رسالة خاصّة حول المسكونية

رسالة خاصّة حول المسكونية

الشيخ باييسيوس الأثوسي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

الجبل المقدس، 23 كانون الثاني، 1969

الأب الموقّر خرالمبوس

بقدر ما أرى الاهتياج العظيم القائم في كنيستنا بسبب الحركات المتعددة من المجموعات التي تحبّذ الاتحاد [بين الكنائس]، كما التفاعل بين البطريرك المسكوني والبابا، على هذا القدر أتألّم كابن لهذه الكنيسة. وقد رأيت أنه من الحَسَن أن أرسل إليك بقطعة لتُستَعمَل كوسيلة لرثي ثوب أمنا، إلى جانب صلواتي. أعرف أنك سوف تظهِر محبتك وتشارك فيها أصدقاءك المتدينين فقط.

قبل كل شيء، أريد أن أطلب المغفرة من الجميع لكوني تجرأت على الكتابة فيما أنا لست قديساً ولا لاهوتياً. أنا واثق من أن الجميع سوف يفهمونني لكون ما أكتب ليس سوى تعبيراً عن ألمي العميق من الموقف التعيس لأبينا البطريرك أثيناغوراس ومحبته العالمية. يبدو أنه أحب امرأة عصرية – تُسمّى الكنيسة البابوية – لأن أمنا الأرثوذكسية لم تؤثّر به أبداً كونها متواضعة جداً. هذا الحب المسموع من القسطنطينية أثار انطباعاً حسياً فريداً من نوعه بين الكثيرين من الأرثوذكس الذين يعيشون اليوم في جو من هذه المحبة الفاقدة المعنى في مدن مختلفة حول العالم. إلى هذا، هذا الحب هو من روح هذا العصر: سوف تفقد العائلة معناها الإلهي بسبب هذه الأنواع من المحبة التي تصبو إلى التجزئة وليس إلى الوحدة.

بهذه المحبة الدنيوية يأخذنا البطريرك إلى روما. مؤسف أنه أرسل محبته إلى مكان بعيد في الوقت الذي كان ينبغي به أن يظهرها لنا نحن أبنائه ولأمنا الكنيسة. أبهجت النتيجة الأولاد الدهريين الذين يحبون هذا العالم، وعندهم هذه المحبة الدنيوية، لكنها صدمت بشكل مروّع أبناء الأرثوذكسية، من الشبان والعجزة الذين يخافون الله. بأسى علي أن أكتب أن بين “الوحدوين” الذين التقيتهم لم أرَ نقطة أو قطعة صغيرة من الروحانية. ومع هذا، فهم يعرفون كيف يتكلّمون عن المحبة والوحدة فيما هم أنفسهم غير متحدين بالله لكونهم لم يحبوه.

أتوسّل بلطف إلى كل الإخوة الوحدويين: إن وحدة الكنائس أمر روحي، ونحن بحاجة للمحبة الروحية، لذا فلنترك الأمر لأولئك الذين يحبون الله كثيراً وهم لاهوتيون أصيلون، كآباء الكنيسة – لا القانونيين – الذين قدّموا وما زالوا يقدّمون ذواتهم في خدمتها (بدل الاكتفاء بشراء الشموع) والذين ألهبتهم وما زالت تلهبهم بنار محبة الله بدل قداحة خدام الكنيسة. علينا أن نعترف بأن النواميس ليست كلها طبيعية بل هناك نواميس روحية أيضاً. لهذا، لا يمكن تفادي غضب الله الآتي بتجمع من الخطأة (إذ عندها نحصل على الغضب مضاعفاً) بل بالتوبة والالتزام بوصايا الرب.

أيضاً، ينبغي أن نعرف جيداً أن ليس في كنيستنا الأرثوذكسية أي عيب. عدم الكفاية الوحيد الظاهر هو قلّة عدد الرؤساء والرعاة الوقورين المؤسَّسين على الآباء. “المختارون قليلون”. ولكن لا ينبغي أن يكون هذا الأمر مثيراً للغضب. الكنيسة كنيسة المسيح وهو يسوسها. ليست الكنيسة معبداً بناه الأتقياء من الصخر والرمل والملاط، ومن ثم يمكن أن يدمره البرابرة. الكنيسة هي المسيح نفسه: “وَمَنْ سَقَطَ عَلَى هذَا الْحَجَرِ يَتَرَضَّضُ، وَمَنْ سَقَطَ هُوَ عَلَيْهِ يَسْحَقُهُ!” (متى 44:21).

إذا احتاج الرب، يعيد مرقس الأفسسي وغريغوريوس بالاماس لجمع كل إخوتنا المصدومين، للاعتراف بالإيمان الأرثوذكسي، ولتقوية التقليد ولحمل الفرح العظيم لأمنا الكنيسة. رأينا في الماضي الكثيرين من أبناء الكنيسة المخلصين، من الرهبان والعلمانيين، ينفصلون عنها بسبب الوحدويين. برأيي، الانفصال عن الكنيسة عند كل مرة يخطئ فيها البطريرك ليس حسناً بالكلية. من الداخل، بقرب الكنيسة الأم، هناك مهمةُ وواجبُ كل عضو أن يكافح بطريقته. الامتناع عن ذكر البطريرك، الانفصال وتأسيس كنيسة مستقلة، والاستمرار بالكلام شاتمين البطريرك: أرى أن هذا بلا معنى.

إذا فصلنا أنفسنا مؤسسين كنائس خاصة بنا بسبب هذا الخطأ العرضي أو ذاك مما يقوم به البطريرك، نكون قد تخطينا البروتستانت. من السهل الانفصال ولكن العودة صعبة. للأسف، عندنا اليوم كنائس كثيرة، أوجدها مجموعات كبيرة أو حتى أحياناً شخص واحد. بسبب أن في قلاليهم كنيسة (أتحدث هنا عن أمور تجري في الجبل المقدس) تصوروا أن بمقدورهم أن يوجدوا كنيستهم المستقلة. إذا كان الوحدويون سببوا للكنيسة جرحها الأول، فما أصفه يسبب جرحها الثاني.

فلنصلِّ لكي ينيرنا الله جميعاً، بمن فينا البطريرك أثيناغوراس، ولكي تأتي وحدة هذه “الكنائس” أولاً، ولكي يتحقق الهدوء بين الأرثوذكسيين المتصادمين، فيعم السلام والمحبة بين الكنائس الأرثوذكسية الشرقية. من ثمّ نفكّر بالوحدة مع “الطوائف” الأخرى، إذا اعتنقوا العقيدة الأرثوذكسية.

وأضيف أيضاً أن هناك فريق ثالث في كنيستنا، هو الإخوة المخلصين للكنيسة كأبناء لها، لكن من دون اتفاق روحي فيما بينهم. فهم يقضون وقتهم ينتقدون أحدهم الآخر، وليس للمصلحة العامة. يراقب واحدهم الآخر أكثر مما يراقب نفسه، ليرى ماذا يقول أو يكتب حتى يجرّحه بلا رحمة. ومع ذلك، لو أن هذا الشخص نفسه قال أو كتب نفس الشيء فهو يدعمه بمقاطع كثيرة من الكتاب والآباء. إن هذا يسبب أذى عظيماً؛ إذ فيما يجرح الواحد أخاه، يرد له الأخير الضربة أمام أعين المؤمنين. في أغلب الأوقات، هذا يزرع قلة الإيمان في قلوب الضعفاء، لأنهم يصدَمون بأولئك الأشخاص. للأسف، البعض من بيننا يدّعون بأمور لا معنى لها على الآخرين. نحن نريد أن يتطابق الآخرون مع شخصيتنا الروحية. بكلام آخر، عندما لا يتناغم الآخر مع شخصنا، أو إذا كان قليل التسامح معنا أو صارماً، نحن نقفز مباشرة إلى الاستنتاج بأنه شخص غير روحاني.

الكنيسة بحاجة لنا جميعاً. كل الآباء، المعتدلون والصارمون، قدّموا خدماتهم للكنيسة. تماماً كما أن الأعشاب الحلوة، الحامضة، المرّة، وحتى اللاذعة كلها ضرورية لجسم الإنسان (لكل منها خواصه وفيتامينه)، الأمر نفسه ينطبق على جسم الكنيسة. الأول يملأ الشخصية الروحية للآخر، وكلنا مرتبطون بواجب تحمّل ليس فقط خصوصيات الشخصية الروحية وحسب بل حتى الضعف البشري الذي في كل منا.

مرة أخرى أسأل الصفح من الجميع لكوني متجرئاً على الكتابة. أنا مجرّد راهب، وعملي هو الجهاد، قدر استطاعتي، لتجريد نفسي عن الإنسان القديم، ولمساعدة الآخرين والكنيسة بالصلاة من الله. لكن لأن الأخبار التي تحطم القلب قد وصلت حتى إلى منسكي، فقد تألمت كثيراً، وبالتالي رأيت أنه من الحسن أن أكتب ما أحسست. لنصلِّ جميعنا إلى الله ليمنح نعمته، وليساهم كل منا بطريقته لنجد كنيستنا.

مع احترامي للجميع

الراهب باييسيوس

مشاركة كنيسة اليونان في الحوار بين الكنيسة الأرثوذكسية والبابوية

مشاركة كنيسة اليونان في الحوار بين الكنيسة الأرثوذكسية والبابوية


الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية وقدّم لها الأب أنطوان ملكي

مقدّمة

هذا النص مأخوذ مما نُشِر في جريدة ” ORTHODOX PRESS” في 27-11-2009، الصادرة في أثينا، وهو مداخلة الميتروبوليت في مجمع كنيسة اليونان كما تمّ تسجيلها في المَحاضر.

اجتمعت لجنة الحوار الأرثوذكسي الكاثوليكي في قبرص في بداية تشرين الثاني الماضي حول موضوع “أوليّة البابا في الألفية الأولى”. هذا الاجتماع أثار جدلاً في عدد من الدول الأرثوذكسية سببه بعض التسريبات بأن في هذا الاجتماع سوف يتمّ توقيع وثيقة تعطي البابوية حقوقًا ما، بحجة أن هذه الحقوق كانت موجودة في الألف الأول فيما لا يرى كثيرون من الأرثوذكس أنّها وجِدت فعلاً، وفي حين أن البابوبة لم تقدّم شيئاً للأرثوذكس، فلا هي تراجعت عن الاقتناص ولا حلّت مشكلة الاتّحاديّة إلى غيرها من الأمور التي طالما طالب بها الأرثوذكس من دون نتيجة.

بعد هذه التسريبات قام عدد من كهنة اليونان بإطلاق عريضة إلكترونية عنوانها “إعلان إيمان” من تسعة بنود شدّدت على أن البابوية مشكلة في المسيحية خاصة بأطماعها المستمرّة. وقد وقّعها 9 من أعضاء المجمع اليوناني إضافة إلى عشرات من رؤساء الكهنة في اليونان وقبرص ورؤساء الأديار وكل رؤساء أديار الجبل المقدّس أثوس وما يزيد عن المائة والخمسين كاهناً من اليونان وقبرص وصربيا وبلغاريا ورومانيا وروسيا ولبنان وعدد كبير من اللاهوتيين العلمانيين. ردّة فعل القسطنطينية كانت أن أرسل ميتروبوليت برغامون يوحنا زيزيولاس، الذي يرأس الوفد الأرثوذكسي في الحوار الأرثوذكسي-الكاثوليكي، رسالةً إلى رؤساء الكهنة اليونان والقبارصة مدافعًا عن الحوار وداعيًا إلى معاقبة الموقّعين على العريضة. تبعت هذه الرسالة رسالة أخرى من البطريرك المسكوني نفسه، ما أثار حفيظة عدد من رؤساء الكهنة اليونان واستدعى انعقاد جلسة طارئة للمجمع كانت هذه المداخلة فيها.

في هذه الجلسة الطارئة قبل انعقاد هذا الحوار، غيّر مجمع الكنيسة اليونانية تركيبة الوفد اليوناني. رافق هذه الفترة كتابات كثيرة من رؤساء كهنة وكهنة ولاهوتيين. أوّل مَن كتب معترضًا هو الميتروبوليت أندراوس أسقف كونيتسا، اليونان، في 25 من أيلول الفائت 2009، إذ وجّه رسالة إلى ييرونيموس رئيس أساقفة اليونان أشار فيها إلى الإشاعات التي تقول بأنّ الأرثوذكس سوف يعلنون في قبرص قبولهم الاعتراف بأوليّة الشرف للبابا كالتي كانت له قبل انفصال الكاثوليك عن الكنيسة، فيما البابا سوف لن يرى فيها إلا أوليّة سلطة. وأعلن أندراوس رفضه لأي شيء من هذا القبيل. وتطرّق إلى السؤال عن العصمة. وختم طالباً إعلام الأساقفة بأسماء الذين سوف يمثّلون الكنيسة في اللجنة، منعاً لتكرار التعرّض للإذلال مرة أخرى “على غرار ما جرى في البلمند قبل عدة سنوات”. كما شدد على ضرورة التزام الوفد بما يقرره المجمع. بعد اندراوس، كتب سارافيم ميتروبوليت بيريا إلى رئيس الأساقفة في الموضوع نفسه في الأول من تشرين الأول 2009، وذكّر بأنّه من الحقائق التاريخية التي لا تقبل الجدل أنّ أوليّة السلطة في الكنيسة في الألف الأول كانت للمجامع المسكونية ولم تكن أبداً في يد البابا. وعليه ترفض الكنيسة الأرثوذكسية أوليّة البابا بالشكل الذي يعبّر عنه الفاتيكان الأول حيث يذكر أن البابا هو المعبِّر المعصوم عن ضمير الكنيسة. من بعدهما كرّت السُبحة حيث أن بعض ما كُتِب لم يكن إلا تكرارًا لأفكار سبق وتكررت في الألف سنة الماضية، فيما غيرها أورد فهمًا أكثر عمقًا ومعرفة بالأمور.

جدير بالذكر أنّ أثناء انعقاد الحوار في قبرص، قام رهبان دير ستافروفونو ومعهم كهنة وعلمانيون بمظاهرة احتجاجًا وطَلَبًا لإيقاف هذه الجلسات، ما استَدعى تدخّل رئيس أساقفة قبرص والشرطة القبرصية.

وقد اخترنا ترجمة هذه المداخلة لكون ميتروبوليت نافباكتوس من المعروفين بعمق آرائه اللاهوتية واعتداله وعدم تطرفه. والأهم أن في هذه المداخلة من الصراحة ما ينطبق في كل مجامع الكنائس الأرثوذكسية المحليّة، إن لجهة سريّة الحوار وعدم إشراك الشعب والإكليروس فيه إعلاميًا، أو لجهة حصر اختيار المندوبين ببعض المراجع.

نص المداخلة

إنّ مسألة مشاركة كنيستنا في الحوار بين الكنيسة الأرثوذكسية والكثلكة موضوع ضخم، وبالأغلب نمط مشاركة الكثلكة، لذا سوف أحدّ مساهمتي فقط بعَرض بعض الأفكار المتعلّقة:

1. ضروري أن يجري الحوار، لكن ينبغي أن يستوفي الشروط المسبَقة الضرورية اللاهوتية والإكليسيولوجية والقانونية. بتعبير آخر، لا ينبغي بالكنيسة، بحجّة الحوار، أن تنكر لاهوتها أو إكليسيوليجيتها أو حقّها الكنسي.

2. بالرغم من أن هناك أموراً ما تزال عالقة (كمسألة الإتّحادية)، كما غيرها من الأمور اللاهوتية الأساسية (مثلاً التعليم حول ” actus purus التطوّر في البر” الذي يؤثّر في مجمل اللاهوت والإكليسيولوجيا البابويين، كانبثاق الروح القدس)، إلا إنه ممكن مناقشة ربط الأوليّة بالمجمعيّة، على أساس أن هذا كان أمراً أساسيًا شغل الألفيّة الأولى.

أرى أن الابتعاد التدريجي لبطريركيات الشرق عن روما القديمة بدأ مع قضية أوليّة البابا في الكنيسة، وفي مرحلة لاحقة مع فرض الإفرنج لعقيدة انبثاق الروح القدس في لاهوت روما القديمة. بتعبير آخر، لم يستطع البابا أبداً أن يقبل في نفسه بامتياز المساواة بالشرف الذي منحه المجمع المسكوني الرابع لأسقف روما الجديدة.

3. بالرغم من أن الحوار حول ترافق المجمعية والأوّليّة مهمّ مع التطلّع إلى الانتقال إلى أمور أخرى من المنظار عينه، إلا أن هناك مسائل أخرى تنبغي الإشارة إليها:

أولاً: إن طريقة مشاركة كنيستنا في الحوار غير ملائمة. إنّها تتمّ بسريّة قصوى. النصوص التي تمّ إقرارها في الاجتماعات التي جَرَت حتى الآن (ميونيخ، باري، بالامون الجديدة، رافينا) بمصادقة ممثلي كنيستنا هي نصوص فيها نظر. لم يُناقِش الأساقفة أبداً الموقف الذي ينبغي بممثلينا اتّخاذه في هذه الاجتماعات، وفوق هذا، لم تناقش الأساقفة هذه النصوص أبداً، حتّى بعد أن تمّت المصادقة عليها. لهذا، الترتيب المجمعي غير محتَرَم في هذه الحالة. لقد تمّ تهميشنا نحن الأساقفة المعبِّرين عن الإيمان وحرّاسه، وقد رُمينا في العتمة.

ثانيًا: تصاريح الممثلين الأرثوذكس والكاثوليك هي إثبات على هذه الحالة التي تحتمل الجدل، لأنّها، ببساطة، تثبِت وجود مسعى للوصول إلى “وحدة الكنائس” بطريقة غير واضحة جدًا. هذه التصاريح موجودة، ويمكن الاقتباس منها عند الضرورة.

