الأرشمندريت المتوحّد اسحق (عطالله) الآثوسي

الأرشمندريت المتوحّد اسحق (عطالله) الآثوسي

† سيرته قيد الإعداد

† الجناز الذي أقيم للذكرى الخامسة لرقاده

بدعوة من حركة الشبيبة الأرثوذكسية (مركز طرابلس – فرع كوسبا) أقيم نهار الأربعاء الواقع في 16/7/2003 صلاة الغروب تليها خدمة التريصاجيون لراحة نفس الأب اسحق في كنيسة القديسَين سرجيوس وباخوس (كوسبا).

شارك في الخدمة الأسقف ستيفانوس حداد، وعدد من رؤساء ورئسات الأديار وآباء الرعايا في المنطقة وحشد من المؤمنين الذين قدموا من الرعايا المختلفة.

وقد وزّع القمح المسلوق وصورة للأب اسحق على جميع الحاضرين.

بعد الصلاة، توجّه الجميع إلى صالون الكنيسة حيث كانت كلمة لفرع كوسبا في حركة الشبيبة الأرثوذكسية ألقاها الدكتور شاكر جريج، ثم قرأ الأب أفرام كرياكوس الكلمة الواردة على هذه الصفحة. آخر الكلمات كانت شهادة حياة قدّمها الأرشمندريت بندلايمون فرح.

الآباء في الجناز

المشاركون في الندوة

الأرشمندريت أفرام كرياكوس يلقي كلمته

الأرشمندريت بندلايمون يقدم شهادته

† كلمة الأرشمندريت أفرام كرياكوس رئيس دير الملاك ميخائيل – بقعاتا

سيّدي، آبائي، إخوتي الأحباء

عرفته في البدايات في جبل حماطوره، يدفعني إلى البريّة، إلى الصحراء التي تذكّر بالله، بآباء البريّة. تذكّر أنه باطل كل ما في العالم. تعطي سلاماً هكذا بعيداً عن العالم وصخبه. ومع السلام هناك فرح وهدوء وبساطة في العيش. كل ذلك كان يتسرّب في نفسي ىنذاك دون أن أعرف.

كنّا نأتي إلى كوسبا حيث ابراهيم فرح ومن هناك نصعد إلى حماطوره كما إلى جبل ثابور.

مرة فيما كنا في دير مار جرجس، قال لي الأب داود: لنذهب ونزور السيدة فنزلنا مشياً على الأقدام، هو بخطى ثابتة كالغزال في البرية، وأنا تابع. أنا الآتي من المدينة وهو من الصحراء من العلى. ولماذا كل هذا النسك؟ هذه الحياة الغريبة عن حياة البشر؟

هذا كله لتذوق حلاوة الرب، لتذوق الحرية في المسيح.

† † †

كان الأب اسحق قاسياً، قاسياً على نفسه. لكنه خلال الجلسات الشخصية في قلايته في كابسالا في الجبل المقدس، كان يكشف عن نعومة قلبه، عن عطفه الأبوي، عاطفة الأم على أولادها.

الشواذ أو الهرطقة هذا كان يقلقه جداً، كان يغيظه فينتفض. كان يعتز بأرثوذكسيته. قلتها مرة للشيخ باييسيوس بعد خطيئة وقعت فيها قلايته حين أحزنته، قلت: هو أكثر ملكية من الملك Plus royaliste que le roi. نعم، هو أرثوذكسي حتى المخاخ. نحن نعيش أرثوذكسية مائعة، نخجل من إيماننا. هو كان يفتخر بإيمانه.

كنتً أتحفظ منه. صرامته لم تنسجم مع ميوعتي. ومع ذلك، كل مرة أزور فيها الجبل المقدس، جبل أثوس، أقصده أولاً، أتحادث معه. يرشدني في كل شيء. اسأله يجيبني. حتى اليوم وفي كل سنة أعبر إلى قلايته. أمضي بضعة أيام، استرجع فيها قواي. هو الذي قادني لأول مرة إلى الجبل المقدس. كنّا في سالونيك طلاباً في اللاهوت، آخر السنة الدراسية 1976. كنتُ مريضاً في المعدة. ذهب الطلاب في رحلة وبقيتُ وحدي معه فأصرّ علي بمثابة دواء شافٍ أن أرافقه إلى دير ستافرونيكيتا إلى الجبل. قضيتُ حوالي الأسبوع في غرفة هادئة تطل على البحر أسمع الأمواج تضرب صخرة الدير باستمرار. الصورة مع أصوات الناقوس الخشبي وأصوات هيجان البحر لا تفارقني حتى اليوم. نمتُ واسترحتً طويلاً، والراهب بروذروموس المسؤول عن المطبخ (مايراس) كان يطبخ لي طعاماً خاصاً مع شوربا لتريح معدتي. عناية متواصلة، محبة لا تطلب شيئاً لذاتها. والأب اسحق كان يريد أن يستريح هو أيضاً، بعد سنة دراسية متعبة، إذ كان مسؤولاً عنّا.

† † †

شيئاً فشيئاً، اكتشفتُ السر، سر هذا الشخص الغريب. سر هذه الحياة الهدوئية. هذا عندما قادني مرةً إلى أبيه الروحي، إلى الشيخ باييسيوس. أذكر أني بعد اللقاء كتبتُ رسالةً إلى المطران جورج خضر قلتُ فيها أن الأب باييسيوس يشبه فقيراً مستعطياً، لكننا أنا والأب اسحق أمامه كنا كالأطفال يسمعان هذا الشيخ يتكلّم بلهجة شعبية لم أكن لأِفهم إلى القليل منها والأب اسحق يترجم. لماذا أحبني توّاً هذا الشيخ العجيب ولم يعرفني من قبلُ؟ هذا الوصال المفاجئ لا أعرف كيف تم! شيء كان يجذبني إلى تلك الحياة منذ الطفولة.

سألني الأب باييسيوس ماذا كنتُ أعمل؟ قلتُ له في الهندسة. قال: هذا سوف يساعدك كثيراً في الحياة الروحية وبطريقة غير مباشرة. وبعدما عبّرت عن رغبتي في اختبار الحياة الرهبانية، قال للأب اسحق: اذهبْ معه، خذه بيدك واعملا جولة على الأديار والمناسك الرئيسية في الجبل أسبوعاً كاملاً ومشياً على الأقدام كما فعلتُ معك لأول مرة. وهكذا كان إذ عرّفني الأب اسحق على الأديار والرهبان والقلالي والنسّاك فأضحى هذا الأسبوع من أجمل أيام حياتي.

نعم، كان الأب اسحق جسراً لي وللكثيرين إلى الجبل المقدس. له الفضل الكبير وتدبير إلهي لا أنساه. كان يردد باستمرار “أنا هنا من أجلكم. أنا هنا في الجبل المقدس، في جبل أثوس، من أجل أنطاكية”. هو يذكّرنا بالنساك الأنطاكيين القدماء. لقد أحيا في شخصه التقليد المقدس. بلحمه وبعظامه حقق شعار آباء البرية: “أعطِ دماً وخذ روحاً”، فكيف ننساه؟

والأجمل والأحلى لأنه تبع أباه باييسيوس حتى النهاية، أعني حتى فراق الموت. الأب الروحي يشارك آلام الآخرين في اعترافاتهم وفي حياتهم. قال لي مرة الأب اسحق: “إن الأب باييسيوس لكثرة ما تألّم وصلّى من أجل الذين يعانون من مرض السرطان، صلّى إلى الله ليعطيه مثل هذه الآلام. وقد حصل على طلبه إذ صابر على آلام السرطان بنفسه حتى الموت دون تذمر بل مع شكر بشهادة مَن عاينوه في آخر حياته على الأرض”.

هذا بالنسبة للأب باييسيوس، أمّا بالنسبة للأب اسحق، فقد كابد أيضاً الآلام والمرض على غرار الشهداء، حتى آخر لحظة وبدون تذمر. يشهد على ذلك الكثيرون، منهم أخوه الذي زاره مرّة وهو على فراش المرض، فقال له: “لا تبكِ عليّ، أنا في سلام وفرح داخلي. انتبه فقط لنفسك وصلِّ”.

† † †

هو جاثٍ الآن تحت التراب ولكنه بالحقيقة في السماء، قالها رئيس دير غريغوريو. إنه يستريح ويصلي من أجلنا. وقد زرته مرة منذ سنة وأعطاني هدية على قبره. صليتُ من كل قلبي فأهداني في يدي بخوراً عطراً، قدّمتُه لزوّار قلاّيته ولم أحتفظ إلاّ بالعطر الزكي.

أشكر الله على الذي جمعنا اليوم لذكره، وكل مَن هيأ هذا اللقاء عندنا منه ذكر طيب.

صلاته تكون معنا على الدوام. آمين.

سيرة أبينا الشيخ يعقوب رئيس دير داود البار

سيرة أبينا الشيخ يعقوب

رئيس دير داود البار

نقلها عن اليونانية بتصرّف الأخ يوسف كبا

1-  نَسَب الشيخ وسنوات طفولته

آسيا الصغرى، التي أنجبت قدّيسين كثيرين في كنيستنا، هي موطن الأب يعقوب. فقد وُلد في قرية ليفيسي في ماكري (Λιβίσι Μάκρης). كانت أسرته ميسورة الحال، من أغنياء القرية. وغناها الأكبر كان التقوى والمحبة المسيحيتين. وقد أنجبت في تاريخها العريق رهباناً وإكليريكيين وقديس.

وُلد الشيخ في 5 تشرين الثاني 1920. وبسبب أحداث تلك الأيام المريعة وتهجير المسيحيين، انتقل إلى قرية القديس جاورجيوس في أمفيسا (Αμφισσας) وسط اليونان، وبعد سنتين إلى قرية فراكلا (Φαράκλα) في جزيرة آفيا، بقرب دير البار داود، حيث عاش حتى الثلاثين من عمره هناك.

كان لأمه ثيوذورا الدور الأكبر في حياته، وقد كانت مزدانة بالفضائل والتقوى والروح الرهبانية التي أورثتها لابنها المحبوب يعقوب. وقد روى الشيخ يعقوب، عن لسان أمه، أنه كان في طفولته ضعيف البنية في طفولته ولهذا كانت تدعوه “العصفور الخريفي”.

عند التهجير، أثناء النزوح من آسيا الصغرى، بقي الوالد، ستافروس تساليكي، أسيراً لدى الأتراك، وغادرت كل من أمه وجدته وعماته وخالاته بالسفينة إلى بيريا، وكان يعقوب في الثانية من عمره. ثم لحق الأب بهم إلى قرية فاراكلا. لكن الأم بقيت دائماً المربي الأساسي ليعقوب. عن طفولته، كان الشيخ يقول: “نادراً ما كنت أخرج من البيت، إلاّ إلى المدرسة. بعد إنجاب الأولاد، عاش والديّ ممسكَين متعففَين، في حياة روحية أخوية متواضعة مباركة. علمتني أمي الصلاة والسجود، وكنتُ أساعدها في الأعمال البيتيّة النسوية. وهكذا تعلمت الخياطة ومهارات أخرى. هذا أفادني في حياتي الرهبانية كثيراً. كل خمسة عشرة يوماً أو عشرين كان يأتي كاهن إلى القرية ليقيم الذبيحة الإلهية. كنت منذ المساء أذهب إلى الكنيسة لأساعد الكاهن وأبقى هناك مصليّاً إلى أن يأتي الناس صباحاً. لم نكن نعرف الاعتراف. فقط كنَا نصوم صوماً صارماً. أمّا قبل المناولة فكنَا نقبّل أيدي والدينا والشيوخ”.

ويقول الشيخ في مكان آخر: “كانت يدا أمي مفتوحة للمحتاجين. فأبي كان بناءً، وكان بمقدوره تأمين مستوى معيشي جيد لنا. اعتادت أمي على مساعدة الفقراء بسخاء بأطعمة وثياب، إلى درجة أننا، والدي وأنا، مراراً كثيرة عدنا من العمل في البناء ولم نجد ثياباً أخرى لنبدّل ثيابنا المتسخة! لكن حياتنا العائليّة كانت تعبر سلاميّة هادئة”.

يتابع الشيخ متحدثاً عن طفولته فيقول: “اعتدت الذهاب إلى الكنائس الصغيرة في البراري، وخاصةً إلى مقبرة القرية، من دون أن يعني هذا أنه كان لديّ مشكلة نفسية تعكّرني. بالعكس، كنت أتأمل هناك بطلان هذه الحياة الزائلة، وهكذا تولّد في نفسي ذكر الموت بفعاليّة”.

لقد أنار الروح القدس الشاب يعقوب إذ وجد فيه نفساً نقية طاهرة، فأخذ يفكر بتكريس نفسه لله، وبأن يصير ناسكاً عندما يكبر. كان يخرج من القرية إلى التلال المحيطة ويقيم في بعض التجويفات الصخرية التي كان يغطيها بأغصان الشجر، مصلياً ومعتبراُ نفسه ناسكاً. كما كان يزور بعض الكنائس المنتشرة في الريف، ككنيسة القديسة باراسكيفي، ينظّفها ويشعل قناديلها ويصلي فيها حتى الليل في عشرة مع الله وقدّيسيه، الذين طالما ظهروا له وتحاوروا معه.

بعد إنهائه المدرسة الابتدائية بتفوق، أصرّ استاذ القرية على إرساله إلى خالكيذا لمتابعة الدراسة. إلاّ إن أهله خافوا من إبعاده عنهم، وفضّلوا بقاءه في القرية. هكذا اكتفى بهذا المقدار من العلم العالمي ليمتلئ من “الحكمة التي من فوق” التي أظهرت الصيادين غزيري الحكمة.

تواضع الشيخ وإيمانه وصلوات أمه، جعلته على علاقة حميمة مع والدة الإله وجميع القديسين. يروي الشيخ أنه مرض في طفولته مرضاً شديداً، أصابته بردية وضيق نفس وآلام مبرحة في الصدر. “حينها لم يكن في القرية طبيب إلاّ الله وقدّيسيه. صلّت أمي كثيراً أمام أيقونة عجائبية للقديس خارالمبوس، كانت عندنا في البيت. عند المساء رأيتُ يد كاهن ترسم الصليب على وجهي، وتلامس مكان الألم وتداعبني. ومن لحظتها، أحسست بالتحسن ثم شُفيت. مَنْ شفاني كان القديس خارالمبوس، كما قال لي أمي”.

عندما رأى أهل القرية حياة يعقوب الصغير المقدسة، صاروا يحترمونه جداً ويعتبرونه ابناً باراً للكنيسة وفتى الله. وبما أن القرية كانت بلا كاهن، كانوا يلحون عليه كثيراً لأن يقرأ صلاة ما على المحتاجين أو المرضى، إيماناً منهم بأن صلاته ستساعدهم. وقد روى الشيخ قصصاً عديدة في هذا الخصوص.

كثيراً ما تحدث الشيخ عن ممارسة الصوم في أسرته المباركة. فقد قالت له أمه مرة، خلال الصوم الأربعيني المقدّس: “يا بنيّ يعقوب، أنظر كم أنت ضعيف. كُلْ ولو بيضة صغيرة لتتقوّى قليلاً”. فأجاب: “إن أكلتُ الآن، فلن أشعر بالقيامة. فأنا أريد أن آكل بيضة فصحيّة لأدرك معنى الفصح”.

عندما كان يساعد والده في أعمال البناء، سواء في القرية أو في القرى المجاورة، كان يتجنّب الأكل، في أيام الصوم، ممّا يقدمه لهم أصحاب البيوت التي يبنونها، لأنه غالباً ما كان زفراً. كان يعقوب الفتى يفضّل العودة إلى البيت ليتناول طعاماً صيامياً، على أن يتناول الجبن وغيره مما يقدّم، أمّا إذا وجد بعض الزيتون والخبز فكان يكتفي بذلك.

عند بلوغه الخامسة والعشرين من عمره، جاءت أمه في أحد الأيام وأخبرته أنها رأت ملاكها الحارس وأخبرها بأنها ستغادر هذه الحياة بعد ثلاثة أيام وأوصاها بأن تستعد. كان لهذا أثر كبير في نفس يعقوب، لا بسبب العلاقة الطبيعية بينهما كأمّ وابن وحَسب، بل بسبب العلاقة الروحية أيضاً. وهكذا، مرضت ثيوذورا وانطرحت في الفراش بسلام، باركت ابنها الحبيب داعيةً له أن يصبح كاهناً بعد أن يهتمّ بتأمين مستقبل أخته الصغرى. ثم تنفسّت الصعداء وأسلمت الروح.

2-  حياة يعقوب العسكرية

كانت فترة خدمة الشيخ في العسكرية خلال أصعب وأقسى العهود في اليونان، فترة الحرب الأهلية. كانت خدمة يعقوب في مدينة فولوس. وقد أخبر: “كانت أيقونة القديس خارالمبوس دائماً معي. وقد تضرعت إليه مراراً ألاّ يختارني الضابط المسؤول لأكون من رجال الدورية، لأني لم أكن رجل قتل ودماء. وبالفعل لم يحصل ذلك. كلّفوني مرة بالمناوبة في حراسة قطاع معيّن. فجلست وراء الرشاش وأخرجت أيقونة القديس خارالمبوس الصغيرة ووضعتُها عليه، وقلت له: ‘يا قدّيسي الحبيب، أنت أحرسْ الآن الهدف. أحرسْ هذا القطاع من هنا إلى هناك‘. بعدها غرقت في الصلاة بلا همّ، ونجوت من مخاطر كثيرة”.

ثم انتقل يعقوب إلى أثينا. هناك أنار الله قلب الضابط المسؤول عنه، فكان يعطيه كل يوم إذناً خطياً بزيارة كنائس أثينا وبيريا. واستمرت الصداقة بين الشخصين إلى أن أصبح الشيخ في دير البار داود، حيث زاره الضابط مراراً. ورغم وداعته وبراءته، ورغم محاولاته أن يعيش مع المسيح بخفية، إلاّ إنه لم يسلَم بالطبع من تهكمات بعض العساكر وإزعاجهم، إذ لم يكونوا يفهمون تصرفاته العجيبة بعقولهم البشرية. لكن البعض الآخر كانوا يحترمونه، وقد زاروه في ديره فيما بعد.

وهكذا مرّت سنوات خدمته العسكريّة الثلاث بسلام فعاد إلى قريته وهو في الثلاثين من عمره. وبعد أن أمّن على أخته، كما أوصته أمه، أصبح حرّاً في تحقيق ما حلُم به منذ الطفولة.

3-  حياة الشيخ يعقوب الرهبانية

في السيرة الرهبانية، رغب الشيخ باتباع حياة هادئة في بعض المغاور، كما في الأماكن المقدسة، مكتفياً ببعض الماء والأعشاب البريّة المتوفرة. لكن قبل المباشرة في تنفيذ رغبته، رأى ضرورة أن ينال البركة من دير البار داود. عندما وصل إلى الدير، كما يروي هو نفسه، وجده متغيراً عمّا كان عليه، أي أكثر جمالاً وعظمة وبهاء. “هناك قابلت شيخاً وقوراً أبيض اللحية. كان هذا هو البار داود. سألته وأنا مندهش إن كان بالإمكان أن يعطوني غرفة في الدير فأجابني: ‘أنت أتيت لتسجد كزائر. فإن كنت ستبقى يمكن أن نعطيك غرفة‘. فأجبته في الحال: ‘سأبقى أيها الشيخ‘. فأدخلني الدير بعد أن تفوهت بهذا الوعد ثم غاب الشيخ الوقور عن عينيّ وكأن جداراً انفتح ومر عبره. بعد لحظات أدركتُ واقع الحال، فالدير بسيط، وفيه خرائب هنا وهناك، وكنيسة صغيرة. لقد أتيتُ كزائر عادي، لكن من خلال ما حدث وجدتُ نفسي أعطي وعداً من كل قلبي بأن أخدم دير القديس داود”. حينها، كان في الدير ثلاثة رهبان كبار السن يعيشون بطريقة انفرادية. الأرشمندريت نيقوديموس كان رئيساً للدير وكان يتردد عليه من حين لآخر. وقد تمتع بفضائل كثيرة، لكنه كان يعاني من أمراض عديدة بالإضافة إلى وجود بعض الإخوة من داخل الكنيسة كانوا يضطهدونه. وقد رقد هذا الرئيس الرحوم بعد فترة قصيرة. يقول الشيخ: “كنتُ اطلب بركتَه في كل أمر. وهذا لم يكن سهلاً. فقد كنتُ أمضي أربع إلى خمس ساعات للوصول إلى القرية التي كان يخدم فيها الرئيس نيقوديموس، لآخذ بركته في أمور تخص الدير”.

