يا مانح الواقعين القيام – ماريَّــــــا قبارة

يا مانح الواقعين القيام

ماريَّــــــا قبارة

 

“هذا هو اليوم الذي صنعه الرب، فلنفرح ونتهلّل به”

هذا هو اليوم الّذي ينقضي فيه اللّيل بأعينٍ وقلوب متلهفة لفجر صباحه بزوغ القيامة. فليلُ الموت ترك المكان لشمس القيامة، وبه زال القديم ليحلّ الجديد.
هذه هي القيامة بالمسيح، فلا حياة دون موت، ولا مجد دون الم. فالحياة لابدّ أن تمرَّ بالموت، والمجد بالآلام، والفرح بالحزن
تبدأ القيامة في عيش الحبّ والغفران مع كلّ آخر لنا “اننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحبُّ الإخوة، من لا يحبّ أخاهُ يبقَ في الموت” (1يو14:3)، فحيث القيامة فهناك الحبّ.
القيامة انتقال إلى حياة تختلف عن الاختلاف، وهذا يحتاج إلى ألم “إن لم تقع حبَّة الحنطة في الارض وتَمُت فهي تبقى وحدها، وإن ماتت تأتي بثمرٍ كثير” (يو24:12)
فأعطنا أيها المسيح القائم من القبر أن نؤمن في ظلمة ضعفنا وأهوائنا، أنّك تزلزل قبورنا، وتدحرج حجره الثقيل، فتبعث فيه نافذة قياميّة متجددة بالنور؛ وهكذا تحلّ قيود خطايانا لنشرب كالسّامرية من الماء الحيّ، ونختن كلّ شهوة خبيثة لنتناول المنّ السّماوي؛ جسدك ودمك الإلهيين، وبذلك نكون شهوداً لقيامتك في كلّ لحظة من لحظات حياتنا.

الحية القديمة والنميمة “أحقاً قال الله..؟” – ماريّـــا قبارة

الحية القديمة والنميمة

“أحقاً قال الله..؟”

ماريّـــا قبارة

 

إنّ الكلمة لها تأثير على النفس البشرية، والكلمة التي تخرج من الفم تعبّر عما بداخل الإنسان. الكلمات هي شرح مفصل ودقيق لشخصية المتكلم، فمن القلب الصالح تخرج كلمات البناء ومن القلب الشرير تخرج الكلمات الهدّامة
سُِئل حكيم عن أفضل عضوٍ في جسد الإنسان فقال “اللسان”، وعندما سُئِل عن أسوأ عضو فيه قال: “اللسان أيضاً”
اللسان نارٌ آكلة، به نبارك وبه نلعن، “هو شرٌ لا يُضبط مملوء سمّاً مميتاً، به نبارك الله الآب وبه نلعن الناس الذين قد تكوَّنوا على شبه الله” (يعقوب8:3-9). اللسانُ عضو صغير جداً لكنّه أصعب المخلوقات ترويضاً.
من دون الحطب تنطفئ النار وحيث لا نمَّام يهدأ الخصام. “رجل الخصام يُطلق الخصومة، والنمَّام يفرق الأحباء” (امثال28:16)
إنَّ أول من استخدم سلاح النميمة هذا كان “الحيّة القديمة”، عندما جاء إلى حواء في عدنٍ وقال لها: “أحقاً قال الله..؟ ” (تكوين1:3)، أراد هدم العلاقة بين الله والإنسان فكان السقوط بالشك والعصيان
إنَّ النميمة والإشاعات ونقل الكلام من المُتع الاجتماعية التي يمارسها أكثر الناس، ولكن ما يكسر القلب أنّ هذا يحدث أيضاً وسط جماعة الرب في الكنيسة. النميمة سلاح مدمّر مخرّب، يهدم بيوت عائلات تعيش بسلام، وتقطع أواصر المحبة والأخوة بين الأصدقاء. تشبّه الشائعات الكاذبة بريش النعام عندما ينثر لا يمكن إعادته، وهكذا الكلام الذي يخرج من الفم
فإذا كنت تبغي التأثير في الآخرين، استخدم قوة الكلمات البناءّة، ودرّب لسانك على كلمات التشجيع، فإن لغة التشجيع لغة جديدة مختلفة عن سائر اللغات الحيّة، فهي باقة الكلمات الطيبة الرائحة والتي يشتاق الآخرون إلى استنشاقها
استخدم كلمات إيجابية حتى مع رؤسائك، فإن رئيسك يحتاج لكلمات التشجيع ليطمئن لنجاح إدارته ويشعر بمساندتك له. والتشجيع يحتاج إلى مهارة، فليست كلّ الكلمات الجميلة هي كلمات تشجيع ولكنهّا تؤثر إيجابياً. هناك كلمات تكون وقوداً لحظة اشتعال الحريق، وكلمات تكون مياهاً تطفئ الغضب الناتج. والتشجيع لا ينبع إلاّ من الشخص الذي تعلّم المحبة، فالتشجيع من دون محبة يسمى “نفاقاً”. التشجيع كلمات تعبّر عن الاقتناع وهو احد الفضائل التي تعبّر عن المحبة والاحترام
يقول حكيم: “ما تقوله تعلمه وما تسمعه تتعلَّمه، ومالم تقُله تملكه وما تقله يملِكك”. والله جعلَ لنا أذنين ولساناً واحداً لنسمع ضعف ما نتكلم. وتأكَّد أنَّ من ينمّ لك فذاك ينمّ عليك. فلا تصدق كلّ ما تسمعه ولا تحكم على شيء أو شخص من دون تحقق، ولا تنقل كلّ ما تسمع به، “لذلك اطرحوا عنكم الكذب وتكلموا بالصدق كل واحد مع قريبه، لاننا بعضنا أعضاء البعض” (افسس25:4)، “ومن يحفظ فمه ولسانه يحفظ من الضيقات نفسه” (أمثال: 23:21)
باللسان يمكن أن نرتقي إلى السموات، وبه أيضاً يمكننا أن ننخفض إلى الأرض. فماذا يكون الحال في مجتمع هوايته الأولى الكلام؟!

