في الأب الشهيد باسيليوس نصّار

في الأب الشهيد باسيليوس نصّار

د. عدنان طرابلسي

قالها مرة قديسنا الأنطاكي إغناطيوس: “ماذا تفيدني ملذّات العالم؟ ما لي وفتنة ممالك هذا العالم؟ إني أفضّل أن أموت مع المسيح من أن أملك أطراف المسكونة… قربت الساعة التي سأولد فيها… من سوريا حتى رومية، في البر والبحر، في الليل والنهار، وأنا أصارع الوحوش… إني أتوق للوحوش التي تنتظرني. إني أضرع لتنقضّ عليّ سريعاً… اتركوني فريسة للوحوش… اضرعوا إلى المسيح حتى يجعل من الوحوش واسطة لأكون قرباناً لله”. واليوم، ومن الكنيسة الأنطاكية ثانية، يقدّم الأب باسيليوس نصّار ذاته قرباناً للمسيح، بواسطة الوحوش التي قتلت مرة إغناطيوس، والتي تقتل اليوم باسيليوس، والتي قتلت كل قديس وقديسة بينهما.

أي قربان أقدس من جسد يخترقه الرصاص عندما يسارع إلى نجدة أخيه الإنسان، وأي ذبيحة أطهر من محبة لا تعرف الأثَرَة أو الأنانية، فتنطفأ لتُنير للآخرين الطريق؟ أي دم أذكى من دم كاهن أراق دمه محبة بدم المسيح، وخَبَز جسده في سبيل عضو من أعضاء جسد المسيح؟

الأب باسيليوس فاق السامري الصالح، الشفوق. فالسامري قدّم حناناً ومحبة ومالاً لإنقاذ المنكوب على قارعة الطريق. واليوم، يقدّم الأب باسيليوس جسده ودمه، روحه وحياته، أغلى ما يملكه، لإنقاذ منكوبٍ على قارعة طريق. حقاً، ليس حب أعظم من هذا: أن يبذل المرء نفسه في سبيل أحبائه.

هذا هو الكاهن: إنه مَن يقدّم جسده ودمه في سبيل أحباء المسيح، قبل أن يقدّم جسد المسيح ودمه على المائدة المقدسة. إنه مَن يشهد كل يوم، في كل قول وفكر وفعل، لرب الأرباب وإله الآلهة. والشهيد شاهد حي لا يموت، كاهن أبدي لا يكلّ ولا يملّ. إنه صورة عن المسيح، الكاهن الأزلي. إنه حيٌّ بالمسيح، وإن تكلّل بالشهادة للمسيح غسل ثيابه الأرضية في دم الخروف، وتسربل الثياب البيض، ومَثُل أمام عرش الله، يخدمه نهاراً وليلاً في هيكله، والجالس على العرش يحلّ فوقه. هذا هو الكاهن الشاهد والشهيد: إنه لا يجوع ولا يعطش، لأن الخروف يرعاه كما كان هو يرعى خاصّة الخروف السماوي على الأرض؛ والخروف يقوده إلى ينابيع ماء حية، كما كان هو يقدّم لعطاش الخروف السماوي كأس الماء البارد، الذي به نخلص؛ والخروف يمسح كل دمعة من عينيه وعيون أحبائه، كما كان الكاهن يمسح آلام أحباء المسيح ويضمّد جراحاتهم ببلسم المحبة والرأفة (رؤ 7: 12-17)

أنطاكية لم تبخل يوماً بشهيد، بقديس، بكاهن، بمرنّم، بلاهوتي، بمتبالهٍ، وبمسيحي. لم تبخل بشيء أبداً. كانت دائماً السبّاقة إلى العطاء والتضحية وبذل الذات في سبيل مَن أمامه يذوب كل ثمين ونفيس. ولهذا السبب تكاثرت الوحوش في أنطاكية. ولكن النعمة كانت الأولى دائماً. إيليان الحمصي اعتبر الآب السماوي، لا أبيه الجسداني، هو وحده مَن يستحق أن نعيش له، ونموت من أجله. يوحنا الذهبي الفم قدّم كل شيء يملك في سبيل كهنوته، إلى أن أسلم الروح في المنفى ليصير في الوطن السماوي. سمعان الحمصي تباله أمام العالم ليعرف المسيحَ وليعيش له وحده. مكسيموس المعترف لم يبخل بلسانه ويده في سبيل اعترافه بالحق الأبدي. رومانوس الحمصي المرنّم لم ينفكّ مرنماً ومنشداً ومسبحّاً مَن لا تنقطع ملائكة السماء على تسبيحه. يوحنا الدمشقي وصل السماء بالأرض بتسابيحه اللاهوتية وصلواته النسكية. بطرس الدمشقي قدّم كل ما يملك فصار ناسكاً ومعلّماً محبة بمعلّمه. أندراوس الدمشقي أنشد ووعظ في العذراء واللاهوت، فلم يبخل. سمعان العمودي صار شعلة عمودية وصلت إلى قديسي السماوات، حيث كان يتوق أن يكون، فكان.

الأب باسيليوس أراد أن يعطي كما أعطى المسيح، جسداً ودماً، محبة وتضحية. سار على خطى القديس يوسف الدمشقي. فلم يرَ سوى الآخر، سوى المجروح والمتألم والمهان، لم يرَ سوى المسيح في النازف، فشاء أن تسيل دماؤه لتروية المجروح، وأن يقدّم روحه لإراحة المحتضر. نسي ذاته ليذكر الآخر؛ نسي أين هو وكيف هو، لأنه لم يرَ أمامه إلا مسيحاً آخر مصلوباً، ليس على خشبة الصليب هذه المرة، بل على قارعة رصيف تشبّع إرهاباً وقتلاً ودماً وحزناً. أرادت الوحوش أن تنحر السلام في بيت السلام، وأن تقتل الشهداء في أرض الشهداء. لم تعلم هذه الوحوش أنه في الألم نحن نكبر، وفي الحزن نحن نفرح، وفي الشدائد نحن نرتاح، وفي الصليب نحن نعيش، وفي الموت نحن نقوم. ففي هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبّنا أولاً، فأحببناه لاحقاً، لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد.

هذا هو الكهنوت الحقيقي: الكهنوت الذي على صورة كهنوت يسوع المسيح. حقاً مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ. كلما أعطينا كلما اغتنينا، وكلما نقصنا كلما كبرنا. فهل أراد الأب باسيليوس أن يُري كل شماس وكل كاهن وكل مطران في أنطاكية كيف تكون أبجدية الكهنوت المسيحي، وكيف تُقام هذه الخدمة الرسولية المقدسة؟ هل أراد أن يلقننا درساً في التجرّد والإخلاء من كل شيء، كما أخلى المسيح ذاته على الصليب، حبّاً بنا؟ لقد فعل، وأجاد في ما فعل. لقد خسرنا كاهناً على الأرض وربحنا قديساً في السماء. خسرنا إنساناً على الأرض وربحنا ملاكاً في السماء. خسرنا أباً على الأرض وربحنا شفيعاً في السماء. هكذا تكون المحبة المسيحية، وليس ما نتبجّح به من كلمات وحروف. هكذا هي التضحية المسيحية، وليس ما نتعلّمه في المعاهد والجامعات. هكذا تكون خدمة السامري الصالح، وليس ما نجترّه من أقوال وقصص وأمثال.

