في التحوّل إلى الأرثوذكسية والاستمرار فيها – 1

في التحوّل إلى الأرثوذكسية والاستمرار فيها – 1

كاهن إنكليزي من كنيسة القسطنطينية في بريطانيا

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

مدخل

نسمع بعض الأشخاص يتحدّثون عن كيف انضمّوا إلى الكنيسة الأرثوذكسية. ومع أنّ كل هذه الروايات مثيرة للاهتمام وقد تكون استثنائية، إلا إني أظنّ أن القصص عن كيف استمرّ الناس أرثوذكسيين مخلِصين بالرغم من التجارب قد تكون أكثر نفعاً. كما يرد في الإنجيل: “بصبركم تقتنون نفوسكم”. إلى هذا، لم أعنوِن هذا الحديث “الانضمام إلى الكنيسة الأرثوذكسية” بل “التحوّل إلى الأرثوذكسية” وهو أمر يدور بمجمله حول التغييرات الداخلية. أمّا الحفاظ على الأرثوذكسية والاستمرار فيها فهو أمر أكثر أهمية، وقد خصّصتُ له من الوقت ثلاثة أضعاف ما خصصت لموضوع الانضمام إلى الأرثوذكسية.

التحوّل إلى الأرثوذكسية

التحوّل والاندماج

لنحدد تعابيرَنا بالحديث عن بعض الكلمات التي تُستَعمَل في هذا الإطار. أولاً، هناك عبارة “مولود أرثوذكسي”، وهي عبارة لا نفع لها. لا يوجد إنسان يولَد أرثوذكسياً. كلّنا نولَد وثنيين. لهذا نحن نطرد الشياطين من ثمّ نعمّد. عبارة “مولود في عائلة أرثوذكسية” مقبولة أكثر من غيرها. من المثير للاهتمام أن الأشخاص الذين يستعملون عبارة “مولود أرثوذكسي” إذ يتنازلون يسمّون أبناء “المتحوّلين (converts)” متحوّلين. مع أن الحقيقة بحسب لغتهم الخاطئة، أبناء المتحوّلين هو “مولودون أرثوذكس”.
من ثمّ هناك كلمة “متحوّل”. عندما يقول البعض انّهم متحوّلون، أبادر إلى سؤالهم: “متحوّلون إلى ماذا؟ الفولكلور اليوناني؟ الطعام الروسي؟ الفريسية؟ الحنين إلى أنكليكانيّة أو كثلكة قديمة؟ إلى هواية التوفيقية؟ صحيح، بمعنى ما، نحن كلّنا متحوّلون دائماً لأن علينا أن نتحوّل إلى المسيح بشكل ثابت. هذا هو معنى المزمور الخمسين. النبي داود تحوّل أيضاً، تجدّد، بعد خطيئته العظيمة. للأسف، إن كلمة “متحوّل” تُستَعمَل غالباً بمعناها الدهري وليس بالمعنى الروحي.
أرجو لو أنّ الناس عندما يسمّون أنفسهم متحوّلين، أن يعنوا التحوّل إلى المسيحية (وهي المعنى الصحيح لكلمة أرثوذكسية). كما أرجو لو أنّّهم عندما يتكلّمون عن كونهم متحوّلين أن يعنوا أنّهم استُقبِلوا في الكنيسة مؤخّراً. من المحزن أنني مرغَم على الاعتراف بأن الوضع خلاف ذلك. لقد التقيتُ عبر السنوات بأشخاص قد انضمّوا إلى الكنيسة الأرثوذكسية قبل عشر سنوات، أو عشرين أو ثلاثين أو أكثر، وما زالوا متحوّلين، وهم حتّى يسمّون أنفسهم كذلك، ومنهم بعض الكهنة الذين سيموا مبتسرين.
هذا أمر فوق طاقتي، لأنه يعني أنّهم، بعد قضاء سنوات في عضوية الكنيسة الأرثوذكسية، لم يصيروا بعد أرثوذكساً، ما زالوا غير مدموجين في الكنيسة، لم ينموا بعد طبيعياً إلى الأرثوذكسية، وما زالوا لا يملكون طريقة أرثوذكسية للحياة، لم يكتسبوا بعد هذا الشعور الغريزي بالأرثوذكسية، الذي يعني أنّ الأرثوذكسية هي بيتهم الروحي وأنّها في عظامهم ودمهم وأنّهم يتنفسونها لأنّ نفوسهم أرثوذكسية. إنّهم يعانون من مرض “التحوّل” الروحي. ما زالوا مبتدئين، لم ينجزوا إلا ما أرادهم الشيطان أن ينجزوا، أي أن يكونوا غير كاملين.
قد يكون هناك الكثير من الأسباب لحالة التحوّل المَرَضي، منها أن البعض انضمّوا إلى الكنيسة الأرثوذكسية من غير أن يكون عندهم رعية، أقلّه باللغة التي يفهمونها. مثلاً، التقيت أشخاصاً أرثوذكسيين منذ أربعين عاماً لكنهم لم يشاركوا يوماً بخدمة الفصح بلغتهم، أعرف غيرهم أرثوذكسيين منذ خمس سنوات ولم يحضروا صلاة الفصح أبداً لأن لرعاياهم عشر قداديس سنوياً تُقام صباح السبت! التقيتُ مؤمنين انضموا إلى الأرثوذكسية منذ ستين عاماً ولم يعرفوا يوماً صلاة الغروب! بتعبير آخر، هؤلاء الناس لم يُعطوا الفرصة ليتعلّموا ويندمجوا. للأسف، هناك أسباب أخرى كثيرة لعدم اندماج الناس في حياة الكنيسة.

