ أيّ تعاسةٍ تشمله؟ وأيّة مصيبة تدهمه؟ وفي أية حالة شقية يكون؟
كان المعلمون الجهابذة يتباحثون في أمر شمشون بعداوة عظيمة حتى الموت، فلما قبضوا عليه لِمَ لم يحلقوا شعر رأسه ثانية، ما دامت قوته الأولى تعود إليه أيضاً إذا نبت شعره؟ لم يفعلوا ذلك بسبب إهمالهم وكسلهم أم بسبب جهلهم وعدم معرفتهم؟ ويجيبون قائلين في حل هذا المشكل هكذا: إن الفلسطنيين لم يعبئوا بذلك لعلمهم أنّ الرب قد ابتعد عنه، ولم يخشوا بأسهُ أيضاً لأن انفصال الله تعالى عن شمشون منحهم ثقةً وعشماً حتى شدوا ذلك البطل الصنديد الذائع الصيت وربطوه إلى حجر الرحى كحيوانٍ فاقد النطق. ولعمري أن هذه الداهية نفسها بل أعظم منها بما لا يقاس تدهمك أنت أيضاً أيها الخاطي غير التائب بعد انفصالك عن الله. ولا يبقى لك فيما بعد أثرٌ من السلوة والتعزية أصلاً، ولا خيال من الفرح والسرور أبداً، لا من تلك التسلية التي يمنحها ضوء الشمس والقمر للكواكب، ولا من ذلك الانتعاش الذي يُستمد من لطف النسيم. لكنك تُسلَب كل سلوة وعزاء حتى أن العناصر التي بها يتعزّى بقية الناس ويتسلّون تصير أعداءً لك، وجماهير القديسين أنفسهم يعادونك، والسيدة البتول الطاهرة تبتعد عنك، والسماء بجملتها ترفضك. وإنما يصير هؤلاء جميعهم أعداء لك لأنك جعلت وسائلهم وشفاعاتهم التي كانوا يقدمونها من أجلك فيما سلف باطلةً لا تجدي نفعاً. وما لي أقول أن الأقرباء والقديسين يكونون أعداء لك ومبغضين ولا أقول أن آدم ابن الله الطاهر نفسه، والصليب الكريم الحامل الظفر بعينه، يكونان لك عدوين ومبغضين ومقاتلَين لنفسك الشقية المستوجبة النوح والبكاء.
إنني أعرف أين تعلّقٌ أمَلَك أيها الخاطئ غير التائب. أفلستَ واثقاً أيضاً بلجة تحنن الله تعالى؟ والحال أنك من أجل هذا يجب أن تخشى وترتعد أكثر، لأنك ستكابد حرَّ نار العذاب الأبدي بأوفر المضض والألم من جراء عظم خيانتك، وقلّة شكرك، وعدم وفائك الذي أظهرتَه نحو السيد الكريم المفضال العظيم المواهب. وذلك على نحو وفور غنى المواهب والنعم التي نلتها من لجة تحننه تعالى. وعلى نحو ما أظهر من الهمة الوافرة والنشاط الكامل في إصلاحك وتقويمك سوف يوبّخك ويبّكتك بأشد القساوة لأنك أضحيت خائناً منافقاً، وعديم الخضوع والإذعان وفاقد التصوّر والإدراك. فقل إذاً بماذا تؤمل مطمئناً. أتؤمل بحكمة قاضيك وحاكمك؟ والحال أنه من أجل هذا أيضاً يجب أن ترهب وترتعب بالأكثر. لأن الحق ذاته سوف يكون دياناً لأعمالك وشاهداً عليها. كما يقول إرميا النبي “إنني أنا شاهد وقاضٍ”. فبماذا إذاً تثق متعشماً؟ أأنت واثق بقدرته الكلية؟ والحال أنه من أجل هذا يجب أن ترتعد وتفرق أكثر لأنك عندما تكون واقفاً في تلك الدينونة لا يمكنك أن تقاوم، ولا تجد مكاناً تختفي فيه لتهرب من أمام قوته الكلية القادرة على كلّ شيء. فبماذا تتعشّم طامعاً؟ أتتعشّم بعدله الإلهي؟ والحال أنه من أجل هذا ينبغي لك أن تخاف وتهلع أكثر. لأن الله تعالى لا يدع خطيئةً من خطاياك بلا قصاص وعقاب. وأعظم من ذلك أيضاً أنه عزّ اسمه قد بذل ابنه الوحيد المساوي له في الجوهر وأسلمه إلى الجلد والسياط والآلام والصلب. وذلك كلّه لأنه كان لابساً صورة خطيئتك لا غير. فعليك إذاً أن تحكم حكماً عادلاً في هذا اليوم الذي هو يوم المحاكمة. واعطِ الله تعالى حقّه الواجب عليك. وأفرز له نفسَك وجسمَك وحواسَك كلها بما أنّك خِلقته وجبلة يديه. واعرف ضعفك وعجزك وافهم دناءتك وخسّتك، وكُف من الآن فصاعداً عن معاندة هذا السيد الكلي القدرة، ومقاومة هذا القاضي الديان الكلي الحكمة. ميّز تمييزاً حميداً واحكم على ذاتك. أنه من الواجب واللائق أن تكشف خفايا قلبك ومكنوناته لدى أحد الأطباء قبل أن يدركك ذلك اليوم الرهيب وتشهر خفاياك ومكتوماتك تجاه أعين السماء والأرض، قدام الملائكة والبشر. ميّز بعقلك أنه واجب عليك أن تحرق خطاياك ومآثمك بانسحاق القلب لكي لا تقع في تلك النار الجهنمية وتحترق احتراقاً مؤبداً فذلك ربح عظيم وكسبٌ جسيم لك.
قد قال علماء الطبيعيات وعلى الخصوص بلوتارخس الحكيم، أن الصاعقة حيثما وقعت سحقت الأشياء الصلبة القاسية وطحنتها. وأما الأشياء الليّنة الرخوة فلا تضرّها ولا تؤذيها. والحال أنّ هذا الأمر بعينه يكون في الدينونة الرهيبة التي يقضي بها هذا القاضي العادل فإنه يدقّ الخطأة القساة غير التائبين ويطحنهم ويطرحهم في النار المؤبدة. وأما المتواضعون والتائبون فيرّق لهم ويرحمهم.
فإذاً حتّام أيها النفس الشقية غير التائبة تلبثين مصرةً على فظاظتك وقساوتك وعلى عدم الخضوع لشرائع إلهك وخالقك، وعلى عصيان نواميسه الإلهية وأوامره الخلاصية؟ إلامَ تحتملين أن تعرفي ذاتكِ أنكِ من الذين سيسمعونه تعالى قائلاً لهم بصوت مهول وغضب شديد “اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار المؤبدة” ولا تتوبين نادمة على خطاياك؟
نعم إنه من الواجب علينا ألاّ نضيّع وقت هذه التجارة الحميدة. لأنّ هذا القاضي المقسط هو الذي وهبنا هذه الحياة إجلالاً لهذا الربح وهذه الفائدة الجميلة. أي لكي نجعل ذواتنا أهلاً لحزب اليمين وننجو من حزب الشمال. وقد أبقانا أحياء إلى هذه الأيام وأوصلنا إلى هذا التذكار تذكار دينونته الرهيبة. لكي نتصالح متسالمين مع القاضي الديّان ونطرح عنا أعمال الشجب والهلاك ونلبس أعمال البرّ والعدل. لأنه من يعرف إن كنا نسمع أيضاً فصل إنجيل هذا اليوم الرهيب متلواً في مثل هذا اليوم من العام المقبل؟ ومن يقدر أن يعرف مَن منا يكون فوق الأرض ومن يكون تحت الأرض؟
فالجدير بنا إذاً أن نخمد غضب الديان العادل ونطفئه بزيت الرحمة والصدقة، أو بهطل جداول الدموع والعبرات الحارة. يا ليت شعري إلى أية ساعةٍ نخبئ دموعنا ونتحفّظ عليها؟ من لنا أعزّ وأكرم من ذواتنا لنبكي عليه؟ ما لي أراك يا هذا تذرف سواقي من الدموع في موت أبيك، أو أمك، أو ابنتك، وأما في موت نفسك فلا تبكي عليها ولا تندبها؟ أنه من الواجب أن نبكي على نفوسنا في هذا اليوم بكاءً وقتياً. لكي ننجو من تلك الدموع المؤبدة التي لا تجدينا نفعاً. والخليق بنا أن نتنهد الآن تنهداً زمنياً لكي نسلم ناجين من تلك التنهدات الأبدية التي نسأله تعالى أن ينجينا منها برحمته التي لا تقدّر ولا تحدّ. له المجد والعزة والسجود إلى أبد الدهور التي لا تحول ولا تزول آمين.