ألم يقل الرسول العظيم بولس: “لأن ليس أحد منا يعيش لذاته ولا أحد يموت لذاته”؟ (رو 14: 7). الأب باسيليوس لم يعش لذاته، وهو الذي نذر خدمة يسوع في كل شخص وفي كل مكان. نذر الرهبنة المقدسة، فصار عذراء عفيفة للمسيح، عذراء أخلصت وأبقت زيت مصباحها مشتعلاً، ففتح المسيح لها الأبواب، وأدخلها في ملكوته. “فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن”. وهل يستحق الرب أقل من هذا؟ مع ذلك فالقلة النادرة هي مَن تستطيع أن تُظهر كلام بولس في حياتها، وفي موتها. باسيليوس نصّار فعل هذا، في حياته وفي موته، لأنه كان من هذا القطيع الصغير، القطيع الذي لا يخاف ولا يرهب. فعاش للرب ومات للرب. فالمحبة لا تطلب ما لنفسها. لهذا السبب لا تسقط المحبة أبداً. إنها، كالأشجار، تستشهد واقفة، وإن ماتت، قامت من الأموات لتحيا وتُحيي معها الكثيرين.

هكذا هم المسيحيون دائماً وأبداً. يعيشون كمجهولين وهم معروفون، يظهرون كمائتين وهم يحيون، يبدون حزانى وهم فرحون، فقراء ولكنهم يغنون كثيرين، كأن لا شيء لهم، وهم يملكون المسيح، يملكون كلَ شيء. الأب باسيليوس كان فقيراً فاغتنى وأغنى. كان مجهولاً في حياته، فعرفه الناسُ في مماته، وعرّف الناسَ مَن هو المسيح. كان لا يملك أي شيء، فصار الآن يملك كل شيء، صارخاً: في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبّنا. وفي هذه جميعها يكمل فرحنا في الذي أفرحنا.

ليت أنطاكية تخرج من أتونها، من ليلها، ومن ظلامها. ليتها تتغلب على وحوشها، قبل أن تأتي الساعة الأخيرة. لم تركع أنطاكية يوماً ما، ولن تركع. ومهما طال ليل الخطيئة، فلا بد لنهار البرّ والقداسة أن ينبلج. الرحمة العظمى هي ما نطلب، وعظيمةٌ هي رحمة الله. إنها يمٌ لا حدود له. ومهما طال الليل، ليل الظلم، والخطيئة، وليل القتل والتآمر، ليل الإسخريوطي وألف اسخريوطي، ليل خفافيش الخطيئة السوداء، فلا بد لنهار القيامة ولنور القيامة أن يغمرا الكون. فالمسيح قام من الأموات، ولم يبق ميتٌ في القبر. المسيح قام من الأموات فلا نعد بعد نخاف الموت. المسيح قام من الأموات فلنفرح ونتهلّل: إنه هو فرحنا وحياتنا، أصلنا ومآلنا، بدايتنا ونهايتنا. لقد صار الراقدون مواطنين في الفردوس السماوي، حيث لا تنهد، ولا حزن، ولا بكاء، ولا دم، ولا توجع، بل المسيح هو الكل في الكل. له المجد والشكر والسجود إلى الأبد. آمين!

عيد نقل رفات العظيم في القديسين يوحنا الذهبي الفم

27 كانون الثاني 2012

الكنيسة – الإنسان

الكنيسة – الإنسان

عبود برسيـخ أونجـي


منذ سنوات ليست ببعيدة عبرت كنيستنا الأورثوذكسية المقدسة بوابة الألفية الثالثة لميلاد ربنا وإلهنا يسوع المسيح له المجد، عبرت هذه البوابة وهي منهكة القوى ، تعبةً أمام أعدائها وطاعنيها بحراب العالم…
فيوما ً بعد يوم، يتزايد التيار المعادي للأورثوذكسية في قلب الكنيسة الأورثوذكسية ذاتها، والسبب وراء ذلك في رأيي هو تزايد المرائين من كتبة وفريسيين في الأوساط الكنسية من علمانية وكهنوتية على السواء، هذا التزايد الذي يسير بحركة متسارعة، يضمن انتشار كثير من الهرطقات الواضحة والمبطنة، التي تقوم لا على أسس الإلحاد القديم بل على أسس الإلحاد المعاصر من ماركسية وسارترية وغيرها…. هذا من جهة، وأما من الجهة الأخرى: فأين شبابنا الأورثوذكسي الملتزم؟؟؟ أين عائلاتنا التي تؤمن بالأورثوذكسية لتنقلها جوهرة ثمينة لأبنائها؟ أين هم أبناء السامرة الصالحون حتى يأتوا لنجدة كنيستهم المجرّحة المرمية بسهام الباطل وبطلان العالم؟
أين هو التزامنا ؟ هل بات الالتزام مستحاثة قديمة نتأملها مستغربين كيف زهق أجدادنا دماءهم في سبيلها، مستهزئين في قرارة نفوسنا؟
ماهي النظرة الأورثوذكسية لثنائية ( الكنيسة – الإنسان) ؟ كيف تنتظم العلاقة بين طرفيها؟ ما أهمية كل طرف للآخر؟؟؟ بكلمة واحدة أقول أن الله ليس محتاجا ً إلينا، هو ( الله) لم يخلقنا عن احتياج أو اضطرار، فالخلق لم يكن ضرورة، وبعبارة أبسط: كان يمكن أن لا نوجد، وجودنا وعدمه عند الله سواء، فهو لا يزيد ولا ينقص من وجوده ( الله ).
والحقيقة هي أن الله قد خلق الكون بفعل إرادته الحرة، لقد اختار (هو) أن يفعل ذلك ففعله (هو)، غير مجبر من أحد، الخلق إذا ً نتاج الإرادة الإلهية والاختيار الإلهي، إضافة إلى ما يدعوه القديس يوحنا الدمشقي بمشورة الله الأبدية غير المتبدلة ” لنخلق الإنسان على صورتنا كمثالنا..”.
إن شركة الثالوث القدوس قائمة في رباط المحبة التي تسري بين الواحد والآخر كنبع لا ينضب، وبداعي المحبة شاء الله ( بإرادته ) أن يوسع هذه الدائرة فيفيض بها على كائناته وخلائقه، لذلك أوجدها، وعندما سقطت انتشلها بداعي المحبة، فالخلق والصلب إذا ً كلاهما كانا عملية محبة.
لم يخلق اللهُ الإنسانَ في الفردوس إلها ً، بل ممتلكا ً كل أسباب الألوهة ومتطلبات الكمال، خلقه(الله) ليكون بالنسبة له “آخر” يبادله المحبة : هذا الإنسان إذاً حرّ في الاختيار، بإرادته يقيم علاقة مع خالقه، وبإرادته يرفض أي صلة معه ( وهو في هذه الحالة يكون جاهلا لعلة وجوده ولسبب خلقه).
الله إذاً أصل الخليقة، منه جاءت وإليه تتجه، فإن كنا نرد كل مادة إلى أصولها فكيف تتصور بعض العقول الضعيفة الحياة والخليقة دون مصدر أو علة أو مسبب؟؟ بالله فقط يتحقق معنى الوجود، في قلب الله يوجد كل إنسان وراحة هذا الإنسان لا تكون إلا في قلب الله.
هذه العلاقة التبادلية بين الله والإنسان لا يمكن أن تقوم إلا في الكنيسة، يسوع المسيح ( الله) هو رأس الكنيسة، علاقة الإنسان مع الكنيسة هي الباب الوحيد لعلاقته مع الله، لا أستطيع أن أتصور إنسانا ً يدعي علاقة المحبة مع الله وهو بعيد عن الكنيسة وأسرارها المقدسة… إنه يضحك على نفسه!!
أسرار الكنيسة رابط وثيق يشد الإنسان إلى خالقه وعلة وجوده، بالمعمودية نموت مع المسيح لنحيا معه، وبالميرون المقدس ننال ختم الروح القدس ونصبح كارزين ببشارة الملكوت، وبالافخارستيا نشارك ربنا في جسده ودمه… من هنا تأتي الحاجة إلى التزام كنيستنا، الالتزام ثم الالتزام هو ما نحتاج إليه في عصرنا الحالي.
ليس الالتزام كلمة من التاريخ القديم ! كما أنه ليس كلمة عابرة تدل على نشوةٍ نفسية تصيب الإنسان، إنها أعمق من ذلك بكثير، الالتزام قوة إيمانية قلبية تقوم على المحبة المطلقة والتضحية والإيمان المطلق : الإيمان برأس الكنيسة، بأورثوذكسيتها، بعقائدها، ومحبتها محبة لا تقوم على المصالح والدنيويات، هذه المحبة لا بد أن تشمل أبناء الكنيسة مع بعضهم، أن تكون غير قائمة على الانتقاء و الاختيار، بل على محبة صورة الله في أبنائه… دون ذلك يكون الالتزام حبراً على ورق، يكون كلاماً إنشائيا ً نتغنى به في مناسباتنا لنثبت مكانتنا، وهذا هو باطل الأباطيل…
ليس الالتزام تكريسا ً كهنوتيا خاصاً، جميعنا كهنوت ملوكي عام جاهز للعمل، وكم وكم من الكهنة التزموا دنياهم ولم يلتزموا كنيستهم؟
الالتزام، أخيرا ً، بعد عن الفردية واللامبالاة التي نرثها يوماً بعد يوم من أنانيتنا، لا يمكن أن نفصل حياتنا عن الله ( عن الكنيسة)، لا يمكننا أن نرى كنيستنا مرمى لسهام الباطل ولا نبالي صامتين ضعفاء.
يوما ما سنحاسب علىتركنا كنيستنا وسعينا وراء دنيانا، غايتي من عملي البائس أن أذكر من أراد التذكر، بثنائية ( الكنيسة – الإنسان ) علنا نرى كنيستنا يوما ً أفضل مما هي عليه الآن.