أسباب التحوّل

من حيث المبدأ، على الكهنة ألاّ يستقبلوا في الكنيسة الأرثوذكسية إلا لأسباب إيجابية، إذ هناك مَن يرغبون بالانضمام إليها لأسباب سلبية، كمثل نكاية طائفة ما أو إكليريكي ما. هذا نفساني وليس لاهوتياً، وبالتالي ليس صحياً ولا هو من الطب النفسي الأرثوذكسي.
أذكر أنّ في السبعينات، رفض الأسقف كاليستوس (وير) أن يكتب كتاباً عن هرطقات الأنكليكانية، نزولاً عند طلب بعض الأنكليكان السابقين. فهم لم يفهموا أن حافزهم للتحوّل كان مشاكلهم النفسية وردة فعلهم التي كانوا يخفونها خلف حماستهم العاطفية. رفض الأسقف أن يكتب هذا الكتاب الذي لم يكن يهمّ أياً من الأرثوذكسيين ما عدا المتحوّلين من الأنكليكانية.
عادةً، يستطيع الكاهن أن يعرف ما إذا كانت حوافز البعض للانضمام إلى الكنيسة سلبية، عن طريق مراقبة ما إذا كانوا يأتون إلى الخدم الكنسية. عادةً، الأشخاص الفائقو الحماسة الذين يحبون القراءة عن الإيمان أو التكلّم عنه أينما كانوا، هم مَن يتغيّبون عن الخدم. حماستهم فقط في رؤوسهم أو في عواطفهم، وليست في قلوبهم ونفوسهم وبالتالي ليست في حياتهم وممارستهم. من ثمّ هناك مَن شدّتهم الكنيسة عندما اكتشفوها في إحدى العطَل السنوية. هؤلاء اسمهم “ارثوذكس العطلة”. انشدادهم غالباً ما لا يكون للمسيح بل لحضارة غريبة دخيلة. فإذ تكون حياتهم مملّة، تعطيهم الأرثوذكسية شيئاً ما يحلمون به، عادةً ما يكون عطلتهم التالية في اليونان أو غيرها. مجدداً، يمكن للكاهن أن يجد بسهولة إذا ما كان اهتمامهم جدياً من خلال مراقبة مجيئهم إلى الخدم. بالإجمال، هم يتغيّبون لأنهم ليسوا في عطلة. للأسف، بعض هؤلاء استُقبِلوا في الكنيسة على يد كهنة من غير تمييز، سواء في رومانيا، روسيا، اليونان، قبرص، جبل أثوس أو غيرها. لكونهم لا يعرفون شيئاً عن الأرثوذكسية، على الكهنة فعليكَ أن تشرح لهم أنّهم، بالرغم من كونهم أعضاء في الكنيسة، إلا أنّهم لم يصيروا أرثوذكسيين بالفعل. غالباً، في مختلف الحالات، هؤلاء الأشخاص يتّصلون بالكنيسة لكنهم لا يأتون إليها بل يرتدّون قبل ذلك.
من ثمّ، هناك أشخاص يأتون مع برنامجهم الخاص، لكونهم قرأوا كلّ الكتب التي تحت الشمس لكنهم ما زالوا دون حرف الألف في الأبجدية المسيحية. فهم يأتون مع طلبات يرغبون بفرضِها! “نعم أريد أن أنضمّ إلى الكنيسة الأرثوذكسية، لكن بشرط أن تُصلَح وتتجدد”، “نعم، هذا جيد، ولكن أريد أن أضيف بعض الترانيم الغربية قبل القانون!”، أو “أنضمّ إلى الكنيسة الأرثوذكسية لو أنّ فصحها مثل فصح عمّتي سوزي الميثودية” أو “كلّ شيء كامل ما عدا أنكم تستعملون الكثير من الشموع. تخلّوا عن الشموع فأنضمّ إلى الكنيسة الأرثوذكسية”، “أكون أرثوذكسياً فقط إذا علّقتم أيقونة فرنسيس الأسيزي”، “أنضمّ إلى الكنيسة الأرثوذكسية شرط أن يصوّت الكلّ لحزب العمل الجديد ويذهبون إلى توسكاني لقضاء عطلة الصيف”. هذه ربما أمثلة متطرفة لكنها حقيقية. كلّها أمثلة عن نقص التواضع. لا ينبغي بأي كاهن أن يقبل هؤلاء الأشخاص، لسبب بسيط هو أنّهم لا يحبّون الكنيسة وسيدها المسيح ويقبلونهما.
هناك معيار واحد لدخول الكنيسة الأرثوذكسية وهو اقتناعك بأن هذا الأمر هو لخلاصك الذاتي، لبقائك الروحي، لأن هذه إرادة الله لك، لأنك تعرف أن هذا هو بيتك الروحي وأنّ مهما كان الثمن لا يمكنك أن تكون أيّ شيء آخر.

