Monthly Archives: January 2017

السنة الثالثة عشرة، العدد الثالث، كانون الأول2016

السنة الثالثة عشرة، العدد الثالث، كانون الأول2016

مختارات آبائية

القديس نيقولا فيليميروفيتش، ينبغي تربية الأولاد ليبقوا مخلِصين إلى النهاية

خريستوذولوس رئيس أساقفة اليونان، رسالة الميلاد

رعائيات

رئيس الدير غريغوريوس زاينيس، الأرشمندريت صوفروني حول علم النفس: الخلفية

الأب أندريه شيزانكو، لمَ ينبغي أن لا تكون القراءة في الكنيسة عاطفية؟

فيلاريت ميتروبوليت أميركا الشرقية ونيويورك، نمو الأطفال العاطفي وعلى الرجاء المسيحي

من ارتدادات اجتماع كريت

لاهوت

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس، علم اللاهوت ومعاينة الله

دراسات كتابية

ماريا قبارة، دليل الأعلام في الكتاب المقدّس: الملوك الأوائل

كمال كدر، لماذا تبكي راحيل أطفال بيت لحم الذين قتلهم هيرودوس؟

ينبغي تربية الأولاد ليبقوا مخلِصين إلى النهاية

ينبغي تربية الأولاد ليبقوا مخلِصين إلى النهاية: مثال أم القديس إكليمندس الأنقري

القديس نيقولا فيليميروفيتش

نقلتها إلى العربية أمل قرة

في أيامنا هذه، كثيراً ما تسمع من الأهل هذه الكلمات: “نريد أن نضمن حياة أولادناهذا ما يجعلهم يعملون بجدية لجمع الثروات، غالباً وبطريقة غير عادلة، لتعليم أبنائهم ما يدعى مهنةتحقق لهم أفضل أشكال الضمانة الجسدية والدخل المادي. يحدث هذا عند من يُدعَون مسيحيين! وذلك لأن مفهومهم عن الحياة الحقيقية والضمانة الحقيقية هو مفهوم خاطئ. هنا نرى كيف تُعد الأم المسيحية الحقيقية ابنها للحياة الحقيقية، فتقول المباركة آفروسيني لابنها إكليمندس الأنقري في ساعة وفاتها (٢٣ كانون الثاني):

شرّفني يا بنيّ وناصر المسيح بشجاعة، واعترف به بثبات ومن دون تردد. أتمنى في قلبي أن يزهر إكليل الشهادة على رأسك لفخري ولخلاص كثيرين. لا تخف من التهديدات، ولا السيوف، ولا الآلام، ولا الجروح، ولا النار. لا تدع شيء يفصلك عن المسيح، إنما تطلّع إلى السماء ومن هناك توقّع مكافأتك العظيمة والثمينة والأبدية من الله. اخشَ عظمة الله، خفْ من حكمه الرهيب، وارتعش أمام عينه الناظرة الكل، ﻷن أولئك الذين ينكرونه سيلقون عذاب النار الأبدية والدود الذي لا ينام.

فلتكن هذه مكافأتي منك، يا ابني الحبيب، بعد ألمي في ولادتك وتعبي في تعليمك: أن تجوز تسميتي أم شهيد. لا تبخل بالدماء التي أخذتها مني. بل اسفكها كذلك، فمنها أنا أيضاً أنال الشرف. قدم جسدك للعذابات فبها أنا أيضاً قد أفرح أمام ربنا كما لو أني أنا نفسي عانيت من أجله“.

رسالة الميلاد

رسالة الميلاد

خريستوذولوس رئيس أساقفة اليونان *

أبنائي المحبوبون

اليوم ولد لكم مخلص. هذه العبارة التي قالها الملاك لرعاة بيت لحم في ليلة الميلاد، أخشى أننا سمعناها مرّات كثيرة حتّى لم يعد لها وقع علينا. مع هذا، لا تتعب الكنيسة من تكرارها وهي تدعونا اليوم، نحن شعوب القرن الحادي والعشرين، لتقبّل مخلّصنا، هناك في مذود بيت لحم، الله المتجسّد بسبب المحبة، في قلوبنا وبيوتنا ومدننا وأممنا. في كل مكان.

بالطبع، تتوجّه هذه العبارة إلى الشعوب المتعجرفة والمغرورة بالإنجازات التكنولوجية، المتربيّة في القرن العشرين والمتوكّلة على الحادي والعشرين. إلى الشعوب ذات الموارد الوافرة، والنجاحات العلمية، ولكن أيضاً صاحبة الضمور الروحي، والفراغ الداخلي، ونقص الخبرة الجماعية التي هي الأساس المطلوب منطقياً في مسائل الإيمان. الناس اليوم متحجرون كما لو أنهم هيكل عظمي في الإلهام وفي الأمل، تسيطر عليهم انتصاراتهم، فإذ بهم ضحايا تقدمِهم يحيطون مستقبلهم بآفاق يائسة.

وكصوت البوق نسمع مرة أخرى اليوم على لسان الملاك، كما لو أنه يدعو ناس القرن الحادي والعشرين إلى أن يستيقظوا من سبات المادية النفعية واﻹقلاع عن بلازما الاكتفاء الذاتي. “استيقظوا يا شعوب القرن الحادي والعشرين!” يتحدّانا المخلص لكنه يدعو كل واحد منا إلى مراجعة مسيرتنا، استعادة حريتنا، لنرى مرة أخرى نطاق حياتنا من ضمن الضوء الساطع من حقيقته.

استيقظوا يا شعوب القرن الحادي والعشرين!” لقد جعلتكم انجازاتكم تهجعون إذ ظننتم أنكم غلبتم العالم. لقد تفّهتم ما هو مقدّس وإلهي معتبرين إياه خرافات وأساطير تغذّي مخيّلة الأطفال، من دون أي مردود على كائنكم الداخلي. لكن انظروا من حولكم: الحروب بين الإخوة، جوع الضعفاء ومرضهم، سحق الكرامة البشرية، الفساد، الفضائح، شقّ وحدة الجنس البشري، غياب المحبة، وهيمنة المصالح. لقد هيأتم لأبنائكم عالماً على هذا الشكل، حيث الطبيعة تئن وتتشكّى من سوء استغلالكم. لكن جزر الأمل ليست مفقودة، بل قليلة وغير كافية بشكل مأساوي.