ثالثًا: واجهت الكنيسة الأرثوذكسية في الألف الأول مسألة الاعتراف بأوّلية الشرف لبابا روما. هذا جرى في المجمع أيام فوتيوس الكبير (879-880 م.)، وهو ما يراه أغلب الأرثوذكس على أنّه المجمع المسكوني الثامن. هذان النوعان من الإكليسيولوجيا، أي البابوية والأرثوذكسية، تمّت مناقشتهما. البطريرك فوتيوس اعترف بأوّليّة الشرف للبابا لكن فقط في إطار الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية: أي أن للبابا أوّليّة الشرف ضمن الكنيسة، وليس فوق الكنيسة. وعليه، في مناقشة أوّليّة البابا، يجب أخذ قرار هذا المجمع بعين الاعتبار بشكل جدّي.

في هذا المجمع نوقِشَت مسألة انبثاق الروح القدس إلى جانب الأوّليّة، لذلك، عند مناقشتنا اليوم للأوّليّة، علينا أن ننظر إليها من منظور أوّليّة الشرف، كما في حالة انبثاق الروح القدس.

رابعًا: حيث أنّ نظام إدارة الكنيسة الأرثوذكسية مجمعي، في الكثلكة البابا مركز النظام الإداري. هذا واضح بجلاء في قرارات الفاتيكان الثاني وغيره من النصوص المجمعية، التي تؤكّد أن البابا هو “رئيس مجمع الأساقفة”، و”صخرة الكنيسة”، و”المبدأ المنظور والأبدي وأساس الوحدة، الذي يوحّد الأساقفة فيما بينهم، ومعهم جمهرة المؤمنين”، “ممثّل المسيح وراعي كل الكنيسة، الذي بيده السلطة الكاملة السامية والكونية في الكنيسة، وهو حرّ دائمًا في ممارستها”. ينبغي الإشارة إلى ادّعاء آخر في إكليسيولوجيا البابوية مفاده “أنه لا يمكن أن يوجد مجمع مسكوني لا يصادِق عليه أو أقلّه يقبله خليفة بطرس”.

لهذا، هذا المفهوم المتمحور حول البابا وهذه الهيمنة البابوية، حتّى فوق المجامع المسكونية نفسها، تلغي المجمعية، وهكذا تشكّل إكليسيولوجيا مختلفة كليًّا. من هنا أن ادّعاء البابويين بأن الكنائس (أي الأرثوذكسية) التي لا تعترف بالبابا كرأس لها هي “ناقصة” هو ادّعاء مرفوض.

خامسًا: بالرغم من النقاط المهمة حول كيفية عمل أوليّة البابا في الألفية الأولى، إلا أنّ في مسودّة النص الذي سوف تتمّ مناقشته في قبرص في تشرين الأول، لا يوجد أي إشارة إلى الربط بين أوليّة البابا والمجامع المسكونية. إن نصاً ليس فيه وضوح فكر لا يمكن أن يسود ولا أن يساعد الذين انفصلوا وأُدمِجوا في الكنيسة الكاثوليكية.

سادسًا: حقيقة ثابتة هي أن مشكلة البابا الرئيسية هي أنّه لم يقبل جوهرياً القانون الثامن والعشرين من المجمع المسكوني الرابع الذي ساواه بالكرامة مع كنيسة روما الجديدة وأعطاها الحق بسيامة أساقفة في الأراضي البربرية. هذا الازدراء يثبته غياب البابا شخصيًا عن كل المجامع المسكونية، وحضوره بممثلين.

سابعًا: عندما يدرس المرء وثائق رؤساء الكنائس الأرثوذكسية، سوف يلاحظ أنّهم قد يوافقون على استمرار الحوار، ولكن من ناحية ثانية يضعون مستلزمات واضحة جداً كمثل الإدانة الصريحة لموضوع الاتّحادية (Unia) ومن خلال موضوع الأوّليّة يتابعون الحوار حول أمور لاهوتية أساسية أخرى.

ثامنًا: انسحبت بطريركة موسكو من اجتماع رافينا، بسبب وجود رئيس أساقفة آستونيا، وبالتالي لم تصادق على وثيقة الاجتماع، تمامًا كما أن بطريركية جورجيا لم تصادق عليه. من الضروري السعي للحصول على قرارات الكنائس الأرثوذكسية الأخرى حول هذه الوثيقة.

وعليه استنادًا إلى ما سبق، اقترح أن تُعطى التوجيهات إلى ممثلينا، طبقًا للمناقشة والقرار الذي يتّخذه الرؤساء، لتحديد ما يؤيدون في الحوار، ولمناقشة الموضوع مع المجمع بعد الموافقة على الوثائق. في الوقت نفسه، يجب أن يُعلَن بصراحة أنّه إذا وافق ممثلونا على نصّ خارج التوجيهات التي سوف تُعطى لهم من الكنيسة، لن يكون النص ملزمًا لكنيستنا.

اللاهوت التعميدي

اللاهوت التعميدي[*]

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

لقد كان في الماضي، ولم يزل في أيامنا هذه، مناقشات كثيرة حول معمودية غير الأرثوذكس، أي ما إذا كان ينبغي تعميد الذين انحرفوا عن الإيمان الأرثوذكسي ويطلبون العودة إليه أم يُكتفى بمسحهم بالميرون المقدس بعد أن يعلنوا اعتراف الإيمان. وقد صدرت قرارات بهذا الشأن عن مجامع محلية ومسكونية.

في ما يلي سوف أناقش على سبيل المثال، الاتفاق الذي تمّ بين مجلس المطارنة الأرثوذكس القانونيين  في أميركا (SCOBA) والمجلس الوطني للأساقفة الكاثوليك في أميركا في الثالث من حزيران 1999.

أساس هذه الوثيقة هو اتفاق البلمند في 1993 “الإتحادية، طريقة اتحاد من الماضي، والبحث الحالي عن الشركة الكاملة”. عنوان النص الذي يتناوله هذا التعليق هو “المعمودية والتدبير الأسراري” وهو اتفاق وقّعه الأرثوذكس والكاثوليك في أميركا. بحسب ملاحظتي، يستند هذا النص إلى عدد من النقاط النموذجية للحركة المسكونية المعاصرة، وهي ذات دلالة بالنسبة لجوهرها الحقيقي[†].

النقطة الأولى هي أن “المعمودية تستند إلى الإيمان بالمسيح نفسه وتستمد حقيقتها من هذا الإيمان الذي هو إيمان الكنيسة وإيمان المؤمنين”. عند النظرة الأولى، يُصدَم المرء لغياب أي إشارة إلى الإله الثالوثي، وقد يكون هذا لتبرير هذا التفسير المرِن للمعمودية كي يصبح الإيمان علامة المعمودية الرئيسية وعنصرها الأساسي.

النقطة الثانية هي أن المعمودية ليست ممارسة تفرضها الكنيسة بل هي “بالأحرى أساس الكنيسة. إنها تؤسس الكنيسة”. هنا،  مفهوم المعمودية ليس السر “الأوّلي” الذي به ندخل الكنيسة، بل أساس الكنيسة والذي يقَدَم على أنه الحقيقة.

النقطة الثالثة هي أن المعمودية “لم تُفهَم يوماً على أنها احتفال خاص، بل بالأحرى كحدث مشترك”. هذا يعني أن معمودية الموعوظين كانت “فرصة لتوبة كل الجماعة وتجدّدها”. فالمعتمد ملزَم بأن “يؤمن بإيمان الجماعة المشترك بشخص المخلّص ومواعيده”.

النقطة الرابعة هي تكملة لسابقاتها. بما أن المعمودية تستند إلى الإيمان بالمسيح، وبما أنها أساس الكنيسة، وبما أنها فوق كل هذا عمل الجماعة، هذا يعني أن الاعتراف بالمعمودية يستلزم الاعتراف بالكنيسة التي تمت فيها المعمودية. فيرد في البيان المشترك “إن أعضاء مؤتمرنا، الأرثوذكس والكاثوليك، يعترفون بأن في تقليدينا تعليم مشترك وإيمان مشترك بمعمودية واحدة، بالرغم من التنوّعات بالممارسة التي نؤمن بأنّها لا تؤثّر على جوهر السر”.

بحسب هذا النص، هناك تعليم مشترك وإيمان مشترك مختص بالمعمودية في “كنيستين” والاختلافات الموجودة لا تؤثّر على جوهر السر. يعترف الطرفان بحقيقة كنسية “في الآخرين، مهما كانت نظرتهم إلى طريقة عيشهم لحقيقة الكنيسة كمتصدعة وغير كاملة”. الأساس اليقيني للاستعمال الحديث لعبارة “الكنائس الشقيقة” موجود في هذه النقطة[‡]. فالكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة اللاتينية هما “الكنيستان الشقيقتان” لأن لهما التقليد نفسه، الإيمان نفسه، والمعمودية نفسها، مع أن هناك بعض الفروقات فيما بينهما. ومن ثم يؤكَد الرأي التالي عدة مرات في النص: “نحن نرى أن هذا الاعتراف المتبادَل لحقيقة المعمودية الكنسية، بالرغم من انقساماتنا، متناغم كلياً مع التعليم الخالد للكنيستين”. يؤكد موقّعو الوثيقة، مسيئين تفسير القديس باسيليوس الكبير، على أن الكنيستين، بالرغم من الشوائب الموجودة، تشكّلان الحقيقة الكنسيّة نفسها “بعطية الله، نحن، كلٌّ منا، من الكنيسة بحسب كلمات القديس باسيليوس”.

النقطة الخامسة هي أن موقّعي الوثيقة يجدون عيباً عند القديس نيقوديموس الأثوسي الذي، في تفسيره لآراء القديسين كبريانوس القرطاجي وباسيليوس الكبير ولقرارات المجمع المسكوني الثاني، يتكلّم كغيره من هدوئيي القرن الثامن عشر عن الدقّة (akribia) والتدبير (oikonomia) في ما يتعلّق بطريقة تقبّل الهراطقة في الكنيسة الأرثوذكسية. هذا يعني أن الآباء تقبّلوا الهراطقة أحياناً بالدقة، أي بالمعمودية، وأحياناً بالتدبير، أي بالمسح بالميرون. في أيّ حال، حتى عندما تتقبّل الكنيسة أحداً ما بالتدبير، هذا يعني أنها تنجز سر الخلاص في ذلك الوقت بالتحديد، وذلك بالضبط لأنّها فوق القوانين وليس العكس، ولأنّها، أي الكنيسة، هي مصدر الأسرار، وبالتالي مصدر المعمودية، وليست المعمودية أساس الكنيسة. يمكن للكنيسة أن تستقبل هذا الهرطوقي أو ذاك على أساس التدبير، بدون أن يتضمّن هذا اعتراقاً بأن الجماعة التي سبق لها تعميده هي كنيسة. هذا هو الإطار الذي فسّر ضمنه القديس نيقوديموس قرارات المجمع المسكوني الثاني المتعلّقة بهذا الموضوع.

إحدى توصيات البيان المشترك تورِد أنّ على الكنيستين أن تعلنا بوضوح بأن “الاعتراف المتبادل بالمعمودية لا يبدد القضايا التي تقسمهما، ولا تعيد تأسيس شركة كنسية كاملة بين الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية، لكنها ترفع حاجزاً رئيسياً على طريق التقدم نحو الشركة الكاملة”. طبعاً يتضاعف التشويش لأن هذه التوصية قابلة لعدد من التفسيرات المختلفة.

يتّضح من هذا التحليل المقتَضَب مدى سيطرة الارتباك على الدوائر المسكونية في ما يتعلّق بهذه الأمور. كما يتّضح أن دعاة المسكونية الأرثوذكس يفهمون أن معمودية غير الأرثوذكس (كاثوليك أو بروتستانت أو غيرهم ممّن غيّروا عقيدة الثالوث وغيرها) تعني قبول الوضع الشرعي للكتل غير الأرثوذكسية، وما هو أسوأ، أن “الكنيستين” الأرثوذكسية واللاتينية، متّحدتان بالرغم من الفروقات “الصغيرة”، وبأننا نشتّق من الكنيسة نفسها وعلينا أن نسعى للعودة إليها، وبذلك نكوّن الكنيسة الوحيدة الواحدة. إن هذا الكلام هو تعبير صارخ عن نظرية الفروع (branch theory)[§].

عندما يوجد هذا القدر من التشوش، من الضروري اعتماد موقف الصرامة الذي يحفظ الحقيقة: أنّ كل الذين سقطوا في الهرطقة هم خارج الكنيسة وأنّ الروح القدس لا يعمل على تأليههم.

في أي حال، يخلق اللاهوت التعميدي مشاكل هائلة للأرثوذكس. من وجهة النظر الكنائسانية، النصّ المتداوَل مثقَل بالأخطاء. التعليم الأرثوذكسي الآبائي حول هذا الموضوع هو أن الكنيسة هي جسد المسيح الإلهي البشري، الذي فيه تُحفَظ الحقيقة الملهَمة، أي الإيمان الأرثوذكسي، ويتم سرّ التأله عبر أسرار الكنيسة (المعمودية، الميرون، والأفخارستيا الإلهية). الشرط المسبق الأساسي لهذا هو أننا نشارك في قوّة الله المطهِّرة والمنيرة والمؤلِّهة. المعمودية هي السر المدخل إلى الكنيسة. لا تستند الكنيسة إلى سر المعمودية بل بالأحرى، معمودية الماء بالتزامن مع معمودية الروح، تعمل في الكنيسة وتجعل المعتمد عضواً في جسد المسيح. لا يوجد أسرار خارج الكنيسة، أي خارج جسد المسيح الحيّ، كما أنه لا يوجد حواس خارج الجسم البشري.

في الختام، أرغب في ذكر استنتاج الأب جورج دراغاس الذي ترجم الوثيقة من الإنكليزية إلى اليونانية:

لن تكسب هذه التوصيات موافقة كل الأرثوذكس وبالتالي هذه التوصيات هي بطبيعتها الخاصّة مسبّبة للشقاق[**]. السبب الرئيسي الذي دفعني إلى هذه الخلاصة السلبيّة هو أنّ هذا التحقيق حول اللاهوت الأسراري خالٍ من أيّ أساس كنائساني وبأنه يفسّر من جهة واحدة، أو بالأحرى يسيء تفسير، حقائق الممارسة الأسرارية الأرثوذكسية وخاصةً ما يتعلّق بغير الأرثوذكس في حقبات مختلفة من تاريخ الكنيسة. إنّ هذه التوصيات والاستنتاجات، وبالحقيقة، كل البيان المشترك هي خلاصة نزوع الغرب إلى الشكّ. إن قبول اللاهوتيين الأرثوذكس لها يشير إلى خيانة متعمّدة للأفكار الأرثوذكسية واتفاقيّة استسلام  للمسكونية الغربية وهو ما ينبغي رفضه.

[*]    Baptismal Theology وهي نظرية تقوم على أن المعمودية مشتركة بين المسيحيين. ولهذه النظرية دعاتها بين الأرثوذكس ومن أهمهم يوحنا زيزيولاس. (المترجم)

[†]  في ما يلي ترِد الاقتباسات من نص الاتفاقية بين مزدوجين.

[‡] يجدر هنا أن نذكر أن هذا الاتفاق تمّ التوصّل إليه بعد رسالة الكاردينال راتزينغر التي يرفض فيها اعتبار الكنائس غير الكاثوليكية كنائس شقيقة بل يشدد على أن الكثلكة هي الكنيسة الأم. الواقع أن دارس هذه الأمور يرى وجود فوضى تربك محاور الكثلكة إذ يجد تشدداً على مستوى فيما يلاقي الانفتاح (؟) على مستوى آخر. (المترجم)

[§]  Branch Theory أو نظرية الفروع أنكليكانية المنشأ ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر ومفادها أن كل “الكنائس” المسيحية هي فروع لكنيسة المسيح وتكمّل بعضها البعض. في البداية رفض الكاثوليك هذه النظرية بينما تبنّاها مجلس الكنائس العالمي. الظاهر اليوم أنّها صارت مقبولة عند أغلب المسيحيين بتأثير الحركة المسكونية وتهافت المجموعات المسيحية على التوافق الذي لا يحمل دوماً محتوى لاهوتياً (المترجم).

[**]  الشقاق ممكن حيث يكون هناك اهتمام. لكن البرودة تحكم الواقع الأرثوذكسي. فعلى سبيل المثال، لم يرد أي رد فعل رسمي من أي مجمع، رفضاً أو تأييداً، على الوثيقة التي تعالجها هذه الورقة، ما لا يعكس بالضرورة قبولاً بقدر ما يعكس قلة اهتمام (المترجم)

مختصر نقاط الفرق الأساسية بين الكنيسة الأرثوذكسية والبابوية

مختصر نقاط الفرق الأساسية بين الكنيسة الأرثوذكسية والبابوية

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

بالرغم من بعض الفروقات غير الأساسية، لقد حفظ دائماً أساقفة روما القديمة الشركة مع أساقفة روما الجديدة والشرق لغاية 1009 – 1014، حين للمرة الأولى استولى الأساقفة الإفرنج على كرسي روما القديمة. لغاية العام 1009، كان بابوات روما وبطاركة القسطنطينية متحدين بصراع مشترك ضد الأمراء الإفرنج وأساقفتهم الذين كانوا في ذلك الوقت هرطوقيين.