السلوك مع الله: مختارات من البوق الإنجيلي

السلوك مع الله: مختارات من البوق الإنجيلي

مكاريوس معلّم باتموس

نقله إلى العربية الراهب أثناسيوس الدمشقي

 

يكون الإنسان شقياً لأنه يُعدَم الله تعالى الخير المحض. لأنه إذا صحّ أن الله جلّ شأنه يبتعد من الخطاة بعيداً، ففي أيّ تعاسة تكون الجبلة المنفصلة من جابلها؟ ألا تكون في تلك الحال كالجو إذا خلا من الشمس وأرخى عليه الظلام الحالك سدوله؟ وكالعين إذا نشفت ونضب ماؤها؟ وماذا يكون الإنسان المسكين بعد انفصاله من خالقه إلاّ كرمة أغصانها جافة ويابسة تماماً، وجسد إنسانٍ قد فارقته النفس؟ لعمري إن التشابيه والمقاييس في هذا المحل ضعيفة وركيكة جداً، وليست كفؤَة لإيضاح حالة الخاطئ المرثى لها وتبيينها كما يقتضي. فلنستفد بذلك من ضده وعكسه: فما هو الإنسان المسيحي؟ لعمري أنه ليس عبداً مكرماً ومشرفاً من الله تعالى، بل صديق محبوب جداً وخليل خصيص أيضاً، لا بل ابنٌ مجيد وجليل لله العليّ تقدست أسماؤه، الذي من تلقاء فور صلاحه وغزارة خيريته يقتبل الإنسان مثل ابنٍ وضعيّ ويتبنّاه بالنعمة، ويصعده إلى سمو مجدٍ وشرفٍ عظيم وعزٍ وإكرامٍ بازغ حتى يجعله بالنعمة شريكاً في مواهبه وخزائنه ومساهماً لأوصافه وألقابه. وأقول أن الله يجعل الإنسان شريكاً للطبيعة الإلهية. كما قال بطرس الرسول في رسالته الثانية “أنكم قد منحتم المواعيد المكرّمة الجسيمة. لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية”. فإذا سقط الإنسان بارتكابه الخطية من هذه المنزلة السنية الفاخرة. والمرتبة الجليلة الباهرة. لا يعود الله تعالى يتخذه بعد ذلك ابناً له ولا صديقاً ولا عبداً. لكنه يقول له علانية “إنني لست أعرفكم” فكيف لا يرثى لمَن هذه حاله؟
إن عيسو التعيس لما علم بأنه قد عدم البكورية، وطرق سماعه أنها قد أعطيت لأخيه يعقوب ببركة أبيهما اسحق، اشتمله حزنٌ بليغ وغمٌ جزيل، حتى طفق يزعق صارخاً على مسمع الجميع، ويبكي بكاءً محزناً بعبرات سخينة نادباً مصيبته العظمى وتعاسته القصوى التي لا سلوة لها. يشهد الكتاب المقدس بقوله “وكان لما سمع عيسو كلام أبيه اسحق عجّ صارخاً بصوت عظيم محزن جداً”. حقاً أن الخاطىء الشقي تعيس وحالته أشقى من حالة عيسو أيضاً. لأنه من تلقاء الخطيئة يتعرّى من الله تعالى جلّ جلاله، لا من بركة البكورية فقط بل من موهبة البنوة الوضعية أيضاً ولا يبقى له بركة أصلاً بل بالأحرى تدوم له اللعنة. كما يقول الكتاب بفم الحكيم ابن سيراخ “أنكم إذا متّم فللعنة تقتسمون” وكيف يكون ذلك يا ليت شعري؟ يكون بأن الله عزّ اسمه ينفصل من الإنسان بسبب الخطية. ويفسخ تلك القرابة العجيبة الجليلة. ولا يعود يسكن في قلب الخاطىء. فلا يكون الإثنان واحداً فيما بعد حسبما يقتضيه حدّ المحبة وشرطها. إن الله تعالى بحسب كونه غير محصور ولا متحيز فهو موجود في كل مكان وصقع أكثر من وجود الشمس ولكنه موجود في قلب البار الصديق على نوع ممتاز وكيفية مخصوصة، فيحضر عنده بإكرام أكثر من إكرام الملاك عندما كان يخاطب جدعون. ومن إكرام رئيس الملائكة عند مفاوضته للبتول. وأما الخطأة فإن الله يبتعد عنهم بعيداً. فمن كانت هذه حاله كيف لا يكون مستوجباً للنوح عليه؟ وكيف لا يكون أكثر شقاوة وأوفر تعاسة من كل الناس؟ وكيف لا يكون لابساً بالحقيقة جلود آدم الميتة الخسيسة الفقرية المسببة النوح والبكاء؟
طالعوا يا هؤلاء في الكتاب المقدس وتأمّلوا كم من وفور السلوة والعزاء، وكم من عِظم الاطمئنان والثقة، وكم من إفراط الفرح والسرور كان يمنح الله تعالى لمحبيه وأصدقائه، عندما كان يوضح لهم أنه حاضرٌ معهم؟ فإنه جلّ شأنه لما أراد أن يقوّي اسحق ويشجعه لكي لا يخشى من مؤامرات الفلسطينيين “قال له لا تخف لأني معك”. وعندما أمر يعقوب بالعودة إلى وطنه، قال له “لا تخف لأني أنا معك”. وعندما أمر موسى بالمجيء إلى مصر لكي يعتق إسرائيل من العبودية، هكذا قال له أيضاً “لا تخف لأني أنا معك”. ولما قصد أن يشجع ابن نون ويقوّيه ويمنحه ثقةً وطمأنينة ليتقلد سياسة الشعب. هكذا قال له أيضاً “لا تخف لأني أنا معك”. وإذ أرسل ارمياء النبي لينذر العصاة بالحق، قال له هذا القول نفسه. فالملخّص إذاً من ذلك أنه إذا كان حضور الله تعالى عند محبيه وأصفيائه يمنحهم دالةً وثقةً، ونعمةً جزيلةً، وعوناً وتأيَيَداً، وقوةً وبأساً، ففي أيّ تعاسة يكون الإنسان الخاطئ عند غياب الله عنه؟ وفي أيّ مصيبةٍ مستوجبة البكاء يوجد؟ وفي أيّ حالة شقية محزنة يستقر؟