ولما حضر يوم الخمسين – ماريَّــا قبارة

ولما حضر يوم الخمسين
“توبوا وليعتمدْ كلّ واحدٍ منكم، فتقبّلوا عطيّة الروح القدس”(أع37:2)

ماريَّــا قبارة

 

إننّا معيدون اليوم لعيد الخمسين، عيد حلول الروح القدس، عيد نجاز وعد السيد وتحقيق آمال الرسل القديسين الأطهار. إنه سرٌ عظيم خلاصي.
إنّ عيد الخمسين عند العبرانيين تذكاراً لدخولهم أرض الميعاد، أما نحن المسيحيين فنعيد عيد الخمسين لأن الروح القدس فيه حلَّ على التلاميذ الأطهار بهيئة ألسنة ناريّة فامتلأوا كلّهم من نعمته “وطفقوا يتكلمون بألسنة مختلفة بعظائم الله” (أع4:2). كان العبرانييون يقدّمون لله تقدمة جديدة، أيّ خبزاً، لأنهم دخلوا أرض الميعاد وأكلوا خبزاً بعد أن كانوا يقتاتون المنّ في البرية، أما نحن المسيحيين فنقدّم الخبز السماوي المحيي، الذبيحة غير الدموية عن تسبحة وشكر وإكرام وسجود.
أُعطي روح الرب لشاول ليبشرّ، وبالروح القدس علّم داود وتكلّم الأنبياء. ظهر بغتةً بهيئة ألسنة نارية واستقر على البشر. لم يمتلئ البشر من مواهب الروح القدس كما امتلأوا يوم الخمسين المقدس وعليه قال الإنجيلي لوقا: “امتلأ الجميع من الروح القدس”. فأخذ الرسل مواهب التكلم بالألسنة وصاروا كليي الحكمة؛ اجترحوا العجائب عرفوا المسقبلات، تشدّدت عزائمهم وتمجَّدوا في كلّ المسكونة. أعطى الروح القدس الرسل أن يبشروا بألسنة جديدة، وهدف الموهبة هو بنيان الكنيسة وليس مجرد تشويش وبلبلة. في وقت مضى أراد الرب أن يفرّق شعوب الأرض فبلبل ألسنتهم أما في يوم الخمسين فأراد الرب أن يوحدّ البشر فأعطاهم أن يتكلموا بلغات جديدة ليوحدّهم لكي يكرزوا بالإنجيل فتصير رعية واحدة لراعٍ واحد.
إنّ حلول الروح القدس أنعش الكنيسة وحدّد روح الجماعة وأعطاها قوة على الالتزام والشركة المقدسة. والشركة المسيحية علاقة تبدأ مع الله الآب والابن مع المؤمن بالروح القدس وتنتهي بالآخر، إنّها الرابط الحي للجماعة المسيحية. والشراكة هي مساهمة كل مؤمن بما عليه من واجبات وما له من مواهب تساهم في نمو شركة الكنيسة كلها.
أين نحن من الشركة والشراكة في كنائسنا التي هي علامة انتمائنا لجسد الرب؟ أين نحن من المشاركة في العطاء والإحسان المادي؟ حولنا، محتاجون فقراء مساكين، ماذا نفعل لأجلهم؟. هناك ممارسات لا تُرضي يسوع، ننتهز أدنى الفرص لتجريح الآخرين، نعيش بطريقة كأن الله يجب أن يكون بعيداً وغير مشارك في حياتنا.
إنّ شركة الكنيسة تتلّون بحياة يسوع وطريقة معاملته واهتمامه بالآخرين. جاء يسوع ليعطي ذاته للكل، أعطانا الروح القدس ومواهبه. وهذه المواهب التي فينا لا تخلّص الإنسان بل ثمرها هو الذي يخلص. إنّ ثمر الروح هو علامة التفاعل بين المؤمن وسكنى الروح القدس فيه. ومن دون الثمار لا تستحق أيّ شجرة أن تبقى شامخة بل يلعنها السيّد مثل شجرة التين غير المثمرة فالمطلوب، ثمار وليس كثرة أوراق توهم الجميع بأنّها شجرة كبيرة.
فمواهب الروح القدس تكون سبب دينونة، وهي وزنة سيحاسب عليها الإنسان إن ساء استخدامها. “وأما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام طول أناة لطف صلاح إيمان” (غل22:5).

“رابح النفوس حكيم” (أمثال:30:11) – ماريَّــــا قبارة

“رابح النفوس حكيم” (أمثال:30:11)

ماريَّــــا قبارة

 

إنّ الخطيئة الخفية تضرُّ فاعلها فقط، أما الخطيئة العلنية فتضرُّ كثيرين لأنها مشاهدة ومسموعة. والخطيئة في الخفاء خطيئة واحدة أما التي تصير جهاراً فتكون خطيئة ذات ألف ضعف بسبب الذين ينظرونها ويسمعونها، فلا ينالهم منها إلاّ الضرر والعثرة.
وتنتشر خطيئة العثرات وتتفشى بين المؤمنين بسهولة، لان المثال الرديء وخاصة من الكهنة ورجال الكنيسة يعثر منه المرء ويبطل به تبكيت الضمير
تجسّم العثرة الخطيئة كثيراً فـ “الويل لذلك الإنسان الذي به تأتي العثرة” (مت7:18). والويل لذلك الكاهن الذي وضعه الله على منارة الباب الملوكي لكي ينير بنور أعماله الفاضلة جميع الذين في كنيسته أما هو فبظلام أعماله وكلامه يعثر جميع الإخوة الذين أؤتمن عليهم. فلا تبرير للعثرة بأية حجة رعائية كانت أم ائتمانية. الويل لأولئك الكهنة والمربين الذين أسلمهم الله أمر رعاية أبنائه حسناً وأما هم فبدلاً من أن يؤدبوا بالمثال والقدوة الحسنة يدهورونهم ويعثرونهم بالتشهير وغيره في مهاوي الهلاك.
وإن كان التواضع المملوء حباً هو مدخل الملكوت فإن هذا التواضع يقوم على نفس منفتحة وواضحة. وإن شعر الكاهن أن ابناً له قد اخطأ، ففي محبة صادقة وشخصية يذهب إليه ويعاتبه منفرداً حتى إذ يسمع منه يربح اخاً. يذهب إليه حاملاً فكر المسيح لكي يقتنيه بالمحبة للمسيح كعضوٍ في جسده. يذهب إليه منفرداً حتى لا يتحول العتاب صراخاً أو نوعاً من التشهير ولكي يعطيه فرصة لمراجعة نفسه بلا عناد. يذهب إليه ليحمله للتوبة إلى الله.
يقول الذهبي الفم: “إن أخطأ أخوك إليك، فابحث عنه سراً لتصلح خطأه خفية. أما إن أردت توبيخه أمام الجميع فأنت لا تكون راعياً لأمره بل فاشياً للسرّ ومعثراً آخرين”
وفي العثرات التي يرتكبها الكاهن بحق إخوته والمؤمنين يحاسب عليها أمام ربه. لذا فعلى الكاهن الراعي أولاً أن يدقق جيداً في كل لفظ يقوله وفي كلّ تصرف يصدر منه. وما الكهنوت يا إخوتي إلاّ سلاح ذو حدين: قد يكون بركة وهذا للتقديس، أو عثرة للغير! وعليه ألاّ يتحدث أو يعظ عن فضيلة روحية يطلبها من رعيته وهو لا ينفذها في حياته! وأن يحترس في الوعظ في الأمر ذاته أكثر “فلا تكونوا معلمين كثيرين يا إخوتي عالمين أننا نأخذ دينونة أعظم” (يع1:3)
لا تحتمل الكنيسة عدم الحكمة في الكلام أو التصرف. ومن فم الكاهن تخرج الشريعة، “فبكلامك تبرر وبكلامك تدان”، ولا تنسى أبداً أن الكهنوت يفرض عليك قيوداً في الكلام. فكلام الكاهن لغة الملح وليس لغة العالم بكلامه الرديء.
القلب الممتلئ بالمحبة يترفق بالخطاة ويشفق عليهم ويراعي ظروفهم ولا يحتقرهم أو يشهر بهم بل يقف إلى جانبهم. ومشاعر المحبة من أنبل المشاعر وسبباً لجذب الآخرين. فلا فائدة بذهابنا لخدمة القديسين. نحن نخدم الجميع بل نخدم الخطاة أولاً من اجل المحبة التي تردد دوماً نشيدها الخاص “ومعك لا أريد شيئاً” وبها نقدم جواباً لدى منبر المسيح المرهوب “الذين أعطيتني حفظتهم ولم يهلك منهم أحد” (يو17:12)