يتبع

ما هي السعادة؟

ما هي السعادة؟

نقلها إلى العربية بتصرّف الأب أنطوان ملكي

يتمنى الناس السعادةَ لبعضهم البعض، في مناسبات مختلفة كمثل رأس السنة، لكن ما هي السعادة؟ كيف يمكن تحديدها؟ مفهوم الإنسان المعاصر للسعادة لم يتغيّر منذ الأزمنة الأولى، أي أن السعادة هي في إحراز المزيد من الأشياء المادية والتعاسة هي عندما تأخذ مني ما أملك.
حتى ولو وضعنا جانباً أخلاقية هذا المفهوم، يبقى العيب في جوهره لأن السعادة لا يحملها تكديس الممتلكات أو السلطة أو الصيت أو الملذات. الأشياء المادية عاجزة عن حمل السعادة الحقيقية، وهي لا تحمل إلا الحياة المملّة (taedium vitae) التي من بعدها يغمر الإحباط الإنسانَ بشكل يفوق ما قبلها. من المثير للاهتمام أن نشير إلى أن كلمة “سعادة” (“تيخي” في اليونانية القديمة) نادراً ما تَرِد في العهد القديم الكتاب المقدس، دون أن تَرِد أيّ مرّة في العهد الجديد. التعبير واسع جداً وغير دقيق. والكلمة بحد ذاتها لا معنى لها. بالمقابل، يستعمل الكتاب المقدس عبارة أكثر وضوحاً وتحديداً: “الفرح” (“خارا” في اليونانية القديمة) التي تشكّل السعادة إحدى مكوناتها.
يقول السيد المسيح عن الفرح: “لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ”. وهو أيضاً يشير إلى مصدر هذا الفرح: “إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي، كَمَا أَنِّي أَنَا قَدْ حَفِظْتُ وَصَايَا أَبِي وَأَثْبُتُ فِي مَحَبَّتِهِ” (يوحنا 10:15و11). هنا يكمن الجواب على السؤال الذي منذ الدهور. السعادة الحقيقية، الفرح الحقيقي هو أن نحب الله ونكون معه. هذا ما يؤكّده الرسول بولس بشكل كامل في قوله: “لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ” (روما 17:14). ويضيف يوحنا: ”…ولاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ” (يوحنا 22:16)، ما يعني لا شيء ولا لا أحد، لا العذاب ولا الحرمان ولا الاضطهاد ولا حتّى الموت.
هذا الكلام يفهمه جيداً الذين وجدوا حلاً مع أنفسهم لمسألة البشرية القديمة، والذين وجدوا السعادة: القديسون والذين أرضوا الله في الماضي والحاضر. مع هذا، فإن سلوكهم يحيّر الآخرين. لم يستطع الرومان القدماء أن يفهموا سبب فرح المسيحيين. الوثنيون المعاصرون، وأغلبهم يظنون أنّهم ويسمّون أنفسهم مسيحيين، يسألون السؤال نفسه. تنتشر فكرة عامة عاطفية رومانسية ذات منشأ أوروبي غربي، وهي تُقَدَّم كجواب على هذا السؤال: وهي أنّ في العالم القديم كان للناس فهم محدود لما يجري بعد الموت فكانوا يخافونه، وقد حمل المسيحيون فكرة أن الناس يعيشون بعد الموت وأنّ المسيح قد خلّص الجميع وغفر للجميع ووعدهم بالحياة الأبدية والسعادة في الملكوت، ولهذا السبب كان المسيحيون شديدي الفرح. هذه الفكرة، شائعة بشكل أو بآخر، لكنها تفتقد للدقة بشكل كامل.
بالحقيقة، لم يَعِد المسيح أبداً بالبركة في الملكوت. غالباً ما يورِد تحذيرات مرعِبة: “… هناك يكون البكاء وصرير الأسنان… اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِه” (متى 51:24)، “يمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَاب أَبَدِيٍّ…” (متى 46:25). إلى هذا، الرسول بطرس في كلامه عن خطر العذاب الأبدي الرهيب يذكّرنا بأنّه حتّى الأبرار بالكاد يخلصّّون أنفسهم، وأنّ هذا لا يكون للفجّار والخطأة” (1بطرس 18:4).
فكرة أخرى ذات منشأ بروتستانتي وهي تنتشر بين المسيحيين المتحررين مفادها أنّ المفهوم التعيس عن الحياة بعد الموت وصعوبة الخلاص هو نتاج مرحلة متأخّرة متأثّرة “بالرهبان والنساك الكئيبين العادمي الفرح”، وأنّ في ما قبل ذلك، كان يسيطر على المسيحية “مزاج مبتهج وفهم بأنّ خلاص الإنسان يأتي فقط من لإيمانه بالمسيح”. إن أصحاب هذا المعتَقَد يخترعون لأنفسهم نسختهم من المسيحية لا أساس لها ولا برهان، لا في الإنجيل ولا في الرسائل، ولا في التاريخ المسيحي.