كان الدير مهمَلاً لسنوات، فأخذ الشيخ يعقوب يعمل فيه طوال النهار مع الصلاة المتواصلة. ولكي يصبح الدير قادراً على الاعتماد على نفسه، وحتى على تقديم الإحسان للفقراء، عمل في كافة الأشغال: إصلاح، بناء، زراعة، وغيرها.

في انطلاقة حياة الشيخ الرهبانية المشتركة، عانى صعوبات وتجارب كثيرة. هذا ليس غريباً، فهو قانون الحياة المسيحية، وقد طبّقه الله على شيخنا يعقوب، فكانت حياته استشهاداً طوعياً حيناً وقسرياً حيناً آخر. لقد أثار إبليسُ الرهبانَ السابقين في الدير عليه، لكي يقفوا في وجه حماسته ويحملوه على اليأس ومغادرة الدير. لقد كان “منظره ثقيلاً عليهم”. إلاّ إن فضائله وبساطته الموهوبة من الله تغلبت على شرورهم. قلايته كانت شبه خربة: لا زجاج على النوافذ، بالإضافة إلى الشقوق في الباب صيفاً وشتاءً. وقد كان الشيخ يعقوب يعزّي نفسه بمقارنتها بالنسّاك العموديين، الذين لم يكن من سقف يحميهم، وبالنسّاك سكان البراري الذين لا مأوى لهم. هكذا كان يرى ذاته أفضل حالاً منهم ويشكر الله. و كان الشيخ مستفيداً وأكثر خبرةً في مختلف التجارب والآلام. لكن الشيطان زاد أيضاً من تجاربه، على غرار تجربته لآباء البرية المتوشحين بالله. وقد روى الشيخ حادثة عن هجوم الشياطين عليه في أحد الأيام، فيما كان مستلقياً قليلاً قبيل الظهر ليرتاح من العمل، فضربوه ضرباً مبرحاً في كل أنحاء جسمه وأسمعوه الشتائم والتجاديف مانعين إياه حتّى من رسم إشارة الصليب. إلاّ أنه أخيراً استطاع رسم إشارة الصليب وطردهم باسم يسوع.

في أحد الأيام، جاء رئيس الدير وقال له: “يا أبانا  يعقوب، اغتسِلْ واستحمّ وسرّح شعرك. لأننا سننزل معاً إلى خالكيذا”. أطاع الشيخ يعقوب من دون أن يدري ما القضية. “بالفعل نزلنا إلى مطرانية خالكيذا، وكان المطران غريغوريوس هناك إنساناً قديساً متواضعاً رحوماً… استقبلنا ورحّب بنا، ثم أخبرني بأنهم قرروا منحي رتبة الكهنوت. هذا الأمر لم يكن يخطر على بالي. إلاّ إني لم أستطع أن أجادل احتراماً لرئيس الدير والأسقف القديس. وهكذا في الثامن عشر من كانون الأول 1952 رسموني شماساً، وفي اليوم التالي كاهناً. وقد أهدوني محفظة فيها أيقونة للسيدة العذراء كُتب تحتها: ‘أيها الأب يعقوب، أيقونة العذراء هذه فلتحفظْك في المكان القفر، هناك حيث تقيم…‘ ثم بعد أيام أخذت إذناً مكتوباً بممارسة الأبوّة الروحيّة وسرّ الاعتراف”.

4-  حياة الشيخ يعقوب الكهنوتية

منذ بداية حياته الكهنوتية، أخذ الشيخ يعقوب يقيم الصلوات اليومية والقداس الإلهي ويتناول القدسات بتواتر، مما كان يعطيه قوة روحية كبيرة ونشاطاً كل النهار. ونظراً لحاجة المنطقة إلى كهنة، صار يخدم القرى المحيطة بالدير. لقد كانت غيرته على بيوت الله الناطقة (المؤمنين) وغير الناطقة كبيرة جداً. فكان يعمل بنشاط وحماس في خدمة النفوس والكنائس والأوقاف.

كان الشيخ يغار من فضائل القديسين الذين يقرأ عنهم، ويحاول تطبيق شيء منها بنفسه. لذلك عندما قرأ عن إمساك القديس دانيال العمودي حتى عن ضروريات حياته اليومية محبةً بكثرة زائريه، راح الشيخ يعقوب يمسك عن حاجاته الطبيعية منذ خروجه من الدير في الصباح، ليخدم في مختلف القرى المحيطة، إلى أن يعود إليه.

حسب عادة ذلك الزمان، كان الأب يعقوب يطوف برفات البار داود في القرى المجاورة ليتبرّك منها المؤمنون. وقد كان هذا متعباً جداً له بالرغم من طبعه النسكي. يروي تعزية حصلت له إحدى المرات عندما كان عائداً من إحدى جولاته في الرعايا المحيطة، إذ عندما دنا من الدير، رأى نوراً بهياً خارج الدير ينير الطريق الضيقة المؤدية إليه. ثم “عندما وصلتُ إلى الدير دخلتُ الكنيسة. فوجدتُ شيخاً منتصباً عن اليمين ينتظرني. بعد أن وضعتُ الرفات وسجدتُ للأيقونات بحثتُ عن ذاك الشخص لأحيّيه معتقداُ أنه أحد آباء الدير، إلاّ إني لم أجده. فقد اختفى. لقد كان البار داود حيّاً ينتظر عودتي بسلام”.

عجائب أخرى عديدة حصلت مع البار بنعمة الله، لا يسعنا ذكرها جميعاً. نذكر أن الشيخ يعقوب كان يسعى دائماً لتأمين الزيت لجميع الكنائس المحيطة بالدير. بالإضافة إلى الإحسانات الأخرى التي كان يقدمها للمؤمنين. في أحد الأيام، كان يصلّي متضرعاً إلى العذراء والبار داود والنبي إيليا بشكل خاص، لأن يساعدوه في تأمين الزيت في كل المنطقة. بعد فترة من صلاته، نزل إلى المستودع حيث وعاء الزيت الكبير، فوجد الغطاء يتحرّك والزيت ينسكب من الوعاء، فظنّ لأول وهلة أن فأراً في الوعاء يحاول الخروج منه بعد أن أسال كل هذا الزيت على الأرض. إلاّ إنه عندما دنا ورفع الغطاء، لم يجد لا فأراً ولا ما شابه، بل تأكّد أن الزيت كان يفيض عجائبياً! فمجّد الله على مراحمه وشكر قدّيسيه.

لقد كان الإحسان والعطاء بلا حدود شيمةً راسخةً في الشيخ البار يعقوب. وقد ورث ذلك عن أمه. كان دائماً يفرّغ يديه ممّا يملك، فيعود الله ويملؤها أكثر فأكثر. وكان الشيخ يتعجّب من مراحم الله هذه العظيمة.

كانت صحة الشيخ حديدية إلى أن بلغ الخامسة والخمسين. إلاّ أن الله سمح، بعد هذا العمر، بأن يعاني الشيخ من أمراض كثيرة ثقيلة. يقول الشيخ عن هذا: “لقد أخذ إبليس الإذن بأن يجرّب جسدي” كما حصل مع أيوب البار في العهد القديم. “لم أكن أريد الذهاب إلى الأطباء في البداية، إذ كنت أعتبر أنه من العيب أن يروا جسدي عارياً، جسد كاهن”. إلاّ إنه اضطر مراراً لزيارة الأطباء فيما بعد، خاصةً عندما كان يعاني آلاماً مبرحة. وخضع لعمليات جراحية. وكثيراً ما كان القديس البار داود يزوره مع القديس يوحنا الروسي، فيراهما واقفين بجانبه، حتى في غرفة العمليات، يتشفعان من أجل شفائه.

في تلك الأيام، بالرغم من توصيات الأطباء له بتجنّب الوقوف، إلاّ إنه لم يكن يتهاون في أداء الخدمات الكنسية الشريفة وإتمام القداس الإلهي، رغم الآلام اللاحقة التي كان يعاني منها عند المساء وطوال الليل. وقد كانت تنتابه نوبات من الآلام في عنقه ورأسه وأماكن أخرى من جسده، خاصةً بعد قضائه ساعات طويلة في تقبّل اعترافات أبنائه الروحيين. لقد كان يعتبر كل هذا نوعاً من النسك، يحتمله بصبر وشكر.

5-  رقاد الشيخ يعقوب

آخر تجاربه كان مرض القلب الذي أودى به إلى الحياة الأخرى. وقد أجرى عمليتين جراحيتين في القلب، وكانت الثانية من دون تخدير، بعد فشل العملية الأولى. رغم آلامه المتواترة، حافظ الأب يعقوب على ابتسامته وخدمته للآخرين بمحبة، في نفوسهم وأجسادهم. كانت أحاديثه في سنيه الأخيرة تتناول علاقته الحميمة بالبار داود، وطفولته وقصصه الروحية المختلفة، ونصائحه ورؤاه العجائبية. كان يتحدث دائماً ببراءة طفولية تطفح منها النعمة والبساطة، معزياً كل مَن حوله وناصحاً ومشدداً لهم، رغم ما كان يخفي من آلام وضعفات في جسده.

رقاده في البرارة كان أيضاً مدعاة للعجب. لقد سبق وعرف اليوم الذي سيموت فيه. في ذلك اليوم كان سعيداً جداً. في صباح يوم الحادي والعشرين من تشرين الثاني من عام 1991، عيد دخول السيدة، كان يرتل في كنيسة الدير. وبعد الظهر حوالي الرابعة، حينما كان يتقبّل اعترافات المؤمنين كالعادة، عَبَر إلى الراحة الأبدية، مغادراً ما في العالم، منتقلاً إلى قرب السيد الرب.

صلواته تحفظنا. آمين.

الشهيد في الكهنة حبيب (خشّة)1 ( U 16 تموز 1948)

الشهيد في الكهنة حبيب (خشّة)1

( U 16 تموز 1948)

تاريخه

ولد حبيب في مدينة دمشق، سنة 1894 . وهو البكر في عائلة قوامها ثمانية أولاد. أبوه هو الشهيد في الكهنة نقولا خشّة (أنظر سيرته في غير مكان).

تلقّى حبيب دروسه الابتدائية والثانوية في مدرسة عينطورة اللبنانية. وفي السنة 1914 حاز، من الجامعة الاميركية في بيروت، على شهادة البكالوريوس في الآداب. ثم انتقل والعائلة الى مرسين، قبيل الحرب العالمية الأولى، حيث خدم والده الرعيّة الأرثوذكسية وكلّل حياته بالشهادة للمسيح.

إثر ذلك نزحت العائلة الى بور سعيد. وفيها تزوّج حبيب من وديعة توما، إحدى بنات العائلات السورية المهاجرة، سنة 1922 .

عمل حبيب في بور سعيد محاسبا ومترجما لحساب شركة “وورفر للنفط والتصدير”. كان ذلك بين العامين 1922 و 1924 . ومنها انتقل الى فرع الشركة في بيروت.

استمر حبيب موظفا حتى العام 1931 حين قدّم استقالته وفي نيّته أن يقتبل الكهنوت. يومذاك انتقل من بيروت الى دمشق. لكنه اصطدم بمعارضة زوجته له، فانتظر سنة كاملة حتى لان موقفها ثم سيم كاهنا سنة 1932 في الكاتدرائية المريمية.

خدم الخوري حبيب الرعية المريمية، في دمشق، حتى العام 1935 تنقل بعدها بين بور سعيد ودمشق والقاهرة الى العام 1943 حين استقرّ في العاصمة السورية بصورة نهائية.

اهتم الخوري حبيب بالآثار القديمة وانكبّ على دراستها، خصوصا ما تعلّق منها بالأديان. وكان قد شرع بوضع تأليف عنها.

وفي 16 تموز من العام 1948، اذ كان في خلوة في قرية عرنة (جبل الشيخ)، خرج باكرا الى موقع جميل قريب منها، متأملاً مطالعاً مصلياً، فالتقاه عدد من المهربّين فأمسكوه وعذّبوه، لكونه كاهناً، عذاباً مبرحاً ثم قتلوه.

أسرته2

أنجب الخوري حبيب خمسة أولاد: جوليت، مرسيل، فدوى، نقولا وسليم. سليم، الأصغر، ولد خلال السنة الأولى من كهنوت أبيه. وبعد ذلك بسنتين أو ثلاث رقد نقولا عن خمس سنوات. يومها كان الخوري حبيب في بور سعيد والعائلة في دمشق. فأول ما التقى زوجته بادرها بالقول: “الرب أعطى والرب أخذ فليكن اسم الرب مباركا”.

كانت وديعة، الزوجة، امرأة تقيّة فاضلة، كريمة النفس، محبّة للخير، قلّما تلقاها في أوقات فراغها جالسة الا والكتاب المقدّس أو كتاب الصلوات في يدها. وقد اختارها الخوري حبيب، أصلاً، بتبصّر، بعدما رأى فيها صدى للهف روح الرب فيه. كانت شريكة حياته وهمومه وحاملة أسراره. يطلعها على أحواله ومشكلاته ويستمزجها الرأي في صعوباته. حتى شؤون صلاته كان يكشف لها جوانب منها. ومع ذلك اعترضت عندما أبدى لديها رغبته في ان يصير كاهنا. السبب كان حرصها على الوضع المعيشي للاسرة، لا سيما وان حبيب كان ناجحاً في وظيفته، محبوباً، محترماً، وكهنة ذلك الزمان، بعامة، معوزون. لم يشأ حبيب ان يفرض رأيه فرضاً على زوجته لأنه كان رفيقاً بها خفراً في تعاطيه معها، فأسلمها الى ربه وانتظر. انتظر سنة كاملة رأت وديعة في نهايتها حلماً غيّرت، على أثره، رأيها. عاينت جندياً مقبلاً صوبها فارتعشت، نظر اليها ثم أشار الى حنفية يدفق منها الماء دفقا، فإلى حنفية ينقط الماء منها نقطا، وقال: عليك بعد اليوم ان تكتفي بالقليل! فلما استفاقت وجف قلبها وقالت: انما الجندي ملاك من عند الرب! مذ ذاك رضيت بأمر الله وسايرت زوجها واقتبلت، برضى وتسليم، ما يأتي عليها وعلى عائلتها.

كان الخوري حبيب سوياً في حياته البيتية. يوفّق بين التزاماته الأسرية والتزاماته الرعائية جيّداً. يومياته اتّسمت، عامة، بالترتيب. يؤاكل العائلة بانتظام الا متى قضت الضرورة، يجالسها كأي رب أسرة، يخرج بها متنزها ويمازح الجميع. لم يسع البتة الى فرض الأصوام والصلوات على أحد، لكنه كان يسأل مستفسراً.

أما وضع العائلة المعيشي، بعد سيامة حبيب كاهناً، فقد ضاق بعض الشيء، لا إهمالاً منه لمسؤولياته البيتية، بل لأن دخله كان متواضعاً، دون احتياجات العائلة بقليل. لهذا كان يوسف، أحد إخوته، يمد الأسرة ببعض المال بانتظام.

كهنوته

انتمى الخوري حبيب الى الكهنوت عن دعوة. كان يهمّه ان يسلك في خطى أبيه حتى الشهادة.

لا نعرف تفاصيل كثيرة عن خدمته كاهنا. لكننا نعرف انه أحبّ رعيّته وغار لها غيرة المسيح وكان عهده افتقادها بحرص وتواتر. وقد اشتهر فيها بأمور ثلاثة: صلاته ومواعظه وعنايته بالفقراء.

فأما صلاته فقد حفظ الناس انه كانت للخوري حبيب تجلّياته اثناء الخدمة الإلهية. من هذه التجليات ارتفاعه عن الأرض أحياناً. زوجته وديعة، بعد استشهاده، كشفت عن انه أخبرها بذلك مرارا.

أما عظاته فكانت مختصرة لكنها كانت تخرج من كل كيانه.

وأما عنايته بالفقراء فكانت كبيرة. الفقراء كانوا اصدقاءه بمعنى الكلمة، والميسورون من أحبة الرب، كانوا يعطونه ليعطي المحتاجين. كانوا واثقين ان معوناتهم تذهب الى حيث ينبغي. كل هذا أثار في وجه الخوري حبيب متاعب جمّة من الكهنة الذين حسدوه وحاولوا نثر الأشواك في طريقه. “الناس يدفعون له أكثر مما يدفعون لنا!”، فكان يجيب: “اذا كان الناس يعطونني فما ذنبي؟!”.

أحد المصريين، ممن عرفوه، أجاب مرة على سؤال في شأنه، وبصورة عفوية: “هذا مجنون، يوزّع كل فلوسه على الفقراء!”.

عائلته خبّرت ان امرأة محتاجة دقّت بابه، مرة، وطلبت طعاما لنفسها ولعائلتها، فاستدار بصورة تلقائية واتجه صوب المطبخ وتطلع فرأى وعاء فيه طبخة جاهزة من “المحشي الملفوف” فرفعه وخرج به ودفعه للمرأة.

أكثر أعمال المحبة عند الخوري حبيب كانت مستورة. هذا بديهي بالنسبة لرجل مثله. فقط بعض الأخبار عنه عرفت هنا وثمة. من هذه الأخبار قصّة الجبّة.

مفاد قصّة الجبّة ان يوسف، شقيق الخوري حبيب، أرسل اليه مرة جبّة جديدة فلبسها وذهب الى البطريركية. هناك التقاه غبطة البطريرك فسأله: “ما هذه الجبّة الأنيقة؟” فأجاب: “أخي يوسف بعثها لي من مصر”. “ماذا فعلت بجبّتك العتيقة؟” “تركتها في البيت”. “حسناً سوف أرسل اليك خوري حوران فأعطه ايّاها”. “كما تريد يا سيدنا”. فلما حضر اليه خوري حوران أعطاه الجبّة، ولكن لا جبّته العتيقة، بل الجديدة!

الى ذلك أشيع ان الخوري حبيب كان يستدين الكثير من المال مقابل سندات دفع لأجل قريب ليقوم بتجهيز ابنة ارثوذكسية أو مقطوعة من الأهل، لا سيما اذا حام حولها أحد المسلمين، ثم يقوم بزفّها الى شاب أرثوذكسي.

شهادات أخرى أفادت ان أفراد عائلته وجدوا، بعد استشهاده، دفتر حسابات يشير الى “ديون” على الخوري حبيب مع اسماء المدينين. فلما رغبوا في تسديد ما عليه تبيّن ان هذه المبالغ اعطيت للخوري حبيب لمساعدة الفقراء. بالنسبة اليه كانت ديونا!

صفاته وفضائله   

كان الخوري حبيب صافيا صادقا مستقيما مخلصا لله كل الاخلاص. لا يسيء الظن بصحبه. سمته الكبرى الشفافية الخالية من الشوائب والغموض. يقرأ الأشخاص وكأن كلا منهم كتاب مفتوح أمامه.

كانت عيناه غائرتين في وجه نحيل مشعّ. جسمه نحيل من عظم وجلد. روحه تحمل جسده، كعبء، في شوقه الى السماء. وهو دوماً في ذهول. المحبة والحنان مرسومان في وجهه وأنامله. واذا ما طاف على شعب الله ومساكين الأرض كانت في يده بركة وعلى لسانه تعزية وصلاته إيمان وخشوع.

جعلته الرقة أوهن من أن يرد سائلا يأتيه محتاجا. كان الرب يسوع ملء حياته وجنباته.

جاهد الجهاد المرّ ضد كل العيوب وأحبّ حياة النسّاك وأخبارهم، فجاءت شفافيته ثمرة الكّد في الروح القدس.

عاش مجروحا بحب الرب يسوع ومات كذلك.

قبل الاستشهاد

قبل ان يخرج الخوري حبيب في رحلته الى جبل الشيخ حيث استشهد حدث له أمر غير عادي أطلع زوجته عليه، وهي خبّرت فيما بعد. قال لها: اليوم اثناء صلاتي، أحسست بأني ارتفعت عن الأرض أكثر من المعتاد. فوجف قلب زوجته ورجته الا يذهب، لا سيما وانه كان من المفترض ان يترافق وآخرين فاعتذروا، فلم يرض. فسدّت الباب في وجهه فأخذ يضحك قائلا لها: ما بالك اليوم، على غير عادتك، تمنعينني من الذهاب، مع انها ليست المرة الأولى التي أخرج فيها الى جبل الشيخ؟ نصف ساعة حاولت خلالها صرفه عن الذهاب، على مرأى من بقية أفراد أسرته، فلم يشأ. فتركته لإلهامه. فخرج وكان استشهاده.