الميلاد موجّه بشكل أساسي إلى نفوسنا. الإيمان بالمخلص يخلّص ويعطي معنى لحياتنا. إنه يقودنا إلى لقاء تجريبي يفسّر لنا الحَدَث. بالتواضع كما بالحرية تتوالى النتائج: الرجاء، النور، الصراع، البشرية. إن المسيح المخلص يتحدّانا ويلهمنا لأن نكون بشراً ومتحررين من التزاماتنا نحو دنيويتنا وتغرّبنا.

* آخر رسائل (الشهيد) خريستوذولوس رئيس أساقفة اليونان في كانون الأول 2007

الأرشمندريت صوفروني حول علم النفس: الخلفية

الأرشمندريت صوفروني حول علم النفس: الخلفية

رئيس الدير غريغوريوس زاينيس

بعد آخر مشاركة تلقيت بعض المراسلات الشخصية من بعض الأصدقاء وفيها شيء من النقد. لقد اعتبروا أنّ ما تمّ نشره قاسٍ تجاه علم النفس، كما كان لدى بعضهم قلق من أن هذا قد يعيق البعض عن تلقّي العلاج. هذا كان حافزاً لي للإدلاء ببعض الملاحظات وإعطاء بعض المعلومات الأساسية.

لقد قدّمت في المقالة الماضية كلمات الأب صوفروني وحرصت على ألّا أقول شيئاً من نفسي. لقد فكّرت: “مَن أنا لأنقد تعليق الأب صوفروني؟ عليّ تركه وحده يتكلّم“. لقد كان هذا خطأً لأن الاقتباسات تقدّم صورة جزئية تفتقر إلى الخلفية. هذه الاقتباسات منشورة أصلا عند الميتروبوليت ييروثيوس مطران نافباكتوس. ويبدو بشكل مؤكد أنها مقتطفات من محادثات شخصية مع الشيخ عندما كان هو نفسه راهباً وكاهناً شاباً. عندما نشرها الميتروبوليت في كتابه، أخرِجَت من سياقها الأصلي مرة، وعندما أعدتُ نشرها من جديد، أُبعِدَت خطوة أخرى عن هذا السياق الأصلي. لهذا اسمحوا لي الآن أن أقدّم بعض المعلومات الأساسية، والتوسع في تعليقاتي الموجزة السابقة في هذا الموضوع.

إنه لأمر محزن أن نرى تزايد الثقة بعلم النفس في الكنيسة. بحكم التفاعلات ضمن الكنيسة يبدو واضحاً تماماً أن لدى عدد كبير من الكهنة عندنا، علم النفس هو المصدر الرئيسي للإرشاد الرعائي في حين أن التقليد النسكي الكنيسة ثانوي، ولدى البعض يمكن تجاهله. إحدى المواد التي تدرس في مدارسنا هي اللاهوت الرعائي. ومع ذلك، من المؤهلات المرغوبة في مَن يدرّس هذا الموضوع هي درجة البكالوريوس في علم النفس. وليس خافياً أن في المستقبل سوف يأتي عالم نفس غير إكليريكي لتدريس اللاهوت الرعائي للكهنة.

يمكن للشفاء الذي يقدمه علم النفس أن يساعد الناس غير الطبيعيين ليأخذوا دوراً في هذا العالم. إنهم يحققون النجاح في ذلك.لكن عالمنا غير طبيعي لكونه ساقطاً، ونحن ننتظر الخلاص. ومع ذلك، في التقليد النسكي الأرثوذكسي، شفاء النفس هو أكثر من ذلك بكثير، وهو يفوق هذا الأمر عظمة. إنه يرتبط بالحياة الأبدية وهو عملية التألّه أي الاتحاد مع الله.

بما أن الأب صوفروني حكى عن اختلاف الأنثروبولوجيا بين هذين النظامين، فأريد أن أعلّق أيضاً على هذا الأمر. في كتابه الحياة الروحية الأرثوذكسية بحسب القديس سلوان الأثوسي، يكتب هاري بوساليس بشكل بشيط و وواضح عن الأنثروبولوجيا الأرثوذكسية. هذا ما يفسر أيضاً المفهوم الأرثوذكسي للتألّه والشفاء: “تعلّم الأنثروبولوجيا الأرثوذكسية أنّ اﻹنسان مخلوق ليشترك في حياة الله. هذا هو المعنى الأساسي لقصة خلق اﻹنسان الكتابية. <وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا…»… فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ> (تكوين 26:1-27)”.

في الأنثروبولوجيا الأرثوذكسية، يختلف معنى كلمة صورةعن معنى كلمة شبه“. يمكن أن نرى في الصورةإمكانات التقديس الكامنة في الإنسان، بينما يشير الشبهإلى كماله. بتعبير آخر، يمكن القول بأنّ الصورةتشير إلى اﻹمكانيةبينما الشبهتشير إلى الواقع“. هنا يضيف هاري حاشية: يشير الأب صوفروني إلى هذا الاختلاف بين الصورة والشبه، عندما تكون رغبة الله الصالحة الاتحاد بالكائن البشري، يدرك اﻹنسان في داخله عمل القوة اﻹلهية التي تجلّيه فلا يبقى مماثلاً لله، أي على صورته، باﻹمكانية وحسب، بل بالشبه أيضاً” (القديس سلوان الأثوسي، ص. 184).

لم يُخلَق اﻹنسان أصلاً بحالة من الكمال الناجز، بل كان موهوباً بالحرية الفريدة ليختار إمّا أن يحيا مطارداً إنجاز ما هو كامن فيه، أو الانحراف تجاه تدنيس وتشويه كرامته الحقيقية كإنسان. فقط من خلال الاستعمال الموافق للحرية المعطاة له من الله يستطيع اﻹنسان أن يتعاون مع النعمة الإلهية لاستعادة صورة الله في داخله وبلوغ شبه الله الذي من أجله خُلق.

بحسب التعليم الأرثوذكسي، القداسة – التي يُشار إليها أيضاً بالكمال والتألّه – لا تُفهَم كحالة جامدة، فيها يحتفظ اﻹنسان بدرجة عالية من الفضائل الروحية. اﻹنسان مدعو إلى أن ينمو بلا توقف ويتقدّم بشكل مستمر إلى شبه الله. وهكذا، ليس للكمال حدود. إنه دائم التقدّم، ليس فقط على الأرض، بل أيضاً في الحياة الآتية.