على سبيل المثال، اقرؤوا كتاب “الراعي” لهرماس، وهو كاتب من القرن المسيحي الأول، وسوف ترون كم كان مسيحيو تلك الفترة متطلّبين في ما يختصّ بالخلاص وكما كان فهمهم واضحاً بأن أصغر إشارات العمل غير الأخلاقي تضع الإنسان في خطر الموت الأبدي. كُتِب هذا الكتاب متأثّراً بالكلمات المرعِبة في ما ترنمه الكنيسة عن أن آلام الخاطئ لا تُحصى. وهذا كان ينطبق أيضاً على نقاوة الإيمان والإخلاص للكنيسة.
من هنا، أن وجهة النظر المسيحية قد تبدو أقل إشراقاً بكثير من تلك الوثنية. إن لدى الوثنيين “مملكة من الظلال” بعد الموت، غير محددة بوضوح، ويمكن للإنسان أن يشكّل عنها الكثير من تصورات المختلفة. عند أحد الأطراف، توجد “الحقول الفردوستية (Elysian)” كمملكة يسهل دخولها. وعند الطرف المظلم يوجد مفهوم العدم والدمار الكامل بعد الموت. بحسب سقراط “بما أني لم أتألّم قبل ظهوري على هذه الأرض، يعني أني لن أتألّم عندما أتركها”. إذا قارنا هذا بالصورة المرعبة للعذاب الأبدي والجحيم فسوف نرى أن النظرة المتحررة عن أسباب فرح المسيحيين الأوائل هي غير صحيحة بشكل جوهري. فبرغم ذلك، الفرح المسيحي كان موجوداً وما يزال، وهو يلمَع في كل سطر من سطور سيَر الشهداء والمجاهدين، ويتوهّج في حياة الرهبان والعائلات المسيحية. بالحقيقة، وحده الفرح المسيحي يستحق هذا الاسم. وبقدر ما يكون الإنسان روحياً يكون فرحه أكثر وضوحاً وكمالاً. هذا الفرح، هذه النظرة الزاهية إلى العالم لم يترك المسيحيين الأوائل، حتّى خلال العذاب وعند باب الموت.
ما هو إذاً مصدر هذا الفرح؟ الجواب بالطبع هو الإيمان. لكن ليس كما يفهمه البروتستانت. ليس إيمان شكلياً لا حياة فيه بلا جهاد روحي بطولي (فالشياطين تؤمن وتقشعر)، بل بالأحرى هو إيمان منعِش فاعل يعيش في قلب نقي مستدفئاً بنعمة الله، إيمان متوهّج بمحبة الله ورجاء مدعِّم فيه. يقول أحد الكتّاب المسيحيين المعاصرين أنّه لا يكفي أن نؤمن بالله بل يجب أن نصدّقه أيضاً. كلمات الطِلبة “لنودِع ذواتنا وبعضنا بعضاً وكل حياتنا للمسيح الإله” تصف الإيمان المسيحي بشكل صحيح. إنها إيداع كامل واثق بنوي للذات بين يدي الله. هذا هو ما يفتح، الآن كما في الماضي، أبواب السعادة الحقيقية. إذا وثق المسيحي بالله يكون مستعداً لتقبّل أيّ شيء منه: الملكوت أو الجحيم، الآلام أو التعزية، لأنّه يعرف أنّ الله حسن بشكل لامتناهٍ. إنّه يعاقبنا لخيرنا. إنّه يحبنا كثيراً حتّى أنّه مستعد أن ينقل السماء والأرض ليخلّصنا. إنه لا يخدعنا، ولا لأي سبب، وسوف يخلصنا بأي شكل. يعبّر القديس أوغسطين عن ذلك بالقول: “الملاذ الوحيد من غضب الله هو عطفه”.
مع هذا النوع من الفهم، يسكن الفرح والنور بشكل راسخ في قلب المسيحي، ولا يبقى مكان للغمّ. العالم، هذا الكون غير المحدود، هو لله إلهي. ما من حَدَث، من الأصغر إلى الأعظم، ممكن أن يتمّ من دون إرادته، وهو يحبني بشكل لامتناهٍ. حتّآ هنا على الأرض، هو يسمح لي بدخول ملكوته، كنيسته المقدسة. هو لن يطردني أبداً من ملكوته طالماً أنا مخلص له. فوق هذا، إذا سقطتُ يرفعني ما أن أدرك خطيئتي وأذرف دموع التوبة. لهذا أنا أثق بأن خلاصي وخلاص كل الناس، ليس فقط مَن أحب، هو في يدي الله.
الموت لا يُرعِب، فقد غلبه المسيح. الجحيم والعذاب الأبدي ينتظران أولئك الذين بوعي وبإرادة حرّة تحوّلوا عن الله، الذين يفضّلون ظلام الخطيئة على نور محبته. الفرح والبركة الأبدية ينتظران المؤمنين “مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ” (1كورنثوس 9:2). فليساعدنا الله الكلي الرحمة على بلوغ الثقة الكاملة به. وليجددنا نحن الضارعين إليه!

