فيروس كورونا والكنيسة

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس، مطران نافباكتوس

نقلها إلى العربية كمال كدر

السؤال 1: ما هو الفيروس التاجي (covid-19)؟

الجواب: إنه فيروس، مثل معظم الفيروسات، يتكون من الحمض النووي الريبي (RNA)، ويستخدم بنية ونواة الحمض النووي للخلايا (DNA) لكي يعمل.

من المعروف أن المعلومات الوراثية من الحمض النووي (DNA)، الموجودة في نواة الخلية، يتم نقلها إلى الحمض النووي الريبي الموجود في السيتوبلازما، ثم يتم تحويلها إلى بروتينات. تعتبر عملية النسخ والاستنساخ نوعاً من الانتقال وهي الأساس المركزي لعلم الأحياء.

ولذلك، فإن التدفق العكسي للمعلومات من (RNA) إلى (DNA) يعطل هذا الأساس المركزي. بكلمات بسيطة، يشبه عمل الفيروس الشخص الخاطف، الذي ليس لديه طائرته الخاصة، ولا يعرف كيف يطير، لكنه يستخدم أدوات الطائرة والطيار لغرضه الخاص.

السؤال 2: لماذا هذا الخوف الهائل من الفيروس التاجي (covid-19)؟

الجواب: هناك العديد من الفيروسات، مثل الإيدز والتهاب الكبد والإنفلونزا والإيبولا والسارس وما إلى ذلك، والتي وجد العلم طرقاً لمواجهتها. عندما اندلعت المشكلة في أوائل التسعينات مع فيروس الإيدز، أصيبت البشرية بالذعر. وفي اليونان تم إنشاء لجنة وطنية للتوعية من الإيدز، والتي أصبحت مركز السيطرة على الأمراض الاستثنائية. في هذه الفترة كنت ممثل كنيسة اليونان، وأنا أتابع، منذ ذلك الحين، القضايا المتعلقة بالعدوى ذات الصلة، حتى أنني كتبت كتابًا بعنوان: الإيدز، طريقة حياة.

أذهل الفيروس التاجي المجتمع العلمي لكن ستتم مواجهته علمياً قريبًا. حتى ذلك الحين يجب أن نكون حذرين ونصلي.

السؤال 3: كيف تبرر الذعر الناجم عن فيروس كورونا؟

الجواب: في الواقع، وبصرف النظر عن الفيروس التاجي (covid-19)، هناك أيضًا فيروس الذعر الذي يتحدث عنه المختصون بالعلوم الإنسانية والاجتماعية وعلماء النفس.ـ

يفسَّر الذعر بما قلته سابقًا، وفي الوقت نفسه يتم تفسيره بالخوف من الموت. الشخص الذي يحب الحياة يريد أن يعيش أطول فترة ممكنة إذ يخشى الموت. هذا هو ذعر الموت المزعوم. ليس هو الحال الآن مع الفيروس التاجي (كورونا)، ولكن الموت يقترب منا دائمًا بطرق متنوعة.ـ

يرتبط الخوف من الموت بكل مرض يقود الإنسان نحو نهاية حياته. يؤكد هايدجر[1] أن الإنسان يعمل بطريقتين، الأولى في ما يسمى بالطريقة اليومية، وهي مرتبطة بالقدرة والسلطة والصحة والنشاط الاجتماعي، أما الأخرى فهو بالطريقة الوجودية، التي ترتبط بحصول المرض و اقتراب الموت.ـ

عندما يدخل الإنسان إلى المستشفى بسبب مرض ما، تبدأ على الفور الأسئلة الوجودية، مثل مسألة معنى الحياة ومعنى الموت. وتُطرح العديد من الأفكار، مثل من هو المسؤول عن الوضع الذي وصلنا إليه، وبالتالي، ينشغلون بما يسمى “اللحظات الحدودية في حياتهم”، والتي تتحدث عنها الفلسفة الوجودية وعلم النفس الوجودي، لهذا السبب لا ينبغي معالجة المرضى جسديًا فحسب، بل كليًا.ـ

السؤال 4: ما هو الموت؟

الجواب: الموت ليس فقط ما يحدث في نهاية الحياة البيولوجية، بل هو قابلية الفساد وقابلية الموت الكامنة في الكائن البيولوجي ككل.ـ

أظهرت البيولوجيا الجزيئية أنه من بين 25000 جينة في الخلية البشرية، منذ اللحظة الأولى لتخصيب الخلية، هناك أيضًا جينات الشيخوخة (الموت) وجينات المرض. فمنذ اللحظة الأولى للحمل البشري، وقبل تمايز الخلايا الجذعية، وقبل نشوء الأنسجة والأعضاء، وقبل تكوين بنية الجنين، فإن هذه الجينات توجد بالفعل. وهذا يعني أن الموت هو “عبء” بيولوجي ونفسي نحمله منذ اللحظة الأولى من تكويننا إلى الأزمات التدريجية التي توصلنا للموت.ـ

السؤال 5: كيف نتعامل مع مشكلة الفيروس التاجي (covid-19)؟

الجواب: تتم الإجابة على عدة مستويات. العلم يقوم بدوره، وأعتقد أنه سيكون لدينا تطورات تبعث على الأمل في هذا المجال. تحاول الدولة بمؤسساتها تقييد انتشار المرض، لأن الفيروس لا يميز بين الإنسان والمواطن. كما تصب وزارات الصحة كل اهتمامها في مسألة تعاملها مع هذا المرض على أنها “مسألة حرب” لأنه عدو داخلي بحق. من ناحية أخرى يجب على المواطن مواجهته على المستوى الشخصي. بالطبع، في هذا الوقت الحرج، يجب علينا احترام وتكريم الأطباء وهيئة التمريض الذين يعملون بكل المسؤولية ووعي وشجاعة.ـ

السؤال 6: كيف نتعامل مع المرضى بشكل خاص والمجتمع بشكل عام في خضم المعاناة الناجمة عن الأسئلة الوجودية؟

الجواب: أكدّتُ سابقاً أن الدولة ومؤسساتها تتخذ القرارات اللازمة لحماية المواطنين. لكن هذا لا يكفي، لأن الإنسان ليس آلة، ولا حتى آلة حية، لكنه كائن ينشغل بمعنى الحياة ومعنى الوجود، يتساءل في كثير من الأحيان لماذا يجب أن يحمي نفسه من المرض إذا كانت الحياة لا معنى لها بالنسبة له. غالبًا ما يعبّر مدمنو المخدرات عن أنفسهم بهذه الطريقة، فعندما ننصحهم بالحذر يجيبون: “لا أريد أن أكون حذراً، لأن الحياة لا معنى لها بالنسبة إلي”.ـ

لذلك، لا يمكن للمرء أن يتعامل مع مثل هذه المواقف إلا من خلال تدابير موجهة إلى جسم الإنسان بشكل مباشر، كما لو كان الإنسان آلة بيولوجية، لكنه أيضاً بحاجة إلى دعم نفسي وروحي. لقد عرفنا هذا بالفعل أثناء مرورنا بالأزمة الاقتصادية[2]، وكان العديد من السياسيين والاقتصاديين يقولون إن الاقتصاد يحتاج أيضًا إلى علم النفس لتتم السيطرة عليه. وهنا أتساءل: إذا كان الاقتصاد يحتاج إلى علم النفس، ألا يحتاج المرض لعلم النفس الوجودي للتعامل معه؟

أكد فيكتور فرانكل[3] على أن البشر يشغلهم “ثالوث مأساوي”، الألم والذنب والموت. لذلك، يجب أن تتفاعل كل أنواع العلوم في معالجة المشكلة التي تنشأ عند الانسان حتى لا يُعتبر المرء مجرد آلة بيولوجية.ـ

السؤال 7: كيف ترى رد فعل الكنيسة على المشكلة التي نشأت اليوم؟

الجواب: أعتقد أن الكنيسة تفاعلت ولا تزال تتفاعل بهدوء واتزانٍ كبيرَين وهذا مرتبط بألفي عام مضت من الخبرة، في حين أن الحكومات لديها من الخبرة حوالي مائتي عام فقط.ـ

وهكذا، تفاعلت البطريركية المسكونية، وكنيسة اليونان، وكنيسة كريت، وكذلك الكنائس الأخرى، بكل مسؤولية وجدية، لأنها تعتبر الإنسان على صورة الله، الإنسان الذي لديه احتياجات بيولوجية، ولكن قبل كل شيء، لديه الاحتياجات النفسية والروحية أيضاً، من ناحية أخرى، فالكنائس لديها الوسائل التي تعالج بها جميع هذه القضايا.ـ

السؤال 8: ما هي الخبرة الطويلة للكنيسة التي تتحدث عنها؟

الجواب: كما تعلمون، ظهرت على مر القرون العديد من الأمراض، ولم يكن العلم متطوراً كما هو اليوم. أما الكنيسة فكانت تتخذ دائمًا التدابير اللازمة للتعامل مع الأمراض الجسدية، وأيضًا لتلبية الاحتياجات الروحية لكل شخص.ـ

نأخذ، على سبيل المثال، مرض الجذام[4]. فقد كان مرضًا فظيعًا، ولم يكن له علاج لقرون عديدة وكان معديًا، لذلك كانوا يفصلون المرضى عن المجتمع ويضعونهم في الحجر الصحي بعيدين عن المجتمع.ـ

اهتمّ آباء الكنيسة بشكل خاص ليس فقط في علاج المرض، بل وأيضًا في علاج المريض الذي كان صلب اهتمامهم. فقد أوجد القديس باسيليوس الكبير مكاناً خاصاً لمرضى الجذام. وفي حين كان هذا المرض معديًا، إلا أنه كان يحتضنهم بنفسه ليُظهر لهم الحب.ـ

أعتقد أن ما وراء الفيروس التاجي وأي فيروس هو إنسان يعاني من مشاكله الوجودية والروحية وأسئلته عن الأبدية، ولهذا لم أرتبك بسبب فيروس العنصرية الاجتماعية أو فيروس الذعر الذي يحصل. لقد أكد كارل جاسبر[5] على أن البشر بشكل عام، وخاصة المرضى، بحاجة إلى “اتصال وجودي فعلي”.ـ

السؤال 9: في الآونة الأخيرة، كثُرتْ الأحاديث عن مسألة تقييد وإيقاف الخدمات الكنسية، وبشكل خاص عن موضوع الاشتراك بالمناولة المقدسة، فما هو رأيك؟

الجواب: بادئ ذي بدء، أودّ أن أقول أن الكنيسة تعمل بطريقة متناسقة. لدينا “قيادة كنسية” وهي المجمع المقدس، برئاسة غبطة رئيس أساقفة أثينا وكل اليونان ييرونيموس، وأعتقد أنه يعالج القضية بمسؤولية وجدية. هم الذين يجب أن نستمع إليهم في المقام الأول كأساقفة ورجال دين، فالكنيسة ليست هيئة غير منظمة، بل لديها مؤسسات تتخذ موقفًا بشأن القضايا الناشئة.ـ

لقد قلت سابقاً أن الكنيسة لديها خبرة كبيرة على مدى ألفي عام في التعامل مع هذه القضايا. وهكذا أوصت بأن نستمع للمتخصصين ومؤسسات الدولة التي تتعامل مع هذه القضية، وقررت تعليق نشاطها الرعوي، ونصحت بالحجر الصحي للمسنين والمرضى في منازلهم، ولكنها، وبطرق أخرى مختلفة، تركت النافذة مفتوحة للبشر للتواصل مع الله.ـ

وكما نحتاج إلى تهوية منازلنا، أي فتح النوافذ لتحديث الهواء والسماح بدخول أشعة الشمس، كذلك تكون الكنيسة كالنافذة في حياتنا، تنعش هواءها المصاب، وتساعد على رؤية أبعد وتسمح لشمس أخرى بدخول حياتنا، مما سيقتل الجراثيم والفيروسات الروحية.ـ

فيما يتعلق بالمناولة المقدسة، تتمتع الكنيسة أيضاً بقدر كبير من الخبرة على مدى زمن طويل. فكما هو الحال في التخصصات العلمية، حيث يتم التأكيد على القيمة العظيمة للببليوغرافيا أي المصادر المراجع المستعملة، كذلك لدى الكنيسة “ببليوغرافيا” خاصة بها، والتي تقول أنه في المناولة المقدسة، يُعطى المسيح الذي هو الحياة الأبدية والشافي أمراضنا الروحية، وأحيانًا الأمراض الجسدية، لا يمكن إجبار الكنيسة على إنكار هويتها.ـ

السؤال 10: كيف ترى رأي بعض الذين يوصون بعدم القدوم إلى الكنيسة ويحذرون من مساهمة القدسات الإلهية خوفًا من انتقال الفيروس التاجي؟

الجواب: توصي الكنيسة دائمًا أن من يريد أن يتناول بأن يفعل ذلك في ظل ثلاث شروط يُعبَّر عنها في العبارة “بخوف الله وإيمانٍ ومحبة تقدَّموا”. فكل فعل في الكنيسة بحاجة إلى تهيئة بمعنى آخر أن يتم ضمن قواعد روحية معينة. برأيي الشخصي رأيت أنه في السنوات الأخيرة بات الكثيرون يعيشون بدون هذه القواعد والشروط الروحية مثل التوبة والاعتراف والصوم، وقد أزعجني ذلك. لهذا، أحث المؤمنين على عدم المناولة بدون تهيئة ضمن تلك القواعد والشروط الكنسية الضرورية.ـ