لقد أدان الإفرنج في مجمع فرانكفورت عام 794 قرارات المجمع المسكوني السابع والإكرام التبجيلي للأيقونات المقدسة. وعلى المنوال نفسه، أدخل الإفرنج في العام 809 الفيليوكفيه (لاتينية معناها “والابن”) إلى دستور الإيمان، أي عقيدة انبثاق الروح القدس من الآب ومن الابن. في ذلك الحين أدان البابا الأرثوذكسي هذه الإضافة. في مجمع القسطنطينية الذي ترأسّه فوتيوس الكبير وشارك فيه ممثلون للبابا الأرثوذكسي، أُدين كل مَن أدان مقررات المجمع المسكوني السابع مع كل مَن أضاف الفيليوكفيه إلى دستور الإيمان. مع ذلك، أضاف البابا الفرنجي سرجيوس الرابع عبارة “والابن” إلى دستور الإيمان في رسالة تنصيبه عام 1009. من بعده أدخل البابا بنديكتوس الثامن دستور الإيمان مع عبارة “والابن” إلى خِدَم العبادة الكنسية وعندها حُذِف البابا من ذبتيخا الكنيسة الأرثوذكسية.

الفرق الأساسي بين الكنيسة الأرثوذكسية والبابوية موجود في العقيدة المتعلّقة بطبيعة الله غير المخلوقة وقوته غير المخلوقة. ففيما يؤمن الأرثوذكس أن لله طبيعة غير مخلوقة وقوة غير مخلوقة وبأن الشركة بين الله والخليقة والناس هي من خلال قوته غير المخلوقة، يؤمن البابويون أن لله طبيعة غير مخلوقة تتماهى مع قوته غير المخلوقة (acrus purus) وبأن شركة الله مع الخليقة ومع الناس هي من خلال قواه المخلوقة، وحتى أنّهم يؤكّدون أن في الله قوى مخلوقة. وعليه فإن نعمة الله التي يتقدّس بها الإنسان هي نعمة مخلوقة. لكن على هذا الأساس، لا يمكن أن يتقدّس الإنسان.

ينشأ من هذه العقيدة الأساسية التعليم حول انبثاق الروح القدس من الآب ومن الابن، المطهر وأولية البابا وغيرها. وإلى جانب هذا الفرق الرئيسي بين الكنيسة الأرثوذكسية والبابوية، في موضوع طبيعة الله وقوته، هناك فروقات كبيرة أدّت إلى نشوء مواضيع الخلاف اللاهوتي، ومنها:

·        الفيليوكفيه، أي أن الروح القدس ينبثق من الآب ومن الابن ما ينتج عنه الحط من رئاسة الآب، وتعريض المساواة بين أقانيم الثالوث للشبهة، فالابن ينقص في شخصه كونه مولوداً، إذ في حال كان هناك وحدة بين الآب والابن يكون الروح القدس خاضعاً وليس مساوياً في القوة والمجد للأقنومين الآخرين، ما ينتج عنه أن يكون “الأقنوم غير المسبِّب (steiro)”.

·        استعمال الخبز الفطير في القداس الإلهي ما يخالف الطريقة التي أتمّ بها السيد المسيح العشاء السري

·        تقديس التقدمة التي لا تتمّ باستدعاء الروح القدس، بل بإعلان كلمات المسيح التأسيسية “خذوا كلوا… اشربوا منها كلكم…”

·        النظرة إلى تقدمة المسيح على الصليب على أنها إرضاء للعدالة الإلهية، والتي تصوّر الله الآب كسيّد إقطاعي متغاضية عن القيامة

·        النظرة إلى استحقاقات المسيح التي يوزعها البابا، إلى جانب النعمة الغزيرة التي للقديسين

·        فصل أسرار المعمودية والميرون والمناولة الإلهية وعزلها عن بعضها البعض

·        عقيدة وراثة المعصية من الخطيئة الجدية

·        الابتداعات الليتورجية في كل الأسرار (المعمودية، الميرون، الكهنوت، الاعتراف، الزواج، ومسحة المرضى)

·        ممارسة عدم مناولة الشعب من “دم” المسيح

·        أولية البابا، التي بحسبها يكون البابا “أسقف الأساقفة” (episcopus episcoporum) ومصدر الكهنوت والسلطة الكنسية، وهو الرأس المعصوم والقائد الأوّل للكنيسة التي يحكمها بطريقة ملكية كممثل للمسيح على الأرض. بهذا المفهوم يرى البابا نفسه خليفة للرسول بطرس الذي أخضع له الرسل الباقون أنفسهم، بمن فيهم بولس

·        غياب التكافل في ممارسة الخدَم

·        عصمة البابا

·        عقيدة الحبل بالعذراء بلا دنس وتطوّر العبادة المريمية (mariolatria) التي بحسبها تُرفَع العذراء الفائقة القداسة إلى إلهة ما يتحوّل إلى مفهوم يقود إلى رباعية مقدسة (بدل الثالوث)

·        نظرة تشابه الأشياء (analogia entis) وتشابه الإيمان (analogia fidei) المتحكّمة بالغرب

·        تقدُّم الكنيسة المستمر في اكتشاف الفجوات في الحقيقة المعلَنة

·        عقيدة القدر المطلَق

·        المفهوم المتعلّق بالمنهجية الواحدة لمعرفة الله والمخلوقات، وهي تقود إلى دمج اللاهوت بعلم المعرفة.

إلى هذا، يكمن الفرق العظيم بالممارسة، والذي يشير إلى نمط اللاهوت، في الفرق بين السكولاستيكية واللاهوت الهدوئي. في الغرب، تقدّمت السكولاستيكية كمسعى لإيجاد معنى كل أسرار الإيمان عن طريق المنطق (أنسلم كانتربري وتوما الأكويني). بالمقابل، سيطرت الهدوئية في الكنيسة الأرثوذكسية وهي تطهير القلب وإنارة الفكر (النوس) بهدف اكتساب معرفة الله. الحوار بين القديس غريغوريوس بالاماس وبرلعام السكولاستيكي والاتحاديين مميز في إظهار الفرق.

من نتائج كل ما سبق هو أن في البابوية انحدار من الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية. في الكنيسة الأرثوذكسية يُعطى التألّه قيمة عظيمة.  فالتألّه هو الشركة مع الله من خلال معاينة النور غير المخلوق، من ثمّ يجتمع معاينو النور الإلهي في مجمع مسكوني ويحددون بدقة الحقيقة الموحى بها بشروط مشوشة. بينما في البابوية تُعطى القيمة العظمى للمراسيم البابوية، فبالواقع، تقوم المجامع المسكونية على البابا بما يتناغم مع اللاهوت اللاتيني: “إن سلطة الكنيسة موجودة فقط عندما تؤسّس وتتناغم مع إرادة البابا. بينما تبطل في ظرف معاكس”. فهكذا تكون المجامع المسكونية “مجامع مسيحية تُعقَد بموثوقية البابا وتحت سلطته وبرئاسته”. فإذا ترك البابا قاعة الاجتماع يصبح المجمع المسكوني بلا قوة. كتب الأسقف ماير “لا يوجد كاثوليكي أكثر دقة من ذاك الذي يعلن ‘أؤمن ببابا واحد‘ إلاّ ذاك الذي يقول ‘أؤمن أيضاً بكنيسة واحدة‘”.

إلى هذا، “إن قيمة الأساقفة ودورهم في الكنيسة الرومانية ليس أكثر من مجرد تشخيص للسلطة البابوية “التي يخضع لها الأساقفة أنفسهم كمثل أي مؤمن بسيط”. باتجاه هذه الإكليسيولوجية البابوية يُشدَّد بشكل جوهري على أن “السلطة الرسولية بقيت عند الرسل ولم تمرّر إلى خلفائهم الأساقفة. وحدها سلطة بطرس البابوية التي يقع الجميع تحتها مرّت إلى خلفاء بطرس أي البابوات”. في موازاة ما سبق، تتمسّك “الكنيسة” البابوية بأن كل كنائس الشرق انفصالية ومعطوبة. إنّها تتقبلنا ككنائس شقيقة فقط بالتدبير لأنها ترى نفسها الكنيسة الأم بينما ترانا بناتها.

الفاتيكان هو سلطة أرضية وكل بابا هو مدبر لقوة الفاتيكان. إنها مسألة تنظيم بشري المركز، عالمي لا بل بالواقع تنظيم قانوني دنيوي. إن قوة الفاتيكان الأرضية تأسست في العام 775 علي يد بابين القصير (Pepin) والد شارلمان، وحتى في زمننا اعترف بها موسوليني في العام 1929. إن مصدر إعلان السلطة الأرضية للبابوية مهم كما أعلن البابا بيوس السادس “إن مَن يتجنّد للفائدة الإلهية على الأرض لا يستطيع أن يخضع لسلطة أرضية”. المسيح كان مطيعاً للسلطة الأرضية، أمّا البابا فلا يمكنه ذلك! تؤسّس السلطة البابوية لثيوقراطية لأن الثيوقراطية محددة بأنها تصنّف كلا السلطتين الأرضية والكنسية في مبدأ واحد. اليوم يمكننا أن نجد سطات ثيوقراطية في الفاتيكان وفي إيران.

البابا إينوسنت الرابع (1198-1216) ثبّت الطبيعة المميّزة لهذه الأمور في خطاب تتويجه “مَن عنده العروس هو العريس. ولكن العروس (الكنيسة) لم تقترن بيدين فارغتين، بل هي تجلب معها مهراً غالياً بشكل لا يقارَن، كامل الأمور الروحية وامتدادات الأشياء الأرضية، فيض وسخاء كليهما… إن مساهمتكم في الأمور الأرضية أعطتني الإكليل المرصّع، تاج الأسقفية، تاج المملكة وجعلتني ممثله، في الثوب وعلى الركبة المكتوب عليها: ملك الملوك ورب الأرباب”.

إذاً، يوجد فروقات لاهوتية عظيمة أدانها مجمع فوتيوس الكبير ومجمع غريغوريوس بالاماس، عل ما يظهر في سينوذيكون الأرثوذكسية. إلى هذا فإن آباء الكنيسة لغاية القرن التاسع عشر أدانوا كل خداع البابوية. فالأمر لا يلطفه أو يحسّنه اعتذار شكلي ما يقدمه البابا عن خطأ تاريخي، بينما تبقى نظراته اللاهوتية خارج الوحي وتتحوّل الإكليسيولوجيا إلى سلوك محصور ومحدّد لأن البابا يقدّم نفسه ككقائد العالم المسيحي وخليفة الرسول بطرس والنائب الممثل للمسيح على الأرض، وكأن بالمسيح قد يعطي سلطته للبابا ويكفّ عن الحكم بالبركة في السماوات.

“الوحدة”، “الانقسام”، و”الاتحاد” على ضوء الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية

“الوحدة”، “الانقسام”، و”الاتحاد” على ضوء الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية

الأب ألكسندر شميمن

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

بعد سبع وخمسين سنة على كتابة هذه المحاضرة، ما زالت تحتفظ بقيمتها النابعة من آنيّتها. فالوصف المطروح فيها ما زال قائماً إلى اليوم. ومع أن موقف الكثلكة تبدّل كثيراً في الظاهر، حتى أن بعض الأرثوذكس حاضروا عن البابوية في الفاتيكان، إلا أن أسئلة من النوع الذي يطرحه الأب شميمن في هذه المحاضرة لم تعد تثير اهتمام الناس، العاديين واللاهوتيين على السواء. وعدم الاهتمام هذا لا يعني أن الناس حصلوا على أجوبة هذه الأسئلة، ولا أن حالة الوحدة الحقيقية موجودة اليوم أكثر من قبل بالرغم من كثرة الكلام عن الوحدة. لذا كان من الضروري نقل هذه المحاضرة إلى العربية سعياً إلى توضيح المعنى الحقيقي للوحدة والذي لا يمكن اختصاره أو حصره بالمشاريع والنشاطات واللقاءات (المترجم)

“لاهوت الانقسام”. إنه اسم غريب لفرع جديد من اللاهوت نَبَت من السعي المعاصر إلى الوحدة المسيحية. تقوم أسباب نشوئه في تلك الفكرة المنتشرة عن طبيعة الكنيسة، التي تُوصَف عامةً بأنَها “كاثوليكية”، وهذا مفهوم يمكن وصفه بالـ “أفقي”، ما هو مغاير للمفهوم “البروتستانتي” أو “العمودي”. هذه الفكرة الكاثوليكية عن الكنيسة تقود بشكل محتوم إلى المفارقة التالية: كل بحث عن إعادة الوحدة يفترض اتفاقاً مبدئياً حول ماهيّة الوحدة. من الجهة الأخرى، يستثني المفهوم “الكاثوليكي” للوحدة كل إمكانيات الانقسام الحقيقي، إذ، من جهة، يقودنا هذا التصوّر الكاثوليكي إلى التأكيد على الوحدة العضوية للكنيسة، أو بكلام أكثر دقة، التأكيد على أن الكنيسة هي وحدة عضوية، وإذا كانت هذه الوحدة العضوية يُعبَّر عنها في البنية الخارجية للكنيسة وفي استمراريتها التاريخية، يكون عندها الانقسام تناقضاً بديهياً بالتعابير؛ إذ في المصطلحات الكاثوليكية هذا الانقسام سوف يعني انقسام المسيح بذاته. إن “لاهوت الانقسام” يُقَدَّم في بعض الأحيان كمحاولة لإيجاد مخرج من هذا الطريق المسدود، “الكاثوليكي” بشكل خاص، وللتوفيق بين الاستحالة الكاثوليكية للانقسام في الكنيسة والحقيقة التاريخية.

ينبغي الاعتراف في المقابل بأن اللاهوتيين الأرثوذكسيين بعيدون عن التوصّل إلى اتفاق حول هذا الموضوع، وبأنّ هذه النظرات التي قدّموها في السنوات الأخيرة حول معنى انقساماتنا تبدو دائماً مَنْعية بشكل متبادل. تمتد هذه النظرات من الإنكار الكامل لوجود أي كنيسة أثرية (قديمة) خارج حدود الكنيسة الأرثوذكسية، رافضة حتى شرعية أسرار الكنيسة الكاثوليكية، إلى نوع من تبرير الانقسام في المسيحية استناداً إلى عقيدة خلقيدونية. إن تنوّع هذه النظريات، كما أرى، مردّه إلى حقيقة أنّ الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية هي إلى الآن، تقريباً، غير نامية بالكلية. إن الشك في موقف الأرثوذكس عند هذه النقطة هو تدارك خطير، إذ إن الذين يحاولون الدرس اليوم هم، في ذلك، محرومون من المقدمات المنطقية المحددة بشكل واضح بإجماع في الرأي اللاهوتي الأرثوذكسي. لهذا السبب، لا يمكنني أن أقدّم أكثر من موجز قصير لموضوع يحتاج إلى كتاب كبير لمعالجته بشكل شامل. ورقتي إذاً ليست سوى محاولة متواضعة لاقتراح بعض المواضيع للتأمّل، وأستطيع أن أقدمها لكم لا كجواب لمسألة، بل بالأحرى كمجموعة من الأسئلة.

سوف أقصر نفسي على أحد أوجه المسألة الذي يبدو لي ذا أهمية جوهرية. إنه الاختلاف بين طرق الأرثوذكس والكاثوليك في تفسير الوحدة العضوية للكنيسة. أشير إلى الكثلكة بصراحة لأني أؤمن بأن من أوائل مهمات الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية إيجاد طريقة للتحرر من بعض التأثيرات الكاثوليكية. يمكن إيجاد هذه التأثيرات في مفاهيمنا لوحدة الكنيسة العضوية. وهذه التأثيرات، كما أرى، خطيرة بشكل خاص، لأن طبيعتها الخاصة أخفتها عن عدد من اللاهوتيين الأرثوذكس في مقاومة الأرثوذكسية المزمنة لكرسي روما: لقد استعيض بهذه المقاومة عن المناقشة الجوهرية لخلافاتنا الإكليسيولوجية. قد يبدو للوهلة الأولى أن الوجه الوحيد لعقيدة الكنيسة الذي يرفضه الأرثوذكس هو ذلك المتعلّق بالبابوية كما وضعها مجمع الفاتيكان، وهو، كتعليم، ليس إلا مجرّد بنية فوقية هرطوقية بحسب التعليم الأرثوذكسي. مع هذا، ضروري أن نعي أن عقيدة أولية البابا ووجود البابوية، كسابق لهذه العقيدة، ليسا سوى نتيجة منطقية لمفهوم محدد للوحدة العضوية في الكنيسة. بشكل مبسّط، يمكن تحديد هذا التصوّر كما يلي: في اللاهوت الروماني، هذه الوحدة، أي الكنيسة ككائن حي، هي بالدرجة الأولى الكنيسة العالمية (Universal) أي مجموع الكنيسة المنظورة على الأرض التي، في وحدة تنظيمها وبنيتها العالمية، هي ظهور جسد المسيح السريّ وامتداده. يقول الأب كونغار: “إله، مسيح، معمودية، كنيسة مؤسسة واجتماعية”، ومن هذا يدلّ ضمناً على مفهوم للكنيسة من خلال “الأجزاء” و”الكلّ”. ويسعى اللاهوت الكاثوليكي إلى تحديد للكنيسة في هذا المفهوم. بحسب الأب كونغار نفسه، “تتحرّك الأجزاء المختلفة فعلاً في مجموعة هي بالحقيقة كلٌّ، نظام من الأجزاء التي تكون بالحقيقة أجزاء”. إن كل الكائن الحي، الذي هو الكنيسة، هو وجودياً سابق لكل أجزائه، وفقط بالكلّ ومن خلال الكلّ تتحّد الأجزاء بالكنيسة. يبدو لي أنّ هذه النظرة لوحدة الكنيسة، أي بالتحديد ككائن حي منظور وعالمي، هي ما يفترض رأساً واحداً، أي أسقفاً عالمياً فيه تتثبّت الوحدة وتجد ملئها. إذاً، الكنيسة ككائن حي، ككلّ، هي كنيسة روما “كنيسة مقدسة كاثوليكية ورومانية”، بحسب ما نقرأ في الرسالة البابوية “الجسد السري Mystici Corporis” (الذي به نصير أعضاء لجسد المسيح).