عالمنـا

عالمنـا…. ” خيالٌ في مرآة !”

عبود برسيخ أونجـي

لما أضحى إنسان اليوم بعيداً كلّ البعد عن جوهره وعلّة وجوده, جاهلاً منشأه ومنتهاه أو بالأحرى متناسياً ذلك عن عمد أو عن غفلة, آخذاً في السعي وراء إنسانه “البيولوجي”، بات من الواجب أن نقول: أن هذا القلق البيولوجي هو الذي يقوده وراء صحته ولقمته وهنائه وكفى… مبتعداً في ذلك عن أسرار الكون القابعة في قلبه وروحه التي كانت بنفخة من روح الله القدوس…

إن عالمنا اليوم بات عالماً يُرى في مرآة كاذبةٍ, لأن من ينظر في مرآة ذاتِه, يرى نفسه معكوساً: فيمينه يسارٌ للخيال ويساره يمين له… نعم. نحن اليوم في عصر ليس فيه انعدام القيم – ويا ليته كان ذلك- بل في عصر انعكاس هذه القيم انعكاساً كلياً… تسألون كيف؟ تعالوا ننظر حولنا في هذا العالم الدهري كلياً لنستشفَّ قيمـَه.
لقد بات السارق شهماً واللص جريئاً شجاعاً… أمسى المجرم القاتل بطلاً من أبطال ملاحم التاريخ الشهيرة, أو مدافعاً عن شرفه وذاته…
لقد بات الابن أباً لأبيه, والبنت أماً لأمها, فمَن اليوم يتحكم بالآخر – على أرض الواقع- هل الابن أم الأب؟
لقد أمسى تواضع الإنسان جبناً وغدت عجرفته وبطشه رجولة وإثباتاً لذاته في مجتمع تحكمه “شريعة الغاب”.
نحن اليوم نسكن عالماً يعبّر عن السلام بالحرب وإراقة الدم، وعن الحب بالكره, عن التضحية بالجنون, عن الحياة بالقتل, وعن العدالة بالظلم…
عندما يريد أن يعبّر إنسان هذا الدهر عن حريته التي حباه الله إياها، يستخدم الانفلات وسيلةً وهي حق له برأيه, فيعبّر عن الجمال بالشهوة, وعن الحق بالغطرسة وعن الإنسانية بنفيها…
إنه بقول واحد: يحوّل الموت إلى حياة والحياة إلى موت. بات إنساننا يتفنن في سعيه وراء الجحيم بدلاً من سعيه وراء الملكوت… هذا إن بقي ذكر لهذه الكلمة إلا في قلوب من يعتبرهم هذا الدهر “ضعافاً مجانين مخبولين”…
إن البشر اليوم باتوا يقولون: “قال يسوع أحبّوا بعضكم بعضاً”، وهم يقتلون بعضهم بعضاً… يقولون: “قال يسوع أحبّوا أعداءكم”، وهم لا يحبّون إخوتهم, فأي مكانة للعدو في قلوبهم… يقولون: “الله روح والساجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا”، وقد تعددت أصنامٌ هم لها عابدون وساجدون…
يقولون “أبانا الذي في السموات…”، ولسان حالهم يقول “ابقَ في السموات…”.
نعم لقد صار السواد بياضاً والبياض شديد الظلمة…
علنا اليوم نتعظ قليلاً ونقول لربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح: “يا رب يا رب اطلع من السماء وانظر وتعهد وأصلح هذه الكرمة فإن يمينك غرستها… نعم يا رب لا تجعلنا من أولئك القائلين كثيراً بل اجعلنا فاعلين بحقك لأنه خير لنا أن ننعت بالجنون من أن نكون أقوياء في هذا العالم وموتى في العالم الآخر… لأن جنون العالم هو حكمة عند الله…”
في ذات يوم قال يسوع لتلاميذه “تأتي ساعة يظن فيها كل من يقتلكم أنه يؤدي عبادة لله”، والحقيقة أن المكتوب قد تمّ الآن في عالمنا، في كل يوم تقتل أرواح المسيحيين، بالمئات وأقول خير لنا أن تقتل أجسادنا من أن تهلك أرواحنا…
فيا رب اجعلنا ممن تشير إليهم قائلاً: “من يصبر إلى المنتهى يخلص”.
آمين.