لكن، كما قلت سابقًا، يناول الكهنة المرضى من دون الاعتقاد أنهم ينقلون الأمراض إلى باقي الناس أو أنهم أنفسهم سيصابون بالأمراض. ومن الأمثلة الجديرة بالذكر الكنائس المقامة في المستشفيات، حيث يتناول فيها المرضى والأصحاء وجميع أعضاء الكنيسة من نفس جسد ودم الرب يسوع المسيح، على الرغم من مختلف الفيروسات والجراثيم الموجودة حولها.ـ

وقد لاحظنا أيضًا، ما أثنى عليه الجميع حتى الآن، كيف عمل الكهنة ومساعدوهم في المصحات والمستشفيات الحاوية العديد من الأمراض المعدية وغيرها من الأماكن، ولذلك لا أفهم ما تغير منذ ذلك الحين.ـ

السؤال 11: هناك من يجادل بأن الهلع والخوف من المناولة المقدسة لا علاقة له بإيمان الإنسان المسيحي. ماذا تقول عن ذلك؟

الجواب: تتعلق كل القضايا في حياتنا وطريقة تعاملنا معها بإيمان الشخص وتظهر مدى الإيمان الحقيقي بالله. المحبة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالإيمان، فلا يوجد محبة بدون إيمان أو إيمان بدون محبة. لكن الكنيسة تتعامل مع كل القضايا بطريقة رعائية، وبالطبع فإن التوبة هي عنصر من عناصر الروحانية الأرثوذكسية.ـ

السؤال 12: ما هي وجهة نظركم النهائية بشأن القضية التي أثيرت؟

الجواب: أعتقد أن الهدوء والحكمة والجدّية ضرورية، وسيجد كل شيء طريقه. وأعتبر أن فيروس الذعر وما يسمى “بجنون العظمة” أسوأ من الفيروس التاجي. سيتخذ المجمع المقدس القرارات المناسبة مع تطورات هذه القضية، لكننا بعد الاحتياطات اللازمة، نحتاج إلى الثقة بالعناية الإلهية.ـ

* مقابلة بتاريخ 14-3-2020

[1] مارتن هايدغر: فيلسُوف أَلَمَّانِي. ولد في أواخر القرن التاسع عشر. وجّه اهتمامه الفلسفي إلى مشكلات الوجود والتقنية والحرية والحقيقة.ـ

[2] هي أزمة مالية عصفت بالاقتصاد اليوناني منذ عام 2010مـ

[3] فيكتور إميل فرانكل: طبيب أعصاب وطبيب نفسي نمساوي. هو أحد مؤسسي شكل من أشكال العلاج النفسي الوجودي. يصف في كتابه الشهير الانسان يبحث عن المعنى تجربته كسجين في معسكرات الاعتقال النازية، والتي قادته إلى اكتشاف المعنى في كل أشكال الوجود، حتى في الأشكال الأشد قسوة، وبالتالي إلى اكتشاف دافع للاستمرار بالحياة. أصبح فرانكل شخصية أساسية في مجال العلاج النفسي الوجودي، ومصدر إلهام كبير لعلماء النفس الإنسانيين.ـ

[4] الجذام أو ما يعرف بمرض “هانسن” هو مرض يسبب تقرحات جلدية حادة ومشوهة، وتلف الأعصاب في الذراعين والساقين ومناطق الجلد حول الجسم، وهو مرض معدي ـ

[5] كارل تيودور جاسبر: فيلسوف ألماني وبروفيسور في الطب النفسي. ينتمي إلى التيار المؤمن في الفلسفة الوجودية. فضّل كارل جاسبر خط الوسط الذي يجمع بين العقل والإيمان، والعلم والدين في قضايا مناقشة العلاقة بين العلم والإيمان، أو الفلسفة والدين.ـ

في هذه الأيام الصعبة

كاهن في كنيسة اليونان الأرثوذكسية

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

كل ما يتعلق بالحياة الروحية، أياً كان ما نختبره داخل الكنيسة، يمكن التعامل معه بطريقتين: الأولى هي عدم إشراك القلب في أي منها على الإطلاق. كل شيء رسمي، نظري ومنطقي. يبقى القلب غير ملموس أبدًا، القلب غير مَعني أبدًا بكل ما يحدث في الحياة الروحية. بعبارة أخرى، يبعد الناس قلبَهم عن قصد عن ما يجري وبهذه الطريقة يمكنهم الشعور بأنهم، في الأساس، يتحكمون بالأشياء. هذا فخ عظيم، لأنه عندما نكتشف أن قلوبنا خارج الأشياء، ندرك أننا أيضًا في الخارج، وأننا لسنا جزءًا من حياة الكنيسة، من حياة الروح.ـ

والطريقة الأخرى هي أن ترى قلبك مشاركاً في الأشياء، ما يعني أن لكل ما يحدث خارجيًا تداعيات داخلية، في القلب. بعبارة أخرى، كل ما يحدث خارجيًا، بالحقيقة سواء في الكنيسة، في عبادة الكنيسة، أو شخصيًا في جهاد كل واحد منا، يجب أن يُنظر إليه على أنه يتسلل إلى وجودنا، إلى قلبنا، شاملاً قلبنا، ملزماً لنا على أساس شخصي. فمن ثم يكتسب كل شيء إحساسًا شخصيًا، وظيفة شخصية، كل شيء حقيقي الآن، كل شيء يؤثر على الشخص، وكل شيء يعكس ماهية ما نختبره.ـ

الانتقال من الرسمي إلى الجوهري، أي الانتقال من منطق الأشياء إلى فهم شخصي، إلى حياة القلب، ليس بالأمر السهل على الإطلاق. علينا أن نواضع ذواتنا. وحدهم المتواضعون لديهم حياة في القلب. الفخورون يقيّمون كل شيء منطقيًا، مسنودين كما هم بالغطرسة. ولكن عندما نتواضع، يصبح كل شيء فينا حقيقة. يصبح للقلب الآن خبرات، ويبدأ بتكوين المشاعر والعواطف الروحية، ويبدأ كل شيء في حياتنا في أن يصبح حقيقة. ثم، وللمرة الأولى، نكتشف أن لدينا حياة شخصية، وحياة روحية، وحياة روحية شخصية. علاوة على ذلك، يكتسب شخص الله اهتمامنا على المستوى الشخصي، ليس على المستوى الداخلي النفعي، بل على المستوى الشخصي.ـ

كل شيء له صدى فينا. هذا هو المكان الذي سنرى فيه مدى وجود الله في حياتنا، حيث سنرى مدى انفتاحنا على روح الله، أو مدى ترسّخ مخاوفنا وانعدام أماننا ومنطقنا البشري في داخلنا. سنرى مقدار المساحة المتاحة لوجود الله فينا، إلى أي مدى نشعر بخطايانا، ومدى عمق هذه الخطيئة فينا كعائق لعلاقتنا مع الله وإلى أي مدى تعرّض حياتُنا الشخصية وجودَ الله فينا. ثم يأخذ كل شيء بعدًا شخصيًا. فالألم والتوبة هما مسألة شخصية جداً وحقيقية جداً.ـ

إن الصلاة هي شيء حقيقي لأنها تضمّ صرخة الروح إلى الله، ولكنْ الصرخة الصادقة التي تنبع من داخل الإنسان، وليس من فكره. كل شيء حقيقي الآن. نعيش الآن حقيقتنا الخاصة أمام الله. لكن هذا سبقته مرحلة طويلة وصلنا خلالها إلى التواضع، حتى نستطيع أن نسمع قلوبنا بأنفسنا، حتى نكون نحن بأنفسنا على اتصال بقلبنا.ـ

أقول كل هذا حتى نفهم أن أيامنا هذه صعبة إلى حدٍ ما، من الناحية الخارجية، لأننا تحت ضغط ظروف خارجية. إنه وقت مناسب لكل منا لأن يعرف مدى نشاط شخصيته وعملها في حياته الشخصية، ومدى نشاط هويته وعملها شخصيًا، وقلبه شخصيًا، ومدى تأثره شخصيًا بعلاقته بالله، ومدى قدرته أن يجاهد من خلالها مع مخاوفه وصعوباته، وإلى أي مدى يمكنه، بالإيمان والمحبة والثقة بالله، ضبطَ الأفكار المعادية التي تنشأ ضده. إلى أي مدى كل هذه الأشياء حقيقية في حياته.ـ

ألم يحن الوقت لنرى كيف هي حياتنا الروحية نحن المسيحيين؟ كم من الإيمان الحقيقي بالله لدينا؟ إلى أي درجة يتلاشى الخوف في مواجهة الإيمان؟ ما مدى صدقنا تجاه الله؟ كيف نعيش تجربة الله داخل أنفسنا؟ إلى أي مدى يشعر كل واحد منا بخطيئته كعائق ويتألم ويبكي عليها؟ إلى أي مدى نشعر بوجود الله كقوة؟ في كثير من الأحيان يكون من الصعب تَرْك وجودنا بين يديه. كل هذا يبرهن مَن نحن حقًا.ـ

عندما تأتي علينا مثل هذه التجارب، عندما تأتي الأشياء التي تكيّف الضغط على الوجود البشري، إنها فرصة لنا جميعًا لمعرفة من نحن حقًا تجاه الله. من نحن حقًا عندما نواجه ضميرنا. من نحن عندما نواجه وجودنا. الآن، إنها فرصة لنا أن نرى مدى قوة الإيمان في صلاتنا. كم هي حقيقية. إلى أي مدى تنفتح على الله فعلياً. مدى اعتمادها على الثقة. كم تشعر بالراحة أمام الله، حتى ولو كان في الخارج معارك وضغوط. إنها فرصة لكل واحد منا أن يرى ما نريده حقًا داخلنا. كيف تبدو شخصيتنا. كيف هي حياتنا الشخصية تجاه الله.ـ

لدينا فرصة عظيمة الآن. لماذا؟ لأننا غالبًا ما نقرأ في سِيَر القديسين عن أعمالهم وجهاداتهم وصعوباتهم وإنجازاتهم والحلول التي وجدوها للضغوط التي تعرّضوا لها. ولكن في كثير من الأحيان نفهم هذه الأشياء عاطفيًا ومنطقيًا وليس واقعياً ووجوديًا. يأتي وقت في حياتنا عندما تطرق حقيقة الحياة بابنا وتريد أن تعرف ما قمنا به حتى الآن. ماذا حققنا؟ من نحن حقاً؟ من نحن في ذاتنا؟ أي ثقل أخلاقي لدينا في حياتنا الروحية؟ـ

لقد شعرت اليوم بحدّةٍ مدى أهمية استغلال مثل هذه اللحظات. ليس لطرد الخوف، ولكن لنرى ولنشعر بأنفسنا مكشوفين، حقيقيين، عراة أمام وجه حقيقة الله.ـ

الأشياء التي تضغط علينا تأتي وتروح. ستأتي، ولكن بعد ذلك ستمضي، كما تفعل الأشياء. لكن علينا أن نستفيد من كل هذا. يجب أن نكون جزءًا من حقيقة الله وهذا يجب أن يصبح حقيقتنا. ببساطة، يجب أن نحارب كل ما هو مريض فينا، ضعيف، أجوف ومنافق. أولاً، يجب محاربة هذه. وهذه تُحارَب في ظلمة زنزانتنا العميقة. إنه هناك حيث يمكن محاربتها. هذا هو المكان الذي ترى فيه من أنت حقًا.ـ

أصلّي من كل قلبي أن نخرج مستفيدين إلى حد كبير من صروف الدهر هذه التي يعاني منها بلدنا والعالم بأسره، أكثر تواضعًا أمام الله، أكثر حقيقة أمام الله وأمام ضميرنا. وسيهتم الله بكل ما تبقى. على أي حال، هو وعد بذلك. من ثمّ نجد السلام حقًا: عندما نستسلم بأمانة لقصد الله ولحضوره.ـ

أصلي من كل قلبي أن تكون هذه الأيام مثمرة لنا جميعاً.ـ

* تسجيل لعظة في القداس السابق تقديسه في 11 آذار 2020.ـ

Source: https://pemptousia.com/2020/03/on-these-difficult-times/

انتبه لنفسك!