“ليس هو ههنا، لكنه قد قام” (لوقا6:24) – ماريَّـا قبارة

“ليس هو ههنا، لكنه قد قام” (لوقا6:24)

ماريَّـا قبارة

 

القيامة فيض الحياة الإلهية في إنسانية المسيح المنفتحة على الله بعطاء تام. فالمسيح بلغ قمة التخلي بصليبه المقدّس وقدّم كليته لله الآب تقدمة محبة فتدفقت الحياة الإلهية في إنسانية المسيح المنفتحة كلياً لله الآب وتحوّلت بالمجد الإلهي.
إن مجد إلوهية يسوع المتجسّد كان مستتراً وراء الطبيعة البشرية التي اتخذها بحدودها وشقائها. وبصليب المسيح تحققت القيامة وظهر مجد الرب بقيامته من بين الأموات
فبعد أن رُفع المسيح إلهنا على الصليب رفع خطايا العالم وذاق الموت، ونزل إلى أسافل دركات الجحيم فسحق الأمخال الدهريّة المثبتة وللحال قام من بين الأموات وصعد إلى السماء بمجد وقوة
وهكذا علينا أن نخرج من هذا العالم وندخل بشبه آلام الرب في قبر التوبة والتواضع فيدخل الرب إلى أجسادنا كإلى قبر ويتحدّ بنفوسنا الميتة مقيماً إياها معه من جديد
علينا أن نسرع إلى الكنيسة؛ بريتنا ومحرابنا، “كثيرة هي أولاد البريّة” (اش1:54)، وأن نحلَّ قيود خطايانا بأن نشرب الماء الحيّ كالسامرية، وماؤنا الحي هو التعاليم الإلهية، وأن نختن كل هوى خبيث وشهوة ضارة، ونتناول المنّ الإلهي؛جسد مخلصنا ودمه الكريمين. وهكذا نعيّد فصحاً مقدساً لائقاً، فهذا هو اليوم البهيج الفرح، يوم الغبطة والسرور، عبق قيامة المسيح، فلنفرح ولنتهلل به.
والقيامة توبة، ونحن الخطاة الأموات علينا بالتوبة لنعبر القيامة، فالقيامة ليست ذكريات ننشدها ونتذكرها ولا طقوس نمارسها بل هي حياة نحياها مع الرب يسوع القائم من بين الأموات والذي أقامنا معه.
فهلموا بنا إلى قبر المخلص مع النسوة البشيرات لنجده فراشاً أعدّه لنا الرب بأكفانٍ ثمينة، ونجد منديله لنمسح به دموعنا المسكوبة في جهادنا في هذا العالم، ونتعرف مع المجدلية على صوت الرب “صوت حبيبي، هوذا آتٍ طافراً على الجبال قافزاً على التلال” (نش8:2)، ونحوّل قلوبنا نحوه ونهتف: “ربي وإلهي المجد لك”

المسيح قام، حقاً قام

يارب، ماهي مشيئتُك في حياتي؟ – ماريا قبارة

يارب، ماهي مشيئتُك في حياتي؟
ماريا قبارة

 