حول الاعتراف والأب الروحيّ – الأب بايسيوس الآثوسي

حول الاعتراف والأب الروحيّ

الأب بايسيوس الآثوسي

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع – دده، الكورة

 

سؤال: هل ينعم بالراحة الداخليّة مَن لا يعترف؟

الجواب: كيف يكون مرتاحاً؟ لكي يشعر الإنسان بالراحة التامة يجب أن يطرد من داخله كلّ سوء وهذا لا يتم إلاّ بالاعتراف. يفتح قلبه لأبيه الروحيّ ويقرّ بذنوبه وزلاّته باتضاع، فتُفتح أمامه أبواب السماء، لتحلّ نعمة الله عليه بغزارة، ويتحرّر من وقر خطاياه.
كما يهتمّ الإنسان المريض أن يكون دوماً على اتصال وثيق بالطبيب، هكذا على من يريد أن يكون ذا صحة روحيّة سليمة أن يكون دوماً على اتصال ويثق بأبيه الروحيّ.
مهما كان الإنسان ذا مستوى روحيّ سامٍ، ومهما استطاع أن ينظّم أموره الروحيّة بنفسه، لا يستطيع أن يجد راحة تامّة إلاّ باللجوء من وقت لآخر إلى الاعتراف، لأنّ الله يشاء أن يصلح الإنسانَ إنسانٌ آخر مثله. إنّه تدبير إلهيّ يقود الإنسان إلى الإتضاع.
لا يثمر الإنسان الروحيّ ثماراً روحيّة إلاّ بالاعتراف الصحيح، لأنّه بواسطته يطرد من نفسه كلّ ما هو غير مفيد.
من ضروريّات الحياة اليوم أن يلجأ المرء إلى أب روحيّ لكي يعترف ويجد إرشاداً. يجب على الآباء الروحيّين أن يضعوا لأبنائهم برنامج حياة روحيّة من صلاة ومطالعة ومداومة على حضور الخدم الكنسيّة ومناولة الأسرار المقدّسة، لأنّهم بهذا يحفظون أولادهم الروحيّين من الضياع، وهؤلاء يحيون حياة مطمئنّة دون قلق أو خوف.
من ليس له أبٌ ليرشده في مسيرته الروحيّة يعش قلقاً تعِباً، وبصعوبة يصل إلى هدفه المنشود. وإن أراد حلّ مشاكله بنفسه، فإنّه، مهما كان متعلِّماً، فإنَ روح الكبرياء والاعتداد بالذات هي التي تحرّكه لذلك يبقى في تخبّط وظلام. وأمّا من يقصد أباً، بروح التواضع ونكران الذات، ليسأل نصحاً وإرشاداً يُساعَد، لأنّ الله سوف يمنح الأب الروحيّ، بدون شكّ، البصيرة ليعطيه الجواب والحلّ الملائمين.
من الأفضل جدّاً أن يكون للزوجين أب روحيّ واحد. لأنّه باختلاف الآباء تختلف أيضاً الآراء، وقد يخلق هذا جوّاً من التوتر بين الطرفين. وأمّا الأب الواحد فإنّه يعرفهما كليهما ويصلح أخطاءهما، فتحفظ بهذا دفّة حياتهما مسيرها بدقّة وبشكل صحيح.
من لا يقبل ملاحظات أبيه الذي يحبّه فإنّه، من الواضح، لا يستطيع أن يفيد نفسه بنفسه مهما كان حاذقاً.
