الإنسان ويوم السّبت

الإنسان ويوم السّبت*

اﻷرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، التّمسّك بيوم السّبت، عند اليهود، جاء إثر السّبي إلى بابل. هناك، وجد اليهود أنفسهم محرومين من الهيكل. والهيكل هو المؤسّسة الّتي حولها كانت تدور حياة اليهود العباديّة. فلمّا بات الهيكل خلفهم، أرادوا مؤسّسة أخرى يتمسّكون بها، تكون تعبيرًا عن إخلاصهم لله؛ فكان السّبت. وقد تفنّن اليهود، لاسيّما الفرّيسيّين، في الأحكام الخاصّة بيوم السّبت. ظنّوا أنّهم، بهذه الطّريقة، يحافظون على هويّتهم كشعب لله؛ فقالوا بأحكام عديدة جدًّا، في شأن الأصول المرتبطة بيوم السّبت. لا يجوز، مثلاً، أن يُشعل اليهوديّ نارًا، يوم السّبت؛ ولا أن يعمل. القطاف ممنوع، يوم السّبت؛ وكذلك السّير إلى مكان بعيد كان. لقد أجاز اليهود للمؤمن أن يسير بعيدًا عن بيته مسافة سبت، فقط؛ أي ما يعادل ستّمئة خطوة.

إذًا، اليهود جعلوا يوم السّبت سلسلة من القيود الّتي فرضوها على أنفسهم. وكانوا، طبعًا، يقرأون الكتاب العزيز. والفرّيسيّون، الّذين يحبّون تحويل الشـّريعة إلى أحكام شكليّة، قالوا بأكثر من ذلك. الفرّيسيّون اعتبروا أنفسهم قيّمين على الشـّريعة، وعلى أحكامها، وعلى كلّ ما يرتبط بها. وكانوا هم، في الحقيقة، الأكثر تأثيرًا بين اليهود. وهم الّذين احتجّوا، هنا، في هذا الإنجيل، على يسوع، لمّا اجتاز في السّبت بين الزّروع، وجعل تلاميذُه وهم سائرون يقلعون السّنابل“. إذًا، يسوع وتلاميذه كانوا يتحرّكون بحرّيّة، وكانوا يقلعون السّنابل ليأكلوا. هذا اعتبره الفرّيسيّون منافيًا لأحكام يوم السّبت، لأنّه ضَرْبٌ من العمل. يسوع ردّ عليهم بعنف، قال: “السّبت جُعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السّبت“. ما معنى هذا الكلام؟! السّبت جُعل لأجل الإنسان، لأنّ الرّبّ الإله خلق الخليقة في ستّة أيّام، وفي اليوم السّابع استراح. الرّاحة، هنا، كانت تعبيرًا عن الفرح، لأنّ كلّ شيء قد تمّ. والسّبت، أيضًا، هو اليوم الّذي أُعطي للإنسان لكي يشكر، ويفرح، ويتعاطى الكلام الإلهيّ، ويتعاطى، أيضًا، كلّ عمل خير. إذًا، السّبت كان نوعًا من تفرّغ لله، تفرّغٍ للرّكون إلى الله، لشكر الله؛ لأنّ الإنسان، في نهاية المطاف، ليس آلة تعمل، بصورة دائمة. العمل الأساسيّ، الّذي يُفترض بالإنسان أن يقوم به، هو أن يجلس إلى ربّه بعمل الخير، بالكلمة الإلهيّة، بالشـّكر، بالتّسبيحلذا، السّبت كان، بمعنًى من المعاني، تخطّيًا لِما هو من هذا الدّهر إلى ما هو من الدّهر الآتي. المهمّ أن يعمل الإنسان عمل الله، في كلّ حين. وفي السّبت، بخاصّة، يتروّض الإنسان على عمل الله، وعلى أن يكون في عشرة مع الله، أن يذكر الله، أن يسبّح الله، أن يمجّد اللهوالإنسان يمجّد الله بكلّ عمل صالح، وبالشـّكر والتّسبيح. الإنسان، في الحقيقة، ليس إنسانًا عاملاً، في هذا الدّهر، أي إنّه ليس إنسانًا يعمل، بصورة دائمة، في أمور هذا الدّهر. الإنسان، في الحقيقة، هو إنسان عابد، هو إنسان مُسبِّح، هو إنسان ليتورجيّ، هو إنسان يشكرإذًا، هذا الإقبال على ما هو لله كان هو جوهر يوم السّبت، وكان يحمل في طيّاته نَفَسًا من ملكوت السّموات، من عشرة الإنسان الكاملة والأبديّة مع الله. من هنا، الإنسان يفرح بالملكوت، منذ الآن؛ ويتروّض على عشرة الله، منذ الآن، في كلّ عمل، وقول، وفكرلكن، أيضًا، الأمور تأتي في زمن، تتمّ في زمن. لذلك، إذ يتفرّغ الإنسان، بالكامل، لوجه ربّه؛ يعبّر، في الحقيقة، عن توقه إلى أن يكون مع الله، أوّلاً وأخيرًا. المهمّ أن يملأ ذِكرُ الرّبّ الإله ذهنَ الإنسان، وفكرَه، وقلبَه. السّبت، إذًا، هو هذه النّفحة الإلهيّة، الّتي أُعطيت لنا، حتّى نكون مع الله، بصورة متواترة. لكنّ الفرّيسيّين جعلوا السّبت فروضًا وحملاً ثقيلاً؛ بدلاً من أن يخفّف عن الإنسان، يثقّل عليه؛ وبدلاً من أن يفرّح قلب الإنسان، يجعله في الغمّ والضّيق: افعل هذا، ولا تفعل ذاك؛ تحرّك إلى هنا، ولا تتحرّك إلى هناكوهذه أمور شكليّة، لا قيمة لها؛ لأنّها لا تعطي الإنسان فرصة لأن يفتح قلبه وكيانه للرّبّ الإله، وأن يستمدّ منه نعمة، وأن يشتاق إليه، وأن يسعى لعبادته وشكره، في كلّ آن.

إذًا، السّبت جُعل لأجل الإنسان. والإنسان، في الحقيقة، جُعل لأجل الملكوت! لكن، هنا، الكلام أنّ الإنسان صار لأجل السّبت وهذا ما نفاه، طبعًا، الرّبّ يسوع يشير إلى تحويل السّبت إلى قيد للنّاس، بدلاً من أن يكون إطلاقًا لهم في ضروب الحرّيّةِ: حرّيّةِ الرّوح، وحرّيّةِ القلب؛ الحرّيّةِ، في الحقيقة، من الدّهريّات، والانطلاق في الإلهيّات؛ لأنّ الإنسان، فقط، إن عرف الله، صار حرًّا: “تعرفون الحقّ، والحقّ يحرّركم“. إذًا، اليهود، لا سيّما الفرّيسيّين، قتلوا السّبت، وقتلوا الإنسان من خلال السّبت؛ جعلوا عليه قيدًا؛ فقيّدوه، وخنقوه، وظنّوا أنّ لهم في ذلك حياة، وكانوا أغبياء! السّبت يعبّر عن نفسه، بخاصّة، بين النّاس، بعمل الخير. لذا، دخل يسوع المجمعَ، في السّبت، أيضًا، وكان هناك إنسان يده يابسة، وكانوا يراقبونه هل يشفيه في السّبت، لكي يشكوه. انتبهوا لهذا الأمر! لم يكن هَمُّ الفرّيسيّين ما إذا كان يسوع من الله أم لا، ولا كان همّهم أن يُشفى إنسان يده يابسة. تمسّكهم بشكليّات الأمور خنق فيهم الرّوح! خنق فيهم الحسّ! كانوا يعرفون، نظريًّا، أنّ الإنسان لا بدّ من أن يكون من الله، إن شفى أحدًا يدُه يابسة. لكنّ الحفاظ على شكليّات السّبت ارتبط فيهم بالقلق، والخوف، والاضطراب؛ حتّى إنّهم فقدوا الإحساس بالإلهيّات! الإنسان، أحيانًا، يتمسّك بشكليّات الأمور، إلى حدّ أنّه يقتل الرّوح، فلا يحسّ بعمل الرّوح، من بعد، بأيّ شكل من الأشكال. هذا، بالضّبط، ما حدث للفرّيسيّين ولليهود: “كانوا يراقبونه هل يشفيه في السّبت لكي يشكوه“! بدلاً من أن يمجّدوا الله، صار همّهم أن يسجّلوا عليه وقوعه في ما اعتبروه محظورًا، أن يأخذوا عليه مخالفته لأحكام يوم السّبت! وأحكام يوم السّبت هذه اختراع من النّاس، لا من الله. إذًا، مات في اليهود الإحساسُ بالخير: الإحساس بالله، ومن ثمّ الإحساس بالإنسان. كلّ مفهوم الصّلاح والخير تغيّر، نتيجة ذلك. الإنسان، إذا ما تحوّلت حياته إلى مجموعة من الأحكام الشـّكليّة يسلك فيها؛ لا يبقى، إذ ذاك، إنسانًا! يفقد حتّى إنسانيّته، يفقد شعوره الإنسانيّ! لا يفقد، فقط، شعوره من جهة الله؛ إنّما يفقد، أيضًا، شعوره من جهة الإنسان!

طبعًا، إذا ما شاءت الكنيسة أن تجعل هذا الإنجيل في هذا اليوم بالذّات، أي في السّبت الأوّل من الصّوم؛ فالقصد أن نحذر لكي لا نقع، ونحن سائرون في الصّوم، في ما وقع فيه اليهود! نحن، إن أكلنا، فلا نزيد؛ وإن لم نأكل، فلا ننقص! الموضوع ليس، أبدًا، موضوع الامتناع عن الطّعام. الموضوع ليس، أبدًا، موضوع إتمام مجموعة من الفروض: أن نأتي، مثلا، كلّ يوم، إلى الكنيسة لنشترك في صلاة النّوم الكبرى، أو في القدّاس السّابق تقديسهالموضوع ليس موضوع واجبات! لا يمكننا أن نحوّل ما رتّبته الكنيسة إلى أحكام شكليّة! حتّى لو أتممنا الصّيام والانقطاع عن الزّفر كما يليق، إذا لم يتغيّر في قلوبنا الإحساس من جهة وقفتنا قدّام الله، وقدّام النّاس، وقدّام أنفسنا؛ وإذا لم يَنْمُ، نتيجة الصّوم، إحساسُنا بأنّنا بشر خطأة، وبأنّنا لا نحبّ كفاية، وبأنّنا لا نطيع الله كما يليق؛ وإذا لم يكن لدينا سعي لفتح صفحة جديدة في علاقتنا بالله، في محبّتنا لله؛ وإذا لم نفتح صفحة جديدة في سلوكنا في رحمة النّاس، في الصّدقة الّتي نتعاطاها مع النّاس؛ وإذا لم نفتح صفحة جديدة في نظرتنا إلى أنفسنا؛ فإنّنا، بلا أدنى شكّ، نتمّم فروض الصّوم الشـّكليّة، لكنّ النّتيجة تكون أنّنا نشعر بالبِرّ الذّاتيّ، وبأنّنا أتممنا فروضنا كما يليق؛ ومن ثمّ، قد صرنا على قاب قوسين وأدنى من ملكوت السّموات. وهذا كذب! المهمّ أن يتغيّر القلب. المهمّ، إذا كنّا لا نحبّ الآخرين كفاية، أن نمتدّ صوبهم، أن ننعطف عليهم. المهمّ، إذا كنّا، في السّابق، قد فترنا من جهة علاقتنا بالله، أن نستعيد حرارة الوقوف قدّام الله، أن نستردّ الإحساس بأنّنا لا نستحقّ أن نكون عبيدًا لله. إذا لم نحقّق شيئًا من هذا كلّه، فإنّ فروض الصّوم لا تنفعنا شيئًا.

إذًا، علينا أن نحذر لئلاّ يصير الصّوم سبيلاً إلى الغطرسة، والبرّ الذّاتيّ، وإدانة الآخرين، والشـّكليّات. لذلك، نحن نخفي كلّ ما نصنعه في الصّوم، سواء امتناعًا عن الطّعام كان، أم إحسانًا إلى النّاس، أم عبادة للهكلّ تفصيل من تفاصيل حياتنا في الصّوم ينبغي أن يكون لدينا مجالاً للتّملّؤ من حضرة الله، للتّملّؤ من الوعي بأنّنا بشر في حاجة إلى تنقية، وأنّ الرّبّ الإله هو مُنقّينا! وللتّملّؤ، أيضًا، من الإحساس بوجود الآخرين، من الإحساس بمحبّة الآخرين، برحمة الآخرينهذا كلّه هو المُرتجى، وهو ما علينا أن نسعى إليه، لكي يكون صومنا لأجل الإنسان، ولا نكون نحن لأجل الصّوم. نحن لسنا لأجل الصّوم! هناك، ربّما، مَن يظنّ، في الكنيسة أو في خارجها، أنّه، إن تمّم فروضًا معيّنة؛ فإنّه يقتني الملكوت. وهذا كذب. المهمّ أن تتغيّر قلوبنا، أوّلاًَ وأخيرًا، وأن نصير جُدُدًا، وأن نمتلئ من روح الله. إذ ذاك، يتسلّل الفصح إلينا، لكي يقيم فينا؛ فنفهم، حينئذٍ، معنى الحياة الجديدة، ومعنى القيامة في الرّوح!

فمن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة في السّبت 7 آذار 2009 حول مر2: 23- 28، 3: 1- 2

لا تحكموا بحسب الظـّاهر!

لا تحكموا بحسب الظـّاهر!

اﻷرشمندريت توما بيطار

إنجيل اليوم، يا إخوة، له عنوان رئيسيّ واحد، وهو: “لا تحكموا بحسب الظّاهر“. في القسم الأوّل من الإنجيل، الكلام هو على الكتبة. مَن هم الكتبة؟! الكتبة هم جماعة المتخصّصين بتداول الشـّريعة. يُفترَض بهم أن يكونوا معلِّمين للشـّريعة. الرّبّ يسوع يحذّر منهم. لماذا؟! لعدّة أسباب:

أوّلاً، لأنّهم يطلبون أن يمشوا بالحُلَلِ؛ بكلام آخر، عندهم حبّ الظّهور. يهتمّون بأن يكون لباسهم فاخرًا، مرتّبـًا. وطبعًا، محبّتهم للظّهور تقترن بروح الزّنى الّذي فيهم. الآباء القدّيسون يعلّموننا أنّ مَن يهتمّ بلباسه فوق الحدّ يكون الدّافعُ إلى فعلته هو الزّنى. الإنسان يُفترَض به أن يهتمّ بلباسه ليؤمّن لنفسه الدّفء. لكن، لا يليق بالإنسان المؤمن أن ينفق مالاً فوق الحدّ، أو وقتًا فوق الحدّ، على اللّباس. المهمّ للإنسان أن يستتر، وأن يستدفئ. هؤلاء، إذًا، يمشون بالحلل؛ وفي أعماقهم يحبّون الظّهور، وهم مائلون إلى روح الزّنى.

ثانيًا، لأنّهم يحبّون التّحيّات في الأسواق، وأن يقول لهم النّاس: “سيّدي، سيّدي؛ بكلام آخر، يحبّون التّفخيم، والتّعظيم، وأن يكونوا بارزين في القوم.

ثالثًا، لأنّهم يحبّون صدور المجالس في المجامع، وأوّل المتّكآت في العشاء“. مَن هو الّذي يجلس، عادة، في المجمع، في المقاعد الأولى؟! ومَن هو الّذي يجلس، عادة، في العشاء، في المقاعد الأولى؟! طبعًا، علّيّة القوم. الكتبة يهمّهم، دائمًا، أن يقدّموا أنفسهم باعتبارهم من علّيّة القوم.

رابعًا، لأنّهم يأكلون بيوت الأرامل“. ما معنى ذلك؟! في ذلك الحين، كانت الشـّريعة تطلب أن يكون لكلّ أرملة من الأرامل كفيل. والأرملة، الّتي كان زوجها غنيًّا، كان العديدون يشتهون أن يكفلوها. لماذا؟! لأنّ مَن يكفلها كان يضع يديه على ما عندها من مال. الكتبة كانوا يأكلون بيوت الأرامل، وبعلّة يُطيلون صلواتهم“. طبعًا، كان للأرملة الحقّ في أن تختار الكفيل المناسب لها. وبطبيعة الحال، كانت تختار مَن ترى فيه تقوًى، مَن ترى فيه استقامة، مَن ترى فيه أمانة. والكتبة كان يهمّهم أن يتظاهروا بأنّهم أتقياء. لذلك، يقول السّيّد عنهم إنّهم بعلّة يُطيلون صلواتهم“. السّبب أنّهم كانوا يريدون أن يراهم النّاس يصلّون، لكي يقولوا عنهم إنّهم أتقياء. وهذا، طبعًا، يجعلهم ذوي سمعة جيّدة، ويصوّرهم على أنّهم قوم محبّون لله. بهذه الطّريقة، كان الكتبة يخدعون الأرامل، لكي يأكلوا أموالهنّ. لذلك، الكتبة الّذين كانوا يحبّون المظاهر، وكانوا مرائين، قال عنهم السّيّد: “ستنالهم دينونة أعظم، لأنّهم كذبة، ومخادعون. ولهذا السّبب، لا يمكن، أبدًا، أن يثق المرء بهم. إذًا، على المرء أن يحذر الحُكـْمَ بحسب الظّاهر، وأن ينظر إلى الأعماق، ما أمكن؛ والأعماق تظهر، في العادة، من خلال الثّمار. إذا كانت الثّمار جيّدة، فإنّ الأعماق تكون نقيّة. لكنّ ثمار الكتبة ملؤها التّعظّم، والتّفخيم، والمجد الباطل، والكبرياء، والرّياء، والسّرقةلذلك، على التّلاميذ أن يحذروهم؛ وأن يحذروا، أيضًا، كلَّ مَن يبدو أنّه تقيّ، أو مَن يبدو أنّه سخيّ ويحبّ الفقراء. الفضائل، في الحقيقة، نتعاطاها في الخفية، ما أمكن؛ ولا نتعاطاها في الظّاهر. الإنسان، بسهولة، يمكن أن يستخدم ظاهرَ الفضائل لكي يخدع بسطاء القوم. هذا بالنّسبة إلى القسم الأوّل من إنجيل اليوم.