الأرشمندريت نيكن كوتسيذيس

نقلتها إلى العربية اسرة التراث الأرثوذكسي

إن وحدة النفس والفكر هي ما يجعل وجودنا البشري خاصاً. لم يكن هناك يوماً أي إنسان مثلك تماماً، ولن يكون هناك أبداً. كل واحد منا فريد وغير قابل للتقليد عبر تاريخ الجنس البشري بأكمله.ـ

طبعاً هناك مَن يثير فكرة أن أحداً ليس قابلاً للاستبدال، وهذا خطأ. إذا كنا نقصد العمل فلا نحكي عن استبدال بل عن تعاقب. في العمل، يمكن استبدال الناس، أما في وجودنا الخاص فهناك لا يمكن استبدالنا.ـ

لهذا السبب بالذات يحكي المسيح في الإنجيل عن قيمة نفسنا: “لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟” (متى 26:16).ـ

كتذكير يُعيننا في وضع نفسنا في المكان المناسب بحسب مشيئة الله، لننظر ماذا يقول القديس باسيليوس الكبير في تفسيره لقول العهد القديم: “احْتَرِزْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَ قَلْبِكَ كَلاَمٌ لَئِيمٌ” (تثنية 9:15): انتبه لنفسك لا لأشيائك ولا لما هو حولك. نحن نفس وفكر. جسدنا وأحاسيسه ملك لنا. ما حولنا هو المال، الفنون، وكل ما تبقى من مكوّنات الحياة. لذا انتبه على أن يبقى كل تلوّث الخطيئة بعيداً عن نفسك وبالمقابل زيّنها بكل فضيلة.ـ

انتبه لنفسك حتى تستطيع أن تميّز صحة نفسك من مرضها بسبب الخطيئة. هل الخطيئة عظيمة وثقيلة؟ أنت تحتاج إلى الاعتراف والصوم والتوبة. إذا كانت المخالفة صغيرة فيجب أن تكون التوبة على نفس القياس.ـ

انتبه لنفسك عندما يكون كل شيء في حياتك يسير على ما يرام وجميلاً، لأن في هذا خطر أن تتكبّر وتزهو. ردد دائماً ما قاله العشار: “يا رب ارحمني أنا الخاطئ”. انتبه لنفسك عندما لا تسير الحياة حسناً معك، إذ عندها تكون في خطر اليأس والقنوط الروحي. تذكّر أنت مخلوق على صورة الله فلديك قدرة روحية لا كالآخرين. لذا قل “ربي أعنّي”.ـ

لننتبه لنفوسنا حتى نمتلئ من فرح ربنا يسوع المسيح وسلامه.ـ

المناولة بين العلم ووهمه

الأب أنطوان ملكي

لم يعرف المسيحيون طريقةً للمناولة منذ إنشاء الكنيسة إلى منتصف القرن التاسع عشر، إلا الكأس المشتركة. تعددت استعمالات هذه الكأس: فالأرثوذكس والشرقيون يناولون منها بالملعقة، الكاثوليك يغمّسون القربان فيها، ومجموعات كبيرة من الأنكليكان والبروتستانت يشربون منها بالتداول. مع انتصاف القرن التاسع عشر، عرف العالم نظرية الجراثيم، وقد كانت غالبية الميتات في ذلك الحين بسبب الأمراض المُعدية، فاشتهرت هذه النظرية وانتشرت حتى وصلت إلى الكنائس. بدأت الأسئلة تُطرَح حول صوابية المناولة من الكأس المشتركة خاصةً حيث تواجد أصحاب الغايات. ففي أميركا مثلاً، أخذ الأمر بعداً آخراً لأن في غالبية الكنائس الكاثوليكية والأنكليكانية والبروتستانتية كان على السود أن ينتظروا إلى أن ينتهي الكاهن من مناولة البيض. لهذا انضمّ المطالبون بالمساواة إلى المطالبين بإلغاء الكأس المشتركة. ولم يكن هذا الأمر قد انتهى في أيام مارتن لوثر كينغ الذي وصف الساعة الحادية عشرة من يوم الأحد على أنها قمة العزل في المسيحية الأميركية. النتيجة كانت أن المناولة صارت في أقداح فردية، أي لكل متناوِلٍ قدح.ـ

لم تتأثر الكنيسة الأرثوذكسية بهذه التغيرات بل بقيت المناولة كما كانت لألفي سنة. من بعد التغيير في الغرب، صارت تظهر في الكنيسة بعض الأصوات المنادية باستبدال الملعقة والكأس لكنها لم تصل إلى حد التأثير على الكنيسة بشكل أدّى إلى مناقشتها في أي من مجامع الكنائس. في الربع قرن الأخير، عرف العالم يعرف عدة موجات صنفتها وكالة الصحة العالمية كأوبئة، تقريباً كل سنتين: انفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير وغيرها من عائلةال(H) والإيبولا والسارس. في القرن العشرين عرف العالم موجات قاتلة كثيرة من الرشح الإسباني الذي حصد خمسين مليون إنسان، والملاريا التي حصدت الملايين، والسل والآيدز وغيرها.ـ

في كل مرة كان العالم يواجه هذا النوع من الأمراض كانت ترتفع أصوات من داخل الكنيسة الأرثوذكسية تتساءل حول صحة المناولة بالملعقة الواحدة من الكأس الواحد، لتنتهي منادية إلى ضرورة تغيير هذه الطريقة استناداً إلى ضرورة مواكبة العصر والتكيّف مع العلوم الحديثة وغيرها. وكانت تمضي هذه الموجات وتخفت هذه الأصوات وكأنها لم تكن، ليس لأنها أصوات غير مسموعة ولا لأن الكنيسة الأرثوذكسية حقل سلطة الإكليروس ولا لأن التقليديين يسيطرون على الكنيسة. السبب المنطقي والعلمي الوحيد الذي يجعل هذه الأصوات نحاساً يطن هو أنها لم تثبت علمياً، أي أنه وخلال كل هذه الموجات الوبائية وقبلها الكثير مما عرفته الكنيسة في الألفي سنة الماضية، لم يُسجَّل أي حالة انتقال لعدوى بالمناولة لا إلى علماني ولا إلى كاهن، مع التأكيد على أن الإكليريكيين أكثر عرضة من العلمانيين بحكم أنهم “يتلمذون” الكأس بعد القداس. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الكهنة يختبرون في كل قداس، حتى في أصغر الرعايا، حالات عديدة تثير التساؤل “العلمي”. ولو أن الكهنة يقعون في تجربة التعاطي مع ما يعاينون بمنطق المجهر، لأُغلِقَت الكنائس من زمان.ـ

لكن الواضح هو أن ما تطرحه الكورونا اليوم أوسع بكثير مما سبق الإشارة إليه. فالكنيسة اليوم عرضة لضغوط خارجية قوية من الحكومات التي تريد تلافي الأسوأ وبالتالي تعتبر أن الكنائس كتجمعات قد تكون مكاناً مناسباً لانتقال العدوى وانتشار المرض. هذا الكلام يصعب رفضه بالعقل العلمي، ولهذا أعلنت بعض الكنائس توقفها عن إقامة الخدَم العامة لفترات مختلفة. طبعاً بمقابل هذا الكلام هناك موقف في الكنيسة يرفض التوقف عن إقامة الخدم التي هي عمل الكنيسة وهويتها. من هنا اختلفت المواقف بين مرجع وآخر في كنيسة وأخرى، لكن ما ينبغي التنبيه إليه هو أن الخطر في التجمع والازدحام وليس في المناولة. من هنا أن موقفاً ثالثاً برز في بعض الكنائس بأن الحضور أصلاً اختياري، كما عبّر رئيس اساقفة اليونان بقوله أننا لا نحفظ سجلات حضور في الكنيسة، وفي دعوة بطريرك الكرج إلى تكثيف الصلوات. والفكر نفسه يظهر في موقف كنيسة أنطاكية التي عبّرت في بيانها: “يقيم الكاهن في الرعايا الصلوات والقداديس بمشاركة المرتّل وخادم الكنيسة، دون ما يمنع مشاركة أيٍ من المؤمنين”.ـ

يدّعي أبناء الكنيسة المطالِبون باستبدال الملعقة أو الكأس بأن كلامهم علمي. تتلخّص حججهم بأن على الكنيسة أن تغيّر مواكبة للعصر، وأن الخبز والخمر بعد تحولهما لا يفقدان طبيعتهما الأصلية ويبقيا مادة قابلة لنقل المرض، وأن التغيير ضروري لكسر التسلط التاريخي للإكليروس، وأن التغيير ممكن لأن الملعقة والكأس ليسا منزَلين… إذا قُبِل هذا الكلام على أنه علمي، لا بدّ من أن نسأل عن المنهجية العلمية. لا يكون الكلام علمياً لمجرد أنه يتبع تركيبة منطقية، بل يكون علمياً إذا اقترن بالوقائع والبراهين المستندة إلى الاختبار المتكرر. لم نصل إلى دراسة واحدة تحدّثت عن انتقال عدوى من الكأس المشتركة، عند أي من الطوائف المسيحية. في المقابل، ممكن توثيق ما لا يقلّ عن دزينة من المقالات التي تقول أن لا إثبات علمياً على انتقال أي عدوى في الكأس المشتركة، وكلها أوراق علمية صادرة إما في مجلات محكمة أو في مؤتمرات مختصّة. لم يؤدِّ البحث عن مقالات تقول عكس ذلك إلى أي نتيجة. يوجد عدد من المقالات التي تشكك بانتقال العدوى في الكأس أو الملعقة، لكنها ليست من أصحاب اختصاص، وللأسف أن غالبيتها للاهوطيين (عبارة لاهوطي هي تسمية أطلقها الميتروبوليت بولس المغيّب مطران حلب على الكتّاب اللاهوتيين حين يخرجون عن تقليد الكنيسة، وكان يحذّر طلاب اللاهوت من تحويل اللاهوت إلى لهط، واللهط في تاج العروس هو “ما يُسمع ولا يُعتقد ولا يُكذّب”، أي الكلام الذي لا معنى له).ـ

في الختام، عندما شفى الرب مخلع كفرناحوم قال له “مغفورة لك خطاياك”، أما “قم واحمل سريرك وامشِ” فجاءت “على البَيعة” كما نقول في العامية. غفران الخطايا هو العمل الإلهي، المعجزة، أما المشي فهو عمل مواكب. وتعليم الكنيسة الأرثوذكسية يقول أننا في كل قداس نشهد معجزة تحوّل الخبز والخمر إلى جسد الرب يسوع، سواء احتفظت المادة بخصائصها أو لا، وبغض النظر عن مادة الكأس والملعقة، وحتّى عن حاملهما ومدى طهارته أو تسلطه. لهذا نحن نؤمن بأن عدم نقل العدوى يأتينا “على البَيعة”. مَن يرى غير ذلك فليأتِنا ببراهين أو فليبقَ نحاساً يطنّ إلى أن يتوب أو يتعب أو يموت.ـ

التقاء الإيمان المسيحي بالكورونا: ازدهار الإيمان بالوحدة والسكون والألم

آريك هايد

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

بالنسبة لبعض المسيحيين، هذه الأفكار قديمة وربما بلا معنى. الشعور الشعبي الذي يطلقه الكثيرون اليوم هو أن المسيحية هي انتصار مستمر في معركة لم نخضها أبدًا، معركة لم نكن بحاجة لخوضها أبدًا، لأن المسيح دفع ثمن المعاناة عنّا. مهمتنا هي ببساطة أن نستلقي في النِعَم ونحاول ألا نسمَن.ـ

إنها لفكرة جذابة، خاصة بعد مرور عقود من السلام والازدهار دون أي تقطّع خطير: لا أوبئة، لا حرب وطنية، لا انهيارات في سوق الأسهم، لا مجاعة واسعة النطاق، وما إلى ذلك. بشكل عام (باستثناء قضايا الصحة الشخصية) أكثر ما يُقلق المرء في مكان كالولايات المتحدة الأمريكية هو الحفاظ على الرفاهية. ففي هذه الثقافة، دليل البرَكَة ليس مَن يستطيع أن يتحمل المعاناة أكثر، بل من يستطيع أن يتجنب قدراً أكبر من المعاناة.ـ

ليس من النادر سماع المسيحيين يلومون الصعوبات على نقصِ الإيمان. غالبًا ما يشيرون إلى المسيح على أنه المثال النهائي للحياة التي تعيش بوفرة وصحة – فهو يعِد بأن “يعطي الحياة، وتكون حياة أوفر”. لذلك، إذا كانت حياة المرء مليئة بالمشاكل، لا بدّ أن هذا بسبب نقص الإيمان.ـ

إذا لم تُوضع هذه العقلية في سياق أكثر اكتمالًا، فهي تستدعي إنكارًا بعيد المدى أو جهلًا تامًا لما يعنيه المسيح بقوله “احمل صليبك واتبعني” مع الوعود الإضافية بالمحاكمات والاضطهاد من أجل العيش ببِرّ.ـ

بالنسبة للكثيرين منا، الفيروس التاجي هو أول لقاء واجهنا فيه تهديدًا وجوديًا فوريًا وعالميًا؛ تهديد كبير بما يكفي للكشف عن الضعف الفعلي للبشرية. يكتشف الكثيرون لأول مرة أن الموت والمصيبة أمران ممكنان بالرغم من أن المسيح عانى عنّا. هذا أمر محزن بالنظر إلى أن المسيحيين يجب أن يكونوا الأكثر معرفة بالحياة الحقيقية، مع الطبيعة الحقيقية لوجودنا في العالم.ـ

في كثير من الأحيان يسمع المرء الملحدين يسخرون من المسيحية على أنها عكاز الضعفاء، وراحة المحدودين فكرياً. وأن المسيحيين يؤمنون بالقصص الخيالية ويعيشون في واقع بديل وهمي. إذا أزلنا قلب المسيحية الحقيقي يصير هذا الاستهزاء صحيحاً تماماً. إذا كان المرء يعتقد أن المسيحية هي إنقاذ من المعاناة ويقظة أخلاقية، أو حفل كوكتيل روحي أبدي، أو مجرد تبديل حراس في صباح يوم أحد، فهو بالحقيقة يؤمن بالقصص الخيالية. لقد كانت المسيحية ودائماً طريق الوحدة والسكون والخبرة والمعاناة – بأفضل طريقة ممكنة.ـ

الاعتزال ـ

عندما نعود إلى سيرة إبراهيم ورحلته من أرضه، إلى موسى والأربعين سنة في الصحراء، إلى إيليا وأليشع واعتزالهما النسكي على جبل الكرمل، إلى يوحنا المعمدان وعيشه على الجراد والعسل في البرية، أو أي عدد من الآباء القديسين وحياتهم في النسك، نكتشف بسرعة أن الاعتزال والإيمان هما أخوان بالدم من البداية إلى النهاية.ـ