إن لم ننظّف أنفسنا بواسطة الاعتراف، عندما نتمرّغ في أوساخ الخطيئة، فإنّنا نضيف إلى طيننا طيناً آخر، وعندئذ، تصعب عمليّة التنظيف وتتعذر جداً.
عندما يكون الأب الروحيّ مستنيراً يفهم ويميّز الحالات بعضها من بعض، ويمنح النصائح والإرشادات كما تقتضي كلّ حالة. لا يحتاج المرء إلى ساعات طوال وإلى كلام كثير لكي يعطي صورة واضحة عن نفسه إن كان ضميره حيّاً ويعمل بشكل صحيح. ولكن إن كان داخله مشحوناً بالقلق، فإنّه لو تكلّم ساعات فلن يعطي الصورة الواضحة عن نفسه.
عندما نخطأ إلى إنسان ما علينا أن نطلب منه المسامحة ونصطلح معه قبل توجّهنا إلى الاعتراف للإقرار بذنبنا، لأنّه بهذا فقط تحلّ علينا نعمة الله. أمّا إذا اعترفنا بخطايانا دون أن نكون قد اصطلحنا مسبقاً مع أخينا فلن نجد السلام الحقيقيّ لأنّنا لم نتّضع.

سؤال: لماذا لا يشعر المرء، وهو يعترف، بنفس الألم عندما يقترف الخطيئة؟

الجواب: قد يكون قد مرّ زمن طويل على اقتراف الخطيئة، واندمل الجرح ونسينا خطيئتنا. أو يكون الإنسان قد برّر نفسه أثناء الاعتراف. لذلك أشير عليك أن أسرعْ إلى الاعتراف ولا تؤجل واحذر أن لا تبرّر ذاتك مطلقاً، لأنّ من يعترف ويبرّر ذاته لا يلقى الراحة الداخليّة عكس من يؤثّم نفسه ويلومها، فإنّه يشعر بغبطة داخليّة كبيرة بسبب ضميره الحيّ.
كلّ أب روحيّ لا يكون مستعداً أن يذهب إلى الجحيم، إن اقتضى الأمر، محبّة بخلاص أبنائه الروحيّين لا يسمّى أباً روحيّاً.
بالاعتراف الصحيح يُمحى كلّ الماضي، وينفتح باب جديد للحياة، وتحلّ نعمة الله لتغيّر الإنسان بجملته، ويختفي الاضطراب والحزن ويحلّ الهدوء والسلام، ليس داخليّاً فقط بل وخارجيّاً أيضاً إذ ينعكس سلامه على تصرّفاته وسكناته. لقد أشرت مرّة على البعض بأن يلتقطوا لأنفسهم صوراً فوتوغرافيّة قبل الاعتراف وبعده ليروا بأنفسهم التغيّر الحاصل على ملامحهم، لأنّ الوجه يعكس حالة الإنسان الداخليّة. نعم إنّ أسرار الكنيسة تصنع العجائب، فكلّما اقترب الإنسان من يسوع المسيح الإله والإنسان كلّما تألّه وشعّ بالنعمة الإلهيّة.
إن أراد أحد أن يعيش حياة روحيّة حارّة تحت إرشاد أب روحيّ مختبَر سيذوق طعم الفرح العلويّ، الروحيّ، السماويّ، ولا يعد يهتمّ في ما بعد بالأمور الأرضيّة، الماديّة، الجسديّة.