الفرق الأساسي بين الأرثوذكسية والكثلكة حول هذه النقطة، كما سوف أحاول أن أبيّن، حيوي ووثيق الصلة بمسألة إعادة الوحدة. يمكن التعبير عن النظرة الأرثوذكسية كما يلي: لا يمكن تطبيق مقولة الوحدة العضوية بدقة إلا على الكنيسة المحلية. أريد أن أوضح أن ما أعنيه بالكنيسة المحلية ليس فقط واحدة من تلك التجمعات التي تتطابق حدودها مع الأمم أو الدول، التي نسمّيها كنائس مستقلّة كالكنيسة اليونانية أو الروسية، بل هي جماعة واحدة متّحدة برئاسة أسقف واحد وعندها في الاتحاد معه ملء الحياة الأسرارية. وحدها الكنيسة المحلية، على هذا الشكل، يمكن أن نسميها “كائناً حياً” باللغة الإكليسيولوجية. وهكذا كنيسة لا تكون، ككائن حي أو جسم أسراري، “جزءاً” أو “عضواً” من كائن عالمي أوسع. إنهّا الكنيسة بذاتها. أنا أعي أني بهذا الكلام أعرّض نفسي لانتقاد عدد كبير من اللاهوتيين الأرثوذكسيين ممن يميلون إلى رؤية الكنيسة بالصورة التي يستعملها لاهوتيو روما ويعبّرون عنها بأنها “الكائن الحي العالمي”. ومع ذلك، أؤمن بأن النظرة التي أقدمها لكم اليوم تتبع مباشرة، وبشكل منطقي، المفهوم الأرثوذكسي لجامعية الكنيسة. لن أكرر ما سبق قوله في أحد المؤتمرات الذي خُصِّص لهذا الموضوع، بل سوف أذكركم بأنّ، بحسب النظرة الأرثوذكسية، “الجامعية” ليست في عالمية الكنيسة بل هي بالدرجة الأولى في كمالها، كمال الحياة في كل زمان ومكان. يتبع من هذا التحديد أن هذا التصنيف( “الأجزاء” و”الكل”) لا ينطبق على الكنيسة لأنها جامعة، بل لأن “الجزء” فيها ليس متفقاً وحسْب مع “الكل”، ويتطابق معه ويخضع له، بل هو مماثل له ويجسّده. بكلام آخر، الجزء هو الكلّ. الكنيسة جامعة في الزمان والمكان. في الزمان، لأنها ليست مترابطة “أفقياً” مع الرسل دوماً، بل هي بالحقيقة نفس الكنيسة، نفس الجماعة الرسولية، مجتمعة επί το αυτό (أعمال 45:2، 47). إنها جامعة في المكان لأن كل كنيسة محلية، في وحدة الأسقف مع الشعب، تتقبّل ملء المواهب وتُعلَّم كلّ الحقيقة وتمتلك كلّ المسيح، “حيث المسيح هناك الكنيسة”. التسلسل الرسولي الذي هو أساس جامعية الكنيسة في الزمان، هو على المنوال نفسه أساس جامعيتها في المكان: هذا يعني أن كل كنيسة محلية تمتلك ملء المواهب الرسولية وليس كجرد حصة منها. ما يمكن أن نسمّيه البنية “الأفقية” للكنيسة هو حالة جامعيتها الأولية: فيما جامعيتها هي ملء الكنيسة، دائماً وحيثما كان، يُعطى لها في المسيح الملءَ الذي ما هو في النهاية إلا ملء المسيح نفسه.

لا يمكن فصل وحدة الكنيسة عن جامعيتها، ولا يمكن لها أن تتبع أي قانون غير الجامعية، من خلال كون جوهر الكنيسة “امتداد التجسد الإلهي وملؤه، لا بل حياة الابن المتجسد مع كل ما احتمل من أجل خلاصنا: الصليب والقبر والقيامة في اليوم الثالث والصعود إلى السماوات والجلوس عن يمين الآب”. بتعبير آخر، طبيعة وحدة الكنيسة هي بالدرجة الأولى أسرارية، إذ في الأسرار يتحقق ملء المسيح ونصير مشاركين فيه ومختومين من خلال هذه الشركة في الأسرار، وتكون وحدتنا العضوية، أحدنا مع الآخر، في جسد المسيح مشكِّلين معاً مسيحاً واحداً. لكن طبيعة الكنيسة الأسرارية تفترض مسبقاً استعمال التصنيف “العضوي”، بالإشارة إلى الكنيسة المحلية. فالكنيسة المحلية هي ذلك الكائن الحي الأسراري الذي يقتني في أسقفه ملء المسيح، ملء الوحدة، ملء القداسة والجامعية والرسولية. وبالحقيقة، هذه الصفات الكنسية ما هي إلا علامات وحدة الكنيسة الأساسية مع المسيح. لا يمكن للأسقف أن يكون أسقفاً لجزء من الكنيسة كون وحدته مع كنيسته ليست فقط صورة لوحدة المسيح مع الكنيسة، أي وحدة شعب الله، بل هي أيضاً عطية الملء الحقيقية، مفعَّلة أبدياً في الأسرار.

الخلل المميت في الإكليسيولوجيا الكاثوليكية، من وجهة النظر هذه، هو أن هذه الصفة العضوية للكنيسة المحلية كأساس للوحدة، قد تمّ نقلها إلى الكنيسة العالمية التي صارت بالحقيقة كنيسة محلية ضخمة تتطلب، كنتيجة وبشكل طبيعي، أسقفاً واحداً هو مركز ملء الكنيسة ومصدره. إذا كانت الكنيسة عالمية فيجب أن يكون لها أسقفها العالمي، على غرار امتلاك الكنيسة المحلية لوحدة عضوية في أسقفها. دوم كلامان ميالين، في تعليقه على الرسالة “الجسد السري”، يقدّم ملاحظة مهمة تؤدّي بعقيدة الوحدة العضوية للكنيسة العالمية إلى استنتاجات متطرفة. في التعليق على المقطع الذي يعالج مكانة الإفخارستيا في وحدة الكنيسة، يقول: “يمكننا أن نضيف أن صورة الجسد السري تتحقق بشكل كامل عندما يكون كاهن المسيح الأكبر هو الذي يقيم الذبيحة المقدسة”. ليس من إثبات أكثر وضوحاً بأن كل لاهوت الكنيسة المحلية وعلاقتها مع الأسقف، كما يُعبَّر عنها في رسائل القديس أغناطيوس الأنطاكي، قد تمّ نقلها إلى وظيفة أسقف الكنيسة العالمية. لكن، بحسب النظرة الأرثوذكسية، هذا النقل يعني استبدال عالمية الكنيسة بجامعيتها، إذ إن ملئها هو الذي يؤهّلنا دائماً وففي كل مكان، “في هذا العالم”، لتفعيل كامل المسيح ولحمل الكنيسة كاملة في ملئها وقدرتها الخلاصية إلى الشعب؛ وعليه، هذا النقل يمنع “الاثنين أو الثلاثة المجتمعين معاً” من أن يكونوا شهوداً لحقيقة تجسد ابن الله كاملة. إني مقتنع بأننا إذا تبنيّنا هذه التصنيفات للكائن الحي العالمي، سوف يقودنا اللاهوت الأرثوذكسي إلى روما بشكل لا يمكن تلافيه. إنه لمستحيل بالواقع أن نستمر في الدفاع، كما يفعل الأرثوذكس دائماً، عن أن الكنيسة هي كائن حي، من دون رأس منظور، إذ إن رأسها غير المنظور هو المسيح نفسه. يعود هذا التأكيد إلى الفشل في فهم العلاقة الفعلية بين “المنظور” و”غير المنظور” في الكنيسة. إذا كانت الكنيسة جامعة، يكون جوهرها غير المنظور حاضر فعلياً ومتجسداً في طبيعتها المنظورة وبنيتها المنظورة؛ هذه ليست مجرد رموز لأن الكنيسة المنظورة هي بالحقيقة جسد المسيح.

لكن ماذا نعني بوحدة الكنائس وما هي طبيعة الوحدة المنظورة للكنيسة الكاملة في كل العالم؟ واضح أنّه إذا لم يكن ممكناً تطبيق المفاهيم الكاثوليكية عن “الأجزاء” و”الكلّ” على هذه الوحدة، فيجب أن يُعبَّر عن هذه الوحدة وجودياً من خلال الهوية؛ يتبع أن وحدة الكنائس هي حقيقية على درجة مساوية للوحدة العضوية في الكنيسة المحلية التي هي “وحدة الكنيسة” وليست مجرد وحدة بين الكنائس. ليست النقطة أن كل هذه الكنائس المحلية تشكّل معاً كائناً واحداً، بل أن كل كنيسة، ككنيسة وكوحدة أسرارية، هي الكنيسة نفسها ظاهرة في مكان محدد. ترتكز هذه الهوية على البنية الأسرارية لكل كنيسة: التسلسل الرسولي والأسقفية والأسرار. وهكذا نعود إلى نفس الوحدة العضوية للكنيسة، لكن تلك التي فيها لا تكون الكنائس مكملة الواحدة للأخرى، وليست “أجزاء” أو “أعضاء”: الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية هي كل واحدة منها وهي كلها مجتمعة.

 

 

هذا، في أي حال، هو الوجه الوحيد لوحدة الكنيسة، وجه قد يوصف بالوجودي. مع هذا، ليست الكنيسة شيئاً مُعطى للبشر من الله بالمسيح، بل هي تتضمن قبولهم واستيعابهم لهذه العطية واستجابتهم لدعوة الله واختيارهم. وإذا كان هذا المُعطى هو الملء المتماهي دائماً مع نفسه، ملء الكنيسة الإسخاتولوجي، حتى المسيح نفسه، يستحيل عندها تجريد هذا الملء من تجسده وظهوره في التاريخ. بهذا المعنى، الإكليسيولوجيا الجامعة هي أيضاً بشكل أساسي لاهوت تاريخ الكنيسة. ينبغي أن أشدد على أنني أعني لاهوت تاريخ الكنيسة وليس فلسفة التاريخ. تسعى فلسفة التاريخ إلى اكتشاف معنى العملية التاريخية، لاهوتها. وبهذا المعنى، الشكل الحقيقي الوحيد لفلسفة التاريخ هو التاريخ المقدس للعهد القديم، تاريخ الخلاص، متحركاً بشكل كلي نحو تحقيقه، أي نحو تجسد ابن الله. وهذا التاريخ قد تمّ. “ولمّا حلّ ملء الزمان أرسل الله ابنه” (غلاطية 4:4). فيه مُنح ملء الألوهية وملء الخلاص للبشر. تاريخ الخلاص تمّ و”زمن الكنيسة” أخروي: “الزمان الأخير”. من وجهة نظر تاريخ الخلاص، ليس للكنيسة تاريخ، إنها بالفعل في حالة الملء، وهي دوماً التحقيق لملء الخلاص المكتمل بالمسيح مرةً وللأبد.

إن القول بأن للكنيسة تاريخ يعني أن ملء الخلاص هذا ليس فقط معطى للبشر بل هم يقبلونه، أي أن الطبيعة البشرية المستعادة والمتجددة في التجسد، تصير قادرة على تقبّل الخلاص واستيعابه؛ الحقيقة التاريخية هي أن عالمنا هذا يمكنه أن يتقبّل المسيح فعلياً وأن تكتسب طبيعتنا البشرية الامتثال له. الإله صار إنساناً والكلمة صار كلمةَ الكتابات المقدسة البشرية. وكما أنّه يستحيل إنكار تجسد المسيح أو فصل كلمة الله عن كلمة الإنسان، كذلك يستحيل تجريد الملء الأخروي للكنيسة في ظهورها التاريخي والبشري. يفترض لاهوت تاريخ الكنيسة مسبقاً أن في التاريخ، في العالم المتغيّر المحدود، يمكن أن نفهم، بشكل مناسب، الحقيقة الإلهية التي مُنحَت بالمسيح ونعبّر عنها ونستوعبها. وهكذا، من وجهة نظر محض تاريخية، تاريخ الكنيسة، مثل أي تاريخ آخر، طارئ. مثلاً، بنية الكنيسة الأولى تشكّلت بالعالم الذي ولدت فيه، والصيغ العقائدية للمجامع المسكونية، العقيدة الفعلية للكنيسة والتطور في تنظيمها حددتهما عوامل تاريخية بحتة. لكن طبيعة الكنيسة هي تلك حيث يمكن التعبير بأشكال تاريخية عن كل ما هو إلهي ومطلق وأخروي، وحيث كلّ ما هو تاريخي بحت يمكن أن يتجلّى وأن يشاكل الحقيقة. أكثر من ذلك: هذه هي مهمة الكنيسة. فكما أن كلاً منّا قد أخذ في المعمودية ملء عطايا الخلاص، وصار “مشتركاً في موت المسيح وقيامته”، ووجد حياة جديدة، وهو مدعو إلى أن ينمو فيها، كذلك هي الكنيسة “إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِل. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ.” (أفسس 13:4)

هذا المفهوم، عن وحدة الآخرة والتاريخ ضمن الكنيسة، يقدّم المفتاح للفهم الصحيح لتقليد الكنيسة. من جهة، ترفض الكنيسة الأرثوذكسية نظرية “تطوّر العقيدة” التي تُعتَبَر نوعاً من التوسيع الكمّي للحقيقة: كل الحقيقة معطى للكنيسة منذ البدء وهو يُنقَل، كاملاً، إلى الكنيسة دوماً وفي كل مكان. ليست الحقيقة هي التي تكبر بل نحن ننمو في الحقيقة. لكن، من جهة أخرى، هذا النمو ليس مجرد سلسلة من الإدراكات التاريخية النسبية للحقيقة الواحدة نفسها، بل هو استجابة حقيقية وملائمة لقضاء الله، ثمرة التجسد والروح القدس؛ وهكذا يصير جزءاً متكاملاً من حياة الكنيسة ويُنقَل على هذا المنوال في التقليد. هذا ليس بعدُ مجرد “تبياناً”، ذا قيمة تاريخية فقط، من خارج التقليد لبعض أسس “لبّ” التقليد: إنه التقليد بذاته، الحقيقة نفسها ظاهرة ومعبّر عنه. بهذا المعنى، يتضمّن التقليد، بالنسبة لنا، الكتاب المقدس الذي يشكّل أساس التقليد ومحتواه، والصيغ العقائدية وقداسة القديسين وإكرام والدة الإله وكل تعليم الكنيسة وحياتها.

سمة وحدة كل الكنائس، أي كامل الكنيسة الجامعة، وشرطها هو وحدة التقليد أي ذلك التفسير الملائم لملء الكنيسة الأخروي الذي وحده يسمح لنا أن نفهم وحدتنا ونبرزها، ليس فقط أن نؤمن بها بل أن نمتلّكها. هذه هي الوحدة في الحق، أي في الحق الصادق الموضوعي، ليس فقط في مجرد تعبير عنه باهت نسبي وتاريخي. قد يعترض البعض بأن هذه كلمات بشرية ومعتقدات بشرية وحقائق بشرية. لكن ينبغي ألاّ ننسى أن كلمة “بشري” اكتسبت معنيين مختلفين من يوم صار الإله إنساناً وبقي إنساناً: قد تعني مجموع الضعفات البشرية، أي الخطيئة والابتعاد عن الله؛ وقد تعني بشرية المسيح المتألّهة والممجدة: “نحن جسد المسيح” (1كورنثوس 27:7)، “وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ.” (1كورنثوس 16:2)، “فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ.” (غلاطية 20:2): هذه الكلمات، كما لفظها أحد الناس، تقدر الكنيسة على قولها أيضاً… ولهذا السبب، تقليدها وإيمانها وحقها، الذين تقبّلتهم وشهدت لهم بالروح القدس، هم التعبير الحقيقي عن وحدتها. وحدتنا بالمسيح لا نستطيع إظهارها بطريقة أخرى غير هذه “الوحدة في الإيمان والمحبة” التي بها حدد القديس أغناطيوس الأنطاكي الكنيسة. وحدة الكنيسة الأخروية، هويتها في الزمان والمكان، تظهر في الوحدة الإيمانية الحقيقية التاريخية المنظورة. ومعيار هذا الإيمان هو، مرة أخرى، تقليد الكنيسة التاريخي. الأريوسية والطبيعة الواحدة والنسطورية كانت هرطقات شرقية في القرنين الرابع والخامس. مع ذلك، إن العقائد التي صاغتها الكنيسة كرد على هذه الهرطات ليست مجرّد عقائد شرقية من القرنين الرابع والخامس. إنّها الحقيقة الجامعة بذاتها، كلمات الروح القدس في الكنيسة، وهذه الحقيقة لا يمكن أن تكون نسبية. لا يكون الدخول إلى الكنيسة والعيش فيها بمجرّد تحقيق وحدة شخصية وأخروية مع المسيح؛ إنه يتضمّن ضرورة دخول الكنيسة التاريخية والعيش فيها وهي التي تملك لغتها الخاصة وشكلها التاريخي الخاص، كما يتضمّن قبول هذا التاريخ وكأنّه التاريخ الشخصي. وبعيداً عن دفع الحقيقة الجامعة أسفل إلى مستوى حاجات الإنسان وزمانه، هذا العمل يتضمّن توسيعاً مستديماً لشخصية الإنسان وإيمانه ولغته، في التقدم نحو الجامعية الكاملة.