في الحديقة

في الحديقة

حبيب ابراهيم


نهار جديد مقبل، نور من وراء الجبال مطلّ. خطرت لي فكرة رائعة، فقلت: أزور الحديقة ساعة، أو ربما دقائق تكفي. فمناظرها للعين متعة وألحانها للمريض تشفي.
ما هي إلا ثوان حتى وقفت أمام مشهد يفرض ذاته عليك. مشهد يفهمه عقلك من دون أن تأذن له. مشهد تنسى جمال ممثليه إذ يجذبك وتستفيد من المعاني والعبر التي تفيض منه. بين يديك أترك باختصار ما شعرت أنّ من واجبي نقله إليك لكي تشاركني هذه الخبرة البسيطة.
فراشة صغيرة هوت التنقل في حديقتنا. عشقت ألوان الحديقة أكثر من ألوان جناحيها. صادقت الأزهار وجعلت منها حديثها، تتطاير من واحدة إلى أخرى وتنشر وراءها عبير شذى صديقاتها متجاهلة سيئاتهّن. تتوقف هنا وهناك لترتاح بل لتريح الآخرين بأقوالها المطمئنة.
هي مخلوق صغير له صديقات كثر منها صغيرات وأخرى كبيرات. تقضي النهار كلّه من واحدة إلى أخرى. تعرف ما تقول فقد تعلمت هذا بالتكرار. هذا التكرار جعل كلامها يتغلغل إلى الداخل أصبح يصدر عن فهم، أصبح يخرج من القلب. لقد تعلّمت أن تعطي صديقاتها ما تحتجن إليه وأن تأخذ منهنّ حاجتها.
مخلوق صغير؟! نعم، ولكن الله أنعم عليه بالكثير. لقد وصلت إلى غاية وجودها. اختبرت الحياة فعلمت أن الخدمة تحتاج الى أقوياء لا يعرفون الكلل. سعت دائماً إلى الأفضل فوجدت أنّ حياتها أيضاً تتغذى من الآخر. رذلت اللامبالاة التي تؤدّي إلى الضجر وبنشاطها كلّلت عملها. تعلّمت في حياتها ألا تستهين بمحبة الآخرين، بقدرات الآخرين، باجتهاد الآخرين، بسعيهم المتواصل لتطوير ذواتهم، فهم دائماً يسعون لتحقيق ما يظنوه خيراً للجميع.
أما أنت من يقرأ هذه السطور فلا تحسب نفسك بعيداً عن المشهد. فهو مشهد يتكرّر في حياتك. هل فكرت يوماً أن تكون تلك الفراشة أو حتى أولئك الأصدقاء؟ أنت يا صديقي كليهما معاً، إذ إنّك في علاقتك مع الآخر إمّا تكون المبادر كالفراشة أو المتلقي كالزهرة وفي كلا الحالتين عليك بالسعي لتحقيق خيرك الشخصي وخير الجميع.

الإكليريكي والاسم

الإكليريكي والاسم

الشماس ثيوذوروس الغندور

يسألنا البعض عادة حول لماذا يغيّر الإكليريكي أو الراهب إسمه بعد السيامة؟ ولماذا لا يبقى على إسمه الذي إعتدنا مناداته به؟ ويسأل آخرون حول لماذا إختار هذا الإسم بالذات وليس إسماً آخر؟ وأسئلة كثيرة حول هذا الموضوع سأحاول الإجابة عليها.

الجواب البديهي الذي نعطيه أمام هذه الأسئلة هو، لأنه إختار حياة جديدة والإسم الجديد يساعده في تذكّر هذا الأمر دائمًا. ونربط الإجابة بما قاله الرسول بولس في رسائله “أنسى ما وراء وأمتدّ الى ما هو قدّام” (في 13:3). ونقول أيضًا أن إختيار القديس فلان وليس آخر سواه هو للتمثّل به وبحياته واتخاذه شفيعًا لبقية حياتنا. وكل هذا جيد ويجيب على الأسئلة المطروحة.
نعلم أيضًا أنه في الحضارات القديمة يوجد تطابق عميق بين اسم الشخص ونفسه. فكل شخصية الإنسان وميزاتها تنطوي تحت إسمه. وأحيانًا معرفة اسم الشخص تنوب عن معرفته بالذات [1].وتغيير الإسم هو تعبير عن تغيير جذري بحياة الإنسان. لنعدّ الى الكتاب المقدّس نفسه لنعطي جوابًا كتابيًا حول هذا الموضوع. نعود أولاً الى إبراهيم في سفر التكوين ألم يكن إسمه أبرام وبعد ظهور الله له قال الله له “لا يدعى اسمك بعد أبرام بل يكون إسمك ابراهيم” وعلل الله التسمية بأنه سيجعل منه أبًا لجمهور من الأمم. وبالتالي فحياة إبراهيم تغيرت واتسع نطاق مسؤوليته وبالتالي أمام هذه المهمة الجديدة والعهد الجديد كان لا بدّ من إسم جديد. وهذا ما نراه خلال سيامة الراهب إذ هو يؤدي قسمًا أمام الله بسلوك حياة ملئها الطاعة والعفة والفقر الإختياري ونرى أن رئيس الدير هو من يختار عادة الإسم الذي سيعُطى للراهب والذي سيرافقه بقية حياته الجديدة. وهذا الأمر حصل أيضًا ليعقوب الذي تبدّل اسمه وقال له الرب “لا يدعى اسمك بعد يعقوب بل اسرائيل” (تك 28:32) وعلل الرب إختيار الإسم بأن يعقوب قد جاهد مع الله والناس وأنه قدِّر من الله. وفي العهد الجديد نرى المسيح يقول لسمعان “أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها” (مت 18:16) وربط الرب يسوع المسيح هذا التغيير برسالة جديدة في حياة بطرس فهو سيؤتمن على مفاتيح ملكوت السموات وكل ما يحلّه على الأرض يكون محلولاً في السموات وما يربطه على الأرض يكون مربوطاً في السموات. أليست هذه رسالة الرعاة والكهنة اليوم؟ أفلا يجب تغيير أسمائهم أمام هذه النعمة الجديدة التي ستغيير مسار حياتهم؟ . والرسول بولس نفسه، ألم يكن شاول مضطهد المسيحية والمسيحيين وأصبح بولس الذي هو الإناء المختار ليحمل اسم المسيح أمام الأمم والملوك وبني اسرائيل (أع 15:9)، بعد ظهور الرب يسوع المسيح له على طريق دمشق. والذي تبدّل إسمه أيضًا فأصبح شاول الذي هو بولس (أع 9:13) وهذه الآية ترد بعد الحديث عن وضع اليد عليه وعلى برنابا وفرزهما لتبشير الأمم.
وللإسم معنىً فكما بشّر الملاك العذراء مريم بطفل تسمينه يسوع الذي سيخلّص شعبه من خطياهم. أليس نعنى اسم يسوع وباللغة العبرية يشوع أي المخلّص. وهكذا أيضًا غالبية الأسماء التي تُعطى للإكليريكيين وللرهبان وحتى للأطفال المعتمدين هي أسماء ذات معنى في حياتهم الجديدة فهي اما تشير الى رسالة ما أو الى صفة عليه السعي للتحلي بها. وعلى سبيل المثال أسماء مثل نيكيفورس أي اللابس الظفر، ستافروفوروس أو اللابس الصليب، وثيوذوروس الذي هو هبة الله، وجاورجيوس أو الفلاح، أو من الأسماء النسائية أيضًا كون الراهبات أيضًا يغيرنّ أسمائهنّ بعد السيامة نأخذ مثلاً إيريني أي السلام وبارثيني أو العفيفة وغيرها من الأسماء.
ونشير أخيراً الى أن للإسم أهمية كبيرة إذ بمناداتك له تجعل الشخص المنادى حاضراً وجاهزاً للتواصل معك ولذا لا يجب أن نبقى على مناداة الإكليريكي أو الراهب أو الراهبة بالإسم العلماني الذي كان لهم وذلك لنساعدهم على الاستمرار والامتداد في حياتهم الجديدة بدون تذكّر معوقات الحياة السالفة رغم أنها جزء لا يتجزأ من حياتهم. ولنعلم أن مخاطبتهم بالإسم الجديد ذو أهمية كبرى كوننا بذلك نقرّ معهم وندعم إختيارهم الرسالة الجديدة والحياة الجديدة وبالتالي مهما كنّا أصدقاء للذي بدلّ اسمه علينا التعوّد على مناداته بالاسم الجديد وحتى عندما نتذكره في مجالسنا فلنذكر الإسم الجديد كون هذا الأمر يجعله حاضراً فيما بيننا. فلنقبل بحضور الإنسان الحالي معنا رغم تعلقنا أحياناً وهذا من طبيعة البشر بما هو رواسب سنوات طويلة قضيناها مع هذا الإنسان قبل أن يختار أو تختار طريق التكريس سواءً الإكليريكية أو الرهبانية ولنصلِ من أجله أو من أجلها ليسدد الرب الإله الخطوات التي سيسلكها او ستسلكها في حياته أو حياتها وليزيّن بالأعمال الصالحة الاسم الذي يُختار ، ليتقدّم أو لتتقدّم أمام العرش الإلهي مستحق أو مستحقة الحياة في الملكوت.