شهادته

طيلة حياته اشتهى الخوري حبيب أن يمجّد الله بميتة الشهادة، فأعطاه الله منية قلبه في 16 تموز من العام 1948 . يومها وقع بين أيدي مهرّبين انهالوا عليه ضربا أربع ساعات متواصلة لكونه كاهنا. لم يتركوا عظما من عظامه الا كسروه. ثم بعدما ارتووا من تعذيبهم له ألقوه من علو، في جبل الشيخ، فقضى شهيدا للمسيح.

ولدى القبض على الجناة3 ادعوا انهم ظنّوه جاسوسا يهوديا. لكن وقائع محاكمتهم دلّت على افترائهم وكذبهم. وقد حكم على أحدهم ويدعى أحمد علي حسن أبي الحسن بالإعدام شنقا ونفذ فيه الحكم فجر السبت في 25 أيلول 1948 .

ووري جسد الخوري حبيب التراب في مقبرة مار جرجس شرقي سور دمشق.

ــــــــــــــــــــ

الحواشي

ـــــــــــ

(1)      هذه السيرة أخذناها من ثلاثة مصادر:

أ-       جبّور، اسبيرو. “من تراثنا الخوري حبيب خشّة”. من المرأة في نظر الكنيسة. اللاذقية: 1994، ص 19 – 25 .

ب-      زيتون، جوزيف. “الخوري الشهيد حبيب خشّة”. مقال مخطوط كتبه أمين الوثائق البطريركية، ظهر، فيما بعد في النشرة البطريركية، عدد تموز 1994، ص 33 – 45، معدّلاً ومزيداً.

ج-      حديث الى فدوى اسعيد، ابنة الشهيد، بتاريخ 15/11/1994.

(2)      بعدما اطلعت فدوى اسعيد على ما كتبه الشماس اسبيرو جبّور وجوزيف زيتون بشأن الخوري حبيب اعترضت، وقد علمت بأننا في صدد ترجمة للخوري حبيب، على بعض المسائل التي ذكراها. قالت انها غير دقيقة أو غير صحيحة. من ذلك:

أ-       إعطاء الانطباع ان الخوري حبيب كان مهملا لمسؤولياته الأسرية. بل كان الشهيد سويا يهتم بعائلته كما يهتم برعيته والفقراء. يعطي كل مسؤولية من مسؤولياته حقها. كان مرتبا في هذا المجال، ويحسن تنظيم أموره.

ب-      إعطاء الانطباع عن زوجة الخوري حبيب وأسرته انها كانت تتذمر عليه في شأن اهتمامه المفرط بالفقراء حتى اتصلت سراً بأخيه يوسف في مصر فصار يمدّ العائلة ببعض المساعدة. هذا غير صحيح. زوجة الخوري حبيب كانت امرأة تقية، تفرح بعمل زوجها. ويوسف كان يرسل للعائلة عونا، لكن هذا لم يكن البتة نتيجة تفريط الخوري حبيب بخبز العائلة او تشكي الأسرة منه، عوزا.

ج-      بعض التفاصيل الواردة هنا وثمة على غير دقّة كمثل خبر الجبّة.

هذا وقد أخذنا نحن بملاحظات فدوى وأكملناها ببعض ما ورد في المصدرين الآنفين.

(3)      لقد قيل لنا ان نسخة من ملف محاكمة الجناة موجود في المكتبة البطريركية فلما استوضحنا تبيّن لنا ان الموجود ليس سوى أخبار عن المحاكمة وردت في بعض الصحف المحلية.

)عن القديسون المنسيّون في التراث الأنطاكي للأرشمندريت توما بيطار(

المطوّب الذكر غريغوريوس الرابع بطريرك أنطاكية وسائر المشرق* (U 1928)

المطوّب الذكر غريغوريوس الرابع

بطريرك أنطاكية وسائر المشرق*

(U 1928)

من هو؟

اسمه في الأساس كان غنطوس الحدّاد. وهو إبن جرجس بن غنطوس من عبيه، إحدى قرى الغرب (جبل لبنان)، وهند بنت عسّاف سليم من كفرشيما القريبة. ولد في الأوّل من تموز من سنة 1859م ونشأ في قرية أبيه، عبيه. وصف، فيما بعد، بأنه كان معتدل القامة، صبوح الوجه، أبيض البشرة، أشقر الشعر، بهي الطلعة، ناعم اليدين، جاحظ العينين، باسم الثغر، وديعا، طاهر القلب.

تعليمه

بدت على غنطوس، منذ الطفولية، علامات الذكاء إذ كان عريض الجبهة، حاد الذهن، سريع الفهم، فاهتمّ أبواه بإلحاقه بمدرسة عبيه الأميركية حيث أتمّ دروسه الإبتدائية (1872 م). ثم انتقل الى كلية الثلاثة الأقمار الأرثوذكسية في بيروت فأنهى فيها دروسه الثانوية. وإذ لاحظه السيد غفرائيل شاتيلا، مطران بيروت ولبنان (1870-1901)، ألحقه بمدرسته الإكليريكية المتاخمة لكاتدرائية القدّيس جاورجيوس.

سيامته وترقّيه

لبس غنطوس الاسكيم الرهباني ودعي “غريغوريوس” في 19 كانون الأول 1877 . تشمّس في 29 آب 1879 . كهن في 6 أيار 1890 . تسقّف على طرابلس في 10 أيار من السنة نفسها. وأخيرا تبطرك في 5 حزيران 1906 .

خدمته شمّاساً

بعد أن خدم غنطوس معلمه، السيّد غفرائيل، كاتباً أربع سنوات، منذ أن كان في السادسة عشرة من عمره، سامه أسقفه شمّاساً وأوكل اليه مهمات كنسيّة عديدة، رغم حداثته. فاهتم بإنشاء جريدة “الهديّة” وأشرف على طبع كتاب “البوق الإنجيلي” و “الصلوات والمزامير” وعمل على نقل خطب ومقالات عديدة من اليونانية الى العربية قام بنشرها في جريدة “الهديّة”. كما أنشأ مكتبة في دار المطرانية حفظ فيها كتباً ومخطوطات قيّمة وناب عن البطريرك في جمعية القدّيس بولس الرسول. وقد ترقّت الجمعية، بهمتّه، وأخذ أعضاؤها يطوفون البلاد عاملين على نشر الثقافة الإيمانية بين الناس.

خدمته أسقفاً

اختير غريغوريوس أسقفاً على طرابلس وهو في الحادية والأربعين عقب وفاة المثلّث الرحمات، السيّد صفرونيوس (النجّار). وقد سار بالأبرشية الى ميناء التآخي والمصالحة بعدما طالت المنازعات فيها.

في هذه المرحلة، التي استمرت ست عشرة سنة من حياته، اهتمّ غريغوريوس، فيما اهتمّ، بتأسيس الأخويّة الأرثوذكسية الطرابلسية للعناية بالمحتاجين، وإنشاء مكتبة في دار المطرانية وتجديد مدرسة بكفتين، بعدما كانت متوقفة منذ بعض الوقت. كذلك تعهّد مدرسة البلمند الإكليريكية واستقدم لها مرتلين متفوّقين لتعليم الترتيل البيزنطي فيها، كما زوّدها بمكتبة ومدّ مكتبات أديار النورية وحماطورة وكفتون بالكتب والمخطوطات.

خدمته بطريركاً

خلف غريغوريوس المطوّب الذكر، البطريرك ملاتيوس الدوماني، إثر وفاته. كان له من العمر سبع وأربعون سنة. من أبرز ما جرى في أيامه عودة السلام الى مجاريه بين الكرسي الأنطاكي من جهة وكراسي القسطنطينية وأورشليم والإسكندرية من جهة أخرى. وكانت الأجواء قد اكفهرّت وانقطعت العلاقات بين الفريقين بعدما تمكّن المحلّيون من إيصال ملاتيوس الدوماني الى سدّة البطريركية سنة 1899 دون الذين كانوا يعيّنون عليها من الخارج، في اسطنبول أو أورشليم أو كليهما معا، منذ العام 1724 .

كبطريرك، عزّز غريغوريوس المدارس، لا سيما البلمند منها بعدما كان سلفه قد افتتحها في مطلع السنة 1900 . كما أنشأ مجلّة النعمة سنة 1909 . وسعى الى تحريك عجلة النهضة في سائر أرجاء الكرسي الأنطاكي وزار بقاعاً عديدة منها.

ترأس غريغوريوس سنة 1913 الاحتفالات الدينية المقامة في بطرسبرج بمناسبة مرور ثلاثمائة عام على تملّك أسرة رومانوف في روسيا. ولدى عودته استقدم بضعة عشر راهباً روسيا أوكل اليهم إدارة دير مار الياس شويا البطريركي. وقد أعجب نصارى المنطقة بورع هؤلاء الرهبان وزهدهم ووداعتهم ومحبتهم المسيحية الطاهرة ونشاطهم. لكنهم عادوا فتركوا لبنان سنة 1915 إثر الحرب العالمية الأولى.

أثناء هذه الحرب (1914 – 1918) تجلّت محبة البطريرك وأحشاء رأفاته على الفقراء والمرضى والمظلومين ففتح أبواب قلبه والبطريركية لكل محتاج الى أية ملّة انتمى، لا فرق، حتى دعي بـ “أب الفقير”. وله في هذا الشأن مآثر وأخبار وشهادات تناقلتها الألسن طويلاً وما زالت الى اليوم.

وفي ربيع سنة 1920 ، إثر مؤتمر دمشق الذي نادى باستقلال سورية الطبيعية وبايع الوجهاء والأعيان فيه فيصلاً ملكاً عليها، كان البطريرك في طليعة المبايعين. ولما رجحت كفّة الفرنسيين واضطر فيصل الى أن يبرح دمشق في تموز من العام نفسه كان غريغوريوس الوحيد الذي خرج لوداعه حفظاً للعهد وثباتاً على العقد. قال له: “إن هذه اليد التي بايعتك ستبقى على العهد الى الأبد”. فما كان من الملك فيصل سوى أن قبّلها باكياً.

صلاته وصومه ومحبته

اذا كانت الصلاة سر المؤمن ومرآته فإن البطريرك غريغوريوس الرابع، كما بدا لأهل زمانه، كان رجل صلاة ممتازاً. لا أخبار كثيرة أو مفصّلة عندنا في هذا الشأن بل عيّنات. فقد ذكر عنه أنه أثناء الحرب العالمية الأولى، في مساء أحد مرفع الجبن، التقى نساء مسلمات يشكين الجوع قائلات: “نريد خبزاً يا أبا المساكين. نريد خبزاً لأطفالنا الجائعين!” فعاد أدراجه الى الدار البطريركية وأمر بأن توزّع عليهن المؤن من البطريركية ثم أقفل على نفسه راكعاً يصلي بين الساعة الرابعة من بعد الظهر والحادية عشر ليلاً. ولما جاءه طبّاخ البطريركية عارضاً إعداد بيضتين مقليتين بالسمن مع رغيف وقطعة حلوى، أجاب “لا يليق بي أن آكل وغيري يتضوّر جوعاً!”. ثم أمر بأن يعطى طعامه لأول فقير يمرّ بالبطريركية في الغد.

تأخّر البطريرك يوماً عن وجبة الطعام فحفظ له الطبّاخ حصّة مميّزة. فلما حضر ولاحظ أن ما أفرز له كان أشهى مما قدّم لسواه بادر بالقول: “أعطوني مما قدّمتم لإخوتي!”.

لما حان وقت الطعام مرة، وكان الزمن صياماً، أحضر له الطاهي إفطاره. في هذه الأثناء كان أولاد يضجّون في ساحة البطريركية فسأل عما بهم فقيل له إنهم فقراء جائعون فاستدعاهم وأعطاهم طعامه.

وقد قيل عن البطريرك غريغوريوس إنه كان يصلّي من دون ملل ويصوم من دون تذمّر. وإذ اعتلّت صحته في كبره أصرّ على ملازمة تقشفاته حتى الأخير.

هذا وكثيراً ما كان البطريرك يطوف على أفراد حاشيته سائلاً منهم الصفح عما بدر منه حتى لا يدع الشمس تغيب على غضبه.

وكان يوقظ النائمين في البطريركية ليقيم وإيّاهم صلاة السحر باكراً.

من جهة أخرى، كان البطريرك غريغوريوس يشمل كهنته، لا سيما الفقراء منهم، بعطف أبوي كبير. وإذ كان المعوزون بينهم يأتون اليه بجبب رثّة كان يعطيهم من أجود ما عنده ويبقي لنفسه الممزّقة يرقّعها بنفسه ويسكف نعله بيديه. وقد اضطرت حاشية البطريرك، تدبيراً، الى إخفاء بعض ملابسه الكهنوتية عنه حتى لا يهبها للمحتاجين، هي أيضا.

هذا وقد فتح غريغوريوس أبواب البطريركية أمام الجميع، أيّام الحرب الأولى، دونما تمييز. ويقال انه استدان أموالاً طائلة لإطعام الجائعين. من أخباره في هذا الشأن أنه كان له صليب ماسي أهداه إيّاه قيصر روسيا، نقولا الثاني. هذا رهنه البطريرك لدى صائغ يهودي دمشقي بألف ليرة عثمانية. فلاحظه أحد أغنياء المسلمين وفك رهنه وأعاده الى البطريرك. فأخذه البطريرك وباعه من جديد دون أن يدري به أحد وحفظ مثيلاً له من زجاج. هذا لم يعرف به أهل الدار البطريركية الا بعد موته.

وقد كان البطريرك يطوف مع شمّاسه وقوّاسه يجمع المطروحين في الأزقة الى الدار البطريركية والمدرسة التي تقابلها ويعنى بإعالتهم. وكثيراً ما كان يطعمهم بيده.

وقد قيل انه لما تفشّى وباء الكوليرا وغريغوريوس مطران على طرابلس، لم يهرب من المدينة بل شرع يزور المرضى ويعزّي المنكوبين ويعطف على الفقراء. ولمّا ألحّ عليه أصدقاؤه بالمغادرة أجاب: “ليست حياتي أفضل من الذين لا يستطيعون الفرار من الوباء!”.

بلغه يوما نفاذ الدقيق من البطريركية الا كيساً عزم الخدّام على خبزه وتوزيعه على الأرثوذكسيين دون غيرهم. فجمعهم وأخذ رغيفاً بيديه وقلّبه ثم نظر اليهم قائلاً: “لم أجد كتابة ما على الرغيف تقول إنه للروم دون سواهم!” وللحال أمرهم بتوزيع الخبز على الفقراء كافة دونما تفرقة.

سأل متسوّل البطريرك يوماً حسنة فقال له أحد الإكليريكيين المرافقين له: ما طائفتك؟ فانتهره البطريرك قائلاً: هل تمنع عنه الصدقة اذا كان من طائفة غير طائفتك؟ ألا يكفيه ذلاً انه مدّ يده ليستعطي لتذله بسؤالك عن عقيدته؟! ولما قال هذا أخرج نقوداً من جيبه وأعطاه إيّاها فانصرف مسروراً مجبور الخاطر.

كان البطريرك مرة في زحلة. فبعد القدّاس الإلهي تقدّم منه رجل درزي وطلب إحساناً فلم يجد البطريرك ما يعطيه فاعتذر منه وصرفه. وما كاد الرجل يبتعد قليلا حتى دفع صاحب المنزل الذي استضاف البطريرك اليه بخمس ليرات ذهبية، فنادى غريغوريوس الرجل الدرزي وأعطاه مما منّ به الرب عليه قائلاً: لقد بعث الله لنا ولك!

من جهة أخرى، عرض مرة، على ما روى الشمّاس ثيوذوسيوس مطلق، انه أثناء القداس الإلهي والبطريرك جالس في كرسيّه، خرج الشمّاس بالإنجيل ولم تكن أمامه شمعة لأنه لم يكن هناك من يحملها. فما كان من البطريرك سوى أن نزل عن كرسيه وأخذ شمعة وسار بها أمام الشمّاس وهو يحمل الإنجيل.

رقاده

لفظ البطريرك غريغوريوس الرابع أنفاسه الأخيرة في سوق الغرب عند الساعة الخامسة من صباح يوم الأربعاء 12 كانون الأول 1928 . كانت صحته قد أخذت في التدهور قبل ذلك بثلاثة أيام فيما كان المجمع المقدّس على وشك اختتام إحدى دوراته. وقد قيل إن كلماته الأخيرة كانت “لقد صبرت حتى النهاية!”.

نقل جسده عبر بيروت الى دمشق فاستقبله خمسون ألف مسلم دمشقي غير المسيحيين وأطلقت المدفعية مئة طلقة وطلقة فيما كانت الجماهير تصرخ: “مات أبو الفقير، بطريرك النصارى وإمام المسلمين. نزلت بالعرب الكارثة العظمى!”.

وقد شارك الملك فيصل الأول من العراق بمئة فارس استقبلوا نعشه. كما شارك في الجنازة عدد كبير من شيوخ المسلمين.

مفتي البقاع، محمد أمين قزعون، قال على تابوته: “لو أجاز لنا ديننا الإعتراف بنبي بعد محمد لقلت أنت هو!”. وقد قيل إن المسلمين أرادوا الصلاة عليه في الجامع الأموي الكبير.

أحد التجّار المسلمين الدمشقيين كان يرشّ الملبّس ويصيح بأعلى صوته: “هذا القدّيس أعالني أنا وأسرتي طيلة الحرب”.

وقد ووري جسد البطريرك في مدافن البطاركة أمام الكاتدرائية المريمية.

ــــــــــــــــــــ

الحاشية

ـــــــــــ

(*)      هذه السيرة استمددنا عناصرها من المراجع التالية:

أ-       رستم، أسد. كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى الجزء الثالث. ص 326 – 380 .

ب-      المثلث الرحمات غريغوريوس بطريرك أنطاكية وسائر المشرق. جمع وتنسيق المبتدىء سمير فياض. اللاذقية

ج-      المثلث الرحمات البطريرك غريغوريوس الرابع (حداد). مقال غير منشور أعدّه جوزيف زيتون أمين الوثائق البطريركية.

)عن القديسون المنسيّون في التراث الأنطاكي للأرشمندريت توما بيطار(

الشهيد جبرائيل (جبرا) نصير1 U 1918 م

الشهيد جبرائيل (جبرا) نصير1

U 1918 م

هو من بلدة “الحفّة”، مركز قضاء “الحفّة” في محافظة اللاذقية السورية. ذهب، مرة، واثنين من رفاقه في تجارة باتجاه “جسر الشاغور”2.كان رفيقاه مسيحيين. وقد صحبهم سائس مسلم. فتصدى لهم في الطريق رجال مسلّحون وصرخوا في وجوههم: “أسلموا تسلَموا!”3. فاللذان كانا معه شهرا إسلامهما للحال، وكان منهما واحد من قرية “شتيغو” التي تبعد حوالي خمسة كيلومترات عن الحفّة، ولعله من آل بدر أو القدسية. وأما جبرائيل المعروف بـ “جبرا” فأبى أن يشهر إسلامه وتمسّك بإيمانه المسيحي. فهدّده المسلّحون فلم يأبه لهم. فانهالوا عليه ضرباً بأعقاب البنادق فلم يستسلم. عبارة واحدة بقي يتفوّه بها: “أنا مسيحي!”. فازداد ضاربوه حنقاً وعنفاً عليه حتى اسودّ بدنه كله وسال دمه. ولما لم يعد يقوى على التفوه بكلمة واحدة جعل سبّابة يده اليمنى فوق سبّابة يده اليسرى بشكل صليب ورفعهما الى فمه وقبلّهما. وإذ استمرّ جلاّدوه يضربونه بلا هوادة خارت قواه وسقط مغمى عليه. فظنّوه قد مات، فتركوه وانصرفوا.

ثم ان السائس الذي عاين ما حدث وسمع ما قيل، وكان صالحاً أميناً، فقد عاد الى “الحفّة” وخبّر. فخرج نسيم حنا الياس، ابن أخت الشهيد، الى بعض أصحابه المسلمين مستجيراً فأجاروه ورافقوه الى حيث وقعت الحادثة. فلما بلغوا الموضع أخذوا الشهيد على بغل فربطوه وعادوا الى البلدة. وإذ وصلوا به الى هناك استعاد وعيه لكنه لم يستطع ان يكلّم أحداً بكلمة. فقط أشار الى أقربائه بما فهموا منه انه يريد ان يتناول جسد الرب ودمه. فجيء بالقدسات للحال وناوله الكاهن اياها بعدما جعلته أخته المدعوّة أفروسيني نصير الياس على صدرها. فلما أخذ القدسات تمّت شهادته وأسلم الروح.