للخلاصة، تتحقق وحدة الكنيسة ويُعَبّر عنها في وحدة الإيمان التي تظهر في الاتفاق الجامع لكل الكنيسة؛ من خلال هذا الاتفاق يعرف كل واحد كنيسة الآخرين كما يعرفونها هم، وفي الآخرين نعرف الكنيسة الواحدة الجامعة. إن هذا الاتفاق الجامع هو الذي يجد تعبيره في شركة الأسرار، في المناولة المشتركة؛ من خلاله يُعتَرَف بأسرار الكنيسة الأخرى وكأنها أسرارنا، وفي النهاية كأسرار الكنيسة العالمية. ليست الكنيسة كائناً حياً عالمياً، ومع هذا، إيمانها هو دوماً الإيمان العالمي، إيمان الرسل والآباء والمعلمين؛ إنه وحدة منظورة، وحدة الكنيسة الجامعة في كل الأرض (1). 4

.

يبدو لي أنني أستطيع الآن أني أجازف بِأن أخرج بعدد من الاستنتاجات المتعلّقة بموقف الكنيسة الأرثوذكسية، من واقع الانقسام والمعنى الذي تعلّقه على فكرة “إعادة الوحدة”. يجب أن نشير بالمقابل إلى أن الموقف من الانقسام عند أغلبية اللاهوتيين المعاصرين مختلف جداً عن موقف الكنيسة الشرقية في أزمنة المجامع المسكونية وبيزنطية. يمكن القول أن اللاهوتيين المعاصرين يسعون قبل كل شيء إلى اكتشاف معنى الانقسام ويرغبون بشكل يوهم بالتناقض إلى تحديد ما يمكن تسميته حالة الانقسام اللاهوتية. كيف يمكن أن يكون الانقسام، ما هو مصير الأسرار في كنيسة أو جماعة منفصلة عمّا يُفتَرَض أنّه الكنيسة الحقيقية، ما هي شرعية رتبهم: هذه هي الأسئلة المثارة اليوم. يبدو لي أن كل هذه الأسئلة التي يسعى “لاهوت الانقسام” إلى الإجابة عليها، هي مرتبطة بشكل جوهري بالمفهوم الكاثوليكي للكنيسة على أنها كائن حي عالمي، ولا يمكن أن تنشأ هذه الأسئلة إلاّ من افتراضات كاثوليكية. لاهوت الانقسام هو نتاج رغبة اللاهوتيين في إيجاد مكان للكنيسة حيث، بحسب افتراضاتهم المسبقة، ليس لها مكان. لكن المشكلة كلها هي أنه، من وجهة نظر أرثوذكسية، هذه أسئلة بدون جواب، لأن السؤال بكامله مطروح بشكل خاطئ ومُصاغ بعبارات خاطئة. هذا يمكن إثباته على أفضل وجه بحقيقة أن لا الكنيسة الأولى ولا كنيسة زمان المجامع المسكونية قد طرحت هذه الأسئلة، وهي في اللاهوت الأرثوذكسي المعاصر نتاج تأثير كاثوليكي، وبشكل أكثر عمومية، غربي.

عنى الانقسام للكنيسة البيزنطية خروج واحدة أو أكثر من الكنائس المحلية عن الاتفاق الجامع وبالتالي عن الإيمان المألوف المعبّر عنه بهذا الاتفاق ومن خلاله، وأكرر ليس كانفصال عن كائن حي عالمي، ولا كانقطاع عن الكنيسة الشرقية وكأنها، بمعنى ما، مصدر الكنيسة، لا بل كانتهاك للتقليد والحق. لكن، بقدر ما تظهر الكنيسة هويتها الوجودية وتعترف بها في وحدة التقليد هذه، في هذا الحق الجلي، حيث وحدة الإيمان هي شرط هذه الهوية، يعيق انتهاك الاتفاق الجامع الشركة في الأسرار. بالنسبة للكثلكة، الانقسام هو بالتحديد قطع الشركة مع روما لأن روما هي مصدر الكنيسة ومصدر وحدتها المنظورة. عبارة “روماني” «Romana» هي بالحقيقة صفة كنسية تتضمّن صفات الرسولية والوحدة والجامعية. لكن، بالنسبة للكنيسة الشرقية، الصفة الكنسية التي في غيابها لا يمكن الاعتراف لا بالرسولية ولا بالوحدة ولا بالجامعية ليست “الشرق” بل “الأرثوذكسية”، أي ملء التقليد والوحدة الأصيلة في الإيمان. هذا يعني أنّه عندما تخرج كنيسة أو أكثر من الكنائس المحلية عن الاتفاق الجامع، لا تستطيع الكنيسة الأرثوذكسية أن تثير مسألة شرعيتها ككنائس، لأن خارج ملء التقليد، خارج الحق الظاهر الذي هو الأرثوذكسية، لا يمكننا أن “نعرف” هذه الشرعية ولا أن “نعترف بها”. التقليد بهذا المعنى هو الذي يسمح لنا بأن نفهم وأن نتقبّل بشكل صحيح ما قام به الله لنا، وأن نتقبّل فعلياً سر خلاصنا، ومن ثمّ نحن لا نعرف شيئاً كشرعي أو غير شرعي خارج هذا التقليد.

لنورد مثلاً: عندما عبّر بطريرك موسكو سرجيوس وغيره عدد من اللاهوتيين الأرثوذكس عن أن موضوع شرعية السيامات الأنكليكانية لا يمكن حلّها في الكنيسة الأرثوذكسية من دون اتفاق عقائدي عام، فهذا يعني، حسبما أرى: بالنسبة لنا مسألة “الشرعية” لا تنفصل عن “التفسير” الصحيح، لأن هذا “التفسير” هو قبول شرعية الخلاص المحقق مرة وللأبد. وهذا التفسير الملائم هو تقليد الكنيسة المعبَّر عنه في الاتفاق الجامع.

هذا شرح الحقيقة، التي سبق لي ذكرها، وهي أن الكنيسة البيزنطية، في دفاعياتها ضد الكنيسة الغربية، أثارت بشكل ثابت المسألة، ليس من جهة إعادة الارتباط بالكنيسة الغربية، ولا من جهة الاعتراف الطبيعي بالأسرار أو التنظيم الكنسي، بل فقط على مستوى العقائد الذي عليه انتهكت الكنيسة الغربية الحق وابتعدت عن الاتفاق الجامع: انبثاق الروح القدس، إلخ… لقد كان الأمر هكذا لأن في الاتفاق العقائدي وحده، وبشكل أكثر تحديداً في اتفاق الإيمان، يمكن الاعتراف بأسرار كنيسة أخرى وتبادل هذا الاعتراف، أي بكلام آخر يمكن اعتبار هذه الكنيسة كنيستنا. في الملاذ الأخير، الاتفاق العقائدي هو المعيار الضروري للاعتراف بكنيسة أخرى، على أنها نفْس كنيستنا؛ من دون هذا المعيار لا تعود الوحدة الخارجية تعبّر عن الوحدة “الوجودية”. يتبع من هذا أنّه بالرغم من استحالة أن يكون للكنيسة الأرثوذكسية “لاهوت انقسام”، إذ لا يمكن تفسير ما هو سلبي إيجابياً وبالتالي لا يمكن “تبريره”، إلا أنها تعرف الشروط الحقيقية لإعادة الوحدة والسبيل المؤدية إليها. أنا لا أكشف جديداً في قولي أن هذه الطريق لا يمكن أن تكون غير طريق الوحدة العقائدية، الوحدة العقائدية الصحيحة. هذا الاتفاق العقائدي، على ضوء ما ذكرت، لا يتضمّن فقط اتفاقاً حول بعض النقاط المحددة، أي الحد الأدنى العقائدي معرَّفاً على نحو زائف، بل يتضمّن تكامل “الملء التاريخي” للتقليد. إن انقساماتنا كانت بالدرجة الأولى نتيجة انقطاع في الاتفاق الجامع، ضيق في أفق التفكير الكنسي وقصور في اختبار الإنسان للكنيسة. ودعوة الكنيسة الأرثوذكسية للعودة إلى الآباء وإلى المجامع ليست دعوة لا إلى الشرق ولا إلى نفسها، بل إلى تلك الجامعية الكاملة الأصيلة التي اختبرتها الكنيسة وبرع الآباء والمجامع في التعبير عنها. إن أولى مهماتنا هي اكتشاف لغة الكنيسة التي من دونها لا يمكن إدخال الصيغ والتحديدات إلى دستور الإيمان وحتى لا يمكن أن تكون هذه الصيغ والتحديدات المحتوى الحقيقي لإيماننا.

في الممارسة، هذا يعني أن الوحدة العقائدية مستحيلة من دون درجة معتدلة من الوحدة المذهبية. الوحدة العقائدية هي بداية نمو لامتناهٍ في “ملء الوحدة”، وفي عملية النمو هذه، كل هذه التوترات بين المدارس المختلفة والعقائد، التي طالما كانت موجودة في المسيحية، شرعية لا بل ضرورية. لكني أريد أن أشدد مرة أخرى على أنه لا يمكن تحقيق الوحدة العقائدية من دون درجة مقبولة من “تكامل” تاريخ الكنيسة، أي خبرتها التاريخية. علينا أن نعود مجدداً لنتبع سير تاريخ الكنيسة، نختبر من جديد هذا التاريخ كتاريخ لنا؛ ينبغي أن يحيا ماضيها ويصير حاضرنا الحالي. ينبغي أن يصير أساس وحدتنا وسيماءها في الكنيسة ومن ثمّ وحدة الكنيسة نفسها. الكنيسة واحدة لأن الكنيسة هي الوحدة. لقد لاحظ أحدهم خلال أحد المؤتمرات أن الفرق أساسي بين “الكاثوليك” و”البروتستانت” لا يكمن في مقاربة مختلفة للإنجيل وللكنيسة وغيرها، بل في أن الملاذ الأخير، بالرغم من أن عندنا إنجيل واحد، وحادثة خلاص واحدة، كلٌ يؤمن بيسوع المسيح مختلف. في النهاية، كل تقليد الكنيسة ليس سوى جواباً على سؤال: مَن كان، مَن يكون يسوع الناصري؟ وفقط في التقليد، في كامل خبرة الكنيسة وحياتها، نكتسب – ليس جزءاً أو وجهاً من الإنجيل، ولا “عقيدة كتابية” في هذا الموضوع أو ذاك – بل الإنجيل بكامله، كامل سر الخلاص الذي أُعلِن في الإنجيل وهو يقطن أبداً بملئه في الكنيسة. لهذا السبب، وحدة التقليد ليست حالة أو نتيجة لوحدة الكنيسة، إنها بالحقيقة الوحدة المنظورة للكنيسة. وحدة التقليد هذه تحدد وحدة بنيتها الخارجية، ولكن فقط فيها تصير وحدة البنية هذه فعلية وشرعية. بالتالي لا يمكن اعتبار أياً من التسلسل الرسولي أو الأسقفية أو الأسرار كأساس للوحدة بذاته، بل أساس الوحدة هو فقط إيمان الكنيسة الظاهر في التقليد الذي يهب كل هذه البنية قيمتها الحقيقية ويدرك شرعيتها.

في الختام، أرى أن أمامنا طريقاً شاقاً وطويلاً، هو الطريق الذي يؤدّي إلى “تكاملية” تقليد الكنيسة العالمي الجامع. كل محاولة لتجنّب هذا الطريق وإيجاد نوع من الوحدة “الأخروية” خارج ظهورها التاريخي “الملائم”، سوف يقود لا إلى الوحدة الحقيقية بل إلى وحدة بحت بشرية، بديلة مؤقتة، وإلى معاكسة تجسّد الكنيسة. إن عبارة “إعادة الاتحاد (reunion) مع الأرثوذكسية” تعبّر بالجوهر عمّا حاولت أن أقول، وفقط إذا تقدمنا على هذا الطريق لا تعود هذه العبارة في نظر إخوتنا الغربيين علامة للغرور البشري، وتتكشف لنا على أنها خاتمة الطريق الوحيدة الممكنة والنهاية الصحيحة للرحلة.

Adress given at the Annual Conference of the Fellowship of S. Alban and St Sergius at Abingdon, England in August 1950. From Theologia, ΚΒ, 1951, p. 243-254

 

مراجع

 

M.—J. Congar, Chretiens Désunis. Principes d” un «cecuménisme> catholique. Paris, 1937, p. 109.

Cf. E. Every, «The Catholicity of the Church» in «Sobornost» Series 3, N. 6, Winter 1949, pp. 233 — 238

Florovsky: L’Église : sa nature et sa tâche. In «L’Église universelle dans le Dessein de Dieu» vol. I, 1949, p. 70.

Dom Clement Lialine. Une Etape en Ecclesiologie. Irénikon 1950, tiragè a part.

بيان صادر عن شِركة الجبل المقدّس أثوس

بيان صادر عن شِركة الجبل المقدّس أثوس

نقله إلى العربية الأب أنطوان ملكي

إن زيارة البابا بندكتوس السادس عشر منذ مدة قصيرة إلى البطريركية المسكونية بمناسبة عيد الرسول إندراوس (الثلاثين من تشرين الثاني 2006) والزيارة الأخيرة لصاحب الغبطة رئيس أساقفة أثينا خريستوذولوس إلى الفاتيكان (الرابع عشر من كانون الأول 2006)، أثارتا الكثير من الانطباعات والتقييمات وردّات الفعل. بصرف النظر عّما قيّمته وسائل الإعلام على أنّه إيجابي أو سلبي، سوف نركّز على الأمور المتعلّقة بخلاصنا الذي من أجله تركنا العالم لنعيش في برية الجبل المقدّس.

إننا، رهبان الجبل المقدّس، نحترم البطريركية المسكونية التي نتبعها قانونياً. نحن نوقّر ونجلّ الكلي القداسة البطريرك برثلماوس ونبتهج بكل إنجازاته المحِبّة للمسيح وعمله الجاد لخير الكنيسة. بشكل خاص، نحن نذكر في صلواتنا دفاعه القوي والمستمر عن البطريركية المسكونية، كما عن الكنائس الأرثوذكسية المحلية المستضعفة، وسط ظروف سلبية كثيرة، واهتمامه في إسماع صوت الكنيسة الأرثوذكسية في كل العالم. إلى هذا، نحن رهبان الجبل المقدس، نُجِلّ كنيسة اليونان التي يأتي أغلبنا منها، ونحترم صاحب الغبطة رئيسها.

ومع ذلك، الوقائع التي جرت خلال الزيارتين الأخيرتين، البابا إلى الفنار وصاحب الغبطة رئيس الأساقفة إلى الفاتيكان، حملت إلى قلوبنا حزناً هائلاً.

نحن نتوق ونجاهد طوال حياتنا لنصون تراث الآباء القديسين الذي تركه لنا مؤسسو أديارنا والآباء الراقدون قبلنا. نحن نبذل أقصى جهدنا لكي نعيش سرّ الكنيسة والإيمان الأرثوذكسي النقي، الذي نتعلّمه كل يوم من الخدم الإلهية والقراءات المقدّسة وتعاليم الآباء القديسين التي وضعوها في كتاباتهم وفي قرارات المجامع المسكونية. نحن نحفظ وعينا العقائدي “مثل بؤبؤ العين”، ونعززه بحثّ أنفسنا على الأعمال التي ترضي الله والدراسةِ الدقيقة لإنجازات الآباء القديسين المعترفين الذين قهروا الهرطقات المتنوعة، وبخاصةٍ أبينا في القديسين غريغوريوس بالاماس والقديسين شهداء الجبل المقدس والشهيد قوزما الأول الذي نوقّر رفاته المقدسة بكل إجلال ونحتفل بتذكاره المقدس باستمرار. نحن نخشى التزام الصمت عندما تظهر أمور تتعلّق بالميراث الذي تركه لنا آباؤنا. نحن نحسّ أننا مسئولون تجاه الآباء والإخوة الأجلاء في أخوية الجبل المقدس بأكملها، كما نحو أبناء الكنيسة المؤمنين الأتقياء الذين يرون في الرهبنة الأثوسية حارساً ثابتاً للتقليد المقدّس.

قد تكون زيارتا البابا إلى الفنار ورئيس الأساقفة إلى الفاتيكان قد أمّنتا بعض الفوائد الدنيوية. إلى أنّه، خلال هذه الزيارات جرى عدد من الأحداث التي تتنافر مع مناهج الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية، وتَمّت بعض التعهدات التي لا تنفع الكنيسة الأرثوذكسية ولا المسيحيين غير الأرثوذكسيين.

قبل كل شيء، استُقبِل البابا وكأنّه أسقف قانوني لروما. خلال الخدمة، لبس البابا أموفوريون؛ البطريرك المسكوني حيّاه قائلاً “مبارك الآتي باسم الرب” وكأنّه السيد المسيح؛ بارك البابا المؤمنين وذُكِر في الصلوات على أنّه “صاحب القداسة والغبطة أسقف روما”. أيضاً، أظهرت تلاوة البابا للصلاة الربية والسلامات الليتورجية مع البطريرك وكأن هناك ما هو أكثر من مجرد صلاة مشتركة. وكل هذا جرى من دون أن تتخلّى البابوية عن تعاليمها وسياستها الهرطوقيتين؛ على العكس، البابا يشجّع الإتحادية بشكل علني ويحاول أن يعزّزها؛ هذا بالإضافة إلى العقائد البابوية في الأولية والعصمة، و الصلوات المشتركة مع غير المسيحيين والسيطرة البابوية على الأديان.

في ما يتعلّق بزيارة البابا إلى الفنار، إننا نحزن لأن وسائل الإعلام رددت كثيراً المعلومة المغلوطة نفسها، وهي أنّ الطروباريات التي أُنشِدَت على نحو غير ملائم خلال الزيارة، هي من تأليف رهبان الجبل المقدّس. نغتنم هذه الفرصة لنعلِم كلّ المسيحيين الورعين أنّ مؤلّف هذه الترانيم ليس من رهبان الجبل ويستحيل أن يكون منهم.