إن الله تقدّست أسماؤه لما غاب عن شمشون البطل الصنديد، وابتعد عنه بسبب خطيئته، فارقه للحال بأسه وعزمه وعدم الدالة والاطمئنان الذي كان له. فأضحى أعمى ومكبّلاً بالقيود، وصار منظراً مهولاً يرثى له. وطفق يدير حجر الرحى مثل حيوان عادم النطق.
ولما غاب عن منسّى الملك، عدم حريته وسلطته الذاتية ووقع أسيراً في أيدي أعدائه. ولما غاب عن شاول عدم ملكه وحياته وصار عبرةً للأجيال المتأخرة.
ولما انفصل عن عالي الكاهن، فقد أولاده وكهنوته معاً ومات ميتة محزنة يرثى لها.
ولما انفصل عن عوزيا الملك عدِم للوقت عافيته المأثورة وانضرب ببرصٍ شنيع من مفرقِه إلى قدميه ومات شرّ ميتة.
ولما انفصل عن شعب اسرائيل المحبوب حصل عارياً من الملك والنبوة والكهنوت والعبادة ومن سعادته الأولى تماماً.
فهذا الإله العظيم الذي انفصل من هؤلاء فدهمتهم هذه المصائب المتنوعة هو نفسه ينفصل منك أيها الخاطىء. فكيف يمكن لي أن لا أقول أن حالتك تصير بهذا الانفصال محزنة ومستوجبة للنوح والبكاء، وفاقدة للتسلية والعزاء وعلى الخصوص لأنك لم تشعر بما عدمت ولا أنت عارف ماذا فقدت؟
إن آدم يندب ذاته منتحباً على ابتعاده من جابله، وشمشون يبكي بعويل على انفصاله من الله تعالى خالقه. ومنسى ينوح نادباً، وعالي الكاهن يحزن مغتّماً وعوزيا المسكين يتوجع حزيناً. وبالاختصار أقول أن عدّة رجال معتبرين من أولي الرتب والمناصب عرفوا مصائبهم وندبوها. وأنت يا هذا لم تزل حتى الآن عديم الإحساس والشعور بخسارتك العديمة المقدار؟ وقلبك القاسي لا يزال جاهلاً ماذا فقد؟ ولا يشعر من أيّ مُلكٍ سقط؟ وإلى أية حالٍ هبط؟ أوّاه نعم أوّاه على حالتك فإنها مستوجبة أن يناح ويبكى عليها.
يا ليت شعري أيّ خيرٍ لم تعدمه بانفصالك من الله تعالى الذي هو الخير الأقصى. فإن كان معلوماً ومؤكداً أنك في سني حياتك السالفة قد عملت شيئاً من الخير والصلاح وعشت عيشة مسيحية مؤدية إلى الخلاص، لكنك عدمت ذلك وغيره من الخيرات التي عدمتها ولم يعد يذكر لك ذلك الصلاح. كما يقرّر حزقيال النبي بقوله “إن البار إذا نكص راجعاً عن برّه واقترف الإثم مثل المنافق فإن كلّ برّه الذي صنعه لا يذكر أبداً. بل إنه يموت في خطاياه التي أخطأها”. فيا له من حكم قطعي مرهب. ويا لها من شهادة صريحة مرعبة، تكفي لإذابة كل قلب بالبكاء والدموع. وذلك أن الأعمال الصالحة السالفة عدمت كلّها. فإذا دهم الخاطئ المسكين موت فجائي، فلا يبقى له في تلك النار المؤبدة سلوةٌ أصلاً، ولا يعود له ثواب ولا أجرٌ أبداً. بل إنما تبقى له الفضيحة والخزي من الخطية التي يموت فيها. فيا لها من مصيبة تستوجب النوح والبكاء. ويا لها من تعاسةٍ لا سلوة لها ولا عزاء.
يا ليت شعري إذا اتفق لأحد الفلاحين أن يفلح أرضاً، وينصبها كرماً، ويسحبها باذلاً في ذلك الأتعاب الكثيرة والأعراق الغزيرة. وبعد أن ينفق النفقات ويتكبد الأتعاب والمشقات على ذلك الكرم يراه يبس وجفّ بغتةً، إما من هبوب الرياح العاصفة أو من سقوط البرد عليه أو من عارضٍ آخر من الأعراض. فكم من العبرات الوافرة يذرف من مقلَتَيْه؟ وكم من التحسرات المؤلمة والتنهدات العميقة يبدو من صميم فؤاده؟ والحال أن الخاطئ لم يُعدم كرماً بل قد عدم السماء نفسها وفقد الملكوت الأبدي بعينه. وهو حتى الآن لم يشعر أين هو؟ ولم يسمع النبي القائل “الويل للمنافق لأنه ستعرض له أحوالٌ شريرة حسب أعمال يديه”.

