الشيخ هيروديون المتباله

إعداد أسرة التراث الأرثوذكسي

* عن الميتروبوليت نيقولاس مطران ميسوغيا والراهب إيلاريون من قلاية القديس خرالمبوس بتصرف

ما نعرفه عن الشيخ هيروديون أنه روماني رقد بالرب سنة 1990، عاش كمتباله للمسيح. كان القديس باييسيوس يقول عنه: “لو كان واقعاً في الضلال الروحي، لما عاش بتلك الطريق. إنه فاضل جداً”. تظاهر بالجنون بمهارة حتى شكّ كثيرون بأنه ليس متبالهاً بل فاقد العقل بالفعل.

يخبر الميتروبوليت نيقولاس أنه أثناء عيشه قرب القديس باييسيوس، بعد أن ترك أميركا التي عاش فيها ثماني سنوات (عاملاً في النازا – المترجم)، قال له القديس: إذهب إلى التاليا (دكان في كارياس) واشترِ كل ما تجده، بسكويت ومعكرونة وفاكهة، واذهب لزيارة الأب هيروديون. إنه، بنعمة الرب، يدّعي التباله بحضور الناس”.

“انطلقنا. قلايته كانت في كابسالا، على بعد حوالي العشرين دقيقة من كارياس. لقد زرت آباءً كثيرين قبل ذلك، لكن هذه المرة كان الأمر مختلفاً جداً. فجأة وجدنا أنفسنا أمام كومة من الزبالة، فيها كل ما يخطر بالبال من تنك وعلب وبقايا مأكولات وقناني كوكا كولا. بتقديري أن سماكة القمامة حوالي الأربعين سم، مع ما يرافقها من الذباب والحشرات.

في الداخل رجل ذو شعر طويل يلبس شيئاً غريباً على رأسه، فقلنا له أننا أتينا لرؤيته. فسألنا بلكنة رومانية مَن أرسلنا فأجبناه الأب باييسيوس. أجابنا “الأب باييسيوس هذا رجل قديس. رجل قديس”. “وقد طلب منا أن نجلب لك شيئاً للأكل”. “شكراً لك أبونا باييسيوس. ماذا أرسل لي الأب باييسيوس؟” فأخذ حبة بندورة وضرب بها الحائط، ومن ثم راح ينثر البسكويت والمعكرونة والفاكهة كلها على الأرض قائلاً “فلتأكلها الطيور. شكراً ابونا باييسبوس! شكراً! الطيور سوف تأكل!” مكرراً نفس الكلمات. كنت أراقب باهتمام محاولاً أن أفهم سبب هذا التصرّف غير السوي. لقد نثر كل شيء.

“علينا أن نكفّر عن يهوذا”. لقد كان يحكي عن يهوذا وعن أن على البشر أن يكفّروا عن يهوذا. كلنا مثل يهوذا لأننا نخطأ. نحن مدعوون في حياتنا لأن نعمل عكس ما عمله يهوذا. ودعناه وتركنا. تطلعت خلفي ووجدتُ إنساناً يشعّ وسط كومة قمامة. لقد اجتاحني شعور قوي بالبهجة: كيف يمكن أن يختبئ المسيح المتواضع في شيء شديد القباحة (من وجهة النظر الدنيوية) في مظهر منفِّر وتصرف وقح بالشكل.

يشبه الأب هيروديون ناسكاً التقيته مرة بالقرب من قمة الجبل ولم أفهم ما فعله. فقد توقف ووجد قرميدة وكتب عليها “ΑΓΡΙΟΣ” (أغريوس أي متوحش)، ومن ثم محا “Ρ” فصارت الكلمة “ΑΓΙΟΣ” (أيوس أي قديس). ولكن لاحقاً فهمت أنه عنى أن كل متوحش، أي الإنسان، يجب أن يصير قديساً.

هذه القصص تعني أن الله يختبئ في مجانين هذا العالم (أنظر 1كورنثوس 18:3)، في الفقر “في التباله من أجل المسيح”، في المرضى… هذا الراهب هيروديون عظيم ليس لأنه رمى المأكولات بل لأنه عاش في حالة ثابتة من إنكار الذات. هو لم يخبِر ذلك بل أنا شهدته.”

مَن هو الشيخ هيروديون؟

اسمه في العالم يون مادوف مولود في 1904 لعائلة فلاحين في بيساربيا. في أحد الأيام توقف أحد المسافرين الروس في ضيعته أثناء عودته سيراً على الأقدام من الحج إلى الجبل المقدس. دعاه والد يون إلى بيتهم المتواضع وأحسن ضيافته. هو كان يخبرهم قصص ما رأى وشاهد فيما عيونه تفيضان دموعاً.

مرت السنوات وظهر أن ذلك الضيف قد أشعل جذوة في قلب يون الصغير. في ذلك الوقت كان رئيس دير الديونيسيو في رومانيا، فالتقاه يون وعائلته مستفسرين عن الرهبنة. في نهاية اللقاء اختار يون الطريق الرهبانية بمباركة أهله. وصل إلى الجبل بعمر الخامسة والعشرين وبدأ حياته الرهبانية في قلاية دخول السيدة. ومن ثم تنقل بين لاكوستيكي وبروفاتا ودير كاراكاللو وفيلوثايو وفاتوبيذي. سبب تنقله كان فقره. ففي ذلك الحين، كان الكثير من الرهبان سكان القلالي يعملون في الأديار ليعيشوا، خاصةً في الزراعة.

وفي مرة حين كان يعمل ويعيش في دير فاتوبيذي، اختلف عمال من جزيرة ليمنوس مع بعضهم البعض، وحاول الأب هيروديون تهدئتهم. أحد العمال، وكان يكنّ الضغينة للأب هيروديون لأنه كان محبوباً كثيراً، ضربه على رأسه مسبباً له اهتزازاً في الرأس. من بعدها سلك الشيخ كمتباله في المسيح، حيث كان يخدع البشر والشياطين محتملاً الإهانات والاضطهاد وحافظاً النعمة التي من الله.

يخبر الراهب إيلاريون من قلاية القديس خرالمبوس أن <أول لقاء لي مع الأب هيروديون كان في صيف 1987 وكنت أعيش في كارياس. الأب اسحق اللبناني هو مَن دلّني عليه. وقد زرتُه برفقة شماس من دير كيكوس القبرصي. عند وصولنا قلنا له “بارك يا أب!” أجب “الرب يبارك”. من ثم تابع “عندي طائرات! أنا أطير فوق كل البلدان. أنا الآن أحلق فوق قبرص… عندي سفن… لا تبتلعوا كل شيء. الثور يشرب كل الماء وينفجر.” ثم التفت إلى الشماس وقال له “أعطني يدك” فأمسكها زقال له “أصغِ إلى كهنتك بانتباه! انتبه إلى ما يقولون . أتسمعني؟” هذا الشماس هو اليوم أسقف في كنيسة الإسكندرية.>

آخر أعمال التباله من أجل المسيح

عند بلوغ الشيخ السادسة والثمانين من عمره لم يعد يقوى على العيش بمفرده في قلايته. فالتقدم في العمر وسنو الجهاد الطويلة ظهرت عليه: لم تعد قدماه تقوى على حمله وصار يقع على الأرض. عندها قبل عرضَ مواطنه الأب ملاتيوس الروماني وانتقل إلى قلاية القديس جاورجيوس. أعطاه الشيخ ملاتيوس غرفة منعزلة في الطابق الأرضي وصار يهتمّ به. بالرغم من ضعفه، طلب الأب هيروديون قطعة من الخشب ليتكئ عليها أثناء صلاته الليلية. في آخر شهر من حياته لم يعد يأكل إلا القليل وصار يطلب من المحيطين به أن يصلوا كي يأخذ الرب نفسه في أسرع وقت. على غروب عيد القديس إسبيريدون راح الأب ملاتيوس إلى الدير للاشتراك في السهرانية التي تمتد إلى الصباح، وبقي العامل كوستا في القلاية لوحده وهو كان يهتمّ بالأب هيروديون. في المساء سمعه يصلّي ويحاول أن يقوم ببعض السجدات. عند الفجر لم يسمع كوستا أي صوت من الغرفة فقرر الدخول ليرى ماذا يفعل الشيخ. لكن قبل أن يلِج استرقّ النظر من الشباك فرأى الشيخ ممداً على السرير عارياً وهو يغطي أجزاءه الخاصة بيديه، على حسب ما قال أيوب: “عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ” (21:1). لقد رقد الشيخ بالرب في 12 كانون الأول 1990. عندما عرف الشيخ باييسيوس بموته وكيف وُجِد قال: “كان هذا آخر أعمال التباله من أجل المسيح”.