وضع المسيح معايير الاعتزال ليس فقط خلال تجربته، بل في حياته اليومية العادية، إذ كان يقضي كل المساءات وحيداً في الصلاة. نتذكر أنه قبل آلامه مباشرة صلّى وحيداً لساعات عديدة، فيما كان انتظار تلاميذه الأكثر ورعاً وصلابة طويلاً. عندما عجز تلاميذه عن طرد الشياطين علّمهم المسيح “أن هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم”.ـ

إن المؤمن الذي لا إلفة له مع الاعتزال قد لا يجد الإيمان الأصيل الذي اختبره قطيع المسيح عبر الأجيال. إن حالة العالم اليوم تقدّم إلى حد كبير فرصة إلزامية لهذا اللقاء، لكن على المرء أن يستعمله طوعياً ويتلافى صرف النظر الشائع عندما يبدأ الضجر الذي يصعب تلافيه.ـ

السكون ـ

السكون وأخته التوأم اليقظة هو نتيجة الاعتزال بالشكل الصحيح. السكون، كما يحدده التقليد الأرثوذكسي، هو الحالة الداخلية من “الهدوء أو الطمأنينة العقلية والتركيز الذي ينشأ بالتلازم ويتعمق مع ممارسة الصلاة النقية وحفظ القلب والفكر. إنه ليس الصمت وحسب، بل هو موقف من الإصغاء لله والانفتاح عليه” (الفيلوكاليا).ـ

إن السكون واليقظة حاسمان جداً حتّى أن المسيح نفسه برهن ضرورتهما خلال تجربته في البرية. على خلاف آدم الذي استعمل اعتزاله بشكل يفتقر للحكمة، المسيح استعمله لينمّي السكون ما سمح له أن يغلب كل تجارب الشيطان. لم يستدعِ المسيح قوى فائقة من فوق، بل بالأحرى هو احتمل كل الخدع الشيطانية باليقظة الساهرة والصلاة.ـ

الخبرةـ

الإيمان المسيحي ليس مجرد مجموعة عقائد أو قوائم تدقيق موضوعية في الأرثوذكسية والابتداع ولا هو علم روحي. الإيمان هو الدخول، الاشتراك، “المشاركة في الطبيعة الإلهية” (2بطرس 5:1). وهناك طريقة واحدة للمشاركة في طبيعة الله، وهي الحضور. لا يستطيع الإنسان أن يشترك في الله من خلال تأملات وحسب، ولا بتحليل مفاهيم مجردة عن الله، ولا بتركيز الفكر في الماضي أو المستقبل. إن المشاركة ممكنة فقط في خبرة الحاضر. هل سمع أحد أن إنساناً امتلأت معدته من فكرة السندويش، أو دفئ من مفهوم النار؟ تماماً كما النَفَس يؤخَذ في الآن، المشاركة في الله تتطلب نوعاً من الحضور الذي لا يمنحه سوى الاعتزال والسكون.ـ

الألم ـ

قد يكون الألم أحد أوجه الإيمان المُساء فهمها بشكل كبير. كيف يتصرف المسيحي المعاصر المتكيّف مع التسلط العلمي على الطبيعة والإشباع الفوري، مع إيمان لا يُعلي الألم المتأتي عن السلوك الصالح وحسب، بل ويشجعه؟ هنا يوجد خياران: أ) إنكار الألم وتطوير عقيدة تعِد بالعكس، أو ب) تثمينه كوسيلة للخلاص. الفكرة الأخيرة هي بعيدة عن حيّز القبول اليوم وكثيرون يعتبرونها دليلاً على الاختلال العقلي.ـ

لكن من دون هذه النظرة الصحيحة للألم يضيع الإيمان. فهم الرسول بطرس أن المؤمن يكمل ويثبت ويتقوى إذ “يتألّم يسيراً” (1بطرس 10:5)؛ وأن إيمانه يتأصّل ويصير “أثمن من الذهب” لأنه حزن “يسيراً بتجارب متنوعة” (1بطرس 10:6-11). آمن بطرس بأن على المرء أن يفرح “كما اشتركتم في آلام المسيح” كدليل على أن “روح المجد والله يحل عليكم” (1بطرس 12:4-14).ـ

الرسول بولس تباهى بأنه لا يفتخر إلا بأنه يعرف المسيح “وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ”، “الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ” (فيليبي 8:3-10). وبالطبع في العبرانيين يعلّم أن المسيح نفسه تكمّل بالآلام (10:2). ما هذا إلا مثال بسيط عن التعليم الكتابي عن الألم، وبعد الكتاب هناك فعلياً تعليم وأمثلة لا تنتهي من الآباء القديسين.ـ

إذا فكّر المرء بالأمر كرياضة، مَن يستطيع أن يقلل من ضرورة الألم؟ كل رياضيٍ يحتمل التمرين القاسي، والضغط، وامتحان العضلات والتقرّح الناتج؟ يفهم الرياضي أنه بقدر ما يفتت العضلة ويبنيها، ثم يعيد تفتيتها وبناءها مجدداً، ومجدداً، يصير أكثر قوة، وبالتالي تزداد فرص ربح الجائزة. إن الألم الذي يحتمله خلال بناء الجسد مفهوم على أنه إنتاج للقوة عند الرياضي الجدّي. وهذا بالطبع سبب استعمال الرسول بولس للرياضيين كتمثيل للحياة الروحية.ـ

من جديد، جرثومة الكورونا ألزمت العالم بحالة من الاعتزال. يمكن أن يكون الاعتزال مرعِباً ويرافقه عذابات طبيعية، وإلا لما كنا نستعمل الاعتزال لمعاقبة المجرمين، لكن تحويل العزلة إلى وحدة هو تعديل بسيط بالمقاربة. وبما أن الكثير من الإيمان لا يمكن الوصول إليه من دون الوحدة، فإن هذا التعديل يمكن أن يؤدي إلى انبعاث رائع عند الكثيرين من ابناء الله.ـ

تعاطي الأرثوذكسي مع الكورونا

إعداد أسرة التراث الأرثوذكسي

يقبع البشر اليوم تحت الخوف من الكورونا، وبخاصة ضعاف المناعة منهم. البعض يعيش أشكال مختلفة من القلق، كإنهاء العام الدراسي أو تزايد عدد المحتاجين أو انهيار الأسواق وتوقفها أو ازدياد أعداد العاطلين عن العمل أو المشاكل المتزايدة الناشئة عن الإغلاق القسري للأعمال. وآخرون مشغولون بأمور دون ذلك كتأمين المواد الحياتية وغيرها. ولكن مهما كانت درجة الخوف أو القلق ومصدرها، فالجميع يتفقون على أن العالم لم يعد كما كان قبل شهرين.ـ

فأمام التجربة التي رمتنا فيها الكورونا ماذا يُفتَرَض بنا، كمؤمنين أرثوذكسيين، أن نعمل؟ أن نفكر؟ من أجمل الإجابات على هذه الأسئلة قولٌ لأحد الآباء متوجهاً إلى رعيته بأن إيماننا أعطي لنا من الله ليقوينا خلال الأوقات الصعبة في حياتنا.ـ

كل القوانين الروحية التي نلتزم بها خلال الصوم بالتحديد، وخلال حياتنا، تهدف إلى تأصيلنا في محبتنا لله وإيماننا به لمواجهة لحظات كالتي نمرّ بها الآن. نحن نصوم لننقّص من محبتنا لذواتنا ونزيد من محبتنا لله. نحن نزيد صلواتنا وخدمنا الكنسية لنزيد إيماننا. نحن نساعد المحتاجين لنقوي محبتنا لبعضنا البعض. وفي قيامنا بكل هذه الأعمال، نتعلّم أن نركّز حياتنا حول الله، وحول ما جاء ليحققه هنا وما يقوم به يومياً من أجلنا.ـ

هذا الإيمان هو بمثابة منارة وسط ضباب الحياة السميك. إنه يبقى ثابتاً ومستقراً. الإيمان أهّل رجالاً ونساءً كثيرين أن يثبتوا عبر التعذيبات التي تعرّضوا لها. إنه ما جعل الجنس البشري يصمد عبر كل الأوبئة والحوائج التي في أوقات مختلفة سيطرت على الكون وأمسكت الجميع في الخوف. إن هذا الإيمان هو ما سوف يسمح مجدداً لكل واحد منا في الأسابيع المقبلة أن يرى بوضوح ويثبّت الآخرين العاجزين عن أن يروا ما فوق هذا الضباب السميك الذي نزل على العالم. خلال هذا الوقت من التشوش والغموض، حيث انقلبت حياة الكثيرين، لا بدّ من تقديم بعض الأفكار والتوجيهات لنفكّر فيها فيما نعبر هذه الأيام.ـ

أولاً، لا يحتاج المؤمن إلى متابعة الأخبار أربعاً وعشرين ساعة على سبعة أيام، لأن التخمة بالمعلومات تؤذي العالم أكثر من الوباء نفسه. نعم، ضروري أن نعرف ونتثقّف لكن من الضروري أن ننتبه لئلا يتحوّل الوباء إلى هوس، وهو أمر خطر على النفوس لكنه قابل للتحقق بسرعة. على المؤمن أن يكتفي بأن يعرف المستجدات مرة أو اثنين في اليوم. من بعدها يطفئ التلفزيون وكل تطبيق قد ينقل إليه الأخبار. فليستمع للترتيل، ويقرأ الكتاب المقدس، ويغذّي فكره بالأمور الإلهية.ـ

من الضروري أن لا ننسى أن الذعر يأتي من ضعف الإيمان بالله وبمحبته لنا. الاستعداد والجهوزية والانتباه ضرورية لكن لا ينبغي أن يكون للذعر مكان في قلب المسيحي. متى أحس بشيء من الذعر فليجرِ إلى زاوية الأيقونات (إن وجدَت) ويؤدّي سجدة أمام أيقونة السيد ويسأله الغوث وقوة الإيمان الضرورية للتغلب على الخوف واليأس.ـ

ثانياً، على المؤمن أن يحفظ هدوءه من أجل غيره وخاصةً غير المؤمنين. هنا يأتي تعليم القديس سارافيم ساروفسكي: “اكتسب روح السلام وسوف يخلص ألف من حولك”. عندما نصلي، في الكنيسة أو فردياً، فلنحرص على ان تبقى فكرة الكورونا خارجاً. ففي الصلاة نحن ندخل سرياً إلى ملكوت السماوات حيث لا يوجد جراثيم. لتبقى اهتمامات المرض وكل المخاوف خارجاً في العالم حيث تنتمي.ـ

ثالثاً، القداس الإلهي هو ما ينبغي على المؤمن الحفاظ عليه بكل قواه خاصةً أمام التجارب التي يطرحها عليه الكلام عن انتقال الأمراض وكأن ما في الكأس المشتركة هو مجرد مادة.ـ

رابعاً، على المؤمن أن يتوقع اضطهادات. فإيمانه سوف يخضع للتجربة خلال الجائحة. كما أنه سوف يكون هناك اضطهاد من مصدرين: الخارج والداخل. اضطهاد الخارج ينفذه الذين لا يعرفون قوة القداس وضرورة سر الشكر مع أن بعضهم قد يكون من الذين ينادون ببنوتهم للكنيسة. أما اضطهاد الداخل فيأتي من الشكوك التي يزرعها المعاند في ما يمارسه المؤمن.ـ

من الأمور الجوهرية التي ركّز عليها المضطهدون من داخل الكنيسة هي المناولة في زمن الكورونا. السبب الرئيسي لطرح السؤال هو الخوف من انتقال العدوى. التقليديون يقولون أن لا مكان للعدوى أو للتلوث أن يعبر في الكأس المقدسة أو أن تحمله الملعقة المشتركة، ويعزون ذلك إلى أسباب مختلفة بعضها مقنع بحسب منطق القرن الحادي والعشرين وبعضها لا. الليبراليون يصرون على أن الكأس وما فيها جميعاً قابلة لنقل الجراثيم لأنها بالرغم من استعمالها التقديسي إلا أنها تبقى على طبيعتها، وهي ليست السر بل أدوات للسر، وبالتالي لا مانع من إيجاد بدائل تراعي المتطلبات الصحية في ظل الوباء المتفشي.ـ

من هنا أن التطرق إلى هذا ليس سهلاً. فمن جهة، غالبية البشر المعاصرين أضعف من أن يتقبّلوا قول التقليد من دون مناقشة وتشكيك وعثرة. هذه الغالبية تعاني مع إيمانها البسيط بسبب تدخل العقل لديها، وهي تعرف معاناتها الروحية.ـ

في التقليد هناك دلالات كثيرة على استحالة أن تكون المناولة مصدر مرض. الكثيرون من الكهنة المتنقلين يخدمون في أماكن لا تستوفي شروط النظافة والصحة كالسجون حيث يختلط حامل السلّ مع مريض الإيدز مع مَن يعاني من أمراض موسمية وأمراض اللثة والفم وغيرهم. يعجز الكهنة بعد عدة سنوات من الخدمة عن إحصاء عدد المرات التي تناولوا فيها من بعدِ أناس يحملون مختلف أنواع الجراثيم في أفواههم. مع هذا، في الماضي لم يكن أحد يستسهل التشكيك بالكأس المقدسة كما يجري الآن، والواقع أن هذه مسألة تواجه الكنيسة الأرثوذكسية من قبل انتشار الوباء الأخير.ـ