الكبرياء: مختارات من البوق الإنجيلي

الكبرياء: مختارات من البوق الإنجيلي

مكاريوس معلّم باتموس

نقله إلى العربية الراهب أثناسيوس الدمشقي

 

البوق الإنجيلي هو مجموعة عظات لمكاريوس معلّم الكنيسة في باتموس، وهو من الآباء الكوليفاذيين. ويأتي الكتاب في جزئين من حوالي 700 صفحة. الكتاب الأصلي من القرن الثامن عشر، وقد تمّ الفراغ من ترجمته إلى العربية في 1780 ولم يُنشَر إلى 1889 بهمّة المثلّث الرحمات البطريرك غريغوريوس حداد وكان حينها شماساً في بيروت. وقد رأت التراث الأرثوذكسي فائدة في نشر مختارات من هذا الكتاب فيها الفائدة الروحية بعد حذف التكرار العائد للنمط الوعظي في تلك الفترة وبعد مراجعة طفيفة للغة. النص التالي هو جزء من العظة في أحد الفريسي والعشار، البوق الإلجيلي، الجزء الأول.

فلننظرْ الآن إلى جهاز هذه العروس “الكبرياء”، الذي جهّزها به أبوها الشيطان عندما زفّها إلى الإنسان.
فاعلم أن أول مزيّة حوتها الكبرياء إنما هي الشرك والإلحاد. ومعنى ذلك هو أن هذا الداء إذا ولج في نفسٍ أحدٍ، كائناً مَن كان، يجعله عاصياً على الله ومارقاً من طاعته. كما يشهد بذلك الحكيم ابن سيراخ بقوله: “إن أصل الكبرياء هو انتزاح الإنسان عن الرب”. إن هذا القول موكدٌ ومحققٌ، من مثال كوكب الصبح، ومن نموذج آدم. فبقي لنا أن نقول أن الكبرياء هي أصل كل نكبةٍ ومصيبة ومبدأ كل تعاسة ونائبة. والدليل على ذلك هو أنّ الله تعالى هو غاية الصلاح المحض. وقد أوضحنا فيما تقدم أن الكبرياء تصيّر الإنسان عاصياً على الله تعالى ومارقاً من طاعته، وبعيداً من جلاله. فيقتضي إذاً أن يكون المتكبّر خالياً من كل خير، وعادماً لكل صلاح، وأيضاً: أن الله تقدّست أسماؤه هو النور غير المخلوق البليغ إلى الغاية القصوى. وأما المتكبّر فإنه يكون جاحداً لله جلّ شأنه لأنه ينتزح عنه تعالى بكبريائه وعصيانه. فيقتضي إذاً أن يكون حاصلاً في قعر ظلمة الشيطان الحالكة. وأيضاً، أن الله تعالى جلّت حكمته هو ينبوع ومعلّم كل فضيلةٍ. وأما المتكبّر فإنه متزوج بابنة الشيطان أعني بها الكبرياء. فيقتضي إذاً أن يكون عادماً كلّ فضيلة أيضاً. وبالإختصار أقول أننا نستفيد من هذه الأقوال كلّها أنّ الكبرياء القبيحة هي أشرٌ من جميع الخطايا التي يقدر الشيطان اللعين أن يخترعها ويعدّها. ولأجل ذلك عندما عزم أن يكردس آدم من النعيم، لم يصادف آلةً ولا واسطةً أخرى شراً منها حالة وأشنع منها فظاعة.
وثاني جهاز أعطاه الشيطان لابنته الكبرياء بمنزلة قلادة لصدرها هو أن تكون مولّدة كل الشرور والمساوئ ومرضعتها. ولكي لا تتوهموا ظانين أن هذا القول مستنبط من عقلي أنا، طالِعوا في الإصحاح السادس عشر من سفر حزقيال النبي. فإنكم تنظرون ما يقوله الله تعالى عزّ وجلّ للنبي المذكور في شأن أهل صادوم، فإنه تعالى يقول: “ان إثم أهل صدوم إنما هو الكبرياء”. ولربما تعترضونني في هذا المحل قائلين، إذا كانت خطيئة أهل صدوم هي الكبرياء، فكيف اننا نسمع الكتاب المقدس قائلاً أن أهل صدوم كانوا قوماً مضاجعي ذكور، وزناة، وفسقة، وظلمة، وخطفة ونمامين، ومرتكبي شرور كثيرة هذا مقدارها. حتى أنّ كثرة خطاياهم المتفاقمة حرّكت الإله السيد واضطرته فأمطر من السماء ناراً وأحرقتهم. فكيف يصحّ أن يقول الله تعالى لحزقيال النبي: “ان إثم صادوم إنما هو الكبرياء”؟ أفيمكن أن يستنتج أحدٌ من هذا المحل أنّ الصادوميين إنما كانوا متكبرين فقط ولم تكن لهم خطيةٌ غير هذه؟ فإني أجيبكم قائلاُ: لا لعمري، ليس الأمر كما توهمتم. بل انه تعالى بهذا الإسم، أي اسم الكبرياء، أوضح لحزقيال النبي أن أهل صادوم هم حانوت كل إثم ونفاق، بما أنّ الكبرياء هي أمّ كلّ الخطايا والآثام. فأواه ما ألعن هذه القلادة التي تلبسها الكبرياء، لأن لها قوة أن تنتج كل إثمٍ وتولّد كل خطية ومعصية.
ثالث جهاز أخذته الكبرياء من أبيها الجهل والغباوة، وذلك بمنزلة إكليلٍ لها. وهذا الإكليل له قوة شديدة وفعلٌ جزيل. فهو يظلم عقل الإنسان، ويسلب منه قوة الفهم والتمييز ولذلك من لوازم المتكبرين عدم الفهم التمييز. وهاكم الشهادة والبرهان على ذلك من ابتناء برج بابل. أفما يستبين لكم ذلك العمل أنه عمل أناس قد عدموا عقولهم؟ وإذا نظرتم في هذا الزمان قوماً يحاولون أن يبنوا برجاً بلبن ليصلوا به إلى السماء، أفما تقولون عنهم نفس هذا القول، وهو أن هؤلاء القوم قد عدموا عقولهم؟ والحال أننا نطالع في الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين أنّ أهالي ذلك العصر قد باشروا هذا العمل الناتج عن جسارةٍ عظيمة، بل الأَولى أن يقال أنهم باشروه عن حماقة جسيمة، قائلين: “هلمّ نبني لأنفسنا مدينةً وبرجاً يكون رأسه واصلاً إلى السماء”. فهذه الغباوة نفسها قد حواها الذين من تلقاء عجرفتهم وكبريائهم يكدّون مجتهدين ويتعبون حريصين في أن يخلفوا لهم اسماً في السماء، كما أن أولئك كانوا يهيئون لبناً ليبنوا به برجاً يكون رأسه واصلاً الى السماء، وأما الأعمال التي يجب أن يمتلكها سكان السماء فكانوا متهاملين بها ومتكاسلين عنها. نعم أنه في هذه الظلمة نفسها، أعني بها ظلمة الجهل والغباوة، قد سقط وتهوّر الآباء والوالدون الذين يجدّون ويتعبون في بناء الدور الرحبة الواسعة والمنازل العالية الشامخة والقصور المزخرفة الشاهقة، ليخلفوا لهم اسماً في الأرض، وأمّا في السماء فيحتقرونها ويرفضونها. هذه الغباوة بعينها قد حواها كل الذين يزيّنون أولادهم بحلي الذهب والفضة ويكسونهم بالحلل الثمينة والثياب الفاخرة، وقصدهم بذلك أن يخلفوا لهم اسماً في الأرض، ويهملون ممارسة الصدقة والرحمة والشفقة على البائسين التي هي السلم الحقيقية التي بها يرتقي الإنسان صاعداً الى السماء. إن كسرى ملك الفرس وجد في البرية دلبةً كيسة ظريفة بهية المنظر فزيّن