هذا وقد دفن الشهيد عند مدخل كنيسة البلدة4 المسمّاة على اسم القدّيس، رئيس الملائكة، ميخائيل. صلاته تنفعنا، آمين.

ــــــــــــــــــــ

الحواشي

ـــــــــــ

(1)      أفضت لنا بهذه المعلومات الأم أنطونينا، رئيسة دير سيدة كفتون التابع لأبرشية جبل لبنان، وهي ابنة نسيم حنا الياس الذي اهتمّ بإعادة الشهيد الى البلدة. وتقول الأم أنطونينا ان هذه هي القصّة التي سمعتها منذ الطفولية وما زال العديدون في بلدة الحفّة يردّدونها الى اليوم. على ان تقصياً للمعلومات بين من حفظوا الخبر، لا سيما المسنّين منهم، ربما ساعد في الكشف عن المزيد المفيد منها، كالتاريخ المحدّد الذي قضى فيه الشهيد مثلاً.

(2)      ناحية جسر الشاغور كانت، قديماً، احدى أبرشيات سورية الثانية وكانت تعرف باسم  Seleucobelos. أقدم أساقفتها المذكورين في كتب التاريخ  Aristonicus الذي اشترك في مجمع انطاكية (363م) ومرقيانوس الذي اشترك في مجمع القسطنطينية (المجمع المسكوني الثاني 381م). ومن أساقفتها، أيضاً، كيرياكوس الذي عاش في أيام الامبراطور يوستنيانوس (القرن 6)، والذي اشترك في رفع عريضة ضد ساويروس الانطاكي، جنباً الى جنب مع بولس افاميا وسويريانوس عرطوز واستفانوس شيزر (Larissa) وسرجيوس حماه وسواهم (أنظر Devresse, R.  في Le Patriarchat d’Antioche p. 74, 183).

(3)      هذا التعبير قد وجدناه شائعاً بين الناس وكأن حوادث عديدة ردّدت الذاكرة الشعبية صداها كانت تقع، هنا وثمة، بيد جماعات ظنّت ان في تصرفها غيرة على الإسلام أو استغلته لمآرب شخصية.

(4)      من المؤسف ان أبناء البلدة جهلوا في الماضي قيمة رفات الشهيد. فلما أرادوا توسيع الكنيسة قاموا بجرف الرفات مع الاتربة من أمام الكنيسة دونما تمييز، وألقوا بها بعيداً. ترى إذا استطلع المرء الأمر أيكون بإمكانه ان يتعرف الى ما ينفعه في هذا الشأن؟ لسنا نعلم! نعلم فقط ان هذه عينة من الجهل والإهمال واللامبالاة التي خلفتها قرون من القهر والتغريب. أترانا ندوس رفات القدّيسين، أحيانا، ولا نعلم؟ ليس هذا ببعيد ولا بمستغرب! فإنه ينسب الى الأب القدّيس بائيسيوس الآثوسي (U 12 تموز 1994) انه فيما كان في رحلة بالطائرة، مرة، ارتجّت نفسه فجأة فسأل: أين نحن؟ فقيل له: فوق البلاد السورية. فأجاب: هذه أرض ملأى برفات القدّيسين!.

)عن القديسون المنسيّون في التراث الأنطاكي للأرشمندريت توما بيطار(

الشهيد في الكهنة نقولا خشّه1 2 آب 1917

الشهيد في الكهنة نقولا خشّه1

2 آب 1917

ولد نقولا خشّه في مدينة دمشق في 31 آب سنة 1856م من أبوين تقيين هما يوسف خشّه ومريم مقبعة.

تلقّى العلم في المدرسة الآسية البطريركية.

انضم الى الجمعية الأرثوذكسية الوطنية الساعية الى تعريب الكرسي الأنطاكي فكان أحد أبرز العاملين فيها. وقد عانى، من جرّاء ذلك، السجن والمضايقة والملاحقة.

تعاطى تجارة الحرير. ولما عطلت مطاردة البوليس له، في دمشق، عمله انتقل الى مصر ولازمها ثمانية أشهر.

إثر انتخاب السيد ملاتيوس الدوماني بطريركاً سنة 1899م اتجهت أنظار رعية دمشق صوب نقولا خشّه فسيم شماساً لها في 25 آذار سنة 1900 وكاهناً، بعد ما يزيد قليلاً على الشهرين، في 3 حزيران.

نطاق خدمته

خدم الخوري نقولا رعية دمشق “بكل ما أوتي من همّة وحكمة واختبار”2.

أدار جمعية القدّيس يوحنا الدمشقي مدة طويلة واهتم بمدرستها الليلية والنهارية في القصّاع وكذلك بغرف المطالعة التابعة لها. يذكر أنه كانت للجمعية يومذاك مكتبة خاصة تذخر بالمخطوطات القيّمة والمطبوعات الفريدة في شتى اللغات3.

جعله البطريرك ملاتيوس ملاحقاً لأعمال البطريركية في الدوائر الرسمية، ووكيلاً عنه خلال زيارته التفقدية لبعض نواحي وأبرشيات الكرسي الأنطاكي كزحلة وبيروت وجبل لبنان واللاذقية وأنطاكية والاسكندرونة.

تولّى وكالة دير صيدنايا البطريركي مدة من الزمن وتعب في ضبط حساباته وتحسين أوقافه.

اعتاد البطريرك ملاتيوس إيفاده لمعالجة إشكالات وأزمات رعائية مختلفة كانت تطرأ، بين الحين والآخر، في بقاع شتى من أرجاء الكرسي الأنطاكي كحلب وحاصبيا ودير عطية ويبرود. الخوري نقولا، في هذا الإطار، كان “محبوباً جداً، حائزاً على اعتبار عظيم وفضّاضاً للمشاكل”2.

سنة 1908، أوفده البطريرك غريغوريوس الرابع وكيلاً بطريركياً عنه في أبرشية كيليكيا بعد استعفاء المثلث الرحمات السيد الكسندروس طحّان.

كان للخوري نقولا في مرسين دور بارز في تهدئة الخواطر والدفاع عن مصالح بعض الطوائف المسيحية، غير الأرثوذكسية، إثر المذابح التي وقعت في الولاية.

سعى الخوري نقولا، في مرسين، لإصلاح الأوقاف وكنيسة رؤساء الملائكة. كما أعاد فتح مدرستين فيها، احداها للصبيان والأخرى للبنات. اهتمّ بإنشاء جمعية لمساعدة الفقراء وأخرى للعناية بمدرسة البنات. كما عزّز المجلس الملّي. وكانت له حظوة لدى متصرف مرسين لاستقامته وغيرته ودماثته.

ولما وقعت الحرب العالمية الأولى كان له دوره في احتضان العائلات المحتاجة والتوسط لأجل المظلومين وتسهيل أمور الرعية لدى السلطات الرسمية.

مناقبه وفضائله

هكذا وصفه ولده، الشهيد في الكهنة حبيب4. قال: “كان رحمه الله كريم الأخلاق مضيافاً بشوشاً ذا إرادة حديدية وحكمة وثبات وانعطاف على المظلوم. من فطرته تضحية كل ما كان بإمكانه لمساعدة الضعيف من أي مذهب وجنس. ولا ينسى لطفه وعنايته وجهاء بيروت والشام الذين كانوا مدة الحرب منفيين في مرسين. وكان لا يهاب ملامة ولا يهمه حظوة في سبيل الحق. واكليروس الكرسي الأنطاكي كلهم يعرفونه حق المعرفة وكانوا يحترمون آراءه ونفوذه وإخلاصه ويقدّرون خدماته. غيوراً على الدين والعلم، كثير المطالعة، كثير الاختلاط بجميع طبقات الناس. ينال مراده بأحسن أسلوب. يصلح بين فريقين وينال محبة كليهما. يعرف كيف يتصرّف مع كل إنسان حسب مداركه ومقامه. وكان ذا نفوذ ومنزلة كبرى عند أولي الأمر وأصحاب الجاه والمراكز الرفيعة، يعرف كيف يعاملهم وينجز الأشغال المتعلقة بهم. وبالإجمال كان رجلاً اجتماعياً وخادماً للشعب بكل معنى الكلمة” (حبيب خشّه، ذكرى شهيد، 1920، ص7).

وكان الخوري نقولا الى ذلك، خطيباً جريئاً وواعظاً مفوّهاً. وقد بقيت رعية دمشق تذكر مواعظه المرتجلة في الكنيسة المريمية، بعد استشهاده بزمان. قال عنه السيّد أثناسيوس عطا الله، مطران حمص وتوابعها بعد استشهاده: ” أذكر طلاقة لسانه واسترساله في الوعظ والتفسير مما يذكرنا بالذهبي الفم”5.

استشهاده

جاء في خبر استشهاد الخوري نقولا أن رجلاً من أهل مرسين اسمه جرجي، من أبناء الرعية الأرثوذكسية فيها، اضطرته الفاقة والعوز الى الانتقال الى جزيرة قبرص. وهناك اتصل بالقنصل الإنكليزي في مرسين، المدعو الخواجا أبيلا، فكلّفه هذا الأخير بنقل رسائل الى عدد من الأشخاص المعروفين في مرسين لقاء مبلغ من المال. حمل جرجي الرسائل وعاد بها الى بلده. ولكن قبل أن يعمل على توزيعها على أصحابها خطر بباله أن يستشير الخوري نقولا، فلما عرض عليه الأمر وبّخه ومنعه من تنفيذ مهمّته، ثم أخذ الرسائل منه وأتلفها وكتم خبرها. لكن جرجي ما لبث، حباً بالمال، أن تحرّك باتجاه قبرص من جديد فألقى الأتراك القبض عليه. ولما أخضعه القومندان بهاء الدين، المشهور بعدائه للمسيحيين، للتعذيب اعترف أنه اتصل بالخوري نقولا. فجيء بالخوري وبعدد من وجهاء الطائفة وسلّموا للتحقيق. غرض بهاء الدين، منذ البداية، كان انتزاع اعتراف المقبوض عليهم باعتبارهم متّهمين بالعمالة لا فرق أأبرياء كانوا أم مذنبين. يقول أحد الرواة أن القومندان كان يصدر الى هيئة التحقيق “الأمر تلو الأمر بأن تنزل في المتهمين أفظع ما يمكن أن يخترعه العقل البشري من وسائل التعذيب ليجيء قرارهم على ما يوافق رغبته الخبيثة من وقوع التهمة على الأبرياء بجرم خيانة الوطن والتمتّع بلذّة الانتقام”6. وبعد أن ضاقت بأكثر المتهمين فسحة تحمّل فنون التعذيب وقّعوا مرغمين على اعتراف بالعمالة والخيانة. أما الخوري نقولا فلم يثنه عن عزمه لا جوع ولا ألم ولم يبال بالسياط ولا بقلع الأظافر وتكسير الأضلاع. احتمل بمنتهى الجلد فظاظة حارس ضخم قضى الليل بطوله يرتمي بجثته الضخمة على الصدر النحيف للخوري نقولا. لم ينبس ببنت شفة ولا ذكر أياً من أسماء الذين كانت الرسائل موجّهة اليهم لئلا يعرّض أحداً منهم للأذى. عزاؤه في عذابه كان بتلاوة فصول من الكتاب المقدّس. ولم يزل الجلاّدون يشبعون الخوري نقولا ضرباً وتهشيماً حتى حطّموا جمجمته فقضى نحبه شهيداً للمسيح، غيوراً على ما لله وما لشعب الله. كان ذلك في الثاني من شهر آب من السنة الميلادية 1917.

شهادات أهل زمانه فيه7

*          في رسالة للبطريرك غريغوريوس الرابع وجّهها، في 17 تشرين الثاني سنة 1918، الى عائلة الشهيد في مصر، جاء ما يلي: “تمسّك بالأمانة واستودع نفسه بيد خالقه متيقناً أنه ينال إكليل الحياة في مجد القدّيسين الأبدي” (ص14).

*          وقال عنه السيّد أثناسيوس عطا الله، مطران حمص وتوابعها: “لا تمر في مخيّلتي صورة الشهيد في الكهنة المثلث الرحمات الخوري نقولا خشّه حتى أذكر لأول وهلة وقفة العبد الصالح الأمين الذي أحسن الجهاد في مدة تجنّده وهو ينتظر كلمة مولاه الأخيرة… هنالك في تلك الساعة الرهيبة… تبرز تلك الكلمة العذبة… معلنة أن العدل الإلهي قد قدر له خدماته حق قدرها وهو يكافئه عما فعل…” (ص14).

*          وقال عنه السيد جراسيموس مسرّة، مطران بيروت وتوابعها: “… عرفناه عامياً فإكليريكياً وكان في كلتا الحالتين مثال البر والصلاح وقدوة في السيرة الفاضلة ونموذجاً في الأعمال الحسنة وأباً حقيقيا لأولاده الروحيين… قضى نحبه تحت أشد الظلم… فكان موته موت استشهاد يذكره أبناء الكنيسة بالمديح ويكتبه له الباري في صحيفة الأبناء المخلصين في سفر الحياة…” (ص16).

*          وقال عنه السيد الكسندروس طحّان، مطران طرابلس وتوابعها: “…في عصر تهافت فيه الناس على اختراع أساليب الحيلة للنجاة من الموت… نرى صورة مخشعة تتجلى فيها أمامنا نفس الخوري نقولا خشّه تجود بجسدها الخائر القوى من تعذيب المعذّبين وقلة القوت لتخلص آخرين. هذه صورة… لامعة للصورة العظيمة التي رآها العالم يوماً ما في الجلجلة يوم صلب فادي العالم لخلاص البشر… سأذكر اسمك مثالاً للرعاة الأمناء على رعيّتهم وأورد ذكرك وعملك كلما ذكرت خدمتك في مرسين البلد الذي خدمت نفوس رعيتك فيه خدمة الأمين ومتّ من أجلهم موت الأبطال لتخلص الغير” (ص 16 – 17).

*          وقد رثاه السيد ايليا ديب مطران صور وصيدا وتوابعهما بقصيدة طويلة هذا بعض أبياتها (ص 21 – 22):

سديد الرأي مقداماً جريئاً
شديد الحزم بين العاملينا

رشيداً في مناحيه مفيداً
مجيداً في مآتيه رصينا

فكم جبرت عنايته كسيراً
وكم عزّت مواعظه حزينا

وكم آوت بشاشته غريباً
وكم شملت رعايته سجينا

وكم أحيا ليالي ساهرات
ليجلي عن ذوي البؤس الشجونا

ولست مبالغاً في وصف خلّ
أقرت بأنس طلعته العيونا

بأبناء الكنيسة هام حباً
لذا في عشقه هام البنونا

فأعلاه الفضا منه سناما
وأركبه الهوا منه متونا

وتوّجه العلي بتاج فخر
وكلّل بالسنا منه الجبينا

وألبسه فضائله رداء
منيراً أسوة بالنيّرينا

وها هو يسمع التبريك منهم
وينشد مع صفوف المنشدينا

*          وقال عنه السيد روفائيل نمر، مطران حلب واسكندرونة وتوابعهما: “… كان ممن تاجروا بوزناتهم فربحت أضعافاً… مات شهيداً بيد الجور والظلم يكلله الوفاء… فذكّرتنا أعماله… بجهاد الشهداء والأبرار…” (ص23).

*          ومن قصيدة رثاه بها الخوري برناردس نحاس مدبّر الرهبنة الباسيلية الحلبية (الملكية الكاثوليكية) نقتطف الأبيات التالية (ص 24 – 25):

اذا قدّر الرحمن موت امرىء فما
لنا غير إذعان لرب البريّة

ولكن من لم يجن يوماً جناية
فكيف به إن مات أصعب ميتة

كمن قد مضى والنور كلّل رأسه
وسار به جند العلاء بغبطة

هو الأب نيقولا الذي عمّ ما جرى
به من ضروب الجور كل البسيطة

لقد عاش وألا للعفاة وقد قضى
شهيداً حميد الذكر سامي الفضيلة

سقى الله أرضاً حل فيها رفاته
سحاب الرضا والعفو عن كل هفوة

*          وكتبت عنه السيدة روزا توفيق اسكندر من هليوبوليس في مصر تقول: “…طوباكم يا أبانا الحنون لصبركم على ما قاسيتموه. طوبى لغيرتكم وحكمتكم وتفانيكم… طوبى لرأفتكم بالقاصر والفقير… ان ذكركم الكريم… في سبيل مساعدة الضعيف لا تمحوه الأيّام من قلب كل من عرفكم” (ص26).

*          وكتب فيه من القاهرة سيرافيم أفندي كسّاب الذي عرفه قبل استشهاده بسنوات في دمشق، فقال: “… عرفته نقيّاً تقيّاً غير متعصب ورعاً عاملاً مخلصاً سباقاً الى المكرمات واعظاً مؤثراً وخطيباً متدفّق اللسان عذب المنطق ظريف العشرة بشوش الوجه ولكنه عصبي المزاج… فكان يقول للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت غير هيّاب ولا وجل… أما حياته البيتية فكانت مثالاً يحتذى… فهل… توحي الى نفوسنا… وضع مثالك أمام عيوننا حتى نقوى على اجتياز هذه المخاضة الملأى بالأخطار؟!… ولربما كلامك غير الملفوظ بكلمات يسمع أوقع في النفوس من كلامك المسموع!…” (ص 29 – 30).

*        ورثاه عيسى اسكندر المعلوف بأبيات منها (ص 30 – 31):

“يعز عليّ أن تقضي شهيداً
وفي مرسين عن وطن بعيدا

وأن يجنى عليك بغير ذنب
وقد أحموا لمقتلك الحديدا

فذقت الموت ألواناً بصبر
عجيب قد أراك الموت عيدا

نظيرك معشر الأبرار كانوا
وقد سفكوا دماءهم صديدا

فنلت منالهم إكليل مجد
وكنت بجنّة الأخرى سعيدا “

كما رثاه نجيب اللاذقاني من بيروت بأبيات منها (ص32):

” أبعدوا الخوري نقولا عنوة
وجنود خانة تتبعه

ضربوه بعصي بعد أن
أثخنوه ووهت أضلعه

قتلوه صابراً مستسلماً
للردى والموت لا يفزعه

وأذاعوا أنه قد مات من
علّة قلبية توجعه

أيها الكاهن طوباك فقد
نلت إكليلا سما موضعه “

*          وتحدثت جريدة الحوادث بطرابلس الشام (عدد 343، تاريخ 22 تموز سنة 1919) عن الخوري الشهيد نقولا خشّه فاعتبرته “ذلك الذبيح الذي آثر الموت على خرق حرمة الواجب… في سبيل افتداء المئات من أبنائه”. ولاحظت أن “أعظم دليل على فضل هذا الكاهن الشهيد إجماع الكل على محبته وتقدير فضله”. ثم خاطبته بقولها: “لقد عشت عيشة العاملين الأبرار ومتّ ميتة الشهداء الأخيار فذكر هذه الشهادة لا يمحوه كرور الأدهار” (ص 33 – 34).

*          وفي رسالة كتبها المعلم حنا ياسمين في مرسين جاء ما يلي: “… رأيته وكنت بمعيّته أيام حصول المذبحة بولاية اطنه فكان يطوف ليل نهار في شوارع مرسين مسكّناً قلق الأهالي. ولقد دعاني أن أطوف معه أكثر من مرة في الليل لهذا الغرض… كان يحسن لكل إنسان لا فرق عنده من أي ملّة كان… كان ليّن الجانب… يقابل الكبير والصغير بالإحترام وبتواضع… كان كل من رآه يحبّه… وكثيراً ما كنت أصحبه لقضاء بعض الأشغال فأعجز من كثرة وقوفه بالطريق مع من يصادفهم من الأهالي… كان إنساناً بكل معنى الكلمة…” (ص 36 – 37).

*          وكتبت “فتاة مرسين” التي كانت تلميذة في المدرسة التي انشأها الخوري نقولا هناك، أقول كتبت مقالاً بعنوان “مات من ذكره لن يموت”، جاء فيه: “مات كما لا يموت سواه… وهو يتمّم الصلاة من أجل خلاص شعبه والوطن… قدّم روحه فداء عن الغير… كان لمرسين راعياً أميناً… أتى مرسين رجل الله الحقيقي… كنت أجده وراء مكتبه يكتب حتى الغروب واصلاً ليله مع نهاره حارقاً نفسه كالشمعة كي يضيء طريق الظلمة… له همّة لا تعرف الملل وحكمة نادرة… أب حنون للفقير وأخ مخلص للغني… يرشده ويذكّره دوماً بأخيه البائس المسكين… هو رب الخطابة وأمير من أمراء المنابر… أب مجاهد يعزّ وجود من يماثله… أما ذكرك فسيبقى خالداً على مدى الأيّام” (ص 38-40).