نأتي هنا إلى محاولة صاحب الغبطة رئيس أساقفة أثينا لأن يستهلّ علاقات مع الفاتيكان حول قضايا اجتماعية وثقافية وذات علاقة بأخلاقيات الحياة، بالإضافة إلى تحقيق دفاع مشترَك عن الجذور المسيحية لأوروبا (وهي مواقف موجودة أيضاً في الإعلان المشترك بين البابا والبطريرك في الفنار). كِلا الأمرين قد يبدوان حميدين لا بل إيجابيين خاصةً وأنّهما يهدفان إلى تعهد علاقات بشرية مسالمة. إلا إنّه من المهم أن نتلافى بثّ الانطباع وكأن الغرب والأرثوذكسية قائمان، قبلاً والآن، على نفس الأسس. كما أنّه مهم ألاّ ندع أحداً ينسى المسافة التي تفصل التقليد الأرثوذكسي عمّا يُشار إليه عادة بـِ”الروح الأوروبية”. إن أوروبا (الغربية) مُثقَلَة بسلسلة من المؤسسات والأعمال المنافية للمسيحية، وقد اتّخذت شكل الانشقاق البروتستانتي، الحربين العالميتين المدمرتين، الإنسانوية التي مركزها الإنسان مع نظرتها الملحدة إلى العالم. كل هذه هي من نتائج انحرافات روما اللاهوتية عن الأرثوذكسية. رويداً رويداً، حلّت الهرطقات البابوية والبروتستانتية، بشكل تدريجي، محلّ مسيح الأرثوذكسية وتوّجَت الإنسان المتغطرس مكانه. يكتب المتقدّس نيقولا أسقف أوخريدا وزيكا: “ما هي أوروبا بعدَ هذا؟ البابا ولوثر… هذا ما هي أوروبا عليه، في الصميم، وجودياً وتاريخياً”. يقول القديس يوستينوس بوبوفيتش: “يشكّل مجمع الفاتيكان الثاني تجديد كل أنواع الإنسانوية الأوروبية… لأنّ المجمع التزم بإصرار عقيدة عصمة البابا”؛ ويستنتج: “من دون شك، سلطات وقوى الحضارة والثقافة الأوروبيتين (الغربيتين) هي طاردة للمسيح”. لهذا السبب، من الضروري أن نبثّ أخلاقية الأرثوذكسية المتواضعة وأن ندعم الجذور المسيحية الحقيقية لأوروبا الموحّدة، تلك الجذور التي كانت لأوروبا خلال القرون المسيحية الأولى، أي في زمن السراديب والمجامع المسكونية السبعة. من المستصوب ألاّ ترهِق الأرثوذكسية نفسها بخطايا غريبة ولا أن تعطي انطباعاً لأولئك، الذين صاروا مرتدين عن مسيحيتهم كردة فعل على انحراف المسيحية الغربية عن مسارها، بأن للأرثوذكسية علاقة بالأمر. كما من المستحسن ألاّ تكفّ الأرثوذكسية عن الشهادة بأنّها الإيمان الأصيل الوحيد بالمسيح، والرجاء الوحيد لشعوب أوروبا.

لا يظهر الكاثوليك أي رغبة بحلّ أنفسهم من قرارات المجامع (التي يرونها مسكونية) التي أعلنت عقيدة انبثاق الروح القدس، العصمة، سلطة البابا المدنية، النعمة المخلوقة، الحبل بلا دنس، الإتحادية. بالرغم من كل هذه، ما زلنا، كأرثوذكس، نتابع ما عُرف بالتبادل التقليدي للزيارات مانحين البابا من الشرف ما يليق بأسقف أرثوذكسي، مهملين كلياً عدداً من القوانين المقدسة التي تحرّم المناولة المشتركة، بينما يتخبّط الحوار اللاهوتي مرة بعد مرة، وبعد أن يُرفَع من الأعماق يعود فيغرق.

وهكذا علينا أن نستنتج أن الفاتيكان لا يوجّه نفسه نحو نبذ تعاليمه الهرطوقية، بل هو “يعيد تفسيرها”، أو بتعبير آخر، يسترها.

تختلف الإكليسيولوجيا الكاثوليكية من نشرة إلى أخرى: مما يسمى الإكليسيولوجيا “المنفتحة” في رسالة البابا “ليكونوا واحداً (Ut Unum Sint)”، إلى المقصورية الإكليسيولوجية في الرسالة “المسيح السيد (Dominus Jesus)”. ينبغي أن نشير إلى أن النظرتين المذكورتين (الإكليسيولوجيا المنفتحة والمقصورية الإكليسيولوجية) هما نقيضتا الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية. إن الوعي الذاتي للكنيسة الأرثوذكسية المقدّسة بأنّها الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية الوحيدة لا يسمح بالاعتراف بكنائس وطوائف أخرى غير أرثوذكسية على أنها “كنائس شقيقة”. “الكنائس الشقيقة” هي الكنائس الأرثوذكسية المحلية التي تشترك بالإيمان الواحد نفسه دون سواها. لاهوتياً، ليس مسموحاً استعمال صفة “الكنائس الشقيقة” للإشارة إلاّ إلى الكنائس الأرثوذكسية.

يُقدّم الجانب الكاثوليكي عقيدته في انبثاق الروح القدس من الآب والابن على أنّها صياغة بديلة للتعبير، وعلى أنها صياغة مقبولة ومساوية لاهوتياً للتعليم الأرثوذكسي عن انبثاق الروح القدس “من الآب وحده”. والمؤسف أن عدداً من لاهوتيينا يدعمون هذه النظرة.

إلى هذا، يتمسّك البابا بأوليته على أنها امتياز غير قابل للتحويل، على ما يظهر من تخلي البابا بندكتوس السادس عشر مؤخراً عن لقب “بطريرك الغرب”؛ كما ويظهر من إشارته إلى الرسالة العالمية النطاق التي للرسول بطرس وخلفائه في الكلمة التي ألقاها في كنيسة البطريركية، وأيضاً من كلمته الأخيرة التي جاء فيها: “… في المجتمع، مع خلفاء الرسل، الذين يضمن وحدتهم المنظورة خليفة الرسول بطرس، تدبّرت الجماعة الكاثوليكية الأوكرانية أن تحفظ التقليد المقدّس حيّاً، بكماله” (Catholic Newspaper, No.3046/18-4-2006).

الاتحاديّة تتعزّز ويُعاد توكيدها بطرق شتى متعددة، بالرغم من الادّعاءات البابوية بالعكس. نشهد هذا الموقف المضلل، بمعزل عن المواقف الأخرى، في التدخل الاستفزازي الذي قام به البابا السابق، يوحنا بولس الثاني، مما جعل الحوار الأرثوذكسي – الكاثوليكي في بالتيمور كارثياً، وأيضاً في الرسالة التي وجهها البابا الحالي إلى الكاردينال ليوبومير هوسار، رئيس أساقفة اتحاديي أوكرانيا. ففي رسالته بتاريخ 22 شباط 2006، يضع بشكل لافت للنظر التأكيد على التالي: “من المُلِحّ تأمين حضور الحامليَن العظيمين (اللاتين والشرقيين) للتقليد الواحد… إن الرسالة التي أخذتها على عاتقها كنيسة الروم الكاثوليك، كونها في شركة كاملة مع خليفة الرسول بطرس، ذات وجهين: من جهة، عليها أن تصون بشكل منظور التقليد الشرقي داخل الكنيسة الكاثوليكية؛ ومن جهة أخرى، عليها أن تدعم دمج التقليدين، شاهدة على أنّ بمقدورهما ليس مجرد التناسق، بل أيضاً إنشاء وحدة عميقة وسط تنوعهما”.

على ضوء هذا، إن التبادل المهذّب، كزيارة البابا إلى الفنار وزيارة رئيس أساقفة أثينا إلى الفاتيكان، من دون استيفاء وحدة الإيمان كمتطلب أساسي، قد يخلق، من جهة، انطباعات مغلوطة عن وحدة ما، وبالتالي يبعد غير الأرثوذكسيين الذين قد يكونوا رأوا الكنيسة الحقيقية في الأرثوذكسية، ومن جهة أخرى يثلم التحسس العقائدي عند الكثير من الأرثوذكسيين. وأكثر من هذا، قد تدفع هذه الزيارات بعضاً من الأرثوذكسيين الأتقياء، القلقين جداً من الانتهاكات الأخيرة للقوانين المقدسة، إلى أن ينفصلوا عن جسم الكنيسة ويخلقوا انشقاقات جديدة.

وهكذا، بمحبة لأرثوذكسيتنا، وبألم لما يتّصل بوحدة الكنيسة، وكوننا مصممين على صون الإيمان الأرثوذكسي حراً من كل ابتداع، نكرر ما كان أعلنه التجمع الاستثنائي المزدوج لأديار الجبل المقدس في 922 نيسان 1980:

“نحن نؤمن أن كنيستنا الأرثوذكسية المقدسة هي كنيسة المسيح الواحدة المقدسة الرسولية التي تملك ملء النعمة والحق، ولهذا السبب هي تسلسل رسولي غير منقطع. بالمقابل، “كنائس” و”طوائف” الغرب، كونها قد حرّفَت إيمان الإنجيل والرسل والآباء في عدة نقاط، فهي محرومة من النعمة المقدسة ومن الأسرار الحقيقية ومن التسلسل الرسولي….

ليست الحوارات مع غير الأرثوذكس مُدانة إذا كانت تهدف إلى تعليمهم عن الإيمان الأرثوذكسي حتى متى صاروا متقبلين للاستنارة الإلهية وانفتحت أعينهم، يعودون إلى الإيمان الأرثوذكسي…

لا ينبغي أبداً أن تترافق مع الحوار اللاهوتي صلوات مشتركة، أو مشاركة باجتماعات ليتورجية أو عبادة لأي من الطرفين، أو كل النشاطات الأخرى التي قد تعطي انطباعاً بأن كنيستنا الأرثوذكسية تعترف بالكاثوليك ككنيسة كاملة وبأن البابا هو أسقف روما القانوني. إن هذه الأعمال تضلّل المؤمنين من الأرثوذكس كما من الكاثوليك، إذ تقدم لهم صورة مغلوطة عمّا تفكّر الأرثوذكسية…

بنعمة الله، يبقى الجبل المقدس، شأن كل شعب الله الأرثوذكسي، مخلِصاً لإيمان الرسل القديسين والآباء الأبرار. وأيضاً بنعمة الله، هذا البيان هو بدافع من المحبة لغير الأرثوذكسيين إذ إنّهم يستفيدون بشكل جوهري عندما يشير الأرثوذكسيون، بموقف مستقيم الرأي راسخ، إلى مدى اعتلال غير الأرثوذكسيين الروحي وطريقة شفائهم…

إن محاولات الوحدة التي فشلت في الماضي تعلّمنا أنّه، من أجل وحدة دائمة، وبمشيئة الله، وضمن حدود الحق الكنسي، المتطلب الأساسي هو نوع من التحضير والسلوك، مختلف عن ذاك الذي كان متّبَعاً في الماضي والذي يبدو أنّه ما زال متّبعاً اليوم”.

ممثلو ورؤساء مجالس الأديار العشرين المقدسة في الجبل المقدس أثوس.

كارياس، الثلاثين من كانون الأول 2006.

فاسولا ريدن: وجهة نظر أرثوذكسية

فاسولا ريدن: وجهة نظر أرثوذكسية

إعداد الأب أنطوان ملكي

—————————————————————————————————————————————————————– 

فاسولا ريدن: وجهة نظر أرثوذكسية

إعداد الأب أنطوان ملكي

تعاليمها

أهم تعاليم فاسولا هو الدعوة إلى الوحدة المسيحية. وهي لذلك تحلّل المناولة المشتركة، خاصةً خلال رحلات الحجّ التي تنظمها. وهي تؤكّد أن يسوع كشف لها أن الإفخارستيا ينبغي أن تكون الوسيلة لبلوغ الوحدة: “يدعونا ربّنا إلى عيش الوحدة في قلوبنا، حول مذبح واحد متشاركين بالمناولة” وتضيف أنّ “السلطات الكنسية لا تفهم هذا الأمر لأنّ عليهم أن يتوبوا لكي يتمكّنوا من الاستماع لما يقوله الروح القدس لهم”.[1]

 

 

من أوضح دعواتها في هذا الإطار كلام في إحدى رحلات الحج في تركيا: إذا قال لكم البعض أنكم تقومون بعمل خاطئ عندما تعيشون الوحدة الروحية أو تشتركون بالمناولة، كما جرى اليوم وفي الأيام الماضية، فعليكم أن تقولوا لهم: … أنا أتبع وصايا المسيح وحسب. فما هو الأفضل لكم أن تتبعوا وصايا المسيح أو أن تعصوها؟ … سوف أستمع لوصية الرب وأبقى فيه لأني قرأت، بمعونة الروح القدس، علامات الأزمنة التي تدعونا إلى الوحدة والاشتراك حول مذبح واحد”[2]

من تعاليم فاسولا، التي تشترك مع غيرها من دعاة الوحدة غير المستندة إلى التقليد والكتاب، هو الدعوة إلى توحيد تاريخ التعييد للفصح. ففي عام 2007 أطلقت جماعة الحياة المسيحية في الله عريضة عنوانه “تاريخ واحد” مطالبة الأرثوذكس والكاثوليك بتوحيد تاريخ عيد الفصح، استناداً إلى ما طلبه يسوع في الرسائل التي نقلتها فاسولا. وبحسب فاسولا إذا نجحت العريضة فإن يسوع يَعِد بزمان من السلام[3]. وكما يشرح أحد أتباعها في مقال منشور على موقع TLIG الرسمي: “إذا توافق رؤساء الكنائس على تاريخ التعييد للفصح، فإن كل الحروب على المسكونة سوف تتوقّف. سوف يكون عندنا سلام كوني: كلّ شيء سوف يقع في مكانه. كلّ شيء سوف يصير أفضل للجميع. هذا ما شرحته لي فاسولا”[4].

وتؤكّد فاسولا أن يسوع كرّر أكثر من مرة أنّ “الحروب… الإرهاب، الكوارث الطبيعية، كالتسونامي مثلاً، كلّ هذا بسبب انقسام الكنيسة”[5]

هذا وقد تعرّض نقّاد فاسولا لموثوقيّة رسائلها لأنّ هذه الرسائل تغيّرت مع الوقت. ففي 1995 ذكرت فاسولا في مقابلة مع The Times  أنّ الله أعطاها الإذن بالقيام بهذه التغييرات. فقد ذكرت: “من الممكن لإله كامل أن يندم (regret) على ما سبق له قوله، تماماً كما ندم على خلقه لجنس سقط من النعمة.[6]

 

التزامها بالكثلكة وملاحظات عامّة حول تعليمها

أمّا عن التزامها بالكثلكة، فيذكر أقرب تابعيها، الأب رينيه لورانتاين، في حديثه عن أنّ البابا والحبل بلا دنس هما نقطتا الخلاف الأبرز بين الأرثوذكس والكاثوليك: “في هاتين النقطتين، فاسولا تلتزم (adheres) بالكامل بالعقيدة الكاثوليكية، وهذا ما يشكّل مشكلة لدى بعض الأرثوذكس”[7]

إلى هذا، يوجد عدد من النقاط التي يلاحظها قارئ رسائلها وينبغي التوقّف عنده:

  1. تدّعي أنّها تزوّجت بيسوع وأعطاها خاتماً بطريقة فائقة الطبيعة (رسالة 23 آذار 1987).

  2. تذكر أن يسوعها يسمّي الذين لا يتوافقون معها “زمرة قايين” (رسالة 18 كانون الثاني 1991) وأن مَن يرفض فاسولا يرفضه هو شخصياً (رسالة 15 تشرين الثاني 1991).

  3. تعلّم عن الجحيم تعليماً هو أقرب إلى الخرافة وتعاليم البدع منه إلى ما تذكره الكنيسة خاصةً في التفاصيل والمناقشات التي دارت بينها وبين الشيطان، إذ تروي أنّها زارت الجحيم برفقة يسوع (رسالة 7 آذار 1987).

  4. تعليمها عن ضد المسيح، معطوفاً على تعليمها عن الجحيم، أقرب إلى تعليم الألفيين خاصةً في التهديد والوعيد الذي يحمله، وربط الكوارث والمحن بمجيء ضد المسيح وإيقافها باتحاد المسيحيين.

  5. تستعمل لغة العصر الجديد، أي لغة عمومية مبهَمة وتحمل الكثير من التفاسير، خاصةً عند حديثها عن الرئاسات الكنسية وعن الأقانيم الثلاثة.

من ناحية ثانية، يمكن إيراد عدد من الملاحظات تسهم في طرح البعد الفائق للطبيعة عن رسائل فاسولا وسلوكها:

  1. التبدل في عدد من الأفكار الواردة في الرسائل

  2. شكل تلقّي الرسائل، خاصة موضوع الخط الغريب، مثير للشكوك لعدم تطابقه مع التقليد، ما يوحي بالمسّ الشيطاني أكثر منه بالخبرة الروحية البنّاءة.

  3. عدم وضوح موقف فاسولا من الرئاسات والقوانين الكنسية واستعدادها لتخطيها والدعوة لإهمالها في الكثير من الحالات.