إذاً، في اﻷرثوذكسية، ما من فصل بين الأنثروبولوجيا وشفاء النفس والتألّه. عن اقتباسي في المقال السابق عن اﻷب صوفروني قوله إن الطريق بالنسبة له هي مباشرة إلى الأمام، فهو يتحدّث عن الجهاد النسكي الذي يقود إلى ما ورد أعلاه في حاشية هاري: عندما تكون رغبة الله الصالحة الاتحاد بالكائن البشري، يدرك اﻹنسان في داخله عمل القوة اﻹلهية التي تجلّيه فلا يبقى مماثلاً لله، أي على صورته، باﻹمكانية وحسب، بل بالشبه أيضاً“. عندما يتحقق هذا، تشفى النفس بطريق تتخطى كل ما لدى علم النفس لتقديمه من الحسنات.

لقد حاولت أن أظهر بعض الخلفية للمقال السابق. أرجو أن هذا يجعل ملاحظات اﻷب صوفروني أكثر وضوحاً وقبولاً.

لمَ ينبغي أن لا تكون القراءة في الكنيسة عاطفية؟

لمَ ينبغي أن لا تكون القراءة في الكنيسة عاطفية؟

الأب أندريه شيزانكو

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

نتذكر كلمات الكاتب المسرحي الروسي ألكسندر سرغيفيتش غريبويادوف (1795-1829)،في مسرحية <الويل من العقل>: “لا تدندن مثل القندلفت. اقرأ بتفكير! بإحساس! بتشديد صحيح!”. ولعدة قرون، أثار هذا القول المشهور تهكّم المثقفين الروس من القراءة الكنيسة أو أقله حرّك ابتسامتهم الساخرة. ومع ذلك، إنها سخرية غير عادلة وتتعارض مع قواعد القراءة الكنسية القديمة التي تعود إلى ألفي سنة. فالناس الذين يطلبون عاطفة من القندلفت يظهرون جهلَهم للحياة الليتورجية ومبادئ قراءة نصوصها.

الأنماط (Genres) مهمة جداً في الفن ولا ينبغي الخلط بينها. بتعبير أكثر بساطة، النمط هو أسلوب معين في تأليف عمل ما وهو يتميز بهدف معين وبالوسائل لتحقيق هذا الهدف. في الفن، هناك دائماً ثلاثة أهداف (بمعنى بدائي جداً): جعل الناس يضحكون، إخافتهم، أو جعلهم يبكون. وفقاً لهذه المبادئ، يتمّ اختيار العواطف التعبيرية الفنية لتحقيق هذه الأهداف. جنباً إلى جنب مع موهبة المؤلف وذكائه وجهده، هذه جميعها تشكّل العمل الفنيّ، وتتألّف في نمط أو في آخر. وهذا ينطبق على فن الخطاب أيضاً.

يختلف الأمر تماماً في القراءة الكنيسة. لا تحاول الكنيسة جعل الناس يضحكون أو يبكون، ولا تريد تخويفهم. هدف الكنيسة هو تسهيل الطريق إلى الله قدر الإمكان: “كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ أقْوَالِ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ، اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً.كُلُّ وَادٍ يَمْتَلِئُ، وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَتَصِيرُ الْمُعْوَجَّاتُ مُسْتَقِيمَةً، وَالشِّعَابُ طُرُقًا سَهْلَةً، وَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خَلاَصَ اللهِ».” (لوقا 4:3-6).

لهذا السبب يجب التعبير عن كلمة الله بنقاء الصوت ووضوح التعبير والنطق بكل مقطع. لا ينبغي بالقارئ في الكنيسة أن يفرض عواطفه الشخصية على المصلّين. يُتوَقَّع من القارئ أن يصير مجرد طبلة ومرنّم يؤدّي الألحان الإلهية. أيّ مسرحة في الكنيسة، سواء كانت في القراءة أو في الترتيل، تضرب آذان الناس وتصرفنا عن الأمر الرئيسي الذي هو الإصغاء بتواضع وإخلاص لكلمة الله. إن مَن سوف يجعل السرّ يعمل في النفس البشرية، ويطهّر قلوبنا، هو كلمة الله وليس نحن.

في خلال فترة العهد القديم، تمّ تطوير شكل وسطي بين القراءة والإنشاد في ممارسة العبادة اليهودية. الاسم الأكاديمي لهذا الشكل هو طعميم” (“cantillation” باللاتينية ومعناه <أنا أنشد بصوت منخفض، بصوت ضعيف>). سبب إنشاء هذا الشكل هو ما ذكرناه أعلاه. ميخائيل نيكولايفيتش سكاباللانوفيتش (1871-1931)، وهو أستاذ في أكاديمية كييف اللاهوتية، وكاتب شرح التيبيكون، يذكر في كتابه هذا حول الطعميم“: “تمّ إدخال الطعميم إلى المعابد (synagogues)، وهو بين القراءة والترتيل حيث يكون الصوت منخفضاً ويتمّ إطالة بعض المقاطع اللفظية“. هذه الخبرة العملية للكنيسة حققت بعض التجانس بمعنى التوافق بين الوضوح، صفاء الصوت، اللاعاطفية، وسحر الأذن. وما تزال الكنيسة تستعمل هذا الشكل من الخدمة [في ترتيل المزامير خاصةً، كما أن هذا النمط معروف كثيراً في جبل أثوس والأديار اليونانية – المترجم].

طبعاً، هذا لا يلغي ضرورة أن يكمّل القارئ نفسه ويطوّر مهاراته. أولاً، عليه أن يسلك شخصياً في حياة التقوى المسيحية ويتعاطى مع النصوص المقدسة بمحبة وتوقير. ثانياً، عليه أن يعمّق بشكل مستمر ثقافته في الليتورجيا وتاريخ الكنيسة لأن في كتاب المزامير وغيره وفرة من هذه الحقائق. ثالثاً، على القارئ أن يدرس اللغة بدأب حتّى يفهم ما يقرأ [هنا يتحدّث النص الأصلي عن اللغة السلافونية لكن فعلياً هذا ينطبق على كل اللغات بما فيها العربية، حيث أن عدداً من الأخطاء اللغوية التي تُسمَع في كنائسنا تدلّ على عدم فهم النص بقدر ما تدلّ على ضعف في الصرف والنحوالمترجم]. رابعاً، يُنصَح القارئ ببعض التمارين للسانه وعضلات وجهه وفمه قبل الخدمة حتّى يأتي صوته واضحاً وكلماته مفصّلة وسهلة على الفهم.