في تاريخ الشعب المؤمن، في كنائس روسيا واليونان وصربيا وحتى في بلادنا، قصص عديدة عن رفض الشعب للتطاول على المناولة سواء من الكهنة أو من غيرهم، حتى أن بعض الوقائع تحكي عن عنف شعبي ضد المتطاولين، أو أقله فرز لهم من الجماعة. اليوم نجد العكس، فهناك “متعلّمون ومثقّفون” يمزّقون الكهنة الذين يناولون، وهم في كبريائهم يستعينون بالإعلام ضد كنيستهم وكهنتهم محولين الكهنة الملتزمين بإقامة القداديس ومناولة الشعب المؤمن إلى مجرمين في أعين الدولة والمجتمع. وفي كل هذا، يدّعون الغيرة على الكنيسة، ولا يترددون بالتباهي بأن همهم هو الإنسان، وكأن الكنيسة لا تهتمّ به بل هي في عالم آخر، ولكن بعض متفوهيهم واضحون بأنهم يرون في القداديس والمناولة مسرحاً يمارس فيه الكهنة “سلطتهم”، وبالتالي ينبغي تجريدهم من هذه السلطة.ـ

هنا السؤال، كما عبّر عنه العديد من رؤساء الكهنة في كل أصقاع الأرض، ماذا يبقى من هوية الكنيسة إذا امتنعت عن إقامة القداديس؟ يمكن القول بحرية ضمير أن إيمان الإنسان المعاصر تضعضع، إذ خسر بساطته مع التقدم التكنولوجي والقيَم التي كرّسها. من أوجه هذه الضعضعة تطور “علوم” النفس، ولهذا كان لا بدّ من تجريد المناولة من قدرتها على شفاء الجسد حتى يتبعها تجريدها من القدرة على شفاء النفس، وتكفّ الكنيسة عن أن تكون بيت الشفاء. وعندها ما الحاجة للمناولة وحتى للكنيسة نفسها؟ـ

إن الوضع القائم صعب لكنه ليس جديداً على الكنيسة. سوف تنتهي أزمة الكورونا وتنتهي معها هذه التجارب، ويعود المشككون إلى حيث أتوا. يصف القديس اغناطيوس المتوشح بالله محاربي المناولة المعاصرين في رسالته إلى الإزميريين إذ يوصيهم: “اعتبروا مَن يحمل فكرة مخالفة لنعمة يسوع المسيح التي حلّت علينا مضاداً لفكر الله… يبتعد عن الصلاة وسرّ الشكر حتى لا يقرّ بأن سر الشكر هو جسد مخلصنا يسوع المسيح، الجسد الذي تألّم من أجل خطايانا والذي اقامه الله بصلاحه. أولئك الذين يرفضون عطية الله يموتون في مجادلاتهم” (2:6-1:7). هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم.ـ

الكورونا وبرج بابل

الأب أنطوان ملكي

تبدأ الكنيسة الأرثوذكسية الأسبوعَ الرابع من الصوم بالسجود للصليب المقدس، وهي بذلك تشدد على أن الصليب في وسط الأرض كما هو في وسط الصوم. في صلاة المساء من يوم الخميس في هذا الأسبوع، بعد أن ترتل الكنيسة “إذ قد استحقينا أن نشاهد صليبك المقدس ونصافحه بفرح”، تقرأ قصة برج بابل من كتاب التكوين (1:10-9).ـ

في هذه القصة، نتعلّم كيف انتشر الجنس البشري على وجه الأرض. لأن البشر، في كبريائهم، رغبوا ببناء برج طويل يصل إلى السماء، لكن الله بلبل ألسنتهم. إن هذه الرواية هي نقطة تحول عظيم في تاريخ البشر الذين بعد الطوفان مالوا عن الله وسعوا إلى تمجيد جهودهم الخاصة، متناسين السلام الداخلي الذي منحهم إياه الله بعد الطوفان. لهذا يفهم المسيحي أن تنوّع لغات البشر هو رحمة كبيرة من الله، إذ منعهم من التكاتف معًا من أجل الشر، وعلّمهم التواضع. من هنا أن ارتفاع الصليب بدلاً من البرج هو لتذكير الإنسان بأن علاج الطرد من الجنة هو بهذا الصليب، وليس بأي أمر آخر.ـ

العديد من آباء الكنيسة حكوا عن برج بابل منذ القديس أفرام السرياني إلى اليوم. القديس يوحنا الروماني[1] الراقد حديثاً في 1960، يحدّثنا بكلام نفهمه جيداً لأنه من عصرنا. للقديس رسالة بعنوان “برج بابل اليوم” من كتاب سيرته يقول فيها:ـ

“بعد الطوفان ابتعد الناس مجدداً عن الله، ولأنهم ابتعدوا صاروا مجدداً يتوقّعون طوفاناً. لهذا قرروا بناء برج بابل أو القلعة البابلية. وقد شاؤوا أن يبنوها أعلى من الغمام حتى لا تعود المياه مصدر تهديد لهم. وبسبب هذه العتاهة بعثر الله ألسنتهم وما عادوا قادرين على إتمامه.ـ

الناس في هذا العصر ليسوا أفضل من ناس ذاك الزمان. اليوم، الجميع يعرفون أنهم ابتعدوا عن الله، وهم يتوقّعون عقاباً من السماء. ولكنهم بدلاً من اختيار فلك الخلاص، أي الكنيسة، بالإيمان القويم والتوبة، وبدلاً من السعي إلى الله، هم متسمّمون بالحضارة يبنون من جديد برجاً لأنفسهم كما في بابل قديماً. إن ’برج بابل’ زماننا ليس بناءً من حجر وقرميد، بل هو السباق المحموم إلى الاختراعات.ـ

يقول الناس أن اختراع السيارات والأسلحة جعل حياة الإنسان أكثر سهولةً وضَمِن أمانها، أي حفظه. ولكن كم هو خاطئ هذا الرأي! في النهاية، واضح جداً أن على قَدْر تحديث العالم وزيادة الاختراعات ازداد الشر وصارت حياة الإنسان أكثر مرارة ومحفوفة بالمخاطر. لم يكن الناس يوماً ملتاعين من القلق واليأس كما في أيامنا، عندما ازدادت الحضارة.ـ

وكما ترون، إن هذه الحضارة الزائدة بأزيائها الجديدة، علّمت الناس بأن يتجولوا عراة، أي أنها قضَت على الحياء فيهم. لقد علّمت الناس أن يكفّوا عن البحث عن الله أي أنها أخمدت الإيمان المقدس. لقد علّمت الجكام أن يخدعوا الشعب بِمَكر، وأن يستعبدوهم بشكل أكثر لا إنسانية من أيام فراعنة مصر. بتعبير آخر، إن العطش إلى الحضارة قمع الحقيقة وحرية الناس. إن الحضارة الكاذبة علّمت الناس كيف يخترعون، أي اختلقت الأسلحة الأكثر رعباً لمسح الناس وبالتالي أطاحت بالمحبة خارجاً من العالم.ـ

العلم الحديث أتاح للإنسان أن يطير في الهواء ويسافر على الماء في قلاع عائمة. العلم أعطى الإنسان جناحي طير ورِجلين من حديد لكي يندفع على طريق الباطل ولكنه سدّ عليه طريق الصلاة. لقد بنى العلم الحديث أبنية عملاقة على طريق الكنيسة فيما عبّد بالأسفلت طريق المعصية ورشّها بالزهور. بفضل سرعة السيارات قصرَت المسافات بين البلدان وتقاربت آذان الناس بالهواتف والراديو. الفنون الحديثة دللت الأجساد وقرّبتها لكنها أبعدت الله عن القلوب. العقل تقدّم لكن القلب بَرَد. العلوم أخصبَت لكن الإيمان يعاني الخسران. حضارة اليوم قصّرَت ثياب الناس وقصّت ذقونهم وشعرهم ومن ثم مَحَت الأديار عن وجه الأرض.ـ

وهكذا باختصار، هذا الخطر أي الحضارة أو التقدم، لا يترك لكل المولودين على الأرض ما يتباهون به: كما لم يكن من قبل أبداً، هذه الحضارة غمرت الأرض بالدموع، وسّعت المقابر في الحروب بشكل مرعب، فرشت الأفق بدخان المحركات، وملأت السماء بطيور عملاقة ذوات مناقير معدنية، جاهزة لتبخير العالم. ولكي تكسب وقتاً لإنجاز “برج بابل”، أي الاختراعات العلمية، فإن مقاولي البلدان المسمّنة يدعون دائماً إلى مؤتمرات سلام. لكن الله، إذ رأى حنكتهم، شوّش عقولهم كما شوّش الألسنة البابلية، فلن يكونوا قادرين بعد الآن على فهم بعضهم البعض”[2].ـ

بحسب نظرة القديس يوحنا الروماني، كل اختراع يزيد برج بابل ارتفاعاً. رقد القديس قبل أن يصل العالم إلى الدور العليا من البرج. لم يتسنَّ له أن يقرأ عن حرب النجوم، الاستنساخ، الرجال الآليين، أشباه الناس (humanoids)، الهندسة الجينية، البشرية المعززة (Augmented Humanity)، وهب الأعضاء، والأنثروبولوجيا الرقمية (digital anthropology). رحل قبل أن يأتي التواصل الاجتماعي وحتى قبل الإنترنت ولم يرَ الناس يتباهون بأنهم جعلوا العالم قرية صغيرة تشدّها الألياف الضوئية كما تغطيها شبكة طيران تصل إلى كل مكان.ـ

لم يعِش قديسنا أيضاً ليتعرّف على الكورونا. على تلك الجرثومة التي عطّلت شركات الطيران وأعادت القرية الصغيرة دولاً تغلق حدودها على بعضها، حتى أن بعضها يتخلى عن أبنائه ولا يسمح لهم بالعودة إليه. مجتمعات تضطر إلى اختيار مَن يموت. اقتصادات الدول تهتز، وشركات ضخمة وعالمية تصرِف موظفيها. برج بابل مهدد لأن الذين بنوه يتبادلون التهم والتشكيك في مَن هو الذي أنتج الجرثومة. الطب الذي تنطّح بأنه صار قريباً من تركيب إنسان جديد، يقف مشتتاً أمام جرثومة صغيرة. كمية المعلومات التي ترد يصعب حصرها خاصة مع الكم الكبير من التناقضات التي فيها.ـ

برج بابل مهدد لأن اللغة الواحدة التي سعت إليها البشرية في العلوم ليست لغة الله، بل لغة العقل والمنطق والبحث والمنهجيات والنفعية والتجارة. أُلِّه العقل وأُلِّه العلم وأُلِّه الإنسان إلا الإله الحقيقي بات مُبعَداً، منسياً أو مستغلّاً. برج بابل قد لا توقعه الكورونا، لكنها تدعو العالم ليعيد النظر بأولوياته وحججه ومشاريعه. إنها مرحلة. ونحن واثقون أن في النهاية الله يقوم ويحكم في الأرض لأنه يملك جميع الأمم.ـ

[1] القديس من رومانيا مولود 1913 بدأ حياته الرهبانية في دير نيمتس في رومانيا ثم انتقل إلى دير القديس جاورجيوس الخوزيبي في فلسطين حيث بقي إلى حين رقد في 1960. كان راهباً صارماً وأباً روحياً منّ الله عليه بعدة فضائل. علم مسبقاً بموعد رحيله. في 1980 كُشف قبره فوُجِد جسده غير متحلل. في 1992 أعلنت الكنيسة الرومانية قداسته. له قصائد ورسائل عديدة.ـ

[2] Orthodox Life, Vol. 34, No. 5 (September-October 1984), pages 16-30. Translated from the Romanian by Borislav P. Svrakov.