دُفِن الشيخ في اليوم التالي لعيد القديس إسبيريدون ومعه العصا التي كان يتكئ عليها أثناء صلاته الليلية. بعد ثلاث سنوات تمّ الكشف عن رفاته فوُجدَت عظامه صفراء، وهذا في التقليد الأثوسي إشارة إلى أنه رجُل الله.

الشيخ كالينيكوس اليَقِظ

إعداد أسرة التراث الأرثوذكسي

اسمه في العالم قسطنطين فياسباريس مولود في أثينا سنة 1853. منذ طفولته أحسّ بدعوة إلى الرهبنة، لكنه لم يستطع تلبيتها مباشرة. كان يرتاد الكنيسة ويقرأ ويصلّي ولكنه كان يشعر بأن شيئاً ما ينقصه. عندما التقى ببعض الرهبان الأثوسيين الذين شرحوا له عن الرهبنة، قرر أن يترك العالم ويمضي إلى الجبل المقدس أثوس.

عند بلوغه الثانية والعشرين ومن دون أن يخبر أحداً نزل إلى مرفأ اثينا (بيريا) مصلياً إلى الرب أن يجد باخرة تحمله إلى الجبل المقدس. سمع الرب واستجاب، فوجد قسطنطين نفسه بين رهبان الجبل في دير القديسة حنة.

لم يرتَح كثيراً لحياة الشركة الواسعة فحمله التدبير الإلهي إلى يدي أكثر نساك الجبل غيرة في حينه، الشيخ دانيال في منسك القديس جيراسيموس. في البداية، كان الشيخ دانيال متشككاً: هل يستطيع هذا الشاب المتعلّم الذي تربّى في تنعّم أثينا أن يحتمل وطأة المناقب الرهبانية؟ كان الشيخ دانيال يقطن في أحد أكثر الأماكن وعورة في الجبل. لم يكن هناك ينبوع ماء، وحده ماء المطر هو المتوفر وينبغي توفيره. الفاكهة، منتجات الألبان والخضار لم تكن موجودة. الخبز كان ناشفاً. لم يكن الشيخ يسمح باستعمال الماء للغسيل. وأكثر الأمور صعوبة كان الانعزال في مكان واحد. لم يكن مسموحاً لأي من المبتدئين الذهاب خارج حدود القلاية إلا إذا أرسله الشيخ لمبادلة الأعمال الخشبية التي ينتجها الرهبان بالطعام الضئيل.

لكن ما فاجأ الشيخ دانيال هو أن الشاب قسطنطين لم يحتمل هذه التجارب وحسب بل نجح وَتفوّق على غيره من المبتدئين المجرَّبين. نموذج التقوى الذي أظهره قسطنطين أقنع الشيخ بأنه سوف يكون راهباً مستحقاً. سيم قسطنطين راهباً وأُعطي اسم كالينيكوس. قبل انتقال الشيخ دانيال من العالم، علّم تلميذه كالينيكوس فنّ الصلاة غير المنقطعة وكل تعقيدات الحياة الجهاد.

بعد رقاد شيخه في 1881، انتُخِب كالينيكوس شيخاً إذ رأى الإخوة أنه امتصّ حكمة معلمه وخبرته الروحية، مع أنه في الثامنة عشرة من عمره فقط. مع أنه لم تتسنَّ له الدراسة الأكاديمية العالية في أثينا إلا أنه كان شخصاً دارساً على ذاته حتّى أنه تعلّم الروسية لوحده لكي يتواصل مع الرهبان الروس.

في 1885، انسحب الشيخ إلى قلايته وصار ناسكاً، حيث قضى خمساً واربعين سنة معتزلاً لا يرى أحداً ولا يراه أحد. كل احتياجاته كان يؤمّنها اثنان من المبتدئين. لم يكن يقطع وحدته إلا الكاهن الذي يأتي لمناولته. وكل هؤلاء الكهنة يحكون عن معاينة نور ثابور على وجه الشيخ عند المناولة.

بعد هذه السنوات، بدأ الشيخ يستقبل المؤمنين وصار أباً معرّفاً معروفاً ليس فقط في الجبل بل ابعد من ذلك بكثير. زاره رهبان وكهنة وشرطة ووزراء وتجار ومتعلمون وأمّيون وفقراء. حدث العديد من الأشفية والمعجزات خلال هذه الزيارات. لكن تبقى أهمّ مواهبه البصيرة الروحية التي جذبت إليه مئات الرهبان وغيرهم من الذين كانوا يطلبون إجابات على أسئلة صعبة في الحياة الروحية.

كان الشيخ، إذ يغرق في الصلاة القلبية، يبقى من دون طعام ولا نوم ولا راحة، لعدة أسابيع. وكان تلاميذه يعاينون النور الذي ينبثق من الشيخ، وهذا ما كان يعاينه أيضاً الزوار الذين يُتاح لهم زيارته في بعض الفترات.

نشأت في 1910 هرطقة بين الرهبان الروس والرومان، عُرفَت بعبادة الاسم (Ονοματοδοξη). الفكرة أنشأها راهب روسي يدعى إيلاريون ادّعى أتباعه أن اسم الله هو الله نفسه بجوهره. هذا التيار هزّ الجبل المقدّس وأدانته الجماعة الأثوسية، والبطريركية المسكونية ومجمع الكنيسة الروسية. مركز هذا التيار كان إسقيط القديس أندراوس في كارياس وكان يُعرَف بالسراي، وقد ترافق الأمر مع وقوع بعض العنف. لم تنتهِ الفوضى إلا بتدخل الجيش الروسي في صيف 1913، حيث نقل ما يزيد عن الألف راهب إلى جبال القوقاز في روسيا، حيث أصدر البطريرك المسكوني قراراً بمنعهم من العودة إلى الجبل.

في أثناء هذه الفوضى، أظهر الله أهمية الجهد الذي بذله الشيخ كالينيكوس لتعلّم الروسية، مستفيداً من نظرة الجماعة إليه كشيخ ذي قامة روحية كبيرة، ومن بعد دراسته لفكر إيلاريون، واجه الشيخ أتباع الهرطقة ووصفهم بأنهم “يوقرون السكوفو (القبعة الرهبانية) ويهملون الرأس”. يُقال أن الامبراطور الروسي قرّع المجمع الروسي بقوله: “عجز المجمع بأكمله عن التعرف على الهرطقة ما أحوج وجود راهب عادي من الجبل لينيركم”.

إذ لم يجد المجرّب درباً للوصول إلى نفس الشيخ الطاهرة، حاربه بالافتراء والاتهام والإهانة. هذا احتمله الشيخ بتواضعه ووداعته المعتادين.

في 1930، لازم الشيخ فراشه لأربعين يوماً. في العشرين من آب، أثناء استعداده للخروج من هذا العالم، عاين في قلايته جمهرة من آباء الجبل الممجَّدين، وصار وجهه مشعاً وبهِجاً كما لو أنه الفصح. قبل رقاده، تطلع بوقار إلى القديسين الذين جاؤوا إليه، قال: “أيها السيد! أنا لم أعمل اي شيء حسن في حياتي لكن أشكرك يا رب على أني أموت أرثوذكسياً”. ثم أغلق عينيه وأسلم روحه بين يدي الله.

كان وجهه مشعاً حتى أن الحاضرين وجدوا صعوبة في النظر إليه. لم يُكتَب الكثير عن هذا الشيخ مع أن كثيرين من العالم أتوا إليه من العلماء والإكليروس، وكثيرون بقوا إلى جانبه من خلفيات مختلفة. من بين أهم الذين تركوا العالم وتتلمذوا عند الشيخ اسبيريدون ماناغياس الذي كان من عائلات اليونان الأرستقراطية وكان عالماً كيمائياً مشهوراً في جامعة زوريخ.

من تعاليمه أن الإنسان، بقدر ما يرتفع، يزداد تواضعه. على الرغم مما عاشه كل تلك السنوات من شبابه إلى شيخوخته، وإذ بلغ علواً في الصلاة والتأمّل والمعاينة وكلله الله بالمعجزات والبصيرة واليقظة، كان يعتبر نفسه دائماً الأقل استحقاقاً للشرف الإلهي، وأنه أكبر الخطأة مظهراً دائماً عظَمَة الوداعة والمحبة.

إن هذا الشيخ وأمثاله والنموذج الذي يقدمونه لنا هم الدينونة الفعلية لكبريائنا ونظرتنا لذواتنا. أيها الشيخ كالينيكوس اليقِظ تشفّع بنا.

* بتصرّف عن المتقدم في الكهنة إيغور ريابكو والأرشمندريت جبرائيل الديونسيوتي.