سؤال يطرحه أكثرنا نحن الشباب ، ليعرفوا أو يقرأوا ما هي إرادة اللّه في حياتهم. فالعازبون يريدون معرفة مشيئته أيتزوجون أم لا؛ وإن أشار عليهم أحدٌ بضرورة ذلك يطرحون سؤالاً آخر: ممّن يتزوجون؟ أمّا أولئك الذين يشعرون بدعوة اللّه لهم للتفرغ للخدمة الكنسيّة أو التكريس فيريدون أن يعرفوا متى وكيف وأين؟
نحن في إطارِ شبابٍ مضطرب، نعيش حالة تشوشٍ وعدم استقرار، ننفعلُ لأيّ سببٍ كان، ونتساءل في كلّ وقت: هل نحن ضمن نطاق مشيئة اللّه لنا، أم لا؟
من الخطأ تمامًا على أيّ شخص يريد أن يطيع الربّ أن يعيش في هكذا اضطرابٍ ، فهو يشوّش على الآخرين بتصرفات قد تكون معثرة، محاولاً بذلك تمييز إرادة اللّه. إنّه لمدهش ورائع أن تحاول أن تميّز وتطيع مشيئة اللّه وتخضع لإرادته! لكن من الخطأ أن تصيب نفسك بجنونٍ محاولاً أن تميّز مشيئته. إنّ اللّه لا يجرِّب بالشرور (يع13:1)، ولكن يسمح أن نجرّب لكي ننتفع روحيًّا. فليس من اللّه أنّك تعيش هذا الخوف والاضطراب النفساني، وأنت بذلك تسبّب دمارَك الروحي غائبًا عن ذهنك مشيئة اللّه وإرادته. فسرّ معرفة اللّه في حياتنا هو سرّ رغبتنا الداخلية بأن نطيع إرادته، وأن يكون هذا سرَّا. فأولاً وقبل كلّ شيء لا نستطيع أن نلبي رغبة إطاعة إرادته في لحظة معينة، فطاعة اللّه لا يمكن الوصول إليها عن طريق التعلّم أو الدراسة وما إلى هنالك. بل تنمّى هذه الرغبة عندما نقضي وقتَ صلاةٍ مع اللّه، وهو سيعلمنا أن ندرك أنّ المكان الذي نحن فيه هو بالضبط المكان الذي يريدنا فيه مادمنا في سلام وهدوء داخلييَن، وحيث نحن؛ هذا مايريده. فتوقفْ عن التشكيك والتردّد وقرّر بصدق وجديّة خطوة خيّرة لحياتك.
مشكلتُنا أو مشكلة معظمنا الحقيقيّة هي أنّنا نرغب سرَّا أن يلبّي الرّب رغباتنا، فنحن نتوق ونتلّمس من اللّه أن يبارك أعمالنا وقراراتنا. نتكلم علنًا ونطلب من مرشدينا الحكمة والإرشاد بأن يعمل اللّه فينا وأن نعمل إرادته، لكن بالحقيقة أنّ كثيرين منّا يريدون فقط أن يبارك اللّه أعمالهم. وهم لا ينتقلون من مرشدٍ إلى آخر ليسمعوا صوتَ اللّه بل صوتهم، وهذا تنقّل بلا وعي وخاطئ. واللّه من خلال المواقف الصعبة يحقّق قصدًا معينًا في حياة الناس؛ يعلّمهم دروسًا لا تصدق، يهذّب العقول، يدرّب، يختبر، يصقل. فاللّه يرشدنا ولا يطيعنا. اللّهُ سيدٌ، يمسك بزمام الأمور ويسوسُ العالم، وليس من يتحكم به، فاللّه سيدُنا وهو من يحرّك الأشياء في حياتنا إتمامًا لقصده ولخيرنا. لقد شرح أمورًا كثيرة في الكتاب المقدس لا تحتاج إلى تأويلات.
فالكتاب لا يقول من تتزوج؟.لكنّه، بكلّ وضوح، يقول أن تحفظ نفسك طاهرًا إلى أن تتزوج، وبعد الزواج ينهيك عن الزنى. الكتاب لا يقول لك أن تتخذ مجرى معينًا لحياتك دراسيًّا كان أم مهنيًّا، بل يقول لك أن لا تكذب، ولا تسرق، ولا تؤدّي مهنة قد تؤذي بها الناس.
أمّا هذا الاضطراب في اتخاذ قرار معين في حياتنا، هو عدم قدرتنا على صنع ذواتنا؛ المشكلة الحقّة والأساسيّة. فلنبدأ في التحدّي، ونحن بذلك قادرين، ولدينا كلّ إمكانية للتحليق في دائرة القدرة، من هنا سنصل. فالناجح لا يحمل في خارطته الذهنيّة فشلاً، بل يعرف ما هي التجربة!-ونحن نمشي في غمام التجارب- فلننظر إلى حياتنا من الزاوية المشرقة، فإن استطعنا أن نمتلك هذه النظرة، نصنع ذواتنا بنعمة ومشيئة اللّه ، فنحن من يقرر، “فالذي يقف اليوم ولا يتحدث؛ سيقف غدًا ويتحدث”.
قرأتُ لمؤلفٍ هذه الجملة: “ما احترقَ لسانٌ بقوله نارٌ، ولا اغتنى فقيرٌ بقوله ألف دينار”. فلن نجني شيئًا إن وقفنا ننتظر مشيئة اللّه دون أن نعمل لنحقق ذواتنا. لكن فلنقل فكرتنا ونهذبّها ونسأل عنها، وننطلق لنعمل بها سائلين اللّه بها مشيئته ونعمته. فالحياة تجربة، وعملنا فيها إما نجاحٌ أو فشل. أمّا صِناعة الذات فهي فكرة تخلق الأمل الذي يحذوه العمل. هكذا نصنع ذواتنا ونحوّل الدقائق الميتة إلى دقائق مثمرة، ونحوّل مشكلتنا وحيرتنا إلى تفاؤل.
فإرادة اللّه هي قداستنا (رو1:12-2)، ولا تتأتى القداسة من العلم ودراسة اللاهوت، بل هي منهجٌ وطريقةُ حياةٍ فضلى مسيحيّة. وكلّ ما يعوقنا في التقدّم في القداسة ليس إرادة اللّه لنا. فلننفض الأوساخ عنّا ولنقم من روح عدم الاستقرار ، فلقد فتح اللّه لنا الباب واسعًا. ومهما نفعل علينا أن لا ننسى أنّ اللّه خالق العالم؛ إلهُ العهدين وحافظُ كلّ البرايا وحافظ نفوسنا. ونحن بنعمة اللّه نستطيع أن نستخدم أخطاءَنا كأحجارٍ نخطو عليها لكي نحقق قصد اللّه بها، فرحلتنا طويلة وعلينا أن نطلب مساعدته لننتقل من دائرة المشكلة إلى الحلّ، ولنسمع ما يقوله الانجيليّ يوحنا في رسالته الثالثة: “ليس فرحٌ أعظم من هذا أن أسمع عن أولادي أنّهم يسلكون بالحقّ” (3يوحنا4).

الأب الروحي – ماريا قباره

الأب الروحي

ماريا قباره

 

الأب الروحي حالةٌ في كنيستنا نراها بالكاهن الذي يمارس سرّ التوبة والاعتراف. وقد يكون هذا الأب كاهناً أو راهباً، والأبوة لا تتحقق فقط بالدراسة أو بالتعليم بل بالتلمذة والخبرة الطويلة فهي موهبة ودينونة، نعمة ومسؤولية أمام الديَّان العادل. وفي التراث الأرثوذكسي الأب الروحي من تجرَّد عن كلِّ هوى واستكان بالروح القدس حكمةً وتمييزاً وتجلّى فيه فكر المسيح وطاعته، فهو يرى النفس البشرية المحبوبة من اللّه متألمة بخطاياها التي تعترف بها، ومن هنا فالعلاقة الصحيحة بين الأب الروحي وابنه هي العلاقة الموضوعية التي لا انفعال فيها ولا هوى يسوقها.

هناك تشوش مابين حالة الأب الروحي والأب المعرِّف، فالكنيسة كأمٍّ مقدِّسة لأبنائِها رأت في ممارسة سرّ التوبة والاعتراف ضرورة حيويّة لنقاوة أبنائها، أمّا دور الأبّ الروحي فيتجلّى في تبني التدريب المتواصل لمسيرة الشخص الروحيّة، لذلك لا يمنع أن نمارس سرّ الاعتراف بمعزلٍ عن أبينا الروحي بسبب ظروف قائمة وهذا لا يلغي دور الأب الروحي ولا يبطل أبوته وبنوتنا لأنّنا في النهاية آباءً  وأبناءً نلتمس وجه الرّب يسوع، فهو أبونا ومعلُمنا الوحيد ويختار أقنيته للتواصل معنا كما يشاء هو ويرتأي.

أمّا إغراء الاعتراف عند الكاهن البتول بدلاً من كاهن الرعية المتأهل فهو إلى ازدياد لا وعي ولانضج فيه للطرفين، وهذه العادة إن دلّت على شيء فهي تدّل عن عدم وعينا للروح الكنسيّة الأصيلة التي يجب أن نكون عليها، فالنعمة التي أُخذت في الشرطونية هي نفسها للخادمَين. ونحن خير من يعرف من التقليد أنّ الرسل عندما دعاهم الرّب للبشارة كان لهم عائلات، فقد كانوا متزوجين عدا الحبيب يوحنا. والبتولية بمعناها العام والمفترض هي الحبّ الأكثر للسيد نسكاً وخدمةً وبالنتيجة موهبة وعطية، وهذا هو تعليم آباء الكنيسة على مختلف العصور.