*          وظهر في “مرآة الغرب” بنيويورك، (عدد الأربعاء في 8 كانون الثاني سنة 1919) مقال كتبته إحدى خريجات المدرسة في مرسين. مما جاء فيه انه “أب ساهر على خير رعيته سهر الأم على طفلها. وهو المحامي عن الطائفة كلها والشبان خصوصاً من اعتداء الحكومة. فكم وكم من مرة حماهم في منزله متحملاً المسؤولية وذهب يدافع عنهم دفاع الأسد في دار حكومة الظلم مخاطراً بنفسه فلا يعود الا وإكليل النصر معقود فوق رأسه بفضل جرأته الأدبية وبراعته المشهورة وحماية روسيا… اني أشعر بعجزي وقصوري عن تدوين مآثره الغرّاء لكن صوت ضميري أبى أن يسكت عن مصدر الفضل…” (ص 42 – 44).

*          وفي قداس لراحة نفسه أقيم له في الكاتدرائية السورية الأرثوذكسية في بروكلين ترأسه الأسقف أفتيميوس وإكليروسه، أبّنه المتقدم في الكهنة باسيليوس خرباوي فوصف ما لاقاه رجال الكنيسة المسيحية من قديم الزمن من الاضطهادات وقال ان قتل الخوري نقولا ليس الا من تلك الاضطهادات فلذلك هو أحد الشهداء الذين تقوم على ثباتهم في الإيمان والوطنية أسس المبادىء. وقد وزع رسم الشهيد على المصلّين لدى خروجهم من الكنيسة (نقلاً عن جريدة السائح بنيويورك عدد 27ك2 سنة 1919). (ذكرى شهيد. ص 45).

ــــــــــــــــــــ

الحواشي

ــــــــــ

(1)      ان المعلومات التي أوردناها في هذه السيرة استعرناها، بصورة أساسية، من كتيّب للخوري الشهيد حبيب خشّه، ابن الخوري نقولا، وضعه وطبعه في مطبعة الهلال بمصر سنة 1920. وقد جمع الخوري حبيب، في هذا الكتيّب، ما تمكّن من جمعه، آنذاك، من رسائل ومقالات وأخبار، في الوطن والمهجر، تناولت استشهاد أبيه. دونك عنوان الكتيّب: ذكرى شهيد ” مراثي قيلت في شهيد الكنيسة والوطن المثلّث الرحمات الخوري نقولا خشّه الدمشقي”. مصر: مطبعة الهلال، 1920 .

الى هذا استعنّا بورقة مخطوطة وضعها جوزيف زيتون، أمين الوثائق البطريركية بدمشق في 14/12/1992، واعتمد فيها على عدد من مصادر البحث نجد من المفيد ذكرها للقرّاء:

أ –      الوثائق البطريركية (أبرشية دمشق، مرسين)

ب-      السجلاّت البطريركية. مسوّدة سجل القومسيون 1892 – 1894

ج-      حبيب خشّه، شهيد الكنيسة والوطنية

د-       روايات شفهية

هـ-     مشاهدات من رحلة غبطة البطريرك أغناطيوس الرابع الى أنطاكية والاسكندرونة وكيليكيا (زيارة مرسين) 1992 .

عنوان ورقة جوزيف زيتون هو التالي:

زيتون جوزيف، شهيد الكنيسة والوطنية: الخوري الشهيد نقولا خشّه. مقال مخطوط.

يذكر ان مقالاً بعنوان “الخوري الشهيد نقولا خشة الدمشقي وابنه الخوري الشهيد حبيب خشة” ظهر في زاوية “أعلام أرثوذكسيون” من نشرة البطريركية، عدد تموز، 1994 ص 33 – 45 .

(2)      ذكرى شهيد. ص  5

(3)      شهيد الكنيسة والوطنية. ص1

(4)      ذكرى شهيد. ص7

(5)      المصدر عينه. ص15

(6)      المصدر عينه ص11

(7)      هذه كلها مستعارة من كتيب “ذكرى شهيد”.

)عن القديسون المنسيّون في التراث الأنطاكي للأرشمندريت توما بيطار(

الشهيد داود الحلبي1 ( 28 تموز 1660م )

الشهيد داود الحلبي1

( 28 تموز 1660م )

هكذا ارتسمت صورة داود الحلبي لما دنت ساعة شهادته بدمه للمسيح: رجلاً رومياً أرثوذكسيا، متزوجا2، ذا أربعة أولاد وأم عجوز تعهّدها، غنياً، عامل خراج سابقاً أميناً شهد الناس لاستقامته، حاد الطبع، ثابتاً في قناعته، يقول الحق متى احتدت روحه فيه كائناً ما كان الثمن. لا يحابي الوجوه ولا يأبه لوعيد. وقد كان له من العمر لما قطع الأتراك رأسه خمسون سنة.

فإذ أخذ مكانه في الجباية رجل ظالم حسود أثيم اسمه يوسف، ضاق هذا الأخير بداود ذرعاً لما كان القوم يعيبون عليه سيرته وسوء معاملته لهم وادين لداود ذكراً طيّباً على استقامة في السيرة وحسن في الشميلة دون خلفه. فلما بلغ يوسف من الغيظ أبلغه واشتدت به أفكار السوء، عزم في سرّه على التخلّص من غريمه. فحاك له في نفسه حيلة نكراء من بطون الأبالسة دهاء.

كان يوسف عالماً بكون سلفه حاد الطبع، سريع الغضب، فأوفد اليه وكيله الجوّال برفقة شاهدين اثنين من المسلمين. فما أن التقوه حتى بادره الوكيل بالقول ان عليه ضريبة لم يسدّدها هي ضريبة الطرابيش. لبس الطربوش، يومذاك، كان يخضع للضريبة، والطرابيش على ألوان، وليس مأذوناً للمسيحيين أن يلبسوا منها الا ما تلوّن بالأزرق المخطّط بالأبيض. فاعترض داود مؤكداً أنه سبق له أن سدّد ما عليه. وإذ كان همّ المتحرّشين به إثارته وإخراجه عن طوره، أساؤوا معاملته وضربوه بالقضبان فصعد الدم الى رأسه واغتاظ حتى ذهب الغيظ بصوابه فأمسك طربوشه وطرحه أرضاً وصاح: “ماذا ! أيكون حالي أسوأ من حال الأتراك، ولأني مسيحي تستحلّون اهانتي وتسيؤون اليّ على نحو ما تفعلون؟!” ولكن، تمثّل الوكيل ورفيقاه تهدئة الرجل وتعميمه وانصرفوا وعاد داود الى داره.

فلما بلغ الدار طالعته أنظار أهل بيته في دهشة واستغراب. ماذا على رأسك؟! كان على رأس داود لا طربوشه المعتاد، الأزرق المقلّم، بل طربوش آخر، أخضر اللون محظر لبسه على غير الأتراك المسلمين. وإذ أخذ داود يضرب أخماساً بأسداس لا يدري أفي اليقظة كان أم في المنام، فيما أهل بيته يستسترون الله عاقبة، أخذت أصوات الطبول والمزامير تتردّد في البعيد ثم تعلو وتشتدّ وكأنها تدنو من الدار. ماذا هنالك؟ مرسلون من القاضي أتوا، بهرج ومرج، يهنئون داود على انتقاله الى الإسلام ويكتتبونه ويعدّونه للختان. ألبسوه طربوشاً إسلامياً، على غفلة منه، وأشهدوا عليه اثنين أمام القاضي فحسبه على الإسلام! وإذ فطن الرجل الى الحفرة التي سعى المحتالون الى إيقاعه فيها، هتف: “معاذ الله أن أتترّك، فأنا مسيحي وعلى دين المسيح أموت”. ثم تناول الطربوش التركي وداسه بقدميه والتفت الى المقبلين اليه وقال: “عودوا الى معلّمكم وقولوا له إني لا أستفظع شريعة أكثر مما أستفظع شريعته… والطربوش الذي وضعوه على رأسي، على غفلة مني، قد جعلته تحت قدميّ ودسته على مرأى منكم لتعلموا التصاقي بيسوع المسيح”. فوثب عليه الناس وهم  يقذفونه بالصيحات والشتائم وتطايرت أيديهم وأرجلهم عليه لبطاً ولكماً. ثم قيّدوه في يديه وجرّروه الى “المتسلّم”، ونائب الباشا، فاستجوبه ثم أحاله الى القاضي، فتودّد اليه القاضي وأسبغ عليه من المواعيد أحلاها فلم يلق منه غير الخيبة، فردّه الى “المتسلّم” فلم يشأ أن يلقيه في سجن العاديين بل جعله في السرايا مكبّلاً بالسلاسل والحديد، في مقصورة من مقصورات المحكومين بالإعدام.

أقام داود في السجن شهرين كاملين سعى غرماؤه خلالها الى كسر مقاومته بشتى الطرق فلم يفلحوا. هدّدوه مرّات بما سيؤول اليه حاله وحال أهل بيته. جدّدوا وعودهم لهم بالخير العميم اذا أذعن. أفلقوا رجليه بالقضبان مرّات. ألزموا والدته وزوجته بالوقوف أمامه والبكاء عليه والطلب اليه أن يرضخ ولو في الظاهر ويبقى على مسيحيته في السرّ فلم يستجب لندائهم ولا أخذ بالتماسهم وإن آلمه الحال أشدّ الإيلام، واضطربت نفسه واهتزّ كيانه. لكن الرب الإله شدّده فثبت على الإيمان قويماً.

أخيراً استحضره الباشا وقال له: “ألا اعلم، يا كلب، اني ما زلت بعد رئيفاً بك. أستحلفك بالله العليّ العظيم أن تعترف بشريعة النبي العظيم فإن فعلت أكرمتك ومنحتك كل ما تحتاج اليه لتسعد أنت وأهل بيتك، وإن لم تفعل أزهقت روحك وجعلت الحياة على ابنك أسوأ من الممات”. فأجاب داود انه لم يسبق له أن قبل بدين محمّد ولا نيّة له في قبوله الآن بل هو باق على دين المسيح وهو مستعد لأن يموت من أجله. فعصب الجلاّد عينيه ورفع السيف فوق رأسه، وهوى به عليه، فأصاب كتفه الأيمن، عن قصد، ليرهبه. كلمة واحدة كان بإمكانها أن ترفع السيف عنه فلم يتلفظ بها. ثبت على الأمانة للمسيح! وهوى السيّاف بالسيف ثانية عليه فأصاب كتفه الأيسر فقطع بعضه. وارتفع صوت داود: لست أقبل بغير المسيح ديناً! فهوى السيف ثالثة فقطع رأسه وتمّت شهادته. حدث ذلك في الثامن والعشرين من شهر تموز من السنة الميلادية ألف وستمائة وستين.

في اليوم التالي، التاسع والعشرين من تموز، رأس الخدمة البطريرك مكاريوس ابن الزعيم (1647 – 1672م) بحضور البطريرك السرياني والبطريرك الأرمني وخمسة أساقفة آخرين وأعداد من الكهنة وجموع حاشدة من أهل حلب. كانت الخدمة خدمة الشهيد. وقد واراه الثرى أربعة من الأساقفة، من الروم الأرثوذكس.

ــــــــــــــــــــ

الحواشي

ـــــــــــ

(1)      هذه السيرة استمددناها مما وضعه عنه ايلي ضنّاوي بين أيدينا مشكوراً من أخبار وتقارير الإرساليات الأجنبية وقنصل فرنسا في حلب François Picquet (1652-1662م) في ذلك الحين. أنظر في هذا الشأن:

+  Goyau, Georges, “Le rôle religieux du consul François Picquet dans Alep (I652 – I662)” dans Revue d’Histoire des Missions, Tome XI, I934 P. I6I – I98

+  “L’âge d’or des Missions Latines en Orient (XVIIe – XVIIIe siècles)” dans L’Unité de l’Eglise, 8I (I936) P. 784 – 789.

+  Goyau, Georges, “Un précurseur: François Picquet…”, t.2 Institut Français de Damas, Paris I942, P. I03 – II4.

+  “Briève Relation de la Mission d’Alep en I662”, Archives Nationales, Paris, L. 932 n. 4, P. 450 – 460.

(2)      ولد داود وترعرع وعاش رومياً أرثوذكسياً. ولكن، ذكرت المصادر الأجنبية أن أحد المرسلين الكرمليين، الأب Bruno de St – Yves ، وهو رئيس الكرمليين الحفاة في حلب، تمكّن بهمة القنصل Picquet من الدخول الى الزنزانة التي كان داود محتجزاً فيها واقتنصه الى الكنيسة اللاتينية. كما ذكرت المصادر عينها أن القنصل الفرنسي اشترى جسده بالذهب بعدما جرى قطع رأسه. ولما ووري الثرى كتب على قبره باللاتينية ما ترجمته: “هذا هو داود الذي عاش قبلاً مفصولاً عن الرأس. وهو ملتصق الآن بالرأس بثقة ولو جرى قطع رأسه . فإن موته حياة بعدما كان عائشاً في حال من الموت؛ لأن الحياة من الرأس الأوحد تنساب كما يعلّم الإيمان الأوحد”. وقد ذكر أن وهبة (الله)، ابن الشهيد، انضم الى الكرمليين، فيما بعد، واتخذ اسم David de Saint – Charles ، تيمناً بأبيه، ودرس في روما ومات قاصداً رسولياً وأسقفاً على إزمير.

من المفيد أن نذكر شيئاً عن المرسلين الأجانب ومناخهم الذهني في حلب يومذاك. هؤلاء كانوا من الكرمليين والكبّوشيين واليسوعيين. استقروا، في المدينة، في العشرينات والثلاثينات من القرن السابع عشر. وقد جاؤوا الى البلاد السورية مشبعين بالفكرة البابوية أن من ليس من إيمان بابا رومية وخاضعاً له وفي شركة معه فهو خارج عن الكنيسة. على هذا رمى المرسلون، بكل قصد حسن، الى استعادة من أسموهم “الانفصاليين والهراطقة” معتبرين أنفسهم “ملزمين بتوفير العناية لهم لإعادتهم الى حضن الكنيسة ووضعهم، من جديد، على درب الخلاص”. الانفصاليون، في نظرهم، كانوا الروم، الذين أسموهم “اليونانيون”. أما الهراطقة فكانوا السريان والأرمن والكلدان. قبل وصول القنصل Picquet كان عمل المرسلين محدوداً ومحفوفاً بالمضايقات والمخاطر، كما كان أكثره في الخفاء. فلما جاء Picquet الى حلب، قنصلاً، وفّر لهم الغطاء الأمني والدعم المالي والسياسي حتى بدا عمله في خدمة الإرساليات الأجنبية أبرز بكثير من عمله القنصلي. كل هذا أمّن للإرساليات امتيازات شجعتهم على الخروج من تواريهم وبدّدت مخاوفهم فأضحوا مقدامين جسورين يتحركون بثقة وحريّة دون سائر المسيحيين المحلّيين. في إطار المناخ الجديد، بات همّ المرسلين الإفادة من كل الفرص المتاحة لاختراق الكنائس المحلية. هنا لا بد من الإقرار بأن الغاية، بالنسبة لهؤلاء المرسلين، كانت تبرّر الوسيلة. فقد سعوا، عبر Picquet ومعه، الى كسب الدعاية لأنفسهم، بكل الطرق الممكنة. ولعله من الصعب التفريق بين ما كان لـ Picquet وما كان لهؤلاء المرسلين لأنهم كانوا جميعهم يعملون يداً واحدة وفكراً واحداً. ولا شك أن Picquet كان رجل علاقات عامة من الطراز الرفيع، عرف كيف يستميل الباشا وغيره من الموظفين الأتراك بالهدايا والمال، كما عرف كيف يتقرّب من البطاركة والأساقفة من خلال الموائد والخدمات والمساعدات، وكيف يعكس عن نفسه صورة الرجل الشعبي، من خلال بذل الأموال لإطعام الجياع وفضّ المشاكل.  ولا شك، قبل ذلك كله، أنه كان يعرف جيداً كيف يجيّر كل هذه الخدمات لصالح الإرساليات. من جهة أخرى لم يكن Picquet والمرسلون ليتورّعوا عن التآمر واستغلال النفوذ السياسي لتمرير مخطّطاتهم وضرب السلطات الكنسية المحلية. من ذلك مثلاً اختيار وتنصيب اندراوس Akidzian السرياني المنشق رئيس أساقفة على السريان في حلب، بعد وضع اليد عليه من قبل البطريرك الماروني في دير قنوبين (!) ثم استصدار فرمان من السلطان التركي في اسطنبول يأمر باعتراف الملّة السريانية، في حلب، به تحت طائلة الموت شنقاً. إثر ذلك فرّ البطريرك السرياني من حلب ودخل الكهنة السريان في صراع مع رئيس الأساقفة المزعوم. وقد استمر الصراع الى أن اضطر   Akidzian  الى الخروج من حلب. ولكن حدث، بعد مدة، أن جريمة حصلت في حي السريان ففرض الأتراك على أهل الحي أن يدفعوا مبلغاً من المال عقاباً لهم. وإذ تحيّر القوم في أمرهم ولم يدروا كيف يتدبّرون تدخّل Picquet مستفيداً من الفرصة ودفع المال عنهم، فجاؤوه شاكرين ممتنين فجعل ثمن خدمته لهم أن يخرج الكهنة الذين قاوموا Akidzian للبحث عنه وإعادته رئيس أساقفة أصيلا على حلب (!).

في هذا المناخ الاقتناصي الانتهازي المنحرف تحدثت مصادر الإرساليات، بإكبار(!)، عن انضمام داود الشهيد، الرومي الأرثوذكسي المرتع، الى الكنيسة اللاتينية. ولم ينس اللاحقون أن يلفتوا الى أثر ذلك على الكهنة والناس الذين صاروا يقبلون على المرسلين بغيرة وحماس لم يعهده المرسلون، من قبل، في حلب.

)عن القديسون المنسيّون في التراث الأنطاكي للأرشمندريت توما بيطار(

الشيخ جرمانوس من دير ستافروفوني – قبرص

الشيخ جرمانوس من دير ستافروفوني – قبرص
نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

لمحة موجزة عن الدائم الذكر الشيخ جرمانوس ستافروفوني

ولد الشيخ جرمانوس في قرية أوغورو التابعة لأبرشية أمّوخوستوس (قبرص) سنة ١٩٠٦ من أبوين تقيين هما نقولا ومارغاريت، من عائلة حاجي جيورجي. بسبب قراءته في صباه لسيرة القديس يوحنا الكوخي، اندفع بحماس موطداً العزم ليعيش الحياة الديرية (الرهبانية).
في عمر السادسة عشر دخل دير ستافروفوني مُظهراً حماسة مثالية وطاعة ملفتة كمبتدئ في الرهبنة. تمّت الصلاة عليه ليلبس الإسكيم في عمر الرابعة والعشرين وتغيير اسمه – الذي كان جورج – ليُصبح جرمانوس. رُسم شماساً في السنة اللاحقة. مُنح الإسكيم الكبير في عمر التاسعة والعشرين ورُسم أرشمندريتاً في عمر الثامنة والثلاثين.
لقد أسهمت حكمته الظاهرة ونقاء سيرته وقدراته الإدارية بشكل رئيسي لانتخابه رئيساً للدير سنة ۱۹۵۲ حين رقد الشيخ ذيونيسيوس الثاني الدائم الذكر. كان قدوة في رئاسته للدير: أولاً في براءته، في تسامحه، في حلمه، في صبره، في خدمته، في كدِّه، في هدوئه، ومشاركته في الخدم المقدّسة. لقد كدّ كثيراً لأن يزرع في نفسه الصلاة غير المنقطعة.
كان التواضع بضمير حي واحدة من فضائله الرئيسية. لقد تجنّب أي إسقاط من قلبه تجاه العالم الخارجي، وأيضاً تجاه الناس الذين من حوله. لقد جاهد لإخفاء فضائله بكل ما أُعطيَ من قوّة. لذلك، وكقاعدة عامة، استطاع القليلون تمييز الكنز الخفي المستور في هيئته الجلية. كانت صلاته غير المنقطعة مع دموع، ووقفته الملائكيّة أمام هيكل الله المرهوب خلال القداس الإلهي، والمثال الفريد والمميز الذي هو حياته، كل ذلك أعلن عن إثمار روحي غني، ليس فقط في ديره، بل في الأديرة النسائية في قبرص التي ازدهرت وتدين بالشكر بصورة رئيسية لجهوده.
لقد كان أباً روحياً معرّفاً من الطراز الرفيع، قاد العديد من الناس الى التوبة والتحوّل الروحي الأصيل الى الرب. إن حياته كلها شهادة حيّة حقيقية للمسيح الحي.
لقد اختتمت حياته الأرضية بنهاية استشهادية. بعد ظهر الواحد والثلاثين من آب سنة ۱۹۸۲ الذي هو اليوم الأخير من السنة الكنسية وهو أيضاً يوم مخصص بامتياز لوالدة الإله الفائقة القداسة الذي يوقّره الشيخ الموقّر، وعندما كان عائداً من عمل يوم متعب في بساتين الزيتون وهو يقود جرارالدير الزراعي، سقط في وادٍ عميق حيث لاقى موته الإستشهادي بدون أن يلقى أيّة مساعدة. هكذا رقد الشيخ المبارك في نهاية السنة الكنسية. هذه الشخصية الأصيلة التي حياتها تضحية متواصلة وخدمة لا تنقطع.
لقد نُقل، بدون شك، الى الهيكل السماوي حيث التسبيح الذي لا ينتهي. أما الرهبان الذين أمضوا طيلة فترة بعد الظهر في التفتيش عنه، فقد وجدوه في اليوم التالي ميتاً وفي وضع صلاة حيث يداه ورجلاه بشكل صليب، فكان ذلك علامة منظورة على عمله الروحي حتى في تلك اللحظات الأخيرة المملوءة ألماً ومعاناة من ميتته الإستشهادية التي تشبه معاناة الولادة والتي تدخله الى الحياة الأبدية.