[1] من كتاب “قوة إسم يسوع”، للأسقف كاليستوس وير، ترجمة المطران بولس يازجي، منشورات دير السيدة-بلمانا، 1994.

أريد أن أكون فاعلاً

أريد أن أكون فاعلاً

الشماس ثيوذوروس الغندور

قال لي:”لستُ مفعولاً به”، فاستغربت القول وسألته عن السبب الذي دعاه يستخدم العبارة القواعدية في وصف نفسه، ولماذا اختار المفعول به ليتجنب اعتبار نفسه كذلك. أجاب مخبراً إياي محطات في حياته جعلت منه مفعولاً به.

قال، أتيتُ الى الدنيا ولم يسألني أحد. أُعطيت اسمًا ولم أختره قط. فلت لا بأس فبعد ذلك سألعب دوراً ما وصبرتُ. أجل صبرتُ على حديث الناس معي وكأني لا أفهم. فيحرفون الكلمات ويلحنون الجمل ويستخدمون الحركات في سبيل جعلي أقوم بما لا يكون لي مزاج للقيام به حينها. ويأتي العمّ والخال ومن باب القول القائل: “خلّي يطلع رجّال”، يبدأ بإعطائي درسًا بالشتائم ويسرّ جداً حين يجعلني أُتقن شتم أحد شتيمة دسمة تستحيق تصفيق العائلة خلال زيارة ما أو خلال مناسبة ما. هذا ويرسم لي الوارلد أو الوالدة مستقبلاً على مزاجهم فإذا كانت الموضة للأطباء فعليك أن تكون طبيبًا وإذا كانت للمحاماة فعليك ان تكون محامٍ. ويبدأ العمل توجيهًا نحو هذا او ذاك من المجالات العلمية وإذا كان الأب قاضٍ فالإبن قاضٍ بالوراثة. وإذا كان الأب طبيبًا فالإبن يرث الطبّ والعيادة والى ما هنالك من اختصاصات. وتستغربون لماذا لدنا فائض من الأطباء والمحامين والقضاة والمهندسين، ونقص فادح في مجالات أخرى لا تقل أهمية في المجتمع ولكن بنظر البعض لا تملك بريستيج (prestige).
وعندما تشبّ قليلاً تجد نفسك وسط شلّة الأصدقاء الذين بحسب الحظ، إما يقتادونك الى حياة صخب لا تنتهي لا ليلاً ولا نهاراً فتكون مراهقتك مميزة كما يحلو لأولئك وصفها غير آبهين بكل ما تتضمنه هذه المراهقة من تصرفات وغير متقيدين بدين أو عادات أو تقاليد أو أخلاق. وإما تجد نفسك وسط مجموعة شباب يكبرونك سنًا، ووجودك معهم لأنك “اسم الله أكبر من عمرو” فينتشلك هؤلاء من شبابك الى رجولة مبكّرة لا تُنسيك حركات الشباب التي إما تخفي قيامك بها لئلا يستصغرونك، وإما يستغلون وجودك ليعيشوا ما لم يعيشوه أثناء شبابهم ربما لأنهم كانوا مثلك “اسم الله سابقين عمرهم”. وفي كل الحالات أنت لستَ سوى مفعولاً به. هذا وأنك قد لا تكون قد اخترتَ أصدقائك، فقد يكونون قد فُرضوا عليك نتيجة أنهم رفاق الصفّ أو الحي أو رفاق الحركة أو الجمعية إذا كنت منتميًا الى حركة أو جمعية دينية كانت أم غير دينية.
حتى في الحركة أو الجمعية فقد يميّزك القائد ويجعلك صديقًا أكثر منك مرؤسًا بحجة أنه يرى فيك خليفة له ومن غير المنطقي أن لا يربي القائد خليفته على طريقته في مجتمعنا. فباسم التميّز والصداقة تُقولب الشخصية وتُصبغ بما يجعلك مفعولاً به حتى ولو تسلمت مركز القائد الذي يُفترض به أن يكون فاعلاً وليس مفعولاً به.
وتصل الى الجامعة ، أنت الرجل الخارج من مراهقة، الله وحده يعلم شكلها. ترى نفسك امام مجموعة أساتذة محاضرين وعليك أن تعرف ميل كل أستاذ والأسلوب الذي يحب أن تعالج المواضيع من خلاله، كونه هو تابع لمدرسة ما وبالتالي منطقياً بالنسبة له أن تتبع أنت أيضًا نمط هذه المدرسة. فتبدأ بالبحث والتنقيب حول كل أستاذ لتعرف كيف تتعامل مع مادته. وأنت بذلك مفعولاً به كونك لا تمتلك فكراً جامعية يجعلك تجمع معلومات بغضّ النظر عن معطيها لتصيغ أنت ما أنت تريده، ولتكون أنت ظاهراً فيما تصيغ ولن تكون كذلك لأنك منذ نعومة أظافرك اعتدت أن تكون مفعولاً به فلا مجال للمبادرة طالما هناك نمازج موجودة لتستخدمها.
حتى في الوظيفة، فأنت ملزم باتباع سياسة المؤسسة التي تعمل لأجلها. وإذا كنت نابغة ولديك أفكار فنادر أن تجد مسؤلاً يشجّع نبوغك إلا إذا كان سيستفيد من هذا النبوغ. فعليك أنت تُبقي نبوغك مكتومًا حتى تتاح لك فرصة إذا أُتيحت وإلا فتحمله على جناح الطائرة الى بلدان المهجر الواسعة. ففي الوظيفة أنت في خدمة من يعتقد نفسه فاعلاً بالوقت الذي هو مفعولاً به لآخر لديه نفس الإعتقاد.
“ألا ترى معي هذا؟ “، سألني، ففكرت طويلا ًفيما قاله، ووجدتُ أنه يملك حقًا فيما قال. وسألته: ماذا تريد الآن؟. أجابني: “أريد ان أكون فاعلاً” فأجبته: وأنا كذلك، والله يريدنا كذلك أناسًا فاعلين نختار ما نقوم به لأننا يومًا ما سنكون مسؤلين أمامه عن خياراتنا هذه. فإما أن تكون مع الله فاعلاً وإما فاعلاً ما يُبعدك عن الله، وفي لكن لا تكن في حياتك مفعولاً به.