وقد حذرنا هؤلاء الآباء من تجربة في غاية الخطورة وهي الإعجاب بالأب الروحي بطريقة تؤدي إلى إعاقة حياتنا الروحية إذ إننا نقف عند أبينا كمثالٍ وليس عند اللّه ونسعى إلى أن نصبح نسخة أخرى عنه وليس كما شاء اللّه لنا أن نكون، وهذا يعني فيما يعنيه أننا  لا نجيد الانفتاح على اللّه بل بطريقة ما ننغلق على مشيئتنا حتى ولو كان يظهر لنا وللآخرين بما فيهم أبينا الروحي أننا نمتلك فضيلة الطاعة. فغاية الأبوة الروحيّة أن يتجلى المسيح فينا كما نحن وليس كما هو. وينبهنا القدّيس السلمي في كتابه “السلم إلى اللّه” إلى ضرورة الحرص في إختيارنا للأب الروحي لأنَّه قد يقع في فخ السيطرة وتحقيق المشيئة الذاتية بظلّ وجودِ هكذا أبناء. في حين أنّ الأب الروحي “الأمين على بيت سيده” (لوقا 17) يسعى بإبنه إلى النضج وإنماء مواهبه وصقلها. وأمّا إن لم تحظَ بهكذا أب (وهذا أقلّه في أنطاكية! وفي العالم بأسره) فكما قال الرّب يسوع في انجيله “لديك موسى والأنبياء” (أيّ الكتب المقدسة). ولكن تبقى خبرة ممارسة سرّ التوبة والاعتراف  تحمل من عذوبةِ التعزية ومظهر المحبة الأصيلة المتجلّي في  الإصغاء والحوار النادرَين في أجوائنا، فالإصغاءُ فنُ المحبةِ الخاصّ، والاعتراف ليس استجواب ولا دردشة، فالأب المجرّب  لايستهجن في سماعه السقطات ولا يبرّر الخطيئة، بل عليه أن يساعدَ هذه النفس فهو أصلاً لن يحمل شيئاً من زلات البشر فالمسيح من حملَ خطايانا. ويسعى بحنانٍ دؤوب إلى معرفة الجذر الذي نبتت منه شجرة الخطيئة هذه، ويجتهد بصبر متوسلاً إلى اللّه أن يرحمنا، فيأتي العلاج حالة شخصية في غاية الخصوصية فالذي يقال لهذا لا يقال لذاك ولا يطبّق عليه. والتعاطف بين الابن والأب الروحي ضرورة وحاجة، وهذا لا يعني أن الأب الروحي يفتش لأن يكون محبوباً بل حرّاً من أيّ مديح ومتواضعاً كما ربه الذي يحبه هو، فالتعاطف يتجلّى كثمرة لعلاقة صحيحة وصحيّة بين الطرفين. وهذا الاستدفاء بين الأب والابن يعطي الطمأنينة والسلام للابن ليمشي قُدماً بطاعة المسيح بعينيّ أبيه، فهو من أعطاه وقته وأصغى إليه وحاوره ونمّاه للرّب لا له، بنعمة وبكنف الروح القدس.

نحو حياة روحية مثمِرة – من رسائل غريغوريوس ميتروبوليت نوفوغورد

نحو حياة روحية مثمِرة
لماذا لا تؤدّي رغبتنا بعيش حياة أفضل وأكثر قداسة إلى ما نصبو إليه؟
من رسائل غريغوريوس ميتروبوليت نوفوغورد
نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