وبشكل طبيعي، من الضروري احترام القانون الذهبي في ما يتعلّق بسرعة الخدمة، وهذا يتوقّف بشكل كبير على الكاهن والشماس والمرتل الأول والجوقة. من جهة، لا ينبغي بنا أن نقرأ أو نرتّل ببطء أو بشكل ممل، حتى لا تصير الخدمة باهتة وثقيلة على جماعة المؤمنين، ومن جهة أخرى، ينبغي أن ننتبه ألا نقوم بها بعجلة، فتختلط الكلمات والترتيل في طنين رتيب من الأصوات لا يمكن فهمه.

كل قارئ، مرتّل في جوقة، قائد جوقة، مرتل متقدّم، شماس أو كاهن، عليه أن يعيش وفقاً لكلام الصلاة نفسه. عليه أن يسلك في حياة روحية كيما سهام الصلاة التي تُسدّد من قلبه تصل إلى قلوب كل واحد من الآخرين. من المهم عدم إيصال عواطفنا إلى الآخرين، بل بمعونة الله اكتشاف حياة هذه الكلمات المقدسة في دواخلنا، وهي كلمات توحّد الإنسان مع الله بشكل سريّ في النفس البشرية.

نمو الأطفال العاطفي وعلى الرجاء المسيحي

نمو الأطفال العاطفي وعلى الرجاء المسيحي

فيلاريت ميتروبوليت أميركا الشرقية ونيويورك

نقلتها إلى العربية علا مقصود

إن عواطف القلب البشري والكثير من العواطف الأخرى مهمّة للمسيحي، مثال على ذلك الأحاسيس بالتعاطف والكراهية والرحمة والشفقةإلخ، كلها يجب أن تتطور في قلب المسيحي الأورثوذكسي منذ سنواته الأولى إن أمكن.

للأسف في العديد من العائلات المسيحية الأورثوذكسية تسير الحياة بطريقة تجعل الأهل يتقصدون فيها منع أولادهم من الاحتكاك مع الاحتياجات البشرية والأسى والصعوبات والتجارب.إن هذه الحماية المفرطة للأولاد من الواقع الطبيعي تجلب لهم نتائج سلبية فقط. إنّ الأطفال الذين نموا في ظروف حياة مشابهة للبيوت الزجاجية ينفصلون عن الحياة ويكبرون ليّنين، أهشاء، ومفسَدين، ولن يتكيفوا بشكل جيد مع الحياة. وفي أغلب الأحيان يكونون غليظي الطباع وأنانيين، معتادين على الطلب والأخذ ولا يعرفون كيف يعطون أو كيف يكونون مفيدين للآخرين. لذا، فإن الحياة يمكن أن تكسرهم بقسوة وفي بعض الأحيان تعاقبهم بضراوة، وذلك منذ سنيهم الأولى في المدرسة. لذلك من الضروري لمن يحبون أولادهم أن يعاملوهم باعتدال وفوق كل هذا يجب أن يضع الأهل والأولاد هدفاً أمامهم: الأطفال كمثل نموهم الجسدي يجب أن ينموّا روحياً، وبذلك يصبحون أفضل، ألطف، أتقياء ومتعاطفين.

لتحقيق ذلك من المهم أن نسمح للأطفال بأن يحتكوا باحتياجات ومتطلبات الناس وأن نعطيهم فرصة للمساعدة. ومن ثم فإن الأطفال بأنفسهم سيسعون للصلاح والحق ولكل شيء طاهر لإن الصلاح والنور هما قرب روح الطفل غير المفسد.

هذه العواطف التي تحدثنا عنها، بما فيها اﻷسمى بينها كالرحمة والشفقة، موجودة داخل كل إنسان. بالحديث عن الأحاسيس المسيحية الصافية، سنتوقف عند الرجاء المسيحي. يمكن تعريف الرجاء المسيحي بأنه التذكّر المخلص والحي لله, بشكل غير منفصل عن الثقة بمحبته وعونه السماويين .الإنسان الذي لديه هذا الرجاء يشعر دائماً وفي كل مكان بحماية الله الآب له وكأنه يرى دائماً وفي كل مكان قبة السماء اللامتناهية تغطيه. لذا فإن المسيحي الأورثوذكسي الذي يملك رجاءً بالله لن يشعر باليأس ولا بالوحدة التي لا رجاء فيها. وحده غير المؤمن يمكن أن يجد أن موقفاً ما ميؤس منه أما المؤمن الذي له رجاء بالله يعلم قربه من القلب الإنساني الحزين فيجد الراحة والعون والشجاعة من الله.

بالطبع، إن ذروة الرجاء المسيحي وتاجه هما في المستقبل .نحن كمسيحيين أورثوذكسيين نعلم أن قانون إيماننا الذي جُمعَت فيه كل حقائق اﻹيمان الأساسية ينتهي ب أترجّى (أي أتوقع وأتطلّع إلى) قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي آمين“.

إذاً، الإدراك الكامل للرجاء المسيحي سيتمّ عندما تنتصر الحياة على الموت والحق الإلهي على الباطل الأرضي. عندها كل محنة ستزول ﻷن الله سَيَمْسَحُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ“(رؤ 4:21) “وَفَرَحٌ أَبَدِيٌّ عَلَى رُؤُوسِهِمِ“(إش 10:35).

هذه هي الذروة، التتويج والإدراك الكامل للرجاء المسيحي الأرثوذكسي، والنصر لهؤلاء الذين اضطهدوا، ظلموا، ونفيوا في هذه الحياة الأرضية من أجل حقيقة المسيح.