أين هي الكنيسة؟

أين هي الكنيسة؟

حليم شربك

سألني أحد أصدقائي مرة:”أين هي الكنيسة؟” وقد جاء سؤاله نتيجةَ صمتٍ اعتدناهُ من كنيستنا الأرثوذكسية عندما يَطرأُ أمرٌ يكونُ موضِعَ جَدَلٍ أو خلاف. صمتُ الكنيسةِ هذا يرجِعُ لأسبابٍ عديدة بعضها يتعلقُ بالإكليروس وبعضها الآخر فينا نحن العلمانيين، أما الأسباب المتعلقة بالإكليروس فتتراوحُ بين ما يلي: كنيستنا الأرثوذكسية هي (حسب خبرتي المتواضعة وبعد تعاملٍ ليس بقليلٍ مع كثيرٍ من الإكليركيين) منَ الناحية التنظيمية من أضعف التنظيمات تنظيماً على الإطلاق، فعلى الرغم من وجود التراتبية الإدارية التي يفترض أن تكفل التنظيم المطلوب، إلا أن تحول هذه التراتبية إلى بيروقراطية من ناحية، وتخاذل بعض الإكليركيين في أداء واجباتهم من ناحية أخرى قد ألقى على عاتق الإكليركيين الحقيقيين حِملاً أكبر من طاقتهم مما أدى ويؤدي إلى تراجع في أداء الواجبات وخاصة الواجبات الرعائية، وبالتالي عندما يَطرأ أمرٌ ما على الساحة لا نجد من يَرُد أو يوضح.

الأسباب المتعلقة بالعلمانيين ترجع إلى عدم فهمنا لواقع أن الكنيسة ليست هي الإكليروس بل إنما نحن مع الإكليروس أعضاءُ جسدِ الكنيسة التي رأسها المسيح، والإكليروس بيننا أقلية (من حيث العدد) لذلك يا إخوة يقع على عاتقنا واجبٌ أكبرُ مما نتخيل (أو مما يتخيل البعض). يجب على كلّ واحدٍ فينا أن يأخُذَ دورهُ كعضوٍ في جسدِ الكنيسة وهنا لا بد من ذِكرِ قول الأب باييسيوس الآثوسي:”إذا كنتَ تريد إصلاح الكنيسة فأصلح نفسك أولاً وللتو تكون قد أصلحتَ جزءاً من الكنيسة التي أنتَ عضوٌ فيها”. نعم هناك تقصير في الإكليروس، فهل نقصّر نحن أيضاً ليصبح الخطأ أكبر؟
أرى شخصياً أن الحل يكمن في أن يعيش كلٌّ منّا نحن العلمانيينَ مسيحيتهُ بملئها لأنه كما قال الميتروبوليت جورج خضر:”المشكلة روحية أصلاً”، كما يتوجب على كل واحدٍ فينا أن يجِدَ مجالَ اهتمامه من الناحية الكنسية(تاريخ، عقيدة، ليتورجيا، رسم، ترتيل، آبائيات، كتابيات..إلخ) وأن يَتَبَحَّرّ فيه بحيث يصبح هو منارةً ويخرج من تحت المكيال ليضيء لجميع الذين في البيت ويصبحَ هو قادراً على الرد عندما يُطرَحُ في الساحة سؤالٌ أو جَدَلْ. كفانا يا إخوتي فتوراً وكفانا اتكاليةً لأن الحصادَ كثيرً وأما الفَعَلَةُ فقليلون، هلموا بنا نصبح فَعَلَةً في كرم الرب ولا نقفنَّ متفرجينَ كأنّا لا صوتَ لنا ولا شيءَ عندنا نقدمه لله العليّ معطي المواهب.
أخيراً، لو كان للكنيسةِ فمٌ واحدٌ وسَمِعَتْ من يسأل:”أينَ هي الكنيسة؟” لأجابت:”أجل، أين أنت؟!!”

رسالة محبة

رسالة محبة

لشبيببة مدارس الأحد الأرثوذكسية في اللاذقية
فرع القدّيس جاورجيوس اللابس الظفر


جيسيكا نصري

المرشد يا إخوتي هو الإنسان المصلي، وهو الحاضر بملئه وكيانه في مذبح الرب وأمامه في كلّ وقت، ومن هنا يبدأ اختيار المرشد ولا مساومة على ذلك. والمرشد يمثّل الالتزام بكافة أشكاله وليس التزاماً نسبياً.

الالتزام يختلف من شخص إلى آخر، فبالنسبة للملاكم هو الخروج من حلبة المصارعة والعودة إليها أكثر من مرة، بدلاً من السقوط عليها. بالنسبة للمتسابق هو الجري أميال أخرى عندما تخور قواه. بالنسبة للجندي هو أن يصعد التل غير عالم ما ينتظره على الجانب الآخر. أمّا بالنسبة للمرشد هو أن يودع راحته ليقدم الراحة للآخرين، هذا اقلّه.
بالنسبة لالتزام المرشد المسؤول فهو أن يحمل كل المعاني السابقة وأكثر، لأن كل الذين يتبعونه يعتمدون عليه، لا أن يعتمد على أهوائه ومصالحه.
وطبيعة الالتزام تبدأ من القلب، فبعض الناس يسعون إلى الكمال، ولكنهم يرفضون إلزام أنفسهم بعمل شيء. ولكن الالتزام يسبق الانجاز. فإذا كنت تريد إحداث تغيير في حياة الآخرين من خلال خدمتك انظر إلى داخل قلبك وابحث هل أنت ملتزم حقاً أم أنّ هذا ما يبدو بالظاهر فقط؟
وحديثي عن الالتزام يختلف عن الالتزام نفسه فالمقياس الوحيد الحقيقي للالتزام هو الفعل. قال احدهم: “ما من شيء أسهل من الكلام، وما من شيء أصعب من تطبيق هذا الكلام يوماً بعد يوم”.
والالتزام يبدأ أولاً عند الشخص نفسه وبين أصدقائه التزاماً كاملاً. وأنا أرى بعيداً عمّا يسمى الإدانة، أن المرشد غير الملتزم وغير الصائن للسانه لا يصلح لأن يكون مرشداً خادماً وإن كان ملتزماً بحضورٍ ما بجسده فقط.
فهل تصدق أن هناك مرشداً نماماً! يوقع الشرّ بأصدقائه ومن يحيط بهم ويقول أشياء لم تحدث؟؟ وشرّ نميمة أن يحمّل أخطائه وضعفاته أحداً آخر مجبراً.
وهذا ما حصل في وسطنا، وتمّ هذا الأمر وحصل جفاء بين صديقين كانت النميمة صراعهما، ولكنهما أدركا بالصداقة المتينة التي كانت بينهما ألاّ يجعلا الجفاء يطول. وعرفا أن هذا النوع النمّام من الأصدقاء- والذي يتواجد في العمل للأسف- لا تهمّه الصداقة بحدّ ذاتها بل بما له من مصلحة فيها، وعرفا أن هناك من هم يهوون الكلام وتلفيق الأحكام على الآخرين والتسلية بأخبار الغير حتى في أوساطنا في الخدمة….!
أمّا أنت إن تعرضت لمثل هذا وظلمك أقرب الأصدقاء وأحبّهم إلى قلبك فلا تشتمه فتنقص إثمه، بل عليك أن تعرّفه أنه يجب أن يعرف ويتأكد أ لا ّيصدق كلّ ما يسمعه وأن لا يحكم على شيء أو شخص من دون تحقق وعتاب، هذا إن كان يهمّه أمرك.
فالكذب مرض اجتماعي يدمّر الثقة بين الناس والأصدقاء. وشهادة الزور شكل من أشكال الكذب، فعندما تتكلم وتشهد ليكن كلامك دقيقاً ونقلك للأمور واضحاً ولا تلقِ ما تفوهت به عبثاً ومن دون قصدٍ على غيرك. فالإنسان الصادق أصلاً شجاع ويستطيع أن يتحمل المسؤولية أما الكذب فهو الحل السهل عند الضعفاء، وإخفاء جزء من الحقيقة أيضا كذباً وهذا يكون بقصد الخداع وإيقاع الضرر بالآخرين
أما الحل لكسر الجفاء وكسب الصديق فهو العتاب الذي يبدد الضيق ويقرّب القلوب ويفرحها، ويعيد وحدة غالية مع الرب يسوع، وهذا ما فعله صديقانا.
وهنا يجب ألا ننسى أن إبليس (الله لعنه) يضخم الأمور ويشوّه الصورة ويحاول هدم حياتنا الاجتماعية والكنسية
فمحبة أخي وصديقي تحركني للعتاب ولكن قبل هذا عليّ أن أسامحه واغفر له لأن الغفران أمر أساسي قبل العتاب. وعندما تعاتب لا تحاسب بل عبّر عن مشاعر الضيق التي حدثت بداخلك بسبب الموقف الذي تمّ. فالعلاقة بين الأصدقاء ليست عتاب فقط بل احترام ومودة، وليتم هذا في الوقت المناسب وبطريقة هادئة وأسلوب وكلام هادئ بعد هدوء الأحوال
أخي المرشد التزم الالتزام بكل معانيه “ولا تصدق كل نميمة” وهذه دعوة دائمة يزرعها الله في العالم ولاسيّما بين المؤمنين لإنقاذ كل من هم في زمن الثرثرة وعدم النضج. رسالة محبّة للجميع نتمنى الاستفادة من خبرتها.