شهداء كاستوريا اليونانية السبعة

إعداد أسرة التراث الأرثوذكسي

على ما يبدو، فإن مجمع كنيسة القسطنطينية في الثالث من تشرين الأول 2019 أضاف إلى سنكسار الكنيسة الأرثوذكسية عدداً كبيراً من القديسين. فبالإضافة إلى شيوخ القرن العشرين الأثوسيين الذين أعلن قداستهم البطريرك المسكوني في 20 تشرين الأول من كنيسة البروتاتون في كارياس أثناء زيارته للجبل المقدس: يوسف الهدوئي الراقد في 1959، يييرونيموس السيمونونبتريتي الراقد في 1957، أفرام الكاتوناكي الراقد في 1998، ودانيال الكاتوناكي الراقد في 1929، والشيخ صوفروني آسكس الذي أعلن قداسته أثناء زيارته لدير القديس بندلايمون في الجبل، فقد أعلن المجمع قداسة شهداء كاستوريا السبعة، بناءً على طلب مطران كاستوريا في شمالي اليونان. القديسون الجدد إما وُلدوا أو استشهدوا في كاستوريا، وهم:

– الشهيد الجديد مرقس بطرس ماركوليس الذي شنقه الأتراك في كاتدرائية القديسة باراسكيفي في كاستوريا

– الشهداء الثلاثة يوحنا نولتزوس وأخوه وابن حميه الذين قتلهم الأتراك في 1696 إذ رفضوا التخلي عن إيمانهم

– الشهيد الجديد جاورجيوس الذي كان مسلماً واهتدى إلى الأرثوذكسية واستشهد في أكارنانيا

– الشهيد في الكهنة الجديد باسيليوس كالابالكيس الذي أرداه الأتراك بالرصاص في 21 حزيران 1902 أثناء خدمته صلاة الغروب في كنيسة القديس ديمتريوس في خيليوذاندرو

– الشهيد في الكهنة الجديد أفلاطون أفازيذس المولود في جزيرة باتموس، حيث يوجد كنيسة على اسمه من قبل إعلان قداسته، وكان يخدم في كاستوريا كوكيل لمطرانها جرمانوس كارافانغيليس، وفي 21 أيلول 1921 أعدمه بعض الأتراك وذلك بشنقه إلى جسر في البنطس.

فبشفاعات قديسيك الجدد أيها الرب ارحمنا وخلّصنا

* كاستوريا هي مدينة في شمال اليونان في منطقة مقدونيا اليونانية وهي عاصمة إقليم كاستوريا وتقع على الشاطئ الغربي لبحيرة أويستياذا. بقيت كاستوريا تحت الحكم التركي إلى حرب البلقان في 1912 وبقي فيها ما يقارب ربع السكان من الأتراك الذين تركوها أثناء التبادل التركي اليوناني في 1921. كنسياً هي إحدى أبرشيات الأراضي الجديدة أي التي تتبع كنيسة القسطنطينية وفي الوقت نفسه تشكّل جزءً من كنيسة اليونان.

رؤيا القديس أرساني بوكا الروماني

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

في أحد الايام كان القديس أرساني بوكا الروماني في الحديقة جالساً في كرسي يتأمّل الجبال المحيطة بالدير. لاحظ غيمة داكنة ضخمة فوق أحد رؤوس الجبال. ضجة كبيرة وضوضاء كانتا صدران من داخل السحابة. راح يحدّق باهتمام شديد، وإذ فجأة انفصلت السحابة إلى اثنين وظهر على قمة الجبل عرش ملكي محاط بالنار. على العرش كان يجلس عدو البشرية، الشيطان، ويحيط به عدد كبير من الأبالسة. تمكّن القديس أرساني من متابعة ما حدث بوضوح.

سمع الشرير يقول: “مَن منكم الماهر والذكي بما يكفي ليأتي بفكرة محنّكة خبيثة نهمسها في عقول الناس حتى نتمكن من استدراجهم وجذبهم إلى جانبنا؟ بهذه الطريقة يمكننا إنشاء مملكة أكبر من ملكوت الله إذ لم يتبقَّ سوى القليل من الوقت …”

فظهر إبليس قدّم العبادة لزعيمه منحنياً إلى الأرض وقال: “يا زعيم الظلام البارز، أنا أرى من المناسب أن نهمس في آذان الناس أنه ما من إله”. فقال الشيطان: “إن شرَّك ليس الأفضل إذ نستطيع كسب عدد أكبر من النفوس بطريقة مختلفة. فليأتِ آخر بفكرة أخرى.”

جاء ثانٍ وقال: “يا قائد الظلام الباهر، أقترح أن يُهمس لهم أن هناك إلهًا ولكن لا يوجد شيء اسمه الجنة أو الجحيم، وأن حياتهم تنتهي ببساطة عند قبرهم”.

الشيطان، بعد تفكير عميق، قال: “هذا الفكر الشرير ليس كافيًا ولن يكسِبنا نفوساً كثيرة. سيتذكر الناس أن المسيح قال، قبل صعوده إلى السماء: <في بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ، وَإِلاَّ فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ. أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا، وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا> (يو 14: 2-3). لسوء الحظ، إن إيمان الناس بهذه الكلمات قوي بما يكفي لمواجهة خططنا. سيستمر الناس في الاعتقاد بأنه سوف يكافئ الجميع بحسب أعمال حياتهم. فليأتِ آخَر ويقدّم اقتراحاً غيره.”

فجاء ثالثٌ وبعد أن سجد لزعيمه إلى الأرض، بادر إلى القول:”يا زعيم الظلام الأقوى، أقترح أنه من الأفضل أن نثني على الناس لإيمانهم بالله وبوجود الجنة والنار، وتوقّعهم للدينونة الأخيرة. لكن في الوقت نفسه، فلنهمس لهم: <لا تسرعوا إلى التوبة. فلتكن التوبة عملكم في آخر حياتكم. لا يزال الموت بعيداً. في الوقت الحالي، استمتعوا بحياتكم وتلبية جميع رغباتكم الجسدية إذ ما زال هناك وقت كثير>. وبالتالي، فيما نقوم بأعمالنا المغرية والساحرة، يشيخون دون أن يدركوا ذلك ويصلون إلى آخِر حياتهم قبل أن يتوبوا. فيصل الموت فجأة ويجدهم غير مستعدين فيكونون لنا إلى الأبد. “

فحرّك الشيطان رأسه معبّراً عن رضاه. ثمّ نخر وضجّ بفرح شيطاني ونادى بهم كلهم بقلق متسرّع: “بسرعة، كلكم اذهبوا وافعلوا بالضبط كما أشار زميلكم”.

هذه الرؤيا حصلت للقديس أرسانيوس في فترة كان فكره منشغلاً في أن الناس يعترفون بالخطايا ثم يعودون ويعترفون بها نفسها، وبأنهم عندما يعطيهم النصائح والتعليم لا يعملون بها. بعد هذه الرؤيا، فهم القديس أن سبب قيام الناس بواجباتهم المسيحية بطريقة باهتة هو ما تهمس به إليهم الشياطين الماكرة طوال حياتهم بطريقة مغرية تدفعهم نحو مباهج هذا العالم. ولأن الناس يسمعون للشياطين، فإنهم يرفضون تغيير طرقهم ويستمرون في إشباع رغباتهم وطبيعتهم الخاطئة، متجاهلين تعليم الكنيسة عن التوبة الحقيقية، حتى في سن الشيخوخة …

إنها رؤيا مفيدة لنا جميعاً.

المغبوط ثيوذور المتباله للمسيح الجورجي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

في إحدى قرى أيبيريا (جورجيا الحالية) عاش رجل بسيط اسمه ثيوذور، وكان الجميع يعتبرونه أبلهاً، لا بل مجنوناً. لم يزر الكنيسة يوماً مع أنه لم يُظهِر أي نقص آخر.

في إحدى المرات، على عيد رفع الصليب المكرّم، حين يجتمع حشود من الشعب لإكرام الخشبة المكرّمة، فكّر ثيوذور في نفسه: “اليوم سوف أذهب إلى الكنيسة لأرى ولو لمرة في حياتي ما يفعلون هناك”.

فذهب، وسجد للصليب مع المؤمنين الآخرين، شارك في القداس الإلهي، وتأثّر بشكل خاص بكلمات الإنجيل: “ مَن أراد أن يتبعني، فلينكر ذاته ويحمل صليبه ويتبعني”.

بعد الختم، زار أحد أصحابه وسأله عن معنى هذه الكلمات. أجابه ذاك ممازحاً: “هذا يعني أن عليك أن تذهب إلى الغابة، تقطع شجرة، تصنع منها صليباً، تحمله، وتسير نحو ملكوت الله”.

بالفعل ذهب ثيوذور إلى الغابة وصنع صليباً ضخماً، فكان ثقيلاً حتّى أنه بصعوبة استطاع أن يحمله. وهكذا بدأ بالسير، وكان يسأل كلّ مَن يلتقيه: “أهذا هو الطريق المؤدّي إلى ملكوت الله؟”

هذا السؤال جعل الجميع يقتنعون بأنهم يتعاملون مع شخص مجنون، فكانوا يجيبون: “أسرِعْ، هذا الطريق يذهب مباشرة إلى ملكوت الله”.