إرشادات ونصائح الشيخ جرمانوس

حول الإيمان بالله

من يتغلّب على أهوائه يَنَل إيماناً عظيماً.
الإيمان الكبير نعمة من الروح القدس. فهي تُمنح بغنى فقط لأصحاب القلوب المنقّاة من الأهواء.
يجب أن نؤمن بالمسيح من كل قلوبنا، فيكون الذهن مستنيراً فنتغلب على الخطايا، تتلاشى الأهواء، يعتري نفوسنا الهدوء، ويكون كل كياننا مُفعماً بالحياة.
يوجد إيمان حقيقي صادق كما يوجد إيمان كاذب. يظهر الإيمان الحقيقي في وقت التجربة. أما الإيمان الكاذب فيزدهر فقط في أوقات الراحة ويذبل وقت الإمتحان. هل تصلّي بإيمان؟ ستُسمع. هل تتوب بإيمان؟ ستنال الرحمة. هل تعترف بإيمان؟ ستُغفر خطاياك. هل تصبُر بإيمان؟ ستتقدس. “إني أؤمن بالمسيح” هذا يعني أن ثقتي به في كل شيء. لا أُغيّر ولا حتى حرفاً أو نقطة من تعاليمه ووصاياه، وإلا فسأكون هرطوقياً. والهرطوقي هو خارج فُلك الخلاص. سيُغرقه الطوفان.
يتجلى إيماننا في أعمالنا، في كلماتنا وفي أفكارنا.
ما يُحرز الإيمان الحقيقي يتجلّى ببرهان أكيد في سير الشهداء الأبرار النساك المعترفين الذين يمارسون ضبط النفس وكل أعمال القديسين.
بالإيمان بالإله الحقيقي والتواضع نتغلب على أهوائنا، والشياطين الذين يناضلون لأذيتنا سيلوذون بالفرار وبطريقة سرية وفائقة الطبيعة يُجرّدون من أسلحتهم.
“إني أؤمن بالمسيح”، عبارة لا تعني وحسب أنه عليّ الانتظار والطلب من الله أن يسمع لي محققاً رغبتي. “إني أؤمن بالمسيح” تعني أنني أقدّم الطاعة لله مُحققاً رغبته هو، أكان ذلك يُرضيني أم لا. لهذا نقول لله في صلاة “أبانا الذي…”: “لتكن مشيئتك…” وليس: “لتكن مشيئتي”.
حول العناية الإلهية

كيف يستطيع الناس إيذاءنا عندما يكون الله محباً لنا ومُدبراً لأمورنا؟ إذا كنت تفهم محبة وعناية أهلك لك، ففكّر أن محبة الله لك وعنايته بك هما أكبر بما لا يُقاس. إحفظ ذلك في فكرك ولا تيأس.
المرض الذي يعتريك في ظل العناية الإلهية هو دواء يشفي نفسك من الأهواء والشرور والخطيئة. يقبل المرء المرض كفرصة للصلاة والتوبة كذلك.
في معاناتك الآن من مرضك يصعب عليك أن تخطئ، ولا تُشبَع الأهواء كما يحدث عندما تكون مُعافى. يجب أن ترى محنتك على أنّها “الباب الضيّق والطريق الصعب” (متى ۷:۱٤) الذي يقود الى الحياة الأبدية. عظموا الله الذي بعنايته ومحبته سمح بهذا الأذى الوقتي مما يفتح الطريق الى الأبدية من أجلك.
في الرجاء بالله

مع الصلاة المستمرة والإعتراف الصادق والدراسة المستمرة للكتاب المقدس وسير القديسين يتكوّن الرجاء المسيحي في نفوسنا ثابتاً وقوياً.
لقد وضع القديسون كل رجائهم على الله ولم يخيبوا. ليكن هذا مثالاً نحذوه.
لا تستسلموا حتى ولو حاربتكم أهواؤوكم أو أفكار الخطيئة. إبدأوا بداية جديدة دائماً، وقولوا: “الله حي، لهذا لن أيأس”.
من يتّكل على الله لن يرقى الى طريق مسدود.
من لا يتّكل على الله يفتّش على تعزيات خادعة في الفلسفات الضبابية وفي الانحرافات التي تقود الى الخطيئة والمشروبات المؤذية وحتى في لمخدرات.
الصلاة بلا رجاء كالسفينة بلا بوصلة.
أي نوع من المسيحيين نحن إذا كنّا نعيش “كسائر الذين لا رجاء لهم” (۱تسا ٤:۱۳).
من يعمل بحسب وصايا الله يرجُ المكافأة، لأن الرب يقول: “إن أجركم عظيم في السماوات” (متى ۵:۱۲) فيتوجه الى المسيح قائلاً: “لتكن يا ربّ رحمتك علينا كمثل اتكالنا عليك”. (مز ۳۲:۲٢).
في المحبة

من يُجاهد ليحظى بالمحبة الكاملة تجاه الله كما تجاه قريبه يتمكّن من الإعتراف بأن يسوع المسيح هو الرب “بالروح القدس”.
يجب أن تثق بأن الله يحبّك حتى ولو نبذك كل الناس وتخلى عنك الجميع.
إذا جاهدت في محبة الله بقدر فإنّه يظهر ذاته لك بقدر أكبر.
الحب الإلهي موجود ولكن الحب الشيطاني موجود أيضاً. كما هناك بغض إلهي وهناك أيضاً بغض شيطاني.
المحبة الإلهية تنمو عن طريق المحافظة على وصايا الله. المحبة الشيطانية شريرة راغبة باللذة وشهوانية. البغض الإلهي هو بغض للخطيئة. أما البغض الشيطاني فهو ضد كل إنسان من جنسنا وحتى ضد الأعداء.
الشرير يتذوق الموت، في حين أن المُحبّ يتذوّق الحياة الأبدية. لا مكان في ملكوت السماوات للذين لا يوجد مكان لمحبة الأعداء في نفوسهم.

بعض من ذكريات مع الشيخ بورفيريوس

بعض من ذكريات مع الشيخ بورفيريوس

أناستاسيوس تزافاراس
ترجمته بتصرّف عن اليونانية راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع
رسالة الشيخ بورفيريوس إلى أولاده الروحيين

أبنائي الأحباء،

بما أنه لا يزال تفكيري سليماً حتى الآن، أود أن أوجه إليكم بعض النصائح. كنت متمرغاً بكل أنواع الخطايا منذ طفولتي، وعندما كانت أمي ترسلني لأحرس الحيوانات في الجبل، لأن أبي نظراً لعوزنا نحن أولاده، كان قد سافر إلى أميركا ليعمل في قناة بناما. وأثناء رعايتي للحيوانات تهجأت حياة القديس يوحنا الكوخي الذي أحببته كثيراً. وكطفل صغير كنت أتراوح بين 12 – 15 سنة، إذ لا أذكر تماماً، صليت مراراً كثيرة مبتغياً، وبجهاد كبير، أن أقلده. فذهبت خفية عن أهلي قاصداً كافسوكاليفيا في الجبل المقدس، حيث تتلمذت هناك لشيخين شقيقين بندلايمون وأيوانيكيوس. ومن حسن طالعي أنهما كانا تقيين وفاضلين جداً فأحببتهما حباً جمّاً. وهكذا، وبصلواتهما، كنت مطيعاً لهما تماماً، الأمر الذي ساعدني كثيراً، إذ أحسست بمحبة فائقة نحو الله فعبرت عندئذ أيامي بشكل جيد. ولكن، وبتخل من الله بداعي خطاياي، مرضت كثيراً، فطلب مني الشيخان أن أمضي إلى أهلي في إيفيا. وبما أني كنت قد ارتكبت منذ طفولتي خطايا عديدة، فعندما عدت إلى العالم عاودت ارتكابها من جديد. وأما الناس فاعتبروني صالحاً وقديساً مع أني أحس بأني أكثر رجل خاطئ في العالم. وطبعاً اعترفت بخطاياي التي كنت أذكرها، وأنا على يقين بأن الله سامحني بكل ما اعترفت به رغم أنها اليوم كثيرة جداً. لذا أرجوكم أنتم يا من عرفتموني بأن تصلّوا لأجلي لأني أنا أيضاً، وبكل تواضع، صليت لأجلكم عندما كنت حياً. وأما الآن، وبما أني سأنتقل إلى السماء، فلدي شعور بأن الله سيقول لي: “ماذا تبغي أنت هنا؟” وأما جوابي الوحيد له فهو: “لست مستحقاً يا سيد لهذا المكان، ولكن اعمل بي بمقتضى محبتك”. لذا فأنا لا أعلم ماذا سيحدث بعد ذلك، ولكني أرجو أن تتداركني محبة الله. أتمنى على أبنائي الروحيين أن يحبوا الله الذي هو الكل في الكل كي يؤهلنا أن ندخل كنيسته غير المنظورة. لأنه من هنا، ونحن على هذه الأرض، يجب أن يبدأ جهادنا. سعيت دوماً أن أصلي وأن أقرأ التسابيح الكنسية، الكتاب المقدس وسير قديسينا. فأتمنى أن تعملوا أنتم أيضاً الشيء نفسه.

أرجو جميعكم أن تسامحوني بكل ما أحزنتكم به.

الكاهن المتوحد بورفيريوس

من كافسوكاليفيا في /4-17 تموز1991/  

بعض من الذكريات مع الشيخ بورفيريوس

حاولت بصعوبة أن أكتب إليكم، أنا الحقير، بضعة سطور عن الجد الصغير كما ندعوه نحن معظم أبنائه. فعلت هذا محبة بكم مستقوياً بأقوال ربنا حيث يقول: “بأنه جعل قديسيه عجباً، كما أنه هو عجيب في قديسيه “.

وعلى الرغم من صعوبة هذا العمل، إذ إنني لست لاهوتياً ولا مصنفاً كتابياً موهوباً ولا أديباً أو فقيهاً بالمعاني والأشكال الجوهرية، سأجتهد، وللفائدة، لأنقل ما أعرف عنه عربوناً لمحبتي تجاهه ولمجد ثالوثنا القدوس.

كنت جالساً ذات يوم إلى طاولة في إحدى ساحات قريتي الصغيرة، أتحاور مع اثنين من مواطنيّ الأكبر مني سناً، عندما سمعت لأول مرة عن الأب بورفيريوس. إن الله أظهر أولاً الأب بورفيريوس قديساً، ثم أعلناه نحن الذين سمعناه وعاينّا عجائبه، وهكذا أيضاً سوف تعلنه الكنيسة، لا لشيء سوى لمحبته الكبيرة لله التي ملكت نفسه وقلبه. لقد دلّت طاعته طيلة حياته على حرارة إيمانه وتواضعه العميق، إذ كثيراً ما كان يردد: “الطاعة يا ولدي تعني التواضع”.

أما أنا، كابن روحي للأب بورفيريوس، فقد عرفته لأول وهلة صدفة بواسطة أحدهم، ولكن فيما بعد عرفته أكثر عندما أتيت أثينا لأقدّم امتحاناتي في حقل الطيران. كنت أحاول جاهداً أن ألازمـه حتى  آخر أيامه، أي قبل

رحيله إلى الجبل المقدس حيث رقد. كما كنت أجتهد أن أتشبه به ولو قليلاً.

وهكذا لازمته أولاً في كنيسة القديس جراسيمس في بوليكلينيكي أثينا، ثم في كنيسة القديس نيقولاوس في كاليسيا، ثم فيما بعد في الدير في ميليسي، ثم متنقلاً ما بين مختلف المنازل أو المستشفيات حيث كان يحلّ لإجراء علاجات لمختلف الأمراض التي عاناها بصبر محبةً بالمسيح. وهكذا لم أكن أهمل أية فرصة لألازمه، كما أننا مرات كثيرة ترافقنا في سيارتي قاصدين جهات مختلفة.

كنت أراقبه دوماً كيف كان يصلّي، كيف كان يقبّل الإيقونات، كيف كان يشعل شمعته. كيف كان يعامل كل من يدنو منه، كيف كان يسامح أو يتكلم أو يتمشى أو يكهن. كيف كان يشجعنا ويقوّي إيماننا. وكيف فضّل أخيراً أن يموت في الجبل المقدس هرباً من الضوضاء، في حديقة العذراء التي طالما أحبها واتخذها مرشدة له. وبهذه الوسائل البسيطة مجَّد أبانا السماوي هنا على الأرض.

لذلك مجده المسيح أيضاً بدوره هنا على الأرض بالمحبة الكبيرة التي كان يبديها المؤمنون نحوه. إذ كان يزوره يومياً العشرات بالسيارات، والمئات بالباصات فقط لينالوا البركة. وبالإضافة إلى مجد الأرض مجده الرب أيضاً في السماء. والآن فهو يشفع من هناك مع بقية القديسين من أجل خلاصنا، كما يمدنا بالمعونة عندما نسأله، الأمر الذي اختبرته جيداً إذ إنه لم يرفض لي مطلقاً أي مطلب شرط أن يناسب طبعاً ما هو صالح لخلاصي.

لقد منحه الله موهبتي البصيرة ( أي الرؤيا ) لنقاوة ذهنه والنبوءة ( أي

معرفة المستقبل )، إلى جانب المواهب الأخرى التي كان يستخدمها مراراً، حسبما كان يقول لنا، ليساعد المؤمنين على تقدمهم الروحي، وليحرك حميتهم نحو محبة المسيح وكنيسته.

هذا هو رأيي المتواضع، وبهذا أنصحكم أن تتخذوا كلكم الأب بورفيريوس نصيراً وشفيعاً لدى الله لتنحدر عليكم من العلاء الصالحات التي ننالها عندما نطلبها بمحبة وتواضع كبيرين.

وصية ترك لنا في إحدى رسائله، والتي أوردها لكم لتعلموا كلكم بماذا أوصانا قبل انتقاله عنا بالجسد. ورغم أنها تتضمن إرشادات قليلة، لكنها بالنسبة إلينا نحن أولاده تعني الكثير.

إنه ينصحنا أن نصبح نحن أيضاً أبناء لله، لهذا نجتهد، بقدر الطاقة، أن نحفظ كل ما تعلمناه وعشناه بقربه. وبهذا فقط يبتهج في السماء من حيث يشاهدنا ويساعدنا لمجد الله الآب والابن والروح القدس آمين.

والآن أتابع سرد مختلف القصص الصغيرة منها والكبيرة، والوصايا والحوادث وغيرها، التي بواسطتها يستطيع كل امرئ أن يلمس سمو قداسة الأب الشيخ الموقّر والمغبوط بورفيريوس، وذهنه الصافي مع مختلف مواهبه الأخرى: الأشفية التي صنعها، المساعدة التي قدمها لكل الذين كانوا يزورونه أو كانوا يتصلون به هاتفياً أو كانوا يطلبون شفاعته. هذا وأرجو منه، هو الذي تحرر من الجسد والحائز ملء نعمة الإله المثلث الأقانيم، أن يمنح جميعنا من عليائه ما هو صالح لخلاص نفوسنا.

وهذا نموذج صغير أستقيه من حياته ومن كل ما جرى مع المئات من أبنائه الروحيين من كل سن ورتبة:

ذات يوم كنت أقود سيارتي وإلى جانبي الأب بورفيريوس، وكنت أسأله بتواتر حول مختلف الأمور الروحية أو الحوادث التي كانت تجري معه. فطلبت منه أن يقصّ عليّ ماذا جرى له مع السيد باسيليوس الذي أتى إلى قريتي لاهثاً خائفاً. أجابني: “ما الذي ذكّرك به الآن”؟ ثم بدأ يروي لي ما جرى:

لست أدري كيف استطاع بعضهم أخذي لأعلمهم أين يوجد ماء، مع أني لم أكن أرغب أبداً بمرافقتهم. إن أحد معارفك المدعو السيد ميخائيل، وهو ابن أخ السيد باسيليوس، كان قد دعاني يوماً إلى حقله لأشير له في أية جهة يوجد ماء. ومع أني أوصيته بألاّ يخبر أحداً بهذا الأمر، إلاّ أنه لم ينفّذ الوصية بل نقله لأحد أخصائه المقربين الذي كان يملك هو أيضاً حقلاً في الموضع نفسه. وبينما كنا نجتاز حقل السيد باسيليوس لنذهب إلى حقل السيد ميخائيل، ناداني هذا الأخير عن بعد وقال لي:

– هيا بنا يا أبتي لتجد لي أنا أيضاً ماء في حقلي. ثم أردف: الويل لك يا أبتي! أمسموح لك وأنت الكاهن أن تهتم بأشياء كهذه مستهزئاً بالناس؟ لو علم المطران بهذه الأمور التي تفعل لحلق لك لحيتك”.

– ولكن أي شر أفعل؟ ها قد توسل إليّ السيد ميخائيل أن أريه أين يوجد ماء، وبما أن الرب قد منحني هذه الموهبة فلم أرفض.  

– ولكن كيف تستطيع أن تتفوه بهذا يا أبتي؟ كيف تدّعي معرفة أين يوجد ماء؟

– نعم أنت على حق. أما بالنسبة لعيوننا المادية التي نملك فإننا لا نرى بها إلاّ بعداً قليلاً فقط، وأما بالنسبة لعيون النفس، الكائنة وراء عيوننا المادية، فإنك تستطيع أن ترى بها ما وراء هذا الجبل وما تحت الأرض وما فوق في السماء، لا بل أبعد من هذا أيضاً”.

وعند سماع السيد ميخائيل هذا الكلام ارتاب بي وغيّر رأيه نحوي. عندئذ أظهر لي الرب أن السيد باسيليوس كان قد أجرى عمليتين جراحيتين، فسألته حالا: “ألم تجر أنت عمليتيتن جراحيتين الأولى في الجهة اليمنى والأخرى أسفل جهة الشمال” مشيراً من فوق ثيابه إلى موضع العمليتين.

وبوحي من الشيطان، أنكر هذا الذي اكتشفته فيه وأعلن أنه لم يجر عمليات كهذه. حينئذ تساءلت متعجباً وقلت: “لا يتكلم روح الله كذباً”. وبحركة قوية جذبته من قميصه وحاولت رفعه مريداً أن أبيّن له افتراءه. وللحال اعترته رعدة خفيفة، وبدأ يقرّ بخطيئته بخوف معلناً أنه بالفعل كان قد أجرى عمليتين جراحيتين الأولى كانت بسبب التهاب الزائدة، والأخرى بسبب أحد أمراض المعدة الخطرة.

وبعد أن ندم على خطيئته، كان يطلب مني باستمرار أن أسامحه وهو منذهل من كشف الحقيقة. ورغم كل ما حدث بقي السيد ميخائيل مرتاباً فيّ. غير أن هذا لم يمنعنا من متابعة عملنا، تاركين السيد باسيليوس مرتعباً راكضاً إلى قريتك ليخبر بالتفصيل مالذي حصل له.

عندئذ قلت: “أتعرف يا أبي أني في ذلك اليوم كنت أنا أيضاً بين أولئك الذين أخبرهم السيد باسيليوس حادثته. وإن لم أكن مخطئاً فإن هذا حدث سنة /1954/ أو /1955/، إذ كنت جالساً وقتئذ إلى طاولة صغيرة في إحدى ساحات القرية، عندما أتى لاهثاً خائفاً وقائلاً: “لقد كشف لي أحد الآباء كل مجريات حياتي. الأمر الذي لا يعرفه أحد آخر سواي”.