بالنّسبة إلى القسم الثّاني، لاحظ يسوع أنّ الأغنياء كانوا يلقون تقادمهم في الخزانة“. الخزانة عند الهيكل كانت المكان الّذي يضع فيه النّاس مساعداتهم. إلى أين تذهب هذه المساعدات؟! عمومًا، تذهب إلى الهيكل، إلى خدّام الهيكل، وربّما إلى بعض الفقراء. إذًا، هناك أغنياء كانوا يلقون تقادمهم. طبعًا، كانوا يلقون، عمومًا، بوفرة. يتصوّر الإنسان، في السّياق الّذي يتكلّم فيه يسوع، أنّ الأغنياء كانوا يلقون تقادمهم بطريقة ظاهرة، حتّى يمجِّدهم النّاس. في مقابل ذلك، جاءت امرأة أرملة مسكينة. الكلام في القسم الأوّل هو على الأرامل، والكلام في القسم الثّاني هو على الأرملة المسكينة. الأرامل، بعامّة، إمّا كانت تُنهَب أموالهنّ، أو كنّ يعـِشن في الحاجة، في الفقر. إذًا، هذه صورة عن أرامل فلسطين: أرملة مسكينة، فمَن يهتمّ لها؟! مَن يبالي بها؟! وماذا ستضع في الصّندوق، في كلّ حال؟! ألقت هذه الأرملة الفقيرة فلسَيْن. كلّ النّاس، في الحقيقة، يهتمّون، أوّلاً، بقيمة ما يُلقى، في الخزانة؛ حتّى في الكنيسة! وكلاء الكنيسة، مثلاً، بِمَ يهتمّون، في الدّرجة الأولى؟! يهتمّون بأن يكون المبلغ الموجود في الصّندوق مبلغًا كبيرًا! مَن يبالي بالمبلغ الصّغير؟! مَن يبالي بمئتين وخمسين ليرة لبنانيّة، مثلاً؟! إنّها لا تعني شيئًا لمعظم النّاس. لكن، هنا، الرّبّ يسوع يشير، بوضوح، إلى وجوب عدم الاهتمام بكمّيّة المال الّتي تُلقى في الخزانة، أو في الصّندوق. اهتمامنا، في الدّرجة الأولى، ينبغي أن يكون بمَن أعطى. ومَن يعطي، يحكم، في الحقيقة، على نفسه إذا كان يعطي من فضلاته؛ فمَن يعطي من فضلاته، فقيمة ما يعطيه تكون بخسة، قليلة، ولو كان المبلغ، نقديًّا، كبيرًا! قيمته، في عين الله، تكون قليلة. المهمّ أن يعطي الإنسان من حاجته، لا من فضلاته، إذا أراد أن يعطي. طبعًا، ليس أحد ملزَمًا بأن يعطي. الإنسان يعطي من فيض قلبه، لا من فيض جيبه! فإذا كان قلبه قويمًا، ومحبًّا؛ فإنّه يعطي في كلّ الأحوال، ولو كان هو في حاجة إلى ما يعطيه. إذًا، المهمّ في العطاء قصد القلب. إذا كان الرّبّ الإله يحكم على العطاء على هذا النّحو؛ فعلينا، نحن أيضًا، أن نحكم بالطّريقة نفسها، وأن نتعاطى العطاء بالطّريقة ذاتها. ليس سيّئًا، طبعًا، أن يعطي الإنسان القليل، وله وفرة من المال. هذا لا بأس به. لكنّ العطاء الحقّ، العطاء الكبير هو أن يحرم الإنسان نفسه ممّا عنده، لكي يعطي مَن ليس عنده. هذا يرى الرّبّ الإله قلبه، يرى محبّته، يرى اتّكاله عليه. وهذا ينال نعمة فوق نعمة.

إذًا، لا نهتمّنّ بما هو بحسب الظّاهر. ليكن همّنا مركَّزًا، أوّلاً وأخيرًا، على نيّة القلب؛ على الّذي يسلك بمحبّة مع الفقراء، وبسخاء من جهة بيوت الله؛ وعلى مَن عطاؤه في الخفاء، وباتّضاع؛ على مَن لا يطلب ما لنفسه: لا مجدًا، ولا عظمةً؛ على مَن يطلب، فقط، رحمة الله. مَن يعطي، في الحقيقة، يطلب رحمة الله. لذلك، قيل، في المزمور، إنّ مَن يعطي الفقراء يعينه الرّبّ الإله على سرير ألمه (مز40: 3). إذًا، نحن، من خلال العطاء، نسأل رحمة الله، ونسأل بركته، ونسأل غفران خطايانا، إذ يقول الكتاب: “المحبّة تستر جمًّا من العيوب” (أم10: 12؛ 1بط4: 8). ومن ثمّ، المحبّة، في العطاء النّابع من القلب، تستر جمًّا من العيوب. على هذا النّحو، حتّى الأمور الّتي تُعتبَر، وفق مقاييسنا، عاديّة تتحوّل إلى آنية للخلاص، وإلى أسباب للتّقديس.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول لو20: 46- 47؛ 21: 1- 4، في السّبت 19 شباط 2011

رأس السّنة بين الزّمن الدّهريّ والزّمن الأبديّ

رأس السّنة بين الزّمن الدّهريّ والزّمن الأبديّ*

اﻷرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، اليومُ، بحسب عرف النّاس، هو أوّل السّنة. طبعًا، في الماضي، أوّل السّنة لم يكن، بالضّرورة، في الأوّل من كانون الثّاني. كان هناك أكثر من تاريخ لبداية السّنة، وفقًا للأزمنة، ووفقًا للشـّعوب. مثلاً، قديمًا، أوّل السّنة كان في تشرين الأوّل. بحسب ترتيبات أخرى، كان في نيسان. وبحسب ترتيبات أخرى أيضًا، كان في أيلول. أمّا نحن، في الكنيسة، فلا نحتفل برأس السّنة في الأوّل من كانون الثّاني. نحن نحتفل برأس السّنة الكنسيّة في الأوّل من أيلول.

من المهمّ جدًّا أن نعرف أنّ السّنة الكنسيّة مختلفة عن السّنة الدّهريّة، الّتي من هذا الدّهر، والّتي يحتفل بها النّاس بحسب هذا الدّهر. السّنة الدّهريّة هي سلسلة أيّام. ومن وقت إلى آخر، يجعل أهل هذا العالم لهم أعيادًا، أيضًا، من هذا الدّهر؛ كالاحتفال، مثلاً، بعيد الاستقلال، أو عيد التّحرير، أو عيد العمل، أو عيد الشـّهداءهذه كلّها أعياد بشريّة دهريّة؛ وليست لنا، كنسيًّا، علاقة بها؛ وإن كنّا، بطبيعة الحال، كمواطنين في هذا البلد، نشترك مع غيرنا، من غير المؤمنين بيسوع، بهذه الأعياد. السّنة الكنسيّة ليست كذلك، أبدًا. السّنة الكنسيّة، عندنا، ليست سلسلة أيّام، بل تبدأ بعيدٍ للقدّيسين. وكلّ يوم من أيّام السّنة الكنسيّة فيه عيد لقدّيس، أو عيد للسّيّد، أو عيد للسّيّدة والدة الإله. ما من يوم، أبدًا، من أيّام السّنة الكنسيّة، إلاّ وفيه عيد لمجموعة من القدّيسين. علامَ يدلّ هذا الأمر؟! هذا الأمر يدلّ على أنّ الزّمن الكنسيّ مختلف عن الزّمن الدّهريّ، عن الزّمن العالميّ. وإذا كنّا نحتفل بأعياد القدّيسين، فهذا معناه أنّنا قد دخلنا في زمن جديد. نعم، هناك زمن عتيق، وهناك زمن جديد؛ هناك زمن من هذا العالم، وهناك زمن من العالم الآخر. الاحتفال بأعياد القدّيسين وبالمناسبات الكنسيّة المختلفة إنّما يدلّ على أنّ حياتنا، في المسيح، باتت تنتمي إلى غير هذا الزّمن. نحن، بعدما اعتمدنا باسم الآب والابن والرّوح القدس، وبعدما أخذنا نسلك بالإيمان بيسوع، وبعدما أصبح الإنجيل دستور حياتنا؛ صارت حياتنا تنتمي إلى الحياة الأبديّة، إلى الزّمن الأبديّ.

نعم، هناك زمن جديد دخل إلى البشريّة، هو الزّمن الأبديّ. هذا الزّمن الّذي نحن فيه، اليوم، على الأرض، هو زمن يبدأ، ثمّ ينحدر بالخليقة، قليلاً قليلاً، إلى أن يصل بها إلى الموت. الشـّجرة تبدأ بذرة. وهذه البذرة تنمو؛ لكنّها، في أثناء نموّها، تتحرّك، بصورة حثيثة لا يمكن إيقافها، باتّجاه الموت. الزّمن العالميّ، أو الزّمن الدّهريّ، هو زمن مائت، أي زمن يؤدّي إلى الموت. يعيش المرء عددًا محدّدًا من السّنوات. لكن، تأتي ساعة ينحدر فيها إلى القبر. حتّى منذ أن يبدأ الكائن في الحشا، منذ أن يبدأ الإخصاب في حشا الأمّ، تبدأ الحياة؛ وفي آنٍ، يبدأ الموت. لذلك، علميًّا وطبّيًّا، جسم الإنسان يُنتج، دائمًا، خلايا جديدة، حياة جديدة. حين يتوقّف الجسم عن إنتاج خلايا جديدة؛ فالإنسان، بكلّ بساطة، يموت. لكن، فيما يُنتج الجسم خلايا جديدة، هناك، في المقابل، خلايا تموت. إذًا، حركة الحياة تبدأ من الحشا، وكذلك حركة الموت. لكن، ما يحدث أنّ المرء يصل إلى وقت تتوقّف فيه حركة الحياة. الحياة تتباطأ، قليلاً قليلاً، ويسود الموت. لهذا السّبب، قلنا إنّ الزّمن الّذي نحن فيه، في هذا العالم، هو زمن مائت.

أمّا الزّمن الأبديّ، الّذي كنتُ أتكلّم عليه قبل قليل، فمختلف. الزّمن الأبديّ يبدأ بالإيمان بالرّبّ يسوع. إذا كان الإنسان طفلاً، فإيمان أمّه وأبيه يكون كافيًا؛ لأنّه ينتمي إلى أبويه، ينتمي إلى عائلة. يبدأ، إذًا، بالايمان؛ ثمّ ينتقل إلى المعموديّـة، أي إلى الولادة الجديدة بالماء والرّوح. عندها، تدخل في الإنسان حياة جديدة. هناك حياة عتيقة، وهناك حياة جديدة. قلت إنّ الحياة العتيقة تنحدر إلى الموت. أمّا الحياة الجديدة، فلا تنحدر إلى الموت، إنّما هي في تصاعد مستمرّ. الإنسان في حالة تصاعد مستمرّ لا يتوقّف! نحن في حركةٍ نحو الحياة الأبديّة؛ لهذا، نحن ندخل، بالإيمان والمعموديّة، في الزّمن الجديد، في الزّمن الأبديّ. وهذا، عمليًّا، يعني أنّ الإنسان ينمو، بصورة خفيّة، تصاعديًّا، إلى فوق؛ ولا يظهر، بشكل واضح وصريح، لعيون الّذين لا يؤمنون. لكنّ هذا حقّ، هذا يحدث. في الزّمن العتيق، الإنسان ينتهي بالموت؛ في الزّمن الجديد، الإنسان المؤمن يكتمل على الأرض بالموت. وهذه مرحلة ينتقل منها الإنسان إلى مرحلة أخرى، ينتقل إلى عالم آخر، ينتقل إلى حياة مختلفة لكنّها حقيقيّة جدًّا ويكمل سيره تصاعديًّا نحو الحياة الأبديّة. هذا ما يحدث، حين يموت الإنسان المؤمن بالجسد. إذ ذاك، يكون قد تكمّل هنا، كالشـّجرة الّتي تعطي ثمرة جيّدة بعد أن تكون دورة الحياة فيها قد اكتملت. متى بلغ الإنسان الاكتمال بالجسد، وصار ثمرةً ممتلئةً من روح الرّبّ القدّوس؛ فإنّ الرّبّ الإله يأخذه ويضمّه إليه. إذ ذاك، يدخل في عالم النّور، الّذي هو عالم الله. وهناك، يستمرّ بالنّموّ، يستمرّ صُعُدًا بالحياة، ويبقى في وضع النّموّ، بصورة متواترة، إلى الوقت الّذي حدّده الرّبّ الإله. بعد كم من الوقت؟! لا نعرف.

لكن، نعرف أنّ وقتًا سيحين، وهو ما يُسمّى وقت القيامة العامّة، فيه، الّذين آمنوا ونموا بالنّعمة والقامة يستردّون، بنعمة الله، أجسادهم الّتي سبق لها أن انحلّت. هذا الجسد سينحلّ إلى ذرّات مختلفة. وقد يبقى من هذا الإنسان بعض العظام. في القيامة العامّة، تجتمع الذّرّات الخاصّة بكلّ إنسان بعضها إلى بعضها الآخر. (مَن يريد فكرة أوضح، يستطيع أن يقرأ الإصحاح السّابع والثّلاثين من نبوءة حزقيال النّبيّ، حيث يتكلّم بشكل جميل جدًّا على هذا الموضوع). ربّما يكون بعض الذّرّات موجودًا هنا، وبعضها هناك، في غير مكان. ليس ضروريًّا أن تكون الذّرّات كلّها في المكان نفسه. لكن، بنعمة الله، تجتمع الذّرّة إلى الذّرّة، لتعود فتشكّل خليّة من جديد؛ والخليّة تجتمع إلى الخليّة لتستعيد العضو، كلّ عضو من أعضاء جسد الإنسان؛ والأعضاء يتضافر بعضها مع بعضها الآخر، إلى أن يُستَعاد الإنسان كلّه بقوّة الله، وبنعمة الله. والإنسان الّذي يكون قد مات جسدُه هذا الإنسان الّذي استمرّ في الحياة سنين طويلة من دون جسد يستعيد جسده، ويعطيه الرّبّ الإله نعمة خاصّة حتّى لا يكون بالإمكان، بعدُ، أن يتفكّك هذا الجسد من جديد. هذا الجسد هو نفسه، بروح الله، يصير جسد المجد. الرّسول بولس يتكلّم على جسد المجد غير القابل للتّفكّك. الإنسان، إذًا، كلّ إنسان، يستعيد جسده نفسه. لكنّ هذا الجسد يكون ممتلئًا بالحياة، ويصير غير قابل للموت، ومن ثمّ للتّفكّك. إذ ذاك، يكتمل قصد الله للإنسان. ما من إنسان من دون جسد. الإنسان لا يستطيع أن يتحوّل إلى روح. الملاك روح، بمعنًى من المعاني، ولو كان له جسده الخاصّ. لكنّ أجساد الملائكة تختلف عن أجساد البشر. نحن، كبشر، جمع الله فينا بين ما هو من الرّوح وما هو من التّراب. وفي وقت من الأوقات، قال: “أنتَ، يا إنسان، من التّراب وإلى التّراب تعود” (تك3: 19)؛ فصار الإنسان يموت بحسب الجسد. حين يصل الإنسان إلى القيامة العامّة، يستردّ هذا الجسد التّرابيّ، الّذي يصير ممتلئًا من نور الله، ومن نعمة الله؛ ويصير إنسانًا غيرَ قابل للموت، فيما بعد. هذا، بطبيعة الحال، إذا كان مؤمنًا بالرّبّ يسوع. لا تسألوني: ما مصير الّذين لا يؤمنون؟! فهذا موضوع آخر. لكن، كلّ هذا يحدث للإنسان، في الزّمن الجديد، الّذي نبدأ باختباره منذ الآن! ما دام روح الرّبّ يعمل فينا، منذ الآن، فنحن قد دخلنا في دائرة الزّمن الجديد، ونحن ننمو صُعُدًا بالحياة الأبديّة إلى وجه الله.

إذًا، تصوّروا واقع الإنسان، واقع كلّ واحد منّا، هنا على الأرض! هو يسير نحو القبر؛ وفي الوقت نفسه، يسير نحو السّماء، نحو وجه الله! الإنسان يختبر هذين الأمرين معًا، وهاتين الحالتين معًا. لا نستطيع أن نفهم؟! ليس للمرء، بالضّرورة، أن يفهم. المهمّ أن يقبل. لكن، هذا هو واقع الإنسان الجديد. لهذا السّبب، الإنسان الجديد، بمعنى الكلمة، هو القدّيس. وكلّ واحد منّا مدعوّ إلى أن يصير قدّيسًا. عند الرّبّ ليس هناك سوى قدّيسين. القدّيسون هم الّذين يحيون بروح الله. إذًا، هناك فرق كبير بين الزّمن العتيق، زمن الموت؛ والزّمن الجديد، زمن الحياة الأبديّة. لهذا السّبب، بالنّسبة إلينا، السّنة الكنسيّة لا تبدأ في الأوّل من شهر كانون الثّاني، وليست سلسلة أيّام؛ إنّما تبدأ في الأوّل من شهر أيلول، وهي سلسلة قدّيسين؛ أو، بالأحرى، هي عمل الرّوح القدس في الّذين يؤمنون. الرّوح القدس له عمل أساسيّ، على الأرض، وهو أن يُنتج قدّيسين. هؤلاء القدّيسون نُدخلهم نحن في هذه السّنة الكنسيّة، ونحتفل بأعيادهم. نحن ننظر، دائمًا، إلى هناك، إلى الآتي، إلى ما نحن ذاهبون إليه. ليس أحد منّا قابعًا ينتظر القبر. نحن ننظر إلى ما بعد القبر. بالنّسبة إلينا، القبر هو مرحلة ننتقل بها إلى حياة أكمل، وإلى حضور أوفى مع الله. هذا هو سعينا. لا أحد منّا يستطيع أن يضمن حياته، هنا، لثانية واحدة. لا ضمانة للإنسان، أبدًا، على الأرض. الموت يمكن أن يأتي في أيّة ساعة كانت. أمّا في الزّمن الجديد، ما دمنا متمسّكين بالإيمان بالرّبّ يسوع المسيح، فنحن في حياة مزدهرة، تنمو فينا بصورة دائمة، وتملؤنا من حياة الله، من حضور الله، من روح الله، من نعمة الله. وهذا ما ننظر إليه الآن، وغدًا، وبعد غدٍ، وإلى ما لا نهاية.

إذًا، اليوم، نحن لا نحتفل برأس السّنة، بل نحتفل بختانة ربّنا يسوع المسيح بالجسد، ونحتفل بتذكار أبينا القدّيس الجليل باسيليوس الكبير. وختانة الرّبّ يسوع لها معنيان. أصلاً، الختانة، عند اليهود، لم تكن فريدة من نوعها، إذ كانت موجودة عند الشـّعوب القديمة. بعض هذه الشـّعوب كانت الختانة عنده لها معنى دينيّ. عند اليهود، الختانة لها معنى النّقاوة، ولها معنى الحياة. والنّقاوة والحياة أمران ارتبطا بإيمان الشـّعب العبري بالله. إذًا، في هذا اليوم، نحن نحتفل بعيد النّقاوة وعيد الحياة. لكنّنا لا نقف عند ما كان يفكّر فيه العبرانيّون، قديمًا؛ لأنّ ما كانوا يفعلونه اتّخذ، اليوم، معنًى جديدًا. في الماضي، النّقاوة، عند اليهود، كانت نقاوة في الجسد. اليوم، نحن نسعى للنّقاوة في القلب. وهذا له علاقة بنعمة الله، وله علاقة بتعاوننا مع نعمة الله. لهذا السّبب، العهد الجديد يقول: “طوبى لأنقياء القلوب، فإنّهم يعاينون الله” (متّى5: 8). نحن نطلب مثل هذه النّقاوة، نقاوة القلب؛ حتّى نعاين الله، أي حتّى ندخل في نور الله، في عالم النّور الإلهيّ غير المخلوق. والختانة كانت تعني للقدامى، أيضًا، الحياة؛ إنّما بحسب الجسد. أمّا بالنّسبة إلينا، فالحياة صارت هي الحياة الأبديّة. نحن نسلك في نقاوة القلب التماسًا للحياة الأبديّة. لذلك، الختانة، في كنيسة المسيح، استُعيض عنها بالمعموديّة، معموديّة الماء والرّوح. من هناك، يدخل الإنسان في نفق النّقاوة الإلهيّة، وفي نفق الحياة الأبديّة.