من أقوال الأب بورفيريوس الرائيّ

من أقوال الأب بورفيريوس الرائيّ

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع – دده، الكورة

* جابه كلّ الأمور بمحبّة، بطيبة، بوداعة، بصبر وتواضع. كن دوماً كالصخر الذي يمرّ فوقه الموج ثمّ يعود ثانية من حيث أتى. كن ثابتاً غير متزعزع. قد تتساءل هل هذا ممكن يا أبانا؟! نعم بنعمة الله هذا ممكن. أمّا إذا جابهنا الأمور بقوانا البشريّة، طبعاً سيكون هذا غير ممكن.
* لا تتّخذ موقفاً معادياً ضدّ من يجدّف على الله. أبغض أقوالهم وأفعالهم. وأمّا هم فأحبّهم كبشر ضعفاء وصلّ من أجلهم.
* أحبب الجميع وخاصّة أولئك الذين يسبّبون لك المتاعب. أظهرْ لهم المحبّة بكلّ بساطة دون أن يشعروا بأنّك تتغصّب لتحبّهم أو لتتحمّلهم.
* التذمّر على الآخرين يؤذي نفسك بالدرجة الأولى، لأنّه لا يدعك تصلّي بارتياح. والروح القدس لا يقترب أبداً من نفس متذمرة ولا يسكن فيها.
* أيّها المسيح أنت حبّي. أنا لا أفكّر بالموت. أنا أودّ أن أفكّر فقط بالمسيح. افتحوا أيديكم وارتموا في أحضان المسيح، وعندئذ سوف يحيا هو داخلكم. ازدروا الأهواء ولا تهتمّوا للشيطان. التفتوا فقط نحو المسيح. ولكي يتمّ هذا اطلبوا أوّلاً نعمته.
* وجّهوا أذهانكم دوماً نحو العلاء، نحو المسيح. اعملوا مع المسيح، عيشوا مع المسيح، تنفّسوا المسيح، تألّموا مع المسيح وافرحوا أيضاً معه. ليكن المسيح كلّ شيء بالنسبة إليكم. المسيح هو عروس نفوسكم، هو أبوكم، هو كلّ شيء. لا يوجد أمر أسمى في هذه الحياة من محبّة المسيح. المسيح كلّه فرح، كلّه غبطة. النفس السكرى بمحبّة المسيح هي دوماً فرحة وسعيدة مهما واجهت من أتعاب وبذلت من تضحيات.
* نحن سعداء بقدر ما نحبّ كلّ البشر، وعندئذ سوف نشعر بأنّ الكلّ أيضاً يبادلوننا الحبّ. لا يستطيع أحد أن يصل إلى الله إن لم يمرّ أوّلاً بالبشر.
* لا يستطيع المسيح أن يحبّنا إن لم نكن نحن أهلاً لهذه المحبّة. لكي يحبّنا المسيح يجب أن يرى داخلنا شيئاً مميّزاً. هيّئ نفسك دوماً لاكتساب ما يحبّ المسيح أن تملكه داخلك. وما هو هذا الشيء؟ إنّه التواضع. إن لم نملك التواضع لا نستطيع أن نحبّ المسيح.
* لا يستطيع أحد أن يعلّمك الصلاة، لا الكتب ولا الأب الروحيّ ولا أحد. الأستاذ الوحيد للصلاة هو النعمة الإلهيّة. فقط الروح القدس هو الذي يعلِّم الصلاة. إن لم تدخل في جو النعمة لا تستطيع أن تصلّي.
* لا تنشغلوا باقتلاع أشواك نفوسكم، بل وجّهوا كلّ قواكم الداخليّة نحو عمل الصلاح، نحو المسيح، والأشواك سوف تنقلع من نفسها. (هنا يريدنا الأب القدّيس أن نوجّه جهادنا نحو الإيجابيّات لا نحو السلبيّات).
* إنّ طريقة الجهاد الأكثر ضمانة وسهولة هي طريق المحبّة. لا ترهقوا أنفسكم بطرد الظلام منها. يكفي أن تفتحوا ثقباً صغيراً داخلكم ليدخل نور المسيح، فيتلاشى الظلام حالاً. وهذا ما يحصل مع ضعفاتنا وأهوائنا، ازدروها واحتقروا الشرّ، والتفتوا فقط نحو المسيح. جاهدوا ببساطة وبدون عصبيّة أو تشنّج. وجّهوا كلّ قواكم إلى اقتناء محبّة المسيح وإلى الالتصاق به، وهكذا يتحوّل الشرّ في داخلكم خيراً بشكل سرّيّ دون أن تعلموا كيف وحتى دون أن تتعبوا. اقرأوا الكتب المقدّسة، رتّلوا ورنّموا المزامير وقوانين الكتب الكنسيّة، وهكذا يتّجه الفكر، تلقائيّاً، نحو المسيح، وتحلّ الحلاوة الإلهيّة في القلب.