أغصانها بالماس واللؤلؤ والجواهر الثمينة وبغير ذلك من الحلل النفيسة المنسوجة من الذهب. وقد فعل ذلك كله بتلك الشجرة لأنها أظلّته بظلّها. والحال أنّ هذا الأمر بعينه قد أصاب كثيرين من أهالي عصرنا هذا أيضاً. وذلك أنهم يصرفون أتعابهم وينفقون أنصابهم من أجل خيالِ ظلٍ زهيد يكونون مؤمّلين نوالُه من أبنائهم وبناتهم، ويغادرون نفوسهم التي ما من شيء يساويها في الكون كله، ويهملونها عاريةً وخاليةً من وشاح الصدقة وسربالها الذهبي، العاري عن الفناء والدثار. هذا الأمر نفسه يعتري أولئك الجهلة المأفوني العقول الذين من أجل ظلّ زانيةٍ ما، وقتي زمني، يصرفون مهجة قلوبهم وينفقون حشاشة أكبادهم، ولا لزوم لإطالة الشرح ووصف ما هو أكثر من ذلك. لأن الكبرياء التي هي أمّ الجهل والغباوة قد استلبت عقولهم وانتزعت منهم ألبابهم ولم يدروا ولم يشعروا أياً هو البرج الحصين الحقيقي، الذي نستطيع أن نصل منه الى السماء من غير شك ولا ارتياب.
لكن مرادي أن أسألهم هذا السؤال فقط: أن يقولوا لي بماذا حكم الله تعالى جلت قدرتُه، عندما أبصر اولئك القوم يبنون ذلك البرج العالي؟ أتعرفون ماذا صنع؟ أتعلمون ماذا قال؟ لعمري أنه لم يقل إلا هذه الكلمة وهي “هلمّ ننزل ونبلبل هناك لسانهم”. هذا الحكم الإلهي الذي حتم به الله تعالى على أولئك القوم حيّر جمهور المعلّمين البارعين، وعلى الخصوص القديس أوغستينوس الشريف قدره. فهم يقولون لو أنه تعالى أرسل أحد الملائكة بهذه الخدمة، أفما كان كافياً لتبطيل عملهم الزائغ عن العقل الذي باشروه بعقولهم السخيفة الفاقدة التصوّر، ولتعويق بنيانهم الناتج عن الصلف والكبرياء؟ فما هو السبب الداعي لأن يتسلّح الثالوث القدوس بجملته بإزائهم؟ ويجيبون قائلين، أن ذلك لم يصر الاّ لكي نعرف نحن مقدار مقت الله تعالى للأعمال الناتجة عن الكبرياء وبغضِه لها حتى أن اللاهوت المثلث الأقانيم يتسلّح بإزائها ويقاومها.
ثم مرادي أيضاً أن أسألكم سؤالاً آخر. أفتعرفون أن تحلوا اعتراضي وتقولوا لي لأي سبب لم يجلب الله تعالى عزّ اسمه على هؤلاء المتكبرين قصاصاً غير بلبلة لسانهم؟ لقد أورد مفسرو الكتاب الإلهي السبب في ذلك قائلين، لو أنه تعالى يجلب عليهم قصاصاً آخر ويحلّ بهم تأديباً غير هذا، لكان أصابهم هم فقط. ولم يكن يتخلّف إلى أولادهم بالتسلل خلفاً عن سلف بعقابه لهم ببلبلة لسانهم وتعدد اللغات. لكنه بالصفة التي أجراها أبقى القصاص معلوماً ومشاهَداً عند الذين يعقبونهم أيضاً. فهم كلما سمعوا لغاتٍ مختلفة وألسناً متباينة يتذكّرون شرّ الكبرياء ويفطنون بقبح رذيلتها ويحيطون علماً بأن هذا الضرر العظيم وهذه النائبة الكبرى أتت للعالم من تلك الخطيئة العظمى التي هي أهم الشرور والمساوىء ومربيتها.
رابع جهاز أعطاه الشيطان لابنته الكبرياء هو قرطان لأذنيها ولهذا السبب ترى أنّ كل من كان متكبراً لا يقبل نصيحةً ولا يسمع مشورة، بل يسخر مستهزئاً خاصة بتعليم الإنجيل الشريف وأقوال المعلمين. ترى كم من الرجال والنساء الحاضرين في هذه الكنيسة، الذين إن كان قد رزقهم الله تعالى شيئاً من الفضة ليزينوا به نفوسهم لا أجسادهم، ويعملوا أعمال التحنن والرحمة لا صنائع الإثم والنفاق، لكن الكبرياء خطفته من أيديهم وزينتهم به من خارج وأهملتهم عراةً من داخل، كَسَت الطين البالي ووشته، وغادرت صورة الله التي هي النفس عاريةً؟ ومن هذا القبيل كثيرون من الرجال والنساء يشبهون صنم “ابوللون” الذي كان في “دلفوس”. وذلك أنه كان مزيناً من خارج بحلى الذهب والفضة، وفي رأسه ضفائر ذهب مرخية على منكبيه، وكان ضابطاً في يده صاعقة ومسجوداً له من الجميع. إلا أن لوكيانوس عندما عاين قوماً كثيرين ساجدين له بغاية الورع والاحتشام، طفق يستهزئ به قائلاً: أيها المساكين، إنكم إنما أنتم ناظرون الذوائب الذهبية من خارج، إلا أنكم ما تدرون أن هذا الصنم الذي أنتم ساجدون له فارغٌ وخاوٍ من داخل، ولذلك ترقص فيه الفيران وهو مملوء من العنكبوت والغبار، والحال أن هذه الصورة نفسها هي صورة المتكبرين. فإنهم من خارج يكونون مزينين زاهين متصلفين، وهم من داخل فارغون خاوون وموعَبون من روح العجرفة والكبرياء ومملؤون من دخان الحقد والضغينة وبخار كل خبث ورذيلة. فتراهم يأتون إلى الكنيسة ويسمعون الإنجيل الشريف يعلّم والرسول السليح ينبّه وسيَر القديسين توصي. “ان من يغتاب أخاه فقد أكل لحم أخيه”. ومع ذلك كله فليس في أفواههم إلا الوقيعة والنميمة والدينونة. وإنما يحرّضهم على ارتكاب هذا الصنيع دخان الكبرياء والعجرفة الموجود داخلهم. يسمعون الآباء الروحيين معلمي الاعتراف ينبهون، والإنجيل الشريف يحتم خاصةً جازماً بأصرم ما يكون: “إنكم إن غفرتم للناس سيئاتهم، يغفر لكم أيضاً أبوكم السماوي سيئاتكم. وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضاً زلاتكم”. وهم مع ذلك يكتمون البغضة والعداوة في قلوبهم ويكنونها في أفئدتهم كمثل قلادة ذهب. يسمعون الرسول الطوبان قائلاً “ليختبر الإنسان ذاته. وهكذا فليأكل من الخبز وليشرب من الكأس لأن من يأكل ويشرب بغير استحقاق فإنما يأكل ويشرب دينونةً لنفسِه”. ومع ذلك بعضهم يتجاسرون بجرأة ويتناولون الأسرار الطاهرة من غير أن يمتحنوا ذواتهم ويختبروا حالهم كيف هم وبدون أن ينتقوا ويتطهروا، ومن غير أن يتصالحوا ويتسالموا مع أعدائهم. وبعضهم مستولٍ عليهم شيطان الكبرياء ومستحوذ على قلوبهم فلا يستغفرون من أعدائهم ولا يطلبون منهم الصفح والغفران ولا يتسالمون مع إخوتهم وهكذا يلبثون من غير مناولة ويهملون أنفسهم جائعة وخاوية من ذلك المنّ السماوي الذي هو حياة النفوس ويزدرون بهذا السرّ الخطير الرهيب، الذي يرتعد الملائكة عند امتثالهم لديه حين صيرورته وتكميله. لا بل لو أمكنهم أن يتناولوه كالبشر لكان ذلك لديهم أعظم السعادة. وما لي للإطالة والإسهاب بتعداد الخطايا والمآثم التي تسببها خطيئة الكبرياء للإنسان المسكين لأني إن قصدت ذلك فكأني جالسٌ على شاطىء البحر وأحاول أن أكيل مياهه بقدحٍ.