ثمّ إنّ الختانة كانت مرتبطة بتسمية الطّفل، في اليوم الثّامن. بكلام آخر، بعد ثمانية أيّام من ولادة الطّفل، كانوا يختنونه بالجسد، ويعطونه اسمًا. هذا يعني أنّه لم يكن يُسمّى قبل ذلك. إعطاء الاسم، في الماضي، كان مهمًّا جدًّا؛ لأنّ معناه هو هويّة الإنسان. إذا قلتُ، مثلاً، أوفيميّا؛ فهذا يعني أنّني أشير إلى هويّة معيّنة. إذا قلتُ نسيم، فأنا أشير إلى هويّة محدّدة. هذا مهمّ جدًّا، في الكنيسة، إذ بالمعموديّة يُعطى الإنسان اسمًا جديدًا. وفي كتاب رؤيا يوحنّا، الإنسان يُعطى اسمًا جديدًا لا يعرفه إلاّ هو، أي يُعطى هويّة جديدة، يُعطى انتماء إلى ملكوت السّموات! في الوقت نفسه، لا شكّ في أنّ إعطاء الاسم وإجراء الختانة في اليوم الثّامن أمر لافت؛ لأنّ اليوم الثّامن، حسب آبائنا القدّيسين يشير، بشكل واضح جدًّا، لا إلى هذا الدّهر، بل إلى الدّهر الآتي، أي إلى الزّمن الجديد. بشريًّا، الأسبوع مؤلَّف من سبعة أيّام، وما من يوم ثامن. لكنّ المقصود باليوم الثّامن هو اليوم الّذي يتخطّى زمن هذا الدّهر. والزّمن الّذي يتخطّى زمن هذا الدّهر هو زمن الدّهر الآتي، هو زمن الحياة الأبديّة، هو الزّمن الأبديّ، هو الحياة في ملكوت السّموات.

إذًا، نحن، اليوم، احتفلنا بعيد الختانة، ختانة الرّبّ يسوع المسيح؛ لأنّ الرّبّ اقتبل أن يكون تحت الشـّريعة، واختتن كما يختتن كلّ يهوديّ. هذا تنازل عظيم منه. لكن، بمجرّد أنّه اقتبل ختانة بشريّة، فقد ألغاها، وأبطل قيمتها، وأدخلنا إلى ختانة جديدة، هي المعموديّة باسم يسوع. لهذا السّبب، ما نحتفل به، اليوم، هو، عمليًّا، الزّمن الجديد. وقد شاءت الكنيسة أن تجعل هذا اليوم يوم الختانة، لتقول لنا إنّنا لا ننتمي، بعدُ، إلى زمن هذا الدّهر؛ بل ننتمي، من الآن فصاعدًا، إلى زمن الدّهر الآتي. وأوّل قدّيس نحتفل به، في هذه السّنة العالميّة، هو القدّيس باسيليوس الكبير، الّذي هو نموذج هامّ جدًّا من نماذج القدّيسين. نحن، من الآن، نقدّم، لا أيّامًا نحتفل بها في مناسبات من هذا الدّهر؛ بل نقدّم مناسبة واحدة نحتفل بها، وهي القداسة. وهذا نموذج من أكمل نماذج القدّيسين، تقول لنا الكنيسة به إنّنا قد دخلنا في زمن القداسة، وبالقداسة وحدها يتمّ الاحتفال، كلّ يوم؛ إلى أن ندخل، بالموت حسب الجسد، إلى حياة النّور؛ وننمو، من هناك، صُعُدًا إلى وجه الله.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول لو2: 20- 21؛ 40- 52 في السّبت 1 كانون الثّاني 2011

توبوا فقد اقترب ملكوت السموات

توبوا فقد اقترب ملكوت السموات

اﻷب أنطوان ملكي

أول عظة قالها السيد للشعب، من بعد معموديته، كانت “توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات” (متى 17:4)، فهو يدعوهم لأن التوبة أمر أساسي في حياتنا. يقول إشعياء النبي “الشعب السالك في الظلمة قد أبصر نوراً عظيماً”، فهل من ارتباط بين التوبة والنور؟ طبعاً، ﻷن النور الحقيقي هو الذي يأتي من المسيح الذي لا نعرفه من دون توبة.

فالتوبة كما يعرّفها الآباء القديسون هي “تغيير الذهن أو العقل”. التوبة ليست الندامة وحسب بل هي تغيير الذهن وطريقة التفكير، التوقّف عن التفكير بالخطيئة والبدء بالتفكير بالأمور الصالحة، فهكذا يكون تغيير الذهن عن التفكير بالشر للتفكير بالأعمال الصالحة، هذا هو الشكل الحقيقي للتوبة. إذاً التوبة ليست حالة نفسية أو عصبية، ليست أن يتوتّر اﻹنسان ويصرخ قد تبت، قد تبت، بل هي بناء الذات، أي أن يعود لذاته ويبنيها بناءً صالحاً، لا أن يبكي ويعول أو أن يعاتب نفسه. هي تغيير الذهنك لإصلاح الحياة، لإصلاح الذات والتحول إلى إنسان جديد.

التائب هو الذي لا ينظر إلى الوراء بل إلى فوق إلى الله المحب البشر. التوبة هي عودة إلى النور، هي عبور من الظلمة إلى النور. إذا كان اﻹنسان غارقاً في الظلمة سيحتاج إلى نور كي يفضح نفسه ويكشفها فيراها على حقيقتها، يرى أهواءها، ويرى خطاياها. لكن عن أي نور نتكلم؟ عن نور المسيح، الذي أخذه الجميع يوم المعمودية، لكن أما يزال مشتعلاً فينا؟ أما زال ينير الظلمة التي دخلنا فيها بسبب خطايانا؟ كل إنسان معمّد لديه نور المسيح وخصوصاً مَن يشترك بجسد المسيح ودمه، أما الذي لا يشترك بهما فلا يغذي هذا النور بل يدعه ينطفئ. الإنسان التائب هو الذي يهيئ نفسه لاتقاد النور في داخله.

أن يتوب اﻹنسان مغيّراً ذهنه عن الخطيئة، مصلحاً ذاته، موجهاً عقله نحو السماء، نحو الله، هو هدف التوبة، عندها يكتشف أنه ابن لله، ابن للنور، والمسيح يدعوه ليكون ابناً للنور. لن يشتعل النور الحقيقي، الذي بداخله من يوم المعمودية، بدون التوبة، فيمكن أن يكون هذا النور عند أي مسيحي خامد ولكنه سيكون متقداً عند التائب فيقدسه. نور الرب هو الذي يطهر.

ما علاقة النور بالتوبة؟ كي نتوب يجب أن يدخل فينا النور، وما دمنا معتمدين فنحن نملك هذا النور. لكن ما نتائج التوبة؟ من نتائج التوبة أن يسكن فينا نور المسيح، وينضح منّا هذا النور. هذه هي علاقة النور بالتوبة، علاقة متبادلة، أي إن تاب اﻹنسان سيحصل على النور الحقيقي، ومن جهة أخرى بدون النور لن تُكشف خطاياه ولن يستطيع أن يتوب توبة حقيقية مغيّراً ذهنه ومصلحاً ذاته مطهّراً إياها ناظراً لفوق إلى العلى إلى الملكوت السماوي.

الإنسان التائب هو الإنسان الذي يمتلك حياة جديدة ملؤها السلام والمحبة والتواضع، وبالنهاية يكون الملء من روح الله، هذا هو هدف الإنسان المسيحي الحقيقي الذي يسعى لملكوت السموات. التوبة ليست عملاً مؤقتاً بل هي عمل مستمر حتى نهاية العمر، أي لا يمكننا القول أننا تبنا اليوم فقد خلصنا، طبعاً لا، ومن ناحية أخرى إن لم نكن تائبين العمر كله فلن نخلص، ولن نحصل على النور الحقيقي ولا على ملكوت السموات. يدعونا المسيح أن نكون من أهل التوبة لأننا سنخلص بها “توبوا فقد اقترب ملكوت السموات” أي لا تنوحوا، لا تبكوا، بل غيّروا أنفسكم وطريقة تفكيركم وحياتكم، فالمعتاد على عدم الصوم فليصُم، إن والمعتاد على الكفر فليكفّ عنه، والمعتاد على الكذب فليتمسّك بالصدق، عندها تكون التوبة قد بدأت والقلب يتّسع لسكنى المسيح ويصير مفيضاً للنور فيتمّ الخلاص.

جنون الوصيّة الإلهيّة!

جنون الوصيّة الإلهيّة!

اﻷرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، أودّ، بإذن الله، أن أتوقّف، اليوم، عند سؤال طُرح على الرّبّ يسوع، وعند جواب أعطاه. السّؤال صدر عن إنسان ليس معروفًا. قال: “يا ربّ، هل الّذين يخلصون قليلون؟!”، فأجاب يسوع: “اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضّيّق“. الرّبّ يسوع لم يعطِ جوابًا مباشرًا عن السّؤال الّذي طرحه هذا الإنسان. لقد كان من المتوقَّع أن يجيب الرّبّ يسوع إمّا بنعم، وإمّا بلا؛ أي نعم، الّذين يخلصون قليلون، أو لا، الّذين يخلصون ليسوا قليلين“. لكنّه أعطى جوابًا عن سؤال كان يجب أن يُطرَح. عند الرّبّ يسوع، ليس لكلّ سؤال جواب. أحيانًا، يطرح النّاس أسئلة قد لا يكون لها أجوبة، عند الرّبّ الإله. عادة، الجواب يكون صائبًا، أو مُخطئًا. أمّا عند الرّبّ يسوع، فالسّؤال ينبغي أن يكون صائبًا، أوّلاً؛ حتّى تكون له إجابة صائبة.

لماذا يسأل الإنسان هل الّذين يخلصون قليلون؟؟! هذا سؤال فضوليّ، والنّاس عندهم الكثير من الفضول! يحبّون أن يعرفوا من أجل المعرفة. هذه ميزة من ميزات عالمنا، اليوم. نبحث عن المعرفة من أجل المعرفة. يكدّس الإنسان المعلومات والمعارف، ويتعب عبثًا في جمعها، وأكثرها ليس نافعًا في شيء. هذا، في الحقيقة، من دلائل سقوط الإنسان. بعد أن سقط الإنسان، صار هناك خلل في كلّ البنية الإنسانيّة. تركيز الإنسان صار على القوى الدّماغيّة، على العقل، على الفكر؛ لأنّ الدّماغ هو ما يمكن أن تتجلّى فيه قوّة الإنسان. قوّة الإنسان، في العمق، كإنسان، هي قوّة دماغيّة. اليوم، كلّ الحضارة، الّتي نحن في كنفها، هي حضارة تعتمد، في الدّرجة الأولى، على قوى الإنسان الدّماغيّة. من أجل إبراز هذه القوى الدّماغيّة وتنميتها، تقيم الشـّعوب مدارس، مثلاً! ما القصد من المدارس؟! في الدّرجة الأولى، القصد هو صقل القوى الدّماغيّة عند الإنسان، وتنميتها، وتوجيهها. ونحن نرى، في العالم، أنّ الإنسان، بسبب هذا التّركيز على القوى، يمكنه أن يصنّع أمورًا لا حاجة إليها، وبإمكانه أن يعيش من دونها، وحتّى بشكل أفضل. ومع ذلك، يصنّع هذه الأدوات، وهذه الوسائل. مثلاً، السّلاح! لماذا يصنع الإنسان السّلاح؟! هو يقول إنّه في حاجة إلى أن يدافع عن نفسه. الشـّعوب تقول إنّها في حاجة إلى أن تدافع عن نفسها. لكنّ السّلاح، عمليًّا، هو للقتل! والإنسان، عبر السّنوات، لا سيّما عبر القرنين العشرين والواحد والعشرين، تفنّن كثيرًا في صناعة الأسلحة! حتّى إنّه صنع، ويصنع، أسلحة ليست، أبدًا، للدّفاع عن النّفس. مثلاً، القنابل الرّهيبة الإشعاعيّة والذّرّيّة، الّتي تُصنَع، ليست للدّفاع عن النّفس! هذه لقتل البشريّة! هذه لتدمير ما له علاقة بالأرض، ما له علاقة بالبشر، ما له علاقة بالحضارات! اليوم، مثلاً، كلّ الصّناعات، الّتي يهتمّ بها الإنسان، لا يحتاج، في الحقيقة، إلاّ ربّما إلى جزء قليل منها، ليجعل الحياة على الأرض أفضل ممّا هي عليه. الإنسان، اليوم، ليست عنده حدود، في وجدانه، تردعه عن صناعة أيّ شيء! هو مستعدّ لأن يستعمل قواه العقليّة لتصنيع أيّ شيء! خذوا، مثلاً، الصّناعات البيولوجيّة. الإنسان، اليوم، يحاول أن يصنع إنسانًا! ويحاول أن يصنعه بقواه العقليّة! يُجري التّجارب من أجل ذلك، ويسخـّر طاقات هائلة لغرض صنع إنسانٍ جديد، إنسانٍ مصنَّع! طبعًا، المحاولات جارية لصنع حيوانات، أيضًا! انظروا، مثلاً، ماذا فعل، ويفعل، الإنسان في موضوع الغذاء. قلّة منّا، ربّما، تدرك أنّ معظم الغذاء الّذي نتناوله قد أصبح مصنَّعًا. طبعًا، لا بدّ من اعتماد الزّراعة. لكن، هناك زراعة مصنَّعة. البذور، مثلاً، الّتي تُبذَر في الأرض من أجل الحصول على الخضار والفاكهة، القسم الأكبر منها صار، اليوم، مصنَّعًا! النّاس يتلاعبون بالجينات الخاصّة بهذه البذور، بحيث يوجِدون ما لم يكن موجودًا، ويوجِدون الخضار والفاكهة وفقًا للمصالح: مصالح الأفراد، ومصالح الجماعات؛ ووفقَا لزيادة الإنتاج، وأمور كهذه! الكلّ القصد منه التّجارة الكبيرة. مثلاً، معظم البندورة الّتي نأكلها بندورة مصنَّعة، ملعوب فيها جينيًّا. وقد ثبت أنّ أربعين في المئة، على الأقلّ، من أمراض الإنسان المستحدَثَة، عائد إلى التّغذية المغلوطة، الّتي بتنا معرَّضين لها.

باختصار، إذًا، الإنسان بات يستعمل قواه العقليّة حيث ينبغي، وحيث لا ينبغي! لم يبقَ هناك أيّ فاصل بين الأمرين! لا حدود لاستعمال القوى العقليّة، عند الإنسان. هذا من علامات السّقوط! الإنسان، من خلال استعمال قواه العقليّة بهذه الطّريقة، يهمّه، في الدّرجة الأولى، أن يتعاطى القوّة، في العالم! يريد أن يتعاطى الخَلـْق! يريد أن يكون خالقًا! طبعًا، هو لا يستطيع ذلك؛ لأنّ الخَلـْق كان، في الأساس، من العدم. أمّا الإنسان، فلا يخلق، ولا يمكنه أن يخلق شيئًا من العدم. الإنسان، بكلّ بساطة، يحاول أن يبتدع أشكالاً من الحياة، غير الأشكال الّتي شاءها الرّبّ الإله أن تكون. طبعًا، هذا يصير مكلِّفًا جدًّا، إذ يرتدّ الأمر على الإنسان؛ وبسببه، يعاني مشكلات لا حدّ لها ولا حصر. مثلاً، مَن منّا لا يتناول أدوية كيميائيّة؟! الكيميائيّات، في المبدأ، ولو بتنا معتادين عليها، هي تفكيك لخليقة الله، عمليًّا، وإعادة تركيبها بطريقة مختلفة. المشكلة الكبرى، مثلاً، في موضوع الأدوية الكيميائيّة، أنّ الإنسان لا يمكنه أن يتوقّع ما يمكن أن تكون عليه تأثيرات هذه التّركيبات الكيميائيّة، بعد عشرين سنة، أو ثلاثين سنة. يعرف أنّه إذا تناول قرص بنادول، مثلاً؛ فهذا يمكن أن يخفّف، آنيًّا، ألم رأسه؛ أو إذا كان معرَّضًا للزّكام، يتناول بعض الأدوية؛ فتكون النّتيجة أنّ وضع زكامه يتحسّن. لكن، ما هي التّأثيرات الجانبيّة، الّتي تخلّفها هذه الأدوية في صحّة الإنسان؟! هذا مجال يبدو مستحيلاً على الإنسان أن يخوض فيه. الإنسان لا يمكنه أن يتوقّع ماذا يمكن أن يكون عليه الأمر، بعد سنوات طويلة، بالنّسبة إلى ما يستعمله اليوم. لكن، نحن نعرف، بصورة عامّة، وفق الدّراسات، أنّ الإنسان، اليوم، يعاني معاناة شديدة بسبب الأدوية المصنَّعَة، وبسبب الأدوية الكيميائيّة، كما تعاني الطّبيعة، أيضًا. كلّ هذه الأدوية والكيميائيّات المستعملَة، وبشكل متزايد، وفق الدّراسات، تؤثّر سلبًا في الطّبيعة، وتؤثّر سلبًا في الإنسان.