رسالة إلى يسوع

رسالة إلى يسوع

إيلي عبدو

تأخرت كثيراً يا يسوع حتى توقفت أمام أيقونتك، نظرت إليك، تأملت برهة وجهك الجميل، جثوت أمامك وقد مددت كل أعمالي واستحضرت كل ما مضى من الزمن.

تأخرت أن أبسط أمامك كبواتي وعجزي وسقطاتي الأليمة. انشغلت عن اللقاء الحميمي بك في الوقت الذي كنت فيه أشعر بكلمتك، إذ تركت كل شيء ورائي ووجدت نفسي أمام فتيةٍ عجز مجتمعهم عن فهمهم وكثيراً ما بخلوا عليه بمنح الحب. أيقنت أنك ستفتح ذراعيك لتحتضنهم حالما أبدء بدفعهم نحوك. حاورتهم، ناقشتهم، تفهمت مشكلاتهم، صراعاتهم مع أهلهم، عدتُ إلى الكتب وقرأت عن المرحلة العمرية الدقيقة التي يمرون بها. حاولت ألا أتسرع بآرائي ومواقفي وتصرفاتي معهم، نجحت أحياناً وأحياناً أخرى فشلت، فرحت حين رأيتهم يتوافدون لتناول جسدك ودمك، يقرؤون الإنجيل، يطرحون أفكاراً جديدة، يسألوني عن عنوان كتاب ليقرؤوه. حرضت عقولهم على التفكير والتساؤل وحذفت كلمة ممنوع من أذهانهم معطياً إياهم حرية الاختيار والرأي والاختلاف. حدثتهم عنك مطولاً، أفهمتهم انك تقبلهم كما هم، رغم كل ما ينظرونه في شخصياتهم من سوء وأنك لست كبقية مجتمعهم يرفضهم وينتقدهم ويصرخ في وجوههم، أبعدتهم عن سطحيات الدين وحاولت أن أدلهم على عمق ما رميت إليه في تعاليمك. قرأت لهم عن عجائبك وشفاءاتك وحنوك على البشرية، أخبرتهم أنك تريدهم قياميين لا يضنيهم اليأس والعجز، يؤمنون بتعزيتك رغم كل شيء
هل أوصلتهم إليك يا يسوع، لا أعرف! وحدك أنت تعرف. لكنني موقن أنهم يستحقونك.. قلوبهم نقية ونفوسهم بارة. واحدهم يتكلم كثيراً وآخر يتضجر بسرعة وثالث يتساءل ورابع يبتسم ببراءة، وخامس يجلس هادئاً. كل واحد منهم عالم خاص قد أكون نجحت أو فشلت في اقتحامه إلا أني واثق أني زرعتك فيه. أحببتهم جداً وجاهدت كثيراً لئلا يتحول حبي لهم إلى امتلاك. ذكّرت نفسي دائماً “أنّ الحاجة إلى واحد” وإني مجرد وسيلة لبلوغ هذا الواحد.
أتعبتني خطاياي يارب وصرت أشعر بالازدواج بين ما أعلّم وما أصنع، عذّبني الإحساس بالذنب وكثيراً ما ارتميت أمام أيقونتك وأنا على الرمق الأخير أطلب عطفك.
والآن حانت الساعة يارب كي أبوح باعترافي هذا وأبتعد مودعاً وجوه تلك الصبية الذين ألف ملامحهم قلبي. حانت الساعة وقد سمعتك منذ سبع سنوات في الإنجيل تنادي بطرس ويعقوب وتبعتك معهم. رميتُ شباكي المهترئة وامتلأت عشقاً بالعمل من أجلك. تأملت تفاصيل حياتك على الأرض، نقلتها إلى الصغار، تمعنت كلماتك ورحت أجوب معك من قرية إلى أخرى مشرعاً قلبي لفيض نعمتك. دخلت معك إلى الهيكل حين جادلت علماء اليهود ورؤسائهم، تعلمت منك أن الحوار بشارة وأنه عليّ أن أطلق العنان لمخيلتي كي تبدع أفكاراً ورؤى وتطلعات. كم كنت ظمآن يارب لآخر يبادلني التفكير، يختلف معي، يحاجج ضدّي وكم كان عسيراً أن أجده، فالمحيط تملأه أدمغة فارغة تتشابه فيها القناعات الجامدة لدرجة التطابق.
لم أترك يا يسوع العمل في مدارس الأحد الذي أغرمت به، لدرجة قضاء يوم العطلة بأكمله متنقلاً بين الأطفال والصبية والمراهقين محتملاً تعباً وإعياء كانت تخففه ابتسامة طفل تعلّم شيئاً عنك.
لم أترك هذا العمل طمعاً بالمناصب، فانا أعلم جيداً أنك اعتليت أعظم منصب في البشرية، أي الصليب لذلك فإني لا أنظر إلى الموقع أو المسؤولية كمرتبة، بل كجنب ينزف دماً، وهذا يتطلب سمواً في الرؤية قد يكون منعدماً.
ليست القضية بالنسبة لي (أني سأكون) بل (كيف سأكون)، أي ليس أي موقع أشغله بل كيف أوصل الكلمة من خلال هذا الموقع. تركت العمل رفضاً لآلية خاطئة تترك مجموعة قليلة من الأشخاص الفارغين يتخذون قرارات دون إشراك البقية وإنما فرضها عليهم. تركت بسبب أخطاء اسمعها وأعيشها، أخطاء تلو الأخطاء تراكمت فأخنقت الروح وتركت الذهنية المؤسساتية والرعية تتحكم بكل شيء. افتقدت الرؤية وصارت شديدة الضبابية وتحوّل العمل لأجل العمل وتسييره، لا لأجل الهدف في بناء الشخص، والشخص غير المناسب في مكان من المفترض أن يكون فعالاً فيه ولكن؟؟؟؟
الاجتماعات تعقد لمناقشة التفاصيل وبتواتر لا يوصف أما عن وضع الحلول لمشكلات أساسية تهمنا فلا مجال للطرح بل هو مؤجل إلى أبد الآبدين. دوماً المواضيع مقبولة من الكل فالأنشطة لا تحرض أو تنمّي عند الأولاد أي ملكة إبداعية، وهذا أيضاً لا يهم، المهم فقط إملاء الكراسي الفارغة …..
مناخ من انعدام الثقة يسري بين الجميع، ولا دراسات تجرى لفهم طبيعة ونفسية الأولاد والمراهقين أما منهج العمل والتعامل معهم فبقي وفق أساليب بدائية تفتقر إلى الحدّ الأدنى من العلمية. ونحن لا نقول أنه ليس عندنا أشخاص موهوبين متخصصين ويستطيعون إنقاذنا من هذه الورطة لكنّهم يختلفون عنّا ولا يتطابقون بفكرنا فنحن لا نريد مثل هؤلاء بل نريد الاستنساخ فقط ومثل هؤلاء الموهوبين لا يخدمون سلطنتنا.
هذا ليس نقداً وإنما تشريح للمرض وإطلاق الصرخة لاجتراح العلاج قبل أن نفقد أولادنا فيصيرون أعضاء في نوادي ترفيهية أو أماكن أخرى تتصيد الفرص لاقتناص أكبر عدد من شبابنا. كما أنه ليس هروب من المسؤولية أو خروج عن هوية حركية طالما كونتني وبنت شخصيتي وفكري. هذا بضع مساهمة لحلم جيل سيأتي بعدنا ينتظر مدارس أحد تعبّر عن تطلعاته وطموحاته.
لا بدّ أن نتواضع ونعترف بالأخطاء ونبحث عن الحلول. وفي كل ذلك وبعد ان فقدت الأمل إلا بالصلاة سأكون بعيداً بعيد. أقف أمام أيقونتي مصلياً لمدارس أحد أكثر رجاء، محبة، وتنوع، وسأبحث عن حلم آخر أعمل لتحقيقه بالمسيح. فلو نظرنا حولنا نجد عالم مليء بالقضايا التي تستحق من يتبناها ويسعى للنضال بالمسيح من أجلها.
سامحني يارب إذا كان قراري خاطئاً، وساعدني إن كان صائباً.
وأولادي أتركهم لسواي كي يرشدهم ولعله يكون أفضل مني، لكن اسمح لي أن احتفظ بأسمائهم ملصقة على الصفحة الأولى من كتاب السواعي ذاكراً إياهم في كل صلاة، داعياً ألاّ تدخلهم في تجربة بل نجّهم من الشرير. آمين