خامس جهاز أعطاه الشيطان لابنته الكبرياء هو بمنزلة سوارين ليديها وهو أن تكون مفسدة للسلام وممزّقة للإلفة. ولذلك ترى أن هذا الداء أينما ولج حَسَم وثاق المحبة وقطع رباط المودة وولّد الفتن والمخاصمات وأنشأ السجس والمماحكات. بما أن المتكبر يطلب دائماً أن يكون له التقدم والأولوية فإن وُجد في مشورة فيما بين قومٍ طلب أن يكون كلامه المعتبر والمؤيد لا سواه. وإن كان في تفسير كتاب فيريد أن يعتبر أثبت علماً وأكثر دراية وأوفر اطلاعاً من سواه. وقد تولدت من الكبرياء في العالم على هذا الوجه حروب وقتال وفتن ونزاع وبدع وهرطقات دينية واختراعات محدثة سيئة.
لقد أصاب المعلمون بما فعلوا في ايضاح قبح رذيلة الكبرياء وفي أن يظهروها جيداً إذ شبهوها بالنجم المعروف “بأبي ذنب” أو “ذي الذَنَب”. قال الفيلسوف “أرسطو” في الكتاب الأول من كتبه المختصة بعلم الهيئة “أن هذا النجم الملقب بذي الذنب ليس إلا بخاراً يابساً. ودخاناً يرتفع إلى أعلى آفاق السماء ويحترق هناك ثم يعود فيتربى من أبخرة الأرض”. وهكذا الكبرياء فإنها دائماً تطلب المعالي ولا تقف عند غاية أو حد البتة. فإنك مهما نوّلت المتكبر من الإكرام، مهما أعطيته من الجاه والغنى فإنه لا يشبع أبداً. لا بل يظلّ دائماً ملتهباً ومحترقاً بتلك الشهوة الرديئة والرغبة السيئة. فلأي سبب كان يغضب ساخطاً وهو يترفع دائماً كما تنبأ داود اللاهج بالله قائلاً “إن كبرياء مبغضيك قد ارتفعت في كل حين” ولكنه يهوي دائماً متكردساً إلى أسفل. على أن الكبرياء في الإنسان هي أمر بخلاف الطبيعة لأنها تطلب المعالي السامية. ولذلك يقول الحكيم ابن سيراخ “لماذا يتكبر التراب والرماد” وذلك لأن التراب عنصر كثيف وثقيل ومن خواصه الميل إلى أسفل ولقد أصاب من شبّه الكبرياء بالنجم المذكور أعني به ذا الذنب. لأنه ما يبان في النهار بل يظهر في الليل وهكذا المتكبر إنما يظهر في الأشياء المظلمة وفي الخطايا المقتمة. ففي هذا المحل فقط يكون غنياً موسراً. وفي هذه الأمور فقط يكون حكيماً ماهراً وذا دربةٍ خبيراً. إذا أراد أن يكتسي من خارج الثياب الفاخرة ويتزين بالحلل ذات الألوان المختلفة والنقوش المكلفة فلهُ قدرةٌ على ذلك، ولكنه لا يقدر أن يكسو فقيراً أو يدفئ عرياناً أو يتحنن متصدقاً على امرأةٍ أرملة. في الوشايات والخيانات وشهادات الزور الباطلة تراه حكيماً حاذقاً. وأما في التوبة والندامة والاعتراف بخطاياه فإنه يكون أعمى فاقد العقل والتصور. فلأجل ذلك قال أيوب الصديق عمن هذه حاله “إن السحاب يبدّد ضوءه”.
إن المتكبرين يشبهون أيضاً بالجراد لأن الجراد بقفزه يرتفع ولكنه في الحال يهوي ساقطاً. ومن عادته أيضاً أن الواحدة تأكل الأخرى والكبيرة لا تشفق على الصغيرة ثم أنه في الصيف يظهر وفي الشتاء يغيب وهكذا المتكبرون أيضاً فإنهم عندما يحاولون أن يستبينوا عظماء مفخمين وأجلاّء مجيدين يهوون في الحال متكردسين. وبمقدار ما يرغبون ويحبون أن يكونوا أعزاء مكرّمين وأماجد مشرّفين يكونون مبغوضين وممقوتين من الله والناس. “لأن كل مترفع القلب رذالةٌ عن الرب”. وهم كالجراد يأكل بعضهم بعضاً بالخصومات والمنازعات ويفنون بعضهم بعضاً لأن المحبة والسلام لا تستقران في نفس المتكبر أصلاً. وكالجراد يظهرون في الصيف أي في أيام مرحهم وبطرهم ودولتهم وسعادتهم. وأما في الشتاء، أي إذا ما دهمتهم التعاسة والنحوس وانقلاب الحظ فيحصلون أخساء مرذولين وأدنياء مستكرهين.
إن المتكبر يشبّه أيضاً بالثور الوحشي. لأن الثور البري إذا ما رُبط بالتينة فإنه يستأنس كما يقول علماء الطبيعيات الماهرون. والمتكبر أيضاً إذا ما حصل خاضعاً لإنسانٍ متواضعٍ وديع فإنه يستأنس، ويطرح عنه وحشية كبريائه. وأيضاً من طبع الثور أنه يحب أن يرعى وحده. وهكذا المتكبر أيضاً يحب التصدر في أوائل المجالس وأن يكون هو وحده مكرماً ومشرّفاً. وأن يدعى حكيماً عالماً أكثر من الكل وأن يرتعي كل كرامات العالم بأسرها. قال أرسطو الفيلسوف أنك إذا شطبت جلد الثور قليلاً ونفخته فإنه يسمن وهكذا المتكبر أيضاً يرغب اطراء المملقين وثناء المتدلسين ويحب ذلك محبة غزيرة وينتفخ به ويسمن زاهياً. لأجل ذلك يوصي الحكيم ابن سيراخ قائلاً “لا تشمخن بذاتك برأي نفسك لئلا تخطف كالثور نفسك”. إن المتكبر يشبه بالثور نظراً إلى القساوة أيضاً لأن قلب الثور عظيمٌ قاسٍ صلب. والمتكبر أيضاً يكون قاسي القلب عاتياً لا يلين قلبه ولا يثني عزمه بأوامر الإنجيل الشريف وتنبيهاته ولا بمواعظ أبيه الروحي ونصائحه ولا بمشورات محبيه وخلاّنه.
إن المتكبر يشبّه أيضاً بالتنين المسمّ. لأن التنين إذا ما نفخ سمه في الهواء فإنه يظلم. وهكذا يفعل المتكبربمثالبه ومطاعنه وسبابه وشتائمه التي يقذف بها من هم دونه محلاً وأقل قدراً وشأناً. ويشبه التنين من وجه آخر أيضاً، هو أن التنين فاغرٌ فاه في الهواء ليترطب من شدة حرارة طبعه ومزاجه. والمتكبر فاغرٌ فاه وفاتحٌ أذنيه لسماع التقاريظ والمدائح من المملقين. ليرطب حرارة التهابه بالكبرياء المحرقة. فآه منكَ يا داء الكبرياء اللعين. أوّاه منكِ يا ابنة ابليس المحال الفظيعة. أوّاه منكِ يا أمّ كل الشرور والرذائل الشقية.
بما أنك فهمت هذه الأقوال أيها السامع العزيز. وأحطت علماً بهذه الأحوال. فأريد منك أن تقول لي ما هو الأحسن والأفضل لك؟ هل أن تكون متكبراً ويكون فيك هذا الداء القبيح وتستولي عليك هذه الأفعى الخبيثة وتكون مماثلاً لهذا التنين المريع وتكون مبغوضاً وممقوتاً من الناس ومرذولاً ومنبوذاً من الله تعالى، أو أن تكون وديعاً متواضعاً لين الجانب وحبوباً من الجميع؟