إذًا، هذا، الّذي جاء إلى الرّبّ يسوع، سأل سؤالاً لا يحتاج إليه: “هل الّذين يخلصون قليلون؟!”. ما همّك، أيّها الإنسان، إذا كان الّذين يخلصون قليلين أو لا؟! ماذا ينفعك أن تعرف الجواب؟! وكأنّ الرّبّ يسوع، بطريقة غير مباشرة، يدعونا إلى طرح الأسئلة الّتي تنفع، لا إلى طرح الأسئلة لمجرّد الأسئلة، لمجرّد الحصول على إجابات ترضي غرورَ الإنسان، وغرورَ عقله، وشعورَه بالقوّةِ، والعظمةِ، والأهمّيّةِلهذا السّبب، تجاهل الرّبّ يسوع السّؤال الّذي طرحه هذا الإنسان، وأجاب عن سؤال آخر: “اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضّيّق“. في الحياة الرّوحيّة، ليست هناك نظريّات. في الحياة مع الله، يُفترَض بالإنسان أن يطرح السّؤال الّذي ينفعه في عمليّة الخلاص، الّذي ينفعه في دخول ملكوت السّموات، الّذي ينفعه في علاقته بالله، الّذي ينفعه في اقتناء الحياة الأبديّة، الّذي ينفعه في علاقته بالآخرين. الأسئلة ينبغي أن تنصبّ، إذًا، على ما هو نافع ومفيد لنا، من جهة علاقتنا بالله، ومن جهة علاقتنا بالآخرين. الرّبّ يسوع، في الجواب الّذي أعطاه، الكلمة الأولى الّتي قالها هي اجتهدوا“. هذا موضوع له علاقة بالإرادة. إذًا، بالنّسبة إلى موضوع الخلاص إذ إنّ هذا الإنسان كان يسأل عن الخلاص النّقطة الأساسيّة هي الاجتهاد. والاجتهاد هو موضوع إرادة. علينا أن نجتهد، وإلاّ لا نخلص! علينا أن نرغب، عميقًا، على مستوى الإرادة، في الخلاص، وإلاّ لا يكون لنا نصيب في الخلاص. الاجتهاد معناه أن يبذل الإنسان جهدًا، لأنّه يريد أن يبذل! إذًا، موضوع الباب الضّيّق، الّذي تكلّم عليه الرّبّ يسوع، هو، عمليًّا، موضوع له علاقة بالإرادة. الإنسان يدخل من الباب الضّيّق، حين يطلب، إراديًّا، ما هو نافع له، ولو كان غير مريح. السّارق، مثلاً، إذا أراد أن يسرق بيتًا؛ يأتي، أحيانًا، ويجد نافذةً لها قضبان من حديد، والمسافة بين القضيب والقضيب الآخر ضيّقة. فيحاول، قدر الإمكان، أن يدخل من المكان الضّيّق! يغصب نفسه! يكون منزعجًا، لكنّه يريد أن يبلغ مأربه، يريد أن يبلغ غايته! لهذا السّبب، يدخل، مهما كان الأمر مزعجًا، بالنّسبة إليه! وهو يتجشـّم كلّ هذه المشقّات من أجل الحصول على مبلغ من المال، أو شيء من أمور هذه الدّنيا. أمّا نحن، فإنّنا نطلب الحياة الأبديّة. لهذا السّبب، علينا أن نغصب أنفسنا على الدّخول من الباب بالتّعب. ماذا يعني ذلك؟! نحن، مثلاً، نحبّ النّوم. التّعب، أو الدّخول من الباب الضّيّق يعني السّهر! أن يسهر الإنسان، لكي يصلّي! أن يسهر الإنسان، لكي يسجد! أن يسهر الإنسان، لكي يقف قدّام الله ويسبّح! هذا كلّه غصب للنّفس، هذا كلّه تضييق على النّفس. لكنّ القصد هو أن يدخل الإنسان في علاقة مع الله، الّذي علّم: “صلّوا في كلّ حين، صلّوا ولا تملّوا” (لو18: 1). الرّبّ يسوع يعطي وصيّة، ونحن علينا أن نتمسّك بها، ونسلك بحسبها. ولكي نسلك بحسبها، علينا أن نغصب أنفسنا عليها، علينا أن نضيّق على أنفسنا، علينا أن نثبت في هذا العمل، إلى المنتهى. كذلك الأمر، بالنّسبة إلى الصّوم، مثلاً. الإنسان، بصورة تلقائيّة، لا يرغب في الصّوم. مثلاً، السّيّدات، بخاصّة، يرغبن في الامتناع عن أنواع من الطّعام، لا من أجل غاية روحيّة، بل من أجل غاية لها علاقة بالنّحافة، بالأنوثة والجمال؛ ويغصبن أنفسهنّ على أمور، ويحاولن أن يدخلن من باب ضيّق، إنّما من أجل اقتناء جسم أكثر نحافة! الإنسان، إذا أراد، فهو قادر على أن يدخل من الباب الضّيّق. الرّبّ الإله يريدنا أن نريد الدّخول من الباب الضّيّق ابتغاءَ الخلاص، ابتغاءَ الحياة الأبديّة، ابتغاءَ الملكوت. لهذا، نحن، إذا أردنا أن نصوم، علينا، طبعًا، أن نضبط شهوة البطن، ولذّة الحلق، وكلّ ما له علاقة بالشـّراهة. وهذا ليس بالأمر السّهل، بخاصّة بالنّسبة إلى الإنسان الّذي يحبّ الطّعامَ اللّذيذ، وريادةَ المطاعم، والمشروبات الكحوليّة، وغيرَها. الأمر لن يكون سهلاً، بالنّسبة إليه! لكن، إذا شاء الإنسان أن يكون له نصيب في الملكوت؛ فعليه أن يتعلّم الصّيام، عليه أن يغصب نفسه عليه، عليه أن يدخل من الباب الضّيّق، عليه أن يضيّق على نفسه. الباب الضّيّق ليس قائمًا هناك، إنّما قائم في إرادتنا. نحن نضيّق على أنفسنا من أجل الملكوت. هذا هو الباب الضّيّق، في نهاية المطاف!

الموضوع، إذًا، يُطرَح على هذا الصّعيد؛ ونحن نهتمّ، أوّلاً وأخيرًا، بكلّ تفصيل من تفاصيل الحياة الرّوحيّة، بكلّ تفصيل من تفاصيل ملكوت السّموات، بكلّ تفصيل من تفاصيل محبّة الله، وتسبيح الله، والوقوف في حضرة الله، وإتمام كلّ شيء في حياتنا لأجل الله؛ بحيث لا يعمل الإنسان، من بعدُ، أيّ شيء، على الإطلاق، إلاّ لأجل الله. لا يعمل، أبدًا، الأشياء لأجل ذاتها، بل يعملها كلّها من أجل الله، بحسب ما قال الرّسول بولس، مثلاً: “إذا أكلتم أو شربتم، فليكن كلّ ذلك من أجل الله” (1كور10: 31)! إذًا، ما يشاؤنا الرّبّ الإله أن نسلك بحسبه هو أن يكون كلّ شيء، في حياتنا، من أجل الله. كلّ ما يمجّد الله نحن نفعله! كلّ ما يساعد على التصاقنا بالله نحن نفعله! وكلّ ما لا ينفع في تمجيد الله، ولا في الاتّحاد بالله، نسعى لأن نمتنع عنه! لهذا السّبب، نحن، مثلاً، حين نأكل، ليس الموضوع، بالنّسبة إلينا، أن نملأ بطوننا! الموضوع، بالنّسبة إلينا، في الدّرجة الأولى، هو أن نأكل في إطار ذكر اسم الرّبّ يسوع، في كلّ حال. لهذا السّبب، كلّما جئنا إلى المائدة، نصلّي! “أعين الكلّ إيّاك تترجّى، وأنت تعطيهم طعامهم في حينه. تفتح يدك، فيمتلئ كلّ حيّ سرورًا” (مز144: 15- 16)… نعتبر أنّ هذا الطّعام هو من فوق، من عند الله. نحن نعترف بذلك، ونشاء أن نبارك هذا الطّعام؛ حتّى يكون مفيدًا لنا، في رحلتنا إلى قلب الله، في سعينا إلى ملكوت السّموات، في طلبنا للحياة الأبديّة. لهذا السّبب، نحن نأكل بهذه الرّوح، ولا نأكل لمجرّد أن نملأ بطوننا، ولمجرّد أن نسدّ حاجاتنا. أنا لا أقول، أبدًا، إنّ الإنسان لا يحتاج إلى أن يأكل! طبعًا، نحن نحتاج إلى أن نأكل مقادير معيّنة من الطّعام، لكي نبقى على قيد الحياة ونستمرّ. لكنّ هذا البقاء على قيد الحياة له هدف، وهو الله، وليس هو قائمًا في ذاته. لهذا السّبب، كلّ موضوع فنون المطبخ، مثلاً، لا علاقة له بالإلهيّات، أبدًا. هذا، تمامًا، مثل المعرفة الّتي هي لأجل المعرفة، ولا فائدة له. على العكس، فنون المطبخ تُبعد الإنسان عن الله. المفترَض أن يكون الطّعام، مثلاً، بسيطًا قدر الإمكان. لا مانع، أبدًا، من أن يكون طيّب المذاق! لكن، أن نتفنّن بصناعة الأطعمة، وأن نمضي ساعات وساعات من وقتنا نُعدّ وجبةً، لنأكلها في عشر دقائق؛ فهذا أمر سخيف، في الحقيقة، ولا يحتاج إلى هذا الاهتمام الكبير. هذا كلّه ينتمي إلى حضارة السّقوط؛ ولا ينتمي، أبدًا، إلى حضارة الخلاص. طبعًا، بإمكان المرء أن يسترسل في الكلام على هذا الموضوع. لكنّ القصد، أوّلاً وأخيرًا، أن نفعل كلّ ما نفعله لأجل الخلاص، لأجل مجد الله، أن نفعله تعبيرًا عن محبّتنا لله، وتعبيرًا عن محبّتنا بعضنا لبعضنا الآخر! اسمعوا، مثلاً، ما قاله الرّبّ يسوع في الإنجيل، مرّةً، وهو شيء يبدو غريبًا جدًّا جدًّا عن واقعنا اليوم. اليوم، مثلاً، إذا أراد إنسان أن يعمل مأدبة عظيمة، فمَن يدعو إلى هذه المأدبة العظيمة؟! طبعًا، هو يدعو أصدقاءه، وبعض أقربائه، ويدعو النّاس الّذين سبق لهم أن دعوه إلى مآدبهم، ويدعو بعض العظماء. ربّما يدعو نائبًا من هنا، أو وزيرًا من هناك، أو موظّفًا كبيرًا، أو مدير مصرف، أو غيرهم؛ لأنّه يفتخر بنفسه، ويريد أن يستغلّ المأدبة لتكون مجالاً لتنمية العلاقات الاقتصاديّة والاجتماعيّة مع الآخرينهذا هو نمط التّفكير السّائد بين النّاس، بصورة عامّة. أمّا الرّبّ يسوع، فعنده طريقة أخرى، في التّفكير، مختلفة تمامًا؛ وهو يدعونا، بالضّبط، إلى اتّباع هذه الطّريقة المختلفة. يقول: “إذا أردت أن تصنع مأدبةً، فاذهب وادعُ الفقراء والمساكين والبشر الّذين لا يمكنهم أن يدعوك إلى مآدبهم، إذ لا قدرة لهم على ذلك” (لو14: 13- 14)! تخيّلوا إنسانًا يفعل أمرًا كهذا! يدعو بعض المتسوّلين، يدعو بعض العجزة والفقراء، يدعو بعض المرضى، يدعو بعض المتروكين هنا وهناك!… ويدعوهم إلى مائدة سخيّة! هذا لا يمكن أن يَرِدَ في أذهان النّاس، اليوم! وهو غير وارد، أبدًا! لكنّ هذا، بالضّبط، هو ما ورد، ويرد، عند الرّبّ يسوع. وفي أزمنة النّهضة، في الواقع، كان المؤمنون يتعاطون مثل هذه المآدب. الإنسان الّذي يهتمّ بمثل هذه المآدب، يكون له، إذ ذاك، نصيب في المأدبة السّمويّة! يجلس مع الرّبّ يسوع في مأدبته السّمويّة!

إذًا، هناك نمط جديد في الحياة، في التّفكير، في التّعامل، يجعله الرّبّ الإله في حياتنا. طبعًا، مهما بدا هذا النّمط غريبًا عنّا، اليوم؛ فإنّه يبقى هو القاعدة، لا ما نفعله نحن، وما اعتدنا على فعله. القاعدة هي، بالضّبط، ما يقوله يسوع، ما يوصي به الرّبّ يسوع، ما يشاؤنا الرّبّ يسوع أن نسلك فيه. هذا النّمط من التّعامل معروف عند بعض القدّيسين. مثلاً، القدّيس فيلاريت الرّحيم كان مُحـِبًّا للفقراء والمساكين، بشكل مدهش! ذات مرّة، طلب من أهل بيته ومن كلّ الّذين كانوا عنده، قائلاً: “اليوم، علينا أن نُعـِدّ مأدبة عظيمة، لأنّ الملك سوف يأتي، مع كلّ حاشيته، ليتناول الطّعام لدينا“. فأخذوا هم كلامه على ما قال. ظنّوا فعلاً أنّ الملك سوف يأتي إلى بيت فيلاريت، الّذي كانت ابنته زوجةَ الملك. فصنعوا مأدبة عظيمة جدًّا. وإذا بالمدعوّين، الّذين دعاهم فيلاريت الرّحيم، مجموعة من البشر المهمَّشين، والمساكين، والفقراء، والمرضى! هؤلاء دعاهم إلى مأدبته، وقام وخدمهم! للوهلة الأولى، دُهش أهل بيته: ماذا يفعل هذا الإنسان؟! لكنّ هذا، بالضّبط، هو ما فعله. أطعمهم، وخدمهم بنفسه. هو لم يكن يتكلّم على الملك الأرضيّ، بل على الملك السّماويّ، الآتي إلى بيته بأشخاص هؤلاء المساكين، والفقراء، والمجدوعين، والمقطوعين!… خدمهم، بكلّ معنى الكلمة؛ وجعلهم يفرحون! وفي نهاية المطاف، أعطى كلّ واحد منهم ليرة ذهبيّة، وتركهم يذهبون! هذا هو الجنون، الّذي يصعب جدًّا على العاقلين، اليوم، الّذين يعتبرون أنفسهم عاقلين، أن يتبنّوه. لكن، يبدو أنّ الرّبّ الإله يشاؤنا، أوّلاً، حتّى ندخل من الباب الضّيّق، أن نتبنّى جنون الوصيّة الإلهيّة. وبعد ذلك، كلّ شيء ينسكب فينا؛ ليصير حكمةً إلهيّة حقيقيّة.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول لو13: 19- 29، السّبت 10 كانون الأوّل 2011

مصباح العفّة وزيتها

مصباح العفّة وزيتها

الأرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، مثل العذارى العشر، الّذي نسمعه، من وقت إلى آخر، إنّما يشير، في العمق، إلى طبيعة المسيرة المسيحيّة، في هذا العالم. نحن، كمؤمنين بالرّبّ يسوع، ننتظر مجيئه. لذلك، يرد، هنا وهناك، في بعض رسائل الرّسول بولس، وفي سـِفـْر الرّؤيا، ذاك النّداء: “أيّها الرّبّ يسوع، تعال” (رؤ22: 20). حياتنا كلّها ينبغي أن تكون مرتكـِزَةً على مجيء الرّبّ يسوع. ليس بإمكان أحد أن يقول: “غدًا يأتي الرّبّ يسوع، أو لن يأتي قبل زمان طويل“! ما دمنا لا نعرف متى يأتي ربّنا، فإنّه يمكن أن يأتي بعد دقيقة، كما يمكن أن يأتي بعد سنوات. في كلا الحالين، علينا أن نكون مستعدّين استعدادًا كاملاً وكلّيًّا. لا يمكننا أن نتغافل، ولو لحظة واحدة؛ لأنّ هذه اللّحظة، بالذّات، قد تكون اللّحظة الّتي يأتي فيها الرّبّ. وإذا ما وَجَدَنا غيرَ مستعدّين، فإنّه يُقفل الباب في وجوهنا.

من هنا الاستنتاج الّذي ورد، في آخر تلاوة هذا الإنجيل الكريم، اليوم: “اسهروا، فإنّكم لا تعلمون اليوم، ولا السّاعة الّتي يأتي فيها ابن البشر“. لفظة اسهروالا تعني أنّ علينا أن نسهر في اللّيل، وأن نتغافل في النّهار. السّهر، هنا، معناه أنّ علينا أن نكون في حال يقظة دائمة؛ لأنّنا، هنا، نعيش كما في ليل! حياتنا كلّها، في هذا العالم، هي كأنّها ليل، قياسًا بالنّور الّذي نرجو أن يُشرق، في حياتنا، بيسوع المسيح. إذًا، السّهر هو الصّحو، صحو القلب؛ هو اليقظة؛ هو الانتباه الكامل؛ هو عكس الغفلة، أي أن يكون الإنسان غافلاً عن حفظ الوصيّة. “اسهروا، إذًا، بمعنى أنّ علينا، في اللّيل وفي النّهار، أن نهذّ باسم الرّبّ يسوع؛ في اللّيل وفي النّهار، علينا أن نجعل أنفسنا في مناخ الرّبّ يسوع المسيح. تعلمون القول الّذي ورد في العهد القديم بشأن اليقظة، كما في نشيد الأنشاد: “أنام وقلبي مستيقظ” (نش5: 2). الإنسان الّذي يسهر؛ أو، بكلام آخر، الإنسان الّذي يتعب لكي يحفظ وعيه، وانتباهه، والتزامه الوصيّة الإلهيّة؛ ما دام وهو في هذا الجسد في وضع اليقظة الذّهنيّة، فحتّى لو نام بالجسد، فإنّ ما يكون قد فعله وهو في اليقظة يستمرّ حتّى في أثناء النّوم. الإنسان الّذي يصلّي، في يقظته، يصلّي، أيضًا، في نومه؛ والإنسان الّذي يسعى إلى النّقاوة، وهو في يقظته، تستمرّ النّقاوة في نومه، أيضًا. حين نعاين أحلامًا غير نقيّة، في أثناء نومنا بالجسد، فإنّ هذا، في الحقيقة، يكون دليلاً على أنّنا لسنا في وضع السّهر على أنفسنا، في شأن حفظ الوصيّة الإلهيّة؛ هذا يدلّ على أنّنا في تراخٍ. الإنسان اليقـِظ، الّذي يكون قلبه يقـِظًا، حتّى لو جعل رأسه على الوسادة ونام، ولو حاول الشـّرّير أن يبثّ في ذهنه صورًا، أو خيالات، أو أفكارًا، أو أحاسيس غير نقيّة؛ فإنّه، باليقظة الّتي فيه، بالنّعمة الإلهيّة الّتي تفعل فيه، يصحو ويقاوم؛ وإذا لزم الأمر، فإنّه يخرج من نومه، حتّى يقطع حبل الأحلام، والأفكار، والتّصوّرات، والخيالات، والأحاسيس غير النّقيّة.

لهذا، يا إخوة، علينا أن نعمل، في كلّ حين، على حفظ الأمانة للرّبّ يسوع. التّوبة التّوبة في كلّ وقت! حتّى لو شردنا قليلاً، نتوب مباشرة. أودّ، هنا، أن ألفت أنظاركم إلى بعض ما ورد في هذا الإنجيل الكريم. الكلام هو على العذارى. في الحقيقة، في الكنيسة، لا مكان إلاّ للعذارى. طبعًا، ليس المقصود الكلام على الزّواج أو عدم الزّواج. المقصود الكلام على عذريّة القلب، في الدّرجة الأولى؛ أو، بكلام أدقّ، المقصود هو عفّة السّيرة، سيرة المؤمنين. العفّة أمرٌ الكلُّ، في كنيسة المسيح، مطالبٌ به، سواء أمتزوّجًا كان أم غير متزوّج. علينا، دائمًا، أن نسلك في العفّة. والعفّة هي أن يعفّ الإنسان، بصورة دائمة، عن كلّ ما لا يرضي الله. التّمسّك بالوصيّة والسّلوك فيها يستلزمان موقف عفّة؛ وإلاّ ما النّفع، إذا لم يكن القلب نقيًّا؟! ماذا ننتفع، إذا حفظنا بعض الوصايا، وأهملنا سواها؟! علينا، في الحقيقة، أن نحمل، في ذواتنا، موقفًا عفيفًا، بمعنى أن نكون في استعداد دائم لحفظ كلّ الوصايا. قد نقصّر، أحيانًا؛ وقد ننجح، أحيانًا أخرى؛ لا بأس! هذا كلّه يدخل ضمن التّدبير الإلهيّ لأجلنا. لكن، مهما كان الأمر، فإنّ علينا أن نلتزم الرّبَّ يسوع، بالكامل؛ أن نلتزم وصاياه، بكلّ معنى الكلمة؛ لأنّ مَن سمح لنفسه بأن يُخطئ، إراديًّا؛ مَن سمح لنفسه بأن يتخلّى ولو عن وصيّة واحدة؛ يكون، عمليًّا، قد تخلّى عن كلّ الوصايا. موقفنا ينبغي أن يكون موقفًا كاملاً كلّيًّا. في المحبّة، ليست هناك، أبدًا، أنصاف حلول! إمّا أن يكون الإنسان مُحـِبًّا، أو لا يكون محبًّا! لا يمكنه أن يكون محبًّا، بصورة جزئيّة! عليه أن يكون محبًّا، بصورة كاملة! لا شكّ في أنّ الإنسان، بسبب ضعفه، قد يقصّر، إنّما عن غير إرادة، في محبّته لله. لكن، لا يليق بالإنسان المؤمن أن يخبّئ، في نفسه، قصدًا غير نقيّ يدفعه إلى التّفريط، ولو قليلاً، بمحبّته لله. الله، في كلّ حال، إله القلوب. هو يعرف، تمامًا، ما نخبّئه في نفوسنا؛ وهو يطالبنا بأن نكون أنقياء القلوب، في الدّرجة الأولى. لا يظنّنّ أحد أنّ أنقياء القلوب لا يُخطئون! لكنّهم لا يُخطئون عن قصد! علينا أن ننتبه، حتّى نعرف ما في داخلنا معرفةً جيّدة، بحيث ننقّي نوايانا، وننقّي دواخلنا؛ حتّى يكون هذا القلب كلّه مرفوعًا إلى الرّبّ يسوع المسيح.