وهكذا كان ثيوذور يسرِع أكثر… هام لأيام كثيرة مهملاً الأكل والشرب. أخيراً وصل إلى الحدود بين إيبيريا وتركيا. عند تلك النقطة، لمح ديراً على مسافة وقال لنفسه فرِحاً: “الحمد لله! لا بدّ أن هذا ملكوت الله”.

عندما وصل إلى الدير وسأل سؤاله المعتاد، تحققوا من بساطته وأجابوه: “ملكوت الله ليس هنا بعد، لكنه قريب، قريب جداً. خذ قسطاً من الراحة لفترة قصيرة ولربّما يأتي بعض المسافرين ليرافقوك؛ لأن المسافة الأخيرة من طريق الملكوت خطرة جداً”.

وافق ثيوذور ذو العقل البسيط وقبل عرضَهم وبات في رواق كنيسة الدير حيث وضع صليبه على أن لا يفارقه.

لاحظ رئيس الدير محبته وبساطته، فكلّفه الاهتمام بالحديقة. وكان ثيوذور يقوم بمهمته بحماس كبير وورع. في يوم من الأيام، كان يتأمّل السيد المصلوب، سأل الرئيسَ بأسى كبير في قلبه: “يا أبتي، مَن هو هذا الذي يحمل صليبه مثلي؟ ولمّ هو مُمَسمَر على صليبه؟”

أجابه الرئيس: “هذا هو ربنا يسوع المسيح”، وروى له حياة السيّد. منذئذ أحسّ ثيوذور بمحبة أخوية للمسيح بسبب تشابه حياتهما، وصار يكلّمه بإلفة.

في أحد الأيام، عندما جلبوا إليه الطعام، فكّر المبارَك: “هل أكل أخي المسيح، تماماً كما أفعل، عندما كان يسير في الأرض؟ سوف أسأله أن يشاركني طعامي المتواضع، إن كان يرغب”.

فيما كان يفكّر بهذه الأمور انفتح الباب فجأة وملأ الكنيسةَ نور متألّق. دبّت الحياة في أيقونة السيد المصلوب وبان الرب يسوع المسيح مملؤاً من المجد والجمالّ!

توجّه المسيح إلى ثيوذور بالكلمات التالية: “لقد شربت وأكلتُ عندما كنت على الأرض، والآن لا حاجة لي للغذاء. قريباً، سوف يحدث لك الأمر نفسه. أنا إبن آب غني. سوف أمضي إليه سريعاً وآخذك معي. سوف أريك مجده وسوف تكون معي إلى الأبد!”

في ذلك الوقت، بسبب الإنارة المفاجئة للكنيسة، جرى الرئيس والإخوة في ذاك الاتّجاه. لقد افتكروا أن المجنون أشعل النار في الكنيسة. عند وصولهم، عاينوا النور الرائع وسمعوا المحادثة الهادئة اللطيفة بين رجل مجهول وثيوذور. تجنّب المبارَك الإجابةَ على أسئلتهم حول ما جرى مدّعياً الجهل.

في النهاية، أخبر ثيوذور الرئيس عن الإعلان. بانذهال كبير، سقط الرئيس عند قدمي المبارَك راجياً إياه: “بالحقيقة أنت أخو المسيح. يا رجل الله، توسّل من أجل أن يأخذني معك إلى بيت أبيه”.

في تلك الليلة، بكل البساطة والجرأة المعتادتين، صلّى ثيوذور من أجل الرئيس. فظهر له المسيح مجدداً وقال له: “على الرئيس أن يتابع بالجهاد هنا”. عندما عرف الرئيس ما قال الرب، ترجّى ثيوذور بدموع: “صلِّ إلى المسيح، الذي صُلِب من أجلنا، ليرحمني بشفاعة الفائقة القداسة والدته على الرغم من أني غير مستحق لبيت أبيه”.

صلّى المبارَك مجدداً للرب يسوع المسيح الذي أجاب: “من أجل والدتي، خلال أربعين يوماً سوف آخذ رئيسك معك إلى بيت أبي”.

من بعد هذا، قضى الرئيس وثيوذور أيامهما في الصلاة. عندما انتهت الأيام الأربعون، رقدا بسلام وهما في وضعية الصلاة!

القدّيس نيقولاوس يُطعم الآباء الآثوسيّين خلال الاحتلال الفاشيّ

القدّيس نيقولاوس يُطعم الآباء الآثوسيّين خلال الاحتلال الفاشيّ

نقلتها إلى العربية الخورية جولي عطية عيسى

ماذا تفعلون؟سأل الكاهن المجهول. “هل هذا هو كلّ ما تملكون؟ لا شيء آخر؟

أجاب الآباء في الدير الآثوسيّ بأنّ هذا هو فعلاً كلّ ما كانوا يملكونه. كان ذلك في شهر كانون الأوّل، ولم يكن بوسعهم شراء أيّ غذاءٍ إضافيّ بسبب الاحتلال الفاشيّ. يُذكَر أنّ الدير كان يحتاج إلى عشرة آلاف أوكا(حوالى 1.3 كغ) من القمح لمعيشته، ولم يستطيعوا شراء أوكا واحدٍ منها.

أخذ الكاهن المجهول بضع حبّات قمح في يده، وباركها، ورماها فوق بقيّة القمح. ثمّ باركَ الجهات الأربع، والدير، والبحر، وهمّ بالمغادرة.

من أين أنتَ؟، سأله الآباء. “ابقَ لتناول بعض الخبز والزيتون“.

لقد أتيتُ من مكانٍ بعيدٍ جدًّا، من ميرا في ليكيا، أجابَ ورحلَ.

وبينما كان أحد الإخوة يقدّم الطعام لأحد الزوّار، اختفى الشيخ الذي تبيّن فيما بعد أنّه حامي الدير. أمّا المئة والخمسون أوكا من القمح المبارَك، فقد دامت لنصف سنة، أي من شهر كانون الأوّل حين ظهر القدّيس نيقولاوس لهم حتّى شهر تمّوز حين حان موسم الحصاد الجديد.

From “On the Wondrous Interventions of the Mighty Right Hand of Divine Providence,” An Athonite Geronikon: Sayings of the Holy Fathers of Mount Athos, compiled by Archimandrite Ioannikios Kotsonis, translated from the Greek by the sisters of the Holy Monastery of Saint Gregory Palamas in Thessaloniki, published 2003.

سيرة أبينا الشيخ يعقوب رئيس دير داود البار

سيرة أبينا الشيخ يعقوب رئيس دير داود البار

نقلها عن اليونانية بتصرّف الأخ يوسف كبا

 من أرشيف التراث الأرثوذكسي، من العدد العاشر السنة الأولى، حزيران 2003.

جدير بالذكر أن الشيخ يعقوب أُعلنَت قداسته من قِبَل مجمع كنيسة القسطنطينية في 27 تشرين الثاني 2017، ويعيّد له في الثاني والعشرين من تشرين الثاني.

1-  نَسَب الشيخ وسنوات طفولته

      آسيا الصغرى، التي أنجبت قدّيسين كثيرين في كنيستنا، هي موطن الأب يعقوب. فقد وُلد في قرية ليفيسي في ماكري (Λιβίσι Μάκρης). كانت أسرته ميسورة الحال، من أغنياء القرية. وغناها الأكبر كان التقوى والمحبة المسيحيتين. وقد أنجبت في تاريخها العريق رهباناً وإكليريكيين وقديس.

وُلد الشيخ في 5 تشرين الثاني 1920. وبسبب أحداث تلك الأيام المريعة وتهجير المسيحيين، انتقل إلى قرية القديس جاورجيوس في أمفيسا (Αμφισσας) وسط اليونان، وبعد سنتين إلى قرية فراكلا (Φαράκλα) في جزيرة آفيا، بقرب دير البار داود، حيث عاش حتى الثلاثين من عمره هناك.

كان لأمه ثيوذورا الدور الأكبر في حياته، وقد كانت مزدانة بالفضائل والتقوى والروح الرهبانية التي أورثتها لابنها المحبوب يعقوب. وقد روى الشيخ يعقوب، عن لسان أمه، أنه كان في طفولته ضعيف البنية في طفولته ولهذا كانت تدعوه “العصفور الخريفي”.