العطش إلى الله

العطش إلى الله

الخورية سميرة عوض ملكي

(عن نشرة الكرمة)

 

      لقد غدا هذا العالم بريّة قاحلة جرداء. إنّه يعجّ بالناس، والناس يزحمون بعضهم بعضًا، لكنّهم كالخيالات لا يلتفت واحدهم إلى الآخر، ولا يشعر أحدهم أنّ بقربه آخر. فالأنانيّة تزداد والصداقات تتفتت وينابيع ماء الحياة جفّت وأصبح هذا العالم لا يقدّم إلاّ بحاراً من المياه المالحة، أيّ الملذّات. لقد بتنا، كما يقول داود النبي نسلك “في أرضٍ غير مسلوكة وعادمة الماء”، لأنّ الله الذي هو ينبوع الماء الحيّ بات غريبًا في هذا العالم الذي نحيا فيه.
      لعلّ من أجمل الرسومات الرمزيّة المسيحية القديمة هي صورة الأيائل المسرِعَة إلى نبع المياه. ويعبّر عنها النبي داود بقوله: “كما يشتاق الأيل إلى مجاري المياه، كذلك تشتاق نفسي إليك يا الله” (مزمور 1:42). ويقول القديس أثناسيوس إنّ هذه الصلاة ليست لظرفٍ كظرف داود فقط، وإنّما هي صلاة كلّ قلب عطشان إلى الله وإلى نعمته في مختلف ظروف الحياة.
      إنّ العطش يعبّر عن لهيب داخلي. وهو أشدّ الأحاسيس قوّة. وعندما تشتدّ الأحاسيس النفسيّة كثيراً تنعكس على الجسد، ولهذا يصرخ داود في مكان آخر قائلاً: “عطشت إليك نفسي، بكم نوع تاق إليك جسدي”. هذا يعني أنّ حبّ الله إذ يتمكّن بالإنسان فإنّه يسري حتّى في عظمه ولحمه. فعلى الكيان أن يطلب الله. لذا، الإنسان المؤمن لا يشتاق وحسب بل يعطش أيضاً وعليه أن يطفئ لهيبه. فإرواء هذا الظمأ وإطفاء هذا اللهيب ممكنان في الله وحده لأنّه هو المنادي للجميع قائلاً: “مَن كان عطشانًا فليأتِ إليّ ويشرب” (يوحنا 37:7).
      إنّ كلّ ما يُترَك طويلاً تحت أشعة الشمس يحمى كثيراً، والأمر ينطبق على النفس أيضاً. فإن تعرّضت النفس لأشعّة ذكر الله ستزداد حرارةً وتوقّدًا بنار من غيرِ هذه الدنيا. حينئذ تتأجّج، بل تتوهّج لهيبًا. وهذا ما يعلّمنا إيّاه آباؤنا القدّيسون، أي أن يكون الله لهجَنا.
      وأخيرًا، الكلّ يعيش في عدم الرضى، فما معنى عدم الرضى هذا؟ هذا يعني أنّه ليس في المخلوق ما يمكِنه أن يشبِع الروح. فالروح من الله، وإلى الله تسعى، وبه تعالى تلتمس أن تأنَس، وإذا استقرّت في شركة حيّة معه وعلى علاقة حيّة به، كانت مرتاحة إليه. وهذا ما تعبّر عنه العبارة الشهيرة: “يا ربّ خلقتَنا متّجهين إليك ولن نرتاح إلاّ بك”.