شهداء سبسطية الأربعون

الأب لاورنس فارلي

نقلها إلى العربية بول ملكي

لو كان أي منا يتمشى على ضفاف بركة ماء باردة في إحدى ليالي العام ٣٢٠ قرب مدينة سبسطية، لرأى مشهداً مذهلاً: أربعين جندياً رومانياً، من الفيلق المعروف بـ”الفيلق الصاعق”، يقفون عراةً في المياه المثلجة طوال الليل، يتجمدون ببطء. بالقرب، جنود رومان آخرون يقفون على الضفة يحرسونهم ويتأكدون من بقاء الرجال المحكومين في المياه المثلجة، ويجهزون حمام ماء ساخن لكل من يقرر الخروج من مياه الموت ليستدفئ ويعيش. كل ما كان على الرجال المحكومين أن يفعلوا هو أن ينكروا المسيح ويتخلوا عن ايمانهم المسيحي. الأربعون كانوا كلهم مسيحيين مؤمنين، واختاروا الموت على إنكار الرب.ـ

إلا أن واحداً وحيداً منهم خسر شجاعته في اللحظة الأخيرة. فأنكر المسيح، وترك رفقاءه من أجل دفء الحمام الساخن. واحد من الحرس، متأثراً بثبات الذين بقوا في البركة، إعترف بأنه مسيحي وتعرّى من ثيابه وإنضم إلى الرجال في المياه، فبقي العدد كاملاً: أربعون شهيداً. عند الفجر، معظمهم كان قد تجمد ورقد. أما أولئك الذين لم يموتوا بعد فقتلوا وأحرقوا ورُمي رماد جثثهم في النهر.ـ

قد نسأل: ما الذي منح الرجال القوة ليبقوا في مياه الموت فيما الحياة تنزف ببطء من أجسادهم؟ أمران: الأول أنهم كانوا يتطلعون إلى ما بعد عذاب تلك الليلة، إلى الملكوت المنير وأكاليل الظفر التي تنتظرهم، والثاني أنهم كانوا يتضامنون ويدعمون ويشجعون بعضهم البعض. كجنود، كانوا يدركون أهمية الوفاء للفيلق، وكإخوة، أن يصمد كل واحدٍ منهم من أجل الآخرين. إن هذه الوحدة العسكرية حفظتهم إذ كانت مسألة شرف أن لا يكسر أحد منهم الرتبة ويخون الآخرين.ـ

نحن أيضاً نعيش في فترة شتاء مميت، حيث “لكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين” (متى ٢٤:١٢). حكام هذا الزمن يعدون بجوائز أرضية لمن يترك الحقيقة، وحمام دافئ ينتظر الكفار/المرتدين. شهداء سبسطية يشجعوننا على أن نبقى ثابتين في الإيمان، على الرغم من برودة هذا الزمن والإضطهاد الذي نقع فيه، إذ انهم بعد ساعات قليلة فقط استُقبلوا بفرح الانتصار في ربوع السموات، ولم يكونوا بحاجةٍ لأي حمام روماني دافئ. الأمر ذاته سيحصل معنا: قريباً يمر هذا الزمن البارد، ونقف أمام ملكنا. إلى حين ذلك، فلنتشجع نحن أيضاً كوننا لسنا المجاهدين الوحيدين في سبيل الحقيقة. فلنقاوم التنازلات المقترحة من الشيطان، ونبقى “راسخين في الإيمان عالمين أن نفس هذه الآلام تجرى على اخوتكم الذين في العالم” (1 بطرس ٥:٩).ـ

أمر أخير: الجندي الذي فقد عزمه وكفر بالله وركض إلى الحمام الدافئ لم ينجُ تلك الليلة. من المؤكد أن حرارة جسمه قد هبطت كثيراً، وحتى دفء الحمام لم ينقذه. لقد مات بكل الأحوال، مع باقي “الفيلق الصاعق”. بكفره لم ينقذ حياته الأرضية بل خسر الحياة الأبدية وإكليل الظفر الذي كان بمتناول يديه. جوائز الكفر لا تبقى. بل تنتهي مع مجيء اليوم الأبدي. جائزة الثبات تبقى إلى الأبد.ـ

القديس ديونيسيوس ووباء الاسكندرية

عن رسالة لإفسابيوس القيصري

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

كان القديس ديونيسيوس الكبير بابا الإسكندرية ما بين عامي 248 و264. في تلك الفترة عانت كنيسة الإسكندرية من اضطهاد مريع. وما أن انتهى الاضطهاد حتى ضرب المدينة وباء مع اقتراب عيد القيامة. وصف القديس ديونيسيوس هذا الوباء وردة فعل الكنيسة في رسالة إلى بعض أبنائه خارج الاسكندرية. إنها رسالة مناسبة في هذه الأيام فيما الكنيسة تحاول التعاطي مع جرثومة الكورونا، وذلك فيما نحن نستعد للقيامة. أورد هذه الرسالة إفسابيوس في تاريخ الكنيسة، الفصل السابع:ـ
“لاحقاً عندما تبع الحربَ الوباء القاسي فيما كان الاحتفال (القيامة) يقترب، تواصل ديونيسيوس كتابةً مع الجماعة المسيحية كاشفاً أهوال الكارثة:ـ
لا يعتقد الآخرون أن هذا وقت للاحتفال… الآن، للأسف! كل شيء هو رثاء، الجميع في حداد، والمدينة صاخبة بالنوح بسبب أعداد الذين ماتوا ويموتون كل يوم. الوضع يشبه ما يخبره الكتاب المقدس عن أبكار المصريين، لذلك هناك صرخة عظيمة الآن: لا يوجد منزل ليس فيه ميت واحد – وكم كنت أتمنّى لو كان واحدًا فقط!ـ
لقد حدثت لنا العديد من الأشياء الفظيعة حتى قبل ذلك. في البداية كنا مُداسين يحاصرنا المضطهدون والقتلة، ومع هذا كنا الوحيدين الذين حافظوا على الاحتفال في ذلك الحين. كل مكان تعرضنا فيه لهجوم أصبح لنا مكانًا للاحتفال، سواء أكان ميداناً أو صحراء أو سفينة أو نزلاً أو سجناً. أبهرُ المواسم على الإطلاق كان احتفال الشهداء الذين عيّدوا. من ثمّ جاءت الحرب والمجاعة التي ضربت المسيحيين والوثنيين على حد سواء. كان علينا وحدنا أن نتحمل الإصابات التي تسببوا بها لنا، لكننا استفدنا مما فعلوه لبعضهم البعض وما عانوه على أيدي بعضهم البعض؛ ولذلك ومن جديد وجدنا الفرح في السلام الذي أعطاه المسيح لنا وحدنا. ولكن عندما سمح لنا ولهم بحيّز صغير للتنفس، جاء هذا المرض من العدم، وهو أمر أكثر رعبًا لهم من أي إرهاب، ومخيف أكثر من أي كارثة مهما كانت، وكما كتب أحد مؤرخيهم (ثوسيديديس) ذات مرة: “الشيء الوحيد الذي تجاوز كل التوقعات”. لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لنا، بل كان تعليمًا واختبارًا قيمًا كمثل جميع تجاربنا السابقة؛ لأنه لم يغلبنا رغم أن تأثيره الكامل سقط على الوثنيين …ـ
غالبية الإخوة المسيحيين أظهروا محبة لا حدود لها والتزاماً، غير موفّرين ذواتهم ومفكّرين فقط ببعضهم البعض. من دون خوف من الخطر، اخذوا المرضى على عاتقهم مهتمّين بكل حاجاتهم وخادمين لهم في المسيح، ومعهم تركوا هذه الحياة فرحين بصفاء؛ لأنهم أصيبوا كالآخرين بالمرض آخذين على أنفسهم مرض إخوتهم مقتبلين آلامهم بسعادة. كثيرون، في تطبيبهم وشفائهم للآخرين، نقلوا موت الآخرين إلى أنفسهم وماتوا في أماكنهم، عاكسين الصيغة المشتركة التي هي بالعادة مجاملة فارغة في الحقيقة: إن عبدك المتواضع يقول لك وداعاً. أفضل إخوتنا خسروا حياتهم بهذه الطريقة، عدد من الكهنة، الشمامسة، والعلمانيين الذين كسبوا ثناءً، حتى أن الموت بهذا الشكل، نتيجة لتقوى عظيمة وإيمان قوي، يظهر بشتّى الطرق مساوياً للشهادة. بأيدي مريدة رفعوا أجساد القديسين إلى أحضانهم؛ أغلقوا أعينهم وأفواههم، حملوهم على أكتافهم وأضجعوهم؛ تعلّقوا بهم، عانقوهم، غسلوهم، ولفّوهم بأكفانهم. وسريعاً بعد ذلك أقيمت لهم الخدمة نفسها لأن الباقين يتبعون السابقين.ـ
الوثنيون تصرفوا بصورة معاكسة تماماً. عند أول ظهور للمرض، أبعدوا الذين يعانون وابتعدوا عن أحبائهم، رموهم في الطرق قبل أن يموتوا وعاملوا الجثث غير المدفونة كالقذارة، معتقدين أنهم يوقفون انتشار المرض القاتل وعدواه؛ ولكن مع كل ما عملوه، وجدوا النجاة عسيرة.”ـ

العظة الثالثة على كولوسي 1: 15-18

للقدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم

ترجمة الأب الحارث إبراهيم

من الضروري بالنسبة لي اليوم، أن أدفع الدين الذي قمت بتأجيله أمس، حتّى أتمكّن من تقديمه لعقولكم عندما تكون في جاهزيّتها الكاملة. كما أظهرنا، يتكلّم بولس عن كرامة الابن، فيقول هذه الكلمات: “الذي هو صورة الله غير المنظور”. على صورة مَن ستعتبرونه؟ على صورة الله؟ إذًا، هو بالضبط كالذي يُمثّله. لأنّه إذا كان يقول على صورة إنسان، فأكون قد تكلّمتُ كمجنون. ولكن إذا كان يقول على صورة الله، فابن الله، على صورة الله، يُظهِرُ الشبه الدقيق له. لماذا لم يتمّ إطلاق تسمية “صورة” أو “ابن”، في أي موضع، على ملاك بل أطلق هاتَين التسميتَين على الإنسان؟ لماذا؟ لأنّه في الحالة الأولى، قد يؤدّي تعظيم طبيعتها فعلاً إلى دفع الكثيرين في الوقت الحاضر إلى العقوق؛ لكن في الحالة الأخرى، الطبيعة الحقيرة والدنيا تحفظ من العقوق، ولن تسمح لأيٍّ كان، حتّى لو رغب في ذلك، أن يشكّ في أي شيء من هذا القبيل، ولا تُقلِّل هذه الطبيعة من شأن “الكلمة” إلى هذه الدرجة. لهذا السبب، حيث تكون الحقارة كبيرةً، يؤكّد الكتاب المقدّس الشرف بقوة، ولكن حيث تكون الطبيعة أعلى، فإنه يتمنّع. “صورة غير المنظور” هو نفسه غير منظور أيضًا، وبطريقة مماثلة غير منظور، وإلّا ما كان صورة. لأنَّ الصورة، بقدر ما هي صورة، حتّى عندنا، يجب أن تكون مطابقة تمامًا للأصل، على سبيل المثال، من حيث السمات والشبه. لكن في الحقيقة، عندنا هنا، هذا غير ممكن على الإطلاق؛ لأنَّ فَنَّ الإنسان يفشل في كثير من النواحي، أو بالأحرى يفشل في كلّ النواحي، إذا ما فحصنا بدقّة. لكن حيث الله، لا يوجد خطأ ولا فشل.ـ

ولكن كمخلوق: كيف هو صورة الخالق؟ لأنّه لل يمكن للحصان أن يكون صورة للإنسان. لأنّه إذا لم تكن “الصورة” تعني الشبه الدقيق لغير المنظور، فما الذي يعيق الملائكة أيضًا عن أن يكونوا صورته؟ لأنّهم هم أيضًا غير منظورين؛ ولكن ليس لبعضها البعض. لكنّ الروح غير منظورة، ولكونّها غير منظورة، تكون ببساطة صورة بحسب هذا المنطق، ولكن ليس كما هو والملائكة صورًا.ـ