عند التهجير، أثناء النزوح من آسيا الصغرى، بقي الوالد، ستافروس تساليكي، أسيراً لدى الأتراك، وغادرت كل من أمه وجدته وعماته وخالاته بالسفينة إلى بيريا، وكان يعقوب في الثانية من عمره. ثم لحق الأب بهم إلى قرية فاراكلا. لكن الأم بقيت دائماً المربي الأساسي ليعقوب. عن طفولته، كان الشيخ يقول: “نادراً ما كنت أخرج من البيت، إلاّ إلى المدرسة. بعد إنجاب الأولاد، عاش والديّ ممسكَين متعففَين، في حياة روحية أخوية متواضعة مباركة. علمتني أمي الصلاة والسجود، وكنتُ أساعدها في الأعمال البيتيّة النسوية. وهكذا تعلمت الخياطة ومهارات أخرى. هذا أفادني في حياتي الرهبانية كثيراً. كل خمسة عشرة يوماً أو عشرين كان يأتي كاهن إلى القرية ليقيم الذبيحة الإلهية. كنت منذ المساء أذهب إلى الكنيسة لأساعد الكاهن وأبقى هناك مصليّاً إلى أن يأتي الناس صباحاً. لم نكن نعرف الاعتراف. فقط كنَا نصوم صوماً صارماً. أمّا قبل المناولة فكنَا نقبّل أيدي والدينا والشيوخ”.

ويقول الشيخ في مكان آخر: “كانت يدا أمي مفتوحة للمحتاجين. فأبي كان بناءً، وكان بمقدوره تأمين مستوى معيشي جيد لنا. اعتادت أمي على مساعدة الفقراء بسخاء بأطعمة وثياب، إلى درجة أننا، والدي وأنا، مراراً كثيرة عدنا من العمل في البناء ولم نجد ثياباً أخرى لنبدّل ثيابنا المتسخة! لكن حياتنا العائليّة كانت تعبر سلاميّة هادئة”.

يتابع الشيخ متحدثاً عن طفولته فيقول: “اعتدت الذهاب إلى الكنائس الصغيرة في البراري، وخاصةً إلى مقبرة القرية، من دون أن يعني هذا أنه كان لديّ مشكلة نفسية تعكّرني. بالعكس، كنت أتأمل هناك بطلان هذه الحياة الزائلة، وهكذا تولّد في نفسي ذكر الموت بفعاليّة”.

لقد أنار الروح القدس الشاب يعقوب إذ وجد فيه نفساً نقية طاهرة، فأخذ يفكر بتكريس نفسه لله، وبأن يصير ناسكاً عندما يكبر. كان يخرج من القرية إلى التلال المحيطة ويقيم في بعض التجويفات الصخرية التي كان يغطيها بأغصان الشجر، مصلياً ومعتبراُ نفسه ناسكاً. كما كان يزور بعض الكنائس المنتشرة في الريف، ككنيسة القديسة باراسكيفي، ينظّفها ويشعل قناديلها ويصلي فيها حتى الليل في عشرة مع الله وقدّيسيه، الذين طالما ظهروا له وتحاوروا معه.

بعد إنهائه المدرسة الابتدائية بتفوق، أصرّ استاذ القرية على إرساله إلى خالكيذا لمتابعة الدراسة. إلاّ إن أهله خافوا من إبعاده عنهم، وفضّلوا بقاءه في القرية. هكذا اكتفى بهذا المقدار من العلم العالمي ليمتلئ من “الحكمة التي من فوق” التي أظهرت الصيادين غزيري الحكمة.

تواضع الشيخ وإيمانه وصلوات أمه، جعلته على علاقة حميمة مع والدة الإله وجميع القديسين. يروي الشيخ أنه مرض في طفولته مرضاً شديداً، أصابته بردية وضيق نفس وآلام مبرحة في الصدر. “حينها لم يكن في القرية طبيب إلاّ الله وقدّيسيه. صلّت أمي كثيراً أمام أيقونة عجائبية للقديس خارالمبوس، كانت عندنا في البيت. عند المساء رأيتُ يد كاهن ترسم الصليب على وجهي، وتلامس مكان الألم وتداعبني. ومن لحظتها، أحسست بالتحسن ثم شُفيت. مَنْ شفاني كان القديس خارالمبوس، كما قال لي أمي”.

عندما رأى أهل القرية حياة يعقوب الصغير المقدسة، صاروا يحترمونه جداً ويعتبرونه ابناً باراً للكنيسة وفتى الله. وبما أن القرية كانت بلا كاهن، كانوا يلحون عليه كثيراً لأن يقرأ صلاة ما على المحتاجين أو المرضى، إيماناً منهم بأن صلاته ستساعدهم. وقد روى الشيخ قصصاً عديدة في هذا الخصوص.

كثيراً ما تحدث الشيخ عن ممارسة الصوم في أسرته المباركة. فقد قالت له أمه مرة، خلال الصوم الأربعيني المقدّس: “يا بنيّ يعقوب، أنظر كم أنت ضعيف. كُلْ ولو بيضة صغيرة لتتقوّى قليلاً”. فأجاب: “إن أكلتُ الآن، فلن أشعر بالقيامة. فأنا أريد أن آكل بيضة فصحيّة لأدرك معنى الفصح”.

عندما كان يساعد والده في أعمال البناء، سواء في القرية أو في القرى المجاورة، كان يتجنّب الأكل، في أيام الصوم، ممّا يقدمه لهم أصحاب البيوت التي يبنونها، لأنه غالباً ما كان زفراً. كان يعقوب الفتى يفضّل العودة إلى البيت ليتناول طعاماً صيامياً، على أن يتناول الجبن وغيره مما يقدّم، أمّا إذا وجد بعض الزيتون والخبز فكان يكتفي بذلك.

عند بلوغه الخامسة والعشرين من عمره، جاءت أمه في أحد الأيام وأخبرته أنها رأت ملاكها الحارس وأخبرها بأنها ستغادر هذه الحياة بعد ثلاثة أيام وأوصاها بأن تستعد. كان لهذا أثر كبير في نفس يعقوب، لا بسبب العلاقة الطبيعية بينهما كأمّ وابن وحَسب، بل بسبب العلاقة الروحية أيضاً. وهكذا، مرضت ثيوذورا وانطرحت في الفراش بسلام، باركت ابنها الحبيب داعيةً له أن يصبح كاهناً بعد أن يهتمّ بتأمين مستقبل أخته الصغرى. ثم تنفسّت الصعداء وأسلمت الروح.

2-  حياة يعقوب العسكرية

كانت فترة خدمة الشيخ في العسكرية خلال أصعب وأقسى العهود في اليونان، فترة الحرب الأهلية. كانت خدمة يعقوب في مدينة فولوس. وقد أخبر: “كانت أيقونة القديس خارالمبوس دائماً معي. وقد تضرعت إليه مراراً ألاّ يختارني الضابط المسؤول لأكون من رجال الدورية، لأني لم أكن رجل قتل ودماء. وبالفعل لم يحصل ذلك. كلّفوني مرة بالمناوبة في حراسة قطاع معيّن. فجلست وراء الرشاش وأخرجت أيقونة القديس خارالمبوس الصغيرة ووضعتُها عليه، وقلت له: ‘يا قدّيسي الحبيب، أنت أحرسْ الآن الهدف. أحرسْ هذا القطاع من هنا إلى هناك‘. بعدها غرقت في الصلاة بلا همّ، ونجوت من مخاطر كثيرة”.

ثم انتقل يعقوب إلى أثينا. هناك أنار الله قلب الضابط المسؤول عنه، فكان يعطيه كل يوم إذناً خطياً بزيارة كنائس أثينا وبيريا. واستمرت الصداقة بين الشخصين إلى أن أصبح الشيخ في دير البار داود، حيث زاره الضابط مراراً. ورغم وداعته وبراءته، ورغم محاولاته أن يعيش مع المسيح بخفية، إلاّ إنه لم يسلَم بالطبع من تهكمات بعض العساكر وإزعاجهم، إذ لم يكونوا يفهمون تصرفاته العجيبة بعقولهم البشرية. لكن البعض الآخر كانوا يحترمونه، وقد زاروه في ديره فيما بعد.

وهكذا مرّت سنوات خدمته العسكريّة الثلاث بسلام فعاد إلى قريته وهو في الثلاثين من عمره. وبعد أن أمّن على أخته، كما أوصته أمه، أصبح حرّاً في تحقيق ما حلُم به منذ الطفولة.