  4. الدور الرئيسي الذي تظهر فاسولا من خلاله في هذه الرسائل، حيث تكون رفيقة يسوع وزوجته ورسولته…

 

مواقف الكنائس الأرثوذكسية

بالإضافة إلى الموقف الواضح الصادر كنيسة اليونان والمذكور آنفاً، صدر في 2002 موقف عن كنيسة أورشليم برسالة موقّعة من الراهب سارافيم، أمين سر البطريركية، ومن أهمّ ما جاء فيه: ” إن حركة السيدة فاسولا غير مقبولة كحركة أرثوذكسية، بل هي مسكونية وتساوم ضد الحقيقة وترتكز على رؤاها… الرؤى التي تصفها السيدة رايدن لا تشترك مع رؤى الآباء القديسين بأي من الصفات. فالمتوشّحون بالله مُنحوا الرؤى بعد لله وللقريب ت كثيرة من حياة الصليب والطاعة والاتّضاع والصلوات والصوم والمحب وإخفاء الذات طوعياً، ومن كلّ هذا لا يظهر لدى السيدة رايدن إلا إقلاعها عن حياتها الدنيوية السابقة…”[8]

أمّا كنسة رومانيا، فقد صدر موقفها من بعد زيارة حجّ نظّمتها في أيار 2010، حيث استقبلها الكاهن دانيال كريشان في مدينة بوسكا. وقد تكلّمت فاسولا في الكنيسة بالحجاج ودعتهم إلى المناولة المشتركة، وقد شارك في القداس أحد الكهنة الكاثوليك المرافقين لها. موقف الكنيسة الرومانية عبّر عنه المجمع، بطلب من مطران بوسكا، في رسالة رفضت فيها تعاليم فاسولا والنشاطات المماثلة لرحلات الحج التي تقوم بها كما أوقفت الكاهن دانيال عن الخدمة[9].

آخر المواقف هو للكرسي القسطنطيني الذي اصدر بياناً مجمعياً في السادس عشر من آذار 2011، على أثر انتقال فاسولا للعيش في رودس، وقد جاء فيه: “إن الكنيسة الأرثوذكسية باتباعها بدقّة مثال الرسل القديسين وتعاليمهم، كما تعاليم خلفائهم آباء الكنيسة، وقرارات المجامع المسكونية الملهَمَة من الله، تصون الإيمان كجوهرة غالية الثمن، إيمان الكنيسة الواحدة المقدّسة الجامعة الرسولية، الذي تختبره الجماعة المسيحية باشتراكها في الأسرار ومجمل حياة الجسم الكنسي المؤسَّس من الله.

وعليه، كل حركة وتوتر مرتَجَل، سواء كان شخصياً أو جماعياً، ويحمل ازدراءً او خرقاً لعقائد الإيمان والحياة الأرثوذكسيين اللذين يُعاشان في المسيح ضمن الكنيسة على أنّهما السبيل الوحيد لخلاص نفوسنا، وبخاصةً الصادرة عن شخصيات تدّعي لذاتها المواهبية، مرفوضة دائماً على أنّها ابتداع غير مقبول.

بهذه الروح، وحرصاً على الشعب الأرثوذكسي الورع، الذي لا يعرف جيداً الأمور المترتّبة من خطر الخديعة، ولحمايته المفيدة من التشوّش الروحي، نشجب فاسيليكي باراسكيفيس بنداكي – رايدن، المعروفة على نطاق واسع باسم فاسولا، من الكنيسة الأمّ، ومعها منظمّتها التي تحمل اسم “الحياة الحقيقية في الله”، لأنّها تقترح بطيش تعاليم تقوم على ما يُزعَم بأنّه “حوار مباشر بينها وبين مؤسس الكنيسة ربّنا يسوع المسيح”، كما نشجب الذين استولَت عليهم وداعمي “الحياة الحقيقية في الله”، لكونهم ينحرفون اعتباطياً عن تعليم الكنيسة المُعطى من الله، لا بل أنّهم يحيّرون ذهنية المؤمنين الأتقياء.

لذا، نحن ندعو أنصار هذه البدَع المرفوضة والأشخاص الذين يدعمونها، الذين من الآن وصاعداً لن يُقبَلوا في الشركة الكنسية، ليس فقط إلى عدم التورّط في أعمال تبشيرية في الأبرشيات المحلية، بل أيضاً إلى عدم نشر تعاليمهم المبتَدَعة، للحيلولة دون الوقوع تحت العقوبات التي تنصّ عليها القوانين المقدّسة.

أخيراً، نعبّر عن أسف البطريركية المسكونيّة العميق لأعمال بعض إكليريكيي الكنيسة الأرثوذكسية – لحسن الحظ أنّهم قلّة – الذين يحاورون المسمّاة فاسولا ويعطونها “شهادة في الأرثوذكسية”.”

يدافع أتباع فاسولا عنها في وجه هذه المواقف بالقول بأنّ قرار كنيسة اليونان لا يذكر كلمة “حرم excommunication”، خاصة أنّ الكنيسة لا تحرم أحداً إلا بعد أن تناقشه، وكنيسة اليونان لم تناقش فاسولا. أمّا في قرار كنيسة القسطنطينية فهم يرون أنّ لا قيمة له لأنّه ليس صادراً عن البطريرك شخصياً، في حين أنّه قرار مجمعي صادر عن سكريتيريا المجمع. وفي هذه الحجة الأخيرة دليل واضح على عدم فهمهم لتركيبة الكنيسة الأرثوذكسية حيث البطريرك متقدّم بين متساويين. إلى هذا، إنّهم يبرزون عند أي حوار صورة لورقة موقّعة من بطريرك الإسكندرية ثيوذوروس، يقولون أنّها شهادة بأنّ إيمان فاسولا أرثوذكسي، ويستندون إلى قانون يقول بأنّ الإنسان عند انتقاله من مكان إلى آخر يبقى لمدة خمس سنوات تحت سلطة الكرسي التي كان فيها. فلكَون فاسولا مصرية الأصل فإن رسالة البطريرك ثيوذوروس شهادة كافية. وهنا لا بد من الملاحظة أنّه لا يوجد هكذا قانون في الكنيسة الأرثوذكسية، إضافة إلى أنّها تركت مصر مما يزيد عن الأربعين سنة.

 

 

 


[1] “Vassula speaks of unity and intercommunion”, 2008, http://www.tligvideo.org/chich.html

[2] www.tlig.org/print/en/news/2007-06-29/2045

[3] رسالة 10 كانون الأول 2001.

[4] “My Valentine’s Day Kitchen Table Talk with Vassula”  (http://www.tlig.org/en/news/2007-03-27/2035

[5] من فيديو أثناء رحلة حج في تركيا سنة 2007، مصدره http://vimeo.com/11074886 عند التوقيت 4:50 من الفيديو.

[6] http://www.latimes.com/news/local/la-me-visionary10jan10,1,4003585.story

[7] http://www.propheties.it/celestial/vassula/rydentes.htm

[8] النص كاملاً موجود باللغتين اليونانية والإنكليزية على موقع دير الضابط الكلّ http://www.impantokratoros.gr/EFC7D523.en.aspx.

[9] http://www.infovassula.ch/tligcrecan.htm

فاسولا ريدن


النبية الكاذبة فاسولا ريدن

ترجمة إدارة شبكة القديس سارافيم ساروف

مراجعة الأب أنطوان ملكي

في رسالة مؤرخة بتاريخ 24 نيسان (2010)، نُشرت على موقعها الرسمي، ادعت رايدن بأن تحذيرات من بركان أيسلندا لهذا العام والنيزك الذي شوهد في وسط وغرب أمريكا قد وردت في رسائلها، وأنّ الصلاة التي لقّنها إياها يسوع ورددها أتباعها قد خففت من تأثيراتهما إلى هذا الحد… وتقول الرسالة أنه إذا استمرت السلطات الكنسية في محاربة الله ومنعه من الكلام (من خلال فاسولا رايدن) فإن الناس سوف تنقلب عن الإيمان وعقاب الله بالنار سيكون رهيباً.

وتدّعي فاسولا بأن الرب يسوع أعطاها صلاة خاصة في تشرين الثاني عام 2009 للحد من تأثيرات البركان والنيزك الكارثية. وتذكّرهم بأنها سبقت وتنبأت عن أحداث 11 أيلول وكارثة تسونامي. وادّعت بأنها طرحت على يسوع السؤال “لماذا يسمح بكل هذا؟” فأجابها أنّ الناس يموتون بسبب “الإرتداد عنه”. وتدعي أن الذين ينتقدون نشاطاتها ويمنعون الناس عن الإصغاء لها سوف تأخذ بهم العدالة الإلهية إلى الجحيم (10 كانون الثاني 2002). وأحدى أهم النقاط التي وردت في رسائلها المزعومة هي تلك التي تدعي فيها أن الرب قال “ الآن أرعى كرمتي بيدي شخصياً” (22 آب أوغسطس 1989) وأن الرب سيختار “كهنة الله الحي، كهنة الأمين، ومن خلال الكهنوت الجديد سيعيد بناء الكنيسة“ (29 تشرين أول أكتوبر 1991)، وكأن الكنيسة لم تكن في رعاية الرب مخالفة بذلك قوله “وها أنا معكم كل الأيام حتى انقضاء الدهر”، وقوله “متى اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي أكون حاضراً في وسطهم“ وقوله “لا أترككم يتامى“ في وعده بحلول الروح القدس في الكنيسة وبقائه معها إلى يوم المجيء الثاني

 

من هي فاسولا ريدن؟

في العام 1985 بدأت تنشر رسائلها مدعية أن الملاك الحارس “دانيال“ كان يلقنها ما تكتبه وكان يحرّك يدها للكتابة رغماً عنها (بشكل لا إرادي)، ليحلّ سريعاً فيما بعد الرب يسوع المسيح مكانه والذي كان يخط رسائله من خلالها والذي دعاها لتنادي “بالحياة الحقيقية في المسيح“. وقد أكد عدد من الخبراء أنها مزيج من تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية مع الكنيسة الكاثوليكية وبعض النبوءات والتحذيرات من أحداث كارثية. ووفقاً لموقعها الخاص على الإنترنت “الحياة الحقيقية في الله TLIG “ فقد وُجّهت لها الدعوات لأكثر من 90 بلداً في العالم وألقت أكثر من 900 محاضرة، حتى أنه وفق زعمها قد طُلب إليها أن تتحدث عن الوحدة ثلاث مرات في مجلس الكنائس العالمي في جنيف (لم نتمكن من التحقق من صحة ذلك)

ورغم انها تصرّح بأنها يونانية أرثوذكسية لكنها حاولت منذ بداياتها الحصول على موافقة الكنيسة الكاثوليكية، وفي الواقع أن الكثيرين من أنصارها بمن فيهم الإكليريكيين هم كاثوليك. كما أن دعواتها لتقديس قلبَي مريم ويسوع وعبادتهما هي دعوات كاثوليكية لا أثر لها في الكنيسة الأرثوذكسية، ناهيك عن دعوتها الناس لصلاة المسبحة الوردية وزيارة المزارات الكاثوليكية فحسب، قائلة نقلاً عن إحدى رسائلها المزعومة “مباركين هؤلاء الذين يقيمون صلاة المسبحة الوردية“. كما أنها تؤمن بالعذاب وبأن الصلاة تقي منه، وادّعت أنه أتيح لها رؤية الجحيم ووصفت أموراً بعيدة عن تصوّر الكنيسة له. وفي الحقيقة يصعب على المتتبّع لرسائلها أن يجد أي روح أرثوذكسية فيها – كما تدّعي- . هذا ويوجد لها اعتراف على أحد الفيديوهات تقرّ فيه بأنها لم تكن تتردد على كنيسة و”لم تكن تبحث عن الله مطلقاً“، بل كانت تؤمن بأن الله موجود دون أن تتلقى أي تعليم ديني محدد. وعندما تزوجت من أحد اللوثريين البروتستنت هجرت الأرثوذكسية واتبعت إحدى الحركات العالمية التي أرسلتها إلى أماكن متفرقة في العالم. ولم تكن لا هي ولا زوجها ممن يمارسون أي شعائر دينية. وفي عام 1985 وبينما كانت تكتب قائمة باحتياجاتها من الخضار فجأة رأت ملاكها الحارس يحرك القلم ويكتب على الورقة ما يريد أن يقول لها، وقدم نفسه باسم “دانيال“ وأمَرَها بقراءة الكتاب المقدس ومن ثم صارت الرسائل تأتي من الله

وقد أصدرت كلتا الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية تحذيرات جدية من تعاليمها ونشاطاتها، لكنها لم تزل تجد مناصرين من كبار الإكليروس الكاثوليكي مما يوحي لأنصارها بأن الكرسي الرسولي يدعمها وبأنّ هناك مؤامرة في الأوساط الفاتيكانية كانت وراء التحذيرات التي صدرت بشأنها. واعتبر أتباعها أن عدم الاعتراف بأن يسوع يتكلم معها من قبل السلطات الكنسية هو تكرار للتاريخ عندما لم يصدّق اليهود أن يسوع هو “المسيّا “. ولذلك فإن “الأمناء“ من رجال الدين الذين صدّقوها هم بمثابة رسل العصر الجديد الذين سيتلَمِذوا العالم . وقد وصفها أحد أتباعها بأنها “واحدة من أعظم أنبياء الله كما كان أنبياء العهد القديم، وأنّ رسائل الحياة الحقيقية في المسيح التي تنشرها ليست سوى إحدى أهم عطايا الله للجنس البشري، وأن رفض هذه الرسائل هو بمثابة التجديف الذي لا يُغتفر على الروح القدس “

ولدت فاسيولا لأبوين يونانيين في مصر عام 1942، تزوجت عام 1966 لموظف بروتستنتي في منظمة الأغذية والزراعة وأنجبت منه ولدين. بدأت منذ العام 1985 تدعي بأنها تتلقى رسائل موحاة من يسوع المسيح، محتواها يدور حول الحركة المسكونية وانقلاب الناس والكنيسة عن الدين وقلبَي مريم ويسوع المقدسين. وكان لنشر هذه التعاليم والدعم الذي لاقته من قبل لاهوتيين عالميين مثل رينيه لورينتين الأثر المهم في وجود أتباع ومؤيدين لتعاليمها في صفوف العديد من العلمانيين والإكليريكيين على حد سواء (مطارنة وكرادلة في الكنيسة الكاثوليكية).

رسائلها مجموعة الآن في حوالي 10 – 12 مجلد تدور كلها تقريباً حول إثارة المشاعر الإنسانية والحديث حول الإرتداد في العالم المسيحي والكنيسة والعلمانية والعقلانية التي جعلت الإيمان فاتراً. أتباعها يدينون الإجهاض والاستنساخ والعصر الجديد، ويعظون بالولاء للبابا والحاجة لقبول الأسرار وأهمية الصوم. وأخيراً وليس آخراً يدعون حدوث عجائب بتلك الرسائل حتى دون أن يوجد لها أي توثيق علمي

في السادس من تشرين الأول عام 1995 صدر عن مجمع العقيدة والإيمان في الفاتيكان بيان يعلن بوضوح أن الرسائل التي تنشرها فاسيولا رايدن وتدّعي أنها من السيد المسيح، بالإضافة لاحتوائها على نقاط إيجابية، لكنها تحوي الكثير من المغالطات والتناقضات مع العقيدة الكاثوليكية كاللغة الغامضة التي تستخدمها في الإشارة لأقانيم الثالوث الأقدس والخلط بين هذه الأقانيم، والادعاء بقرب وصول ضد – المسيح AntiChrist وحلول فترة من السلام والرخاء على العالم – الفكرة الألفية حول حدوث فترة من السلام والرخاء على الأرض تسبق الدينونة الأخيرة – قبل مجيء المسيح الثاني (كما في رسائل 24 كانون أول ديسمبر 1989، و10 تشرين الثاني نوفمبر 1988) .. واستغرب البيان تناقض تعاليم فاسيولا رايدن مع تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية التي تدعي الانتماء لها، ودعا البيان في ختامه كل الأساقفة الكاثوليك إلى عدم السماح لتعاليمها بالانتشار بين رعاياهم والعمل على تنوير المؤمنين لزيف هذه الرسائل

وسرعان ما احتج أنصارها على البيان وادّعوا أنه صدر بلا توقيع بمعنى أنه دون علم رئيس مجمع العقيدة والإيمان الكاردينال راتسنغر (البابا بنديكت السادس عشر حالياً)، وأنه من صياغة وصنع بعض القوى الماسونية في الفاتيكان

ورغم الشكوك التي حامت بسبب تصريحات تتسم بالليونة أدلى بها الكاردينال راتسنغر لمجموعة من مؤيديها في المكسيك في أيار عام 1996، عاد الفاتيكان في قرار له في تشرين الثاني من العام نفسه ليؤكد على أن الحظر على نشر وقراءة رسائل فاسولا، واعتبارها رسائل من وحيها الخاص هو حظر ساري المفعول ونافذ

 

اختفاء، حذف وتعديلات على الرسائل

هذه المعلومات نُشرت في مجلة إيطالية اسمها Jesus تحت عنوان “عندما يُصحح يسوع”، في تشرين الأول من عام 1996 وأشارت إلى عمليات الحذف والتعديل التي أدخلتها السيدة رايدن على رسائلها المزعومة

فقد أتلفت المدعوّة رايدن رسائل الأشهُر العشرة الأولى من دعوتها المزعومة والتي يفترض أنها الأهم في كل ظاهرة جديدة، وتعترف بذلك شخصياً وتقول “نعم لقد أحرقتهم لأن لدي الكثير منهم“، وهذه وحده يعتبر طريقة غير محترمة للتعامل مع رسائل تقول أنها من الوحي الإلهي. ولكن رينيه لورنتين لا يتردد في الدفاع عنها وينفي قيامها بإتلاف الرسائل – على خلاف اعترافها هي بذلك – ويقول أنها “لم تدمر شيئاً لكنها لم تنشر تلك الرسائل إلا أن لديها خطط للقيام بذلك“. ولا يزال الوعد قائماً منذ أكثر من عشر سنوات بنشر هذه الرسائل دون أن يتم .. هذا التناقض لا يترك مكاناً للثقة

اكتشف الأب الفرنسيسكاني فيليب بافيتش وهو كرواتي الأصل تعديلات كثيرة قامت بها المدعوة رايدن على الرسائل، عندما كان مقيماً في ميديغورييه وقد تلقى نسخاً من رسائلها قام بمقارنتها مع النسخ الأصلية المكتوبة بخط اليد لها فاكتشف وجود مقاطع محذوفة ومُشار إليها بأن الحذف تم من قبل السيدة رايدن نفسها وبالتعاون مع أحد مناصريها المدعو إرفين شلاخر Erwin Schlacher. وقد قام بإرسال الرسائل إلى المترجمة إيلينا كارفالو لترجمتها إلى اللغة البرتغالية، فقامت كارفالو بمراسلة السيدة رايدن والاستيضاح منها، وردت فاسولا رايدن عليها بالفاكس في تاريخ 1 تشرين أول أكتوبر 1993 تقول فيها مبررة ذلك: “كل شيء حذف بمشيئة الله، وبكلمتين مختصرتين، الله يعطيني رسائل خاصة ورسائل مشفّرة. في البداية قمت بتصوير نسخ عن كل تلك الرسائل، وعندما أردنا طباعتها لاحقاً جعلني الله أفهم أن الرسائل الخاصة وتلك المشفرة التي قد لا يفهمها الناس لا يجب أن يتم طباعتها.(…) لدي جهازي كمبيوتر محمول، أحدهما أدعوه الكمبيوتر الخاص، (…) والثاني هو العام والذي يحتوي على ما يجب أن يتم طباعته. الله ينقل من الكمبيوتر الخاص ما يجب أن يتم طباعته ويدخله في الكمبيوتر العام “.