إذًا، العذريّة؛ أو، بكلام آخر، العفّة هي نصيب كلّ المؤمنين، من دون استثناء. ومن هنا الكلام على العذارى العشر. لكن، هناك خمس عذارى حكيمات، وخمس عذارى جاهلات. لماذا الكلام على خمس عذارى حكيمات، وخمس عذارى جاهلات؟! العدد “5” هو عدد كامل؛ ومن ثمّ، الكلام على خمس عذارى حكيمات يشير إلى مجمل النّاس الحكماء، في تعاملهم مع الله. وكذلك الأمر، الكلام على خمس عذارى جاهلات يشير إلى مجمل النّاس الّذين لا يسلكون باستقامة، من جهة الرّبّ يسوع المسيح. إذًا، العفّة مطلوبة من الجميع؛ لكن، ينبغي أن نترجمها إلى أعمال، في علاقتنا بعضنا ببعضنا الآخر. لهذا السّبب، بالإضافة إلى الكلام على العذارى العشر، الكلام يأتي، أيضًا، على المصابيح، وعلى الزّيت. لا يكفي، أبدًا، أن يكون عندنا مصباح. العفّة هي مصباح. لكنّ هذا المصباح، لكي يشتعل، يحتاج إلى زيت. والزّيت هو علامة الرّحمة. لذلك، علينا أن نُكثر من أعمال الرّحمة. القول الإلهيّ هو: “الإنسان الّذي لا يرحم، لا يرحمه الله“. لهذا السّبب، علينا أن نستزيد، دائمًا، من أعمال الرّحمة؛ حتّى نقتني، في أنفسنا، زيتًا كافيًا. حتّى لو اقتنينا زيتًا كثيرًا، فإنّ موقفنا ينبغي أن يكون كموقف العذارى الحكيمات، اللّواتي حسبن أنّ زيتهنّ أي أعمال الرّحمة الّتي فَعَلـْنَها قد لا يكون كافيًا. الإنسان الّذي يصنع الرّحمة بروح الله فإنّه، مهما صنع، يعتبر نفسه أنّه لم يصنع الرّحمة بالقدر الكافي! يعتبر نفسه، دائمًا، مقصِّرًا في عمل الرّحمة. لكن، لا يمكن إلاّ أن يتعاطى الإنسان أعمال الرّحمة، وأن يتعاطاها بصورة دائمة. العذارى الجاهلات كان عندهنّ زيت، أيضًا! لكنّ زيتهنّ لم يكن كافيًا. ماذا يعني ذلك؟! هذا، ربّما، يشير إلى أنّ الجاهلات كنّ يتعاطين الرّحمة، إنّما على نحوٍ مزاجيّ، من وقت إلى آخر. الإنسان، أحيانًا كثيرة، يعتبر أنّ عطاءه القليل، هنا أو هناك، يكون كافيًا. الحقيقة أنّنا، في وسط الظّلمة الرّوحيّة، الظّلمة الدّاخليّة الّتي تعيش فيها البشريّة، نحتاج إلى أكبر كمّيّة ممكنة من الزّيت؛ حتّى تستضيء سُبُلُنا، وحتّى نتمكّن من أن نعاين سبيلنا إلى الله. لهذا، إذا كان الإنسان يصنع إحسانًا، هنا أو هناك، ثمّ يعود إلى ظلمته، أي إلى خطاياه؛ فإنّ ما يكون قد حصّله من عمل الرّحمة يضيّعه بعمل الخطيئة. لذلك، نحتاج، دائمًا، إلى الحرص الكبير؛ كما نحتاج، دائمًا، إلى الرّحمة الكبرى. على كلّ واحد منّا أن يتعب، كلّ يوم، حتّى يصل إلى ما سبق للرّبّ يسوع أن حدّده له: “أَحِبَّ قريبَكَ كنفسك” (متّى22: 39). علينا أن نجتهد، حتّى نبلغ هذا الحدّ في عمل الرّحمة، هذا الحدّ في المحبّة، بحيث لا يبقى هناك من فاصل بيننا وبين النّاس، بيننا وبين الآخرين، بيننا وبين الضّعفاء، والفقراء، والمرضى، والمساكين الّذين يحتاجون إلى أن نهتمّ بهم.

إذًا، السّقف الّذي يحدّده لنا يسوع هو: “أَحِبَّ قريبكَ كنفسك“. لا يمكننا الاكتفاء بأن ندبّ على الأرض، بل علينا أن نصل إلى السّقف الّذي حدّده الرّبّ يسوع. وهذا لا يأتي، في الحقيقة، إلاّ إذا مارس الإنسان الرّحمة والإحسان، كلّ يوم، بصورة دائمة. إذا حمل الإنسان الرّحمة في قلبه كهَمٍّ، كهاجس؛ فإنّ الرّبّ الإله، إذ ذاك، يعطيه نعمة خاصّة من عنده، حتّى يتمكّن من أن يحقّق الوصيّة. نحن لا يمكننا أن نحقّق أيّة وصيّة من وصايا الله، ما لم يُعـِنّا هو على تحقيقها. إذًا، نحن بإمكاننا أن نصل إلى هذا السّقف، الّذي هو محبّة القريب كالنّفس، بنعمة الله. لكنّ نعمة الله ينبغي أن تقترن باجتهادنا الدّائم، بمثابرتنا على تعاطي عمل الرّحمة، كلّ يوم، ومن دون تحفّظ. في الحقيقة، كلّ واحد منّا عنده تحفّظات، في نفسه، من جهة عمل الرّحمة. كلّ واحد منّا يجعل حدودًا لنفسه، ويكتفي بالبقاء ضمن هذه الحدود. عند الرّبّ يسوع، كلّ هذه الحدود، الّتي يجعلها النّاس لأنفسهم في علاقتهم بالآخرين، ساقطة وغير مقبولة. هو الّذي يحدّد الحدود! هو الّذي يحدّد السّقف! وقد حدّده لنا. لذلك، نحن نسعى وِسْعَنا، بكلّ معنى الكلمة، بكلّ صدق، بكلّ أمانة، من كلّ القلب، بكلّ عزم؛ والرّبّ الإله يعطينا أن نصل إلى هذا السّموّ في العلاقة مع الآخرين، بنعمة من لدنه. إذ ذاك، في الحقيقة، يجد الإنسان زيتًا في مصباح قلبه. الرّبّ ينظر إلى القلب، الّذي ينبغي أن يستضيء بعمل الرّحمة، في كلّ حين. والّذي يحمل، في قلبه، نور الرّحمة يكون مستعدًّا لاستقبال الرّبّ يسوع، في كلّ حين. يأتي اليوم، يأتي غدًا، يأتي الأسبوع المقبل، يأتي بعد شهر، يأتي بعد عشر سنوات…. هذا شأنه وليس شأننا. نحن علينا، بإزاء هذه الوصيّة، بإزاء هذه الدّعوة إلى انتظار الرّبّ يسوع، أن نسلك في العفّة، وأن ننقّي قلوبنا، وأن نتعاطى الرّحمة، في كلّ وقت. وكلّما سقطنا، نعود ونتوب من جديد، ونبدأ من جديد، وبسرعة، ولا نترك أنفسنا تتمرّغ في خطاياها.

مَن جعل هذا هدفًا له، في الحياة؛ ومَن جعل هذه المسيرة مسيرته، في هذه الحياة؛ يكون هو الإنسان الحكيم، وهو الّذي يُحصى في عداد العذارى الحكيمات. أمّا الّذي يتغافل عن نقاوة نفسه، عن عفّة قلبه، عن عمل الرّحمة، في كلّ حين؛ فهذا يُحصى في عداد الجاهلات. والجاهلات، في نهاية المطاف، أُلقين خارجًا، في الظّلمة البرّانيّة، كما تقول أناجيلنا الكريمة. الرّبّ يسوع يعطينا الفرصة أن نفتدي الوقت. فإذا عرفنا أن نفتدي الوقت، فإنّنا ننفع ذواتنا؛ وإذا لم نفتدِ الوقت كما يجب، فإنّ ساعةً تأتي سوف يكون فيها ربّنا صارمًا في تعامله معنا، وسوف يلقينا خارجًا. وكما بكى آدم، لمّا أُخرج من الفردوس؛ هكذا، سيُمضي الجهلةُ أيّامهم في البكاء، الّذي لا يُجدي نفعًا. المهمّ أن نتوب، اليوم؛ وأن نتوب، غدًا؛ وأن نتوب، في كلّ يوم من أيّام حياتنا؛ وأن نصنع، في كلّ يوم، الرّحمة؛ وأن نحفظ أنفسنا في النّقاوة، في كلّ حين. بعد ذلك، يحدث ما يحدث! تقوم أمم على أمم، هذا كلّه يدبّره الله! تثور عناصر الطّبيعة، هذا ربّنا يدبّره! نحن لسنا في حاجة، أبدًا، إلى أن ننهمّ لكلّ ما يمكن أن يأتي على البشريّة. علينا أن نركّز همّنا في أمر واحد، فقط، وهو أن نكون مستعدّين، بالرّوح والحقّ، لأن نستقبل الرّبّ يسوع، متى جاء. فليكن اسم الرّبّ مباركًا. آمين.

* عظة حول متّى25: 1- 13، السّبت 26 تشرين الثّاني 2011

خارطة المسير إلى عالم الله

خارطة المسير إلى عالم الله*

الأرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، في هذا الإنجيل من لوقا، تُطرَح مسألة يوم السّبت. ربّما تعلمون أنّ اليهود، بعدما جرى سبيهم إلى بابل، حُرموا من الهيكل، الّذي كان محورَ عبادة إسرائيل لله، محورَ الحياة العباديّة عند اليهود. اليهود من دون هيكل كانوا كأنّهم بلا إله. لهذا السّبب، فيما كان اليهود في بلاد ما بين النّهرين، فيما كانوا مسبِيّين إلى بابل، ابتدعوا طرقًا، لتكون بمثابة تعويض عن الهيكل، وتمسّكوا بها تمسّكًا كاملاً.

ممّا ابتدعوه، هناك، مثلاً، ما يُسمّى بالمجامع. المجمع، كما نعرفه، هو المكان الّذي يلتقي فيه اليهود، لكي يصلّوا، ولكي يقرأوا من الشـّريعة والأنبياء، ولكي يفسّروا ما ورد في الكتب. والمجمع كان مثل بيت يلتقون فيه، عليه رئيس، وله خادم. اليهود، الّذين حُرموا من الصّعود إلى الهيكل، صاروا يتردّدون إلى مثلِ هذه البيوت، إلى هذه المجامع. طبعًا، هذه المجامع كانت عديدة. في أورشليم كان هناك هيكل واحد. أمّا في بابل، فكانت هناك مجامع عديدة.

بالإضافة إلى المجامع، تمسّك اليهود بإكرام يوم السّبت. وتمسّكوا بيوم السّبت إلى درجة أنّهم ابتدعوا أحكامًا ترتبط به، تعبيرًا عن غيرتهم على ما هو لله. ابتدعوا أحكامًا لم تكن لِتَرِدَ في ناموس موسى والأنبياء. كان الفرّيسيّون، بصورة خاصّة، هم الّذين اهتمّوا بهذه الأحكام. مثلاً، لم يكن مسموحًا لليهوديّ التّقيّ بأن يسافر، يوم السّبت. كان بإمكانه أن يتحرّك من نقطة إلى أخرى؛ لكن، ضمن ما يُسمّى بـمسافة سبت“. إذا كان يريد أن ينتقل من بيت إلى بيت، مثلاً؛ فهذا كان ممكنًا. مسافة السّبت كانت مسافة قصيرة، تقلّ عن النّصف كيلومتر. إذًا، كان ممنوعًا على اليهود أن يسافروا، يوم السّبت، لمسافات طويلة. أيضًا، في يوم السّبت، لم يكن مسموحًا لليهوديّ التّقيّ أن يُشعل نارًا، مثلاً؛ ولم يكن يحقّ له أن يعمل؛ وذلك لأنّهم اعتبروا أنّ الرّبّ الإله خلق السّموات والأرض في ستّة أيّام، واستراح في اليوم السّابع، الّذي هو يوم السّبت. إذًا، يوم السّبت كان يوم الرّاحة، بالنّسبة إلى اليهود، إجلالاً لله.

هكذا، قيّد اليهود أنفسهم بسلسلة أحكام، واعتبروا أنّ التّقوى تفترض أن يسلك الإنسان اليهوديّ وفق هذه الأحكام. طبعًا، طوّروا هذه الأحكام، شيئًا فشيئًا. لا ننسينّ أنّ اليهود ظلّوا في السّبي حوالَي سبعين عامًا. هذه الأحكام، وغيرها، لا علاقة لها بما ورد في الكتاب المقدّس، ولا علاقة لها بمقاصد الله. لهذا السّبب، الرّبّ يسوع كان، دائمًا، في حال صدام مع اليهود بشأن يوم السّبت. كانوا، دائمًا، يعيّرونه بأنّه يكسر أحكام يوم السّبت، ويفعل ما لا يحلّ فعله في يوم السّبت. وكان هو، في المقابل، يؤكّد لهم أنّهم، إنّ تصرّفوا بهذه الطّريقة، كانوا مُرائين. ما قصّة يوم السّبت؟!

قبل السّقوط، يوم السّبت عنى كمال الخليقة، لأنّ الرّبّ الإله كان قد خلق كلّ شيء، وكان كلّ شيء حسنًا. ماذا بقي للإنسان، بعدما أكمل الرّبّ الخليقة؟! بقي له أن يمجّد الله. إذًا، يوم السّبت، كان، عمليًّا، يومَ تمجيد الله، يومَ تسبيح الله، يومَ شكران الله على ما أعطاه؛ ومن ثمّ، يوم السّبت، بصورة خاصّة، كان يومَ صلاة. وبعدما سقط الإنسان، وصار عرضةً للألم، عرضةً للموت، وأصاب الخليقةَ العطبُ؛ صار يومُ السّبت، بالإضافة، طبعًا، إلى أنّه يومُ تمجيدِ الله وتسبيحِه وشكرانِه على كلّ شيء، صار هو يومَ ترميم خليقة الله؛ حتّى تستعيد كمالهاَ، بعد أن انثلمت، بعد أن انجرحت، بعد أن دخل عليها الفساد بسبب خطيئة آدم وحوّاء. كيف يمكن الإنسان أن يشارك في عمل التّرميم هذا؟! هنا، في الإنجيل، الّذي تُلي على مسامعكم، هذا التّرميم يتمّ بطريقتين: أوّلاً، بعمل المحبّة؛ وثانيًا، بمساعدة النّاس. عمليًّا، الكلّ يعود إلى أصل واحد، وهو عمل الرّحمة. يوم السّبت أصبح، إذًا، يومَ تمجيد الله، ويومَ الرّحمة، في آن معًا. ومن ثمّ، الإنسان، إذا ما استزاد من عمل الرّحمة، إذا ما استزاد من عمل الصّلاة، إذا ما استزاد من شكران الله وتسبيحه وتمجيده؛ يكون، فعلاً، في صدد معاونة الله على ترميم الخليقة، حتّى تستعيد الخليقةُ بهاءها الأوّل. إذًا، بالحبّ، في الحقيقة، تستعيد الخليقة بهاءها. لهذا السّبب، كان اليهود يتكلّمون على أحكام جامدة على كلّ واحد أن يسلك فيها، فيما كان يسوع يتكلّم لغةً أخرى مختلفة، تمامًا! مثلاً، قال لهم في شأن الإنسان الّذي كانت يده يابسة: “أسألكم شيئًا: هل عمل الخير يحلّ في السّبت، أو عمل الشـّرّ؟! أن تُخلَّص نفس أو أن تُهلَك؟!”. طبعًا، لم يكن عندهم جواب، لأنّهم كانوا ينظرون إلى يوم السّبت نظرتهم إلى فرض من الفروض؛ فيما كان الرّبّ يسوع يؤكّد أنّ السّبت هو سبت الرّحمة، سبت المحبّة، سبت الخلاص، سبت التّوبة، سبت إعانة الإنسان على استعادة موقعه لدى الله. إذًا، كلّ ما يمكن أن يعيد الإنسان إلى الله، هذا كان السّبت رمزًا له. لهذا، قال الرّبّ يسوع: “السّبت هو للإنسان“! هو لخلاص الإنسان، هو لإعادة الإنسان، هو لسيادة المحبّة بين النّاس! والحقيقة أنّ اليهود ما كانوا مستعدّين لأن يقبلوا ما كان يعرضه الرّبّ يسوع. في نهاية المطاف، كان كسْرُ أحكام السّبت سببًا أساسيًّا من أسباب سعي اليهود للتّخلّص من يسوع، إلى أن تمكّنوا، أخيرًا، من تسليمه إلى الأمم، والحكـْمِ عليه بالصّلب.

هذا الّذي قلناه يفترض أنّ الكلّ ينطلق من الوصيّتين، اللّتين عبّر عنهما يسوع باعتبارهما أعظم الوصايا. الوصيّة الأولى: “أحبّ الرّبّ إلهك من كلّ قلبك، ومن كلّ نفسك، ومن كلّ قدرتك، والوصيّة الثّانية: “أحبّ قريبك كنفسك” (لو10: 27). إذًا، يوم السّبت، عمليًّا، يشير إلى هذه المحبّة، الّتي علينا أن نتعاطاها فيما بيننا إلى الحدّ الأقصى، الّذي هو أن يحبّ الإنسان قريبه كنفسه! طبعًا، الكلام على القريب يعني أنّ الإنسان لا يهتمّ بأقربائه من جهة اللّحم والدّم؛ بل يسعى، بمحبّته، بعمل الرّحمة الّذي يتعاطاه، لأن يُكوّن لنفسه أقرباء، في هذا العالم. كلّ واحد منّا يصنع أقرباءه، في هذه الدّنيا. إذًا، القول أحبّ قريبك كنفسكيعني أنّ عليك أن تحبّ الغريب، وأن تحبّه كنفسك، وكلّ ما تريده لنفسك عليك أن تعمله له! “كلّ ما تريدون أن يفعل النّاس بكم افعلوا هكذا أنتم، أيضًا، بهم” (متّى7: 12)، والمقصود بالنّاس هو النّاس الغرباء! إذًا، الإنسان عليه أن يخرج من قبليّته، عليه أن يخرج من قوقعته، من أنانيّته الفرديّة والجماعيّة؛ لكي يكون منفتـِحًا، بصورة خاصّة، على الغريب. والحقيقة أنّ الرّبّ يسوع أتى كغريب. ونحن، بالنّسبة إليه، كنّا غرباء، لأنّنا كنّا في الخطيئة: “الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله” (رو3: 23)؛ ومع ذلك، عامَلَنا باعتبارنا أقرباءه، حتّى إنّه سمّانا إخوته“: “لا أدعوكم، بعد، عبيدًا؛ بل إخوة” (يو15: 15)! هو جعلنا أقرباءه! وهو فعل ذلك، لكي يعطينا ذاته مثلاً؛ حتّى، كما عامَلَنا، يعامل أحدُنا الآخرَ، في يوم السّبت، الّذي هو هذا الزّمن، ما دمنا على قيد الحياة، هنا، على الأرض. إذًا، السّبت، بهذا المعنى، هو فسحة العمر، الّتي علينا أن نتعاطى فيها المحبّة فيما بيننا.