هل من حياة روحية وقداسة في زمننا هذا؟

هل من حياة روحية وقداسة في زمننا هذا؟

الأرشمندريت كيرللس، رئيس دير آسكس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

جوابي المباشر على جزئَي السؤال هو “نعم” قوية. الله لم يتغيّر. يسوع المسيح هو نفسه أمس واليوم وغداً. طبيعة البشر لم تتغيّر أيضاً. منذ آدم، البشر مكرَّمون بهذه القوة على التحكّم بمصيرهم حتى أنهم يديرون ظهورهم لله والحياة الروحية وللسعي إلى القداسة. ولكن، إلى انتهاء العالم، سوف يوجد أشخاص، حتى ولو أقلية، يستنزلون نعمة الله على الأرض وعلى إخوتهم البشر. أن يستمر العالم هو إثبات على أنه ما زال هناك قداسة. يقول القديس سلوان: “أقول لكم أنه عندما لا يعود هناك على الأرض مصلّون، تكون نهاية العالم”.
بكلام آخر، الحياة الروحية، والقداسة التي هي ثمرتها، ليسا فقط من الماضي. يمكننا أن نرى القداسة في سابقينا ونتعلّم منهم، لكننا لا نختبر القداسة كمعرض في متحف تاريخي. إنها حقيقة معاشة نحن مدعوون إليها. كل إنسان يملك بعداً روحياً. الله ليس متحيزاً: يدعو كل واحد إلى الوجود بمحبة شخصية، ويهب كل إنسان القدرة للمشاركة في حياته. مستعملاً مصطلحات زمانه، قال القديس بطرس أننا مدعوون لأن نكون “مشاركين في الطبيعة الإلهية” (2بطرس 4:1). وهذه هي القداسة: “كونوا قديسين كما أنا قدوس، وأريد أن يكون لكم كل ما لي”. هذه هي دعوة الله لنا جميعاً، مهما يكن مكاننا في المجتمع أو رتبتنا في الكنيسة: من الشعب أو الإكليروس. يكتب القديس سلوان: “لكل واحد في هذا العالم عمل ليقوم به، سواء كان ملكاً أو بطريركاً، طباخاً، حداداً أو معلماً، لكن الرب الذي محبته تمتد إلى كل منا سوف يعطي مكافأة أعظم لمن يملك محبة أعظم لله”. وأيضاً: “لا يستطيع كل واحد أن يكون إمبراطوراً أو أميراً؛ وليس بمقدور كل واحد أن يكون بطريركاً أو رئيس دير أو قائداً؛ بل في كل طريق من طرق الحياة يمكن أن نحب الله ونكون مرضيين له، وهذا هو المهم فقط”.
الحياة الروحية هي الحياة التي تأخذ بعين الاعتبار البعد الروحي للكائنات البشرية. العمل على علاقتنا بالله ليس هواية عند بعض الأشخاص. كبشر نقول “هذا أو تلك هما من النوع المتديّن”. هذا ليس إضافة اختيارية. إنها ما يجعل حياتنا بشرية فعلاً. يقدّم علم الحياة وعلم النفس صورة ناقصة عندما يستثنيان التزويد الإلهي للطاقة في التركيبة البشرية. الإنسان الدهري هو مجرّد حيوان متفوّق، وبالواقع ما دون الإنسان. من دون مجهود روحي لا نصقل روحنا. لا تُمحى لكنها تخمد وتضمر وتُرفَض أو تُجحَد. فقط إذا ما سلكنا في حياة روحية نكون ذواتنا بالكامل، موحدي الأجزاء بالكامل كأشخاص. تتضمّن الحياة الروحية أوجهنا النفسية والجسدية. كل ما أفكّر به أو أمارسه على كل مستويات الوجود يؤثّر في نفسي. وعندما تلامس نعمة الله نفسي يتبارك تفكيري وإحساسي وجسدي أيضاً.
في البلدان الغربية بشكل خاص، كثيرون تركوا المسيحية. أحد الكتّاب الإنكليز (G.K. Chesterton) قال أنّه عندما لا يعود الناس يؤمنون بالحقيقة، يصيرون مؤمنين بأي شيء قبل أن يصيروا مؤمنين بلا شيء. وهكذا، الإيمان بالله يبقى حيث يُهجَر المسيح، لذا يوجد في كل البلدان مختلف أشكال الروحانيات. هذا الأمر ليس مفاجئاً، لأنّه “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”، والجوع الروحي يتواجد حتى حيث هناك تشويش بالأفكار حول الكائن المطلَق. إلى هذا، هناك تشترك الطرق الروحية بالكثير من الأوجه. على سبيل المثال، جوهر التعليم الأخلاقي مشترك بين كل الأديان. الفروقات الأساسية بين الأديان لا تظهر دائماً في أول الطريق: فقط عندما نتقدم تتّضح التشعبات. بعض معاصرينا يعلّمون أنّك بقدر ما تتقدّم في أي دين، تميل الطرق إلى الالتقاء: لكن فعلياً العكس صحيح. إذاً، على الذين يبحثون أن يسعوا إلى الحقيقة ويجدوا السبيل القائمة على اللاهوت الصحيح، على رؤية حقيقية لله كما كشف نفسه لنا. من ثمّ، الحدس العميق سوف يثبت أن يسوع المسيح هو الطريق والحق والحياة.
إن ملء الحياة في الله متاح فقط في الإله-الإنسان، أي في الذي يشترك بطبيعتنا البشرية بينما عنده الطبيعة الإلهية كونه أحد الثالوث القدوس. تعطينا الكنيسة الأرثوذكسية نموذجاً أولاً: يمكننا أن نرى، نسمع، نلمس، ونتذوّق الكائن المطلق؛ يمكننا أن نختبر شذا كيان الله الفعلي. إذاً، يمكننا أن نمضي في طريق الكنيسة إلى النهاية بثقة. ما من طريق آخر، مهما سَمَت ممارساته وأخلاقياته وطموحاته، يصل إلى النهاية آمنًا. بالرغم من أنّه ما من إنسان محروم كليّاً من النعمة الإلهية، إلا إن ملء القداسة يتطلّب العقيدة الأرثوذكسية. تعليمنا لا يُفاق، لا يتخطاه الزمن، عنده ثمرة بالفطرة في أجيال وظروف وحضارات مختلفة. المسيحية هي لكل إنسان، يمكننا أن نفهم لماذا قال ترتليان أنّ “كلّ نفس مسيحية بالفطرة”.
إذاً، يمكن تحديد الحياة الروحية على أنّها “الحياة في المسيح”. فلنتوقف عند هذه النقطة للحظة. لقد استعمل القديس نيكولا كاباسيلاس هذه العبارة كعنوان لكتابه عن الأسرار. على مثاله، القديس يوحنا كرونشتادت، العجائبي الذي كان كاهناً متزوجاً وقد رقد في سنة 1905، أعطى عنواناً مماثلاً لـِ “يومياته الروحية” عندما طُلب نشرها. أحد الكتاب القريبين من عصرنا، دعا أحد كتبه التي يشارك فيها نفاذ بصيرته “حياته حياتي” (His Life is Mine). الكينونة “في المسيح” تعني الاندماج في جسده الفعلي، المَسح بروحه –المسيح تعني الممسوح-، التبنّي من أبيه السماوي. الإيمان المسيحي ليس فقط قول “نعم” لدستور الإيمان. إنّه يعني “لبس المسيح” (غلاطية 27:3). كيف؟ بالمعمودية التي يسبقها الاعتراف بالإيمان. بسهولة، نحن نعتبر أن هذه العطية العظيمة تُعطى على الأكيد، لكن الذين اهتدوا في الميدان أو كبالغين يمكنهم أن يخبرونا من خبرتهم أن المعمودية هي مرور من الظلمة إلى النور ومن الموت إلى الحياة. نحن ننسى أحياناً أن في المعمودية يقول لنا الكاهن “لقد اغتسلت، لقد تقدّست، لقد تبرّرت باسم الرب يسوع وبروح إلهنا”. هذه الكلمات السامية المأخوذة من رسالة القديس بولس إلى الكورنثيين، قد تبدو كمجرد صيغة طقسية إذا أهملنا تفعيل عطية النعمة الإلهية في حياتنا. إن بذور الحياة الروحية قد زُرعَت فينا. نحن “مُقَدَّسونَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، مَدْعُوِّونَ قِدِّيسِينَ” (1كورنثوس 2:1). هذه هي مهمتنا. إذا كنا واثقين من أننا “وجدنا الإيمان الحقيقي” فليس هناك ما نخشاه في كثرة الطرق الروحية المحيطة بنا، بالرغم من كونها مشوِّشة. “لأَنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْحِ.” (2تيموثاوس 7:1). إذا بقينا مخلِصين، وأغنينا باستمرار خبرتنا ومعرفتنا لحياة الكنيسة وتعليمها، سنكون في وضع أفضل لمساعدة مَن حولنا.
السؤال الأساسي دائماً: ماذا تفتكر بالمسيح؟ يذكّر الرسول يوحنا الذين يراسلهم، “بِهذَا تَعْرِفُونَ رُوحَ اللهِ: كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ فَهُوَ مِنَ اللهِ، وَكُلُّ رُوحٍ لاَ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ، فَلَيْسَ مِنَ اللهِ.” (1يوحنا 2:4). بالطبع، عرضُنا لما نفتكر به عن السيد سوف يكون متواضعاً؛ سوف يكون مليئاً بالمحبة والامتنان. يقول القديس سلوان: “الله محبة، وبالتالي ينبغي أن ينبع تعليم كلمته من المحبة. من ثمّ المعلّم والمستمع سوف يستفيدان. أمّا إن لم تفعل شيئاً غير الإدانة، فإن نفوس الناس لن تبالي بك، ولن يأتي منها أي خير”. بالطبع، ليس الكل مدعوين لأن يكونوا واعظين متفرّغين، لكن مَن يشهد للمسيح يكون كلامه عن مَن قدّم إمكانية أن يصير كل البشر أشخاصاً حقيقيين.
الحياة الروحية، بحسب العقيدة الأرثوذكسية، هي تعاون بين إرادتنا الحرّة وإرادة الله. أفضل سفراء المسيح هم الذين هيأتْهم حياتهم الروحية فيه ليتحدّثوا صلاتياً، حتى يرغب الآخرون بشرحهم لإيمانهم. “بَلْ قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ، مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ” (1بطرس 15:3). إذا تكيّفنا مع السبيل التي عليها فقط يمكن أن نكتسب ما يسمّيه القديس بولس بجسارة فكر المسيح، لا يعني أن شخصيتنا تضيع. إلهنا واحد في الطبيعة وثلاثة في الأقانيم. يعلّمنا آباؤنا ألاّ نقسّم الطبيعة أو نخلط بين الأقانيم. والأمر نفسه في أن البشرية واحدة كما الله واحد. إذا عاش العالم في المسيح، تكون وصاياه الهدف الأول لكل شخص: محبة الله ومحبة القريب. لهذا، يكون كل إنسان أكثر ثباتاً وامتلاءً في علاقات محبة من غير ذوبان.
إنه لمنوِّر أن نقرأ عن الناس القديسين، سواء من المعلَنين أو غيرهم، كمثل شيوخ القرن العشرين يعقوب وبورفيريوس وكثيرين غيرهما. أذكر هؤلاء من القرن العشرين لأنه تقريباً “اليوم”، ولأنه قرن الآلام الكبيرة. في فكري رجال ونساء قديسون لا نعرفهم لأن القديس لا يلبس ملصقاً دعائياً يقول “انظروا إلي أنا قديس!”. إن درب المسيح هي درب التواضع، وقد يُكرّم البعض كقديسين فيما هم على الأرض، بينما غيرهم فلا. كنيستنا، بحكمتها، لا تمنح الاعتراف الرسمي لأي كان قبل مروره عبر بوابات الموت، وبالعادة ليس سريعاً بعد هذا. لذا من المبكر جداً الكلام عن قديسين من القرن الحادي والعشرين. ولكن إن نظرنا فقط إلى القرن العشرين فنرى أن هناك تنوع من الشخصيات والمستويات التربوية ودرجات التقوى في الشباب والخلفيات الدينية وغيرها. من ثمّ هناك طرق مختلفة من الحياة التي قادت إلى القداسة. جبل أثوس أعطى الكثيرين من القديسين العظماء أمثال سلوان الذي رقد في 1938؛ ولكن لم يكن كل قديسي القرن العشرين من الرهبان. هناك الملايين من الشهداء والمعترفين، من الرجال والنساء والأولاد، من الاتحاد السوفياتي؛ هناك كهنة رعايا، كمثل القديس نيقولا بلاناس، والقديسان الباريسيان الجديدان، ماريا سكوبتسوفا وديمتري كلابنين. هناك القديس نكتاريوس الذي تظهِر عجائبه المذهلة أن إلهنا إله حي وهو يعمل إلى الآن. هناك الكثيرون ممن تحمّلوا العذابات بإيمان، حتى وإن كانوا غير مشهورين، لكنهم الآن يجنون مكافأتهم ويصلّون من أجل العالم.
كل هؤلاء الناس قصدوا الخدم ذاتها وقبلوا نفْس الإيمان. مع هذا فهم يتنوعون كمثل حديقة فيها أنواع كثيرة من الزهور. إنهم يقدمون لنا البرهان على أن الله معنا ومتقبّل للجميع هنا والآن.
يعرف أصحاب التدريب العلمي أن البرهان يأتي بالدرجة الأولى بالخبرة. أفضل الطرق لدينا هي باختبار أن “إذا عشنا بحسب الجسد سنموت، أمّا إذا أمتنا أعمال الجسد بالروح فنحيا”. “الجسد” و”أعمال الجسد” تعنيان هنا القوى الأثيمة كالبغض والعجب والشهوة وغيرها من الأهواء، التي تسبب الانحلال وتغلق الباب أمام روح الله.
تتطلّب الحياة الروحية منّا بعض “الإماتة”. مثال على هذا هو الأصوام التي نلتزم بها معاً في بعض الأوقات من السنة الكنسية، هذا بالضبط لكي تساعدنا على الصلاة لتطهير قلبنا من الأهواء الشريرة. يقول هنا الرسول بولس “لأَنَّهُ إِنْ عِشْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَسَتَمُوتُونَ، وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْنَ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ. إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ:«يَا أَبَا الآبُ». اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ.” (1كورنثوس 13:8-16). عندما “رُوحَ الْمَجْدِ وَاللهِ يَحِلُّ عَلَينا” (1بطرس 14:4)، يكون جلياً أن هناك حياة روحية وقداسة في هذه الأيام.