“بكر كلّ خليقة”. يقول أحدهم: “يا للعجب. إنّه مخلوق”. منذ متى؟ أخبرنى. لأنّه قال “بكر”؟ لاحظ، إنّه لم يقل “أول خليقة” بل “أول مولود = بكر”. وإلاّ يصبح منطقيًّا أن يُطلق عليه أسماء كثيرة، كأن يسمّى أيضًا أخًا “في كلّ شيء” عبرانيين 2: 17، وأن نأخذ منه كينونته كخالق، ونصرّ على أنّه لا يتفوّق علينا لا في الكرامة ولا في أيّ شيء آخر! ومَن هو الفهيم الذي يمكن أن يقول هذا؟ لأنّ كلمة “بكر” ليست معبرةً عن الكرامة والشرف، ولا عن أيّ شيء آخر، وإنّما عن الزمن فقط. ماذا تعني كلمة “بكر”؟ يجيبون: إنّه مخلوق. حسنًا. إذا كان الأمر كذلك، فللكلمة أيضًا معاني مرادفة. إذ من ناحية أخرى، يكون البكر من نفس الجوهر مع مَن وُلِدَ منهم أولاً. وعليه، سيكون الابن البكر لكلّ شيء – لأنّه مكتوب “كلّ خليقة”؛ لذلك، سيكون الله الكلمة هو بكر (المولود الأول) من الحجارة أيضًا، ومنّي. ولكن مرّة أخرى أخبرني: عن ماذا تعلن كلمات “بكر من بين الأموات” كولوسي 1: 18؛ ورومية 8: 29؟ أليس أنّه هو قام أولاً؟ لأنّه لم يَقُل ببساطة “من بين الأموات”، بل “بكر من بين الأموات”، ولا حتّى قال، “إنّه مات أولاً”، لكنّه قام كَبِكْرٍ من بين الأموات. بحيث لا يعلنون أيّ شيء آخر غير هذا، أنّه هو أول ثمر القيامة. بالتأكيد ليس المقصود أيًّا من هذه هنا. [ليس يقصد الرسول بولس أنَّ يسوع بكرٌ لكونه مولودًا من الآب، بل لأنَّ الخليقة به ظهرَت إلى الوجود. وتاليًا هو يُشير إلى أنَّ يسوع هو بداية الخليقة] بعد ذلك ينتقل إلى العقيدة عينها، لكي لا يفتكروا في أنّ وجوده حديث، لأنّه في الأوقات السابقة كان التواصل من خلال الملائكة، ولكنّه الآن من خلاله. لقد أوضح أولاً أنّه لم يكن لديهم قدرة (وإلا لما أنقذهم من سلطان الظلمة، الآية 13)، ثمّ بعد ذلك، يقول هو أيضًا كان قَبلَهم. ويستخدم كدليل على وجوده قَبلَهم، هذه العبارة أنّه “خلقهُم”. لأنّه “فيه”، كما يقول، “خُلِقَ الكلّ”. فماذا يقول هنا أتباع بولس الساموساتي؟ [يعتبر بولس الساموساتي الكلمةَ الإلهيّ والحكمة صفات وليس شخصًا. لذلك فشخص ربّنا ببساطة بشريّ تحت تأثير إلهي.] لقد وضع في المرتبة الأولى “ما في السماوات”، أي ما كان السؤال عنه مطروحًا، ثمّ “ما على الأرض”. ثمّ أردف يقول “ما يُرى وما لا يُرى”. ما لا يُرى، مثل الروح، وكلّ ما خُلِقَ في السماء؛ وما يُرى، مثل الإنسان والشمس والسماء، “سواء كان عروشًا”، مؤكّدًا ما هو مشكوك فيه وتاركًا ما هو معروف. “سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ”. نفهم من كلمَتَي: “سواء” و “أم”، الكلّ. وهكذا بالكلام عن الأشياء الأعظم يُظهِر أنّها تشمل الأقلّ أيضًا. لكنّ الروح ليست من بين “السلاطين”. لقد قال: “الكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ”. يا للعجب، “فيه” (الآية 16 “فِيْهِ خُلِقَ الكُلّ”) تعني “به”، لأنّه إذ قال “فيه” أضاف هنا “به”. ولكن ماذا تعني “له”؟ المعنى هو هذا: الكُلّ يَعتمد عليه من أجل ديمومته. ليس أنّه هو نفسه أخرجهم من العَدَم إلى الوجود فقط، بل هو نفسه يحفظهم الآن، بحيث أنّه لو كانت العناية الإلهيّة نبذتهم، لعادوا إلى العدم من ساعتهم وفنوا. وهو لم يَقل إنّه “يجعلهم يستمرّون”، والتي كانت طريقة أكثر جرأة في الكلام، بل ما هو أكثر دقة: “إنّهم يعتمدون عليه“. أن يكون الاعتماد عليه فقط كافٍ لأن يجعل أيّ شيء مستمرًا ويرتبط به بسرعة. هكذت أيضًا كلمة “بكر”، بمعنى الأساس. لكنّ هذا لا يُظهر المخلوقات أنّها من ذات جوهره، بل أنَّ الكلّ به، وأنّها قائمة فيه. لأنَّ بولس، عندما يقول في مكان آخر: “لَقَدْ وَضَعْتُ الأساس” (1 كورنثوس 3: 10)، لم يكن يتحدّث عن الجوهر، بل عن العمل. ولكي لا تَفتكر به أنّه خادم، يقول إنّه يجعلهم يستمرّون، وهذا لا يَقِلُّ شأنًا عن خلقهم. بالتأكيد، معنا هي حتّى أعظم: إذ بالنسبة للسابق، فإنّ المبادئ تَهدينا، لكن ليس كذلك بالنسبة إلى الأخير، إذ لا يبقى شيئًا منحلاً.ـ

يقول: “الذي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ”. هذا يليق بالله. أين بولس الساموساتي؟ ويقول أيضًا: “وفيهِ يَقُوْمُ الكُلّ”، أي إنّها مخلوقة فيه! يُكرِّر هذه التعبيرات في تسلسل وثيق، وكأنَّ تعاقبها الوثيق يعمل كطرقات سريعة تقتلع العقيدة المُميتة من الجذور. لأنّه حتّى لو أنَّ الإعلان عن مثل هذه الأشياء العظيمة قد تمّ، ينبت بعد فترة طويلة بولس الساموساتي، فكم [سيكون الحال] أعظم، إنْ لم تكن هذه الأشياء قد قيلَت من قَبْلُ؟ يقول: “وفيهِ يَقُوْمُ الكُلّ”، كيف تقوم (تتكوَّن) في مَن لم يكن، لأنَّ ما تمّ في الملائكة تمّ من خلاله؟

“وَهُوَ رَأسُ الجَسَدِ: الكَنيسَةِ”. إذ تحدَّث عن كرامته، يتكلّم بعدها عن حُبّه للإنسان أيضًا. يقول: “هُوَ رَأسُ الجَسَدِ: الكَنيسَةِ”. ولم يقل “[رأس] الملء” [المسكونة هي المقصودة بالملء هنا، مثلما يقول الرسول بولس في 1 كورنثوس 10: 26 “للرب الأرض وملأها τοῦ πληρώματος”]، (بالرغم من أنّ هذا مشارٌ إليه أيضًا)، بدافع من الرغبة في إظهار مودّته الكبيرة لنا، لأنّه وهو فوق، وفوق الكلّ، يربط نفسه مع أولئك الذين أدناه. لأنّه هو الأول في كلّ مكان: هو الأول فوق، والأول في الكنيسة، لأنّه هو الرأس، وهو الأول في القيامة. وفي قوله: “لكي يكون متقدِّمًا في كُلِّ شَيءٍ” (الآية 18)، يكون هو الأول أيضًا في الأجيال. وهذا ما كان بولس يسعى لإظهاره بشكلٍ رئيسيّ. لأنّه إن كان حسنًا أنّه كان قَبل جميع الملائكة، فمن ثمّ تكون النتيجة المواكبة أيضًا أنّه قام بأعمالهم من خلال أمرته لهم. وكم هو رائع حقًا، أنّه أشار إلى أنّه هو الأول في الأجيال اللاحقة. ومع أنّه يدعو آدم، في مكان آخر، أولاً (1 كورنثوس 15: 45): “صار آدَمُ، الإنسانُ الأولُ”، وهو هكذا في الحقيقة، لكنّه هنا يجعل الكنيسة مكان الجنس البشريّ بأكمله، فهو الأول من الكنيس، والأول من الناس بحسب الجسد، كأول الخلق. وعلى هذا، فهو يستخدم هنا كلمة “بكر”.ـ

فما هو معنى “بكر” في هذا الموضع؟ مَن الذي خُلِق أولاً، أو قام قبل الكلّ، كما كان المعنى في الآية السابقة “الذي هو قَبْلَ كُلِّ شيء”. وهنا يستخدم في الواقع كلمة “الثمرة الأولى” قائلاً: “مَن هو الثمرة الأولى، بكر من بين الأموات، لكي يكون هو مُتقدِّمًا في كلّ شيء”. موضحًا أنَّ الباقين هم أيضًا مثله؟ لكن في المقام الأول ليس الثمرة الأولى للخليقة. وهناك، هو صورة الله غير المنظور، ثمّ “بكر”.ـ

الآية 19 و20. لأنَّ الآبَ سُرَّ أنْ يَحُلَّ فيه كُلُّ الملء. وإذ صنع السلام بدم صليبه، لكي يُصالِحَ بِهِ الكُلَّ لنفْسِه، سواء ما كان على الأرض، أم ما في السماوات”.ـ

كلُّ ما للآب، يقول إنّه للابن أيضًا، وذلك بكثافة أكبر، لأنّه قد مات عنّا وأَتْحد نفسه بنا. قال “الثمرة الأولى” كأنّه من الثمر. لم يقل “القيامة”، بل “الثمرة الأولى”، مُظهِرًا أنَّه قدَّسَنا جميعًا، وكأنّه قدَّمَ لنا ذبيحة. يعتبر البعض أنَّ مصطلح “الملء” يشير إلى الله، كما قال يوحنا، “ومِن ملئه كُلّنا أخذنا”. إذًا، أيًّا كان الابن، الابن كُلُّه حَلَّ هناك، وليس نوع من القوى، بل جوهر.ـ

ليس لديه سبب إلا مشيئة الله: لأنَّ هذا هو المغزى من قوله “فيه سُرَّ … ويصالح به الكُلَّ لِنَفْسِه”، خشية أن تعتقد أنّه اتَّخَذ رتبة خادم فقط، قال: “لنفسه” (2 كورنثوس ٥: ١٨). ومع ذلك يقول في مكان آخر، إنّه صالحنا مع الله، كما كتب في رسالته إلى الكورنثيّين [“18ولكنَّ الكلَّ مِنَ الله، الذي صالحَنا لنَفْسِه بيسوع المسيح، وأعطانا خِدمةَ المصالحة، 19أي إنَّ اللهَ كان في المسيح مصالِحًا العالَم لنفسِه، غير حاسِبٍ لهم خطاياهم، وواضعًا فينا كَلِمَةَ المصالحة” (2 كور 5: 18 و19)]. وقال حسناً “به لينهي المصالحة”. لأنّهم كانوا قد تصالحوا بالفعل، بل يقول بالتمام، بحيث لن تكون في عداوة معه في ما بعد. كيف؟ لأنّه ليس أنَّ المصالحة انطلَقَت فحسب، بل أيضًا طريقة المصالحة. “إذ صنع السلام بدم صليبه”. تُظهِر كلمة “مصالحة” أنَّ هناك عداوة، كما تُظهِرُ كلمة “صنع السلام” أنَّ هناك حربًا. “وإذ صنع السلام بدم صليبه، بنفسه، سواء ما كان على الأرض، أم ما في السماوات”. إنَّ المصالحة أمرٌ عظيم حَقًّا، فإن تمّمها بنفسه فهي أيضًا أعظم؛ وأعظم بكثير – كيف بنفسه؟ بدمه. بدمه، ولم يقل بدمه فقط، بل بما هو أعظم، بالصليب. حتّى صارت خمسٌ تدعو للعجب: صالحَنا، مع الله، بنفسه، بالموت، بالصليب. مثير للعجب مرّة أخرى! كيف خلطهم! فلئلا تظنّ إنّه أمرٌ واحد فقط، أو أنَّ الصليب هو شيء في حَدِّ ذاته، قال: “بنفسه”. ما مقدار معرفته أنَّ هذا كان أمرًا عظيمًا. لأنّه ليس بالكلام، بل بإعطاء نفسه للمصالحة، هكذا أبدع الكلّ.ـ

ولكن ما هي “ما في السماوات”؟ لأنّه بالعقل فعلاً يقول: “ما على الأرض”، لأنَّ أولئك كانوا ممتلئين عداوة، ومتعدِّدي الإنقسامات، وكان كلّ واحد منّا في اختلاف تامّ مع نفسه، ومع الكثيرين، لكن كيف صنع السلام بين “ما في السماوات”؟ هل كانت هناك معركة وحربٌ أيضًا؟ فكيف نصلّي إذًا قائلين: “لِتَكُن مشيئَتُكَ كما في السماء كذلك على الأرض”؟ (متّى 10: 6) ما هو إذن؟ انفصلَت الأرض عن السماء، وأصبح الملائكة أعداءً للناس، لرؤيتهم الربَّ مُهانًا. قال في أفسس 1: 10: “ليجمَعَ كُلَّ شيءٍ في المسيح، ما في السماوات، وما على الأرض”. كيف؟ ما في السماء فعلاً هكذا: لقد نقل الإنسان إلى هناك، لقد أحضر إليهم العدو الذي يكروهنه. لم يكتفِ بصنع السلام بين ما على الأرض، بل أحضر إليهم مَن كان عدوهم وخصمهم. هنا كان السلام عميقًا. فعادت الملائكة للظهور مرة أخرى على الأرض بعد ذلك، لأن ذاك الإنسان عاد فظهر أيضًا في السماء. ويبدو لي أنَّ بولس قد اختُطِفَ بهذا الأمر (2 كورنثوس 12: 2) [“أعرِفُ إنسانًا في المسيح قَبلَ أربع عشرةَ سنةً. أفي الجسد؟ لستُ أعْلَم، أمْ خارج الجسد؟ لستُ أعْلَم. الله يعلَم. اختُطِفَ هذا إلى السماء الثالثة”]، ولكي يُظهِر أنّ الابن أيضًا قد استُقبِلَ هناك. لأنّه في الحقيقة كان السلام في الأرض ذا شِقَّين: مع ما في السماء وفي ما بينهم؛ في حين أنَّ السلام كان في السماء بسيطًا. لأنَّه إذا كانت الملائكة تبتهج بخاطئٍ واحد يتوب، فكم بالأكثر سيبتهجون بكثيرين!ـ

يقول: إذا كانت قوة الله قد عملَت كلّ هذا، لماذا إذن تضعون ثقتكم في الملائكة؟ لأنّهم حتّى الآن كانوا بعيدين جدًّا عن قَبولهم بقربكم، إذْ كانوا أعداءكم الأبديّين، لولا أنّ اللهَ نفسه قد صالحكم معهم. فلماذا تركضون إليهم؟ هل تعرف مدى الكراهية التي كان الملائكة يكنّونها لنا، كم كانت عظيمة، وكيف كانوا ينفرون منّا دائمًا؟ لقد أُرسلوا للانتقام في قضيّة بني إسرائيل، وداود، والصادوميّين، ووادي البكاء. (خروج 23: 20). لكنّهم ليسوا كذلك الآن، بل على العكس من ذلك، رنّموا على الأرض (2 صموئيل 24: 16) بفرح شديد. وهو الذي أحدرهم إلى الناس (تكوين 19: 13)، وأصعد الناس إليهم.ـ