وماذا عن محبّة الله؟! في العهد القديم، بلغ الإنسان يوم السّبت، الّذي هو خاتمة الخليقة. وبعد يوم السّبت، كان يبدأ، من جديد، يوم الأحد، الّذي هو اليوم الأوّل من الأسبوع. إذًا، هناك شيء يتكرّر. الزّمن يتكرّر، نحن نعلم ذلك. الشـّمس تشرق، ثمّ تغيب، ثمّ تشرق من جديد، ثمّ تغيب من جديد، وهكذا دواليك. هذا هو الزّمن، في هذه الخليقة. لكنّ الجديد، الّذي طرأ، هو تَجَسُّدُ ابن الله. الرّبّ يسوع، بتجسّده؛ ومن ثمّ، بما علّمه، وبمحبّته الّتي سكبها على النّاس؛ وبعد ذلك، بصلبه، وقيامته، وصعوده إلى السّماء، وإرساله الرّوح القدس؛ أدخـَلَنا، عمليًّا، في زمن جديد! لم نعد أسرى للزّمن الأوّل، الّذي كان إلى الرّبّ يسوع. إلى الرّبّ يسوع، الزّمن كان دائريًّا، كانت الأمور تعود وتتكرّر، وقد كتب كاتب سـِفـْر الجامعة، معبِّرًا عن ذلك بقوله: “لا جديد تحت الشـّمس. الكلّ باطل” (جا1: 9؛ 1: 2)؛ وكأنّه، في نهاية المطاف، يقول إنّ الإنسان يحتاج إلى أكثر من هذه الحركة الدّائريّة؛ يحتاج إلى أكثر من الدّوران في ما هو لهذه الخليقة، وفي ما هو لهذه الأرض. بطريقة غير مباشرة، كان يشتاق إلى الحياة الأبديّة. وهذا، بالضّبط، هو ما أتى به الرّبّ يسوع. الرّبّ يسوع أتانا بزمن جديد، نعيش فيه إلى حياة أبديّة. لهذا السّبب، نحن اعتمدنا باسم الآب والابن والرّوح القدس؛ وأُدخلنا في حياة جديدة! نحن وُلدنا، من جديد، بالماء والرّوح. وما دمنا وُلدنا من جديد، فهذه الولادة لها مقوّماتها، لها عالمها، لها زمنها. هذا هو الزّمن الجديد. إذًا، نحن نعيش في زمن عتيق، وفي زمن جديد. في الزّمن العتيق، نحن معرَّضون لِما هو من هذه الأرض. لكن، بحسب الزّمن الجديد، نحن ننمو، إلى ما لا نهاية، في معرفة الله، في محبّة الله، في عشرة الله، في عالم الله، في نور الله.

إذًا، هناك أمران، بتنا، نحن المؤمنين بالرّبّ يسوع، نشترك فيهما. وهذا ما عبّرت عنه الكنيسة بالحديث عن اليوم الثّامن. يوم الأحد، بالنّسبة إلى اليهود، كان اليوم الأوّل من الأسبوع. أمّا بالنّسبة إلى المؤمنين بالرّبّ يسوع، فقد صار يوم الأحد هو اليوم الأوّل واليوم الثّامن، في آن معًا. هو اليوم الأوّل، لأنّ الرّبّ يسوع قام في ذلك اليوم، وقيامته من بين الأموات هي بدء حياتنا على الأرض لا على أساس الخليقة الأولى، الّتي كانت بآدم وحوّاء؛ بل على أساس الخليقة الجديدة الّتي صارت بآدمَ الجديد الرّبِّ يسوع المسيح. إذًا، نحن لا نسلك في الزّمن الأرضيّ كما كان يسلك الّذين جاؤوا من قَبْلـِنا، كما يسلك الّذين لا يؤمنون! بل نحن نجعل مسلكنا، على هذه الأرض، للرّبّ الإله، بالكامل. لهذا السّبب، حين نقرأ، مثلاً، الرّسول بولس، نقرأه يقول لنا: “إن عشنا فللرّبّ نعيش؛ وإن متنا فللرّبّ نموت؛ فإن عشنا وإن متنا فللرّبّ نحن” (رو14: 8). من هنا، حياتنا على الأرض أصبحت، بكلّ بساطة، تعبيرًا عن إيماننا بالرّبّ يسوع؛ تعبيرًا عن محبّتنا للرّبّ يسوع؛ شهادةً للرّبّ يسوع. كلّ ما نفعله، مهما كان، إنّما نفعله، بحسب الرّسول بولس، لأجل الرّبّ يسوع. الإنسان لا يعيش لنفسه، ولا يموت لنفسه، ولا يعيش لأحدٍ آخر، غير يسوع، في هذا العالم، ولا يموت لأجل غيره، أبدًا! الإنسان، في هذا الدّهر، يعيش ويموت من أجل يسوع! طبعًا، هو يفعل ذلك، ويحمل في ذهنه أنّ حياته، هنا، على الأرض، تأتي من باب الإعداد للحياة الأبديّة. نحن هنا، لنُعدّ أنفسنا للحياة الأبديّة. نحن نعيش في الحياة الأبديّة، عمليًّا، منذ الآن. لكنّ هذا المسير في الحياة الأبديّة يكتمل بالموت. بالموت، يكون الإنسان قد أعدّ نفسه بالكامل؛ يكون، عمليًّا، قد استقرّ في أورشليم السّمويّة. العبور، الّذي عبره اليهود من مصر إلى أرض الميعاد، نحن، المؤمنين، نعبره روحيًّا من الأرض إلى السّماء. لذلك، حياتنا على الأرض هي، عمليًّا، عبور في صحراء هذا العمر. يعبر الإنسان عبورًا؛ لذلك، لا يقيم في مكان ما في هذا العمر؛ لا يقيم في مكان ما في الصّحراء؛ لأنّ وجهة سيره هي أورشليم، وأورشليم العلويّة. لهذا السّبب، يقول لنا الرّسول بولس، بوضوح: “ليست لنا ههنا مدينة باقية، بل نطلب الآتية(عب13: 14). نحن نعبر، هنا، عبورًا. وما دمنا نعبر، في برّيّة هذا العمر، عبورًا؛ فإنّنا نستعمل ما نحتاج إليه في هذا العمر، ونترك الباقي. وهذا، أيضًا، عبّر عنه الرّسول بولس بالقول: “إن كان لنا قوت وكسوة، في هذا الدّهر؛ فلنكتفِ بهما” (1تيمو6: 8). نحن لسنا في حاجة، هنا، إلى أكثر من أن نسدّ حاجتنا، إلى قليل من الطّعام، قليل من الشـّراب، بعض اللّباس، بعض الأمور الأساسيّة هنا وهناك. لكن، الهمّ الأساسيّ ليس هنا، ولا يجوز أن يكون هنا! لا يجوز أن يكون همُّنا جمعَ المال، مثلاً، أو جمعَ المقتنيات، أو جمعَ الأرزاقهذا كلّه لا ينفع! هذا سمّاه الرّبّ يسوع، في مثل الغنيّ، غباءً“. الإنسان الّذي يجمع في الصّحراء يضيّع وقته، ويجمع باطلاً؛ لأنّه ذاهب إلى أورشليم. الكلّ ينبغي أن يصبّ هناك. نأخذ معنا كلّ ما نحتاج إليه في أورشليم. أمّا في الصّحراء، فنستعمل ما نستعمله، ونترك الباقي، ونسير! وما نحتاج إليه في أورشليم السّمويّة، في أورشليم العلويّة، هو أن نترسّخ في الحبّ، لأنّ الله محبّة؛ أن نترسّخ في الاتّضاع، لأنّ معلّمنا متّضِع؛ أن نترسّخ في الوداعة، لأنّ معلّمنا وديع؛ أن نترسّخ في الرّحمة، لأنّ إلهنا رحيم؛ أن نترسّخ في كلّ هذه الفضائل الّتي نماثل بها الرّبَّ الإله. هذا ما علينا أن نتزوّد به. إذا كان علينا أن نحمل حِملاً على أكتافنا، فينبغي أن يكون هذا الحـِمل حملاً روحيًّا بهذا المعنى. هذا الحـِمل يحمله الإنسان، في الحقيقة، في قلبه. وكلّه يُختَصَر بكلمة واحدة: نقاوة القلب. علينا أن نسعى، دائمًا، لتنقية قلوبنا؛ لأنّ ما يقابل نقاوة القلب هو سكنى الله فينا. بكلام آخر، كلّ المحبّة تصير فينا، كلّ الرّحمة تصير فينا، كلّ العطف يصير فينا!… هذا هو حال القدّيسين! القدّيسون هم آنية إلهيّة، ممتلئة من هذه البركات الإلهيّة، من هذه الحضرة الإلهيّة، من هذا النّور الإلهيّ. إذًا، نحن نتعب هنا، لا فقط من أجل أن نأكل، وأن نشرب، وأن نقتني بيوتًاهذا لا بدّ منه، إلى حدّ ما. لا بدّ لنا من أن نفعل شيئًا من هذا. لكنّ الأساس هو، بالضّبط، أن نتزوّد بكلّ ما نحتاج إليه في الملكوت. لهذا السّبب، الرّبّ يسوع، في الموعظة على الجبل، كان يقول: “لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض، حيث يفسد السّوس والصّدأ، وحيث ينقب السّارقون ويسرقون؛ بل اكنزوا لكم كنوزًا في السّماء، حيث لا يفسد السّوس، ولا ينقب السّارقون ويسرقون” (متّى6: 19- 20). ماذا بإمكان الإنسان أن يكنز في الملكوت؟! الإنسان يكنز في الملكوت وللملكوت هذه الكنوز الرّوحيّة، هذه العطايا الرّوحيّة، الّتي تكلّمت عليها. وهذا كلّه، إذًا، موضوع تحت علامة يوم الأحد.

إذًا، يوم الأحد هو اليوم الأوّل؛ لأنّي أحيا، هنا، على الأرض، في نور وصايا الله. لكن، أنا أفعل ذلك لأنّي، عمليًّا، في حال صعود دائم، بلوغًا إلى اليوم الثّامن الّذي أحياه، في الحقيقة، منذ الآن! لكنّ ملءَ هذا الزّمن، ملءَ اليوم الثّامن، ملءَ زمن الملكوت يأتي، حين يبلغ الإنسانُ نهايةَ مرحلةِ عمره على هذه الأرض. إذ ذاك، يصير الإنسان في ملء اليوم الثّامن، يصير الإنسان في ملء الزّمن الجديد، يصير الإنسان في عالم النّور، في عالم الله. المسير هو هذا! هذه هي الخارطة! إذًا، نحن نحيا، في الحقيقة، لا، بعدُ، على أساس ما هو لهذا الدّهر وحسْب، بل نحن قد انتقلنا من السّبت إلى الأحد. طبعًا، الأحد لا يزال يتضمّن تمجيد الله على كلّ شيء، ولا يزال يتضمّن عمل الرّحمة والمحبّة للآخرين! لكنّنا، في الحقيقة، نحن لا نتوقّف عند حدود الآخر. نحن نعبر، من خلال الآخر، لنبلغ إلى وجه الله. الآخر ليس، أبدًا، غاية في حدّ ذاته! نحن نحبّه، لأنّ الرّبّ الإله جعل طريقنا إليه تمرّ بالإخوة. لهذا السّبب، نحن نحبّهم، ولا بدّ لنا من أن نحبّهم. لكن، نحن لا نتوقّف عندهم! نحن نعبر من خلالهم، لنصل إلى وجه الله. وقد أدرك، في الحقيقة، الرّهبانُ النّسّاكُ، قديمًا، هذا الأمر جيّدًا، حين قالوا قولاً يبدو، للوهلة الأولى، غريبًا. قالوا: “الغربة أهمّ من الغرباء“. وكانوا يقصدون بالغربة الغربةَ عن كلّ ما هو في هذه الدّنيا. طبعًا، نحن نحبّ النّاس، نحن نحبّ الغرباء، نحن نحبّ كلّ النّاس؛ لكن، في آن معًا، نجعل بيننا وبينهم مسافة؛ نختار هذه الغربة، لأنّ الرّبّ الإله يأتينا، عمليًّا، كغريب. حين نتحرّر من ثقل ذواتنا، ومن ثقل أهوائنا، ومن ثقل ما هو من هذا الدّهر، وننطلق إلى وجه الله في هذه الغربة الكاملة عمّا هو لنا كبشر، وعمّا هو في عالمنا؛ إذ ذاك، في هذه الغربة، في هذه العتمة الكاملة، ينبلج نور الله لنا؛ لندخل فيه! وهو نور يفوق ضياءً كلّ ما في هذا الدّهر من أنوار. إذًا، وجهك، يا ربّ، أنا ألتمس(مز27: 8).

آمين.

* عظة حول لو6: 1- 10 في السّبت 15 تشرين الأوّل 2011

المحبّة الحقيقيّة

المحبّة الحقيقيّة*

اﻷرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، تعلمون أنّ إحدى الوصايا العشر، قديمًا، كانت أَكرِم أباك وأمّك” (مر10: 19). الرّبّ يسوع، في إنجيل اليوم، لا يتكلّم على إكرام الأب والأمّ، بل يتكلّم على شيء آخر. “مَن أحبّ أبًا أو أمًّا أكثر منّي، فلا يستحقّني“. في كلّ حال، على الإنسان أن يُكرم والديه. لكنّ المحبّة، هنا، لها معنًى آخر.

إذا كان الإنسان يحبّ أبوَيْه، فهذا معناه أنّ عليه أن يطيعهما. المحبّة تعبّر عن نفسها بالطّاعة. الّذي أطيعه هو الّذي أحبّه. لهذا السّبب، حين كان الرّبّ يسوع يعلّم، وجاءت أمّه وإخوته، وقيل له: “أمّك وإخوتك في الخارج، قال لهم: “مَن أمّي وإخوتي؟! الّذي يسمع كلام الله هو أخي، وأختي، وأمّي” (مر3: 31- 35). “الّذي يسمعبمعنى الّذي يطيع. نحن، وفق الوصيّة الّتي يُسلمنا إيّاها الرّبّ يسوع، لا يليق بنا أن نطيع أحدًا، في الدّنيا، أكثر من الرّبّ يسوع. لذلك قيل: “ينبغي أن يُطاع الله، لا النّاس” (أع5: 29). محبّة النّاس بصورة عامّة، ومحبّة الوالدَين بصورة خاصّة، ينبغي أن تنبعا من محبتّنا لله. نطيع الله، نحبّه؛ ومن هذه الطّاعة وهذه المحبّة تنبع محبّتنا لكلّ النّاس. لهذا، الوصيّة الأولى كانت: “أَحِبَّ الرّبّ إلهك من كلّ قلبك، ومن كلّ نفسك، ومن كلّ قدرتك، والوصيّة الثّانية، الّتي أتت بعدها، والّتي يُفترَض أن تخرج منها هي: “أَحِبَّ قريبك كنفسك” (مر12: 30- 31). إذا لم يحبّ الإنسان اللهَ من كلّ القلب، ومن كلّ النّفس، ومن كلّ القدرة؛ فلا معنى، أبدًا، لمحبّته لقريبه؛ ولا يستطيع، أبدًا، أن يحبّ قريبه محبّة حقيقيّة. يكون موهومًا، إذا تكلّم على محبّة يتعاطاها مع النّاس. إذًا، لكي تستقيم الأمور ينبغي أن تبدأ بمحبّتنا الكاملة لله، بسعينا الكامل لمحبّة الله، بسعينا الكامل لطاعة الله.