من ارتدادات اجتماع كريت

من ارتدادات اجتماع كريت

تتوالى ردود الفعل والنتائج للقاء كريت الذي انعقد في حزيران 2016، ويأخذ البعض منها شكل انشقاقات في الكنيسة الأرثوذكسية ككل، أو في عدد من الكنائس المحلية. وهذا المنحى يشير إلى ضرورة توقّع المزيد من الاختلاف حول تقييم هذا اللقاء وتقبّله في الكنيسة. هذا ويًلاحَظ أن بعض الكنائس تتعاطى مع هذا الحدث وكأنه لم يكن، فلا مَن يؤيّد ولا من يدين وأصلاً لا مَن يحلل، إلا بعض الأفراد هنا أو هناك. هذه البرودة ليست دليل صحة، فالنأي بالنفس ليس مبدأ كنسياً.

من جهة أخرى، وبغضّ النظر عن صحة المواقف أو خطئها، إن مجرّد ظهور هذا التنوع والنقاش الذي ينتج عنه، أو المواقف التي تُتخَذ وقساوتها، فهذه كلها تدلّ على أن في هذه الكنائس حياة وأن الدم يجري في عروقها وليست متاحف، لا تشكّل فيها العقيدة وصحة الإيمان أيّ همّ أو اهتمام.

كنيسة اليونان

قامت مجموعة من رؤساء الأديار وأساتذة اللاهوت بزيارة إلى كنائس جورجيا وبلغاريا ومولدوفيا. وبحسب الأخبار فإن منسّق هذه المجموعة هو المتقدّم في الكهنة ثيوذور ذيسيس، أستاذ (فخري) آبائيات. وقد شاركت هذه المجموعة حيث حلّت بنشاطات جميعها مناهضة للقاء كريت وخاصةً لتوجهاته المسكونية، كما وجّهت انتقادات مباشرة وواضحة للبطريرك المسكوني ومواقفه، بلغ بعضها الدعوة إلى عدم ذكره على الذبيحة.

كتب عدد من المطارنة في اليونان كتب دراسات أو رسائل إلى رعيته أو إلى المجمع اليوناني وكلها في الخط المناهض للقاء كريت وروحيته.

من جهته، أرسل البطريرك المسكوني رسالة إلى رئيس أساقفة اليونان ومجمعها، في 18 تشرين الثاني 2016، يطلب فيها تجريد الأب ثيودور ذيسيس ورفقته، كما يطلب محاكمة وتجريد كل من سارافيم مطران بيريه وأمبروسيوس مطران كالافريتا وذلك لاعتبارهما مشجعَين على الانشقاق في الكنيسة، بسبب تصريحهما بأن لقاء كريت ابتداع وغير أرثوذكسي. ويحذّر البطريرك المسكوني بأنّه في حال تخلّف كنيسة اليونان عن ذلك، فإنه ومجمعه سوف يقطعون الشركة الكنسية والأسرارية مع هؤلاء المطارنة.

من المثير للانتباه في رسالة البطريرك المسكوني إشارته إلى عدد من القوانين الكنسية، وارتكازه إلى قول للقديس يوحنا الذهبي الفم بـأنّ ما من شيء يغضب الله مثل الانقسامات في الكنيسة“. علماً بأن رسالته هي سابقة في تدخل كنيسة بأخرى، كما أن قطع القسطنطينية للشركة مع أفراد محددين من كنيسة اليونان هو أيضاً سابقة. لكن كل هذا يدل على المأزق الذي أوقع فيه البطريرك المسكوني الكنيسة وما يزال مصراً على عدم الخروج منه إلا بما كان يعد نفسه به من ظهوره كبابا للأرثوذكس الموزعين على سبعة عشرة كنيسة.

كنيسة بلغاريا

عقد مجمع كنيسة بلغاريا جلسة في 15 تشرين الثاني 2016، راجع خلالها نص وثيقة علاقة الكنيسة الأرثوذكسية بالباقي من العالم المسيحي، وأورد ما يوازي حجمها من التعليقات ما أدى إلى رفضها. إلى هذا ختم المجمع رسالته بأنّ نظام المجامع المسكونية أو الجامعة لا يضمن تلقائياً أو بصورة ميكانيكية صحّة الإيمان المعلَن فيها. وبالتحديد، لقاء كريت ليس كبيراً ولا مقدساً ولا جامعاً لكل الأرثوذكس، وذلك لعدد من الأسباب منها عدد الكنائس التي لم تشارك، عدم دقة كل الوثائق التي تمّ تبنيها وعدم مطابقتها لتقليد الكنيسة العقائدي أو القانوني.

كنيسة رومانيا (إعداد أندريه إبراهيم)

دير روماني بطريركي في بحيرة فروموس يقطع الشركة مع بطريركية رومانيا الارثوذكسية:

أرسل برصنوفيوس الأسقف السابق للدير ورئيس أساقفة رمينكو رسالة يلي نصها. وهذا الدير هو الدير البطريركي الثاني الذي يقطع الشركة مع البطريركية؛ الأول كان محج الأويتوز كاكاو في يوليو 2016.

صاحب الغبطة،

كنتيجة للأحداث الأخيرة في الكنيسة الأرثوذكسية، والمختصة بمجمع كريت، نحن أخوية دير بحيرة فروموس، في ابرشية فيلتشا، نعلمكم الآتي:

إن ترتيب المجمع المذكور، بكل محاوره، ينحرف تماما عن تقليد المجامع المسكونية والمحلية الأرثوذكسية، بل يعطي بداية تأسيس للعصمة الباباوية في داخل الكنيسة الأرثوذكسية.

إن وثيقة العلاقات بين الكنيسة الأرثوذكسية وباقي العالم المسيحيتمثل الهوية أو بطاقة العمل الخاصة بهرطقة المسكونية.

أيضا في هذه الوثيقة، نقرأ في المقطع الثاني والعشرين، أن الحفاظ على الإيمان الأرثوذكسي يتم فقط من خلال النظام المجمعيوأن هذا النظام المجمعي هو السلطة الأعلى في الكنيسة من الجهة العقائدية الإيمانية والأحكام القانونية“. بالرغم من أن السلطة الأعلى في الكنيسة في الأمور العقائدية هي ضمير ووعي الكنيسة. ولذلك نجد في التاريخ أن بعض المجامع تسمى مجامع مستقيمة قانونيةوأخرى تدعى مجامع لصوصية“.