غالباً ما تكون نيّتنا، بأن نصحّح أنفسنا ونحيا حياة مقدّسة، غامضة وغير محددة. هذا هو السبب الأوّل الذي يجعل هذه النيّة بلا نتيجة. على سبيل المثال، إنسان قد أخطأ يقول لنفسه: “إنه وقت مناسب لي لأن أتوقّف عن الخطيئة، وقت لتغيير سبيلي! أنا أتوب! لن أعود للخطيئة!” النيّة هنا غير محدّدة فعلاً. ولهذا السبب، بالرغم من إمكانية كونها صادقة، فهي غير جديرة بالاعتماد وقد لا تحقق الإصلاح المنشود. مَن عنده رغبة صادقة بتغيير نفسه، عليه قبل كل شيء أن يحدد بالضبط ما ينبغي تصحيحه. عليه أن يحدد ما هي خطيئته الكبرى والسبل التي ينبغي به استعمالها في مواجهتها، والأخطار التي عليه تجنبها كي لا يسقط مجدداً في هذه الخطيئة، كونها صارت عادةً وجزءاً من حياته. ينبغي أن يأتي كلّ هذا الفكر وهذا الامتحان للذات أولاً، وعندها فقط يؤخَذ قرار ما، وينبغي أن يكون قراراً محدداً، مثل: “كفى! بمعونة الله أنا لن أقع بعد الآن في هذه الخطيئة أو تلك؛ سوف أقطع هذه العادة الرديئة؛ أنا لن أعاشر بعد الآن هؤلاء الذين شجّعوني على هذه العادة؛ سوف أقطع تلك العلاقة الفاسدة؛ سوف أستعمل الوسائل الفلانية ضد هذه الخطيئة؛ سوف أسلّح نفسي وأحشد كلّ قواي ضدها عندما تبدأ مجدداً بإغرائي”.
الأمر نفسه ينبغي قوله عند اتّخاذ القرار بعيش حياة بارّة. مجرّد أن نقول لأنفسنا “منذ هذه اللحظة سوف أحيا بحسب ما يرضي الله” ليس كافياً بأي شكل. هذا القرار غير نهائي كما ينبغي، ومع أنه قد يكون صادراً من القلب، ليس مؤكّداً بأنّ له أيّ تأثير. مَن يرغب بترك حياة الخطيئة والسلوك في حياة البِرّ، عليه قبل كلّ شيء أن يفحص الالتزامات التي يصعب عليه تحقيقها ولا يرغب في إتمامها؛ ما الذي يمنعه بالتحديد من تحقيقها؛ ماذا عليه أن يفعل، أيّ وسائل عليه أن يمتلك للإيفاء بهذه الالتزامات بشكل أيسر. بعد هذا، عليه أن يأخذ قراراً واضحاً، على مثال: “الآن، بمعونة الله سوف أحاول أن أفي بهذا الالتزام الذي إلى الآن لم أقم به إلا على نحو هزيل؛ سوف أنكبّ على استعمال هذه الوسائل بهدف تحقيقه. مثلاً، عندما يؤذيني شخص ما، سوف أكون أكثر صبراً. سوف لن أبادر إلى الشتائم واللغة النابية، وما هو أفضل، سوف لن أردّ أبداً؛ مع الصحبة الفلانية سوف أكون أكثر حذراً في ما أقول؛ في الأوقات الفلانية سوف أحاول أن أصلّي بحماسة أكبر، هذا ما لم أفعله إلى الآن، وهكذا”. بشكل عام، بقدر ما تكون نيّة الإنسان أكثر تصميماً على تغيير حياته الخاطئة والعيش ببرّ، تكون أكثر ملاءمة لظروفه الخاصّة، لحالة نفسه، علاقته بالآخرين، وغيرها، وعلى هذا القدر يزيد الأمل بتحقيقها. عندما يكون الأمر أكثر تحديداً، يصير توجيه الأفكار والقدرة نحو أمر ما أكثر سهولة، وهكذا بالطبع يصير تحقيق هذا الأمر المرغوب أكثر سهولة.
سبب آخر يجعل نوايانا الحسنة تفشل هو أننا لا نثبت بحزم عند قرارنا. ما أن يمرّ بالجهد يومان أو ثلاثة بعد اتخاذنا القرار، وفيما نحن في روتيننا اليومي في خضمّ اهتماماتنا ومساعينا الدنيوية، حتى ننسى ما عزمنا عليه، مع أننا نكون قد عقدنا هذا العزم بما يكفي من التصميم. لهذا السبب، إذا كنا نرغب فعلاً في تحقيق نيّتنا الحسنة، على كل واحد، كل صباح بعد صلاته الصباحية، أن يستعيد مباشرة إلى ذهنه قراره ويجدّده قائلاً في قلبه: “لقد وعدتُ الله بالتحوّل عن هذه الخطيئة؛ لقد أردت فعلاً أن أنجز هذا التعهّد؛ عليّ أن أحفظ وعدي!” بعد تجديد عزمنا الحسن على هذا المنوال، علينا أن نصلّي بحرارة إلى الله ليمنحنا القوة الكافية للقيام بهذا الأمر. وبالطريقة عينها، ينبغي أن نجدّد عهدنا خلال النهار. وعند المساء، ينبغي ألاّ نمضي إلى النوم من دون أن نتفحّص قلوبنا أولاً لنرى كيف أمضينا النهار: هل حفظنا وعدنا لله؟ وإذا وجدنا أننا خالفنا عهدنا، وقمنا بما هو ضد وعدنا، علينا أن نطلب الصفح من الله مباشرة، ومرة أخرى نجدّد عهدنا وننتبه لذواتنا. بهذه الطريقة يتصرّف المهتمّون بخلاص نفوسهم، وبهذه الطريقة يبلغون الخلاص.
السبب الثالث لفشلنا في تحقيق عزمنا على العيش حياة أفضل، هو خوفنا المفرِط من الصعوبات المرتبطة بهذا التعهّد. لا يمكن بلوغ الحياة المقدّسة من دون عمل، من دون آلام وصعوبات؛ غالباً ما يتطلّب الأمر معركة طويلة وعنيفة. علينا أن نبتعد عن فرص ارتكاب الخطيئة، التي يوجد منها الكثير. علينا أن نضحّي بشتى المتَع الكثيرة الدماثة، أن نتخلّى عن الكثير من المساعي الدنيوية التي تجعل الحياة أكثر إثارة، أن نتحمّل الكثير من الأمور غير الممتعة التي، بسبب محبتنا لأنفسنا، غالباً ما يصير تحمّلها شديد الصعوبة. على سبيل المثال، لقد عقدنا العزم على التخلّص من ميلنا الطبيعي إلى الغضب. لتحويل غضبنا علينا أن نتحمّل بهدوء الكثير مما هو بالنسبة إلينا لا يُحتَمَل، والذي ردة فعلنا العادية عليه هي سيل من الكلمات الفجّة؛ علينا ألاّ نبرر أنفسنا حتى ولو كنّا على حق؛ كثيراً ما علينا أن نصمت عندما نحسّ بحاجة ملحّة إلى الكلام؛ كثيراً ما علينا أن نتنازل للآخرين حتى عندما لا تكون الظروف تتطلب ذلك؛ علينا أن نتحمّل إساءات الآخرين كثيراً ولا نكشف انزعاجنا؛ كثيراً ما علينا أن نرغم أنفسنا على التحمّل بصبر عندما يُفترى علينا أو يُهزأ بنا وكأننا حمقى أو جبناء
. كلّ هذا ينبغي بنا تحمله إذا كنا فعلاً نرغب بتحقيق رغبتنا بالتخلّص من الغضب.
لحفظ النفس من الغضب أو من غيرها من الخطايا تواجهنا صعوبات تبدو عظيمة جداً، من بينها أنّ نفسنا تسقط في القنوط وتبدو كل جهودنا وكأنّها تتبخّر. في هذه الحالات علينا أن نتذكّر الحقائق الإلهية والخبرات القادرة على إعادة معنوياتنا السابقة وقوتنا الماضية، وتعطينا الأمل بترك الخطيئة التي قررنا الابتعاد عنها. إذاً علينا أن نتذكّر أن الإنسان مهما ضعُف، بمعونة الله يمكنه أن يقوم بكل شيء وأن يتحمّل كل الأمور إذا كان يرغب فعلاً بأمر ما ويستعمل لأجله القوة المعطاة له من الله. علينا أن نتذكّر ملايين الأبرار الذي سبقونا وإنكارهم لذواتهم وصبرهم وتحمّلاتهم التي تركوها لنا ولكل العالم مثالاً، علينا أن نتذكّر، قبل كلّ شيء، رغبة الله بإصلاحنا. فبسبب هذه الرغبة، كونه يعرف ضعفنا وحاجتنا، فهو سوف يأتي لمساعدتنا ولن يخذلنا لمجرد أننا تحولنا إليه بصلاة حارة واستعملنا الوسائل والقوة التي أعطانا. علينا أن نتذكّر أنّ الصعوبات التي ترافق بشكل ثابت كل مسعى مهمّ، لا تخيف إلا الكسول وذا القلب الباهت؛ وأنّ الخطوات الأولى على طريق الإصلاح غير محبوبة وصعبة؛ وأنّه بقدر ما يتقدّم الإنسان على هذه الطريق تصير أكثر سهولة وأقلّ إيلاماً؛ وأنّ النصر الذي نحققه على عدونا يجعلنا أكثر قوة وأكثر قدرة على تحمّل الهجمات الأخرى. علينا أن نذكّر أنفسنا دائماً بإحساس السلام والرضى الذي سوف نختبره في الأيام والساعات الأخيرة من حياتنا عندما ننظر إلى الماضي، إلى الصعوبات التي تخطيناها ببطولة، إلى الآلام الكثيرة التي احتملناها بصبر مسيحي، إلى الأهواء التي لا تحصى التي قهرناها بمحبة الله، إلى كل الأعمال النبيلة التي أنجزناها بالسرّ أمام عيني الله فقط، إلى كلّ العطف الذي أظهرناه لإخوتنا البشر، إلى الإخلاص الذي به أتممنا تعهداتنا، في أحوال كثيرة غاصبين أنفسنا على القيام بذلك. أخيراً، علينا أن نذكّر أنفسنا تكراراً بأننا لأجل كل هذا سوف نُكافأ في حياة الزمان الآتي حتى أنّ كل الصعوبات التي تخطيناها في هذه الحياة، وكل الآلام التي احتملناها في هذا الزمان من أجل حياة بارّة، سوف تبدو لنا صغيرة جداً وبالحقيقة تافهة، بالمقارنة مع المكافآت السماوية. أيها الرب القدير! نحن الآن نعدّ كلّ دقيقة من التجارب والآلام ونادراً ما نفكّر بالأبدية المباركة التي تبهِج نفوس أبرارك وخدامك المخلصين. يا أخي! في جهادك نحو الحياة التي ترضي الله، عندما تَزِن صعوباتك وأحزانك الأرضية، استعمل ميزان هذه الأبدية! فهي سوف تكون أهمّ من كل تجاربك، وكل اللذات الأرضية والملذات والمتع.
السبب الرابع الذي يجعل قرارنا يفشل، يكمن في أننا نريد أن نصير فوراً قديسين. كثيرون، عندما يشعرون بمقتهم لسلوكهم الخاطئ، يقررون بحزم أن يغيّروا سبلهم ويقيموا بداية حسنة نحو إصلاحهم؛ لكن كون ذلك لا يتحقق بالسرعة التي يرغبون، وسواء كانوا يقعون في خطيئتهم بسبب العادة أو التهور، فمجدداً يعودون إلى خطاياهم القديمة، فيفقدون جرأتهم ويستنتجون أنّه يستحيل عليهم أن يغيّروا طرقهم.
يا أخي! يا اختي! لا يصير الناس قديسين بين ليلة وضحاها. لا يلين إنساننا القديم بسهولة ليتحوّل إلى إنسان جديد. لا تقع شجرة كبيرة لمجرد تلقّيها ضربة واحدة من الفأس. والأمر نفسه ينطبق على كل هوى شرير متجذّر فينا. إن الطريق إلى الكمال أو النضج الروحي، غالباً ما تكون غير لافتة للنظر، مثل الكثير من الأمور في الطبيعة. يمرّ الإنسان الروحي عبر مراحل متعددة من النمو، تماماً مثل الإنسان الجسدي. يمرّ وقت طويل في الطفولة قبل البلوغ إلى ملء الرجولة وقوتها. هناك فترة طويلة من الضعف، ومن بعدها يصير الإنسان أكثر قوة ويزداد قوة، إلى أن يصبح رجلاً في النهاية. فقط عند ذلك العمر يصير المرء قادراً على القيام بما يلائم الرجل. على المنوال نفسه، كوز الذرة الناضج هو بالبداية بذرة فقط، من ثمّ هو ورقة من العشب، من ثمّ ساق، وفي النهاية كوز من الذرة. ولكن حتى هذا الكوز لا ينضج دفعة واحدة، بل ينمو، يزهِر، من ثم يطلِع شرّابات وعندها فقط يكون قد نضج. هذا يصحّ على حياة البرّ! حتى أفضل رجل على الأرض لا يصير قديساً فجأة. الجزء الأكبر من كماله ينمو ببطء وشيئاً فشيئاً. يقول السيد أن الأرض الجيدة التي تتقبل البذار الصالح تأتي بثمر، بصبر (لوقا 15:8). على الأكيد، ليس السقوط حسناً، والأفضل ألا نسقط, لكن مَن يسقط ومن ثمّ يقوم سريعاً، يصير أكثر حكمة وأكثر انتباهاً، يجدد عزمه الحسن، يصلّي بحرارة إلى الله طالباً قوّة جديدة لبلوغ الحياة البارّة. عند هذا الرجل، لا تشكّل السقطات عائقاً على طريق الكمال. فهو يكسب قوة حتى عند سقطته (سيراخ 31:3) وكمثل الرسول بولس، يَمْتَدُّ “إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ نَحْوَ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا ناسياً مَا هُوَ وَرَاءُ” (فيليبي 13:3-14).
هنا إذاً، بعض الأسباب التي تجعل نياتنا الحسنة، بالابتعاد عن الخطيئة والعيش حياة أفضل، لا تتحقق. فلنتجنّب هذه الأشراك، فلنحاول أن نجعل عزمنا ثابتاً قدر الإمكان، فلنتذكّر دائماً قرارنا وباستمرار نجدده، ولا نضعف إذا لم نبلغ الكمال دفعة واحدة، بل فلنتخطَّ بشجاعة الصعوبات التي نلتقيها برجاء ثابت بمعونة الله.