وإذا تكلّمنا على الطّاعة، كان هذا معناه أنّ علينا أن نعرف الوصايا؛ لأنّ الطّاعة تكون بمعرفة الوصايا، وبالسّلوك فيها. لهذا السّبب، قال الرّبّ يسوع: “مَن يحبّني، يسمع كلامي” (يو14: 23). “يسمع كلاميبمعنى أنّه يتعلّم وصاياي؛ ومن ثمّ، يسلك فيها، يعيش بحسبها. أحيانًا كثيرة، الآباء والأمّهات، والنّاس عمومًا، قد يطلبون منّا أشياء لا يرضى عنها الله. مثلاً، إذا طلب منّي أبي أن أكذب، أيجوز لي أن أكذب؟! لا، أبدًا! لماذا؟! لأنّ الله ينهى عن الكذب. وإذا طلبت منّي أمّي، مثلاً، أن أسرق، أأسرق؟! لا، أبدًا؛ لأنّ الرّبّ يسوع ينهى عن السّرقة. إذًا، علاقتي بوالدَيَّ، وعلاقتي بالنّاس عمومًا، لا يمكن أن تستقيم، إلاّ إذا كنتُ سالكًا في محبّة الله، إلاّ إذا كنتُ مطيعًا لله، إلاّ إذا كنتُ سالكًا في وصاياه. وما يسمّيه النّاس، في العادة، محبّة، إذا لم يكن في إطار هذه المحبّة لله الّتي وصفتها؛ فإنّه لا يكون محبّة، أبدًا. حتّى لو قال الزّوج إنّه يحبّ زوجته، مثلاً؛ أو إذا قالت الزّوجة إنّها تحبّ زوجها؛ أو إذا قال الأهلون إنّهم يحبّون أولادهم؛ لا تكون محبّتهم، في الحقيقة، محبّةً، بكلّ معنى الكلمة، إذا كانت خالية من محبّتهم لله. ما نسمّيه، إذ ذاك، محبّةما هو إلاّ محبّة لأنفسنا في الآخرين. الأهلون، مثلاً، في الكثير من الأحيان، يحبّون أولادهم بمعنى أنّهم يحبّون أنفسهم فيهم؛ لذلك، يريدون من أولادهم أن يتصرّفوا بطريقة معيّنة ترضيهم، وأن يعملوا ما يرضيهم، وأن يتخصّصوا، مثلاً، في الجامعات، في الموادّ الّتي ترضيهم. الأهلون، إذ ذاك، تحت ستار المحبّة، يسيطرون على أولادهم، يتملّكون عليهم. وهذه ليست محبّة، أبدًا! على العكس، هذه المحبّة مزيّفَة؛ وهي، في العادة، تأسر الأولاد، وتأسر النّاس عمومًا. الّذي أتوقّع منه أن يرضيني في كلّ أمر؛ فهذا، أوّلاً، لا أحبّه في ذاته؛ وثانيًا، أكون في سعيﹴ لأسره لذاتي، أعمل على أسره لنفسي! المحبّة الحقيقيّة تحرّر. إذا ما قيل، مرّاتٍ كثيرة، أولادكم ليسوا لكم؛ فهذا صحيح! عمليًّا، الكلّ هو لله، ونحن ليس لنا شيء، على الإطلاق. فإذا تعلّم الإنسان أن يحبّ الله في كلّ إنسان آخر، إذا تعلّم الإنسان أن يحبّ الله في كلّ أمر: في عمله، في خدمته، في اهتمامه بالنّاسإذا كان همّه، أوّلاً وأخيرًا، أن يقدّم الله على كلّ شيء آخر، أن يقدّم مجد الله على مجده هو، إذا كان مستعـِدًّا لأن يَمّحي من أجل أن يَظهر اللهُ في هذه العلاقة، أو في هذه المحبّة للآخرين؛ إذ ذاك، تكون محبّته محبّة أصيلة؛ وإذ ذاك، تكون علاقته بالآخرين علاقة أصيلة. غير صحيح أنّ القرابة بين النّاس تكون قرابة طبيعيّة، أي بحسب الدّم. هذه لا قيمة لها، أبدًا. قريبي ليس مَن ينتمي إليّ بالدّم. قريبي هو مَن أصنعه أنا بنفسي! أنا أجعله قريبًا لي! قد يكون بعيدًا جدًّا عنّي! قد أكون لا أعرفه! لكن، إذا التقيتُه، إذا التقيتُ إنسانًا غريبًا، إنسانًا في الشـّارع، وتحرّك قلبي تجاهه، وكان يمسك بيده، مثلاً، وصفةً طبّيّة، ويبدو أنّه لا يملك مالاً ليشتري الدّواء الّذي يحتاج إليه؛ إذا تحرّكتُ أنا، وتصرّفتُ باعتبار أنّي قريب لهذا الإنسان، قريب إليه بالمسيح، لا بالدّم؛ إذا تكلّمتُ إليه، إذا أخذتُه واشتريتُ له الدّواء، مثلاً، بكلّ نيّة صافية، بكلّ استقامة قلب؛ فإنّي، إذ ذاك، أكون قد اكتسبتُ قريبًا! أكون قد صنعتُ قريبًا لنفسي! قد تقولون لي: “لكنّ النّاس يكذبون، ويمثّلون؛ وإذا كنتُ أنا لأَِتصرّف بهذه الطّريقة؛ فقد أكون ساذجًا“. ربّما يكون الإنسان، أحيانًا، ساذجًا، إذا تصرّف بطريقة يُقدِم فيها على تبنّي حاجات الآخرين في المسيح، وعلى جعلهم أقرباء له. طبعًا، أنا لا أقول، أبدًا، بالضّرورة، إنّ علينا أن نصدّق كلّ ما نسمعه من الآخرين. إذا أُعطينا هذه السّذاجة النّابعة من طيبة القلب، وتصرّفنا ببساطة قلب، والتزمنا حتّى النّاسَ الّذين يكذبون علينا في حاجاتهم، ويدّعون أنّهم محتاجون، وهم ليسوا، بالضّرورة، محتاجين؛ إذا كنّا، ببساطة قلوبنا، نُقبل عليهم، ونعاملهم كأقرباء لنا؛ فمن جهتنا نحن، الرّبّ الإله يحسبنا قد جَعَلـْنا هؤلاء النّاس أقرباء لنا. أمّا هذا الإنسان نفسه، من جهة الله، فإنّه يكون كاذبًا، وسوف يُطالَب. في كلّ حال، على كلّ واحد منّا أن يعمل ما في استطاعته. قد يكون الإنسان، أحيانًا، حذِرًا، بعض الشـّيء؛ فلا بأس! لكن، إذا كان الإنسان لـِيكون حذِرًا بعض الشـّيء، فلا يليق به أن يُعرِض عن حاجات النّاس. طبعًا، بإمكاننا، دائمًا، أن نتذرّع بأنّ النّاس كسالى، أو يكذبون، أو ما إلى هنالك من ذرائع. هذا يعطّل، في الحقيقة، عمل الله في حياتنا. صحيح، ينبغي أن نميّز. لكن، علينا، في آن معًا، أن نكون منعطـِفين على النّاس، أن ننتبه للنّاس. أحيانًا كثيرة، قد نلتقي إنسانًا محتاجًا ونظنّه إنسانًا عاديًّا. لكنّ هذا الإنسان قد يكون مُرسَلاً من عند الله ليمتحننا. هذا حَدَثَ كثيرًا في سـِيَرِ القدّيسين. حين يقرأ الإنسان سـِيَرَ القدّيسين، يلتقي أقوامًا كثيرين، ويلاحظ أنّهم كانوا يلتقون سواهم، ويكونون مرسَلين من عند الله.

إذًا، علينا أن نكون منتبهين، علينا أن نكون حذِرين. على كلّ واحد منّا أن يفتح قلبه لله، أن يطلب من الرّبّ الإله أن يعطيه بصيرة حسنة؛ حتّى يميّز العلامات الإلهيّة، حتّى يتحرّك قلبه باتّجاه الّذين يشاء الرّبّ الإله له أن يعينهم، وأن يجعلهم أقرباء له. طبعًا، هذا الموضوع مرتبط بنقاوة القلب، مرتبط بالجـِدِّيـَّة في الحياة الرّوحيّة، مرتبط بالطّاعة العميقة للرّبّ الإله. إذا كان الإنسان ليكون، فعليًّا، بصورة عميقة، مطيعًا لله؛ فإنّ الرّبّ الإله يعطيه بصيرة حسنة؛ فيعرف أن يميّز، ويعرف أن يذهب مباشرة إلى القوم الّذين يشاء الرّبّ الإله له أن يذهب إليهم، وأن يعينهم، وأن يجعلهم أقرباء له. إذًا، هذه عمليّة لا نحسبنّها سهلة وبسيطة. هذه عمليّة تتطلّب جهدًا: تتطلّب، في الدّرجة الأولى، أن يتعاطى الإنسان وصيّة الله بجدّية كبيرة؛ وثانيًا، أن ينتبه لِما يجري معه، في كلّ يوم؛ حتّى لا يضيّع على نفسه فرصًا يحظى فيها ببركات عظيمة من عند الله. اسمعوا هذه القصّة. إنسان كان مسافرًا على فرسه؛ وفي الطّريق، التقى فجأةً إنسانًا مُلقًى على الأرض وكأنّه ميت. فتوقّف على الفور، ونزل عن حصانه، واقترب من الإنسان الّذي كان مطروحًا أرضًا، فرآه ميتًا. وكان هذا الإنسان عريانًا. يبدو أنّ اللّصوص نالوا منه، وجرّدوه من ثيابه. الثّياب، في تلك الأيّام، كانت لها قيمة أكثر ممّا لها اليوم. فماذا فعل؟! أخذ رداءه، وغطّى به هذا الإنسان الميت، ثمّ تابع طريقه إلى بيته. ومضى عليه أسبوع. وذات يوم، كان يعمل في حديقته، فإذا به، وهو يعمل، يُصاب بوخز شوكة في رجله. أحسّ بها، لكنّه لم يُعـِرها أيّ اهتمام. في اليوم التّالي، تورّمت رجله، وأخذت الأمور تتفاقم، بالنّسبة إليه. ذهب إلى الطّبيب، فلم ينفعه في شيء. أعطاه أن يجعل عليها زيتًا وبعض الأعشاب، لكنّه لم ينتفع. وما إن مرّ أسبوعان على الحادث حتّى حكم الأطبّاء بضرورة قَطـْع الرِّجل، وإلاّ يُصاب هذا الإنسان بـالغرغرينة، أي الأُكال؛ لأنّ العظم كان قد أُصيب. وقرّر الأطبّاء أن يأتوا في اليوم التّالي ليقطعوا رِجله. في تلك اللّيلة، لم ينم هذا الإنسان؛ لأنّه كان يبكي، ويصلّي، ويسترحم الله، قائلاً: “أعنّي يا ألله! إذا فقدتُ رِجلي، فقدتُ عملي؛ وإذا فقدتُ عملي، فكيف سأعيل عائلتي؟!”. وقد بكى كثيرًا. ثمّ، من التّعب، غفا. وفجأة، حضره، في الحلم، إنسانٌ، واقترب منه، فيما كان هو يئنّ من الألم لأنّ رِجله كانت تؤلمه. اقترب منه، وقال له: “يا هذا، قم!”، فتطلّع، وهو في الحلم، في وجه هذا الإنسان، وقال له: “كيف أقوم من سريري وأنا متألّم؟!”، فقال له: “انظر في وجهي جيّدًا!”، فتطلّع فيه، فقال له: “أما عرفتني؟!”، فأجابه: “لا، قال له: “أتذكر ذاك الإنسان الّذي مررتَ به، وكان ميتًا على قارعة الطّريق، وغطّيته بردائك؟! ذاك الإنسان هو أنا. وقد أرسلني الرّبّ الإله إليك لكي تُشفى رِجلك“. ثمّ اقترب إليه، ومسّ رِجله. وصحا هذا الإنسان من النّوم؛ فشعر بأنّ رِجله كانت في حال جيّدة. حاول أن يحرّكها، فتحرّكت؛ فقام من سريره، مشى قليلاً هنا وهناك؛ ففرح فرحًا عظيمًا! شعر بأنّه قد شـُفي فعلاً من مصيبته. ثمّ، في الصّباح الباكر، نزل إلى عمله كأنّ شيئًا لم يكن، وكان الأطبّاء قد جاؤوا وهم يرومون أن يقطعوا رِجله؛ فوجدوه قد شـُفي تمامًا.

أخبركم هذه القصّة لأقول لكم إنّ أحدًا منّا لا يعلم ماذا ينتظره كلّ يوم، وكيف يمتحنه الرّبّ الإله كلّ يوم. لذلك، علينا، دائمًا، أن ننتبه؛ لكي نتعلّم كيف نكون شفّافين، وحسّاسين لوصيّة الله، وعمله، وروحه. فبقدر ما نقترب من الله، نقترب من النّاس؛ وبالمقدار عينه ننتبه لأمور لا ينتبه لها، في العادة، العاديّون من النّاس. هذا مهمّ جدًّا، لئلاّ يضيّع أحد منّا فرصًا يعطيه إيّاها الرّبّ الإله لكي يتبرّك، لكي يتقدّس. الله يروم، دائمًا، قداستنا. يشاء أن نتقدّس، يشاء أن نتبرّك. وهو يعطينا هذه الفرصة في كلّ حين، لا بل في كلّ لحظة، في الحقيقة! كلّ لحظة نمرّ بها هي لحظة لله! لحظة لنغتذي بها من نعمة الله، ومن حضوره، ومحبّته! الله يريد أن يعطينا نفسه بالكامل، بالكلّيّة. هو أعطى الرّوح القدس بلا حساب! لكن، علينا نحن أن ننتبه، دائمًا، لكي ننتفع من عطايا الله الّتي لا تُقدَّر. إذ ذاك، تكون محبّتنا لله محبّة أصيلة. وفي النّتيجة، تكون محبّتنا للآخرين محبّة أصيلة، أيضًا.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول متّى10: 37- 42؛ 11: 1 في السّبت 10 أيلول 2011

لكي نبلغ مستوى المحبّة الإلهيّة!

لكي نبلغ مستوى المحبّة الإلهيّة!

الأرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، في الإنجيل الّذي تُلي على مسامعكم، الرّبّ يسوع يتكلّم على محبّة كلّ واحد منّا لأبيه وأمّه، أو لابنه وابنته؛ ويقارن هذه المحبّة بمحبّتنا له هو. حين يقول الرّبّ يسوع: “إن كان أحد يحبّ أبًا أو أمًّا أكثر منّي، فلا يستحقّني؛ فهو لا يطالبنا بأن نحبّه أكثر، حرفيًّا، من آبائنا وأمّهاتنا، أو أكثر من أبنائنا وبناتنا. محبّتنا، في الحقيقة، للرّبّ يسوع ليست، أبدًا، كمحبّتنا بعضنا لبعضنا الآخر. بشريًّا، يمكن الإنسان أن يحبّ أكثر أو أقلّ. أمّا في العلاقة مع الله، فالمحبّة تكون كاملة كلّيّة. لذلك قيل: “أَحـِبَّ الرّبَّ إلهك من كلّ قلبك، ومن كلّ نفسك، ومن كلّ قدرتك” (مر12: 30).

إذًا، هذه الكلّيّة أساسيّة جدًّا، في تعاطي المحبّة مع الله. إن لم نتعاطَ المحبّة مع الله بهذه الطّريقة، فلا يمكننا أن نتعاطى المحبّة الحقّ في تعاملنا بعضنا مع بعضنا الآخر. من دون الله، مستحيل على الإنسان أن يذوق المحبّة الحقّ! ما نسمّيه نحن محبّة، فيما بيننا، من دون الله، هو، في الحقيقة، محبّة للذّات في الآخرين؛ هو محبّة مُشبَعَة بالقـِنية! نحبّ الآخرين، لأنّنا نحبّ أنفسنا فيهم! نحبّ الآخرين، لأنّهم لنا! نعتبرهم مِلكًا لنا! نحبّ الآخرين، لأنّهم يشبهوننا! نحبّ الآخرين، لأنّهم على صورتنا، أو لأنّنا نريد أن يكونوا ما نحن عليه! في العمق، الإنسان، من دون الله، يحبّ نفسه في الآخرين؛ ولا يحبّ الآخرين لذواتهم! لهذا السّبب، المحبّة لا تبدأ أفقيًّا بين إنسان وإنسان. المحبّة، في الحقيقة، تبدأ عموديًّا بين الإنسان وربّه؛ ومن ثمّ، تنزل، بالله، إلى الآخرين. إذًا، كما هو التّعبير المستعمَل في كنيستنا، نحن نحبّ الآخرين في المسيح. نعبر، أوّلاً، بالمسيح! نحبّ، أوّلاً، الرّبّ يسوع المسيح! نحبّ، أوّلاً، الرّبّ الإله! وفي الله، في الرّبّ يسوع المسيح، يصير بإمكاننا أن يحبّ أحدُنا الآخر. إذا استغنى الإنسان عن محبّة الله، فإنّه يظنّ، متوهِّمًا، أنّ بإمكانه أن يحبّ الآخرين. لكن، لو انتبهنا للطّريقة الّتي نتعاطى بها مع الآخرين، لاكـْتَشفنا أنّنا نطلب، دائمًا، ما لأنفسنا في بعضنا بعضًا. محبّتنا محبّة قِنـْيَوِيَّة، نابعة من رغبتنا في أن يكون الآخرون لنا! إذا كان هذا الأمر واضحًا لنا، في أعماق نفوسنا؛ وإذا كنّا لنطلب المحبّة الحقيقيّة بمحبّة الله أوّلاً؛ فهذا سوف يكون مُكلِّفًا جدًّا.

لهذا السّبب، بعد أن يتكلّم الرّبّ يسوع على محبّة الأب والأمّ، ومحبّة الأمّ والبنت، ويقارن هذه المحبّة بمحبّتنا له؛ يتكلّم على الصّليب: “مَن لا يأخذ صليبه ويتبعني، فلا يستحقّني“! لماذا، يا ترى، يتكلّم، هنا، على الصّليب؟! هذا لأنّ المحبّة الحقّ هي صليب، بكلّ معنى الكلمة! مَن طلب أن يحبّ بالرّوح والحقّ، كان عليه أن يبذل نفسه من أجل مَن يحبّ؛ وكان عليه أن يترك للآخرين أن يحبّوه، أو ألاّ يحبّوه! عليه أن يعطيهم حرّيّتهم، بكلّ معنى الكلمة. هذا ما فعله الرّبّ الإله، منذ البدء. الرّبّ الإله ولدنا من كونه محبّة. لكنّه لم يفرض ذاته علينا في شيء، على الإطلاق. كان، دائمًا، يشير إلى ما هو موافق لنا، وإلى ما ليس موافقًا لنا. لكنّه ترك لنا حرّيّة مبادلته المحبّة بمحبّة، أو أن ندير ظهورنا، وأن نذهب عنه. لو لم يسمح لنا الرّبّ الإله بالخطيئة، لَما كنّا خطـِئنا. وهو سمح لنا بالخطيئة احترامًا لحرّيّتنا؛ لأنّ المحبّة من دون حرّيّة لا قيمة لها، على الإطلاق. الإنسان المُجبَر على محبّة الآخرين يحبّهم في الظّاهر، ولا يحبّهم من أعماق قلبه. لكي يحبّهم من أعماق قلبه، عليه أن يتّخذ القرار الكبير، في حياته، وهو أن يخرج من ذاتيّته باتّجاههم، ليبادلوه هم محبّتَه بمحبّة. هذا رهن بي أنا! ما دام الله محبّة، وما دام الرّبّ الإله خلقني على صورته ومثاله؛ فالرّبّ الإله، بمعنًى من المعاني، جعلني في مستواه! طبعًا، أنا لا أستحقّ ذلك، لأنّي تراب ورماد، والرّبّ الإله هو الإله الأزليّ والأبديّ. ومع ذلك، المحبّة الحقّ هي، دائمًا، محبّة متواضعة. الرّبّ الإله تنازل من عليائه؛ وارتضى أن يخلق كائنًا، هو الإنسان؛ وأن يجعل نفسه وكأنّه يمتدّ إلى الإنسان؛ ويشتاق إلى أن يبادله الإنسانُ، بملء حرّيّته، المحبّةَ بمحبّة. بكلام آخر، الحرّيّة نفسها، الّتي نفحنا إيّاها الرّبّ الإله، جعلتنا في مستوى الله؛ وجعلتنا، بمعنًى من المعاني، في موقع الألوهة! طبعًا، هذا أمر ليس بإمكان أحد أن يستوعبه، بكلّ معنى الكلمة. الإنسان الكبيرُ، الّذي يجعل الصّغيرَ في مستواه، هو، في الحقيقة، لا فقط، يتنازل من كـِبَرِه ليتساوى وصـِغـَر الصّغير؛ بل، أيضًا، يرفع الصّغير ليجعله في كـِبَرِ ذاته، وهو الكبير! الأمر يسير في الاتّجاهَيْن: الله يتواضع بإزاء الإنسان؛ لكي يرفع الإنسانَ، ويجعله بإزائه! وهذه عظمة الله، وعطيّته، الّتي تفوق كلّ تصوّر. طبعًا، هذا ليس كلامًا؛ لأنّ الرّبّ الإله، منذ البدء، أراد أن يكون النّاس آلهة، وهذا ورد في النّصّ الكتابيّ: “أنا قلتُ إنّكم آلهة” (مز61: 6؛ يو10: 34). و هذا الكلام لم يكن كلامًا مجازيًّا، بل كان كلامًا روحيًّا، واقعيًّا جدًّا، نابعًا من قلب الله، ونابعًا من محبّة الله، الّتي لا يُسبَر غورُها. لكن، بإزاء هذا الدّعاء، إلى أن يتعاطى الإنسانُ محبّةَ الله بمحبّة؛ كان على الإنسان أن يتمثّل بالرّبّ الإله. إذا كانت المحبّة، عند الله، قرينةَ الاتّضاع؛ فهذا معناه أنّ علينا، لكي نبلغ مستوى المحبّة الإلهيّة، أن نبلغ مستوى تواضع الله. بالتّواضع نبلغ المحبّة الكبرى. ومن هنا الحديث عن الصّليب، لأنّ الصّليب هو علامة الاتّضاع الأكبر، بامتياز، في حياة الإنسان. والرّبّ الإله، في الحقيقة، بتجسّده، وبقبوله أن يُسمَّر على الصّليب، وأن يموت كإنسان؛ أعطانا المثال الّذي نحتاج إلى الاقتداء به، وشقّ لنا الطّريق الّذي علينا أن نسلكه لكي نلتمس وجه الله، أي لندخل في عشرة الله، أي لندخل في تحاببٍ مع الله. ومن هنا دعوة الرّبِّ يسوع تلاميذَه: “مَن أراد أن يتبعني، فليحمل صليبه، كلّ يوم، ويأتي ورائي” (لو9: 23).