وعند سؤالي الأب بورفيريوس إذا ما وجد ماء أجابني: “تجولت في الحقل كله، فلم أجد ماء”. ومن ثم ذهب بي السيد ميخائيل إلى منطقة أخرى، حيث وجدت ماء غزيراً إلا أنه كان مالحاً غير صالح للشرب”.

–  كيف عرفت يا أبي أنه مالح؟

–  لقد ذقته، ذهنياً، فوجدته مالحاً.

خلال أيامي الأولى في أثينا، ذهبت متهيأً للاعتراف إلى كنيسة القديس جراسيمس حيث كان الأب بورفيريوس. وكنت قد كتبت خطاياي على ورقة صغيرة راغباً أن ينصحني كيف يمكنني أن أصبح إنساناً أفضل. وعندما رأيته في الكنيسة، وبالتحديد عند باب الهيكل الأيمن، قبلني فرحاً. وبدون أن أطلعه على رغبتي ناداني وطفق يرشدني قائلاً: “يجب يا بنيّ أن تكون دوماً صالحاً، متسامحاً، محباً، مستقيماً في أعمالك، جدّياً، مصلياً، مجاهداً”. بقيت صامتاً لأن أقواله جاءت جواباً على ما أردت سؤاله إياه.    

قال لي أحد الأخوة : “في /4-6-1967/ أُخبرت أثناء عملي أن أختي مريضة مرضاً خطيراً، ولكن الحقيقة أنها كانت قد ماتت. فمررت، قبل أن أذهب إلى المستشفى حيث كانت، بكنيسة القديس جراسيمس لأنال بركة الأب بورفيريوس. رأيته داخل الكنيسة فسألته: “كيف ترى حالة أختي يا أبي؟ ” فأجابني: “اعلم يا بنيّ إن المسيح يقيم الأموات”. ودون أن أعي مغزى كلماته قلت في داخلي: “ما هذا الذي يقول؟ إني أعتبره قديساً ولذا سألته عن أختي أفيجيبني بهذا؟! “

وخرجت دون أن أقول له شيئاً آخر. ولما وصلت المستشفى علمت بموت أختي، وساعتها فهمت معنى كلام الأب.

قال لي الأب بورفيريوس ذات يوم موضحاً لي كيفية قطع أهوائنا: “لدينا يا ولدي حديقة غُرست في إحدى جوانبها أزهار نضرة وفي الجهة الأخرى نمت أشواك ضارة، يسقيهما صنبور ماء واحد. متى حوّلنا الماء جهة الأزهار مانعين إيها عن الأشواك أينعت الأولى ويبست الثانية. هكذا يجب أن تكون أعمالنا نحن أيضاً، إذ لدى اعتيادنا عمل الصلاح، سوف تزول عاداتنا السيئة شيئاً فشيئاً، وسيختفي الإنسان العتيق الكائن داخلنا ولن يعود يشغلنا. ولكي نقتني الفضيلة يلزمنا جهاد وصلاة غير منقطعة.     

قصدنا ( الأب بورفيروس وأنا ) ذات يوم أحد أولاده الروحيين القاطن شقة في إحدى البنايات. وقبل وصولنا صادفنا إنساناً أعمى، فحياه الأب بورفيريوس. وبعد أن جزناه سألني:

– هل تعلم لماذا هذا الإنسان أعمى؟

– كلا.

– عُمي لأنه بنى هذه البناية التي ترى، فسرقه بعض الصناع الذين كانوا يبنونها معه وأحزنوه، فكانت النتيجة أن فقد بصره.

وعند دخولنا المصعد قال لي مبتسماً: “كم نحن محظوظون يا ولدي لأننا لا نملك الكثير”.

قصّ عليّ ما حدث لأحد الكهنة مرة قائلاً: “ذهب كاهن ذات صباح ليشتري تفاحاً من أحد البقالين الذي لم يكن قد باع منه شيئاً. وطبعاً كان يوجد في تلك الناحية بقالون آخرون يبيعون الزبائن ما لديهم من التفاح. فحياه الكاهن وسأله أن يعطيه كيساً ليضع فيه بعضاً منه، فأعطاه وتركه يختار ما يشاء بمفرده، وعندما أخذ الكمية التي أرادها، كان قد تجمّع كثير من الزبائن لدرجة أن البقال لم يعد يستطيع تلبيتهم. وبعد ساعات قليلة كان قد باع كل ما لديه تقريباً ولم يعد يعلم كيف يشكر الكاهن”. فسألته: “ولماذا حصل هذا؟” فأجابني: “عندما يكون الإنسان رجل الله، فإن النعمة تتبعه باستمرار وتحصل عندئذ عجائب مختلفة”.

مرة أخرى سألته: “كيف ومتى ذهب إلى الجبل المقدس؟” فقال: “ذهبت عندما كنت في سن الثانية عشرة متمثلاً بسيرة القديس يوحنا الكوخي. في العشرين من عمري أصبحت كاهناً، وفي الحادية والعشرين أباً روحياً. وحيث لم يكن لي خبرة للفترة الأولى، كنت أضع قوانين صارمة للرهبان وللعلمانيين الآتين للاعتراف، وكثير من هؤلاء كانوا يعودون بعد وقت قصير قائلين: “لم نستطع يا أبانا أن نطبّق القوانين التي فرضتها علينا”. وبعد أن تعمقت خبرتي أدركت أن تلك القوانين التي فرضتها في البداية كانت صارمة. أتعلم، لقد كنت متحمساً للغاية، إذ عندما ذهبت مرة إلى البيت ورأيت أبي يقرأ إنجيلاً مفسَّراً، بادرت إلى تمزيقه مع أني لم أكن على حق، ولذا يجب أن لا نكون متزمتين”.

ومرة أخرى سألته: “كيف يجب أن تكون محبتنا نحو الله؟” فقال لي: “يجب أن تكون محبتنا نحو الله يا ولدي عظيمة جداً لا يشاركه فيها أمر آخر. وهاك مثلاً على ذلك: إنسان يوجد بداخله بطارية ذات طاقة محدودة، فعندما تُنفَق هذه الطاقة  في أشياء مختلفة غير محبة الله، فإنها تصبح قليلة أو عديمة النفع. ولكن عندما نوجه كل طاقاتنا نحو الله عندئذ تكون محبتنا له عظيمة. وأسوق لك أيضاً مثلاً آخر: أُغرمت إحدى الفتيات بشاب. فكانت تقوم كل ليلة لتقفز من النافذة خفية عن أهلها، وتذهب عارية القدمين، متوغلة في الحقول المشوكة لتلاقي حبيبها مدمية القدمين. وعند عودتها إلى البيت كان ذهنها دوماً معه متفكرة به. هكذا أنت أيضاً يجب أن تعطي كل قوتك لله يا ولدي، وأن يكون ذهنك دوماً معه لأنه هكذا يسر ويرتضي”.

سألته مرة قائلاً: “كيف نستطيع يا أبي أن نحب المسيح؟” فأجابني: “محبتنا للمسيح يا ولدي تتحقق تتحقق على النحو التالي: ندعو إنساننا الداخلي ونقف به أمام الله، موجهين ذهننا نحوه، ومجتهدين أن نتلمس حبه وعجائبه عند رؤيتنا جمال الطبيعة: الأشجار، الأزهار، الطيور الداجنة، النحل، البحر، الأسماك، النجوم، القمر، الشمس… وبمحبتنا لهذه المخلوقات تنمو محبتنا نحو الخالق وتصبح حقيقية. ضرورية هي محبة المخلوقات، ولكن محبة أخينا الإنسان ضرورية أكثر، لذلك يجب أن نزور المستشفيات، السجون، المياتم، دار الشيوخ …الخ . إن أعمالاً كهذه تجعل محبتنا صادقة”.

يستحيل أن يُصوَّر الموت إلاّ هكذا: “لنفترض أننا نوجد داخل إحدى الغرف، فلدى فتحنا الباب فإننا سنوجد تلقائياً في غرفة أخرى. هكذا نحن أيضاً، إن كنا هنا مع المسيح فهناك أيضاً سنكون معه”.

كنت قد واجهت بعض الصعوبات مع أحد المسؤولين وعندما أخبرت الأب بهذا قال لي: “أطع يا ولدي واصبر، لا تجادل بل صلِّ”. وعندما أتيته ثانية متذمراً من السبب ذاته قال لي: “ألم أقل لك أن تطيع؟ أتعلم ماذا تعني الطاعة ؟ الطاعة تعني التواضع هل فهمت هذا؟”.

– فهمته يا أبي.

– كلا لم تفهمه بعد. اسمع لتعي ماذا تعني الطاعة: كان شيخ فظاً جداً، حسبما تصف أنت مسؤولك، يعيش في أحد الأديار. فأتى ذاك الشيخ عدد كبير من الرهبان ليعيشوا تحت طاعته، فلم يستطيعوا أن يقيموا معه أكثر من أسبوع تقريباً. وعندما علمت أنا بهذا الأمر، قلت لنفسي لأذهب أنا أيضاً وأجرب. وفعلاً ذهبت إلى قلايته وتحدثنا حول الهدف الذي أتيت من أجله. فقال لي بعد قليل: “حسناً، اذهب الآن من حيث أتيت” مشيراً إلى النافذة. وبدون أن أفكر بشيء آخر ذهبت وخرجت من حيث أشار لي. أفهمت الآن ماذا تعني الطاعة؟

– نعم.

ثم تابع الأب قائلاً: “لقد أقمت معه أكثـر من بقية الرهبان الآخريـن،

وكنت أخدمه فرحاً، وبعد فترة تركته من تلقاء ذاتي. هذه هي الطاعة. والآن عليك أن تتصرف هكذا مع مسؤولك.

– نعم يا أبي، ثم أخذت بركته ومضيت.

ذهبنا ذات مرة سوية إلى الدير(الذي كان مزمعاً أن يشيده) سنة /1978/ فقال لي الأب بورفيريوس: “أمسك هذا الحبل واجذبه إلى أسفل، لأني أريد أن أرى كيف يجب أن تكون قلالي الدير عند شروق الشمس”. فأمسكت بالحبل وذهبت إلى المكان الذي أشار إليه الأب متمتماً : “أي دير يقول إنه سوف يبنيه وهو في هذا السن ويعاني من أمراض كثيرة”. فأجابني للحال: “حسناً سوف تراه”. وفعلاً رأيت بعد فترة كيف كان العمل في بناء الدير يقترب إلى نهايته. وأما الآن فإني أقول لنفسي: “كم كنت على حق حينئذ يا أبتي لأنك أنت رأيته وأما أنا …!

قال لي أحد الإخوة: “كنا قد انتهينا من القداس الإلهي في كنيسة القديس نيقولاوس في كاليسيا، وذهبنا في طريق ضيق يؤدي إلى حيث توجد السيارة لنعود إلى أثينا. وكالعادة كان يسير أمامي متمهلاً وكنت أنا خلفه أتبعه. عندئذ فكرت أن أخطو حيث يخطو الشيخ مصلياً في داخلي: “أرجو أن تؤهلني يا إلهي أن أتبع خطوات حياة أبينا الروحية كما أتبع الآن خطواته، وأن أتشبه به قدر المستطاع”. وتتبعت لعدة دقائق تحركاته نفسها، وبعد لحظة توقف الأب فتوقفت أنا كذلك. فالتفت إلى الوراء وتأملني مبتسماً، وباركني راسماً علامة الصليب لأنه أدرك كل ما فعلت وما قلت… لتكن صلواته معنا آمين.

قال لي ذات يوم: “انتبه ألاّ تكون مبالغاً بل واقعياً. يجب أن يحصل في حياتنا من وقت لآخر اعتراف عام، لأن بعض الجراح النفسية أوالحوادث الخطرة تخلق لنا انحرافات صحية. لا نقل في الاعتراف خطايانا فقط، بل مختلف الأفكار أيضاً : كالخوف، والحزن، والفرح، والانزعاج… التي تحصل من مختلف الوقائع كالهزات والموت والزواج وقلة الإيمان…”.

قال لي مرة أخرى: “كن صالحاً، مطيعاً، صبوراً، عديم الانزعاج، لا تكن مرهف الحساسية، كن مستقيماً في عملك، ولا تتكلم هناك كثيراً عن الروحيات إن لم يسألوك، بل كن مثالاً لهم متشبهاً بالمسيح”.

دخل الأب بورفيريوس بعد إحدى النزهات بيت أحد أولاده الروحيين، وقبل أن يلج المنزل قال له الأخ: “أرجو منك يا أبي أن تكشف إحدى الحقائق لزوجتي لتقترب من المسيح أكثر”. فالتفت الأب وقال له: “إنك لا تعلم ماذا تطلب”. فأجاب الأخ: “لماذا؟!” فقال الأب: “لأنني إن استجبت لطلبك سأجعل حالتها تزداد سوءاً، سأسبب لها ضغطاً وثقلاً. غير أني سأصنع لها شيئاً آخر يفيدها أكثر”.

– ما هو يا أبي؟

– سأصلي لها لتتجه نحو الروحيات وهكذا ستستفيد كثيراً جداً.

– ليكن مباركاً.

ولكي يرضي الأب الأخ قال لزوجته وهم يتناولون شيئاً من المرطبات:

– ألديك إحدى صور قريتك يا سيدة؟

– نعم.

– أحضريها لي لأراها.

فأحضرت له إحدى الصور التي تُظهر قريتها محاطة بأشجار كثيرة من الجهتين. فقال لها الأب:

– قولي لي أيوجد هنا ماء؟ وأشار من فوق الصورة إلى المكان الذي يقصد.

– نعم يا أبي يوجد ماء.

– وهناك أيوجد ماء؟ وأشار إلى منطقة أخرى فوق الصورة.

– نعم يوجد ماء هناك.

– وهنا فوق ألا يوجد ماء؟ مشيراً إلى جهة ثالثة من القرية.

– نعم وهناك أيضاً فوق يوجد ماء.

– حسناً يا ابنتي، خذي الصورة. إن قريتك جميلة جداً.

فسرّ الأخ بداخله كثيراً للحقائق التي أظهرها الأب لزوجته، محققاً بذلك رغبته التي كانت لديه عندما دخلوا البيت.

قال لي ذات مرة: “لا تصلِّ كي يشفيك الله من مختلف الأمراض، بل كن في سلام، صابراً، مداوماً على الصلاة العقلية (صلاة يسوع) فتستفيد أكثر”.

طلب منه أخوان أن يقول لهما كلمة منفعة فقال: “ماذا أقول لكما؟ اعملا الصلاح ولا تدعا الشيطان يختطفكما”. فضحك الأخوان لقوله وأما هو فأكد مردداً: “نعم، لنعمل الصلاح دوماً لأنه الويل لنا إن عملنا خلاف ذلك”.

وقال لأخ آخر: “اقرأ بتواتر لينير الله ذهنك. أتعلم؟ إني كنت أطالع كثيراً، ولكي لا يزعجني أحد، كنت أصعد إلى أعلى إحدى الأشجار بواسطة سلم صنعته بنفسي، وحالما كنت أصل إلى فوق كنت أسحبه، وهناك كنت أمضي ساعات في المطالعة”.

كنا قد ذهبنا بصحبة الأب بورفيريوس لزيارة أحد الأديار في كريت. فالتقى هناك أحد الرهبان الذي كان قد عاش معه فترة في جبل آثوس. وبما أنهما كانا فرحين بلقائهما، فقد بدأ يخبر الواحد الآخر كم كانا سعيدين في آثوس وما العجائب التي كانت تحدث للشيوخ. وأتذّكر أن الأب وصف لهذا الراهب كيف كان يُختطف أولئك الشيوخ على السحب عندما كانت تقضي الحاجة أحياناً أن ينتقلوا إلى دير آخر. “كم نحن بعيدون عنهم حالياً!” قال الأب متنهداً”.

أعطاه أحدهم ذات يوم مالاً لسد إحدى حاجات الدير، ولكنه أراد، بالمقابل، أن يقول له الأب كلمة حول إحدى الصعوبات التي كانت تعترضه، أو أن يميزه بالمعاملة عن الآخرين. ولكن الأب لم يكن قادراً وقتئذ على محادثته مما جعل الأخ يدمدم في سره قائلاً أثناء ذهابه: “لقد أعطيته مالاً كذا مقداره، أفيبخل عليّ بكلمة يقولها لي؟!” وللحال ناداه الأب إلى الداخل قائلاً له: “انتبه يا فلان لما سأقوله لك، لم أطلب منك مالاً أو أي شيء آخر. أنت بإرادتك دفعته لي عندما أتيت، فلا يصح أن تفكر هكذا. واعلم أني إن احتفظت بهذه الأموال إنما لأستخدمها لحاجة الدير”. فصمت الأخ مبهوتاً.    

عندما عاد أحد الإخوة، ذات يوم أحد، من الكنيسة علم بأن زوجته وأولاده لم يذهبوا إليها. فتضايق كثيراً لهذا الإهمال ولكنه لم يتكلم. وعندما التقى الأب بورفيريوس بعد بضعة أيام لم يقل له شيئاً البتة عن هذا الموضوع، وإنما حدثه عن خطاياه الأخرى. فقال له الشيخ: “حسناً لكل ما قلت لي، ولكن دعني أقص عليك كيف تصرفت يوم الأحد كي لا تعاود فعله”.

– ماذا يا أبي؟

– حالما دخلت بيتك غضبت وتضايقت لأن عائلتك لم تذهب إلى الكنيسة.

– وماذا عليّ أن أفعل يا أبي؟

– عندما تصادف أموراً كهذه ابق هادئاً ومردداً بداخلك يا ربي يسوع المسيح ارحمني، محافظاً على البركة التي نلتها من الكنيسة، لأنه بانزعاجك هذا سوف تؤلمك أمعاؤك. ألا تؤلمك الآن؟

– نعم إنها تؤلمني. ثم طلب منه أن يسامحه.

كان يقول مرة لأحد الإخوة: “انتبه واستعد جيداً قبل أن تتناول الأسرار الإلهية. كن ممسكاً، صالحاً، محباً للرب كثيراً، لا تنقطع عن المناولة أكثر من خمسة عشر يوماً”. وأما عن هذا الأمر الأخير، فكان ينصح  كل شخص أن يحاسب نفسه متصرفاً بما يوافقها.

قال لي ذات يوم: “اجتهد أن تقرأ وتصلي وترتل بوضوح، وأن يُسمع حتى الحرف الأخير من كل كلمة تقولها، لأنه هكذا تعتاد على الصحيح، وأن تكون متواضعاً في كل شيء بالأفكار والأقوال والأفعال. مهما تكن تعباً لا تهمل أبداً تلاوة صلاة النوم قبل رقادك”.

“اجتهد ألاّ تظهر سيئاتك الداخلية، بل بالحري افتح باب قلبك ليلجه النور الذي هو المسيح، وبذا تضمحل الظلمة الكائنة فيك”.

وعند قولي للأب بورفيريوس بأني لا أحفظ كل ما أقرأ أجابني: “اعلم يا ولدي أن كل الأشياء تُخزَن في ذاكرتنا التي سوف يكشفها المسيح يوم الدينونة. ليكن الرب دوماً نصب عينيك، لأنه يرى ويراقب كل شيء إذ إن آلته التصويرية لا تبلى”.

الشهيد الروسي الجديد المتقدم في الكهنة ميخائيل شيلتسوف

الشهيد الروسي الجديد المتقدم في الكهنة

ميخائيل شيلتسوف

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

أحدى أكبر المآسي خلال الاضطهادات المرعبة التي شُنّت على الكنيسة بعد سيطرة السلطات الملحدة كانت المحاكمة العامة، سنة 1922، للميتروبوليت بنيامين الذي من بيتروغراد ومجموعة من الأكليروس والعلمانيين (حوالي 100 شخص) الذي تحالفوا معه، من بينهم كان المتقدم في الكهنة ميخائيل شيلتسوف. حُكم عليه مع عشرة آخرين بالموت، أعفي من ذلك لكنه عاد وحاز إكليل الشهادة لاحقاً إذ أُعدم قبل الفجر في عيد الميلاد سنة 1931.