فضيلة العفة – الأرشمندريت كاسيانوس عيناتي

فضيلة العفة

الأرشمندريت كاسيانوس عيناتي

 

ما هو المعنى اللاهوتي للعلاقة الجنسية ضمن الاتحاد الزوجي الشرعي وخارجه؟

العلاقة الجنسية هي الحجر الأساسي الذي يظهر ويثبت مدى التزامنا بالإخلاص للعهد الذي قطعه الله مع شعبه. وبها تظهر نوعية هذه الأمانة وصدق العهد. والملاحَظ من كلام السيد عن العزوبية الإختيارية: “ما كلّ أحدٍ يحتمل هذا الكلام إلا الذين وُهِب لهم. لأنّ من الخصيان مَن ولدوا كذلك من بطون أمّهاتهم ومنهم من خصوا أنفسهم من أجل ملكوت السمماوات. فمن استطاع أن يحتمل فليحتمل” (متى 19: 11-12). هناك في الكنيسة دعوتان، ليس دعوة للكهنوت ودعوة للعلمنة، وإنما هناك دعوة للعزوبية المقدّسة وأخرى والأخرى الإتحاد الزوجي المبارك. وبالرغم من تفضيل الكثير من آباء الكنيسة البتولية على الزواج، إلا أن في اللاهوت الأرثوذكسي تساوياً في العطاء بين الدعوتين من الناحية الروحية يقود كلاً من الإنسان الراهب والمتزوّج إلى الهدف الأسمى، الذي هو الخلاص. الكنيسة تدعو العازبين والرهبان إلى أن يتمكّنوا بنعمة الروح القدس من تغيير (أو تبديل) الشهوة الجنسية الكامنة فيهم إلى حب صادق، والغريزة إلى صفاء. أمّا المتزوّجون فتدعوهم إلى تحويل شهوة الحب نحو حبٍ صافٍ بلا هوى، نقيّ ومقدّس، ومقدّم بحرية إلى الزوج والأولاد. ويقول المغبوط باييسيوس الآثوسي إثر حادثة سرية عاشها في دير سيناء: “إن القديسين يواكيم وحنة كانا في كمال الروحانية بدون أي فكر شهواني. كان يواكيم قد بلغ رتبة اللاهوى وحنة كانت تذرف الدموع بالصلاة الحارة وعندما التقيا كزوجين حصل لقاؤهما طاعة لله وليس عن لذّة جسدية تدغدغ جسديهما، وطبعاً هذه حالة نادرة جداً ولكنها مُستطاعة، ولأنّ اللقاء الزوجي كان بدون لذّة شهوانية – لأنهما سبقا فقدّسا شهواتهما – كان الثمر هو الفتاة الكليّة القداسة والنقاوة. لم تكن المولودة منعتقة من الخطيئة الجدية لأن الحبل بها كان حبلاً طبيعياً كباقي البشر ولكن في حالة من اللاهوى الكامل للزوجين”. وهذا ما يؤكّده الشيخ كإعلان إلهي كشفه الله له وليس مجرّد أفكار تقوية. فيقول: “لقد عشت الحدث”، ولكنه يصمت عن تفسيره. فهذا شيء نادر جداً ولكنه معقول. فالعلاقة الجنسية تتمتّع بمعنى عميق روحياً ولاهوتياً تماماً كالبوتقة، وكما يصارع النساك ليسموا إلى العلاء بالطبيعة البشرية الساقطة.
والتقاليد الرسولية تدين “الخطايا الجسدية” معتبرة إياها معيقة للارتفاع والسمو نحو ملكوت السماوات الذي يسلكه المتعففون بعد أن يكونوا قد تخطّوا ذواتهم بعيداً عن الأنانية والحاجات الذاتية وتوجيه كل طاقاتهم الجنسية وتسخيرها طاقة للسمو والارتفاع نحو الله. وهذا يتماشى أيضاً مع الحياة الزوجية الشرعية التي لها أيضاً مفهومها في مسلك العفة حيث يوجّه الزوجان اهتمامهما الأول لله ويجسّدانه بحبّهما المتبادل لعائلتهما في جو من السلام والتقوى الزوجية وفرح الملكوت. أما العفّة عند المتبتّلين فهي دعوة سامية ونادرة تعكس أولاً الطهارة الشخصيّة والخروج من الذات الأنانية والأمانة نحو الله، إله السيدة مريم الكلية الطهارة والدائمة البتولية. هذه الدعوة هي دعوة كنسيّة بما تعكس من تكريس للذات والاتحاد الكامل مع الكنيسة للمحافظة على العهد الذي يقطعه المتبتّل في أن يكون لله وحده، وهذا مستطاع إلى حدٍ ما عند الناس إن عرفوا – أكانوا عازبين أم متزوجين أم رهباناً متوحدين – أن الهدف هو واحد ألا وهو المكوث في الخدر الذي يزيّنه الحبيب الواحد يسوع المسيح في رباط أبدي لا يفسخ ولا ينتهي، في عرس الحمل الذي هو العروس والذبيحة معاً. (رؤيا 9، 192، 2117، 22).