3-  حياة الشيخ يعقوب الرهبانية

في السيرة الرهبانية، رغب الشيخ باتباع حياة هادئة في بعض المغاور، كما في الأماكن المقدسة، مكتفياً ببعض الماء والأعشاب البريّة المتوفرة. لكن قبل المباشرة في تنفيذ رغبته، رأى ضرورة أن ينال البركة من دير البار داود. عندما وصل إلى الدير، كما يروي هو نفسه، وجده متغيراً عمّا كان عليه، أي أكثر جمالاً وعظمة وبهاء. “هناك قابلت شيخاً وقوراً أبيض اللحية. كان هذا هو البار داود. سألته وأنا مندهش إن كان بالإمكان أن يعطوني غرفة في الدير فأجابني: ‘أنت أتيت لتسجد كزائر. فإن كنت ستبقى يمكن أن نعطيك غرفة‘. فأجبته في الحال: ‘سأبقى أيها الشيخ‘. فأدخلني الدير بعد أن تفوهت بهذا الوعد ثم غاب الشيخ الوقور عن عينيّ وكأن جداراً انفتح ومر عبره. بعد لحظات أدركتُ واقع الحال، فالدير بسيط، وفيه خرائب هنا وهناك، وكنيسة صغيرة. لقد أتيتُ كزائر عادي، لكن من خلال ما حدث وجدتُ نفسي أعطي وعداً من كل قلبي بأن أخدم دير القديس داود”. حينها، كان في الدير ثلاثة رهبان كبار السن يعيشون بطريقة انفرادية. الأرشمندريت نيقوديموس كان رئيساً للدير وكان يتردد عليه من حين لآخر. وقد تمتع بفضائل كثيرة، لكنه كان يعاني من أمراض عديدة بالإضافة إلى وجود بعض الإخوة من داخل الكنيسة كانوا يضطهدونه. وقد رقد هذا الرئيس الرحوم بعد فترة قصيرة. يقول الشيخ: “كنتُ اطلب بركتَه في كل أمر. وهذا لم يكن سهلاً. فقد كنتُ أمضي أربع إلى خمس ساعات للوصول إلى القرية التي كان يخدم فيها الرئيس نيقوديموس، لآخذ بركته في أمور تخص الدير”.

كان الدير مهمَلاً لسنوات، فأخذ الشيخ يعقوب يعمل فيه طوال النهار مع الصلاة المتواصلة. ولكي يصبح الدير قادراً على الاعتماد على نفسه، وحتى على تقديم الإحسان للفقراء، عمل في كافة الأشغال: إصلاح، بناء، زراعة، وغيرها.

في انطلاقة حياة الشيخ الرهبانية المشتركة، عانى صعوبات وتجارب كثيرة. هذا ليس غريباً، فهو قانون الحياة المسيحية، وقد طبّقه الله على شيخنا يعقوب، فكانت حياته استشهاداً طوعياً حيناً وقسرياً حيناً آخر. لقد أثار إبليسُ الرهبانَ السابقين في الدير عليه، لكي يقفوا في وجه حماسته ويحملوه على اليأس ومغادرة الدير. لقد كان “منظره ثقيلاً عليهم”. إلاّ إن فضائله وبساطته الموهوبة من الله تغلبت على شرورهم. قلايته كانت شبه خربة: لا زجاج على النوافذ، بالإضافة إلى الشقوق في الباب صيفاً وشتاءً. وقد كان الشيخ يعقوب يعزّي نفسه بمقارنتها بالنسّاك العموديين، الذين لم يكن من سقف يحميهم، وبالنسّاك سكان البراري الذين لا مأوى لهم. هكذا كان يرى ذاته أفضل حالاً منهم ويشكر الله. و كان الشيخ مستفيداً وأكثر خبرةً في مختلف التجارب والآلام. لكن الشيطان زاد أيضاً من تجاربه، على غرار تجربته لآباء البرية المتوشحين بالله. وقد روى الشيخ حادثة عن هجوم الشياطين عليه في أحد الأيام، فيما كان مستلقياً قليلاً قبيل الظهر ليرتاح من العمل، فضربوه ضرباً مبرحاً في كل أنحاء جسمه وأسمعوه الشتائم والتجاديف مانعين إياه حتّى من رسم إشارة الصليب. إلاّ أنه أخيراً استطاع رسم إشارة الصليب وطردهم باسم يسوع.

في أحد الأيام، جاء رئيس الدير وقال له: “يا أبانا  يعقوب، اغتسِلْ واستحمّ وسرّح شعرك. لأننا سننزل معاً إلى خالكيذا”. أطاع الشيخ يعقوب من دون أن يدري ما القضية. “بالفعل نزلنا إلى مطرانية خالكيذا، وكان المطران غريغوريوس هناك إنساناً قديساً متواضعاً رحوماً… استقبلنا ورحّب بنا، ثم أخبرني بأنهم قرروا منحي رتبة الكهنوت. هذا الأمر لم يكن يخطر على بالي. إلاّ إني لم أستطع أن أجادل احتراماً لرئيس الدير والأسقف القديس. وهكذا في الثامن عشر من كانون الأول 1952 رسموني شماساً، وفي اليوم التالي كاهناً. وقد أهدوني محفظة فيها أيقونة للسيدة العذراء كُتب تحتها: ‘أيها الأب يعقوب، أيقونة العذراء هذه فلتحفظْك في المكان القفر، هناك حيث تقيم…‘ ثم بعد أيام أخذت إذناً مكتوباً بممارسة الأبوّة الروحيّة وسرّ الاعتراف”.

4-  حياة الشيخ يعقوب الكهنوتية

منذ بداية حياته الكهنوتية، أخذ الشيخ يعقوب يقيم الصلوات اليومية والقداس الإلهي ويتناول القدسات بتواتر، مما كان يعطيه قوة روحية كبيرة ونشاطاً كل النهار. ونظراً لحاجة المنطقة إلى كهنة، صار يخدم القرى المحيطة بالدير. لقد كانت غيرته على بيوت الله الناطقة (المؤمنين) وغير الناطقة كبيرة جداً. فكان يعمل بنشاط وحماس في خدمة النفوس والكنائس والأوقاف.

كان الشيخ يغار من فضائل القديسين الذين يقرأ عنهم، ويحاول تطبيق شيء منها بنفسه. لذلك عندما قرأ عن إمساك القديس دانيال العمودي حتى عن ضروريات حياته اليومية محبةً بكثرة زائريه، راح الشيخ يعقوب يمسك عن حاجاته الطبيعية منذ خروجه من الدير في الصباح، ليخدم في مختلف القرى المحيطة، إلى أن يعود إليه.

حسب عادة ذلك الزمان، كان الأب يعقوب يطوف برفات البار داود في القرى المجاورة ليتبرّك منها المؤمنون. وقد كان هذا متعباً جداً له بالرغم من طبعه النسكي. يروي تعزية حصلت له إحدى المرات عندما كان عائداً من إحدى جولاته في الرعايا المحيطة، إذ عندما دنا من الدير، رأى نوراً بهياً خارج الدير ينير الطريق الضيقة المؤدية إليه. ثم “عندما وصلتُ إلى الدير دخلتُ الكنيسة. فوجدتُ شيخاً منتصباً عن اليمين ينتظرني. بعد أن وضعتُ الرفات وسجدتُ للأيقونات بحثتُ عن ذاك الشخص لأحيّيه معتقداُ أنه أحد آباء الدير، إلاّ إني لم أجده. فقد اختفى. لقد كان البار داود حيّاً ينتظر عودتي بسلام”.

عجائب أخرى عديدة حصلت مع البار بنعمة الله، لا يسعنا ذكرها جميعاً. نذكر أن الشيخ يعقوب كان يسعى دائماً لتأمين الزيت لجميع الكنائس المحيطة بالدير. بالإضافة إلى الإحسانات الأخرى التي كان يقدمها للمؤمنين. في أحد الأيام، كان يصلّي متضرعاً إلى العذراء والبار داود والنبي إيليا بشكل خاص، لأن يساعدوه في تأمين الزيت في كل المنطقة. بعد فترة من صلاته، نزل إلى المستودع حيث وعاء الزيت الكبير، فوجد الغطاء يتحرّك والزيت ينسكب من الوعاء، فظنّ لأول وهلة أن فأراً في الوعاء يحاول الخروج منه بعد أن أسال كل هذا الزيت على الأرض. إلاّ إنه عندما دنا ورفع الغطاء، لم يجد لا فأراً ولا ما شابه، بل تأكّد أن الزيت كان يفيض عجائبياً! فمجّد الله على مراحمه وشكر قدّيسيه.

لقد كان الإحسان والعطاء بلا حدود شيمةً راسخةً في الشيخ البار يعقوب. وقد ورث ذلك عن أمه. كان دائماً يفرّغ يديه ممّا يملك، فيعود الله ويملؤها أكثر فأكثر. وكان الشيخ يتعجّب من مراحم الله هذه العظيمة.

كانت صحة الشيخ حديدية إلى أن بلغ الخامسة والخمسين. إلاّ أن الله سمح، بعد هذا العمر، بأن يعاني الشيخ من أمراض كثيرة ثقيلة. يقول الشيخ عن هذا: “لقد أخذ إبليس الإذن بأن يجرّب جسدي” كما حصل مع أيوب البار في العهد القديم. “لم أكن أريد الذهاب إلى الأطباء في البداية، إذ كنت أعتبر أنه من العيب أن يروا جسدي عارياً، جسد كاهن”. إلاّ إنه اضطر مراراً لزيارة الأطباء فيما بعد، خاصةً عندما كان يعاني آلاماً مبرحة. وخضع لعمليات جراحية. وكثيراً ما كان القديس البار داود يزوره مع القديس يوحنا الروسي، فيراهما واقفين بجانبه، حتى في غرفة العمليات، يتشفعان من أجل شفائه.