سنة 1870 وُلِدَ الأب ميخائيل في ريازان، وكان ابناً لكاهن القرية. بعد تخرجّه من أكاديمية قازان اللاهوتية مارس التعليم لفترة في كالوغا قبل ان ينتقل مع عائلته سنة 1898 إلى العاصمة من أجل مناقشة أطروحته التي عنوانها “كنيسة الملكية العربية”. وقد عمل لثلاث سنوات
في الإرسالية إلى Dioosam وثلاث سنوات أخرى في مكتب وكيل المجمع. في خريف سنة 1903 عُيّن الأب ميخائيل من قبل الكنيسة في مركز المهندسين المدنيين، حيث قام أيضاً بتعليم اللاهوت، وكانت مادة محبوبة من الجميع بسبب شرحه المقنع والحسّي. كان متكلماً دائماً في اجتماعات الكنيسة ومؤلفاً لمقالات وكرّاسات وكتب متنوعة.

سنة 1920 عيّن الأب ميخائيل مرة أخرى في كاتدرائية الثالوث Ijmailousky حيث كان يغط لخمس سنوات. سنة 1919 أختير كممثل لمجمع الأبرشية وبقي في هذا المنصب حتى توقيفه الأخير. لقد أوقف بسبب هذا المنصب وكان واحداً من بين العديدين الذين اتهموا بأنهم أعداء الثورة لأنهم قاوموا مصادرة مقتنيات الكنيسة القَيِّمة، من عملية أختلقها البولشفيون من أجل إخافة المؤمنين وقمع الإكليروس الروسي. بعد المحاكمة اقتيد الأب ميخائيل مع آخرين إلى إصلاحية
(أي السجين في الحقيقة )، حيث وضع في زنزانة مع نزيل هو الأرشمندريت سرجيوس شاسي. وبعد بضعة أيام نقلا إلى سجن في شارع سباليرنا حيث وضعا في مكان ضيق ومنعزل بانتظار التعليمات من موسكو، حيث تمت مراجعة حكم بحقهما غيابياً.

عاش الأب ميخائيل أربعين يوماً بتمامها في هذا السجن. تُعتبَر ذكرياته حول هذا التعذيب ملفاً تاريخياً مرعباً. وهذه الذكريات كالعديد من مثيلاتها تكشف وتصف الإرهاب الأحمر، لكنها تتميّز بصراحتها الصارخة. فهي أقرب إلى الاعترافات، اعترافات كاهن يهيء نفسه روحياً للاضطهاد. لم يصوّر ميخائيل نفسه كشهيد شجاع وفاضل. على العكس، كتب عن انهيار العزيمة، الخوف وعن الأمل بأن يُعفى من هذا المصير الرهيب. في مواجهة الموت، وجد أنه من المستحيل البقاء صامتاً حول شكوكه، التي كان من المفترض أيضاً أن تُمَّحى من وعيه حتى يستطيع حمل صليبه ويقف في طريق الشهادة بروح مستنيرة وموقف ثابت أمام تجاربه.

يكتب الأب ميخائيل: حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر، وبعد أن أُعطينا شيئاً لنأكله، فُتح باب زنزاتنا فجأة ودخل أحد مدراء السجن، وقال موجهاً ملاحظاته للأب سرجيوس ولي: “اجمعوا حاجياتكم. في ظرف نصف ساعة سوف تنقلون إلى سباليرنا”. لماذا؟ كيف يحصل هذا؟ لأي سبب؟ لم يكن هناك من أجوبة. أصبحنا في حيرة كليّة. ولكنّنا بدأنا نعزّي أنفسنا بعدة تخمينات، كما يحدث مع شخص يحيا في ظروف يائسة ويريد أن يجد تفسيرات إيجابية لكل أمر. لقد ظننا أن حكم الإعدام قد أرجئ، والاّ فلماذا ينقلوننا إلى هناك؟ إن السجناء يُقتادون من هنا إلى ساحة الإعدام. ثم جاءت فكرة: ربما هذا الكلام عن نقلنا إلى سباليرنا هو ببساطة لتهدئتنا. ربما في الحقيقة، نحن مقتادون إلى الإعدام! لكن الوقت يمشي ضد هذا الاستنتاج: إن النهار في منتصفه، والسجناء يؤخذون إلى الإعدام في الليل.

جمعنا أغراضنا بسرعة. ما أُعطيناه من طعام إضافي وزّعناه على مَن هو بحاجة من السجناء، وبدأنا الانتظار. ثم وبدون أي توّقع، توجّه الأب سرجيوس إليّ: “لا نزال نعلم حقاً إلى أين سيأخذوننا. ولا نعرف أيضاً ماذا في المخزن؟ ماذا سيحدث لنا. لذا هلاّ سمحتَ بأن تعرّفني؟” نزعتُ صليب الكهنوت من حول عنقي ووضعته على عتبة النافذة، كما لو على منصّة ووضعتُ منشفة حول عنقي، وتدلّى طرفها على صدري كما لو أنها بطرشيل، وبدأتُ الاعتراف مستحضراً من الذاكرة الصلوات المختصّة. اعترف الأب سرجيوس بصدق وحرارة ودموع. كان آخر اعتراف له على الأرض. بعد ذلك طلبت منه أن يعرّفني. اعترفنا وبكينا على سجيّتنا وبدون ارتباك.

سرعان ما أتى مدير السجن نفسه وطلب منّا أن نتبّعه. في الممّر قابلنا الأب ل. بوغوبافلانسكي الذي كان أيضاً منقولاً إلى مكان آخر. ثم اقتِدنا خارجاً نحو المدخل الخلفي حيث استلَمَنا الجنديان اللذان سيأخذاننا. عبرنا الساحة ثمّ حُشِرنا، ثمانية أشخاص، في سيارة ليموزين. كانت ضيّقة لدرجة أن الأب بوغوبافلانسكي أضطر أن يربض على عقبيه مّتكئاً علينا. جلس واحد من الجنود المرافقين قرب السائق. وجلس آخر معنا مقابلي.

أبقيتُ نظري على الشبّاك طول الطريق آملاً رؤية وجه مألوف، لكنني لم أرَ أحداً. قدم الأب سرجيوس لنا جميعاً، حتى للحارس، بعض الفراولة الطازج الذي كان قد حصل عليه ذلك النهار، مما كسر الحجاب وفتح مجالاً للحوار مع الحارس. عندما رفض هذا الأخير ثمر الفراولة علّق الأب سرجيوس أنّه ليس سامّاً. بعد كل ما حدث لم نكن نفكر بالموت حتى. عندما سألنا عن سبب نقلنا إلى سباليرما، أجاب بشيء من الاحتراس بأنّ رأيه الخاص هو أنّه كان سيُعفى عنا من موسكو. لكن بما أنّ التسهيل رقم 1 كان مكتظاً إذ قد جلبوا بعض اللصوص للمحاكمة فق تمّ نقلنا. هناك في سباليرنا، أكمل قائلاً، سنجد الأمر أكثر هدوءً. لقد كان مصيباً بهذا بالتأكيد إذ لم يكن هناك مكان أكثر هدوءً من سباليرما، لقد كان مثل القبر. طوال الطريق كنت مشغولا أفكّر بأننا ربما لسنا مأخوذين إلى سباليرما… وعندما وصلنا إلى المكان المقصود هدأ روعي.

في سباليرما اتُخّذت إجراءات السجن الاعتيادية، وثم أُخِذنا أوّلاً إلى المكتب ثم اقتادونا في ممر طويل تحت الأرض. “حسناً “، فكّرتُ، “سوف يضعوننا في مكان ما تحت. لقد قيل أنّه، في ظلام حالك كهذا، وفي هكذا زنزانات يغلقون على حثالة الناس غير المرغوب بها. مشينا بصمت. كان الهدوء ثقيلاً، ما عدا وقع خطوتنا العميق. لم نرَ أيّ وجه إنسان، حتى الحراس اختبأوا بعيداً في مكان ما.

وصلنا إلى حائط وبدأنا بصعود درج لولبي ضيق ذو فسحات متتالية ضيقة. صعدنا أعلى فأعلى. هذا يعني بأنني لن أُغرس في قبو رطب. صعدنا حتى الطابق الرابع. أيضاً تسلّلَت إلى رأسي فكرة مزعجة. هنا، بدون أي شك الزنزانات مخصّصة للسجناء بناءً على خطورة جريمتهم. هكذا بدا النظام في التسهيل رقم 3. يرسَل السجناء الأسواء (أو الأخطر) إلى الطوابق الأعلى. نحن صف نزلاء الموت سوف نكون بعد كل هذا أقرب إلى السماوات حيث سوف نذهب عاجلاً (السماوات التي يجب أن نفكر فيها في أغلب الأحيان). في السجون، كنت أفضّل الطوابق العلوية، هناك هواء وضوء أكثر، يستطيع المرء رؤية السماء، بشكل أفضل ويشعر بشكل بثقة بالنفس أقل.

تمّ توزيعنا نحن الثمانية من التسهيل رقم1، على عدة طوابق في زنزانات متفرقة، ليست قريبة، وبذلك لن نستفيد من التواصل مع بعضنا، باستثناء يالاشيش واوجنيف، ولضرورات غير منظورة بدون شك، وأحياناً جسدية، اللذان وضعا في زنزانتين متجاورتين. لكنهما اكتشفا هذا في النهاية فلم يستفيدا منه. تمّ وضع يالاشيش، أوغنيف، كيفا شارير وانا في الطابق الرابع، اما الأب سرجيوس، بوغوبافلانسكي وشوكوف فقد اقتيدوا إلى الثالث. بينما ألاسل نوفيتسكي إلى الطابق الثاني حيث كان يوجد أسقفان. لم نعلم شيئا بالطبع في ذلك الوقت حول هذا الترتيب، لكننا عرفنا عنه لاحقاً حين وصلنا إلى التسهيل رقم 2.

تمّ اقتيادي إلى زنزانة، لم أعرف ما كان رقمها. كانت زنزانة كالباقيات عرضها حوالي سبعة أقدام ومثل ذلك بالطول. على يسار الباب، كان هناك سرير حديدي مثبّث بالحائط، له غطاء بالٍ كان يحوي في زمن ما قشّاً لكنه الآن يحافظ على القليل من بقاياه… مقابل السرير قرب الحائط الآخر كان هناك طاولة معدنية مرّبعة صغيرة مع كرسي من نفس الصنع، وهي أيضاً مثبّثة بالحائط. وراء الطاولة في الزاوية قرب الشباك كان المرحاض مغ مغسلة عليها صفيحة ماء… بجانب الباب كان هناك على الحائط تعليقتان ورف صغير.

كنا في اليوم الأول تحت مراقبة مستمرة. كانت السياسة العادية المتبّعة، خوفاً من أن نقوم بالانتحار أو نتواصل مع جارنا أو حتى من أن نهرب أو أن نتلقى معاملة خاصة، لا أستطيع الجزم. في أول الأمر كانت قرقعة فتحة الباب المتكررة توتر أعصابي وتجعلني مترقباً وخائفاً من أي شيء، لكني أصبحت معتاداً عليها ونادراً ما عدت ألاحظها. إضافة إلى ذلك، كنت أفكر في أية معلومات كان سيقدم هذا النوع من المراقبة للسلطات. كل ما كان السجناء يفعلونه هو الصلاة والمشي حول زنزاناتهم.

لن أنسى أبداً عيد القديس سرجيوس (5 تموز). لقد رقدت في الوقت المعتاد في الليلة التي قبله. مرّت فترة طويلة لم استطع النوم فيها، لسببٍ ما كان قلبي ثقيلاً. فجأة، سمعت جرساً يُقرع.  ومرة أخرى… ما يعني هذا؟ من أين يأتي؟ ولماذا في مثل هذه الساعة المتأخرة؟ (كانت الحادية عشرة او الثانية عشرة) ثم تذكرّت: غداً عيد القديس سرجيوس رادونيج، وكانوا يقرعون في كاتدرائية القديس سرجيوس القريبة التي كانت تحتفل بعيد شفيعها. كانت الأجراس تنادي المؤمنين إلى خدمة صلاة ليلية. شعرت بالكآبة: هناك حيث الحرية، يحتفلون بالعيد. المؤمنون يذهبون إلى الكنيسة للصلاة، بينما انا هنا مغلق علي، محروم من المشاركة في العبادة وفي المناولة المقدّسة. تذكّرت انه قبل سجني كنت قد فكرت بالذهاب في هذا اليوم إلى دير القديس سرجيوس، فاجتاحتني رغبة جامحة للصلاة. نهضت وقمت بخدمة للقديس. بعدها رقدت وسرعان ما غرقت في النوم.

مضى الصباح كالعادة بحسب روتين السجن. لكن حوالي الثانية عشرة والربع فُتحت فتحة بابي وناولتني الحارسة المناوبة حزمة صغيرة ملفوفة بمنديل أحمر وهمست بقلق “خذّها بسرعة”، يظهر أنها الجسد المقدس، أنتبه ان لا تقع منك” . أخذتها بكل وقار وخفضتها وانا أرتعش. كان في المنديل صندوق صغير مُذهَّب كان فيه جسد ودم المخلص المقدسين من القداس في الكاتدرائية جسد. فصَّلت لنفسي قطعة ثم لففت العلبة مرة اخرى وانتظرت ليأتي أحد ويأخذها.

في خلال نصف ساعة اتت إمرأتان لم أرهما من قبل، برفقة المفتش الذي تعاطف سابقاً معنا والذي كان منذ عدة أيام قد انتدب للخدمة في طابق آخر. أرادت المرأتان أخذ العلبة لكن المفتش ذكرّهما انه ليس من المفروض ان تلمس النساء الجسد المقدس، فأخذه بنفسه، وراقبتهم ينزلون الدرجات. لقد كانت زنزانتي رقم 182 تقع مباشرة مقابل الدرج.

تُركت مع الجسد المقدس. لكن ما العمل؟ هل يجب ان أتناوله كله حالاً؟ لكنني لم أكن مستعداً فقد كنت قد انتهيت من الغذاء. فقررت الانتظار حتى اليوم التالي. لكن هل سأكون حياً؟ قررت أن أضع الجسد المقدس ملفوفاً في قطعة ورق نظيفة في مكان سرّي، فإذا ما أتوا في الليل ليأخذوني إلى ساحة إطلاق النار، فسوف أتناوله مباشرة، واذا لم يحدث ذلك فإن القسم الذي معي يكفي لأربعة أو ستة أيام.

كنت مملوءاً بهجة بسبب هذه الهدية غير المتوقعة. حتى ذاك اليوم كنت قلقاً لاحتمال اعدامي رمياً بالرصاص من دون الاشتراك في الأسرار المقدسة. لقد اعترفت للأب سرجيوس في التسهيل الاصلاحي قبل نقلنا إلى سباليرما، لكن ذلك كان من شهرين تقريباً، لكني لم أتناول منذ أن كنت حراً. وفجأة أُرسلت لي الأسرار المقدسة. كنت مسروراً جداً وبمزاج بهيج. كانت هذه هدية واضحة من القديس سرجيوس. على أي حال سرعان ما بدأت تظهر أفكار متضاربة وبعيدة عن أن تكون مفرحة. وبدأت أفكّر: لماذا أرسلوا الآن الجسد المقدس؟ (لم أعرف حينها، بالطبع، أنه قد تمّ إرساله بطلب من الميتروبوليت بنيامين وبرصى سلطات السجن). ربما علم الذين في الخارج بمصيرنا السيء في موسكو، وقد أرسلوا القدسات باعتبار أنه زادنا الأخير. بالنهاية، لقد مرّ بالضبط اسبوعان. لكن إذا كان هذا هو الأمر، فلماذا أُرسل الجسد المقدس للجميع؟ من المؤكد أنه لم يتمّ الحكم على الجميع بالإعدام؟ هذا أكثر خطورة ممّا في موسكو حيث خمسة من أصل أحد عشر يتم إعدامهم. لقد قال المدّعي بنفسه ستيرنوﭪ، بأن قضيتنا أقل خطورة ممّا في موسكو، فهل أصبحت الآن نهاية حالتنا أكثر مأساوية؟ من الممكن. هذا يعني بأن الجسد المقدس لم يرسَل لتحضيرنا للإعدام. لكن ربما هذا بالضبط سبب إرساله. لم استطع معرفة كل شيء. لقد نشب صراع داخلي بين ….(صفحة6)

في تلك الليلة انتظرتُ مترقبا باضطراب، وقد قضيتها وأنا في الحالة نفسها متوقعاً بأنه، في أية لحظة، سوف يُفتح الباب وأوخذ إلى مكان ما بعيداً. الليلة التالية مرّت والأفكار نفسها تراودني. لم يأتِ الاضطراب بسبب الخوف من الموت بل بسبب يقين أكيد بموتي إعداماً، مع خزي ملازم بطريقة مهينة. كان هناك الكثير منه حين المحاكمة. إنه أمر متوقع، وليس بدرجة أقل، قبل الإعدام. لكن الاشتراك في الأسرار المقدّسة كان قد منحني قوة كبيرة وجعلني أقبل الموت بكل سلام. كنت مقبِلاً إلى الموت، لكنني سأموت مع المسيح بعد أن اشتركت في جسده ودمه.

تناولت الجسد المقدس للخمسة أيام التالية، مما منحني قليلاً من الراحة والفرح. يجري اليوم العادي في سباليرما بحسب الروتين التالي: عند الساعة السابعة أو الثامنة كنت أنهض وأقرأ بتأنٍ كل الصلوات الصباحية وقانون قديس النهار بحسب الدورة الأسبوعية. يستغرق هذا حوالي الساعة. بعدها كنت اذرع الغرفة ذهاباً وإياباً، أستلقي، أقرأ الكتاب المقدس أو يوحنا الذهبي الفم. عند الظهر يكون الغذاء والشاي. ثم استلقي أيضاً، أتمشّى، أقرأ قانون يسوع الحلو، وبعد زمن قصير أتلو قانون مديح والدة الاله. عند الساعة الخامسة أتناول العشاء والشاي، ثم أقرأ قانون التوبة للمخلص وقانون الشفاعة لوالدة الإله، وبعد استراحة وجيزة أتلو صلوات المساء. في مساء الأعياد كنت أقوم بخدمة السهرانية قبل صلوات المساء، وفي الصباح القداس الالهي. في بعض الأحيان كنت أرتل كل التراتيل التي أذكرها وأنا أتمشى في القلاية.

إجمالاً كنت استمتع بسكينة روحية بعد وقت من الصلاة بتركيز. وغالباً ما كنت أختبر فترات طويلة من الإفراط في النشاط الروحي، إذ كنت أتعالى عن كل أمر أرضي، أي من هذا العالم، وأترك نفسي بالكلية أمام مشيئة الله.

يبدو أنني قد استفضت في وصف أمور حياتي الخارجية في سباليرما، بقى أن نتطرق إلى ما هو أكثر أهمية: حالة النفس أي الحياة الداخلية. لقد كانت خاضعة لشيء واحد كما لو أن هناك مسمار ينخر الرأس أو كألم مبرح في القلب. السؤال هو: هل يتم اعدامي أم لا؟ كان هذا السؤال حاضراً بشكل مستمر ومعذِّب. مهما فعلت أو شغلت نفسي كان يعذبني على نحو متواصل. وأنا أعني كلمة يعذبني. كنت أبدأ بقراءة الإنجيل فكان يبلبلني بشكل يمنعني من فهم ما كنت أقرأ. لم أستطع قراءة الذهبي الفم لمدة طويلة. فقط استطاعت رسائله إلى أوليمبيا أن تشدّ انتباهي قليلاً. حتى في هذا، كنت أقرأ سطرين أو ثلاثة، وأعود لا أفهم ما أقرأ بسبب استسلامي للأفكار القاسية نفسها. وكنت أقرأ بلا استيعاب.

فقط حين كنت أصليّ كنت أتمكن من نسيان نفسي. يحدث بأن تشعروا أنكم مكسورو الخاطر، تجتاحكم كآبة لا حدّ لها ولا تستطيعون تفسيرها. ستبدأون بالصلاة، وستشعرون أنه بالرغم من هذا فإن قوى غير منظورة تجرّكم بعيداً ويسيطر عليكم عدم رغبة بالصلاة بشكل حاد. سوف تتلفظون بالكلمات لكن رأسكم يكون مسحوقاً بشكل مثير للجنون ولن يكون سلام في قلبكم. ستقرأون ولا تفهمون: ستقرأون كلمات الصلاة نفسها ثانية وثالثة وفي النهاية – وانتم تجبرون نفسكم بهذه الطريقة – ستتحررون من الذي يعذبّكم، سيحل السلام في نفسكم، وستنهون الصلاة بمزاج هادئ وحتى مفرح، لانكم وجدتم حلاً لهذا السؤال وستكونون جاهزين، حتى في تلك اللحظة، لمواجهة الموت. فقط في السجن اختبرت الاكتفاء والسلام الحقيقي والفرح في الصلاة ومنها.