لمن تحيا حياتك؟

لمن تحيا حياتك؟

الشماس ثيوذوروس الغندور

لقد سألتُ هذا السؤال لنفسي أولاً فيما كنتُ أفكّر ليلاً قبل أن أغمض جفنيّ وأخلد للنوم بعد يوم طويل وشاق. وتأملت في هذه الفكرة وفي حياتنا نحن البشر ووجدت طرقًا مختلفة للعيش بحسب الشيء أو الشخص الذي نعيش من أجله.

فمن الناس مثلاً من يحيا لنفسه غير آبه بالآخرين، مصغيًا فقط لصوت رغباته وباحثًا عن راحته حتى ولو أتت على حساب راحة الآخرين. لا يهم هذا النوع من البشر ما يُقال عنه أو ما يُشاع حوله كونه مرتاحًا ويتبّع المثل الشعبي “أنا وبعدي الطوفان”. كما أنك تراه يحب من الناس من يخدمون مآربه، ومحبته لهم تكون على مقدار الغايات التي يحققونها له وتنتفي بانتفاء هذه الغايات والمآرب. وأمثال هؤلاء تجاهلوا قول الرب يسوع في انجيله :”إن أحببتم الذين يحبونكم فأي فضل لكم. فإن الخطأة أيضًا يحبون الذين يحبونهم” (لو32:6). كما أشار الى ما هو أهم من ذلك أن :”ليس لأحد حبّ أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه” (يو13:15). ولم يقل أن نجعل الناس يضعون أنفسهم في سبيلنا.
ومن الناس من يحيا للمال الذي جمعه سواء بطرق مشروعة أم غير مشروعة. ويبدأ هؤلاء بالتفكير ليلاً نهارًا بكيفية صرف المال والطرق الفضلى للتمتّع به. أو حتى منهم من يبحث عن كيفية تكديسه وتخزينه كما فعل الغني في القصة الإنجيلية الذي فكّر بتوسيع اهرائه وجمع كل ماله فيها ويبدأ بالتنعّم بهذه الأموال غير مهتم بالآخرين من حوله الذين لأجلهم أعطاه الله فائض المال، لينظر حاجاتهم ويلبيها. حتى أن الرب قال له بقسوة “يا غبي هذه الليلة تُطلب نفسك منك فهذه التي أعددتها لمَن تكون” (لو20:12). “لأنه ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه” (لو 25:9). هذا كله ليس لأن الرب يكره المال، بل لأن الله لا يريدنا أن نتمسّك بالمال وننسى الذي وهبنا إياه، فنتجاهل إخوتنا الذين هم في الشدائد والأمراض والضيقات، فيما نحن نتنعّم بفائض من الخيرات. كما أنه “لا يقدر خادم أن يخدم سيدين. لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر، أويلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أن تخدموا الله والمال”(لو13:16).
ومن الناس أيضًا مَن يحيون للسُلطة. فتراهم يزحفون خلفها رازحين تحت أقدامها ومتمسكين بذيلها، حتى ولو تمرمغوا بالطين وبزفت الطريق جراء زحفهم المتواصل والمضني في طلبها. فهم يعلمون أنه فور الوصول الى السُلطة سيجدون مَن يغسل لهم اتساخهم ومَن يغطي جراحهم بلباس مخملي ومَن يخدم التراب المتناثر من أكعاب أحذيتهم، ليس محبة بهم، بل لأنه هو أيضًا ينتظر فرصته ليصل الى السُلطة وبالطريقة نفسها التي اتبعها أولئك. لقد تجاهل هؤلاء أن مُعطي السلطان للبشر أتى ليَخدِم لا ليُخدَم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين (مر 45:10). وأنه لم يكن لهم سلطان على بشرٍ لو لم يُعطى لهم من فوق. ولكن للأسف بعض هؤلاء همهم الأول والأخير أن يدوسوا على من هم تحت فليس لديهم وقت للنظر الى فوق وتعاليم فوق. فالمشكلة إذاً ليست في السُلطة، إنما في كيفية إستخدامها.
ومن الناس أخيرًا من يحيون للمسيح وعبره يحيون مع الآخر دون النظر الى فوارق السن والمجتمع. هؤلاء يحيون بالإيمان “لأن البار بالإيمان يحيا” (عب 38:10). فهم صلبوا أجسادهم مع المسيح، كما قال الرسول بولس :”مع المسيح صُلبتُ فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ. فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه بالإيمان إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي” (غلا12:2). هذا النوع من الناس هم الذين يرون في كل شخص المسيح، فيساعدون الفقير، ويبلسمون أوجاع المريض، ويعزون الحزانى باستمرار دون كلل أو ملل، لأنهم لا يعطون من أنفسهم شيئًا، انما يعطون المسيح الذي يحيا فيهم ويحيون له وفيه.
فلنتساءل الآن عن الحياة التي نحياها ولمَن نحياها ولنختار النصيب الصالح والمثال الحي، ألا وهو أن نحيا للمسيح على مدى الدهور ولم يفت الأون لتغيير المسار وبالتالي لتغيير المصير أيضًا.