أما في وثيقة سر الزواج وعوائقهوفي المقطع الثاني منه، والمعنوَن تحت في عوائق الزواج وتطبيق التدبيرنجد هناك سماحاً للزواج بين المؤمنين الأرثوذكس وغير الأرثوذكس! بينما القانون الثاني والسبعون من مجمع ترللو (بنثكتي الخامسسادس) يمنع بشكل واضح مثل هذا النوع من الزيجات.

في الرسالة التي تم إرسالها في 20-7-2016، نجد من غبطتكم تجنباً لمعرفة رأيكم الرسمي بخصوص مجمع كريت. وحتى الآن لم تمارسوا حق الفيتو على هذا المجمع.

وعليه، وبحسب القانون الخامس عشر من المجمع المنعقد في القسطنطينية (الأولالثاني) في 861، والذي يشير إلى قطع الشركة مع الهراطقة، فإن أخوية دير بحيرة فروموس قررت الكفّ عن ذكر اسم غبطتكم في الذبتيخا.

أخوية دير بحيرة فروموس:الأب الرئيس غريغوريوس، الراهب كرياكوس، الراهب أثناسيوس، الأخ فاليتريكا.”

علم اللاهوت ومعاينة الله

علم اللاهوت ومعاينة الله

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية بتصرف اﻷب أنطوان ملكي

كان برلعام فيلسوفاً إنساني النزعة أصرّ على أن اكتساب معرفة الله هو نتاج العمليات العقلية. لقد اعتبر أن الفلاسفة أعلى من الأنبياء، وبالتالي كان لاهوته ذهنياً، عقلياً، حدسياً، وتجريدياً بالتمام. لقد شكّل ذلك خطراً شديداً على الكنيسة إذ كان من الممكن أن يقودها نحو الدهرية. وهذا الخطر نفسُه يكمن اليوم في العديد من الدوائر اللاهوتية حيث يؤمن الناس، أو على الأقل يتظاهرون بالإيمان، بأن علم اللاهوت هو فرع من المعرفة الأكاديمية وأنه نتاج لعمليات الفكر المنطقية وللمراجع الكتابية.

يستطيع القديس غريغوريوس بالاماس الرد على هذا الموقف كما رد على تعليم برلعام. أولاً، يؤكّد القديس أنّ علم اللاهوت النقيّ ليس موهبةً طبيعية ولكنه عطية النعمة الإلهية. إنه يستخدم أمثلة متعددة لكي يثبت هذه الحقيقة. فاللذة الجسدية في الزواج الشرعي بغرض التناسل لا يمكن تسميتها عطية إلهيةعلى الرغم من أن الله ذاته هو الذي خلق الطبيعة، لأنها عطية جسدية طبيعية، وليست عطية للنعمة“.

ينطبق الشيء نفسه بالضبط على المعرفة المتولدة من الدراسة العالمية. حتى لو استعملها المرء استعمالاً صالحاً، إلا أنها تبقى عطية طبيعية وليست عطية من النعمة“. تعليم العالم (الفلسفة) هو عطية طبيعية وليس عطية النعمة، يستطيع المرء أن يكتسبها بمجرد الدراسة والقراءة. إلا أن حكمتنا الإلهيةليست عطية طبيعية، ولكنها عطية يمنحها الله للذين طهروا قلوبهم. عندما أتت هذه العطية للصيادين جعلتهم أبناء الرعد وكارزين للعالم كله، وعندما أتت لجباة الضرائب خلقت منهم تجاراً للنفوس“.

النقطة القديس التالية هي أن علم اللاهوت الأرثوذكسي ليس فلسفة، ولكنه قبل كل شيء معاينة الله. الفرق كبير بين اللاهوتيينمن نوعية برلعام وبين الذين يعاينون الله. الفرق واضح بين هذا النوع من علم اللاهوتوبين معاينة الله. كان القديس غريغوريوس بالاماس قادراً في بعض الظروف أن يدعو حتى برلعام لاهوتياً لأنه كان يتكلم عن الله (كفيلسوف أساساً)، ولكنه لم يستطع أن يدعوه معايناً الله.

يختلف علم اللاهوت الفكري عن معاينة الله حيث أن معرفة الشيء تختلف عن امتلاكه“. الكلام عن الله يختلف تماماً عن الالتقاء به والشركة معه. فالأول متاح لأي أحد يمتلك عقلاً ومهارة ويعرف آليات الجدل المنطقي، حتى لو كانت حياته ونفسه غير متطهرة.

إلا أنه من المستحيل أن يتّحد المرء بالله ويكتسب معرفة روحية عنه ما لم يكن بالإضافة للتطهر بالفضيلة، قد خرج خارجاً، أو بالأحرى، تجاوز ذاته تاركاً وراءه كلّ شيء مدركٍ بقدرته على الإدراك، مرتفعاً فوق الأفكار والمنطق والمعرفة المكتسبة من خلالهما، مسلماً نفسه بالتمام لقوة الصلاة القلبية غير المادية. بهذه الطريقة يصل المرء لهذه اللامعرفة التي تفوق المعرفة، والمملوءة بالنور الفائق الذي للفرح الروحي…”.

هذا النص معبر جداً لأنه يظهر قيمة علم اللاهوت الحقيقي السديد. لا يستطيع أحد أن يصل للشركة مع الله ما لم يتطهر أولاً، ويترك وراءه الحواس بكل مدركاتها، ويرتفع فوق العقل والأفكار، ويكتسب اللامعرفة التي تفوق المعرفة، التي هي ثمرة الصلاة القلبية. علم اللاهوت الحقيقي ينبع إذاً من التطهّر ومن معاينة الله.

علم اللاهوت الأرثوذكسي هو، بحسب تعليم القديس غريغوريوس بالاماس، معاينة الله. فقط أولئك الذين وجدوا مستحقين لمعاينة النور غير المخلوق هم القادرون على اكتساب المعرفة الحقيقية عن الله. إنه يعلن بوضوح: “معرفة الله والعقائد الخاصة به والتي نسمّيها علم اللاهوت هي أيضاً معاينة الله“. ويكتب في موضع آخر قائلاً: ” معاينة الله تختلف عن علم اللاهوت، بمعنى أنه من الممكن أن يتكلم المرء عن اللاهوت من خلال خياله وفكره، ولكن علم اللاهوت الحقيقي هو معاينة الله. هكذا تختلف معاينة الله عن شبه علم اللاهوت العقلي الفلسفي، إذ أن الكلام عن الله بثقةهو ثمرة الثايوريا أي معاينة الله.