في تلك الأيام، بالرغم من توصيات الأطباء له بتجنّب الوقوف، إلاّ إنه لم يكن يتهاون في أداء الخدمات الكنسية الشريفة وإتمام القداس الإلهي، رغم الآلام اللاحقة التي كان يعاني منها عند المساء وطوال الليل. وقد كانت تنتابه نوبات من الآلام في عنقه ورأسه وأماكن أخرى من جسده، خاصةً بعد قضائه ساعات طويلة في تقبّل اعترافات أبنائه الروحيين. لقد كان يعتبر كل هذا نوعاً من النسك، يحتمله بصبر وشكر.

5-  رقاد الشيخ يعقوب

آخر تجاربه كان مرض القلب الذي أودى به إلى الحياة الأخرى. وقد أجرى عمليتين جراحيتين في القلب، وكانت الثانية من دون تخدير، بعد فشل العملية الأولى. رغم آلامه المتواترة، حافظ الأب يعقوب على ابتسامته وخدمته للآخرين بمحبة، في نفوسهم وأجسادهم. كانت أحاديثه في سنيه الأخيرة تتناول علاقته الحميمة بالبار داود، وطفولته وقصصه الروحية المختلفة، ونصائحه ورؤاه العجائبية. كان يتحدث دائماً ببراءة طفولية تطفح منها النعمة والبساطة، معزياً كل مَن حوله وناصحاً ومشدداً لهم، رغم ما كان يخفي من آلام وضعفات في جسده.

رقاده في البرارة كان أيضاً مدعاة للعجب. لقد سبق وعرف اليوم الذي سيموت فيه. في ذلك اليوم كان سعيداً جداً. في صباح يوم الحادي والعشرين من تشرين الثاني من عام 1991، عيد دخول السيدة، كان يرتل في كنيسة الدير. وبعد الظهر حوالي الرابعة، حينما كان يتقبّل اعترافات المؤمنين كالعادة، عَبَر إلى الراحة الأبدية، مغادراً ما في العالم، منتقلاً إلى قرب السيد الرب.

صلواته تحفظنا. آمين.

العلاقة بين القديس باييسيوس الأثوسي والشيخ يعقوب تساليكيس

العلاقة بين القديس باييسيوس الأثوسي

والشيخ يعقوب تساليكيس

شهادة الأب الراهب يعقوب

كنتُ علمانياً، تلميذاً في الثانوية الكنسية في لاميّا، سنة 1986، أحمل اسم يوحنا. كنت أنوي الذهاب إلى الجبل المقدس وزيارة الشيخ باييسيوس، ببركة شيخي يعقوب تساليكس، لكي أطلب النصح منه حول أن أكون راهباً أم لا.

لقد كان الشيخ يعقوب يوقّر الشيخ باييسيوس كثيراً، وعندما قصدته، أعطاني شيئاً لأوصله كبركة وقال لي: “قلْ للشيخ باييسيوس، عندما تصل إلى تسالونيكي، بأن عليه أن يأتي ليرانا. فمن جهتي يا يوحنا، صعب عليّ أن أذهب لرؤية الشيخ، لأن عليّ أن أعبر جبالاً وودياناً والبحر، فيما صحتي لا تسمح بذلك، هذا كي لا أذكر أن الشيخ باييسيوس قديس أمّا أنا فخاطئ وغير مستحق“. من ثمّ أعطاني خمسة آلاف دراخما لأضيء له شمعة في كنيسته.

في الجبل المقدس، التقيت الشيخ أمام بابه. ما أن رآني، وقد كنت برفقة أحد الآباء الرهبان، قال لي: “أهلاً، جيد أن نراك“.

بعد أخذ البركة، قال لي: “إذاً، ماذا تظن؟ أسنسيمك راهباً؟أجبته: “أبونا، عندي مشكلة مع أهلي“. فقال لي: “اسمع ما أقوله لك، اتركْ أهلك يبكون لشهر أو اثنين، حتى لا تبكي أنت إلى الأبد، وقبل أن تفقد الكنز.” كان يشير بالكنز إلى الشيخ يعقوب، وهذا كله من دون أن أكون قد فاتحتُه برغبتي في أن أكون راهباً.

وإذْ أردت أن أقول شيئاً، قاطعني: “معك بركة الأب يعقوب من دير القديس داود في آفيا. يا بنيّ، هؤلاء هم القديسون الذين يكافحون اليوم ويصلّون بتواضع ومحبة. أنا لا أستحق أن أرى عملاق الأرثوذكسية، ولقاؤه أيضاً بعيد جداً، وهذا يتطلّب جهاداً والكثير من الجهد. لأن الله منحنا المحبة ونحن نتواصل روحياً.”

فسألته: “أعندي بركة بأن أسجد في كنيسة قلايتكم؟فأجاب لا ليس ضرورياً.”

فأجبته أنها للتبرّك، فقال لي: “لا يا بنيّ، قد يكون الشيخ يعقوب أعطاك خمسة آلاف دراخما، لكن ماذا بعد، ماذا أعمل بها وأنا راهب؟

لم يتركني أسجد. أعطاني مسبحة صلاة وصليباً صغيراً لأوصلها إلى الشيخ.

عند عودتي إلى الدير استقبلني الشيخ يعقوب بفرح. أعطيته البركة من الشيخ باييسيوس فبادرني بالقول: “الخمسة آلاف دراخما التي لم يقبلها الشيخ باييسيوس، ولم يتركك تسجد وتضعها في كنيسة القلاية، خذها معك لمصاريفك في مدرسة لاميّا“.

أصبتُ بالذهول وسألته: “يا أبونا، كيف تعرف ذلك؟فأجابني هامساً في أذني: “يا بنيّ، نحن نتواصل روحياً.”

جبرائيل، طالب الفلسفة الملحد في الجبل

جبرائيل، طالب الفلسفة الملحد في الجبل

الميتروبوليت نيقولا مطران ميسوغيا

قبل عدة سنوات، تقرّب مني أحد الطلاب. أخبرني أنه كان ملحداً، على الرغم من كونه متردداً جداً كان عنده عزم الساعي الجدّي، كان يعرف أنه سوف يكون راضياً إن آمن لكنه لم يستطع. حاول لسنوات من دون نتيجة. لقد تحدّث إلى متعلّمين وأساتذة، من دون أن يشبع عطشه إلى شيء ما مهم. سمع عني وأراد أن يشاركني حاجته الوجودية. سألني عن برهان علمي لوجود الله.

سألته: أتعرف التكاملات (integrals) أو المعادلات التفاضلية (differential equations)؟

أجاب: للأسف لا، أنا أدرس الفلسفة.

فقلت له ممازحاً: هذا معيب! لأن البرهان الذي عندي هو من خلالها.

لم يرتَح لجوابي وصمت لبرهة. فقلت له: انتبه، أنا آسف أني مازحتك، الله ليس برهاناً حسابياً ولا هو معادلة. لو كان أيّ شيء من هذا القبيل لكان كل المتعلمين يؤمنون به. هناك طرق أخرى للتقرب من الله. أنت تعرف. هل سبق لك أن زرت الجبل المقدس؟ أقابلت في حياتك أي راهب ناسك؟

أجابني: لا يا أبتي، لكني لأني سمعت الكثير، أنا أفكّر بالذهاب إلى هناك. حتّى أن باستطاعتي أن أذهب غداً، إذا طلبتَ مني ذلك. أتعرف أيّ شخص متعلّم أستطيع أن ألقاه؟

ماذا تختار؟ متعلّم بإمكانه أن يصيب عقلك بالدوار أو شخص يمكن أن يوقظك وهو قديس؟

أريد متعلّماً لأني أخاف القديسين.”

فأجبته: “علاقة الإيمان هي مع القلب، لمَ لا تجرّب قديساً؟ ما اسمك؟، فقال جبرائيل“.

أخبرته كيف يذهب إلى عند راهب ناسك. أعطيته الطريق لإيجاده وكل التوجيهات الضرورية، حتّى أني رسمت له خريطة. “عليك أن تذهب وتخبره بما أخبرتني. قلْ له أنا ملحد، لكني أريد الإيمان بالله، أريد برهاناً على وجوده“.

فقال لي: “أنا خائف وخجلان، فسألتُه: “لمَ أنت خائف وخجلان من الرجل المتقدّس وليس منّي؟

بعد أيام ذهب ووجد الناسك يتحدّث إلى شاب في فناء داره. على الجهة المقابلة كان أربعة آخرون ينتظرون على بعض جذوع الشجر. وجد جبرائيل بينهم مقعداً مؤقتاً. بعد أقل من عشر دقائق انتهى الشيخ من محادثته مع الشاب.