وتدعي أنها في البداية قد نشرت كل شيء على الملأ لكن الله لم يرد ذلك. وفي نهاية الفاكس تقول أن اللاهوتي رينيه لورنتين سوف يدحض كلّ تلك الإفتراءات. لكن هذا الدحض لم يأتِ مما زاد في هشاشية مصداقيتها المهزوزة أصلاً. وبإجراء الفحص الدقيق لنسخ الرسائل المكتوبة باليد وتلك التي تم طباعتها منها، تبين أن المقاطع المحذوفة هي تلك التي تشير إلى نبوءات لم تتحقق، مما تسبب بخيبة أمل لبطلة الرواية. مثل رغبة العذراء بلقاء الكاهن المريمي دون ستيفانو غابي الذي لم يتم، وطلب يسوع من فاسولا أن تطلب مقابلة البابا لتغسل قدميه ومن ثم يحتفلان بدرب الصليب سويّة. ثم إشارة يسوع إلى أنه سوف يجعل الناس “تعبد“ أمّه القديسة والتي تمّ شطبها وتصحيحها بخط فاسولا إلى “يكرمون“ بدل كلمة يعبدون.

وهنا علينا أن نتساءل عن ماهية هذا الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس الذي لا يستطيع اختيار المفردات الصحيحة والذي هو بحاجة لأن يصحح عباراته وكلماته الخاصة

أخيراً وفي مذكّكرة طويلة نشرت في بلفاست عام 1994 تقول فاسولا رايدن مدافعة عن هذه التصحيحات أن الآب السماوي قال لها حرفياً في رسالة بتاريخ 12 تشرين أول أكتوبر 1986 “السلام معك، لا تترددي في تصحيح أي كلمة ترين أنها غير صحيحة أو أنها قد تتسبب لك بالإزعاج. أنا، الله، سأمنحك الشعور بذلك. هل أنت سعيدة يا فاسولا ؟“.. هذا الآب السماوي المزعوم نفسه يقول لها في رسالة مؤرخة بتاريخ 14 تموز يوليو 1992 “رددي فقط الكلمات التي أقولها لكِ، لا تزيدي ولا تنقصي، أريدك خاصة لي”.

 

الكتابة التلقائية

في لقاء مع حجاج كنديين في سويسرا عام 1991 تحدثت السيدة رايدن بنفسها عن الطريقة التي يتمّ بها تسليم الرسائل المزعومة: “كنت أعدّ قائمة باحتياجاتي للحفلة في تلك الليلة وتناولت ورقة لأكتب عليها ما أحتاج. وفي اللحظة التي أمسكت بالورقة والقلم شعرت بتيار غريب كالكهرباء يسري في كل جسدي وصولاً إلى يدي وخاصة يدي اليمنى … وخرج القلم من بين أصابعي كما لو أنني أردت التخلص منه، ولم يعد بإمكاني الإمساك به مجدداً، كما لم أستطع أن أفتح يدي مجدداً كما لو أنها التصقت. صارت الورقة كالمغناطيس ولم أعد أقوى على رفع يديّ كما لو أن وزنها صار 100 كيلوغرام. لم أكن خائفة ولا أعرف لماذا، فتركت يديّ لأنظر ماذا سيحدث. لم يكن الخط خطي وسرعان ما صارت الكلمات مقروءة “أنا ملاكك واسمي دان (دانيال)“ ولكن سرعان ما حلّ محله يسوع، الآب، مريم العذراء وقديسون آخرون“

والأمر الهام في هذا التصريح هو أنها كانت مجبرة على كتابة ما كُتب بواسطة قوة خفية خارقة، وأن الخط الذي كتبت به الرسائل ليس هو خطها لأن القلم كان يتحرك وحده دون أن تتدخل هي. فقد اعترفت شخصياً بأنها لم تكن تقوى على السيطرة على يدها عندما كان الله يكلمها (9 نيسان أبريل 1992)، وبأن يسوع مرة طلب إليها أن تكتب وقال بأنه سيسحب قوته لكي تتمكن من السيطرة مجدداً على يدها (19 كانون أول ديسمبر 1989)

وهنا نعتقد أنه ليس من طبيعة الإله الذي نعرفه في الكتاب المقدس أن يسيطر على الشخص الذي يتواصل معه ويلغي حريته، وليس من المعروف أن هذا الشخص يصبح “ سكرتيراً لله “ يكتب املاءاته

 

بعض ادعاءاتها

–  بأن هناك قوىً أعطيت لها: ورد في رسائلها “ كل الأعمال سأفعلها أنا – تعني الرب يسوع – من خلالها، وسأتكلم من خلالها“ (10 تشرين الثاني نوفمبر 1987)، و“محبتك لي سوف تشفيهم، سوف أستخدم حبك لي لكي أشفيهم. اشفِهم، اشفِهم يا فاسولا، إنك تحملين معي صليبي “ (10 شباط فبراير 1987)

– بأنها دُعيت لمهمة كبرى لها أهمية حيوية بالنسبة للكنيسة والعالم: “يا صيادة البشر، انشري شبكة الحب والسلام في العالم … عندما كنتُ بالجسد على الأرض علّمت مجموعة صغيرة من الرجال كيف يصبحون صيادي بشر، وتركتهم في العالم لينشروا كلمتي لكل الناس. انا الرب يسوع أطلب إليك وسأريكِ كيف يتم هذا العمل“ (26 نيسان أبريل 1987)، وتدّعي أنها كاهنة “ يا كاهنتي، لأنك كاهنتي سوف أكون معك ولن أتركك وحدك “ (17 آذار مارس 1987

– لرسائلها سلطة تفوق كل سلطة روحية: “ولكن بالطبع يا فاسولا أنت لا تنتمين لهم، أنت تخصينني وحدي، أنا خالقك وأبوك الأقدس، أنتِ تحت سلطتي .. إذا سألوكِ إلى من تنتمين فقولي أنك تخصينني أنا وأنك تحت سلطتي“ (27 تشرين أول 1987). وفي رسالة أخرى “انهضي يا ابنتي الكنيسة بحاجة لك“ (وليس العكس !، 29 آذار 1988)، وفي رسالة أخرى “من أجلي يا فاسولا سوف توحدين كنيستي“ (3 تموز 1987)

– تدعو ريدن إلى اختبار “العلاقة الشخصية “مع الله، وتقول في محاضرة لها في آسيا: “ … من المهم جداً ألا نصير بيروقراطيين، كتابيين، أو لاهوتيين بشكل آلي. بل أن نعطي الروح القدس المساحة اللازمة لكي يكشف عن نفسه وأن نبني علاقة وطيدة مع الله، وعندها فقط يمكننا ان نخدم الله وشعبه”.

 

إيحاءات جنسية

عند المرور على هذه الداعية الشيطانية لا بد وأن نقف عند الأمور المقرفة والمقززة التي ذكرتها في تلك الرسائل، وفيها خير دليل على طبيعة من يتراءى لها وماهيته، وهو فعلاً ذلك الذي بإمكانه أن يغير من هيئته ليصير كملاك، ونعني هنا الشيطان عدو الكنيسة

هنا مقتطفات من “الحوار” بينها وبين يسوعها المزعوم

“شاهدت بعينيّ الروحيتين الرب يسوع يجلس إلى الطاولة معي يراقبني وأنا أتناول الطعام. قال لي “ هل هو جيد؟” فقلت “نعم، شكراً لك يا رب “ (25 أيار 1988)

– يسألها يسوع “ هل تعلمين كم أحبك؟ “. تجيبه “ نعم يا يسوع “. فيقول “ لماذا إذاً ترفضين أن أقبّلك ؟ … ألم أخبرك من قبل يا فاسولا أن لا ترفضي لي طلباً ؟ بماذا أجبتني؟ “ . فتقول “ بأني لن ارفض لك طلباً مهما يكن “. يتابع يسوعها “ لماذا إذاً ترفضين قبلتي يا فاسولا؟ … اسمحي لي أن أقبّلك، دعيني أفعل ؟ هل ستدعيني الآن؟ تعالي إليّ واشعري بقبلتي، قبلة سماوية على جبينك، هل أنت مستعدة؟ “ (19 آذار 1987)

 

موقف الكنيسة الأرثوذكسية

عبّرت الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية عن هذا الموقف – بحكم أن السيدة رايدن يونانية الأصل – في عام 2001 عندما اجتمعت “اللجنة المختصة بمحاربة الهرطقات“ واتخذت القرار التالي بشأن فاسيولا رايدن (ترجمة غير رسمية عن اللغة اليونانية): ” بعد ان تدارست اللجنة الأدلة المطروحة، استخلصت أن فاسولا رايدن قد فصلت نفسها عن شركة الكنيسة الأرثوذكسية، رغم أنها لم تزل تقدم نفسها على أنها تنتمي إليها. ويجب أن يكون معلوماً أن المجلة الدورية الكنسية Dialoge قد نشرت في الأعداد 1 و17 تقارير مفصلة عن منظمة فاسولا رايدن “.

وقد طالبت فاسولا وزير العدل اليوناني بمحاكمة سكرتير المجمع اليوناني المقدس الأب كيرياكوس تسوروس آنذاك بتهمة الذم والتشهير، ولكنها سرعان ما تراجعت وتخلت عن تلك الدعوة

في قراءتنا للكتاب المقدس نطالع عدة نماذج لأشخاص تراءى لهم ملائكة الله، فالنبي دانيال لما ظهر له الملاك وقع ارضاً من الخوف (دانيال8: 17)، والرعاة الذين ظهر لهم ملاك يبشرهم بميلاد المخلص كانت أولى الكلمات التي قالها لهم “لا تخافوا“ مما يعني أن هلعاً أصابهم للوهلة الأولى من رؤية ملاك (لوقا2: 10)، وأخيراً التلميذ الذي كان الرب يحبه يوحنا قد سجد للملاك الذي رآه مرتين وفي المرتين كان الملاك ينهيه عن ذلك (رؤيا19: 10، 22: 8). أما فاسولا فتقول حين ظهر لها الملاك أول الأمر “كنت سعيدة جداً وأحلّق في أرجاء المنزل وبالكاد تلامس قدميّ الأرض، وأردد بصوت عالٍ: أنا أسعد شخص على هذاه الأرض، وأنا ربما الشخص الوحيد على الأرض الذي يمكنه أن يتواصل بهذه الطريقة مع ملاكه“. ناهيك عن أن حركة الكتابة الغريبة التلقائية تختلف عن كل أولئك الذين ظهرت لهم ملائكة في الماضي كما يذكر الكتاب المقدس

وتدّعي فاسولا أنها الرسول الذي اختاره المسيح في يومنا هذا لكي يُظهره للعالم، وكأنه قد تخلى عن كنيسته التي تشهد له في العالم. وادّعت أنه طلب إليها قائلاً “أحبك كما أنتِ يا فاسولا .. كوني عروسي“. ومن المعروف أن لقب المسيح “العريس = الختن“ في الكنيسة الأرثوذكسية جاء من اعتبار أن الكنيسة هي عروس المسيح الوحيدة بالمعنى المجازي للكلمة، وهذا المصطلح استخدمه الرب يسوع عن نفسه بأنه العريس “لا يصوم بنو العرس مادام العريس معهم ولكن تأتي أيام عندما يرفع عنهم العريس فحينئذ يصومون“. وقد يتبادر للذهن أن الكنيسة تسمّي بعد قديساتها “عرائس“ المسيح، لكن ذلك هو معنىً مجازي أعطيَ لأولئك الذين عاشوا حياة القداسة والبتولية ولم يكونوا في حياتهم متزوجين، إنه لقب يعني أنهنّ عِشنَ “ مكرّسات “ للمسيح وحده دون سواه

تهاجم الرسائل المزعومة كل من يحاول إيقاف فاسولا وتنعته بأنه يؤذي الكنيسة، ولا يحضرنا أي قديس على مرّ الزمن قد حظي بمثل هذا الدفاع. فالكتاب المقدس يتحدث على أن اضطهاد الكنيسة هو اضطهاد للمسيح نفسه، كما يخاطب الرب شاول (بولس الرسول) على طريق دمشق “شاول شاول لماذا تضطهدني؟“ ولكن لم يكن هناك أي إشارة لشخص محدد. وحدهم الأنبياء الكذبة يدافعون عن أنفسهم بهذه الطريقة ضد أي نقدٍ أو تكذيب

تدعي ريدن أن الرب اختارها لأنها أكثر عجزاً وبؤساًً من أي رجل عرفه، وبأن مسكنتها تجذبه لكي يواسيها. إن القاريء الفطن للكتاب المقدس يرى في حديث الرب مع شاول، ذلك البطل اليهودي ومضطهد الكنيسة بإفراط، ليحوّله من أكبر عدو للكنيسة إلى واحد من أهم رسله، هو بذاته معجزة خارقة تستحق الوقوف عندها. ولا يمكن المقارنة بين ذلك وبين تحويل فتاة غير مؤمنة إلى داعية للسلام والوحدة، ليس في هذا ما يستحق الذكر على الإطلاق

في إحدى الرسائل ادّعت أن الرب يسوع قال لها “.. الروح القدس يأتي مني … الثالوث الأقدس هو واحد، يمكنك أن تدعوني الآب أيضاً“.. وهنا تبرز مشكلة الفيليوك أي الإضافة التي قام بها الغرب على قانون مجمع نيقية بأن الروح القدس ينبثق من الابن أيضاً. وهذا قد أدين ورُفض من قبل الكنيسة الأرثوذكسية في حينه وحتى اليوم. والأمر الآخر هو السقوط في هرطقة قديمة كانت قد رفضتها الكنيسة في القرون الأولى وهي تدّعي أن الله واحد لكنه يُظهر نفسه في ثلاثة هيئات مختلفة كما الماء الذي يمكن أن يكون بخاراً وسائلاً وصلباً، ولكن ليس الجميع معاً في وقت واحد. في عقيدة الثالوث يؤمن الأرثوذكس كما الكاثوليك والبروتستنت أن الله واحد قد كشف عن نفسه من خلال أقانيم ثلاثة، ولا يمكن أن ندعو الإبن أباً لأن الآب هو الآب والابن هو الابن. والأقانيم الثلاثة متحدة في الجوهر لكنها منفصلة أيضاً عن بعضها (لا اندماج ولا انحلال وكذلك لا انقسام ولا تباين)

 

هل لديها دعم كنسي حقاً ؟

رغم انها تضع على موقعها الرسمي شهادات لبعض كبار رجال الدين، لكن الحقيقة هي غير ذلك. فالكنيسة الأرثوذكسية اليونانية التي تدعي الإنتماء إليها قد قطعتها من الشركة Excommunication، ورفضت دعواتها كذلك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. ومن جهة ثانية فقد أدانتها الكنيسة الكاثوليكية ومعظم من تضع أسماءهم في موقعها الرسمي قد أعلنوا عدم تصديقهم لها مثل المطران توماس ماركوريلوس وجوزيف مارتوماس في الهند. وكثير من المطارنة واللاهوتيين أعلنوا لاحقاً أنهم لم يكونوا على علم بمن تكون وأنها في معظم الحالات كانت تطلب الإذن بالكلام وكان يُعطى لها

 

خاتمة

حذّر القديس مكسيموس المعترف من أنه قد “تهاجمنا الشياطين بشكل غير منظور تحت ستار الصداقة الروحية” (Third Century on Theology, 78).  وجاء في كتاب الفيلوكاليا عن لسان القديس بطرس الدمشقي “ليس عجباً أن يغير الشيطان نفسه ويظهر في هيئة ملاك من نور (كورنثوس الثانية 11: 14)، إنه يزرع في داخلنا أفكاراً تبدو أنها صحيحة عندما نفتقد للخبرة الكافية “ (الكتاب الثاني، الفصل التاسع)، ولنا في قول الرسول بولس عبرة واضحة: “لأن مثل هؤلاء هم رسل كذبة، فعلة ماكرون، مغيرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح ولا عجب  لأن الشيطان نفسه يغير شكله إلى شبه ملاك نور، فليس عظيما إن كان خدامه أيضا يغيرون شكلهم كخدام للبر. الذين نهايتهم تكون حسب أعمالهم (كورنثوس الثانية11: 13-15 ).