وأصلّي من أجلكم لتلاحظوا المذهل في هذا: لقد أتى بهؤلاء إلى هنا أسفل، ثمّ أصعد الإنسان إليهم، فأصبحت الأرض سماء، لأنَّ تلك السماء كانت على وشك استقبال ما على الأرض. لذلك، نقول عندما نشكر: “المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض سلام، وللناس المسرّة”. يقول: أنظروا، حتّى الناس بدوا سعداء به بعد ذلك. ما هي “المسرّة”؟ (أفسس 2: 14؛ التثنية ٣٢: ٨، السبعينيه) هي المصالحة. لم تَعُد السماء جِدارًا فاصلاً. في البداية كانت الملائكة حسب عدد الأمم، لكنّهم الآن، ليسوا بعدد الأمم، بل بعدد المؤمنين. مِن أين يتّضح هذا؟ إسمع المسيح قائلًا: “أنظروا، لا تَحتَقروا أحد هؤلاء الصغار، لأنّ ملائكتهم ينظرون كلَّ حين وَجْهَ أبي الذي في السماء”. (متّى 18: 10) لأنّ لكلّ مؤمن ملاك. لأنّه حتّى منذ البداية، كان لكلّ مَن اعتُمِدَ ملاكه، كما يقول يعقوب: “الملاك الذي يُطعمني، ويخلّصني منذ شبابي”. (تكوين 48: 15-16)، فإذا كان عندنا ملائكة، فلنكن متيقّظين، كما لو كنّا في حضور معلّمين؛ لأنّه يوجد شيطان أيضًا. لذلك نصلّي، نطلب ملاكَ سلامٍ، وفي كلّ مكان نطلب السلام (لأنّ لا شيء يعادله): يمنح للكنيسة السلام، في الكنائس، في الصلوات، في الطلبات، في التحيات؛ مرّة، ومرّتين، وثلاث مرّات، ومرّات عديدة، حين يقول: “السلام لكم”. لماذا؟ لأنَّ هذا هو أمّ كلّ الصالحات. هذا هو أساس الفرح. لذلك، أمر السيّدُ المسيحُ الرسلَ أنّهم عند دخولهم إلى المنازل يقولون هذا على الفور، باعتباره رمزًا للأشياء الصالحة. فقد قال: “عندما تدخلون إلى منزل، قولوا: السلام لكم”. لأنّه حيثما يكون هذا مطلوبًا، لا نفع من أي شيء آخر. وقال السيّد المسيح لتلاميذه: “السلام أترك معكم، سلامي أعطيكم”. (يوحنا 14: 27) هذا يُمَهِّدُ الطريق للحبّ. والناظر على الكنيسة [المتقدِّم الذي يرأس العبادة ὁπροεστὼς]، لا يقول ببساطة: “السلام لكم”، بل: “السلام لجميعكم”. ماذا لو كان لدينا سلام مع هذا الإنسان، ولكن مع غيره، حرب وقتال؟ ما هو الربح؟ لأنّه هل من الممكن الحفاظ على الصحة، إذا كانت بعض عناصر الجسد في حالة راحة وأخرى في اختلاف، بل فقط عندما تكون كلّها في انتظام جيد، ووئام، وسلام؟ فإن لم تكن كلّها في راحة، ومستمرة في حدودها الصحيحة، ستنقلب كلّها. وعلاوة على ذلك، إنْ لم تكن كلّ الأفكار في أذهاننا في حالة راحة، لن يوجد السلام. السلام هو الخير العظيم، بحيث أنَّ صانعيه ومخرجيه، بمنطق، يُدعَون أبناء الله (متّى 5: 9 و45)؛ لأنَّ ابن الله من أجل هذا السبب جاء على الأرض، ليثبّت السلام في ما في الأرض، وفي تلك التي في السماوات. فإذا كان صانعو السلام هم أبناء الله، فإنَّ صانعي الاضطراب هم أبناء الشيطان.ـ

ماذا تقول؟ هل تثير الإدّعاءات والقتال؟ وهل يسأل أحدهم مَن هو غير سعيد؟ هناك الكثيرون الذين يفرحون بالشر، والذين يمزّقون جسد المسيح، أكثر من طعنة الجند بالحربة، أو من ثقب اليهود له بالمسامير. ذاك كان أقلَّ شرًّا من هذا. أولئك الأعضاء المقطوعين، اتّحدوا مرّة أخرى، لكنّ هؤلاء المفصولين، إذا لم يتمّ توحيدهم هنا، فلن يتمّ توحيدهم أبدًا، بل سيبقون بعيدين عن الملء. عندما تفكّر في شنّ حرب ضدّ أخيك، تصوَّر أنّك تحارب أعضاء المسيح، وتوقّف عن جنونك. ماذا لو كان منبوذًا؟ ماذا لو كان دنيئًا؟ ماذا لو كان معرّضًا للاحتقار؟ هكذا يقول هو: “ليست إرادة أبي أن يهلك أحد هؤلاء الصغار”. (متّى ١٨: ١٤) وأيضًا: “إنَّ ملائكتهم ينظرون دائمًا وجه أبي الذي في السماء”. (متّى 18: 10) الله أصبح عبدًا من أجله ومن أجلك أيضًا، وذُبح، أفأنت تعتبره لا شيء؟ بالتأكيد، أنت بهذا تحارب الله، من خلال إصدارك حُكمًا مخالفًا لحُكمه. عندما يدخل الناظر على الكنيسة، يقول من فوره: “السلام لجميعكم”، وعندما يعظ: “السلام لجميعكم”، وعندما يبارك: “السلام لجميعكم”، وعندما يحَيّي: “السلام لجميعكم”، وعندما تنتهي الذبيحة: “السلام لجميعكم”: وأيضًا في الوسط: “نعمة لكم وسلام”، أفلا يكون ذلك وحشيًا، إذا كنا نسمع أنَّ علينا أن نكون في سلام مرات كثيرة إلى هذا الحدّ، ونكون في حالة من الخلاف مع بعضنا البعض؟ أفلا نكون في حالة حرب مع الذس يعطينا السلام حين نأخذ السلام ونردّه؟ أنت تقول: “ومع روحك”، أترميه خارجًا؟ ويحي! أنَّ استخدامات الكنيسة المهيبة أصبحت مظاهر فقط، وليست حقيقة. وَيحي! أن كلمات سرّ هذا الجيش لا تتعدّى كونها مجرّد كلمات. فإنْ كنت تجهل أيضًا قول المسيح: “السلام لجميعكم”، اسمع ما يعقبه: “وأيّ مدينة أو قرية تدخلونها … عند دخولكم إلى البيت، تحيّونه، فإن كان المنزل مستحقًا، يأتي سلامكم عليه، وإنْ لم يكن مستحقًا، يعود سلامكم إليكم”. (متّى 10: 11 و13) لذلك نحن جهلة، لأنّنا نعتبر هذا مجرّد صورة من الكلمات، ولا نؤيّدها في أذهاننا. فهل أنا أعطي السلام؟ إنّه المسيح الذي يتنازل ليتكلّم بنا. حتّى لو كنّا في جميع الأوقات الأخرى خالين من النعمة، لسنا نخلو منها الآن، من أجلكم. لأنّه إن كانت نعمة الله قد فعَلَت في حمارٍ ورائٍ، من أجل تدبير ومنفعة الإسرائيليّين (عدد 22)، فمن الواضح تمامًا أنّها لن ترفض العمل حتّى فينا، بل من أجل مصلحتكم سوف تحتمل حتّى هذا.ـ

فلا يقل أحدٌ عنّي إنّي خسيس ودنيء ولا أستحق أيّ اعتبار، ويستمعني بهذه الذهنيّة. وإنْ كنتُ أنا هكذا، لكن طريقة الله دائمًا هي هذه: أن تكون حاضرةً مع أمثالي من أجل الكثيرين. ولعلّكم تعرفون هذا، أنّه قَبِل أن يتكلَّم مع قايين من أجل هابيل (تكوين 4)، ومع الشيطان من أجل أيوب (أيوب 1)، ومع فرعون من أجل يوسف (تكوين 41)، ومع نبوخذنصَّر من أجل دانيال (دانيال 2؛ 4)، كما ومع بيلشاصّر من أجل دانيال أيضًا (دانيال 5)، وأعطى إعلانًا للمجوس (متّى 2)، وتنبّأ في قيافا، رغم أنّه قاتل المسيح، ورجل غير مستحق، بسبب استحقاق الكهنوت. (يوحنا ١١: ٤٩) ويقال إنّ هارون لم يُضرب بالجُذام [البرص] لهذا السبب. أخبرني، لماذا، عندما تطاول كلاهما [مريم وهارون أخوَي موسى] بالكلام على موسى، نالت وحدها العقاب؟ (عدد 12) لا تتعجّب: لأنّه، من حيث الكرامة الدنيويّة، إذا تمّ رفع عشرة آلاف دعوى ضدّ إنسان، فلا يُقدَّم للمحاكمة قَبل أن يترك منصبه، حتّى لا يُلام شرف المنصب معه؛ الأمر أهمّ بكثير من جهة المنصب الروحيّ، أيًّا كان شاغله، لأنَّ نعمة الله تعمل فيه، وإلّا فُقِدَ كُلُّ شيء. لكن مَتَى ترك منصبه، سواء توفّي أو حتّى ههنا، حينئذٍ سينال عقابًا أمرّ فعلاً.ـ

أتوسَّل إليكم ألّا تفتكروا أنَّي أتكلَّم هذه الأمور من عندي، بل هي نعمة الله التي تعمل في غير المستحق، ليس من أجلنا، بل من أجلكم. فاسمعوا إذن ما يقوله المسيح: “إذا كان المنزل مستحقًّا، فيأتي سلامكم عليه”. (متّى 10: 13-15) وكيف يصبح مستحقًّا؟ كما يقول: “إذا استقبلوكم” (لوقا 10: 8). أمّا إنْ لم يستقبلوكم، ولم يسمعوا كلامكم، … فإنّي الحقّ أقول لكم: إنّه يكون لأرض سدوم وعمورة في يوم الدينونة حالةً أكثَرَ احتمالاً مِمّا لتلك المدينة”. ما الذي يجعلك تستقبلنا إذن، ولا تسمع ما نقول؟ ما هو المكسب الذي تنتظره منّا، ولا تهتمّ بما نتكلّم به معك؟ هذه الخدمة الرائعة، النافعة لكم ولنا، ستكون شرفًا لنا، إن سمعتمونا. واسمع أيضًا قول بولس: “لم أكُنْ أعرف، أيّها الإخوة، أنّه رئيس كهنة”. (أعمال الرسل ٢٣: ٥) واسمع أيضا قول المسيح: “اعملوا بكل ما يوصونكم به” (متّى ٢٣: ٣)، فالوصية والعمل لا يحقّرانني أنا بل الكهنوت. احتقرني إذًا عندما تراني مُجَرِّدًا من الكهنوت، إذ حينها لن أجرؤ على فرض وصايا. لكن طالما نحن نجلس على هذا العرش، طالما أنَّ لدينا المركز الأول، فلنا الكرامة والقوة كليهما، بالرغم من عدم استحقاقنا. إذا كان لعرش موسى كلّ هذا التوقير، لدرجة أنّهم يطيعونه بسبب المقام، فكم بالأحرى أكثر عرش المسيح، الذي استلمناه بالتسلسل، والذي منه نتكلّم، منذ أن عَهَدَ لنا المسيح بخدمة المصالحة.ـ

يتمتّع السفراء، مهما كان نوعهم، بسبب كرامة السفارة، بشرف كبير. من أجل الوصيّة يذهبون بمفردهم إلى قلب أرض البرابرة، وسط أعداء كثيرين؛ ولأنّ قانون السفارة يتمتّع بقوة هائلة، يكرّمهم الجميع، وينظر الجميع إليهم باحترام، وجميعهم يرسلونهم بأمان. وها نحن الآن تلقينا كلمة سفارة، وقد أتينا من الله، لأنَّ هذه هي كرامة الأسقفيّة. لقد أتينا إليكم بسفارة، طالبين منكم وضع حَدٍّ للحرب، ونحن نقول شروطها؛ غير واعدين بإعطاء مدن، ولا كميات كثيرة من الحبوب، ولا عبيد، ولا ذهب؛ بل ملكوت السماوات، والحياة الأبديّة، والاجتماع إلى المسيح، والصالحات الأخرى، التي لا نستطيع أن نخبركم بها، طالما نحن لا نزال في هذا الجسد، والحياة الحاليّة. إذاً نحن سفراء، ونودّ أن نتمتّع بالشرف، ليس من أجل مصلحتنا الخاصّة، لا سمح الله، لأنّنا نعرف عدم جدواها؛ بل من أجلكم، لكي تسمعوا بجدّية ما نقوله، حتّى تنتفعوا، لكي لا تحضروا للإستماع إلى ما يقال بعدم اكتراث أو لامبالاة. ألا ترون سفراء، وكيف يبجّلهم الجميع؟ نحن سفراء الله إلى الناس. لكن، إن كنت منزعجًا، فمن رئاسة الأسقفيّة، وليس منّا، وليس من هذا الإنسان أو ذاك، بل من الأسقف. لا يَسمعني أحدٌ إلا الكرامة. لنعمل كل شيء إذًا وِفقًا لإرادة الله، حتّى نعيش لمجد الله، ونُحسَب مستحقين الخيرات التي وعد بها أولئك الذين يحبّونه، من خلال النعمة والمحبة، إلخ.ـ

Source. Translated by John A. Broadus. From Nicene and Post-Nicene Fathers, First Series, Vol. 13. Edited by Philip Schaff. (Buffalo, NY: Christian Literature Publishing Co., 1889.) <https://ccel.org/ccel/schaff/npnf113.iv.iv.iii.html> .Revised and edited for New Advent by Kevin Knight. <http://www.newadvent.org/fathers/230303.htm>.