سأل: “كيف حالكم يا فتيان؟ هل أخذتم بعض الحلوى التركية؟ أشربتم ماء؟، فأجابوا شكراً أيها الشيخ، بدماثة مهذبة.

قال لجبرائيل: “تعالَ إلى هنا، مختاراً إياه من بين الآخرين. “سوف آخذ الماء وأنت تأخذ علبة ​الحلوى التركية، وتقترب مني حتى أوشوش إليك بسرّ: لا بأس أن يكون الإنسان ملحداً، لكن أن يكون لك اسم ملاك وملحد؟ إنها المرة الأولى التي أرى فيها شيئاً من هذا“.

كاد جبرائيل أن يُصاب بنوبة قلبية عند سماعه هذا الكلام. كيف استطاع أن يعرف اسمه؟ مَن أخبره بمشكلته؟ بالنهاية، أهذا ما كان الشيخ يريد إخباره؟

فسأل وهو بالكاد يستطيع أن يتمتم: “أبونا، أأستطيع التحدث إليك لبرهة؟

استمع، الوقت متأخر. خذ الحلوى التركية، اشرب بعض الماء، واذهب إلى اقرب دير لقضاء الليل“. “أبونا، أرغب بالتحدث إليك، أليس ذلك ممكناً؟

ما عسانا نقول، يا بنيّ؟ ما سبب مجيئك؟

أخبرني جبرائيل: “عند طرحه هذا السؤال عليّ، أحسست بتنفسي يتسارع مباشرة. فاض الإيمان في قلبي. راح عالمي الداخلي يزداد حرارة. من دون أي محاججة، كانت الشكوك تزول. من دون أي كلام، من دون وجود جواب قاطع. كل «إذا»، «لماذا» و«لكن» أبيدَت مباشرة، وكل ما تبقى كان «كيف؟» و« ماذا الآن؟»”

نكزة خفيّة من قديس أعطت أفكاره ما عجز عن إعطائه إنسان متعلّم. قديس لم يتخرّج إلا من الصف الرابع في المدرسة الابتدائية. لدى القديسين الكثير من الاستنارة. إنّهم يعملون عليك، لكنك لا تشعر بأي ألم خلال العملية. من دون أن يفتحوا أحشاءك يقومون بعملية الزرع. من دون أن يستعملوا سلماً، يرفعونك إلى قمم لم تطأها قدماك. من دون أن يتعِبوا دماغك يزرعون بذار الإيمان في قلبك.

ثلاث فضائل للقديس ديمتريوس

ثلاث فضائل للقديس ديمتريوس

سيرافيم ميتروبوليت كاستوريا (اليونان)

نقلتها إلى العربية صبا نعمة

يقول القديس غريغوريوس بالاماس في مديحه القديس العظيم في الشهداء ديمتريوس صانع العجائب والمفيض الطيب: “الأعجوبة العظيمة للمسكونة، الزينة العظيمة للكنيسة والأقدر من الجميع“.

ليس فقط هذا القديس المعاين الله بل وكتّاب عديدون في السنكسار والمدائح يقدمون احتراماً وتوقيراً للشهيد العظيم الحارس والمنقذ والمحارب عن مدينة تسالونيكي.

يَعتبِر نيكيفوروس غريغوراس (1330م) موتَ الاسكندر الكبير خسارة، بينما استشهاد القديس ديمتريوس فيعتبره ربحاً للعالم إذ ساهم بجعله عالماً أفضل.

ملأ قديسنا المسكونة شذى وطيباً الصيف والشتاء وحتى الأبدية قد امتلأت من نعمته“. أما مدينته المحبوبة تسالونيكي فقد أضحت ليس حصناً روحياً ضد الهجمات الشيطانية وجحافل البرابرة وحسب، بل أيضاً ملجأً من عواصف هذا العصر وحامية نفوسنا وأجسادنا”.

في المناطق الشمالية من اليونان وفي مكدونيا حيث يشعر المرء بحضور قداسته، يخصصون بإجلال بعض الأزهار الخريفية المدعوّة في بلادنا الديمتريات (agiodimitriatika)، وبحسب كوكب الأرثوذكسية الساطع القديس غريغوريوس بالاماس نزين بها شخصه.

المفخرة الأولى إيمان لا يتزعزع“:

الإيمان ليس تعليماً نظرياً ولا تنظيماً فلسفياً يعنى بمفاهيم عليا. كما أنه ليس فكراً يصدر من عقل الإنسان. الإيمان هو حياة ويعود إلى مصدر الحياة الذي هو المسيح، هو الاتحاد في المسيح وتجلّي المسيح في القلب.

تبرز الكنيسة هذه الخبرة المعاشة بعد المشاركة في سر الحياة أعني سر الشكر. فعندما نشارك في الأسرار الطاهرة، مردد مع المرنّم التسبحة المؤثّرة قد نظرنا النور الحقيقي وأخذنا الروح السماوي ووجدنا الإيمان الحق“.

يشّدد القديس غريغوريوس بالاماس أنّا نؤمن بالله وأنّا نثق بهويتابع: “اﻹيمان مختلف عن الثقة“. “أثق باللهيعني أنّي على يقين أنّه صادق ولن يخلف بما وعدنا به. “أؤمن باللهيعني أن أفكر فيه بشكل صحيح”. من هنا يكون الإيمان هبةً مقدسة وإعلاناً لله في القلوب النقيّة. هذا ما اختبره القديس ديمتريوس في حياته: “هذا ما أعطي له كهبة، هذا ما حفظه ككنزٍ لا يثمّن، حافظاً إياه مختوماً بدمه

المفخرة الثانية فيض النعمة الإلهية“:

يحتاج الإنسان إلى نعمة الله لكي يحفظ كنز الإيمان في وعاء ترابي وكما يقول الرسول بولس: “ويدوس الأفاعي والعقارب وكل قوة العدو“.

يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم: “إن كان بوسع الخطيئة تحقيق الكثير، فالنعمة، نعمة الله، ليس نعمة الآب فقط بل والابن، أفلا تحقق الأكثر؟

كل شيء ينتفع بنعمة الله. هي تغفر لنا وتبررنا دون أن تبطل حرّيتنا، بل وتعلمنا الثقة بمحبة الله للبشر. إنها السلاح الأقوى، بحسب عندليب الكنيسة الذهبي: “إنها الحصن الذي لا ينصدع، والعمود الذي لا يتزعزع كل شيء يتم بنعمة الله” (القديس يوحنا الذهبي الفم).

لو لم تكن لنا نعمة الله، لما كان لنا حضور الشهداء، اعترافاتهم وعجائبهم، زهد الأبرار ودموعهم، لما كان لنا حضور القديس ديمتريوس. إن كلمات القديس نسطر تلميذه وحدها: “يا إله ديمتريوس ساعدنيوفيض الطيب وتدفق النعمة من جثمانه تُظهر سكنى النعمة في قلبه كما في رفاته المقدسة حتى يومنا هذا.

المفخرة الثالثة غنى الفضائل الإلهية“:

بحسب التقليد الأرثوذكسي، ترتبط الفضائل الإلهية بشخص المسيح وهي ناتجة عن الحياة في المسيح (المتروبوليت إيروثيوس نافباكتوس). ليست هي قيماً وأفكاراً مجرّدة بل هي المسيح نفسه. إن الذين يحبَّون يحرزون المحبة نفسها التي هي المسيح.

يشدّد القديس يوحنا الذهبي الفم بأن الفضيلة هي الطريق إلى الملكوت التي نعبرها بالأحزان والدموع، إنها صعبة، ولكن مبهجة. الفضيلة هي الحالة الطبيعية للروح، بينما الرذيلة هي عدوة طبيعتنا. كما هي حال الصحة بالنسبة إلى طبيعتنا كذلك الداء والمرض ليسا من طبيعتنا. الفضيلة تساعدنا للانتقال إلى الحياة الخالدة، الفضيلة وحدها هي القادرة وتستطيع الانتقال معنا، وحدها تستطيع العبور إلى الحياة الخالدة” (القديس يوحنا الذهبي الفم). لكي ندخل بغلبة إلى الملكوت السماوي لنسعى إلى اقتناء الفضائل في الوقت المتبقي لنا على الأرض“.

تحلّى القديس ديمتريوس بكل الفضائل، فأضحى مبشراً ومعلماً متّقد الغيرة في عصر الإثم. إنه بطلٌ شجاعٌ مقدامٌ، أبٌ عطوف وقائدٌ لتسالونيكي. فليرفع يديه أمام عرش الحمل المذبوح طالباً أن يمنحنا: إيماناً لا يتزعزع وفيضَ النعمة الإلهية وغنى الفضائل الإلهية. آمين