ليست معاينة الله هذه، وبالتالي علم اللاهوت الحقيقي، تجريدية مبنية على الحدس والتخيل، بل هي قبل كل شيء رؤية تفوق قوة بصر الإنسان. ليس الآباء القديسون مثل أولئك الذين يتحدثون عن الله بطريقة تجريدية. إنهم يعرفون من خلال رؤية ما يفوق البصر. إنهم يمرّون بنوع من الإخلاء دون أن يدركوا ذلك“. أولئك الذين وُهبوا هذه الرؤية السماوية يعرفون ما يفوق العقل، إذ يرون هذه القوة المانحة التأليه في الروح القدس، وليس عن طريق النفي“. معاينة النور هي حالة إيجابية، وبالتالي فإن علم اللاهوت الأرثوذكسي، الذي هو معاينة النور الإلهي، إيجابي.

إذا علّم شخص ما عديم المعرفة أو الخبرة بأمور الإيمان عن هذه اﻷمور بحسب أفكاره الخاصة محاولاً أن يظهر بطريقة منطقية الصلاح الفائق للمنطق، فإنه بلا شك غارق في جنون مطلق…”. ولكونه عديم الحس، فإنه سيُحسَب كعدو لله“. توجد أيضاً حالات لأناس ليست لهم أية أعمال صالحة ولم يتطهروا، التقوا برجال قديسين واستمعوا لهم، ولكنهم إذ اتبعوا أفكارهم الشخصيةرفضوا أولئك الرجال القديسين وضلوا بكبرياء.

تظهر كل هذه الأمور أن علم اللاهوت هو بصورة رئيسية نتيجة لشفاء الإنسان، وهو ليس علماً عقلياً. فقط ذاك الذي تطهّر، أو الذي هو على الأقل في مسيرة التطهّر، يستطيع الدخول في الأسرار الأبدية والحقائق العظمى وتلقّي الإعلان وبالتالي نقله للناس. ينبغي أن يسبق الشفاءُ علمَ اللاهوت، وعندئذ يستطيع اللاهوتي أن يعطي الشفاء للآخرين. هكذا، في التقليد الآبائي الأرثوذكسي، يكون اللاهوتي هو نفسه الأب الروحي. الأب الروحي هو لاهوتي بامتياز اختبر الأمور الإلهية، ويستطيع بالتالي إرشاد أولاده الروحيين بدون خطأ.

* بتصرّف من كتاب العلم الروحي“.

دليل الأعلام في الكتاب المقدّس: الملوك الأوائل

دليل الأعلام في الكتاب المقدّس

إعداد ماريا قبارة

الملوك الأوائل

شاول: (سُئل من الله) أول ملوك بني اسرائيل حوالي 1030 ق.م. لاقاه النبي صموئيل ومسحه ملكاً. حاربَ الفلسطينيين والعمالقة ومات في معركة الجلبوع. 1صم2:9؛ 13:3؛ 10؛ 15؛ 18؛ 24؛ 26؛ 31. 2صم1.

يسّى: والد داود النبي، من بيت لحم، من سبط يهوذا، حفيد راعوث وبوعز، جدّ السيد المسيح. 1صم16-17.

يوناثان: (أعطى) الابن الأكبر لشاول، أقسم على ولائه لداود. 1صم13-14؛ 18-20؛ 16:23-18؛ 2:31.

جولياث: (المنفي أو المنجّم ) جبّار فلسطيني من جِت. بلغ طوله أكثر من 9 أقدام. بارزه من بني إسرائيل داود النبي وقتله بحجر من مقلاعه. 1صم17.

داود: (الصديق أو المحبوب) 1010-970 ق.م. ثاني ملوك اليهود. والد سليمان الحكيم وأحد أجداد السيّد المسيح. ابن يسّى من سبط يهوذا ومن بيت لحم اليهوديّة. اشتهر بمقتل جُلياث الجبّار الفلسطيني. خلف شاول في المُلك وهو لايزال في أول شبابه يرعى قطعان أبيه. أسسّ مملكة يهوذا ووطدَّ أركانها وأعطاها أورشليم عاصمة لها بعد أن أخذها من اليبّوسيين رغم ورعه وعدله. قتل أوريّا أحد أركان جيشه ليتزوج بتشابع امرأته ثم ندم ندامة يضرب بها المثل. إليه يُنسب سفر المزامير. يطلق عليه داود النبي مرنّم إسرائيل الحلو“. صموئيل الأول والثاني. 1 أخ:11-29.

أبشالوم: (أبو السلام) ثالث أبناء داود. ولد في حبرون واسم أمّه معكة بنت تلماي ملك جشور في آرام. قادَ تمرداً ضدّ والده، وقاتله وانهزم فقتله يؤاب خلافاً لأمر داود. 2 صم13-18.

ميكال: (من يشبه الله؟) ابنة شاول؛ زوجة داود، التي ساعدته في الهرب من أبيها، لكنّها استنكرت رقصه قدّام تابوت العهد. 1صم49:14؛ 20:18-27؛ 44:25. 2صم20:6-23.

هيمان: (أمين) ابن زارح من بني يهوذا. أحد قادة الموسيقى في الهيكل الذي عيّنهم داود. ناظم المزمزر الثامن والثمانين.

بتشبع: (الابنة السابعة) زوجة أوريّا الحثّي؛ اقترفَ معها داود خطيّة الزّنا ثم تزوّجها في ما بعد؛ أمّ سليمان. 2صم11-12؛ 1مل1-2.

نابال: (غبي) زوج أبيجايل. هو أحد أصحاب القطعان وكان يقيم في بلدة معون من بني كالب. كان غنياً جداً ولكنّه قاسياً وبخيلاً. رفض استضافة داود. 1صم25.

يؤآب: (يهوه أب) ملك اسرائيل 798-783 ق.م. ازدهرت في عهده مملكة الشمال. غلبَ أمصيا واحتلَّ أورشليم.