إذًا، هناك عمليّة تمثُّل بالرّبّ يسوع، في حَمْلِ الصّليب. وحَمْلُ الصّليب لا يعني، فقط، أن يحمل الإنسان صليبَ المشاقّ، الّتي يمكن أن يتعرّض لها، في الحياة. هذه ليست في مستوى الصّليب الّذي يتحدّث عنه الرّبّ يسوع. الصّليب الّذي يتحدّث عنه الرّبّ يسوع هو، بالضّبط، صليب المحبّة. حين سُمِّر الرّبّ يسوع على الصّليب، وأسلم الرّوح، أيّة علامة كانت المميَّزَة؟! في إقامة الرّبّ يسوع المسيح على الصّليب، كانت هناك قولةٌ معبِّرَة جدًّا، هي في أساس معنى الصّليب الّذي يتحدّث عنه، هنا. حين قال الرّبّ يسوع للآب السّماويّ: “في يديك أستودع روحي” (لو23: 46)، عبّر عن أنّه اقتبل الصّليب إلى المنتهى! هذا منتهى الصّليب! “في يديك أستودع روحي“! في الحقيقة، الصّليب هو علامة الإيمان الحيّ الحقيقيّ. الإيمان هو التّسليم الكامل إلى الله: أن يُسلم الإنسانُ نفسه وحياته وكلّ ما له إلى الله! أن يجعل نفسه بين يدي الله الحيّ، دونما شروط! من هنا، إنّ الرّبّ يسوع، إذ كان يطلب أن نؤمن به؛ كان يطلب، في الحقيقة، أن نُسلم ذواتنا إليه؛ ومن ثمّ، أن ندخل معه في علاقة حبّ حقيقيّة. من دون هذا التّسليم، من دون بذل الذّات للآخر وفي الآخر، لا تكون محبّة، ولا يكون صليب، ولا يكون إيمان!

لهذا السّبب، يا إخوة، الإيمان ليس قضيّة فكريّة، ليس قضيّة عقليّة، ليس مسألة اقتناع! هذا إيمان في مستوى بشريّ، في مستوى أفقيّ. المطلوب أن يكون سعينا إلى الإيمان هو سعي في مستوى الكيان، أن نجعل كياننا بين يدي الله الحيّ. نحن خـُلقنا، أساسًا، من العدم! هنا، الصّليب يعطينا الفرصة أن نمثّل كونَنا جئنا من العدم؛ ومن ثمّ، يجعلنا نسلك وكأنّنا لسنا بموجودين، لأنّنا جئنا من العدم. إذ نفعل ذلك، إذ نُسلم أنفسنا إلى الله؛ نخرج، عمليًّا، من عدميّتنا؛ لأنّنا، في الأساس، قد جئنا من العدم. لكن، في هذا الخروج، الطّوعيّ الإراديّ، من عدميّة الذّات، يلقى الإنسان نفسه في الوجود؛ إنّما في الوجود كما شاءه الرّبّ الإله أن يكون. الرّبّ، في وقت من الأوقات، حين لم نكن موجودين؛ قال كلمة، في الحقيقة؛ وبالكلمة الّتي قالها، خرجنا من العدم إلى الوجود. هنا، بالصّليب، بالإيمان، يجعل الإنسان نفسه وكأنّه في العدم؛ لأنّه، في الحقيقة، قد أتى من هناك، ويُلقي بنفسه بين يدي الله الحيّ. والرّبّ الإله، إذ ذاك، يعطيه، لا فقط حياةً كالحياة الّتي نحياها على الأرض؛ بل أيضًا، يعطيه أن يصير إلهًا! يعطيه حياة أبديّة!

إذًا، الحياة الأبديّة ليست، أبدًا، رهنًا بمشيئة الله. طبعًا، الرّبّ الإله يريدنا جميعًا أن نصير آلهة، أبناء له، آلهة بالتّبنّي. لكنّ هذا رهن بإرادة كلّ واحد منّا، بإيمان كلّ واحد منّا، باتّخاذ كلّ واحد منّا صليبه، بإلقاء كلّ واحد منّا نفسَه بين يدي الله الحيّ. فإن أدركنا هذا الأمر، وإن تعاطيناه؛ أمكننا، مذ ذاك، أن نمتلئ من محبّة الله. وإذ نمتلئ من محبّة الله، يصير بإمكاننا أن يحبّ بعضنا بعضًا محبّةً حقّانيّة، على صورة محبّة الله، محبّةً لا قنية فيها، محبّةً لا تطلب ما لنفسها، كما سبق للرّسول بولس أن ذكر: “المحبّة لا تطلب ما لنفسها، على الإطلاق (1كور13: 5)! المحبّة تعطي بلا حساب، ولا تطلب لنفسها شيئًا البتّة. بهذا تستقيم أمورنا فيما بيننا؛ وبذلك، أيضًا، نجدُنا، نحن الّذين أُعطينا آنية خزفيّة من تراب، قد امتلأنا ضياءً ونورًا؛ لأنّ روح الرّبّ، إذ ذاك، يقيم فينا إلى الأبد؛ ليجعلنا آلهة، بكلّ معنى الكلمة.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول متّى10: 37- 42؛ 11: 1 في السّبت 30 تمّوز 2011

الألم في تدبير الله

الألم في تدبير الله

اﻷرشمندريت توما بيطار

في ذلك الزّمان، دنا إلى يسوع رئيس، وسجد له قائلاً: إنّ ابنتي قد ماتت الآن. لكن، هلمّ فضع يدك عليها، فتحيا“. السّؤال الّذي يتبادر إلى الذّهن، يا إخوة، هو: هل كان هذا الرّئيس ليدنو إلى يسوع، لو لم يكن متألِّمًا؟!

أوّلاً، ربّما لا تعلمون أنّ المقصود بالرّئيس هو رئيس المجمع. في إسرائيل، كانت هناك بيوت تُعرَف بالمجامع؛ وكان على كلّ مجمع رئيس وخادم. وكان النّاس يتردّدون إلى هذه المجامع، ليسمعوا قراءات من الكتاب المقدّس؛ وكذلك، ليسمعوا كلمات نصح، أو وعظ. إذًا، الرّئيس كان إنسانًا معتبَرًا، في قومه. لا أظنّ أنّ هذا الرّئيس كان ليأتي إلى يسوع، لو لم تكن لديه مشكلة، لو لم يكن لديه همّ، لو لم يكن متألِّمًا. بعد السّقوط، صار الإنسان، بكلّ أسف، لا يطلب الله، إلاّ متى شعر بضعفه وعجزه، متى كان متألِّمًا، متى كان في ضيق، متى واجه مشكلة صعبة. في الأحوال العاديّة، حين يكون الإنسان متمتِّعًا بقواه الجسديّة والنّفسيّة، حين تكون أموره ميسَّرَة، حين يكون أهل بيته في حال جيّدة، في صحّة جيّدة؛ فإنّه قليلاً ما يفعل ما فعله أيّوب في زمانه. حين كانت أمور أيّوب على خير ما يُرام، من جهة أولاده، من جهة صحّته هو وجميع أهل بيته، من جهة مقتنياته؛ فإنّه كان يقدّم، كلّ يوم، صلاة خاصّة، وذبائح خاصّة تكفيرًا عن الخطايا الّتي كان يمكن أن يكون أهل بيته قد ارتكبوها. قلّة عزيزة من النّاس تفعل ذلك، بعد السّقوط. بعد السّقوط، الإنسان أصبح يدور حول نفسه؛ فمتى تعثّر أمر من أموره، وما أمكنه أن يعالجه بطرقه الخاصّة؛ ذهب إلى بيت الله، ليستجير به!

إذًا، بمعنًى من المعاني، الضّيقات والآلام، بعد السّقوط، لها قصد حسن في تدبير الله. تـِبعًا لذلك، لا يمكننا أن نقول إنّ الآلام، الّتي تحدث لنا، أو يمكن أن تحدث لنا، هي شرّ. على العكس، فقد يكون فيها الكثير من الخير. الإنسان يحتاج إلى أن يشعر بضعفه، إلى أن يشعر بقصوره؛ وإلاّ صعب جدًّا عليه أن يأتي إلى الله. ثمّ إنّ الآلام والضّيقات تُلَيِّنُ النّفوس، الّتي أصبحت، بعد السّقوط، صلدةً، قاسيةً، تحتاج إلى المتاعب والمصاعب لكي تلين، ولكي تكون للإنسان فرصة أن يتّضع؛ إذ ما دام الإنسان ممتلـِئًا من ذاته، فمستحيل عليه أن يُفسح في المجال ليكون للرّبّ الإله موضع في نفسه. لهذا السّبب، المصائب الّتي تداهمنا، أو الآلام الّتي تكدّنا تعيننا على تواضع القلب. وتواضع القلب يشدّنا إلى الله، يأتي بنا إلى الرّبّ الإله.

إذًا، هذا الرّئيس جاء إلى يسوع، لأنّه كان متألِّمًا. وكيف تصرّف؟! سجد للرّبّ يسوع! هل كان مثل هذا العمل مألوفًا، في إسرائيل؟! أي أن يسجد إنسان معتَبَرٌ في قومه لأحد معلّمي إسرائيل؟! لا نعرف، تمامًا، ما إذا كانت هذه العادة منتشرة، في ذلك الزّمان، أم لا. وتعلمون القول للرّبّ إلهك تسجد، وإيّاه وحده تعبد” (لو4: 8). اليهود، بعامّة، كانوا يدركون أنّ السّجود هو لله. إذًا، هذا الرّئيس، بقوّة الألم الّذي كان يعتمل في قلبه، جاء فسجد ليسوع ، وقال له: “إنّ ابنتي قد ماتت الآن“. إذًا، هو جاء لتوّه، جاء حالاً! كان يحاول وِسْعَهُ لكي ينقذ ابنته، بالطّرق الّتي كانت معروفة، في ذلك الزّمان؛ بالأدوية الّتي كانت متداولَة، في تلك الأيّام. لكن، لمّا ماتت ابنته، أدرك أنّ كلّ ما فعله لم تكن له فائدة. واللاّفت، هنا، أنّ هذا الرّئيس جاء إلى يسوع، بعد أن ماتت ابنته! الإنسان، بصورة عاديّة، يأتي إلى الطّبيب، حين يكون مريضًا. أمّا حين يكون أحد أحبّائه قد مات، فإنّه لا يأتي إلى الطّبيب؛ لأنّه يدرك أنّ عمل الطّبّ بات غير نافع. لكنّ هذا الإنسان جاء إلى يسوع، بعد أن ماتت ابنته! هذا العمل، في حدّ ذاته، له دلالاته، بلا شكّ. لعلّ هذا الإنسان سمع أنّ يسوع أقام أحد الموتى. ونحن نعلم أنّ الرّبّ يسوع أقام عدّة موتى، بعد موتهم. لكن، لو لم يكن عند هذا الرّئيس الاستعداد الكافي لأن يصدّق ويؤمن؛ لَما كان قد جاء إلى يسوع، بعد أن ماتت ابنته. النّاس، بعامّة، ربّما مالوا إلى القول: “هذا الّذي يتحدّث عنه النّاس ليس بصحيح، إذ ليس مألوفًا أن يقيم أحد ميتًا من موته! وإذا كان هذا الإنسان رئيسًا، فهذا معناه، وفق ترتيب تلك الأيّام، أنّه كان إنسانًا مثقَّفًا بالثّقافة الكتابيّة. إذًا، كان إنسانًا عقليًّا، بمعنًى من المعاني. كان يقرأ الكتب، ويفكّر، لا كغيره من القوم البسطاء. ومع ذلك، جاء إلى يسوع! هذا يدلّ، في الحقيقة، على أنّ هذا الرّئيس كان ذا قلب نقيٍّ؛ ومن ثمّ، كان على استعداد لأن يؤمن. والرّبّ الإله سمح بأن تصيبه آلام، وسمح بأن تموت ابنته، وكأنّ يسوع، بمعنًى من المعاني، يقول: “هذا الموت هو لمجد الله“.

إذًا، هذا الرّئيس جاء إلى يسوع، وقال له: “هلمّ فضع يدك عليها، فتحيا“! لم يقل له: “هلمّ فضع يدك عليها، فربّما تحيا“! كان يتكلّم كلام ثقة! كان على يقين! من أين يأتي الإنسان بهذا اليقين؟! لماذا ليس عند الأكثرين، اليوم، اليقين بأنّ مَن يؤمن يستجيب الرّبُّ الإله له، ويستجيب سريعًا؟! لا شكّ في أنّ للإيمان وجهين: له وجه بشريّ، وله وجه إلهيّ، أيضًا. الوجه البشريّ يتمثّل في نقاوة قلب الإنسان، واستقامة سيرته، ورحمته للنّاس، ورأفته بهم. وهذه كلّها زرعها الرّبّ الإله في كلّ إنسان، بالنّاموس الطّبيعيّ. لكنّ النّاموس الطّبيعيّ، عند أكثر النّاس، فسد، أو يفسد. أمّا عند هذا الرّئيس، فيبدو أنّ النّاموس الطّبيعيّ لم يكن منثلمًا، لم يكن مجرَّحًا. لهذا السّبب، استبان إنسانًا قويم القلب. هذا هو الجانب البشريّ من الإيمان. إذا كان الإنسان قويم القلب، فإنّ نعمةً من عند الله تستقرّ في قلبه: “القلب الخاشع المتواضع لا يرذله الله” (مز50: 17). يُسَرّ الرّبّ الإله بالسّكنى فيه، بالاستقرار فيه، بالنّعمة الإلهيّة. لذا، كما يبدو، استبان هذا الرّئيس مؤمنًا بالرّبّ يسوع؛ فقام يسوع وتبعه“. تبعه فورًا؛ لأنّه إنسان مؤمن، يتكلّم كمؤمن، يتصرّف كمؤمن؛ والرّبّ، علاّم القلوب، يعرف أنّه إنسان مؤمن! “فقام وتبعه هو وتلاميذه“!

بعد ذلك، تأتي الرّواية الثّانية، لتقطع الرّواية الأولى: المرأة الّتي بها نزف دم منذ اثنتي عشرة سنة، دنت من خلفه، ومسّت طرف ثوبه، لأنّها قالت في نفسها: إن مسستُ ثوبه، فقط، برئتُ“. الحالتان متشابهتان. الرّئيس أتى من ألم؛ والمرأة النّازفة الدّم أتت من ألم، أيضًا! الرّئيس يبدو أنّه عانى الكثير؛ والمرأة النّازفة الدّم عانت، أيضًا، طويلاً! الرّئيس تكلّم بثقة، وطلب إلى الرّبّ الإله أن يعيد ابنته إلى الحياة بيقين؛ والمرأة، أيضًا، قالت ما قالته بثقة ويقين! “إن مسستُ ثوبه، فقط، برئتُ! فالتفت يسوع فرآها“. الرّبّ يسوع، في قرارة نفسه، كان ملتفتًا إليها، لأنّها كانت مؤمنة؛ لكنّه، هنا، التفت إليها بالجسد، ورآها. ومعاينة الله تحيي، وتشفي. لهذا السّبب، ثبّتها الرّبّ يسوع في إيمانها: “ثقي، يا ابنة، إيمانك أبرأك! فبرئت المرأة، منذ تلك السّاعة“.

ثمّ يستكمل النّصّ الحادثة الأولى، بشأن الرّئيس وابنته الميتة. “جاء يسوع إلى بيت الرّئيس، فرأى الزّمّارين والجمع يضجّون، فقال: تنحّوا! إنّ الصّبيّة لم تمت، لكنّها نائمة“. قال إنّها لم تمت! لكنّها ماتت! لماذا قال ذلك؟! الرّبّ يسوع قال للمرأة النّازفة الدّم: “إيمانك أبرأكِ“. بكلام آخر، قبل أن تأتي إلى يسوع لتمسّ طرف ثوبه، كانت كلّ عناصر البُرْء متوفِّرة لديها، لأنّها كانت مؤمنة. هنا، الصّبيّة لم تمت، لأنّ الرّئيس أباها كان مؤمنًا؛ ومن ثمّ، كلّ عناصر الحياة كانت متوفِّرة في هذه الصّبيّة الميتة. الصّبيّة لم تمت! قبل أن أقامها الرّبّ يسوع، قال عنها إنّها لم تمت! الرّبّ يسوع، هنا، يفعل بالإيمان، بإيمان النّاس، قبل أن يفعل بالكلمة الّتي ينطق بها، وقبل أن يقيم الإنسان بالجسد، وقبل أن يشفيه بالجسد.

إذًا، هذا يدلّ على أنّ الرّبّ يسوع حاضر ما دام الإيمان في القلب حاضرًا. إذا كان الإنسان مؤمنًا، فهذا يكون دليلاً على أنّ الرّبّ يسوع حاضر في حياته، بصورة خفيّة. “لم تمت، ولكنّها نائمة“. هذا النّوم، طبعًا، ليس نومًا كما نعرف نحن النّوم. ولا يمكننا، أبدًا، أن نصف موت هذه الابنة بأنّه بمثابة نوم. لو كان الأمر كذلك، لَما قال: “لم تمت“! لكن، يبدو أنّ الإنسان، بالإيمان، يوجَد في حالة يتخطّى فيها معايير البشر ومفاهيمهم؛ يكون حيًّا عند الله، ولو كان ميتًا عند النّاس! يكون صحيحًا من عـِلَلـِه عند الله، ولو كان سقيمًا ومريضًا عند النّاس! وما فعله يسوع ليس إلاّ من باب تأكيد هذا الأمر. “فضحكوا عليه. فلمّا أُخرج الجمع، دخل [يسوع]، وأمسك بيدها“. أمسك بيدها، ولم يقل لها شيئًا! كان، قبل ذلك، قد أمسك بروحها؛ والآن، أمسك بيدها؛ ليعطي النّاس فرصةً أن يعاينوا كما عاين هو، وكما يعاين هو! أمسك بيدها، من دون أن يقول لها كلمة! لم يقل لها: “قومي، لأنّها كانت قد قامت لديه! “فقامت الجارية؛ فذاع هذا الخبر في تلك الأرض كلّها“.

الرّبّ الإله كان يفعل ما يفعله، في الحقيقة، من أجلنا. المهمّ أن نعرف أنّ كلّ شيء لنا؛ وأمّا نحن، فللمسيح.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول متّى9: 18- 26ا في السّبت 23 تمّوز 2011