ماذا عن القدّيسين؟ – الأرشمندريت كاسيانوس عيناتي

ماذا عن القدّيسين؟

الأرشمندريت كاسيانوس عيناتي

 

الطريق الإنجيليّ الوحيد، على مثال القدّيسة مريم المجدلية، لردم الهوّة بين الجسد القائم من بين الأموات والجسد المائت، يكمن فقط في أجيج نارِ حبٍّ مجنون. وفي هذا الحب يترسّخ إيمان بأنّ بين المسيح وبيننا لُجة، ليست بجحيم وإنما هي رأفة نرتمي فيها ونحن نصلّي من أعماق القلب إلى الاسم الأزلي “الذي قبل أن كان ابراهيم، أنا كائن” (يو58:8). وفي الإيمان يثبت الرجاء بأنه بين “الأنا كائن” في جسم المسيح القائم و”الأنا كائن” في جسمنا المائت هناك أنّات الروح القدس تشفع فينا بحال لا توصف. وإذا ما ضاعفنا صلواتنا وتشارك فيها القلب والذهن معاً، فهي تحملنا إلى خارج ذواتِنا، فوق الخليقة كلّها، في ضوء اليوم الأول وينبثق عنها حرارة تنبعث في جسدنا لتنقل إليه أشعة اليوم الثامن، قوة القيامة العامة نفسها. هكذا اجتاز القديسون الفتور البشري وانتقلوا من برودة الموت الثاني التي تلفح الأجساد دون أن تدري. وبذلك فإن غير المستطاع، وغير الملموس، أصبح ملموساً ومستطاعاً في حِفظ الرجاء وحراسته. فالسؤال يبقى كيف نكون قديسين؟ الجواب يعطيه الإنجيل الذي يدعونا لنكون حارّين ويتركنا أحراراً في أن نكون باردين. فالخيار إذاً هو في المسيح أو في “ضد المسيح”، في الحياة الجديدة أو في الموت الثاني. فالنتيجة ستكون حتمية؛ و”ضد المسيح” بإبادته الشر بالشر والخطيئة بالخطيئة، يحضّر بشكل متناقض مع هدفه مجيءَ المسيح الذي يضع حدّاً نهائياً للشر وللخطيئة؛ ويحطّم الموت بموته ويفتح الباب الذي لا يُغلق.
القداسة هي رهن حريتنا وحريتُنا تتجلى بمقدار حبنا للقريب. الله أحبّنا وصار إنساناً مثلنا. وربط إنسانيتنا بألوهته بواسطة حبّ عميق لا تستطيع أية فلسفة بشرية أن تعبّر عنه. هذا الرّباط وطّده الرب في سرّ القدّاس الإلهي. وأعطانا بالمعمودية حق الإشتراك فيه وأصبح صليبُه وموتُه صليبَنا وموتَنا إذا تذّكرنا وصيته، ولكن قيامته تبقى رهناً بإرادتنا. فبمقدار ما أميت الموت وانقلعت شوكة الخطيئة من أجسادنا، ففتور إرادتنا الذي يسلب منا حريّة الاختيار الصحيح، يزيد من تمزيقنا ولا يبني إلاّ سرير موتِنا الثاني.
أن نتّبع القديسين، لا يكون فقط بالذكر والحكمة البشرية الواهنة ولكن في تحويل القلب في أصعب اللحظات، في تجارب الجسد والذهن المريرة بواسطة الصلاّة الحارة في صحوة إيماننا ويقين الرجاء إلى قلب العالم الواحد. نزهد بالعالم لندرك قلبه ونحبه من كلّ قلبنا وفي القلب. ومن هناك نستقي الحب الذي يروي العالم. بهذه الطريقة زهد القديسون بروح العالم ليحيا قلب العالم بحبّهم له. تشبّه القديسون بالمسيح فأحبّوه كما هو أحبّ، وعاشوا معه كما عاش هو، واتّحدوا معه في شركة حبّه الأزلي مع أبيه وروحه القدوس، فماتوا معه ليصلوا إلى ذروة مجد الحب، إلى “التألّه” بنعمته الإلهية. وهكذا يستحيل الزمن إلى حياة أبدية ويمتلئ المكان بالأنوار الإلهية غير المخلوقة وتفيض العظام المائتة بينابيع الرأفة والمحبّة التي تبشّر بالنهاية السعيدة. هذه النهاية حاضرة وخفيّة في كلّ كائن حيٍّ أتى إلى الأرض، هي الحياة الأبدية النابعة كما يقول الإنجيل من معرفتنا للآب بأنه الإله الأزلي والذي أرسله هو يسوع المسيح (يو3:17) الذي جعل من حياتنا اليومية حياة أبدية.