سليمان: (رجل سلام) ملك اسرائيل في عصرها الذهبي 970-935 ق.م. هو ابن داود من بتشبع. انصرف إلى تنظيم المملكة الإداري والاقتصادي فبلغت مملكته أوج مجدها. شيّد هيكل أورشليم. أنصف برجاحة عقله حتى أصبح اسمه مرادفاً للحكمة (سليمان الحكيم). 1مل1-11.

أوريّا: (يهوه نوري) محارب حثيّ في جيش داود، زوج بتشبع، أرسله داود ليلقى حتفه. 2صم11؛ 12. 1أخ41:11. 2صم39:23.

أبيجايل: (فرح أبيها) امرأة نابال. امرأة ذكية الفهم جميلة المنظر. تزوّجت داود فيمابعد. 1صم3:25؛ 14-44.

أتّاي: (الرب معي) فلسطيني من جتّ وقف إلى جانب داود، وقاد ثلث جيش داود في المعركة أثناء تمرّد أبشالوم. 2صم18-22؛ 2:18-5.

أدونيا: (يهوه هو السيّد) ابن داود الذي حاول أن يستولي على العرش المقرّر لسليمان. اسم أمّه حجّيث. كان محبوباً لدى أبيه بعد أبشالوم. 1مل1-2

حيرام: (الأخ يُرَفّع) 969-935ق.م. ملك صور. حليف داود وسليمان. أرسل خشب الأرز وعمالاً ماهرين إلى أورشليم لبناء قصر داود ثم الهيكل في أيام سليمان. عقد معه معاهدة صلح واشترك معه بادارة اسطول تجاري في البحر الأحمر. 1مل5؛ 9-10.

ايشبوشث: (رجل العار) ابن شاول الملك، جعله أبنير ملكاً. 2صم2-4

أمنون: (أمين) ابن داود. ولد في حبرون. اعتدى على ثامار وقتله أبشالوم. 2صم13. 1أخ1:3.

أبنير: (الأب نور) قائد جيش الملك شاول، قتل على يد يؤآب وأبيشاي. 1صم50:14؛ 2صم3؛ 8:2.

أخيشوفل: (أخو الجهل) مستشار داود الذي ساندَ أبشالوم. 2صم12:15، 23:17.

أبياثار: (أبو الفضل) ابن أخيمالك. كاهن نوب الذي انضم إلى داود، اشترك مع صادوق في رئاسة الكهنوت. 1صم20:22.

صادوق: (فاضل أو عادل) رئيس الكهنة في عهد داود الملك مع أبياثار، مؤسس سلالة الكهنة في اسرائيل، إليه انتسب الصدوقيون. 2صم15؛ 15:17؛ 11:19. 1مل1، 25:2.

لماذا تبكي راحيل أطفال بيت لحم الذين قتلهم هيرودوس؟

لماذا تبكي راحيل أطفال بيت لحم الذين قتلهم هيرودوس؟

كمال كدر

راحيل اسم عبري ومعناه شاة، كانت حسنة الصورة وحسنة المنظر (تكوين 17:29) وقد أحبّها يعقوب عندما رآها عند البئر بالقرب من حاران تسقي غنم أبيها لابان. كانت راحيل عاقراً إلا أن الله فتح رحمها وولدت ابنَين يوسف وبنيامين وقد ماتت عند ولادة الأخير. ويعدّ هذان الابنان اثنين من أبناء يعقوب الاثني عشر الذين جاء منهم الأسباط، ومن المعلوم أن كل سبط كانت له أراضٍ ومدن تابعة له، وتعتبر راحيل أم الأسباط الشمالية.

حينما قُتل الأطفال الرضّع من عمر سنتين فما دون بأمر من الملك هيرودوس، نقرأ في الكتاب المقدس: “حينئذ تمّ ما قيل بإرميا النبي القائل: صوتٌ سُمع في الرامة نوحٌ وبكاءٌ وعويل كثير. راحيل تبكي على أولادها” (متى 17:2-18).

ثمة صعوبة في هذا المقطع تكمن في أن سبط بنيامين (ابن راحيل) لم يشمل بيت لحم التي كانت تنتمي إلى سبط يهوذا. فلماذا بكت راحيل على أطفال بيت لحم إذ يبدو أنهم ليسوا أولادها بيولوجياً؟

يشرح القديس ييرونيموس:

كان بنيامين ابن راحيل، وبيت لحم لم تكن تنتمي إلى سبطه. ولذلك علينا البحث عن سبب آخر، لماذا على راحيل أن تبكي أطفال سبط يهوذا الذي كانت بيت لحم مدينة تنتمي إليه. الجواب الواضح هو أن راحيل دُفنت في طريق أفراثا التي هي بيت لحم. وقد اعتُبرت الأم على اعتبار مكان راحتها أي مسكنها الأرضي القابع هناك، ومن الممكن أيضاً أنها دُعيت الأم على اعتبار أن سبطي بنيامين ويهوذا كانوا على اتحاد مع بعضهم البعض، وأن هيرودوس لم يقتل جميع أطفال بيت لحم فقط بل وأيضاً في كل تخومها“.

ويعلّق القديس يوحنا الذهبي الفم:

لكن، ما يمكن قوله، ما علاقة راحيل ببيت لحم؟ وما علاقة الرامة براحيل؟ كانت راحيل والدة بنيامين وبعد وفاتها دُفنت بالقرب من هذا المكان (بيت لحم). وبالتالي القبر قريب، وحصة هذه الأرض تعود إلى ابنها بنيامين لأن الرامة كانت تتبع لسبط بنيامين (يشوع 25:18)، ولأجل رأس السبط أولاً أي بنيامين، ولأجل مكان دفنها ثانياً، يسمي النبي إرميا الصغارَ الذين ذبحوا بأولادها. ويكمل النبي قوله: “لا تريد أن تتعزى لأنهم ليسوا بموجودينحتى يُظهر أن الجرح الذي أصابها كان قاس وعميق“.

وبالتالي، لأن قبر راحيل كان على الطريق نحو بيت لحم، ولأن الذبح تمّ في هذه المنطقة، بكتْ راحيل.

مصادر: الكتاب المقدس، التفسير التطبيقي للكتاب المقدس، موقع Mystagogy